← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13301

شرح المفصل لابن يعيش

ابن يعيش

Полный текст (2 502 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

ضمير الفاعل، وليست كالألف في "الزيدان"؛ لأن الألف في "الزيدان" حرفٌ، وهي في "يضربان" اسمٌ. وكذلك الواو في "يضربون" ونحوه إنّما هي ضمير الفاعل، وليست كالواو في "الزيدون"؛ لأن الواو في "الزيدون" حرف، وهي في "يضربون" اسم. وكذلك الياء في "تضربين". وكان سيبويه (١) يذهب إلى أن هذه الحروف لها حالتان: حالٌ تكون فيها أسماء، وذلك إذا تقدّمها ظاهرٌ، نحوَ قولك: "الزيدان قاما"، و"الزيدون قاموا"، فالألف في "قاما" اسمٌ، وهو ضمير، والواو في "قاموا" اسم، وهو ضمير، وإذا قلت: "قاما الزيدان"، فالألف في "قاما" علامةٌ مُؤذِنةٌ بأنّ الفعل لاثنين، وكذلك الواو في "الزيدون قاموا" اسمٌ؛ لأنه ضمير الفاعل، وإذا قلت: "قاموا الزيدون"، فالواو حرف، وعلامة مؤذنة بأنّ الفعل لجماعة، وعلى ذلك يحمل قولهم: "أكلُوني البَراغِيثُ"، ومنه قوله [من المتقارب]: يَلُومونني في اشتراء النَّخِيـ ... ـل قومي فكلُّهمُ يَعْذُلُ (٢) ونظير ذلك نون جماعة المؤنّث إذا قلت: "الهندات قُمْنَ"، فالنون ضمير، فإذا قلت: "قُمْنَ الهندات"، فالنون حرف مؤذن بأن الفعل لمؤنّث بمنزلة التاء في "قامت هندٌ". ومنه قول الفرزدق [من الطويل]: ولكِنْ دِيافِيٌّ أبوه وأُمُّه ... بحَوْرانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أقارِبُهْ (٣) وكان أبو عثمان المازنيّ وجماعة من النحويين يذهبون إلى أن الألف في "قاما"، و"يقومان" حرف مؤذن بأنّ الفعل لاثنين، والواو في "قاموا"، و"يقومون" حرف مؤذن بأنّ الفعل لجماعة، وأنّك إذا قلت: "الزيدان قاما"، و"الزيدون قاموا"، فالفاعل ضمير مستتر في الفعل كما كان كذلك في الواحد من نحوِ: "زيد قام"، إلَّا أن مع الواحد لا يُحتاج إلى علامة، إذ قد عُلم أن الفعل لا يخلو من فاعل؛ فأمّا إذا كان لاثنين أو جماعة، افتقر إلى علامة، إذ ليس من الضرورة أن يكون الفعل لأكثر من واحد. والصحيح المذهب الأوّل، وهو رأي سيبويه؛ لأنك إذا قلت: "الزيدان قاما"، فقد حلّت هذه الألف محلَّ "غلامُهما" إذا قلت: "الزيدان قام غلامُهما"، فلمّا حلّت محلَّ ما لا يكون إلَّا اسمًا، قضي بأنّها اسم. فأمّا الياء في "اضْرِبي"، و"اخْرُجِي" ونحو ذلك، فإنّها اسم أيضًا، وهو ضمير فاعلٍ مؤنّثٍ. وكثيرٌ من النحويين يذهبون إلى أنها حرف علامة تأنيث، والفاعلُ مستكنّ كما كان في المذكّر كذلك، نحوَ: "قُمْ"، و"اذْهَبْ". والصحيح المذهب الأوّل؛ لأنها تسقط

стр. 1577

في حال التثنية، نحوِ: "اضْرِبَا"، و"اخرجا". ولو كانت علامة، لم تسقط بضمير التثنية كما لم تسقط في "قامَتَا"، و"ضَرَبتَا". والنون لحقت علامة للرفع في هذه الأمثلة الخمسة، وجعلوا سقوطها علامةً للجزم. والنصبُ محمول عليه كما حُمل النصب على الجرّ في تثنية الأسماء وجمعها, لأن الجرّ والجزم نظيران، وهذا معنى قوله: "وجُعل في حال النصب كغير المتحرّك" يريد بغير المتحرّك: المجزومَ. فإن قيل: ولِمَ كان إعراب هذه الأفعال بالحروف؟ قيل: المقتضي لإعراب هذه الأفعال قبل اتّصال هذه الضمائر بها موجودٌ قائمٌ، فوجب إعرابها لذلك، وكان حرف الإعراب من هذه الأفعال قد تَعذّر تحمّله حركاتِ الإعراب لاشتغاله بالحركات التي يقتضيها ما بعده. ألا ترى أن الألف في نحو "يضربان" لا يكون ما قبلها إلَّا مفتوحًا، فلا يمكن إعرابه؛ لأنّك لو أعربته، ومن جملة الإعراب الجزمُ الذي هو سكون، فكان يلتقي ساكنان، فكان يؤدّي إلى حذف الألف التي هي ضمير الفاعل، فكانت الألف أيضًا تنقلب واوًا في حال الرفع لانضمام ما قبلها، وكذلك الواو كان يلزم أن تسقط في الجزم. فلمّا نبا حرفُ الإعراب عن تحمُّل حركات الإعراب، ولم يمكن أن تكون في هذه الحروف التي هي ضمائر, لأنها أجنبيّة في الحقيقة من الفعل، فجُعل ما بعدها وهو النون، إذ كان الفاعل يتنزل منزلةَ الجزء من الفعل، وإذا كان ضميرًا متصلًا، اشتدّ اتّصالُه بالفعل وامتزاجُه به، فلم يُعْتَدّ به فاصلًا. وإنّما خُصّت النون بذلك, لأنها أقرب الحروف إلى حروف المدّ واللين، وكانت مكسورة مع ضمير الاثنين، نحوَ: "يضربانِ"، و"تضربانِ"، وذلك لالتقاء الساكنين كما كان كذلك في ثنية الأسماء، لا فرق بينها. وكانت مع الواو والياء في مثل "يضربونَ"، و"تضربينَ" مفتوحة؛ لثقل الكسرة بعد الياء والواو، كما كان كذلك في الجمع، نحو: "الزيدون"، و"العمرين". فإذا قلت: "يضربان"، و"تضربان"، و"يضربون" و"تضربون"، و"تضربين"، كان مرفوعًا لا محالةَ، ولا تحذف هذه النون إلَّا لجزمٍ ونصبٍ، ولا تثبت إلَّا لرفع. فأمّا ما أنشده أبو الحسن من قول الشاعر [من البسيط]: ٩٥٧ - لولا فوارسُ من نُعْمٍ وأُسْرَتُهُمْ ... يَوْمَ الصُّلَيْعاء لم يُوفُون بالجارِ

стр. 1578

فشاذّ، فسبيله عندنا على تشبيه "لَمْ" بـ"لَا". ومثله قول الآخر [من مجزوء الكامل]: ٩٥٨ - أن تَهْبِطِينَ بِلادَ قو ... مٍ يَرْتَعُونَ من الطّلاحِ فهذا على تشبيه "أن" بـ"مَا" المصدريّة. وهذا طريق الكوفيين؛ فأمّا البصريون فيحملونه وأشباهَه على أنها المخفّفة من الثقيلة، وتخفيفها ضرورة، والضمير فيها ضمير الشأن والحديثِ، والمراد: أنه تهبطين، فاعرفه.

стр. 1579

فصل [بناء المضارع] قال صاحب الكتاب: وإذا اتصلت به نون جماعة المؤنث, رجع مبنيًا، فلم تعمل فيه العوامل لفظاً، ولم تسقط كما لا تسقط الألف والواو والياء التي هي ضمائر, لأنها منها, وذلك قولك: "لم يضربن", و"لن يضربن". ويبنى أيضاً مع النون المؤكدة, كقولك: "لا تضربَنَّ" و"لا تضربَنْ". * * * قال الشارح: اعلم أن هذه النون تلحق آخرَ الفعل علامةً للجمع والضميرِ في نحو قولك: "الهندات قُمْنَ، ويَقُمْنَ"، وعلامة للجمع مجرّدة من الضمير في نحو "قمن الهندات" على ما تقدّم شرحه. فإذا تقدّم الظاهر، كانت النون اسمًا وضميرًا. وإذا تقدّم الفعل، كانت حرفًا مؤذنًا بأنّه لجماعة مؤنّثة، إلَّا أنها إذا اتّصلت بفعل مضارع، أعادته مبنيًا على حاله الأوّل من البناء على السكون، وإن كانت العلّة الموجبة للإعراب، وهي المضارَعة قائمة موجودة، حملًا له على الفعل الماضي من نحو: "جلسْتُ"، و"ضربْتُ". فكما أُسْكن ما قبل الضمير، وهو لام الفعل، كذلك أسكن في المضارع تشبيهًا له به، لأنه فعلٌ كما أنه فعل، وآخِرهُ متحرّكٌ كما أن آخر "فَعَلَ" متحرّك. قال سيبويه (١):وليس ذلك فيها بأبعد إذ كانت هي و"فَعَلَ" شيئًا واحدًا مِن "يَفْعَلُ"، إذ جاز فيها الإعراب حين ضارعت الأسماءَ، وليست بأسماء. يعني أنه ليس حملُ المضارع في تسكين آخِره على الماضي، وهما حقيقة واحدة من جهة الفعليّة، بأبعد من حمل الأفعال المضارعة على الأسماء في الإعراب، وهما حقيقتان مختلفان. وتفتح هذه النون؛ لأنها نون جمع كما تفتح نون الجمع في قولك: "الزيدون"، و"العمرون". فإذا قلت: "هنّ يَضْرِبْنَ"، كان الفعل في محلّ رفع، وإذا قلت: "لن يَضْرِبْنَ"، كان في موضع نصب، وإذا قلت: "لم يضربن"، كان في محلّ مجزوم، وذلك لأن موجب الإعراب موجود، وذلك لأن المضارعة قائمة، وإنّما وُجد مانعٌ منه، فحُكم على محلّه بالإعراب. ولا تسقط هذه النون لجزم ولا لنصب كما سقطت تلك النون, لأنها ضمير كالواو في "يضربون"، والألف في "يضربان". فكما لا تسقط الواو والألف هناك، كذلك لا تسقط ها هنا. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (٢)، فأثبت النون لأنها ضمير، وليست علامة رفع كالتي في "لم يضربوا"، و"لن يضربوا".

