وأمّا "فَعَّلَ"، فله في الصحيح مصدران: "التَّفْعِيل"، و"التَفْعِلَة"، نحوُ: "كرّمته تَكرِيمًا وتَكْرِمَةً"، و"عظّمته تعظيمًا وتعظَمة"، و"التفعيل"، هو الأصل, لأنّه هو اللازم، فأمّا إذا كان معتلّ اللام بالياء أو الواو؛ ألزموه "تَفْعِلَةَ" ولم يأتوا بالمصدر الآخر، لئلّا يجتمع في آخره ياءان قبلهما كسرةٌ، فيُحتمل ثقلٌ، وعنه مندوحةٌ إلى المصدر الآخر، وذلك قولك: "عَزيْتُه تَعْزِيَة"، و"غَذيْتُه تَغْذِيَة". قال أبو بكر بن السرّاج: الأصل "تَعْزِيا"، و"تَغْذِيًّا"، فحذفت ياءٌ من الياء المشدّدة، ودخلت التاء عوضًا من المحذوف.
وكلامُ الشيخ يُصرَّح فيه بأن المحذوف اللام، وأن يكون المحذوف الياء الزائدة أوْجَهُ عندي, لأن اللام باقية في الصحيح من نحو "تَكْرِمَةٍ"، فكذلك يكون في المعتل، ولا يجوز إسقاط التاء من هذا، فيقالَ في "تغزية": "تَغْزٍ"، كما جاز في "إقامة"، فقالوا: "إقامٌ"، والفرقُ بينهما أن نحوَ "أقامَ"، و"أقالَ" و"استَحاذَ" قد استُعمل على الأصل، فقالوا: "أطْوَلْتُ إطْوالًا"، و"استحوَذْتُ استِحْواذًا". فلمّا كان قد ورد تامًّا على الأصل، جاز أن لا يعوض منه؛ فأمّا نحو"تَعْزِيَة"، و"تَغْذِيَة"، فلم يرد الأصل البتّة، فلزم العوض لذلك، وقد جاء "التَفْعيل" فيه في الشعر، قال [من الرجز]:
فَهِي تُنَزي دَلْوَهَا تَنْزِيًّا ... إلخ
والشاهد فيه قوله: "تَنْزِيًّا"، والقياس: "تَنْزِيَةً"، لكنه راجَعَ الأصلَ ضرورة, لأن الشاعر له مراجَعةُ الأصُول المرفوضة، يُقال: "امرأةٌ شَهْلَةٌ" إذا كانت نَصَفًا، وصار كالاسم لها بالغَلَبَة، ولا يُقال ذلك للرجل. يصف امرأة تستقي ماء، والمراد أنّها ترفع دَلْوَها كما ترفع المرأةُ الصبى عند ترقيصه.
فصل [إعمال المصدر]
قال صاحب الكتاب: ويعمل المصدر أعمال الفعل مفرداً، كقولك عجبت من ضربٍ زيدٌ عمراً، ومن ضربٍ عمراً زيدٌ، ومضافاً إلى الفاعل أو إلى المفعول كقولك أعجبني ضرب الأمير اللص، ودق القصار الثوب، وضرب اللص الأميرُ، ودق الثوب القصارُ, ويجوز ترك ذكر الفاعل والمفعول في الإفراد والإضافة, كقولك عجبت من ضرب زيداً، ونحو قوله تعالى: ﴿أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً﴾ (١) ومن ضربٍ عمروٌ ومن ضرب زيدٍ أي من ضرب زيد أو ضرب, ونحوه قوله تعالى: ﴿وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾ (٢) , ومعرفاً باللام كقوله [من المتقارب]:
٨٨٨ - ضعيف النكاية أعداءه ... يخال الفرار يراخي الأجل
стр. 1437
وقوله [من الطويل]:
[لقد علمت أُولي المغيرة أنني] ... كررت فلم أنكل عن الضرب مسمعا (١)
* * *
قال الشارح: والمصدر يعمل عملَ الفعل المأخوذِ منه: إن كان الفعل غير متعدّ، كان المصدر غير متعدّ، فكما تقول: "قام زيدٌ"، ولا تجاوِز الفاعلَ، كذلك تقول: "أعجبني قيامُ زيدٍ". وإن كان يتعدّى إلى واحد، يتعدّى مصدره إلى واحد، فتقول: "أعجبني ضربُ زيدٍ عمرًا". وتقول: "أعجبني إعطاءُ زيدٍ عمرًا درهمًا"، فتُعدّيه إلى مفعولَيْن كما يفعل ذلك الفعلُ، نحوُ:"أعطيتُ زيدًا درهمًا". وإن كان يتعدّى فعلُه بحرِف جرّ؛ كان المصدر كذلك، فتقول: "أعجبني مرورُك بزيدٍ".
وإنّما يعمل من المصادر ما كان مقدرًا بـ"أنْ" والفعلِ، نحوُ قولك: "أعجبني ضربُ زيد عمرًا"، وتقديره: أن ضَرَبَ زيدٌ عمرًا. فأمّا إذا كان مؤكدًا لفعله، أو عاملًا فيه الفعلُ الذي أُخذ منه على وجه من الوجوه، لم يعمل؛ لأنه لا يقدَّر بـ"أن" والفعلِ، وذلك نحو قولك: "ضربتُ زيدًا ضَرْبًا والضربَ الشديدَ"؛ لأنه لا يحسن أن تقول فيه: "ضربتُ زيدًا أن ضربتُ زيدًا". فأمّا قولهم في الأمر: "ضَرْبًا زيدًا"، فكثيرٌ من النحويين يقولون: العاملُ في "زيد": "ضربًا".
والذي عليه المحققون أن العامل فيه الفعل الذي نصب المصدرَ، وتقديره: اضْرِبْ
стр. 1438
ضربًا زيدًا، ولا يبعد عندي أن يكون هذا المصدر عاملًا في "زيد" لنِيابته عن الفعل، لا بحكمِ أنّه مصدرٌ، وجاء كقولك: "زيدٌ في الدار قائمًا"، فالعاملُ في الحال الظرف الموجود لا الفعل العامل فيه، وذلك لنيابته عن الفعل؛ كذلك هاهنا، ويكون فيه ضميرُ فاعل نُقل إليه من الفعل، وهو ضمير المخاطب، كما نقل الضمير من الفعل إلى الظرف في "زيدٌ في الدار قائمًا". ولو أظهر الفعل، وقلت: "اضْرِب ضَربًا زيدًا"، لم يكن العامل في "زيدًا" إلَّا الفعلَ دون المصدر، كما أنّك لو أظهرت العامل في الظرف، وقلت: "زيد استقرَّ في الدار قائمًا"، لم يكن العامل في الحال إلَّا الفعلَ دون الظرف، وكان خاليًا من الضمير، ولو قلت: "أنكرتُ ضَرْبَك زيدًا"، لكان في معنَى "أنْ" والفعلِ, لأنّه يحسن أن تقول: "أنكرتُ أن تضرب"، إذ العامل فيه من غير لفظه. ولك أن تقدره بـ "أن" والفعلِ المسند إلى الفاعل، نحوَ قولك: "أعجبني ضَرْبُك زيدًا"، والتقدير: "أن ضربت زيدًا". ولك أن تقدّره بالفعل الذي لم يسمّ فاعله، نحوَ: "ساءَني ضربُك"، والتقدير: "أن ضُرِبتَ"، والفرقُ بينهما بالقرائن.
وإنّما عمل المصدر إن كان على هذه الصفة, لأنّه في معنى الفعل على ما ذكرنا، ولفظُه متضمن حروف الفعل، فجرى مجرى اسم الفاعل، فعمِل عملَه، ألا ترى أنّ "أنْ" وما بعدها من الفعل، لمّا كانت في تأويل المصدر، أُعطيت حُكمَه، فوقعت فاعلةً ومفعولةً ومضافًا إليها، نحوَ قولك: "أعجبني أن قمتَ"، فـ"أنْ" وما بعدها من الفعل في موضع مرفوع بأنه الفاعل. وتقول: "أكرَهُ أن تقوم"، والمعنى: أكره قيامَك، كذلك المصدَر إذا كان مقدرًا بـ"أنْ" والفعلِ؛ كان له حكمُ الفعل من العمل.
وإنما اشتُرط أن يكون لفظ المصدر العامل متضمنًا حروفَ الفعل ليدل على الفعل، فلذلك تقول: "مُروري يزيد حسنٌ، ومروري بعمرٍو قبيحٌ"، ولو قلت: "وهو بعمرو قبيحٌ"، لم يجز؛ لزوال حروف الفعل من لفظه.
وهذا المصدر يعمل على ثلاثة أضرب: إذا كان مفردًا منونا، وإذا كان مضافًا، وإذا كان معرَّفًا بالألف واللام.
فأمّا الأول، وهو ما كان منونًا، فهو أقيسُ الضروب الثلاثة في العمل، وذلك من قِبَل أن المصدر إنّما عمل لشَبَهه بالفعل، والتنوينُ يدّل على التنكير، فهو في المعنى موافق لمعنى الفعل، وإن كان في اللفظ من زيادات الأسماء.
وأمّا المضاف، فإعمالُه في الجر بعد الأوَل, لأن الإضافة وإن كانت من خصائص الأسماء وبابُها التعريف والتخصيص، وذلك ممّا لا يكون في الأفعال، إلَّا أن الإضافة قد تقع منفصلة، فلا تفيد التعريفَ على حد وقوعها في اسم الفاعل، فلمّا كان التعريف قد يتخلّف عن الإضافة؛ لم تكن الإضافة منافِيةً لمعنى الفعل من كل وجه، إذ قد توجَد غيرَ معرّفة.
стр. 1439
وأما ما عمِل من المصادر، وفيه الألف واللام، فهو أضعفُها؛ لأن الألف واللام لا تكون في أسماء الأجناس التي هي الأُصول إلَّا معرّفة، فلذلك ضعُف إعمالها. وإنّما قلنا: "في أسماء الأجناس" تحرزًا من الأعلام، فإن الألف واللام قد تدخلها لا لمعنى التعريف، نحوَ: "الحَسَنُ"، و"العَباس"، ونحوِ قوله [من الرجز]:
باعَدَ أُمَّ العَمْرِو من أسِيرِهَا (١)
فمثال ما عمل من المصادر منوَّنًا قولك: "أعجبني ضربٌ زيدٌ عمرًا"، وإن شئت قلت: "أعجبنى ضربٌ عمرًا زيدٌ" فتُقدّم المفعول على الفاعل، وذلك قليل في الاستعمال. وإنّما جاز أن تأتى بعد المصدر بالفاعل والمفعول، ولم يجز أن تأتي بعد اسم الفاعل إلَّا بالمفعول، وذلك من قِبَل أن المصدر غيرُ الفاعل والمفعول، فلم تستغن بذكره عن ذكرهما. وليس كذلك اسم الفاعل، فإنّه هو الفاعل، فلم تحتج إلى ذكره بعده، فلذلك لم تجز إضافتُه إلى الفاعل, لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه.
وجملة الأمر أن الفرق بين اسم الفاعل والمصدر من وجوه ستّة:
أوَّلُها: أن الألف واللام في اسم الفاعل تفيد التعريف مع كونها بمعنى "الذِي"، والألف واللام في المصدر تفيد التعريف لا غيرُ.