стр. 1580

ونظير هذه النون في بناء الفعل عند اتّصالها به نونُ التأكيد الخفيفة والثقيلة في نحو: "واللهِ لَيقومَنَّ، وليضربَنَّ، وليقومَنْ، وليضربَنْ". وذلك من قبل أن الأصل في الأفعال أن تكون مبنيّة، وإنّما أُعْرِب منها ما أُعرب للشَّبَه بالاسم. فإذا دخلت عليها نون التأكيد، أكّدتْ معنى الفعليّة، ومكّنتْه، فغلب جانبُ الفعل، وبعُد من الاسم، فعاد إلى أصله. ونحوه ما لا ينصرف، إنمّا مُنع من الصرف لشَبَه الفعل، فإذا دخلت عليه الألف واللام، أو أُضيف، بَعُد من الفعل، وتَمكّنت فيه الاسميّةُ، فعاد إلى أصله من دخول الجرّ والتنوين اللذَيْن كانا له في الأصل، هذا مع ما في التركيب من الخروج عن التمكّن، وسيوضح أمرُ ذلك في الحروف، إن شاء الله.

стр. 1581

ذِكر وجوه إعراب المضارع فصل [وجوه إعراب الفعل المضارع] قال صاحب الكتاب: هي الرفع والنصب والجزم, وليست هذه الوجوه بأعلام على معان كوجوه إعراب الإسم، لأن الفعل في الإعراب غير أصيل, بل هو فيه من الاسم بمنزلة الألف والنون من الألفين في منع الصرف, وما ارتفع به الفعل وانتصب وانجزم, غير ما استوجب به الإعراب, وهذا بيان ذلك. * * * قال الشارح: لَمّا وجب للأفعال المضارِعة أن تكون معربة بالحمل على الأسماء والشبَهِ لها، وكان الإعرابُ جنسًا تحته أنواعٌ؛ كان القياس أن يدخلها جميع أنواعه من الرفع والنصب والجرّ كما كان في الاسم كذلك، إلَّا أن الجرّ امتنع من الأفعال لأمرَيْن: أحدهما: أن الجرّ يكون بأدواتٍ يستحيل دخولها على الفعل، وهي حروف الجرّ والإضافةِ، فحروف الجرّ لها معان من التبعيض والغاية والمِلْك وغير ذلك مِمّا لا معنى له في الأفعال؛ وأمّا الإضافة فالغرض بها التعريف أو التخصيص، والأفعال في غاية الإبهام والتنكير، فلا يحصل بالإضافة إليها تعريفٌ، ولا تخصيص، فلم يكن في الإضافة إليها فائدة. الأمر الثاني: أن الفعل يلزمه الفاعل، ولا يفارقه، والمضاف إليه داخل في المضاف ومن تمامه، وواقعٌ موقع التنوين منه، ولا يبلغ من قوّة التنوين أن يقوم مقامه شيئان قويّان. فإن قيل على الوجه الأوّل: كما أن الجرّ لا يكون إلَّا بأدوات يستحيل دخولها على الأفعال، فكذلك الرفع والنصب في الأسماء، إنما هما للفاعل والمفعول، ولا يكونان إلَّا بالأفعال وحروفٍ يستحيل دخولُها على الأفعال، ومع ذلك فقد دخلا الأفعالَ على غير ذَيْنك الحدّين بأدوات غير أدواتهما في الأسماء، فهلّا كان الجرّ كذلك يدخل الأفعال على غير منهاجه في الأسماء وبأدوات غير أدواته في الأسماء؟ فالجواب: أن الرفع والنصب في الأسماء، الأصلُ فيهما أن يكونا للفاعلين

стр. 1582

والمفعولين، وقد يكونان لغيرهما على سبيل الشبَه بهما، ويكون لهما أدوات مَجازية، ولا يصير المرفوع بها فاعلًا حقيقةً، ولا المنصوب مفعولاً حقيقة، وذلك في نحوِ: "كان زيد قائمًا"، ألا ترى أن "زيدًا" ها هنا ليس بفاعل وقع منه فعلٌ، ولا "قائمًا" مفعول وقع به فعل، وإنما ذلك على سبيل التشبيه اللفظي؟ وكذلك "إنّ زيدًا قائم" مشبَّهان بالفاعل والمفعول، وكذلك المبتدأ والخبر يُرفعان على التشبيه بالفاعل، وعاملُهما معنى غير لفظ، وليس كذلك الجرّ، فإنه لا يكون إلَّا بحروف الجرّ أو بالإضافة. فلمّا كان الرفع والنصب قد تُوسّع فيهما في الأسماء، وجاءا على غير منهاج الفاعل والمفعول على سبيل التشبية؛ جاز أن يكونا في الأفعال المشابِهة للأسماء، وجُعل لهما أدوات غير أدوات الأسماء، ولم يكن الجرّ كذلك, لأن أدواته في الأسماء على منهاج واحد لا تختلف، فلمّا لم يتسعوا فيه اتساعَهم في الرفع والنصب، امتنع دخوله في الأفعال، ولم يُجعل له أدوات غير تلك الأدوات، فجُعل الجزم فيها مكانه، وساغٍ دخوله عليها إذ كان حذفًا وتخفيفًا، إذ الأفعال ثقيلة، فلذلك صار إعراب الأفعال ثلاثة: رفعًا ونصبًا وجزمًا. وقوله: "وليست هذه الوجوه بأعلام على معان كوجوه إعراب الاسم" يعني أن الإعراب في الاسم إنما كان للفصل بين المعاني، فكلُّ واحد من أنواعه أمارةٌ على معنى، فالرفعُ علم الفاعليّة، والنصب علم المفعوليّة، والجرّ علم الإضافة، وليس في الأفعال كذلك، وإنما دخل فيها لضرب من الاستحسان ومضارَعةِ الاسم، ولم يدلّ الرفع فيها على معنى الفاعلية، ولا النصب على معنى المفعولية، كما كان في الأسماء كذلك. وقوله: "بل هو فيه من الاسم بمنزلة الألف والنون من الألفَيْن في منع الصرف" يعني أن منزلة دخول الإعراب في الأفعال المضارِعة بمنزلة الألف والنون في "سكرانَ"، و"عطشانَ"؛ لأن الألف والنون إنما منعتا الصرف لشبههما بألفي التأنيث في نحو: "بَيْضاءَ"، و"حمراء"، وإن كان منعُ الصرف في ألفي التأنيث إنما هو للتأنيث ولزومه، وليس منع الصرف في نحو "سكران"، و"عطشان" كذلك، بل بالحمل على ألفي التأنيث، كما كان دخول الإعراب في الأسماء لحاجة الأسماء إليه في الفصل بين المعاني، وفي الأفعال على غير هذا المنهاج. وقوله: "وما ارتفع به الفعل وانتصب وانجزم غيرُ ما استوجب به الإعرابَ"، يريد أن الرفع فيه بعامل، وهو وقوعه مع الاسم، والنصب بالنواصب، والجزم بالجوازم؛ فأمّا الإعراب فيه، وهو استحقاقه لدخول هذه الأنواع عليه، فبالمضارعة، فاعرفِ الفرق بين موجِب الرفع وغيره من أنواع الإعراب، وبين موجب الإعراب نفسه، ولا تغلطْ، وسيوضح أمر العوامل بعدُ، إن شاء الله تعالى.

стр. 1583

[المضارع] المرفوع فصل [عامل رفع المضارع] قال صاحب الكتاب: هو في الإرتفاع بعامل معنوي نظير المبتدأ وخبره, وذلك المعنى وقوعه بحيث يصح وقوع الاسم كقولك: "زيدٌ يضرب" رفعته, لأن ما بعد المبتدأ من مظان صحة وقوع الأسماء, وكذلك إذا قلت: "يضرب الزيدان", لأن من ابتدأ كلاماً منتقلاً إلى النطق عن الصمت, لم يلزمه أن يكون أول كلمة تفوه بها إسماً أو فعلاً، بل مبدأ كلامه موضع خبره في أي قبيل شاء. * * * قال الشارح: قد تقدّم القول: إن عامل الرفع في الفعل المضارع المرفوع إنما هو وقوعُه موقع الاسم، وموجبُ الإعراب مضارَعة الاسم فيهما غيران، والمعنى بوقوعه موقع الاسم أنه يقع حيث يصح وقوع الاسم، ألا ترى أنه يجوز أن تقول: "يضربُ زيدٌ"، فترفع الفعل إذ يجوز أن تقول: "أخوك زيد", لأنه موضع ابتداءِ كلام، وليس من شرطِ من أراد كلامًا أن يكون أوّلُ ما ينطق به فعلًا أو اسمًا، بل يجوز أن يأتي فيه بأيّهما شاء. ولذلك قال: "هو موضع خيرة"، أي كان المتكلم بالخِيار إن شاء أتى بالاسم، وإن شاء أتى بالفعل، هذا مذهب سيبويه (١). وقد تَوهّم أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلبُ أن مذهب سيبويه؛ أن ارتفاعه بمضارَعة الاسم، ولم يعرف حقيقة مذهبه، وتَبِعَه على ذلك جماعة من أصحابه. والصحيحُ من مذهبه أن إعرابه بالمضارَعة، ورفعه بوقوعه موقع الاسم على ما ذكرنا. وذهب جماعة من البصريين إلى أن العامل في الفعل المضارع الرفع إنّما هو تَعَرّيه من العوامل اللفظيّة مطلقًا. وذلك ضعيف؛ لأنّ التعزّي عدمُ العامل، والعاملُ ينبغي أن يكون له اختصاص بالمعمول، والعدمُ نسبتُه إلى الأشياء كلّها نسبةً واحدةً، لا اختصاصَ له بشيء دون شيء، فلا يصحّ أن يكون عاملً. وزعم الفرّاء من

стр. 1584

الكوفيين (١) أن العامل فيه الرفع إنما هو تجرّده من النواصب والجوازم خاصّة، وهو أيضًا ضعيف لأمرَيْن: أحدهما: أنه تعليل بالعلم المحض، وقد أفسدناه. والثاني: أن ما قاله يقضىِ بأن أوّل أحوال الفعل المضارع النصبُ والجزمُ، والأمر بعكسه. وذهب الكسائيّ منهم أيضًا إلى أن العامل فيه الرفع ما في أوّله من الزوائد الأربع. قال: لأنه قبلها كان مبنيًّا، وبها صار مرفوعًا، فأُضيف العمل إليها ضرورة، إذ لا حادثَ سواها. وهو قول واهٍ أيضًا, لأنّ حرف المضارعة إذا دخل الفعلَ، صار من نفس الفعل كحرف من حروفه، وجزءُ الشيء لا يعمل في باقيه, لأنه يكون عاملاً في نفسه. ووجه ثان أن الناصب يدخل عليه، فينصبه، والجازم يجزمه، وحروف المضارعة موجودة فيه، فلو كانت هي العاملةَ الرفعَ؛ لم يجز أن يدخل عليها عاملٌ آخر، كما لم يدخل ناصبٌ على جازم، ولا جازمٌ على ناصب. فإن قيل: فأنت قد تقول: "إنْ لم يفعل فلان كذا وكذا، فعلتُ كذا وكذا" فتُدْخِل حرف الشرط على "لم" وهىِ جازمة مثلُه، وغلب أحدهما على الآخر، فكذلك حرف المضارعة يعمل الرفع في الفعل، فإذا دخل عليه ناصب أو جازم؛ غلب فصار العمل له؟ فالجواب أن الفرق بينهما أن "إن" الشرطيّة بطل عملُها بعامل بعدها لقربه من المعمول، وفيما نحن فيه يبطل بعامل قبله، وكلاهما لفظي، فبان الفرق بينهما. فإن قيل: فإذا قلتم: إنه يرتفع بوقوعه موقعَ الاسم، فما بالكم ترفعونه بوقوعه موقع مرفوع ومنصوب ومخفوض في قولك: "زيدٌ يضربُ"، و"ظننتُ زيدًا يضربُ"، و"مررت يزيد يضربُ"، وهلّا اختلف إعراب الفعل بحسب اختلاف إعراب الاسم الواقع موقعه؟ فالجواب أن عامل الرفع في الفعل إنما هو وقوعه بحيث يصح وقوع الاسم، وذلك شيء واحد لا يختلف؛ وأمّا اختلاف إعراب الاسم، فبحسب اختلاف عوامله، وعواملُ الاسم لا تأثير لها في الفعل، فلا يختلف إعراب الفعل باختلافها. فإن قيل: ولِمَ كان وقوعه موقع الاسم يوجب له الرفع دون غيره من نصب أو جزم؟ قيل: من قبل أن وقوعه موقع الاسم ليس عاملًا لفظيًّا، فأشبه الابتداءَ الذي ليس بعامل لفظي، فعمل مثل عمله، فاعرفه.

стр. 1585

فصل [استعمال الفعل المضارع في مواضع لا يُستعمل الاسم فيها] قال صاحب الكتاب: وقولهم: "كاد زيد يقوم", و"جعل يضرب", و"طفق يأكل"، الأصل فيه أن يقال قائماً وضارباً وآكلاً ولكن عدل عن الاسم إلى الفعل لغرضٍ, وقد استعمل الأصل فيمن روى بيت الحماسة [من الطويل]: ٩٥٩ - فأُبتُ إلى فهم وما كدت آئبًا ... [وكم مثلها فارقتها وهي تصفرُ] * * * قال الشارح: كاْنّ صاحب الكتاب لمّا قرّر أن الفعل يرتفع بوقوعه موقع الاسم، اعترض على نفسه بقولهم: "كاد زيد يقوم"، و"جعل يضرب"، و"طفق يأكل"، فإن هذه الأفعال مرتفعة في هذه المواضع، ولا يستعمل الاسم فيها، فلا يُقال: "كاد زيد قائمًا"، و"طفق آكلًا"، ولا "جعل ضاربًا"، ثم أجاب عن ذلك بأن قال: الأصل في "كاد زيدٌ

стр. 1586

يقوم" أن يُقال: "قائمًا" وفي "جعل يضرب": "ضاربًا"، وفي "طلق يأكل": "آكلًا"، وإنما عُدل عن الاسم إلى لفظ الفعل لغرض. وذلك الغرض إرادةُ الدلالة على قرب زمن وقوعه والالتباسِ به، فإذا قلت: "كدتُ أفعل"، كأنّك قلت: "مقارِبًا لفعله آخِذًا في أسباب الوقوع فيه"، ولستَ بمنزلةِ من لم يَتعاطه، بل قربتَ من زمنه حتى لم يبق بينك وبينه شيء إلَّا مواقَعتُه. وهذا معنى لا يستفاد من لفظ الاسم. والذي يدلّ على صحّة ذلك أنك تحكم على موضع هذه الأفعال بالإعراب، فتقول هي في محل نصب، والمراد أنها واقعة موقع مفرد حقه أن يكون منصوبًا، ونظيرُ ذلك "عَسَى"، نحوُ قولك: "عسى زيدٌ أن يقوم"، والتقدير: عسى زيد القيامَ، وإن كان المصدر غير مستعمل. ونظائرُ ذلك كثيرة، فأمّا بيت الحماسة [من الطويل]: فأُبْتُ إلى فَهْم وما كِدْتُ آئِبًا ... وكم مثلِها فارقتُها وهي تَصْفِرُ فالبيت لتأبط شرًا، ويروى: "ولم أكُ آئِبًا". فمن قال: "ولم أكُ آئبًا"، لم يكن فيه شاهد ولا شذوذ، والمراد: ولم أك آئبًا في نظرهم, لأنهم كانوا قد أحاطوا به. ومن روى: "وما كدت آئبًا"، وهي الرواية الصحيحة المختارة، فالشاهد أنه استعمل الاسم الذي هو الأصل المرفوض الاستعمالِ موضعَ الفعل الذي هو فرعٌ، وذلك أن قولك: "كدتُ أقوم"، أصله: "كدت قائمًا"، والمعنى: وما كدتُ أؤُوب إلى أهلي، وهم بنو فهم, لأنه أحيط بي، وأشفيتُ على التَّلَف، وقاربتُ أن لا أرجع إليهم. ومثله في مراجَعة الأصل المرفوض قوله [من الرجز]: ٩٦٠ - أكثرتَ في العَذْل مُلِحًّا دائِمَا ... لا تُكْثِرَنْ إنّي عَسَيْتُ صائمَا

стр. 1587

ومن ذلك: "عَسَى الغُوَيْرُ أبْؤُسًا" (١)، فاستعمل الاسم موضع الفعل. ووجه ثان في ارتفاع الفعل بعد "كاد" أن الأصل في "كاد زيدٌ يقومُ": "زيدٌ يقومُ"، فارتفع الفعل بوقوعه موقع الاسم في خبر المبتدأ، ثم دخلت "كاد" لمقاربة الفعل، ولم يكن لها عملٌ في الفعل، فبقي على حاله من الرفع.

стр. 1588

[المضارع] المنصوب فصل [نصب المضارع] قال صاحب الكتاب: انتصابه بـ "أن" وأخواته، كقولك: "أرجو أن يغفر الله لي"، و ﴿لن أبرح الأرض﴾ (١)، و"جئت كي تعطيني"، و"إذن أُكرمك". * * * قال الشارح: قد تقدّم الكلام في إعراب الفعل، وأنّه يدخله الرفع والنصب والجزم، وقد استوفيتُ الكلام على رفعه؛ فأمّا النصب فيه فبعواملَ لفظية، وهي "أنْ"، و"لَن"، و"كَي"، و"إذَنْ". هذه الأربعة تنصب الفعل بأنفسها، وما عداها فبإضمارِ "أن" معها على ما سيأتي بيانه. والأصلُ من هذه الأربعة "أن"، وسائر النواصب محمولة عليها. وإنما عملت لاختصاصها بالأفعال كما عملت حروف الجرّ في الأسماء لاختصاصها بها، وأمّا عمل النصب خاصة فلشَبَه "أنِ" الخفيفة بـ"أنَّ" الثقيلة الناصبة للاسم. ووجهُ المشابهة من وجهين: من جهة اللفظ والمعنى: فأمّا اللفظ فهما مثلان، وإن كان لفظ هذه أنقص من تلك، ولذلك يستقبحون الجمع بينهما، كما يستقبحون الجمع بين الثقيلتَين، فلا يحسن عندهم "إنّ أنْ تقوم خيرٌ لك"، كما يستقبحون "إنّ أنَّ زيدًا قائم يُعجِبني" في معنى "إن قيام زيد يعجبنى". وأمّا المعنى فمن قبل أنّ "أن" وما بعدها من الفعل في تأويل المصدر، كما أنَّ "إنّ" المشدّدة وما بعدها من الاسم والخبر بمنزلة اسم واحد، فكما كانت المشدّدة ناصبة للاسم، جُعلت هذه ناصبة للفعل. فإن قيل: فهلّا ينصبون بـ"مَا" المصدريّة في قولك: "يعجبنى ما تصنع"، وهي مع ما بعدها مصدرٌ كما كانت "أنَّ" كذلك؟ فالجواب أنَّ الفرق بينهما مْن وجهَين: أحدهما: أنّ "أنْ" نصبت لمشابهةِ "أنَّ" الثقيلة بعد استحقاق العمل بالاختصاص؛ فأمّا "مَا" فلم تستحق به العملَ, لأنه لا اختصاص لها بالفعل، ألا ترى أنه يقع بعدها الفعل والاسم، فكما يُقال: "يعجبني ما تصنع" بمعنى صَنِيعُك، فكذلك يُقال: "يعجبني ما أنت صانعٌ" في معنى صنيعك أيضًا، فلمّا لم يكن لها اختصاص واستحقاق لنفس العمل، لم يؤثر فيها شَبَهُ "أنْ"