الثاني: أن اسم الفاعل يتحمل الضميرَ كما يتحمّل الفعل؛ لأنه جارٍ عليه، والمصدر لا يتحمّل ضميرًا؛ لأنه بمنزلة أسماء الأجناس، والفاعل يكون معه منويا مقدَّرًا غيرمستتِر فيه.
الثالث: أن المصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول، واسمُ الفاعل لا يضاف إلَّا إلى
المفعول لا غيرُ، وقد ذُكر.
الرابع: أن المصدر يعمل في الأزمنة الثلاثة، واسم الفاعل يعمل عمل الفعل في الحال والاستقبال.
الخامس: أن المصدر لا يتقدّم عليه ما يعمل فيه، سواء كانت فيه الألف واللام، أو لم تكن، واسم الفاعل يتقدّم عليه ما ينصبه إذا لم تكن فيه الألف واللام.
السادس: أن اسم الفاعل لا يعمل حتى يعتمد على كلام قبله، والمصدر يعمل معتمدًا، وغير معتمد. فممّا جاء مُعْمَلًا من المصادر منونًا قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ (٢)، فـ"يَتِيمًا" منصوب بالمصدر الذي هو "إطعام"، والتقدير: أو إطعامٌ هو، فيكون الفاعل مقدرًا محذوفًا. فإن صرّحت بالفعل، كان الفاعل مستترًا، نحو
стр. 1440
قولك: "أو أن أطعم يتيمًا"، ومن ذلك قول الشاعر [من الطويل]:
٨٨٩ - فلولا رَجاءُ النَّصْرِ منك ورَهْبَة ... عِقابَك قد صاروا لنا كالمَوارِد
فأعمل "رهبة" في "عقابك"، ومن ذلك قول الآخر [من الوافر]:
٨٩٠ - بضَرْبٍ بالسُّيُوف رُؤوسَ قومٍ ... أَزَلنا هامَهُنَّ على المَقِيلِ
فنصب "الرؤوس" بـ"ضرب".
وأمّا إعماله وهو مضاف، فإنّه يضاف إلى الفاعل، وإلى المفعول لتعلُّقه بكل واحد منهما، فتعلّقُه بالفاعل وقوعُه منه. وتعلّقه بالمفعول وقوعه به، وإضافتُه إلى الفاعل
стр. 1441
أحسن، لأنّه له، وإضافتُه إلى المفعول حسنة لأنّه به اتّصل، وفيه حَلَّ، وذلك نحو قولك: "سَرَّني ضربُ زيد عمرًا"، إذا أضفتَه إلى الفاعل، و"ضرب زيد عمرٌو"، إذا أضفته إلى المفعول تخفض ما تضيفه إليه إن كان فاعلًا، وإن كان مفعولًا، فإن أضفته إلى الفاعل، جررت الفاعلَ، ونصبت المفعول؛ وإذا أضفته إلى المفعول، جررتَه أيضًا ورفعت الفاعل. وممّا جاء من ذلك مُعمَلًا، وهو مضاف، قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ (١) أضافه إلى الفاعل، ونصب "الناس"؛ لأنه مفعول. ومنه قول الشاعر [من الكامل]:
٨٩١ - عَهدِي بها الحَىَّ الجميعَ وفيهِمِ ... قَبْلَ التفرُّقِ مَيسِرٌ ونِدامٌ
أضاف "العهد" إلى الياء، وهو في موضع الفاعل، ونصب، "الحي" لأنه مفعول، و"عهدى": مبتدأ، وقوله: وفيهم إلى آخر البيت في موضع الحال، وقد سد مَسَدَّ الخبر، كقولك. "قيامُك ضاحكًا"، و"ضَربي زيدًا قائمًا".
وقد يضاف إلى الفاعل، ولا يؤتَى له بمفعول، وذلك، نحو: "عجبت من ضربِ زيدٍ"، أي: من أن ضَرَبَ زيدٌ، أو ضُرِبَ زيدٌ. إن شئت قدّرته بما سُمّي فاعله، وإن شئت قدّرته بما لم يسمّ فاعله. ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ (٢)، أي:
стр. 1442
من بعد أن غُلِبُوا. ومن إضافته إلى المفعول قوله [من الطويل]:
٨٩٢ - أمِنْ رَسْمِ دارٍ مُرْبِعٌ ومُصِيفُ ... لعينَيْك من ماء الشُّؤُونِ وَكِيفُ
والتقدير أمِنْ أن رَسَمَ دارًا مربعٌ ومصيفٌ. وقد يضاف إلى المفعول من غير ذكر الفاعل نحو قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ (١)، والأصل: من دعاء الخير هو، والتقدير: من أن يدعو الخيرَ، ومثله قوله تعالى: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ (٢)، أي: بسؤال نعجتك هو، وحذف الفاعل للعلم به، ودلالةِ الحال عليه, لأن المصدر لا يتحمّل ضميرًا بخلاف الصفة. فأمّا قوله [من الطويل]:
٨٩٣ - فلا تُكْثِرَا لَوْمي فإن أخاكما ... بِذكْراهُ لَيْلَى العامِريةَ مُولَعُ
стр. 1443
ففي البيت مصدران:
أحدهما: "اللوم" والآخر "الذكرَى" فـ "اللوم" مضاف إلى المفعول، والمراد: لا تكثر لومَك إيّاي، و"الذكرى" مضاف إلى الفاعل، وهو الهاء، و"ليلى" المفعول في محل منصوب.
وأمّا الضرب الثالث: وهو إعمال المصدر، وفيه الألف واللام، فنحو قولك: "عجبت من الضرب زيدٌ عمرًا"، أي: من أن ضرب زيدٌ عمرًا، ولا أعلمُه جاء في التنزيل. فأمّا قوله [من المتقارب]:
ضعيفُ النِّكَايةِ أَعْداءَه (١) ... إلخ
أنشده سيبويه (٢) غُفْلًا، ولم يذكر شاعرَه، والشاهد فيه نصب "الأعداء" بـ"النكاية"، لمنع الألف واللام الإضافة كمنع التنوين، وبعضهم ينصبه بمصدر منكور منوّن محذوفٍ تقديره: ضعيفُ النكايةِ نكايةٍ أعداءه، وذلك لضعفِ إعمال المصدر، وفيه الألف واللام. يهجو رجلاً يقول: هو ضعيف عن أن يَنْكَأَ أعداءه، وجَبانٌ فلا يثبت لقِرْنه، فيلجأ إلى الفِرار، ويخاله مؤخرًا لأجله. وأمّا قول الآخر [من الطويل]:
لقدْ عَلِمَتْ أُولَى المُغِيرة أنّني ... كررتُ فلم أَنْكُلْ عن الضرب مِسْمَعا (٣)
فهو في الكتاب (٤) منسوب إلى المَرّار الأَسَدي، ورواه بعضهم في شعر مالك بن زُغبة الباهليّ، وبعده:
وإنْي لأُعدِي الخَيْلَ تَعثرُ بالقَنَا ... حفاظًا على المَوْلى الحديدِ لِيُمْنَعَا
ورواية البيت في كتاب سيبويه "لحقتُ" مكانَ "كررت"، والاحتجاج على رواية من روى "كررت"، فيكون "مسمع" منصوبًا بـ"الضرب"؛ وأمّا من روى "لحقت"، يجوز أن يكون "مسمع" منصوبًا به لا بالمصدر، فلا يكون فيه حجّةٌ.
فإن قيل: ولا يكون أيضًا في رواية من روى "كررت" حجّةٌ؛ لاحتمالِ أن يكون المراد: كررت على مسمع، فلم أنكل عن ضربه، بحذف الجارّ؛ قيل: لا يحسن ذلك؛ لأن حذف حرف الجرّ وإعمال الفعل اللازم قبله بابٌ ضرورة، وطريقُه السماع، فلا يُحمَل عليه ما وُجد عنه مندوحةٌ.
стр. 1444
يقول: قد علم أوَّلُ من لقيتُ من المُغِيرين أني صرفتهم عن وجوههم هازمًا لهم، ولحقتُ عَمِيدَهم، فلم أنكل عن ضربه بسيفي. والنكولُ: الرجوع عن القِرْن جُبنًا، وكانت بنو ضُبَيعَةَ قد أغارت على باهِلَةَ، فلحقتهم باهلةُ فهزمتهم. و"المُغِيرة": اسم فاعل من "أغار". و"أُولاها" بضم الهمزة وهي مُقدمتها، وهي تأنيث "أوَّل". وقد تقدّم القول: إن إعمال المصدر وفيه الألف واللام ضعيف، ولذلك ذهب بعضهم إلى أنّك إذا قلت: "أردتُ الضرب زيدًا"؛ فإنّما تنصبه بإضمار فعل لا بـ" الضرب". وبعضُهم يقدّره بمصدر ليس فيه ألف ولام، كأنّه قال: "ضعيفُ النكايةِ نكاية أعداءه". والصوابُ أنّه منصوب بالمصدر المذكور على ضَعْفه، وذلك لأن الألف واللام بمنزلة التنوين، فعمِل وفيه الألف واللام، كما يعمل وفيه التنوين، فاعرفه.
فصل [شاهد على نصب المعطوف حَمْلًا على محلّ المعطوف عليه المجرور]
قال صاحب الكتاب: وبيت الكتاب [من الرجز]:
٨٩٤ - قد كنت داينت بها حساناً ... مخافة الإفلاس والليّانا
إنما نُصب فيه المعطوف محمولاً علي محل المعطوف عليه, لأنه مفعول، كما حمل لبيد الصفة على محل الموصوف في قوله [من الكامل]:
стр. 1445
[حتي تهجر في الرواح وهاجه] ... طلب المعقب حقه المظلوم (١)
أي كما يطلب المعقب المظلوم حقه.
* * *
قال الشارح: إذا عطفت على ما خُفض بالمصدر، جاز لك في المعطوف وجهان:
أحدهما: أن تحمله على اللفظ، فتخفضه، وهو الوجه.
والآخر: أن تحمله على المعنى؛ فإن كان المخفوض مفعولًا في المعنى، نصبت المعطوف؛ وإن كان فاعلاً، رفعته، فتقول: "عجبت من ضرب زيدٍ وعمرو"، وإن شئت: و"عمرًا"، فهو بمنزلة قولك: "هذا ضاربُ زيدٍ وعمرٍو، وعمرًا". وإنّما كان الوجه الجرّ لتشاكُل اللفظين واتفاق المعنيين، وإذا حملته على المعنى، كان مردودًا على الاوّل في معناه، وليس مُشاكلًا له في لفظه. وإذ حصل اللفظُ والمعنى، كان أجود من حصول المعنى وحدَه، وإذا نصبت؛ قدّرت المصدر بالفعل، كأنّك قلت: "عجبت من أن ضرب أو من أن يُضْرب"، ليتحقق لفظُ الفاعل والمفعول. فأمّا قوله [من الرجز]:
قد كنتَ دايَنْتَ بها حَسّانا ... مَخافَةَ الإفْلاسِ واللَّيانَا
يُحْسِنُ بَيعَ الأَصْلِ والقِيانا
الشعر لزِياد العَنْبَري، والشاهد فيه نصب "اللّيان" بالعطف على المعنى، وذلك كأنّه قال: "وتخافُ الليانَ". ويجوز أن يكون معطوفًا على "مخافة"، والتقدير: مخافةَ الإفلاس ومخافةَ الليّان، ثم حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، وكذلك "القيان" هو منصوب على معنى الأصل, لأن المراد: يحسن أن يبيع الأصلَ والقيانَ. والقَيْنَةُ: الأَمَةُ مُغَنْيَة كانت أو غيرَ مغنية، يريد أنَّه دايَنَ بها -يعني الإبل- حسّان؛ لأنه مَلِيءٌ لا يُماطِل مخافَة أن يُدايِن غيرَه ممّن ليس بمَلِيء، فيُماطِل لإفلاسه. واللَّيانُ: مصدر بمعنى "اللَّي". ومنه قوله ﵇: "لَيُّ الغَنِي ظُلْمٌ" (٢).