стр. 1589

والوجه الثاني: أنَّ "أن" المخفّفة أشبهت "أنّ" الثقيلة من وجهين: من جهة اللفظ، ومن جهة المعنى على ما تقدّم. وأمّا "مَا" فإنّها أشبهت من جهة واحدة، وهي كونها مع ما بعدها مصدرًا كما أنَّ تلك كذلك، فلم تستحقّ العملَ من جهة واحدة، على أنّ من العرب من يُلْغِي عمل "أنَّ" تشبيهًا بـ"مَا"، وعلى هذا قرأ بعضهم: ﴿أنّ يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ﴾ (١) بالرفع. ومنه قوله [من البسيط]: ٩٦١ - أنَّ تَقْرَآنِ على أسْماءَ وَيْحَكُما ... مني السَّلامَ وأن لا تُشْعِرَا أحدَا والذي يُلْغِي "أن" عن العمل لمشابهةِ "مَا"، فإنّه لا يُعْمِل "ما" لمشابهة "أن"، لعدم اختصاصها، فاعرفه. وأمّا "لَنْ" فحرف ناصب عند سيبويه (٢)، وهو نقيض "سوف"، وذلك أن القائل إذا قال: "سوف يقوم زيد"؛ فنفيُ هذا "لن يقومَ زيد". ويجوز أن يتقدّم عليها ما عملتْ فيه من الفعل المنصوب، نحوَ قولك: "زيدًا لن أضربَ" بخلافِ "أن", لأن "أن" وما بعدها مصدر، فلا يتقدّم عليه ما كان في حيّزه، وليس كذلك "لن"، لأنها إنما تنصب لشَبَهها بـ"أنْ". ووجهُ الشبه بينهما اختصاصها بالأفعال ونَقْلها إيّاها إلى المستقبل كما كانت "أن" كذلك.

стр. 1590

وكان الخليل (١) يذهب في إحدى الروايتَين عنه إلى أن الأصل في "لن" "لَا أنَّ"، ثمّ خفّفت لكثرة الاستعمال، كما قالوا: "أيْش"، والأصل: "أيُّ شيءٍ"، فخفّفت، وكما قالوا: "كَينُونَةٌ"، والأصل "كَيّنونة". وهو قول يضعف، إذ لا دليلَ يدل عليه، والحرفُ إذا كان مجموعُه يدلّ على معنى، فإذا لم يدلّ دليل على التركيب؛ وجب أن يُعتقد فيه الإفراد، إذ التركيب على خلاف الأصل. وردّ سيبويه هذه المقالة لجواز تقدم معموله عليه، ولو كانت مركّبة من "لَا أنّ"، لكان ذلك ممتنعًا كامتناعِ "زيدًا لا أن أضربَ". وللخليل أن يقول: إنّهما لما رُكّبا، زال حكمُهما عن حال الإفراد. وكان الفراء يذهَب إلى أن الأصل في "لن"، و"لم"، "لا"، وإنّما أبدل من ألفِ "لا" النون في "لَن"، والميم في "لَمْ". ولا أدري كيف اطّلع على ذلك، إذ ذلك شيء لا يُطلع عليه إلَّا بنَصّ من الواضع. وأمّا "إذَن"، فحرف ناصب أيضًا لاختصاصه، ونقلِه الفعل إلى الاستقبال، كـ"لن"، وهي جواب وجزاء، فيقول القائل: "أنا أزورُك"، فتقول: "إذن أُكرِمَك". فإنّما أردت إكرامًا توقِعه في المستقبل، وهو جواب لكلامه وجزاءُ زيارته، ولها ثلاثة أحوال: أحدها: أن تدخل في الفعل في ابتداء الجواب، فهذه يجب إعمالُها لا غير، نحوُ قولك: "إذن أُكرمَك" في جوابِ: "أنا أزورك". قال الشاعر، وهو عبد الله بن محمد الضبي [من البسيط]: ٩٦٢ - اُزدُدْ حِمارَك لا يَرْتَع برَوْضَتِنا ... إذَنْ يُرَدَّ وقَيْدُ العَيْرِ مَكْرُوبُ

стр. 1591

والثاني: أن يكون ما قبلها واوًا أو فاءً، فيجوز إعمالها وإلغاؤُها، وذلك قولك: "زيدٌ يقوم، وإذن يذهبُ"، فيجوز ها هنا الرفع والنصب باعتبارين مختلفَيْن: وذلك أنك إن عطفت، "وإذن يذهب" على "يقوم" الذي هو الخبر، ألغيتَ "إذن" من العمل، وصار بمنزلة الخبر، لأنّ ما عُطف على شيء صار واقعًا موقعه، فكأنّك قلت: "زيد إذن يذهبُ"، فيكون قد اعتمد ما بعدها على ما قبلها, لأنه خبر المبتدأ. وإن عطفته على الجملة الأولى كانت الواو كالمستأنَفة، وصار في حكم ابتداء كلام، فأُعمل لذلك، ونُصب به قال الله تعالى: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١)، وفي قراءة ابن مسعود "وإذًا لا يلبثوا" بالنصب على ما ذكرنا، وقال تعالى: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ (٢). وأمّا الحالة الثالثة: فأن تقع متوسّطة لا محالةَ، معتمِدًا ما بعدها على ما قبلها، أو كان الفعل فعلَ حال غيرِ مستقبل، وذلك في جواب من قال: "أنا أزورك": "أنا إذن أكرمُك"، فترفع هنا, لأنّ الفعل معتمد على المبتدأ الذي هو "أنا". وكذلك لو قلت: "إن تكرمْني إذن أكرمْك"، فتجزم لأنّ الفعل بعد "إذن" معتمد على حرف الشرط، وإنما أُلغيتْ في هذه الأحوال؛ لأنّ ما بعد "إذن" معتمد على ما قبلها، وما قبلها محتاج إلى ما بعدها، وهي لا تعمل إلَّا مبتدأة، ولا يصح أن تُقدَّر مبتدأةً لاعتمادِ ما بعدها على ما قبلها، وكانت ممّا قد يُلْغَى في حال، فأُلغيت هنا، فأمّا قول الشاعر [من الرجز]: ٩٦٣ - لا تَتْرُكَنِّي فِيهِمُ شَطِيرَا ... إنِّي إذَنْ أهْلِكَ أو أطِيرَا

стр. 1592

فإنه شاذ، وإن صحت الرواية، فهو محمول على أن يكون الخبر محذوفًا، وابتدأ "إذَنْ" بعد تمام الأول بخبره. وساغ حذف الخبر لدلالة ما بعده عليه، كأنه قال: "لا تتركنّي فيهم غريبًا بعيدًا إِني أذِلُّ، إذًا أهلكَ أو أطيرا"، أو يكون شبّه "إذن" هنا بـ "لَنْ" فلم يُلغِها, لأنهما جميعًا من نواصب الأفعال المستقبلة، ويشبّه "إذن" من عوامل الأفعال بأفعال الشك واليقين, لأنها أيضًا تُعْمَل وتُلْغَى، إلَّا أن أفعال الشك، إذا تأخّرت أو توسّطت، يجوز أن تعمل، و"إذن"، إذا توسّطت بين كلامَيْن أحدُهما محتاج إلى الآخر، لم يجز أن تعمل لأنها حرف، والحروف أضعف في العمل من الأفعال، فلذلك جاز في أفعال اليقين والشكّ الإعمال إذا توسّطت، أو تأخرت، ولم يجز إعمال "إذن" في الموضع الذي ذكرناه. وأمّا "كَيْ" فللعرب فيها مذهبان: أحدهما: أن تكون ناصبة للفعل بنفسها بمنزلةِ "أنْ"، وتكون مع ما بعدها بمنزلةِ اسم، كما كانت "أن" كذلك. والآخر أن تكون حرف جرّ بمنزلة اللام، فينتصب الفعل بعدها بإضمار "أنْ" كما ينتصب بعد اللام. فماذا كانت بمنزلة "أن"، جاز دخول اللام عليها. قال الله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ (١)، و ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ (٢). وقياسُ "كَيْ" هذه أن تكون بمنزلة "أنْ"، ولولا ذلك، لم يجز دخول اللام عليها، لأنّ حرف الجرّ لا يدخل على مثله، فأمّا قول الشاعر [من الوافر]: ٩٦٤ - فلا واللهِ لا يُلْفَى لِما بي ... ولا لِلِما بهم أبَدًا دَواءُ

стр. 1593

فشاذّ لا يحمل عليه غيره ممّا كثر وفَشَا. وإذا كانت حرف جرّ، جاز دخولها على الأسماء كدخول حرف الجرّ، من ذلك قول بعض العرب: "كَيْمَه"، فأدخل "كي" على "ما" في الاستفهام، كما يدخل عليها حروف الجرّ، نحوُ: "لِمَ"، و"بِمَ"، و"عَمَّ" فحذف الألف كما يحذفها مع حروف الجرّ، وأُدخل عليها هاء السكت في الوقف، فقال. "كَيمَهْ"، كما يُقال: "فِيَمْه"، و"عَمَّهُ". فإذا قلت: "جئتُ لكي تُكرِمَني"، لم تكن إلَّا الناصبة بنفسها لدخول اللام عليها. وإذا قلت: "جئت كي تكرمني" من نحو قوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ (١)، جاز فيه الأمران جميعًا. على أنه قد حُكي عن الخليل أنه لا ينتصب بشيء إلا بـ"أنْ" إمّا أن تكون ظاهرة أو مقدّرة، وهذا يقتضي أن يكون النصب بعد "كَيْ"، و"إذَنْ"، بإضمار "أن"، فاعرفه. فصل [نصب المضارع بـ"أنْ" مضمرة] قال صاحب الكتاب: وينتصب بـ "أن" المضمرة بعد خمسة أحرف وهي: "حتى"، واللام، و"أو" بمعنى "إلى"، وواو الجمع، والفاء، في جواب الأشياء الستة الأمر والنهي والنفي والاستفهام والتمني والعرض. وذلك قولك: "سرت حتى أدخلها"، وجئتك لتكرمني، ولألزمنك أو تعطيني حقي، ولا تأكل السمك وتشرب اللبن، وإيتني فأكرمك، و ﴿ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي﴾ (٢)، و"ماتأتينا فتحدثنا"، و ﴿فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا﴾ (٣) , و ﴿يا ليتني كنت معهم فأفوز﴾ (٤) , و"ألا تنزل فتصيب خيراً". * * *

стр. 1594

قال الشارح: اعلم أن الفعل ينتصب بعد هذه الأحرف التي ذكرها، وهي خمسة، منها اثنان من حروف الجرّ، وثلاثة من حروف العطف، وهما "حَتَّى"، واللام، وذلك قولك: "سرت حتى أدخلَها"، و"جئتك لتكرمَني"، فالفعل بعد هذه الحروف ينتصب بإضمار "أنْ" لا بها نفسها. فإن قيل: ولِمَ قلتم: إن "أن" مقدّرة بعد هذه الحروف، ولم تكن مقدّرة بعد "إذَنْ"، و"لَن"، و"كَيْ"؟ قيل: إن "إذن"، و"لن"، و"كي" في أحد وجهَيْها تلزم الأفعالَ، وتُحْدِث فيها معانِيَ، فصارت كـ"أنْ" في لزومها الفعلَ، فحُملت عليها، وعملت عملها لمشارَكتها إيّاها على ما وصفنا؛ فأما اللام و"حَتَّى"، فهما حرفا جرّ، وعواملُ الأسماء لا تعمل في الأفعال، فإذا وُجد الفعل بعدهما منصوبًا، كان بغيرهما. فإذا قدّرتَ "أنْ" صارت اللام، و"حتى"، عاملتَيْن في اسم على أصلهما، لأنّ "أن" والفعل في تأويل الاسم. وإنما ساغ حذفُ "أن" والنصب بهما, لأنّ "حتى"، واللام صارتا عوضين منها، فكانت كالموجودة لوجود العوض منها. وقال الكوفيون (١): النصب في قولك: "جئتُ لأكرمَك"، و"سرت حتى أدخلَ المدينة"، إنما هو باللام، و"حتى"، فاللامُ هي الناصبة لـ"أكرمك"، وهي بمنزلةِ "أن"، وليست هي لام الخفض التي في الأسماء، ولكنها لام تفيد الشرطَ، وتستعمل على معنى "كَيْ". وإذا أتت اللام مع "كَيْ"؛ فالنصب باللام، و"كي"، مؤكِّدة لها. وإذا انفردت "كي"، فالعمل بها، وإن جاءت "أنْ" مظهرةً بعد "كَي"، فهو جائز عندهم، وصحيح أن يُقال: "جئتك لكي أن تكرمني"، ولا موضع لـ"أن", لأنها توكيد لـ"كَيْ" كما أكدتْها في قوله [من الطويل]: ٩٦٥ - أردتُ لِكَيْمَا أن تَطِيرَ بِقرْبتي ... وتَتْرُكَها شَنَّا ببَيداءَ بَلْقَعِ

стр. 1595

ولذلك أجازوا ظهورها بعد "حتى" كظهورها بعد "كي"، والنصبُ عندهم بـ"حتى" كالنصب بـ"أنْ"، فإذا قلت: "لأسِيرَنَّ حتى أن أُصَبِّحَ القادِسيَّةَ"، فهو جائز، والنصب بـ "حتى"، و"أنْ"، توكيد لـ"حتى" كما كانت توكيدًا لـ"كي". وقال ثعلب قولاً خالف فيه أصحابَه والبصريين، وذلك أنه قال في "جئت لأكرمك"، و"سرت حتى أدخل المدينة": إن المستقبل منصوب باللام و"حتى"، لقيامهما مقام "أنْ "، فخالف أصحابَه, لأنهم يقولون: إن النصب بهما بطريق الأصالة، ولم يوافق البصريين, لأنه يقول: إن النصب بهما لا بمضمر بعدهما. وما احتجّ به الكوفيون أنهم قالوا: لو كانت اللام الداخلة على الفعل هي اللامَ الخافضةَ، لجاز أن تقول: "أمرتُ بِتُكْرِمَ" على معنَى "أمرت بأن تكرم"، والجواب أن حروف الجرّ لا تتساوى في ذلك, لأنّ اللام قد تدخل على المصادر التي هي أغراض الفاعلين في أفعالهم، وهي شاملة، يجوز أن يسأل بها عن كل فعل، فيقال: "لِمَ فعلت"؟ فيقال: لـ"كذا"؛ لأنّ لكل فاعل غرضًا في فعله، وباللام يخبر عن جميعِ ذلك، و"كَيْ"، و"حَتَّى" في معناها، فكأنها دخلت على "أنْ" والفعل, لأنهما مصدر لإفادةِ "أَنْ" ذلك الغرضَ من إيقاع الفعل المتقدّم، ثم حُذفت "أنْ" تخفيفًا، فصارت هذه الحروف كالعوض منها، ولذلك لا يجوز ظهورُها، وليس ذلك بأوّلِ ما حذف لكثرة الاستعمال. فإن قيل: ولِمَ كانت "أنْ" أوْلى بالإضمار من سائر الحروف؟ قيل: لأمرَيْن: أحدهما: إن "أنْ" هي الأصل في العمل، لِما ذكرناه من شَبَهها بـ"أن" المشدّدة، فوجب أن يكون المضمر "أنْ" لقوّتها في بابها، وأن يكون ما حُمل عليها يلزم موضعًا واحدًا، ولا يتصرّف. والأمر الآخر: أن لها من القوّة والتصرْف ما ليس لغيرها، ألا ترى أنّ "أنْ" يليها الماضي والمستقبل بخلاف أخواتها، فإنّها لا يليها إلَّا المستقبل؟ فلمّا كان لها من التصرّف ما ذُكر، جُعلت لها مزيّة على أخواتها بالإضمار، فاعرفه.

стр. 1596

وأمّا "حتى"، فإذا نصبت الفعل بعدها؛ فهي فيه حرف جرّ على ما ذكرنا، فإذا قلت: "سرت حتى أدخلَها"، فالفعل منتصب بـ"أنْ" مضمرة، و"أنْ" والفعل في تأويل مصدر، والمصدرُ في محل مخفوض بـ "حتى"، و"حتى" وما بعدها من المصدر في موضع نصب بالفعل، كما أن الجار والمجرور كذلك في قولك: "مررت يزيد"، و"نزلت على عمرو". ولها في النصب معنيان: أحدهما: أن تكون غاية بمعنَى "إلى أن"، والمراد بالغاية أن يكون ما قبلها من الفعل متصلًا بها حتى يقع الفعل الذي بعدها في منتهاه، كقولك: "سرت حتى أدخلَها"، فيكون السير والدخول جميعًا، قد وقعا، كأنك قلت: "سرت إلى دخولها"، فالدخولُ غاية لسيرك، والسير هو الذي يؤدّي إلى الدخول، ومنه قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ (١) بالنصب، أي: زلزلوا إلى أن قال الرسول. والثاني: أن تكون بمعنى "كَيْ"، فيكون الفعل الأوّل في زمان، والثاني في زمان آخر غيرَ متصل بالأوّل، وذلك نحو قولك: "كلّمتُه حتى يأمرَ لي بشيء"، والمراد: كلمته كي يأمر لي بشيء، وكذلك "أسلمتُ حتى أدخلَ الجنّة". ولـ"حَتَّى" مواضع أخر قد ذُكر بعضها في العطف، وسيذكر الباقي في موضعه، إن شاء الله تعالى. وأمّا اللام، فهي من حروف الجرّ، ومعناها الغرض، وأن ما قبلها من الفعل علّةٌ لوجود الفعل بعدها، كما كانت "كي" كذلك، وقد تقدّم الكلام عليها. وأمّا حروف العطف، فـ"أوْ"، و"الواو"، و"الفاء"، فهذه الحروف أيضًا ينتصب الفعل بعدها بإضمار "أنْ"، وليست هي الناصبة عند سيبويه (٢)، وذلك من قبل أنها حروف عطف، وحروف العطف تدخل على الأسماء والأفعال. وكلُّ حرف يدخل على الأسماء والأفعال لا يعمل في أحدهما، فلذلك وجب أن يقدّر "أنْ" بعدها ليصحّ نصب الفعل، إذ كانت هذه الحروف ممّا لا يجوز أن يعمل في الأفعال. وذهب الجرميّ إلى أنها هي الناصبة بأنفسها، وذهب الفرّاء من الكوفيين إلى أن النصب في هذه الأفعال لا بهذه الحروف بل هي منتصبة على الخلاف, لأنها عطفت ما بعدها على غيرِ شَكْله، وذلك أنه لمّا قال: "لا تَظْلِمْني فتَنْدَمَ"، دخل النهي على الظلم، ولم يدخل على الندم. فحين عطفت فعلاً على فعل لا يشاكله في معناه، ولا يدخل عليه حرف النهي كما دخل على الذي قبله، استحقّ النصبَ بالخلاف، كما استحق ذلك الاسمُ المعطوفُ على ما لا يشاكله في قولهم: "لو تُرِكْتَ والأسدَ لأكَلَك". قال: وذلك من قبل أن الأفعال فروع للأسماء، فإذا كان الخلاف في الأصل ناصبًا، وجب أن يكون في الفرع كذلك. والخلاف الموجب للنصب في الأسماء عندهم في