والنعت في ذلك كالعطف في جواز العمل على اللفظ والمعنى، تقول فيه: "عجبت من ضرب زيدٍ الظريف" بالخفض على اللفظ، و"الظريفُ" بالرفع على المعنى.
ومنه قول لَبِيد [من الكامل]:
حتى تَهَجَّرَ في الرَّواح وهاجَه ... طَلَبَ المعقِّبِ حَقَّهُ المظلومُ
يصف عَيْرًا، يقول: حتى تهجر في الرواح، أي: سار في الهاجِرة، وهاجه: يعني
стр. 1446
أثاره، أي: العيرَ، و"طلبَ" منصوب على المصدر بما دلّ عليه المعنى، أي: طَلَبَ الماء طَلَبًا مثلَ طلب المعقّب حقّه المظلوم، ثمّ حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. والمعقِّب: المَمطول بدَينه، قيل له ذلك لأنه يتبع عَقِبَ المَدِين، و"المظلوم": نعتٌ له على المعنى. ولو خفض، لكان أجود، لو ساعدتِ القافيةُ.
فصل [عمل المصدر ماضيًا ومستقبلًا]
قال صاحب الكتاب: ويعمل ماضياً كان أو مستقبلاً. تقول "أعجبني ضربٌ زيدًا أمسِ"، و"أُريد إكرام عمرو أخاه غداً".
* * *
قال الشارح: يشير بذلك إلى الفرق بين اسم الفاعل والمصدر في العمل، وذلك لأن اسم الفاعل لا يعمل إلَّا إذا كان للحال أو الاستقبال، نحو قولك: "هذا ضاربٌ زيدًا غدًا، ومُكرِم عمرًا الساعة". ولا يعمل بمعنى المضيّ، بل يكون مضافًا إلى ما بعده، نحو: "هذا ضاربُ زيدٍ أمسِ". وسيأتي الكلام عليه مستوفى. وأمّا المصدر فإنّه يعمل على كل حال، سواءَ كان ماضيًا، أو حاضرًا، أو مستقبلًا. والعلّة في ذلك أن اسم الفاعل إنّما عمل لجَرَيانه على الفعل المضارع في حركاته وسَكَناته وعددِ حروفه على ما سيوضَح؛ فأمّا إذا كان بمعنى الماضي، فإنّه لا مشابهةَ بينه وبين الفعل الماضي، ألا ترى أن "ضَرَبَ" ثلاثةُ أحرف كلُّها متحركة، و"ضارِبٌ" أربعةُ أحرف، الثاني منها ساكنٌ، فلذلك لم يعمل إذا كان بمعنى الماضي. وأمّا المصدر، فإنّه لم يكن عملُه لِما ذكرناه في اسم الفاعل، وإنّما كان عمله لما فيه من حروف الفعل، وتقديره بـ"أن" وما بعده من الفعل، وهذا المعنى موجود في كل الأزمنة، فالمقتضى لعمل المصدر موجودٌ، سواءَ كان بمعنى الماضي، أو الحال، أو الاستقبال، وليس اسم الفاعل كذلك، فاعرف الفرق بينهما إن شاء الله تعالى.
فصل [عدم تقدّم معمول المصدر عليه]
قال صاحب الكتاب: ولا يتقدم عليه معموله, فلا يقال زيداً ضربُك خيرٌ له، كما لا يقال زيداً أن تضرب خيرٌ له.
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول: إن المصدر موصول، ومعموله من صلته من حيث كان المصدر مقدّرًا بـ"أن" والفعلِ، و"أنْ" موصولةٌ كـ"الذِي"، فلذلك لا يتقدّم عليه ما كان من صلته, لأنّه من تمامه، بمنزلة الياء والدال من "زيد"، بخلاف اسم الفاعل، فإنّه
стр. 1447
يجوز تقديم معموله عليه, لأنه ليس موصولاً، ولم يكن مقدّرا بـ"أن"، إلاَّ أن يكون فيه الألف واللام، نحو: "الضارب"، فإنّه لا يجوز تقديمُ شيء من معموله عليه؛ لأن الألف واللام موصولة كـ"الذِي"، فعلى هذا لا تقول: "زيداً ضربك خيرٌ له"، فيكون "الضرب" مبتدأ، وهو مضاف إلى الفاعل، و"زيد" مفعول، و"خير له" الخبر. فإذا قدّمت "زيدًا" على المصدر، وهو من صلته إذ كان معمولا له، بطلت المسألةُ.
وتقول: "أعجبَ زيدًا ركوبُ الدابّةِ عمرو" والمراد: أعجب زيداً أن ركب الدابّةَ عمرٌو، فـ"زيد" منصوب بـ"أعجب"، فهو خارج من الصلة، و"أن" وما بعدها في موضع مرفوع بأنّه فاعلُ "أعجب"، و"الدابّة"، و"عمرو"، و"ركب" من صلة "أنْ"، فلا يجوز تقديم شيء منه على "أنْ"، ولا على المصدر أيضًا, لأنه مقدر بـ"أن".
وكذلك لا يُفْصَل بين المصدر، وما عمل فيه بأجنبي. والمراد بقولنا: "أجنبي" أن لا يكون للمصدر فيه عملٌ، فلو قلت: "أعجب ركوبُ الدابة زيدًا عمرٌو"، لم يجز, لأن "زيداً" أجنبي من المصدر الذي هو "الركوب"، إذ لم يكن فيه تعلّقٌ، وقد فصلت به بين المصدر، وما عمل فيه، وهو"عمرو".
وتقول: "أعجبني ضربُ زيدٍ عمرًا اليوم عند جعفر"، إن جعلت الظرفَين متعلقين بالمصدر، لم يجز أن تُقدمهما عليه، وإن جعلت اليوم متعلقًا بـ"أعجبني"، وجعلت ظرف المكان متعلقًا بالمصدر، لم يجز ذلك؛ لأنّك قد فصلت بين الصلة والموصول بأجنبي منهما. فإن جعلت الظرفين متعلقين بالمصدر، جاز تقديمُ أيّهما شئت على صاحبه؛ لأئهما جميعًا من الصلة، ولا يجوز تقديمهما على المصدر؛ لأنهما من صلته، فلو علقتَهما جميعًا بـ"أعجب"، جاز تقديمهما على المصدر، وعلى الفعل أيضًا؛ لأنّهما ليسا من المصدر في شيء، فاعرف ذلك، وقِسْ عليه ما كان مثله، تُصِب إن شاء الله تعالى.
стр. 1448
اسم الفاعل
فصل [تعريفه]
قال صاحب الكتاب: هو ما يجري على "يَفْعَلُ" من فعله كضارب، ومكرم، ومنطلق، ومستخرج، ومدحرج, ويعمل عمل الفعل في التقديم والتأخير والإظهار والإضمار، كقولك زيد ضارب غلامه عمراً، وهو عمراً مُكْرِمٌ، وهو ضارب زيد وعمراً، أي وضارب عمراً.
* * *
قال الشارح: اعلم أن اسم الفاعل الذي يعمل عمل الفعل هو الجاري مجرى الفعل في اللفظ والمعنى؛ أمّا اللفظُ فلأنه جار عيه في حركاته وسكَناته، ويطّرِد فيه، وذلك، نحو: "ضارب"، و"مُكْرِم"، و"منطلِق"، و"مستخرِج"، و"مُدَحْرِج"، كله جارٍ على فعله الذي هو"يضْرِب"، و"يُكْرِم"، و"ينطلِق"، و"يستخرِج"، و"يُدَحرِج". فإذا أريد به ما أنت فيه، وهو الحال أو الاستقبال. صار مثله من جهة اللفظ والمعنى، فجرى مجراه، وحُمل عليه في العمل، كما حمل فعلُ المضارع على الاسم في الإعراب لما بينهما من المُشاكلة، فاسم الفاعل إذا أريد به الحال أو الاستقبال، يعمل عمل الفعل إذا كان منوّنًا، أو فيه الألف واللام, لأنّ التنوين مانعٌ من الإضافة، والألفُ واللام تُعاقِب الإضافةَ، فتقول مع التنوين: "زيدٌ ضاربٌ غلامُه عمرًا غدًا"، فـ"زيد" مبتدأ، و"ضارب" الخبر، و"غلامه" مرتفع به ارتفاعَ الفعل، و"عمرًا" منصوب على أنّه مفعول؛ لأنّه جار مجرى "يضرِب غلامُه عمرًا". وتقول: "هذا الضارب زيدًا"، ففي "الضارب" ضميرٌ يرجع إلى مدلول الألف واللام, لأنها تدل على الذي، ولذلك كانت موصولة.
وقد يحذف التنوين من اسم الفاعل تخفيفًا، وإذا زال التنوين عاقَبَته الإضافةُ، والمعنى معنى ثباتِ التنوين، ولذلك لا يكون إلَّا نكرة. قال الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (١)، فلو لم يُرِد به التنوين لم يكن صفة لـ"هَدْي"، وهو نكرة. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ (٢) وصف "عارضًا" وهو نكرة بقوله: "ممطرنا". ومنه قوله
стр. 1449
تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (١) و ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٢).
وإنّما قلنا: إن التنوين مراد, لأنّه لو لم يكن مرادًا؛ لكان معرفة، ولو كان معرفة؛ لكنت قد أخبرت عن النكرة بالمعرفة، وذلك قلبُ القاعدة، فالتقديرُ: "إلَّا آتٍ الرحمنَ عبداً"، و"كلُّ نفس ذائقة الموتَ". والتنوين هو الأصل، والإضافة دخلت تخفيفًا، ولو لم يكن التنوين هو الأصل، لما جاز دخول التنوين؛ لأنّه ثقيل.
وممّا يدل على إرادة التنوين وأنفصاله ممّا أضيف إليه، أنك قد تجمع بين الإضافة والألف واللام، فتقول: "هذا الضارب الرجلِ والضاربا زيدٍ"، ولا تقول: "الغلام الرجلِ" ولا "الغلاما زيدٍ".
وإذ كان التنوين مرادًا حكمًا، وهو الأصل، كانت الإضافة منفصلة، وكان المخفوض منصوبًا في الحكم, لأنّه مفعول، وذلك أن اسم الفاعل لا يضاف إلَّا إلى المفعول، ولا يضاف إلى الفاعل كالمصدر، فلا تقول: "هذا ضاربُ زيدٍ"، و"الضارب" هو"زيد", لأن الاسم لا يضاف إلى نفسه.
وقوله: "يعمل عملَ الفعل في التقديم والتأخير والإظهار والإضمار" إشارة إلى قوّة عمل اسم الفاعل لقوّة مُشابَهته للفعل من الجهات التي ذكرناها. فمثالُ إعماله مقدَّمًا: "هذا ضارب زيدًا"، فـ"هذا" مبتدأ، و"ضارب" الخبر، و"زيد" منصوب بـ"ضارب"، وقد تقدّم الكلام عليه. ومثالُه مؤخرًا: "هو عمرًا مكرمٌ "؛ فأمّا إعماله مضمرًا، فقد فسّره بقوله: "هو ضاربُ زيدٍ وعمرًا" بمعنى أنّك إذا عطفته على المخفوض، كان بتقدير ناصب، فبعضهم يقدره فعلاً، أي: ويضرب عمرًا, لأن اسم الفاعل في معنى الفعل، وبعضهم يقدره اسم فاعل منونًا، يكون الظاهر دليلاً عليه. والحقُّ أن انتصاب المعطوف على معنى الأول، لأنّه مفعول والتنوين مراد، فهو كقول الشاعر في المصدر [من الرجز]:
مَخافةَ الإفلاسِ واللَّيّانا (٣)
وإذا كان في اللفظ ما ينصبه؛ لم تحتج إلى تقدير محذوف، ولذلك مثّله سيبويه بقوله [من البسيط]:
٨٩٥ - جِئْني بمِثْلِ بني بَدْرٍ لِقَوْمهمِ ... أو مِثْلَ أُسْرَةِ مَنْظُورِ بنِ سَيارِ
стр. 1450
قال (١): لأن "جئني" في معنى "هات"؛ فحمل النصب على معناه. والنصبُ في الأوّل أقوى, لأن اسم الفاعل أصله التنوين والنصب، و"جئني" أصله الجرّ؛ لأنّه لا يتعدّى إلَّا بالباء، وقد تقدّم الكلام عليه. وينبغي أن يكون إعماله مضمرًا في نحو قولك: "أزيدًا أنت ضاربُه" لما اشتغل اسم الفاعل عن مفعوله الذي هو"زيد" بضميره، لم يعمل فيه، وكان العامل مقدرًا دلّ عليه الظاهر، كأنّك قلت: "أضاربٌ زيدًا أنت ضاربُه". ومثله "أَعمرًا أنت مكرمٌ أخاه"، والتقدير: "أمكرمٌ عمرًا أنت مكرمٌ أخاه".
فإن قيل: الهاء في "زيدًا أنت ضاربُه" في موضع خفض، فكيف تنصب ما ضميرهُ مجرور، قيل: لمّا كان هذا الضمير المجرور في حكم المنصوب من حيث كان التنوين مرادًا، و"ضاربٌ" في معنى الفعل، صار كقولك: "أزيدًا مررت به"، الضميرُ مجرور، وهو في الحكم منصوب.
[إعمال مبالغة اسم الفاعل]
قال صاحب الكتاب: قال سيبويه (٢): وأجروا اسم الفاعل إذا أرادوا أن يبالغوا في الأمر مجراه, إذا كان على بناء "فاعل"، يريد نحو: شراب وضروب ومنحار وأنشد للقُلاخ [من الطويل]:
٨٩٦ - أخا الحرب لباساً إليها جلالها ... [وليس بولاج الخوالف أعقلا]
стр. 1451
ولأبي طالب [من الطويل]:
٨٩٧ - ضروب بنصل السيف سوق سمانها ... [إذا عدموا زادًا فإنك عاقرُ]
стр. 1452
وحكي عن بعض العرب إنه لمنحار بوائكها وأما العسل فأنا شراب وأنشد [من الطويل]:
٨٩٨ - [بكيت أخا اللأواء يحمد يومه] ... كريم رؤوس الدارعين ضروب
وجوز: هذا ضروب رؤوس الرجال وسوق الإبل.
* * *
قال الشارح: قد ذكرنا أن اسم الفاعل إذا أريد به الحال أو الاستقبال، إنّما أُعمل عمل الفعل المضارع، لجَرَيانه عليه في حركاته وسكناته وعدد حروفه. وقد أجروا ضَرْبًا من أسماء الفاعلين ممّا فيه معنى المبالغة مجرى الفعل الذي فيه معنى المبالغة في العمل، وإن لم يكن جاريًا عليه في اللفظ، فقالوا: "زيدٌ ضَرّابٌ عَبِيدَه، وقتّالٌ أعداءَه"، كما قالوا: "زيد يُضرب عبيدَه، ويُقتل أعداءه"، إذا كثُر ذلك منه، وكان "ضرّاب"، و"قتّال" بمنزلة "ضاربٍ"، و"قاتل"، كما كان "يضرّب"، و"يقتل" بالتشديد بمنزلةِ "يَضرِب"، و"يَقتُل" من غير تشديد؛ لأنه يريد به ما أراد بـ"فاعِل" من إيقاع الفعل، إلاَ أن فيه إخبارًا بزيادة مبالغة، وتلك الأسماء "فَعُولٌ"، و"فَعالٌ"، و"مِفْعالٌ"، و"فَعِلٌ"، و"فَعِيلٌ". فجميعُ هذه الأسماء تعمل عمل "فاعِلٍ"، وحكمُها في العمل حكم، "فاعِلٍ" من التقديم والتأخير والإظهار والإضمار، فتقول: "هذا ضَرُوبٌ زيدًا"، كما تقول:"هذا ضاربٌ زيدًا"،
стр. 1453
و"ضَرّابٌ عمرًا، ومَنْحازٌ إبلَه، وحَذِرٌ عدوَّه، ورَحِيمٌ أباه". والتقديم في ذلك كلّه والإضمار جائزٌ، كما كان في "فاعِلٍ". وتقول: "هو ضَرُوبُ زيدٍ وعمرًا"، وإن شئت "وعمرو"، كما فعلت في "ضارب"، وتقول: "أزيدًا أنت ضَرُوبُه"، كما تقول: "أزيدًا أنت ضاربُه"، فأمّا قوله [من الطويل]:
أخا الحَرْب لَبّاسًا إليها جِلالَها ... وليس بَولّاجِ الخَوالِفِ أَعْقَلَا
فإن البيت للقُلاخ بن حَزن التميميّ، والشاهد فيه نصب "الجلال" بـ"لَبَّاس". و"لبّاس": تكثير "لابِس". يصف رجلًا بالشجاعة، والمراد بالجلال الدُّروع، وما يُلْبَس للحرب، جعلها جلالًا. والولّاج: الكثيرُ الولوج، وأراد بالخوالف البيوت، وهو جمع خالفةٍ، وأصلها الشقّة تكون في أسفل البيت. والأعقل: الذي يضطرب رِجْلاه من الفَزَع.
قال سيبويه: وسمعنا من يقول: "أمّا العَسَلَ فأنا شَرّابٌ" فنصب العسل بـ"شَرّاب" كما تقول: "أمّا العسلَ فأنا شاربٌ" فهو شاهد على الإعمال، وجواز التقديم. وأمّا قوله [من الطويل]:
ضروبٌ بنَصْل السيف سُوقَ سِمانِها ... إذا عَدِمُوا زادًا فإنّك عاقِرُ
البيت لأبي طالب بن عبد المُطَّلِب، والشاهد فيه إعمال "فَعُول" كإعمال "فاعل"، فنصب "سوق سمانها" بـ"ضروب" كما تنصبه بـ"ضارب"، يرثي أبا أُمَيةَ بن المُغِيرَة بن عبد الله، ويصفه بالكرم، والمراد أنّه يعقِر الإبل السمان للأضياف عند عدم الزاد وشدّة السنة. ومثله قول الآخر [من الطويل]:
بَكَيْتُ أخا اللأْواءِ يُحْمَدُ يومه ... كريمٌ رُؤُوسَ الدارِعِينَ ضَرُوبُ
البيت لأبي طالب، والشاهد فيه إعمال "فَعول" كـ"فاعِل"، وفيه دلالةٌ على جواز تقديم معموله عليه, لأن المراد: ضروب رؤوسَ الدارعين، ثمّ قُدّم. وحكى سيبويه عن العرب: "إنّه لَمِنْحارٌ بَوائكها"، نصب "البوائك" بـ"منحار"، وهذا نصٌّ على إعمال "مِفْعال". والبوائك: جمع بائكةٍ، وهي السمينة الفَتِيّة. قال الكسائي: باكت الناقة تبوك إذا سمِنت. وقد أنشد سيبويه في إعمال "فَعِل" [من الكامل]:
٨٩٩ - حَذِرٌ أُمُورًا لا تَضِيرُ وآمِنٌ ... ما ليس مُنْجِيَهُ من الأَقْدارِ
стр. 1454
نصب "الأمور" بـ"حَذِر"، لأنّه تكثيرُ "حاذرٍ" يعمل عملَ الفعل؛ لأنّه في معناه، وإنّما غير عن بنائه للتكثير، ومنه قول ابن أحمر [من الكامل]:
٩٠٠ - أو مِسْحَلٌ شَنِجٌ عِضادَةَ سَمْحَجٍ ... بِسَراتِه نَدَبٌ لها وكُلُومُ
الشاهد فيه نصب عضادة بـ "شنِج"، وهو تكثير "شانجٍ". وشانجٌ: في معنى مُلازِم، وفعلُه: "شنجته" كـ"لزمته". وأنشد في إعمال "فَعِيلٍ" لساعِدةَ بن جؤيَّة [من البسيط]:
٩٠١ - حتى شَآها كَلِيلٌ مَؤهِنًا عَمِلٌ ... باتتْ طِرابًا وباتَ الليلَ لم يَنَمِ
стр. 1455
والشاهد فيه نصب الـ"موهن" بـ"كليل", لأنه بمعنى "مُكِل"، أو "كال"، وإنّما غيره للتكثير والمبالغة.
وخالف سيبويه أكثر النحويين في بناءين من هذه المُثُل الخمسة، وهما "فَعِلٌ" و"فَعِيلٌ". قالوا: لأن "فَعِلًا" و"فعيلًا"، بناءان موضوعان للذات والهيئة التي يكون الإنسان عليها، لا لأن يجريا مجرى الفعل، فهما كقولك: "رجل كريم وظريف"، و"رجل عَجلٌ ولَقِنٌ"، إذا كان ذلك كالطبيعة، وحملوا ما احتجّ به من الأبيات على غير ما ذكره. فَأمّا البيت الأول فقالوا: لم يصحّ عن العرب، ورُوي عن المازني أنّ اللاحقيّ قال: سألنى سيبويه عن شاهدٍ في تعدّي "فَعِلِ"، فعملت له هذا البيت. ويروى أيضًا أن البيت لابن المقفَّع. وأما البيت الثاني.
أو مسحل شنج عضادة سمحج
فهو للبيد، فقالوا: انتصاب "عضادة سمحج" على الظرف لا على المفعول، ومعنى "عضادة سمحج": قوائمُها، وشنجٌ: لازم. ومسحل: هو العَيْر. وسمحجٌ: الأتان، كأنّه قال: أو عَيرٌ لازم يَمْنَةَ أتان، أو يَسْرَةَ أتان، فيكون المراد بالعضادة الناحية. وأمّا البيت الثالث وهو:
حتى شآها كليل موهنًا عمل
стр. 1456
فقالوا: هو البرق الضعيف، ومنه قولهم: "رجلٌ كَلِيلٌ"، إذا كان مُعْيِيًا، من "كلّ يَكِلُّ"، فهو فعل غير متعدّ، ألا ترى أنّه لا يقال: "كل زيدٌ عمرًا"، والمَوْهِن: الساعة من الليل، فهو لا ينتصب في غير الظرف، وإذا كان انتصابه على الظرف؛ لم يكن فيه حجّةٌ.