стр. 1597

أشياء، منها نصبُ الظروف بعد الأسماء، نحوُ: "زيدٌ عندَك"، و"زيدٌ خلفَك". لمّا خالفتْ هذه الظروفُ ما قبلها، نُصِبَتْ على الخلاف. والمذهبُ الأول؛ فأما قول الجرميّ إنها هي الناصبة، فقد أبطله المبرّد بأنّها لو كانت ناصبة بأنفسها؛ لكانت كـ "أن"، وكان يجوز أن تدخل عليها حروف العطف كما تدخل على "أنْ"، فكان يلزم أن يجوز عنده أن يُقال: "ما أنت بصاحبي فأُحدِّثَك، وفأُكرِمَك" لأنّ الفاء هي الناصبة، وكان يجوز أن يُقال: "لا تأكلِ السَّمَكَ وتشربَ اللبنَ" لأنّ الواو هي الناصبة، ألا ترى أن الواو في القَسَم، لما كانت هي العاملة للخفض مكان الباء، ساغ دخول حرف العطف عليها، وجاز أن يُقال: "والله ووالله". ولمّا كانت واوُ "رُبَّ" أصلها العطفُ، لم يجز دخول حرف العطف عليها، فلا يقال في مثلِ [من الرجز]: وبَلْدَةٍ ليس لها أنِيسُ (١) "ووبلدة". كذلك ها هنا، لو كانت هذه الحروف هي الناصبة أنفسها؛ لجاز دخول حرف العطف عليها، كما جاز دخوله على واو القسم. ولمّا امتنع منها ذلك، دلّ على أن أصلها العطف كواو "رُبَّ". وبذلك احتجّ سيبويه في دفع هذه المقالة. فأمَّا "أوْ" فأصلها العطف حيث كانت، وتستعمل في النصب على وجهين: أحدهما: أن يتقدّم فعل منصوبٌ بناصبٍ من الحروف، ثمّ يعطف عليه بـ"أوْ"، كما يعطف بسائر الحروف، وذلك نحوُ: "مدحتُ الأميرَ كي يَهَبَ لي دينارًا، أو يحملَني على دابّةٍ"، ومعناها أحد الشيئين. وهذا الوجه يقع فيه المرفوع والمجزوم إذا تقدّم مرفوع أو مجزوم، وليس بحَتم أن يقع فيه منصوب، فتقول في المرفوع: "أنا أكرمُك، أو أخرجُ"، وتقول في المجزوم "لِيَخْرُجْ زيد إلى البصرة أو يُقِمْ في مكانه". والوجهُ الآخر ما نحن بصدده، وهو أن يُخالِف ما بعدها ما قبلها، ويكون معناها "إلَّا أنْ". والفرق بين هذا الوجه والأول أن الأول لا تعلُّقَ فيه بين ما قبل "أوْ" وبين ما بعدها، وإنما هي لأحد الأمرَين، وليس بينهما ملابسة، إنما هو إخبارٌ بوجود أحدهما، ألا ترى أنه لا ملابسة بين قوله ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾ (٢) وبين ﴿يُسْلِمُونَ﴾ (٣)، فهو كعطف الاسم على الاسم بـ"أوْ"، نحوِ قولك: "جاءَني زيدٌ أو عمرٌو". والوجه الثاني: أَنْ يكون الفعل الأول كالعامّ في كلِّ زمان، والثاني كالمُخْرِج له عن عمومه، ألا ترى أنك إذا قلت: "لألْزَمَنَّك" أن ذلك عامّ في كلّ الأزمنة، فإذا قلت: "أو

стр. 1598

تقضيَني حَقي"؛ فقد أخرجت بعض الأزمنة المستقبلة من ذلك، وجعلته ممتدا في جميع الأوقات سوى وقت القضاء، ففي الأوّل كان مطلقًا، وبالثاني صار مقيَّدًا، وهو في الوجه الأوّل عطف ظاهر، وفي الثاني عطف متأوَّل, لأنك في الأوّل تعطف ما بعدها على ما قبلها، وتُشرِكه في إعرابه وظاهرِ معناه. والنصبُ بعد "أوْ" هذه ليس بإضمارِ "أنْ"، إنما هو بالناصب الذي نصب ما قبلها، ثمّ عُطف عليه بحرف العطف المُشرِك بينهما في العامل، وأمّا العطف المتأوَّل فنحو: "لألزمنّك، أو تُعْطِيَنِي حقّي"، فهذا لا يريد فيه العطف الظاهر, لأنه لم يُرِد إيجاب أحدهما، إنما يريد إيجاب اللزوم ممتدًّا إلى وقت الإعطاء، فلمّا لم يرد فيه العطف الظاهر، تأوَّلوه بـ"أن"، وتَوهموا المصدرَ في الأوّل؛ لأنّ الفعل يدلّ على المصدر، ونصبوا الثاني بإضمارِ "أنْ", لأن "أنْ" والفعل مصدرٌ، وصارت "أوْ" قد عطفت مصدرا في التأويل على مصدر في التأويل، ولذلك لا يجوز إظهار "أنْ"، لئلا يصير المصدر ملفوظًا به، فيؤدّي إلى عطف اسم على فعل، وذلك لا يجوز. ومما يؤكّد عندك الفرق بينهما أنك إذا قلت: "ستُكلِّم زيدًا، أو يَقْضِيَ حاجتَك"، فتنصب "يقضي" على معنى: "إلَّا أنْ يقضي"، فقد جعلت قضاء حاجتك سببًا لكلامه. وإذا عطفت، فإنّما تُخبِر بأنه سيقع أحد الأمرين من غير أن يدخله هذا المعنى، ويوضِح ذلك لك أن الفعلين اللذَيْن في العطف نظيران، أيهما شئت قدّمته فيصحّ به المعنى، فتقول: "سيقضي حاجتَك زيدٌ أو تكلّمه"، إذا عطفت، فأيّهما قدّمت كان المعنى واحدًا، وإذا نصبت اختلف المعنى، فدل على السبب كما بيّنت لك، ولا يصحّ على هذا "سيقضي حاجتك زيدٌ أو تكلِّمَه"، إلَّا أن تريد أن تجعل الكلام سببًا لإبطال قضاء حاجته، فيجوز حينئذ كأنّه يكره كلامَه، فهو يقضي حاجته إن سكت، وإن كلّمه، لم يقضها. فإن قيل: وأيُّ مناسبة بين "أوْ" و"إلَّا أنْ" حتى كانت في معناها؟ قيل: بينهما مناسبة ظاهرة، وهو العدول عن ما أوجبه اللفظ الأوَّل، وذلك أنّا إذا قلنا: "جاءني القومُ إلَّا زيدًا"، فاللفظ الأول قد أوجب دخول "زيد" فيما دخل فيه القوم؛ لأنه منهم، فإذا قلت: "إلَّا"، فقد أبطلت ما أوجبه الأوّل، وإذا قلت: "جاءني زيد أو عمرو"، فقد أوجبت المجيء لزيد في اللفظ قبل دخول "أوْ". فلمّا دخلت، بطل ذلك الوجوبُ، ولأجل هذه المخالفة احتيج إلى تقدير الفعل الأوّل مصدرًا، وعطفِ الثاني عليه على التقدير الذي مضى. ومن النحويين من يقدّر "أوْ" هذه بـ"إلَى"، ويجعل ما بعد "أوْ" غايةً لما قبلها، وإيّاه اختار صاحب هذا الكتاب. والوجه الأوّل، وهو اختيار سيبويه (١) , لأنّ قوله: "لألزمنّك" يقتضي التأبيد في جميع الأوقات، فوجب أن يُستثنى الوقت الذي يقع

стр. 1599

فيه انتهاؤُه، فلذلك قدّروه بـ"إلَّا"، فيكون المعنى أن الفعل الأول يقع، ثمّ يرتفع بوجود الفعل الواقع بعد "أوْ"، فيكون سببًا لارتفاعه، وعلى قِيلهم يكون ممتدًا إلى غاية وقوع الثاني، فمن ذلك قول امرئ القيس [من الطويل]: ٩٦٦ - فقلتُ له لا تَبْكِ عَيْنُك إنّما ... نُحاوِلُ مُلْكًا أو نَمُوتَ فنُعْذَرَا والقوافي منصوبة، والتقدير فيه ما قدمناه. ولو رفع، لجاز على تقديرَيْن: أحدهما على الوجه الأول، وهو أن يكون معطوفًا على "نحاول"، أو يكون مستأنَفًا، كأنه قال: "أو نحن نموتُ، فنُعْذَرُ". ومن ذلك قوله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ (١) بالرفع على الاشتراك بين الثاني والأوّل، أو على الاستئناف، كأنه قال: "أو هم يسلمون". وقد وُجد في بعض المصاحف، "أو يُسْلِمُوا" بحذف النون للنصب على الوجه الثاني. والفرقُ بينهما أن مَن رفع كان المراد أن الواقع أحد الأمرين: إمّا القتال، وإمّا الإِسلام، وعلى الوجه الثاني يجوز أن يقع القتال، ثمّ يرتفع بالإِسلام. وأمّا الواو، فتنصب الأفعالَ المستقبلةَ إذا كانت بمعنى الجمع، نحوَ قولهم: "لا