والصحيح ما ذهب إليه سيبويه، وهو القياس, لأن صفات المبالغة إذا كانت معدولة؛ جاز أن تتعدّى. فمن ذلك "فَعُولٌ"، و"مِفْعالٌ"، و"فَعّالٌ"، فهكذا سبيلُ "فَعِيلٍ" إذا كان معدولًا، كقولك: "رَحِيم" من "راحمٍ"، و"عليم" من "عالم"، فيجوز: "زيدٌ رحيمٌ عمرًا"، كما تقول: "راحمٌ عمرًا"؛ لأنه معدول عنه، هذا مع السماع؛ فأمّا قولهم عن البيت الأول، وهو:
حَذِرٌ أمورًا ... إلخ
فإن سيبويه رواه عن بعض العرب وهو ثقةٌ، لا سبيلَ إلى رَد ما رواه. وأمّا البيت الثاني فإنّ ما ذهب إليه سيبويه هو الظاهر، وما ذكروه تأويلٌ، وذلك أن "شنجًا" في المعنى لازم، والمراد بـ"العضادة" القوائم، وليست ظرفًا، فالمراد أنّه لازمٌ عضادة سمحج، وقد جاء عنهم هذا المعنى مصرَّحًا به في قول الآخر [من الرجز]:
٩٠٢ - قالت سُلَيْمَى لَسْتَ بالحادي المُدِلْ ... مالك لا تَلْزَمُ أَعْضادَ الإبِلْ
стр. 1457
فـ"أعضادٌ" هنا بمعنى "عضادة سمحج"، وقد نصبها بـ "تلزم". و"شنج" في معنى ذلك على أنه قد جاء لزيد الخَيل [من الوافر]:
٩٠٣ - أتاني أنّهم مَزِقُونَ عِرْضِي ... جحاشُ الكِرْمِلَيْن لها فَدِيدُ
قال: "مزقون عرضي" كما ترى، فأجراه مجرى "مُمّزِقين"، وهذا لا يحتمل غيرَ هذا التأويل، وعليه معنى الشعر، لأنّه وصف المِسْحَل، وهو عَيْر الوحش، بالنشاط والهِياج، وشبّه ناقتَه به في هذا الحال، ولو كان المعنى على التفسير الآخر، لقصّر في وصف ناقته.
وأمّا البيت الثالث، فإنّ "كليلًا" بمعنى "مُكِلٍّ"، وإنّما غُيّر عنه للتكثير، و"فَعِيلٌ" بمعنى "مُفْعِلٍ" كثيرٌ. قالوا: "عَذابٌ ألِيمٌ" بمعنى مُؤْلِمٍ، و"داعٍ سَمِيعٌ" بمعنى مُسْمِعٍ. قال عمرو بن معديكرب [من الوافر].
٩٠٤ - أَمِنْ رَيحانَةَ الداعِي السَّمِيعُ ... [يُؤَرِّقُنى وأصْحَابِي هُجُوعُ]
стр. 1458
أي؛ المُسْمِع، والمراد أنّه يصف وحشيًّا، وأنّها نظرت إلى برق مستمطر دالّ إلى الغَيْث يُكِل المَوْهِنَ بدَوِيه وتَوالي لَمَعانه، كما يقال: "أتعبتَ ليلتَك"، أي: سرتَ فيها سيرًا مُتعِبًا، والمَوْهِن: وقتٌ من الليل، فشآها ذلك البرقُ، أي: شاقها، وأزعجها، فباتت طَرِبَةَ إليه منقلِبةً نحوه، وهذا واضح.
فصل [عمل اسم الفاعل المثنّى والمجموع]
قال صاحب الكتاب: وما ثني من ذلك وجمع مصححاً أو مكسراً يعمل عمل المفرد, كقولك: هما ضاربان زيداً، وهم ضاربون عمراً، وهم قطان مكة، وهن حواج بيت الله، و [من الكامل]:
٩٠٥ - [ممن حملن به وهن] عواقد ... حبك النطاق [فشب غير مهبل]
стр. 1459
وقال العجاج [من الرجز]:
٩٠٦ - أوالفاً مكة من ورق الحمي
وقال طرفة [من الرمل]:
٩٠٧ - ثم زادوا أنهم في قومهم ... غفر ذنبهم غير فخر
стр. 1460
وقال الكميت [من البسيط]:
٩٠٨ - شُمّ مهاوين أبدان الجزور مخا ... ميص العشيات لا خُور ولا قزم
* * *
стр. 1461
قال الشارح: قد تقدّم أن اسم الفاعل محمول على الفعل في العمل، لكن اسم الفاعل يثنّى ويجمع على حسب ما يكون له من الفعل، فتكون تثنيةُ اسم الفاعل وجمعُه جاريًا مجرى الفعل. وأولى الجموع بذلك الجمعُ السالم, لأنّه يسلَم فيه لفظُ واحده، فتكون طريقته طريقةَ الواحد، والواحدُ جارٍ مجرى الفعل على ما ذكرناه، وزيادةُ التثنية والجمع تجري مجرى الزيادتَيْن اللاحقتين للفعل، فتقول: "هذان ضاربان زيدًا"، كما تقول: "يضربان زيدًا"، و"هم ضاربون زيدًا"، كما تقول: "يضربون زيدًا".
ويجوز تقديم منصوبهما عليهما كما كان كذلك في الواحد، تقول: "هذان زيدًا ضاربان"، و"هؤلاء زيدًا ضاربون"، ثم أجروا الجمع المكسر مجرى الجمع السالم، إذ كانا جميعًا جمعَيْن، وإن كان التكسير في الصفات قليلًا، فقالوا: "الزيدون ضُرّابٌ عمرًا"، و"الزيدون عَمْرًا ضُرّابٌ"، و"الهِنْداتُ ضواربُ عَمْرًا"، و"عَمْرًا ضواربُ"، وقد أكثر ذلك في "فَواعِلَ" لاطراده في جمعِ "فَاعِلَةَ" اطّرادَ جمع السلامة فيه. قال أبو كَبِير الهُذَليّ [من الكامل]:
مِمَّنْ حَمَلْنَ به وهن عَواقِدٌ ... حُبُكَ النطاقِ فشَبَّ غيرَ مُهَبَّل
صرف "عواقد" ضرورة، ونصب به "حبك". وعواقدُ: جمع عاقدة، يريد أن أُمّه حملت به مُكْرَهَة، والعربُ تزعم أن المرأة إذا وُطئت مكرهة؛ جاء الولدُ نجيبًا؛ فأمّا ما أنشده من قوله [من الرجز]:
أوالِفًا مَكةَ من وُرْقِ الحَمِي
فالشعر للعَجّاج، وأوالفُ: جمع آلِفَةٍ، وصرفه ضرورةً، وصف حَمامَ مكة بأنها قد ألِفتْ مكةَ، لأمْنها فيها، ويروى: "قواطنًا" وهو جمع "قاطنة"، وهي المُقيمة الساكنة. والوُرْق: جمع وَرْقاءَ، وهي التي لونها إلى الغُبْرة نحوُ الخُضْرة، ويريد بالحَمِي: الحَمام، وإنّما حَذَفَ، ويحتمل ذلك أمرين:
أحدهما: أن يكون حذف الميم على حدّ الترخيم في غيرِ النداء ضرورة، ثمّ أبدل من الألف ياءً، كما أُبدل من الياء ألف في نحو "مَدارٍ"، و"صَحارٍ".
الأمر الثاني: أن يكون حذف الألف تخفيفًا لزيادتها، فاجتمع الميمان، فأبدل من الثانية ياء لكراهية التضعيف، على حدّ الإبد الذي "تَظَنَّيْتُ"، والأصل "تَظَنَّنْتُ" وفي قوله [من البسيط]:
٩٠٩ - [يا ليتَما أُمُّنا شالَتْ نعامَتُها] ... أيْمَا إلى جَنَّةٍ أيْمَا إلى النار
стр. 1462
ومن ذلك قولهم. "هن حَواجُّ بيتَ الله" جمع "حاجّة"، وفيه نيّة التنوين، وإنّما سقط لأنه لا ينصرف، فكأن ما فيه من أسبابِ منعِ الصرف بمنزلة التنوين، فلذلك نصب ما بعدها، كأنك قلت: "حَواجٌّ بيتَ الله"، ويجوز "حواجُّ بيتِ الله" بالخفض، ويُنْوَى سقوط التنوين للإضافة، لا لمنع الصرف.
وقالوا: "قُطّانٌ مكّةَ" حملوا "فُعّالًا" على "فَواعِلَ"؛ لأنّهما جميعًا جمعُ "فاعل" وإن كان الأوّل أكثرَ. وقد أعملوا جمعَ ما أُريد به المبالغة والتكثير كما أعملوا واحده، وكما أجروا "فَواعِلَ" مجرى "فاعل"، فقالوا: "هم غُفُرٌ ذَنبَ الجُناة، ومَهاوِينُ الأعداءَ"، أي: يغفرون ذنبَ الجناة، ويُهينون أعداءَهم. فأمّا قوله [من الرمل]:
ثمّ زادوا أنّهم ... إلخ
ويروى: "فُجُر" بالجيم، البيتُ لطَرَفَةَ، والشاهد فيه أنهم أجروا جمع "فَعُولٍ" وما كان للمبالغة في باب المتعدّي مجرى جمع "فاعل" في التعدّي، فـ "غُفُرٌ" جمع "غَفُورٍ"، وقد عدّوه إلى "ذنبهم" كما عدّوا "غفورًا" نفسَه، مدح قومَه بأن لهم فضلاً في الناس وزيادةً عليهم، وأنهم يغفرون ذنب المُذنِب إليهم، ولا يفخَرون بذلك سَترًا لمعروفهم، ومن روى "غيرُ فُجُر" بالجيم، فالمراد أتهم يَعِفّون عن الفواحش، والروايةُ الأُولى أصح. وأمّا قوله [من البسيط]:
شمّ مهاوين أبدانَ الجزور ... إلخ
стр. 1463
البيت للكميت، والشاهد فيه نصب "أبدان الجزور" بقوله: "مَهاوِينُ"، وهو جمع "مِهْوانٍ"، و"مِهْوانٌ" تكثير "مُهِينٍ"، كما كان "مِنْحار" تكثير "ناحرٍ"، فعمل الجمعُ عملَ واحده، كما كان اسم الفاعل كذلك، وصف قومًا بالعزّ والأنَفَة، وكنَّى عن ذلك بالشَّمَم، وهو ارتفاعُ الأنْف، كما يُقال للعزيز: "شامخُ الأنْفِ". والأبْدان: جمع "بَدَنَةٍ"، وهي الناقة المتّخَذة للنحر، يريد أنهم يهينون الإبلَ، فينحرونها للأضياف. وقوله: "مخاميص العَشياتِ"، المراد أنّهم يجوعون في العَشايا, لأنّهم يؤخرون عَشاءَهم رَغْبَةً في حضورِ ضَيْف. والخُورُ: الضعفاء. والقَزَمُ: الأرذال من الناس، ولا يثنّى ولا يجمع ولا يؤنّث لأن أصله المصدر.
فصل [شرط إعمال اسم الفاعل]
قال صاحب الكتاب: ويشترط في إعمال اسم الفاعل أن يكون في معنى الحال أو الاستقبال، فلا يقال: زيد ضارب عمراً أمس، ولا وحشيٌّ قاتل حمزة يوم أحد، بل يستعمل ذلك على الإضافة إلا إذا أريدت حكاية الحال الماضية كقوله تعالي: ﴿وكلبهم باسط ذراعيه﴾ (١)، أو أدخلت عليه الألف واللام كقولك الضارب زيداً أمس.
* * *
قال الشارح: اعلم أن اسم الفاعل يجيء على ثلاثة أضرب: للماضي وللحال وللاستقبال، كما أن الفعل كذلك، إلَّا أن الفعل تختلف صيغتُه للزمان، وتتّفق في اسم الفاعل؛ لأن الفعل بابه التصرّف، والأسماء بابها الجُمود وعدمُ الاختلاف.
وإنّما يعمل من اسم الفاعل ما كان بمعنى الحال أو الاستقبال، نحوُ: "هذا ضاربٌ زيدًا غدًا، ومكرمٌ خالدًا الساعةَ"؛ لأنّه على لفظ المضارع إذ كان جاريًا عليه في حركاته وسكناته وعددِ حروفه، وهو في معناه، فلمّا اجتمع فيه ما ذُكر؛ عمل عملَه.
فأمّا إذا كان بمعنى الماضي، فإنك لا تُعْمِله، إذ لا مضارعةَ بينه وبيّن الماضي، ألا ترى أن "ضاربًا" ليس على عددِ "ضَرَبَ"، ولا مثلَه في حركاته وسكناته، فلذلك لا تقول: "زيدٌ ضاربٌ عمرًا أمس"، ولا "وحْشِىٌّ قاتل حَمْزَةَ يَوْمَ أُحُدٍ". وهذا وحشى نُوبيٌّ من سُودانِ مكة، يُكْنَى أبا دَسِمَةَ، وهو مَوْلَى طُعَيْمَةَ بن عَديّ، وقيل مولى جُبَيْر بن مُطْعِم. فلا تنصب بـ "قاتل" هنا؛ لأنّه في معنَى "قَتَلَ"، ولا بـ "ضارب"؛ لأنّه في معنى "ضرب". وقد بيّنتُ أنّه لا مضارعَةَ بين الماضي واسم الفاعل إذا كان في معناه، فلمّا لم يكن بينهما مضارعةُ ما بينه وبيّن الفعل إذا أُريد به الحال أو الاستقبال، لم يُعْمِلوه عملَه،
стр. 1464
بل يكون مضافًا إلى ما بعده بحكم الاسميّة، فتقول: "هذا ضاربُ زيد أمسِ"، و"وحشىُّ قاتلُ حمزةَ يومَ أحد"، بالإضافة، ولا يجوز تنوينه والنصب به، فهو كقولك: "هذا غلامُ زيدٍ"، ولا يجوز: "غلامٌ زيدًا" بالتنوين وإعماله في ما بعده، ولا أن تجمع فيه بين الألف واللام والإضافة، فتقول: "هذا الضاربُ الرجلِ أمس"، كما تقول إذا أردت الحال أو الاستقبال، كما لا تقول: "الغلامُ الرْجلِ". وتقول: "هؤلاء حَواجُّ بيتِ الله أمس" بالخفض لا غير، وتقول: "مررت برجل ضارباه الزيدان"، كما تقول: "أخواه الزيدان".
وذهب الكسائيّ من الكوفيين إلى جواز إعمال اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي، وأن يُقال: "هذا ضاربٌ زيدًا أمس"، واحتجّ بأُمورٍ، منها قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ (١)، فأعمل "باسط" في "الذراعين"، وهو ماضٍ. ومن ذلك ما حكاه عن العرب: "هذا مارّ يزيد أمس"، فأعملوه في الجارّ والمجرور. ومن ذلك قولهم: "هذا مُعْطِي زيدٍ درهمًا أمس". ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ (٢). ومن ذلك: "هذا الضاربُ زيدًا أمس"، تَعْمِله إذا كان فيه الألف واللام لا محالة.
والجوابُ؛ أمّا الآية الأولى، وهي قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ (٣) فحكايةُ حال ماضية، كقوله: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ﴾ (٤)، ثمّ قال: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٥)، والإشارة بهذَا إنّما يقع إلى حاضرٍ، ولم يكن ذلك حاضرًا وقتَ الخبر عنه. وأمّا قولهم: "هذا مارٌّ يزيد أمس"، وإنّما أعمله في الجارّ والمجرور، ولم يعمله في مفعول صريح، والجارّ والمجرور يجري مجرى الظرف، والظروفُ يعمل فيها روائحُ الأفعال.
وأمّا ما فيه الألف واللام من نحوِ: "هذا الضارب زيدًا أمس"، فإنّما عمل لأنّ الألف واللام فيه بمعنى "الَّذِي"، واسم الفاعل المتّصل بها بمعنى الفعل، فلمّا كان في مذهب الفعل عمل عمله، فهو اسم لفظًا، وفعلٌ معنىً. وإنّما حُوّل لفظ الفعل فيه إلى الاسم؛ لأن الألف واللام لا يجوز دخولهما على لفظ الفعل، فكان الذي أوجب نقلَ لفظه حكمٌ أوجب إصلاح اللفظ، ومعنى الفعل باقٍ على حاله.
وكان الأخفش يزعم أن المنصوب في قولك: "هذا الضارب زيدًا" إذا كان ماضيًا، إنّما ينتصب كما ينتصب: "هذا الحسنُ الوجهَ" على التشبيه بالمفعول، وليس على المفعول الصريح.
стр. 1465
والمذهب الأول، وعليه سيبويه، ولذلك استثناه صاحب الكتاب فقال: "إلَّا إذا أردت حكايته الحال، أو أدخلتَ عليه الألف واللام", لأنّه إذا أُريد حكايته الحال؛ كان في حكم الحال، ولذلك يأتي بلفظ الحال، وإذا كان فيه الألف واللام، كان في معنى الفعل إذ كان في معنى الصلة.
وأمّا ما يتعدّى إلى مفعولَين من نحوِ: "هذا مُعْطِي زيدٍ درهمًا"، فإن كثيرًا من النحويين يزعمون أن الثاني ينتصب بإضمارِ فعل تقديرُه: "هذا معطِي زيدٍ أعطاه درهمًا"، وليس بالحسن، ألا ترى أنّ ممّا يتعدّى إلى مفعولين ما لا يجوز أن يُذْكَر أحدهما دون الآخر، وأنت تقول: "هذا ظان زيدٍ منطلقًا أمس"، فلو كان الثاني ينتصب بإضمار فعل؛ لكنت في الأول مقتصِرًا على مفعول واحد، وهو ما أُضيف إليه اسمُ الفاعل، وذلك لا يجوز. والجيّدُ أن يكون منصوبًا بهذا الاسم، وذلك لأن الفعل الماضي فيه بعضُ المضارعة على ما سيُذْكَر في موضعه، ولذلك بُني على حركة، فكما مُيّز الفعل الماضي بتلك المضارعة، بأن بني على حركة، كذلك أُعمل الاسم الذي في معناه عملًا دون عمل الاسم الجاري على الفعل المضارع، فكما أعطوا الفعل الماضي حظًّا بالشَّبَه، وهو بناؤه على حركة؛ كذلك أعطوا الاسم الذي في معناه حظًا من العمل، وذلك بأن أعملوه في المفعول الثاني لمّا لم تمكن الإضافة إليه, لأنّه لا يُضاف إلى اسمين، فأُضيف إلى الاسم الذي يليه، وصارت إضافته إليه بمنزلة التنوين له، فعمل في الثاني بحكمِ أنّه في معنى الفعل، وأنّه كالمنوّن.
وأما قوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ (١)، فإن أكثر النحويين يجعلون ذلك ماضيًا, لأن الفلق وَالجعلَ قد كانا، فعلى هذا يكون نصبُ "سكنًا" وما بعده بإضمارِ فعل على القول الأوّل، وبالفعل المذكور على الثاني تحجز الإضافةُ بينهما. وكان أبو سَعِيد السّيرافي يجيز أن يكون ذلك للحال والاستقبال, لأن ذلك كل يوم يحدث، وعلى هذا يكون "سكنًا" منصوبًا بالفعل المذكور، والاسمُ الأول في معنى منصوب، ويكون الشمس والقمر معطوفًا على المعنى، كما قلنا في "هذا ضاربُ زيدٍ وعمرًا غدًا"؛ وهذا القولُ يُضَغفه قوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ (٢)؛ لأنّه ماضٍ قد كان لا محالة، لا يتجدّد كل يوم، فاعرفه.
فصل [ما يعتمد عليه اسم الفاعل للعمل]
قال صاحب الكتاب: ويشترط اعتماده على مبتدأ أو موصوف، أو ذي حال، أو حرف
стр. 1466
استفهام، أو حرف نفي، كقولك: زيدٌ منطلقٌ غلامه، وهذا رجل بارع أدبه، وجاءني زيد راكباً حماراً، وأقائم أخواك، وما ذاهب غلاماك. فإن قلت بارع أدبه من غير أن تعمده بشيء وزعمت أنك رفعت به الظاهر؛ كذبت بامتناع قائم أخواك.
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول بأن أصل العمل إنّما هو للأفعال، كما أن أصل الإعراب إنّما هو للأسماء، واسمُ الفاعل محمول على الفعل المضارع في العمل للمشابهة التي ذكرناها، كما أن المضارع محمول عليه في الإعراب، وإذ عُلم ذلك، فليُعْلَمْ أن الفروع أبدًا تنحط عن درجات الأصُول، فلمّا كانت أسماء الفاعلين فروعًا على الأفعال؛ كانت أضعف منها في العمل. والذي يؤيد عندك ذلك أنّك تقول: "زيد ضاربٌ عمرًا"، و"زيد ضاربٌ لعمرٍو"، فتكون مخيَّرًا بين أن تُعدّيه بنفسه، وبيّن أن تعدّيه بحرف الجرّ لضعفه، ولا يجوز مثل ذلك في الفعل، فلا تقول: "ضربت لزيدٍ". قال الله تعالى: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا﴾ (١)، فعدّى الفعل بنفسه، وقال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (٢) فعدّى الاسم باللام. قال الشاعر [من الوافر]:
٩١٠ - وَنَحْنُ التاركونَ لِما سَخِطْنا ... ونحنُ الآخِذونَ لِما رَضِينَا
ولذلك من الضعف لا يعمل حتى يعتمد على كلام قبله من مبتدأ، أو موصوف، أو ذي حال، أو استفهام، أو نفي. وذلك من قِبَل أن هذه الأماكن للأفعال، والأسماءُ فيها في تقدير الأفعال، ألا ترى أن الخبر في الحقيقة إنّما يكون بالفعل, لأنّه هو الذي يجهله المخاطبُ، أو ممّا يجوز أن يجهل مثلَه, لأن الأفعال حادثةٌ منقضيةٌ، وكذلك الصفة والحال, لأنك إنّما تَحْكِيه بفعل أو ما يرجع إلى فعل.
стр. 1467
وأمّا الاستفهام فهو في موضع الأفعال, لأنّك إنّما تسأل عمّا تشُك فيه، وأنت إذا قلت: "أزيدٌ قائمٌ"؟ وإنّما تشك في قيام زيد، لا في ذاته؛ لأن ذاته معلومات معروفة، وكذلك النفي إنّما يكون للأفعال، فاسمُ الفاعل لضعفه في العمل لا يعمل أو يعتمدَ، والفعل لقوّته لا يفتقر إلى ذلك. وقد أجاز أبو الحسن أن يعمل من غير اعتماد، فتقول على مذهبه: "قائمٌ زيد"، فيكون "قائم" مبتدأ، و"زيد" مرفوع بفعله، وقد سدّ مسدَّ الخبر لحصول الفائدة به، وتمام الكلام، وذلك لقوّة شَبَه اسم الفاعل بالفعل وأنشد (١):
..............................
ولا ضميرَ في اسم الفاعل عنده؛ لأنّه قد رفع ظاهرًا، فلا يكون له فاعلان. وسيبويه يجيز المسألة على أن يكون "زيد" مبتدأ، و"قائم" خبرًا مقدّمًا، وعلى هذا يكون فيه ضمير من "زيد" كما لو كان مؤخرًا.
وإلى هذا أشار صاحب الكتاب بقوله: "فإن قلت: "بارعٌ أدَبُه" وزعمت أنك رفعتَ به الظاهرَ، كُذّبتَ بامتناعِ "قائم أخواك"، يعني أن قولهم: "قائمٌ زيدٌ" جائز عند سيبويه على تقديم الخبر لا على رفعه الظاهرَ، ومن ظنّ ذلك بطل عليه بامتناع سيبويه من جوازِ "قائمٌ أخواك", لأنّه لا يرفع "الأخوين" بـ "قائم", لأنّه لا يعمله من غير اعتماد، ولا يكون خبرًا مقدّمًا؛ لأنّه مفرد، والمفرد لا يكون خبرًا على المثنّى.
واعلم أن اسم الفاعل ينقص عن الفعل بثلاثة أشياءَ:
أحدها: ما تقدَّم من قولنا: إِن اسم الفاعل لا يعمل، أو يعتمدَ على كلام قبله، والفعل يعمل معتمدًا، وغيرَ معتمد، لقوّته.
الثاني: أن اسم الفاعل إذا جرى على غيرِ مَن هو له، برز ضميرُه، نحوَ قولك: "زيدٌ هندٌ ضاربُها هو"، فـ "زيد" مبتدأ، و"هند" مبتدأ ثان، و"ضاربُها" خبرُ "هند"، والفعلُ لِـ "زيد"، فقد جرى على غير من هو له، فلذلك برز ضميره، وخلا اسم الفاعل من الضمير، ويظهر أثرُ ذلك في التثنية والجمع، فتقول: "الزيدان الهندان ضاربُهما هما"، و"الزيدون الهنداتُ ضاربُهنّ هم"، ولا تقول: "ضارِباهما" ولا "ضارِبوهنّ"؛ لخُلُوّه من الضمير, لأنّه جارٍ مجرى الفعل، والفعل إذا تقدّم، وُحّد، ولو كان فعلاً، لم يبرز الضمير، وكنت تقول: "زيدٌ هندٌ يضربها"، فيكون في "يضربها" ضمير مستكنّ مرفوع، و"ها" المفعول, لأن الأفعال أصلٌ في اتصال الضمير بها.
الثالث: أن اسم الفاعل لا يعمل، إلَّا إذا كان للحال أو الاستقبال، ولا يعمل إذا كان ماضيًا، والفعلُ لقوّته يعمل في الأحوال الثلاث.
стр. 1468
اسم المفعول
فصل [تعريفه]
قال صاحب الكتاب: هو الجاري على "يُفْعَلُ" من فعله، نحو: "مضروب"؛ لأن أصله مفعل، ومكرم ومنطلق به ومستخرج ومدحرج, ويعمل عمل الفعل تقول: زيد مضروب غلامه, ومكرم جاره، ومستخرج متاعه، ومدحرج بيده الحجر", وأمره على نحو من أمر اسم الفاعل في إعمال مثناه ومجموعه واشتراط الزمانين, والاعتماد.
* * *
قال الشارح: اسم المفعول في العمل كاسم الفاعل؛ لأنّه مأخوذ من الفعل، وهو جارٍ عليه في حركاته وسكناته وعدد حروفه، كما كان اسم الفاعل كذلك، فـ "مَفْعُولٌ" مثلُ "يُفْعَلُ"، كما أن "فاعلاً" مثل "يَفْعَلُ"، فالميم في "مفعول" بدل من حرف المضارعة في "يُفْعَلُ"، وخالفوا بين الزيادتَيْن للفرق بين الاسم والفعل، والواوُ في مفعول كالمَدّة التي تنشأ للإشباع، لا اعتدادَ بها، فهي كالياء في "الدَّراهِيم" ونحوِه، أتوا بها للفرق بين مفعول الثلاثي ومفعول الرباعيّ.
وهو يعمل عملَ فعله الجاري عليه، فتقول: "هذا رجلٌ مضروبٌ أخوه"، فـ "أخوه" مرفوع بأنه اسمُ ما لم يسمّ فاعله، كما أنّه في "يُضْرَب أخوه" كذلك، وتقول: "محمّدٌ مستخرَجٌ متاعُه"، كما تقول: "يُستخرج متاعُه"، وكذلك بناتُ الأربعة، فتقول: "زيد مُدَحْرَجٌ بيَده الحجرُ"، كما تقول: "يُدحرَج بيده الحجر"، فـ "مُدَحْرَجٌ" جارٍ على "يدحرَج" لفظًا، و"مضروب" جار على "يُضْرَب" حكمًا وتقديرًا، وتقول "هذا مُعْطًى أخوه درهمًا"، تقيم المفعول الأول مُقام الفاعل، وتنصب الثاني على حدّ انتصابه قبل بنائه للمفعول، ولا يجوز أن يُبْنَى "مفعول"، إلَّا مما يجوز أن يبنى منه "يُفْعَل"؛ لأنَّه جار عليه، فلا تقول: "مَقُومٌ"، ولا "مقعود"؛ لأنهما لأزمان، كما لا تقول: "يُقام"، ولا "يُقْعَد"، إلَّا أن يتصل به جارٌّ ومجرور، أو ظرف، أو مصدر مخصَّص، فإنَّه يجوز حينئذ أن تبنيه لِما لم يسمّ فاعله.
وشرط إِعماله كشرط إعمال اسم الفاعل في أنّه لا يعمل حتى يعتمد على ما قبله،
стр. 1469
كاسم الفاعل لضَعْفه عن درجة الأفعال، ولا يعمل أيضًا إلَّا إذا أُريد به الحال أو الاستقبال، نحوَ قولك: "هذا مضروبٌ غلامُه الساعةَ"، و"مررت برجلِ مكرَم أخوه غدًا"، كما تقول: "هذا ضاربٌ غلامَه الساعةَ"، و"مررت برجل مكرِمٍ أخاه غدًا"، وتقول في التثنية: "هذان مضروبان"، و"مررت برجلَين مضروبَيْن"، ففي "مضروب" ضميرٌ مستكن، وهو ضمير الفاعل، والألف والياء علامة التثنية على حدّهما في قولك: "رجلان"، و"رجلين" لأنّه اسم كما أنه اسم، وتقول: "هذان مضروبٌ غلامُهما"، فترفع به الظاهرَ، ولا تُلْحِقه علامة التثنية, لأنّه لا ضمير فيه.
فإن قيل: إذا كنت إنّما ثنّيته وجمعته إذا كان فيه ضميرٌ؛ فهلّا قلت: إن هذه الحروف هي الضمير، كما كانت كذلك في الفعل إذا قلت: "هذان يضربان"؟ قيل: الفرق بينهما أنّ "يضرب" فعلٌ، والفعل نفسُه لا يثنَّى، ولا يجمع، وإنّما ذلك للضمير الذي يكون فيه؛ وأما اسم الفاعل، واسم المفعول، فهما اسمان تدخلهما التثنيةُ والجمع. والذي يدلّ أن العلامة اللاحقة حرفٌ قال على التثنية والجمع، وليسا اسمين انقلابُهما وتغيرُهما للإعراب، نحوُ: "جاءني الضاربان". و"رأيت الضاربَيْن"، و"مررت بالضاربين"، كما تقول: "جاءني الرجلان"، و"رأيت الرجلين"، و"مررت بالرجلين". وإنّما لم تُلْحِقهما علامةَ التثنية والجمع إذا رفعا ظاهرًا؛ لأنهما حينئذ يكونان في مذهب الأفعال، والفعلُ إذا لم يكن فيه ضمير لم تلحقه علامة، فلذلك تقول: "هذان رجلان ضاربٌ أخوهما، ومضروبٌ غلامُهما"، فاعرف ذلك.
стр. 1470
الصفة المشبهة
فصل [تعريفها]
قال صاحب الكتاب: هي التي ليست من الصفات الجارية, وإنما هي مشبهة بها في أنها تذكر وتؤنث, وتثنى وتجمع نحو كريم وحسن وصعب وهي لذلك تعمل فعلها، فيقال: زيد كريم حسبه، وحسن وجهه، وصعب جانبه.
* * *
قال الشارح: الصفة المشبّهة باسم الفاعل ضربٌ من الصفات تجري على الموصوفين في إعرابها جَرْيَ أسماء الفاعلين، وليست مثلها في جَرَيانها على أفعالها في الحركات والسكنات وعدد الحروف.
وإنّما لها شَبَهٌ بها، وذلك من قِبَل أنها تُذكر، وتُؤئث، وتدخلها الألف واللام، وتُثنَّى، وتُجْمَع بالواو والنون، فإذا اجتمع في النعت هذه الأشياء التي ذكرناها أو أكثرها شبهوه بأسماء الفاعلين، فأعملوه فيما بعده، وذلك نحو: "حَسَنٌ"، وَ"شَدِيد"، و"صَعب"، و"كَرِيم". فـ "حَسَنٌ" من "حَسُنَ يَحسُنُ"، و"شديد" من "شَدَّ، يشِدّ"، و"صَعْبٌ" من "صَعُبَ، يَصْعُبُ"، وليست مثلها في حركاتها وسكناتها كما كانت أسماء الفاعلين.
وإنّما لها شَبَة بأسماء الفاعلين من الجهات المذكورة، فلذلك تقول: "مررت برجلَ حسنٍ وجهُه، وزيدٍ كريم حَسَبُه، وشديدٍ ساعِدُه، وصعب جانبُه"، فترفع ما بعد هذه الصفات من الأسماء بفعلها، كما كنت صانعًا في اسم الفاعل حيث قلت: "هذا قائم أبوه، وقاعدٌ أخوه", لأنك تقول: "حسنٌ"، و"حسنة"، و"شديد" و"شديدة"، "وصعب"، و"صعبة"، و"كريم"، و"كريمة"، فتُذكّر، وتؤنث. وتقول: "الحسن"، و"الشديد"، وتُدْخِل فيهما الألف واللام. وتقول: "حسنان"، و"حسنون"، فتثتيه بالألف والنون، وتجمعه بالواو والنون، كما تقول: "ضاربٌ"، و"ضاربة"، و"ضاربان"، و"ضاربون"، و"الضارب"، و"الضاربة"، فـ "حَسَنٌ" مُشبَّه بـ "ضارب"، و"ضاربٌ" مشبّه بـ "يضرب"، و"حسنان"، مثل "ضاربان"، و"ضاربان" مثل "يضربان"، و"حسنون" مثل "ضاربون"، و"ضاربون" مثل "يضربون"، إلَّا أن "ضاربًا" و"قاتلًا" من أفعال متعدّية حقيقة، فنصبت كما تنصب أفعالُها، و"حَسَنٌ"، و"بَطَل"، و"كَرِيم" من أفعال غير متعدّية
стр. 1471
على الحقيقة، فكان حكمها في عدم التعدّي حكم أفعالها, لأنها فروعٌ في العمل عليها، فأقصى درجاتِها أن تُساوِيَها، وأمّا أن تفوقها فلا.
وإنّما تعدّيها على التشبيه لا على الحقيقة، ألا ترى أنّك إذا قلت: "زيدٌ ضاربٌ عمرًا"، فالمعنى أن الضرب وقع بعمرو، وإذا قلت: "زيدٌ حسنُ الوجهِ"، فلست تُخْبِر أن "زيدًا" فَعَلَ بالوجه شيئًا، بل "الوجهُ" فاعلٌ في المعنى, لأنّه هو الذي حسُن، ولذلك قال سيبويه: ولا تعني أنّك أوقعتَ فعلًا، وإنّما أخبرت عن "زيد" بالحسن الذي للوجه، كما قد تصفه بذلك إذا قلت: "مررت برجل حسن الوجهِ"، وكان الأصل "مررت برجلٍ حسنٍ وجهُه"، وصفتَه بحسن وجهه، وقد يوصَف الشيء بفعلِ غيره إذا كانت بينهما وُصْلَة في اللفظ بضمير يرجع إلى الموصوف، نحوَ: "مررت برجلٍ قائمٍ أبوه" حلَّيتَه بقيام أبيه للعُلْقَة التي ذكرناها، كذلك ها هنا.
واعلم أن الصفات على ثلاث مراتبَ: صفة بالجاري كاسم الفاعل واسم المفعول، وهي أقواها في العمل لقربها من الفعل، وصفةٌ مشبّهةٌ باسم الفاعل، فهي دونها في المنزلة؛ لأن المشبّه بالشيء أضعفُ منه في ذلك الباب الذي وقع فيه الشبَهُ، ثمّ المشبّهة بالمشبّهة، وهي المرتبة الثالثة، وستأتي بعدُ. فلمّا كانت الصفات المشبّهة في المرتبة الثانية، وهي فروع على أسماء الفاعلين إذ كانت محمولة عليها؛ انحطّت عنها، ونقص تصرّفُها عن تصرُّف أسماء الفاعلين، كما انحطت أسماء الفاعلين عن مرتبة الأفعال، فلا يجوز تقديم معمولها عليها كما جاز ذلك في اسم الفاعل، فلا تقول: "هذا الوجْهَ حسنٌ"، كما تقول: "هذا زيدًا ضاربٌ"، ولا تُضْمِره، فلا تقول: "هذا حسنُ الوجهِ والعينَ"، فتنصبَ "العين" على تقديرِ: و"حسن العينَ"، كما تقول: "هذا ضاربُ زيدٍ وعمرًا" على تقديرِ، و"ضاربٌ عمرًا".
ولا يحسن أن تفصل بين "حسن" وما يعمل فيه، فلا تقول: "هو حسن في الدار الوجهَ، وكريمٌ فيها الأبَ"، كما تقول: "هذا ضاربٌ في الدار زيدًا"، فاسمُ الفاعل يتصرّف، ويجري مجرى الفعل لقوّة شَبَهه، وجَرَيانه عليه، وهذه الصفات مشبَّهة باسم الفاعل، والمشبّه بالشيء يكون دون ذلك الشيء في الحكم، فلذلك تعمل في شيئين لا غير؛ أحدهما: ضمير الموصوف، والثاني: ما كان من سبب الموصوف. ولا تعمل في الأجنبيّ، فتقول: "مررت برجل حسن"، فيكون في "حسن" ضميرٌ يعود إلى الموصوف، وهو في موضعِ مرفوع بـ "حسن". وتقول: "مررت برجلٍ حسنٍ وجهُه" فترفع "الوجه" بـ "حسن"، وهو من سبب "رجل". ولولا الهاء العائدة على "رجل" من "وجهه"، لم تجز المسألة.
ولو قلت: "مررت برجلٍ حسنٍ عمرٌو"، لم يجز, لأن الحسن لـ "عمرو"، فلا
стр. 1472
يجوز أن يُجْعَل وصفًا لـ "رجل" إلَّا بعُلْقَةٍ، وهي الهاء التي وصفنا. وتقول: "مررت برجل كريم أبوه، وبرجل حسنةٍ جاريتُه"، وإنّما تُؤنث "حسنة"، وهي صفةٌ لمذكر, لأنّه فعلُ "الجارية"، وإنّما وُصف به "الرجل" للعلقة اللفظية التي بينهما، فإن أردت التثنية أو الجمع، لم تُثَن الصفة ولا تَجْمَع؛ لأنها بمنزلةِ فعل متقدّم، فتقول: "مررت برجل كريمٍ أبواه، وبرجالٍ كريمٍ آباءُهم"، فاعرفه.
فصل [دلالتها وإضافتها إلي فاعلها]
قال صاحب الكتاب: وهي تدل على معنى ثابت فإن قصد الحدوث قيل هو حاسن الآن أو غداً، وكارم وطائل. ومنه قوله : ﴿وضائق به صدرك﴾ (١) , وتضاف إلى فاعلها كقولك: كريم الحسب وحسن الوجه، وأسماء الفاعل والمفعول يجريان مجراها في ذلك فيقال ضامر البطن، وجائلة الوشاح، ومعمور الدار، ومؤدب الخُدّام.
* * *
قال الشارح: اعلم أن هذه الصفات وإن كانت مشبّهة باسم الفاعل، فبينهما تبايُنٌ وطريقُهما مختلف، وذلك أن "حَسَنًا" مأخوذ من فعل ماض، وأمرٌ مستقرّ، ومع ذلك فإذا أضفته إلى معموله، فلا يتعرّف، وإن كان ما أُضيف إليه معرفة، وتصف به النكرة، فتقول: "مررت برجل حسنِ الوجهِ"، وليس كذلك اسم الفاعل إذا كان في مذهبِ "حَسُنَ" من المُضيّ، بل يكون معرفة إذا أُضيف إلى معرفة.
فإن قيل: فهذا زعمتم أن هذه الصفات ونحوها في معنى الماضي؛ فما بالكم تُعْمِلونها، واسم الفاعل الذي شُبّهت به إذا كان ماضيًا؛ لا يجوز أن يعمل، وهل هذا إلا إعطاء الفرع فوق مرتبة الأصل؟ قيل: هذه الصفات، وإن كانت من أفعال ماضية، إلَّا أن المعنى الذي دلّت عليه أمر مستقرٌّ ثابت متصل بحال الإخبار، ألا ترى أن "الحسن" و"الكرم" معنيان ثابتان، ومعنى الحال أن يكون موجودًا في زمن الإخبار، فلمّا كان في معنى الحال، أُعْمِل فيما بعده، ولم يخرج بذلك عن منهاج أسماء الفاعلين.
فإن قُصد الحدوث في الحال، أو في ثاني الحال؛ جيء باسم الفاعل الجاري على المضارع الدال على الحال أو الاستقبال، وذلك قولك: "هذا حاسنٌ غدًا" أي: سَيَحْسُنُ، و"كارمٌ الساعةَ". ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ (٢)، أي: بَلغْ ما أُنْزِل إليك بصدرٍ فسيحٍ من غيرِ التفات إلى استكبارهم واستهزائهم. وعدل
стр. 1473
عن "ضَيق" إلى "ضائق"؛ ليدلّ على أنه ضيْقٌ عارضٌ في الحال غير ثابت. وعلى هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ (١)، عدل عن "عَمِينَ" إلى "عامِينَ" لهذا المعنى، وعلى هذا تقول: "زيدٌ سيّدٌ جَوادٌ"، تريد أن السيادة والجُود ثابتان له. فإذا أردت الحدوث في الحال، أو في ثاني الحال؛ قلت: "سائدٌ"، و"جائدٌ".
وقد يُعامِلون اسم الفاعل معامَلةَ الصفة المشبّهة إذا كان لازمًا له غير متعدٍّ، وذلك أن اسم الفاعل يجوز أن يرفع السببَ، فتقول: "هذا رجلٌ قائم أبوه، وقاعدٌ غلامُه"، فتصفه بفعلِ غيره للعُلْقة التي بينهما، فإذا كان غير متعدّ عاملًا في السبب، شابَهَ بابَ "الحسنُ الوجهِ"، فجاز أن تنقل الفعل إلى الموصوف، ثم تضيفه إلى من كان فاعلاً على سبيل البيان، فتقول: "هذا رجل قائمُ الأبِ" فيكون في "قائم" ضمير مرتفع به يعود إلى "الرجل"، كما كان كذلك في "الحسن الوجه". يدل على ذلك قولك: "هذه امرأة قائمةُ الأبِ"، فتأنيثُ "قائمة" دليل على ما قلناه. وقد قالوا: "هذه امرأةٌ ضامرُ البطن"، والمراد ضامرٌ بطنُها، إلَّا أنهم نقلوا الفعل إلى الموصوف على ما ذكرناه.
فإن قيل: فكان ينبغي أن يقال: "ضامرةُ البطن"، فيؤنّث؛ لأنّ فيه ضميرًا مؤنّثًا يعود إلى المرأة؛ قيل: جاء ذلك على سبيل النسب، كقولهم: "تامِرٌ"، و"لابنٌ"، ومنه قولهم: "امرأة حائضٌ"، و"طاهرٌ". قال الشاعر [من السريع]:
عَهْدِي بها في الحَيّ قد سُرْبِلَتْ ... هَيْفاءَ مِثْلَ المُهْرَةِ الضامر (٢)
وقالوا: "امرأة جائلةُ الوِشاحِ"، والمراد: جائلٌ وشاحُها، أي: يضطرب لوفوره. والوشاح: كالقِلادة من أَدَم فيه جوهرٌ. وقالوا: "طاهرُ الذيْلِ" إذا وصفوه بالعِفّة، وقالوا في المفعول: "فلانٌ معمّورُ الدار"، والمراد: معمورة دارُه، و"مؤدَّبُ الخُدّامِ"، أي: مُؤدَّبٌ خدّامُه، أجروه مجرى "حسنُ الوجهِ".
فصل [أوجه إعراب عبارة "حسن وجهه "]
قال صاحب الكتاب: وفي مسألة حسن وجهه سبعة أوجه: حسن وجهه، وحسن الوجه، وحسنٌ وجهاً قال أبو زبيد [من البسيط]:
٩١١ - هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ... مخطوطة جدلت شنباء أنيابا
стр. 1474
وحسن الوجه قال النابغة [من الوافر]:
٩١٢ - ونأخذ بعده بذناب عيش ... أجب الظهر ليس له سنام
وحسن وجه قال حميد [من الرجز]:
٩١٣ - لاحق بطن بقراً سمين
стр. 1475
وحسن وجهه قال الشماخ [من الطويل]:
٩١٤ - أقامت على ربعيهما حارتا صفاً ... كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما
وحسن وجهه قال [من الرجز]:
٩١٥ - [أنعتها إني من نعاتها] ... كوم الذري وادقة سراتها
* * *