стр. 1600

تأكلِ السمك وتشربَ اللبن" أي: لا تجمعْ بينهما، ومنه قول الأخْطَل [من الكامل]: ٩٦٧ - لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتَأتِيَ مِثْلَه ... عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ فالمراد: لا تجمعْ بين أكل السمك وشربِ اللبن، ولا تجمع بين نَهْيك عن شيء وإتيانك مثلَه، والنصب في ذلك كله بإضمار "أنْ" بعد الواو عندنا، كما كان بعد "أوْ"، وحملِه على الفعل الأول، ألا ترى أنهم لم يريدوا بقولهم: "لا تأكلِ السمك وتشرب اللبن" النهيَ عن أكل السمك منفردًا، وشربِ اللبن منفردًا، وإنما المراد أن ينهاه عن الجمع بينهما، لِما في ذلك من الفساد والضرر؟ ولو جزمه بالعطف على ما تقدّم، لكان داخلاً في حكم الأوّل، وكان التقدير: لا

стр. 1601

تنه عن خلق، ولا تأتِ مثلَه. ولو كان قال ذلك، لكان قد نهاه أن ينهى عن شيء، ونهاه أن يأتي شيئًا من الأشياء، وهو محال. فلمّا استحال، حَمَلَ الثاني على الأول، كأئَّه تَخيّل مصدرَ الأوّل إذ كان الفعل دالاً عليه مع موافَقة المعنى المرادِ، فصار كأنّه قال: "لا يكن منك نَهيٌ"، ثمّ أضمر "أنْ" مع الثاني، فصار مصدرًا في الحكم، ثمّ عطف مصدرًا متأوَّلاً على مصدر متأوّل، ولذلك لا يجوز إظهارُ "أنْ" فيه، لئلّا يصير المصدر مصرَّحًا به، ثم تعطفه، فتكون قد عطفت اسمًا صريحًا على فعل صريح. فلو كان الأول مصدرًا صريحًا، لجاز لك أن تُظْهِر "أنْ" في الثاني، نحوَ قوله [من الوافر]: ٩٦٨ - لَلُبْسُ عَباءَةٍ وتَقِرَّ عَيْنِي ... أحَبُّ إليّ من لُبْسِ الشُفُوفِ ولو قال: "وأن تقرّ عيني"، لجاز؛ لأنّ الأول مصدرٌ، فـ "لبس عباءة" مبتدأٌ، و"تقرّ عيني" في موضع رفع بالعطف عليه، "وأحبّ إليّ" الخبرُ عنهما. والمعنى أن لبس الخَشِن من الثياب مع قُرّة العين أحبّ إليّ من لبس الشفوف، وهو الرقيق من الملبوس، فالتفضيلُ لهما مجتمعين على لبس الشفوف، ولو انفرد أحدهما، بطل المعنى الذي أراده، إذ لم يكن مراده أن لبس عباءة أحبّ إليه من لبس الشفوف، فلمّا كان المعنى يعود إلى ضمِّ "تقرّ عيني" إلى "لبس عباءة"، اضطُرّ إلى إضمارِ "أنْ" والنصب. وقد حُكي عن الأصمعي أنه قال: لم أسمعه إلَّا "وتأتي مثلَه" بإسكان الياء يجعَله مرفوعًا على

стр. 1602

الاستئناف، أو يجعله حالاً، أي: لا تنه عن خلقِ وأنت تأتي مثلَه"، أي: في حال إتيانك مثلَه. وهذا قريب من معنى النصب. فأمَّا قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، فقد قُرئت على وجهَين: برفع الفعلَين الآخِرين، وهما "لا نكذب" و"نكون"، وبنصبهما. وأمّا الرفع، فكان عيسى بن عمر يجعلهما متمنّيين معطوفين على "نردّ"، ويقول: إِن الله تعالى: أكذَبهم (٢) في تمنِّيهم على قولِ من يرى التمنّي خبرًا. وكان أبو عمرو بن العَلاء يرفعهما لا على هذا الوجه، بل على سبيل الاستئناف، وتأويلِ: "ونحن لا نكذّبُ بآيات ربّنا، ونكونُ من المؤمنين إن رُددنا"، فالفعلان الأخيران خبران غير متمنّيين، ولذلك أكذبهم الله، ولم يكن يرى التمنّي خبرًا. فأمّا النصب -وهو قراءة حمزة وابن عامر وحفصٍ- فعلى معنى الجمع، والتقدير: يا ليتنا يُجْمَع لنا الردّ وتركُ التكذيب والكونُ من المؤمنين، ويكون المعنى كالوجه الأول في دخولهما في التمني، ويكون التكذيب على رأي من يرى التمني خبرًا، فاعرفه. فأمّا "الفاء" فينتصب الفعل بعدها على تقديرِ "أنْ" أيضًا، وذلك إذا وقعت جوابًا للأشياء التي ذكرناها، وهي: الأمر، والنهي، والنفي، والاستفهام، والتمني، والعَرْض. ومنهم من يضيف إليها الدعاء، ويجعلها سبعةً، ومنهم من يجتزىء عن كلّ ذلك بالأمر وحدَه لأنّ اللفظ واحد، فالأمر، نحو قوله: "إيتِني فأكرِمَك". ومنه [من الرجز]: ٩٦٩ - يا ناقَ سِيري عَنَقًا فَسِيحَا ... إلى سُلَيْمَانَ فَنَسْتَرِيحَا

стр. 1603

ومثال النهي "لا تأتِ زيدًا فيُهِينَك". قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ (٢). ومثال النفي. "ما تأتيني فَتُحَدِّثَنِي". قال زياد [من البسيط]: ٩٧٠ - وما أُصاحِبُ من قَوْمِ فأذْكُرَهم ... إلا يَزيدُهُمُ حُبًّا إليَّ هُمُ

стр. 1604

وأمّا الاستفهام، فنحو قولك: "أيْنَ بيتُك فأزُورَك". قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ (١). وقال الشاعر [من البسيط]: ٩٧١ - هل مِن سَبِيلٍ إلى خَمْرٍ فأشرَبَها ... أم هل سبيلٌ إلى نَصْرِ بن حَجّاج والتمنّي: "ليت لي مالاً فأُنفِقَه". قال الله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٢). والعَرض: "ألا تنزلُ فتُحدِّثَ". فهذه الأفعال تُنْصَب بعد هذه الفاء بإضمار "أنْ" إذا كانت جوابًا. وإنّما أضمرت "أنْ" ها هنا، ونُصب بها من قبل أنهم تَخيَّلوا في أوّل الكلام معنى المصدر، فإذا قال: "زُزني فأزُورَك"، فكأنه قال: "لِتكنْ منك زيارةٌ"، فلمّا كان الفعل الأول في تقدير المصدر، والمصدر اسمٌ، لم يسغ عطف الفعل الذي بعده عليه, لأنّ الفعل لا يعطف على الاسم، فإذا أضمروا "أنْ" قبل الفعل، صار مصدرًا، فجاز لذلك عطفُه على ما قبله، وكان من قبيل عطف الاسم على الاسم. وإنما تَخيَّلوا في الأوْل مصدرًا لمخالفة الفعل الثاني الفعلَ الأولَ في المعنى، ولذلك إذا قلت: "ما تَزُورُني فتُحَدِّثَنِي"، لم ترد أن تنفيهما جميعًا، إذ لو أردت ذلك لَرفعت الفعلَيْن معًا، ولكنّك تريد: ما تزورني مُحدِّثًا، أي: قد تزورُني ولا حديثَ، فأثبت له الزيارة، ونفيتَ الحديثَ. فلمّا اختلف الفعلان، ولم يجز العطف على ظاهر

стр. 1605

الفعل الأول، عدلوا عن الظاهر، وأضمروا مصدره، إذ الفعل يدل على المصدر، فاضطُروا لذلك إلى إضمار "أنْ" لِما ذكرت لك. وأمّا مجيئه بعد غير الفعل فهو أسهل في اعتقاد المصدر, لأنه ليس هناك فعل يجوز عطف هذا الفعل المتأخر عليه، ألا ترى أنك إذا قلت: "أيْنَ بيتُك؟ " ليس هناك فعل يعطف عليه "أزورك"، فحمل على المعنى؛ لأنّ معناه "ليكنْ تعريفُ بيتك منك فزيارةٌ منِّي"؛ لأنّ معنَى "أين بيتك": "عَرِّفْنِي". واعلم أن هذه الفاء التي يجاب بها تعقد الجملة الأخيرة بالأولى، فتجعلهما جملة واحدة، كما يفعل حرفُ الشرط، ولو قلت: "ما تزورُني، فتحدّثُني"، فرفعتَ "تحدّثني"، لم يكن الكلام جملة واحدة، بل جملتين, لأنّ التقدير: "ما تزورُني، وما تحّدثُني"، فقولك: "ما تزورني" جملة على حِيالها، و"ما تحدّثني" جملة ثانية كذلك. والكوفيون يقولون في مثل هذا وأشباهه: إنه منصوب على الصرف، وهذا الكلام، إن كان المراد به أنّه لمّا لم يُرَد فيه عطف الثاني على لفظ الفعل الأول، صُرف عن الفعليّة إلى معنى الاسميّة بأن أضمروا "أنْ"، ونصبوا بها، فهو كلام صحيح. وإن كان المراد أن نفس الصرف الذي هو المعنى عامل، فهو باطل, لأنّ المعاني لا تعمل في الأفعال النصبَ، إنما المعنى يعمل فيها الرفع، وهو وقوعه موقعَ الاسم كما كان الابتداء الذي هو معنى عاملاً في الاسم، فاعرفه. فصل [معنيا الجملة المتضمّنة فاء السببيّة] قال صاحب الكتاب: ولقولك: "ما تأتينا فتحدثنا" معنيان أحدهما "ما تأتينا فكيف تحدثنا" أي "لو أتيتنا لحدثتنا, والآخر "ما تأتينا أبدًا إلا لم تحدثنا", أي منك إتيان كثير ولا حديث منك وهذا تفسير سيبويه (١). * * * قال الشارح: إذا قلت: "ما تأتينا فتُحدِّثَنا"، فيجوز في الفعل الثاني النصب والرفع، فالنصب يشتمل على معنيَيْن يجمعهما أن الثاني مخالف للأوّل. فأحدُ المعنيين: ما تأتينا مُحدّثًا، أي: ما تأتينا إلَّا لم تُحدّثْنا، أي: قد يكون منك إتيانٌ، ولا يكون منك حديث. والوجه الآخر: ما تاتينا، فكيف تحدّثنا؟ فهذا معنى غير المعنى الأوّل, لأنّ معناه: لو زُرْتَنا، لَحدّثتَنا، فأنت الآنَ نافٍ للزيارة، ومُعْلِمٌ أن الزيارة لو كانت، لكان الحديثُ. وأمّا الرفع، فعلى وجهين أيضًا:

стр. 1606

أحدهما: أن يكون الفعل الآخِر شريكًا للأول داخلاً معه في النفي، كأنّك قلت: ما تأتينا، وما تحدّثُنا، فهما جملتان مَنفِيتان. والوجه الثاني: أن يكون معنى: "ما تأتينا فتحدّثُنا"، أي: ما تأتينا فأنت تحدّثُنا، كقولك: "ما تُعْطِيني، فأشكرُك"، أي: ما تعطيني، فأنا أشكرك على كلّ حال. ومثلُه في الجزم: "لم تُعْطِني فأشكرُك"، أراد: لم تعطني، فيكون شكرٌ. فإن أراد العطف على الأول؛ قال: "لم أُعْطِك، فتشكرْني" بالجزم؛ فأمّا قوله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ (١)، فهو على قولك: "لا تأتيني، فأُعْطِيَك"، على أن تكون "لا" نافية، أي: لو أتيتَني، لأعْطَيْتُك؛ فأمّا قوله تعالى: ﴿يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٢) فالرفعُ لا غير؛ لأنه لم يجعل "فيكون" جوابًا من هذا الباب؛ لأنه ليس ها هنا شرط. فصل [ظهور "أنْ" مع لام "كي "] قال صاحب الكتاب: ويمتنع إظهار "أن" مع هذه الأحرف، إلا اللام إذا كانت لام "كي"، فإن الإظهار جائز معها، وواجب إذا كان الفعل الذي تدخل عليه داخلة عليه "لا"، كقولك: "لئلا تعطيني"؛ وأما المؤكدة فليس معها إلا التزام الإضمار. * * * قال الشارح: قد تقدّم الكلام على هذه الحروف، وأنَّها ليست الناصبة بأنفسها، وإنما النصب بإضمار "أن" بعدها، وأتينا على العلّة في امتناع ظهور "أنْ" بعدها؛ فأما اللام، فإن الفعل ينتصب بعدها بإضمار "أنْ"، كقوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ (٣) و ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ (٤). ويجوز ظهورُ "أنْ" بعدها، فتقول: "جئتُك لأنّ تُكرِمَني"، و"قصدتُك لأن تزورَني". ولا خلاف بين أصحابنا في صحة استعمال ذلك، ولا أعلمُه جاء في التنزيل، وإنما جاز ظهورُ "أنْ" بعد اللام في الموجب, لأنّ "أنْ" والفعل مصدرٌ، واللام تدخل على المصادر التي هي أغراضُ الفاعلين، وهي قابلةٌ أن يسأل بها عن كل فعل، فيقال: "لِمَ فعلتَ"؟ فتقول: "لكذا"؛ لأنّ لكلّ فاعل غرضًا في فعله، وباللام يُتوصل إلى ذلك، ولذلك كنت مخيَّرًا بين حذفها وإظهارها. فأمّا مع "لا" النافية، فيجب ظهورُ "أنْ"، ولا يحسن حذفها، كقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ (٥). والعلّةُ في ذلك أن هذه اللام هي اللام في قوله: ﴿لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ (٦)، لكنّها في الموجب باشرتْ لفظَ الفعل، وأصلُها أن تدخل على الاسم، إذ

стр. 1607

كانت حرف جرّ، وحروفُ الجرّ مختصة بالاسم، فباشروا باللام هنا لفظَ الفعل؛ لأنّ "أنْ" حاجزٌ مقدر بينهما مع أن الفعل مُشابِهٌ للاسم وخصوصًا المضارعُ، وتالٍ له في المرتبة، فلم يجيزوا دخولَه على الحرف لبُعْده من الاسم، بخلاف لفظ الفعل. ووجه ثان، وهو أنهم كرهوا أن يباشروا باللام لفظَ "لا"، فيتوالى لامان، وذلك مستثقَل، فأظهروا "أنْ" ليزول ذلك الثقلُ, لأنّ حذف "أنْ" إنما كان لضرب من التخفيف، فلمّا أدّى إلى ثقل من جهة أُخرى؛ عادوا إلى الأصل، وكان احتمال الثقل مع موافقة الأصل أوْلى من احتمال الثقل مع مخالفة الأصل بحذف "أنِ" الناصبة. وأمّا المؤكّدة، وهي لام الجحود، فهي تكون مع النفي في باب "كَانَ" الناقصة، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ (١). وهذه اللام هي اللام في قولك: "جئتُ لتُعْطِيَنِي"، وهي التي أجازوا معها إظهارَ "أنْ". فلمّا اعترض الكلامَ النفيُ، وطال شيئًا، لزم الإضمارُ مع النفي؛ لأنه جوابٌ، ونفيٌ لإيجاب فيه حرفٌ غير عامل في الفعل، فوجب أن يكون بإزائه حرفٌ غير عامل، فقولك: "سيفعل زيدٌ"، أو "سوف يفعل"، فإنّ نَفْيه "ما كان زيد لِيفعلَ". ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ (٢)، فيُباشِر الفعلَ في حال النفي حرفٌ غير عامل فيه، كما كان كذلك في حال الإيجاب. ووجه ثان، وهو أنه إنما قبح ظهورُ "أنْ" بعد لام الجَحْد, لأنه نقيضُ فعل ليس تقديره تقديرَ اسم، ولا لفظه لفظَ اسم، وذلك أنّا إذا قلنا: "ما كان زيد لِيخرجَ"، فهو قبل الجحد كان "زيد سيخرج، وسوف يخرج". فلو قلنا: "ما كان زيد لأنْ يخرج" بإظهارِ "أنْ"؛ لكُنّا قد جعلنا مُقابِلَ "سوف يخرج"، و"سيخرج" اسمًا، فكرهوا إظهار "أنْ" لذلك؛ لأنّ النفي يكون على حسب الإثبات. وقال الكوفيون (٣) لام الجحد هي العاملة بنفسها، وأجازوا تقديم المفعول على الفعل المنتصب بعد اللام، نحوَ قولك: "ما كنتُ زيداً لأضربَ"، وأنشدوا [من الطويل]: ٩٧٢ - لقد وعدتْنِي أُمُّ عمرو ولم أكُنْ ... مَقالَتَها ما كنتُ حَيًّا لأسْمَعَا

стр. 1608

ولا دليل في ذلك؛ لأنّا نقول إنه منصوب بإضمار فعل، كأنه قال: "ولم أكن لأسمع مقالتَها" ثم بينَ ما أضمر بقوله: "لأسمع"، كما في قوله [من الطويل]: ٩٧٣ - [وإنّي امرُؤٌ مِنْ عُصْبَةٍ خِنْدفِيَّةٍ] ... أبَتْ للأعادِي أنْ تَذِلَّ رِقابُها التقدير: أبت أن تذل رقابها للأعادي، ثمّ كرّر الفعل بيانًا للمضمر، فاعرفه.

стр. 1609

فصل [النصب والرفع بعد "حتى "] قال صاحب الكتاب: وليس بحتم أن ينصب الفعل في هذه المواضع بل للعدول به إلى غير ذلك معنى وجهة من الإعراب مساغ, فله بعد "حتى" حالتان هو في إحديهما مستقبل, أو في حكم المستقبل, فينصب، وفي الأخرى حال أو في حكم الحال فيرفع, وذلك قولك: "سرت حتى أدخلها"، و"حتى أدخلها". تنصب إذا كان دخولك مترقبًا لما يوجد، كأنك قلت "سرت كي أدخلها"، ومنه قولهم أسلمت حتى أدخل الجنة، وكلمته حتى يأمر لي بشيء". أو كان مقتضيًا إلا أنه في حكم المستقبل من حيث أنه في وقت وجود السير المفعول من أجله كان مترقبًا. * * * قال الشارح: ليس النصب لازمًا في هذه الأشياء بحيث لا يجوز غيره، بل يجوز فيها العطف على ظاهر الفعل المتقدّم، فيشاركه في إعرابه، إن رُفعا، وإن جُزما. ألا ترى أنك إذا قلت: "لا تأكلِ السمكَ وتشربِ اللبنَ" بجزم الثاني؛ كنت قد عطفت الثاني على الأول، ويكون المعنى أنك نهيتَه عن كل واحد على الانفراد حتى لو أكل السمك وحده، كان عاصيًا، ولو شرب اللبن وحده؛ كان عاصيًا. فإذا أُريد النهي عن الجمع لا عن كل واحد منهما، عدل إلى النصب، فهذا معنى قوله: "بل للعدول به إلى غير ذلك من معنى وجهة من الإعراب مساغ"، أي: إذا أُريد غير معنى العطف الصريح، وكان له مساغٌ؛ عدلوا إليه. فمن ذلك "حَتّى" وقد تقدّم الكلام عليها والخلافُ فيها، وهي إذا دخلت على الفعل كانت مذهبَيْن: أحدهما أن يقع الفعل بعدها منصوبًا، والآخر أن يكون مرفوعًا، وذلك على تقديرَيْن: فإذا نصبت الفعل بعدها؛ كان بإضمار "أنْ"، وكانت "حتى" هي الجارّة للاسم من نحو قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (١)، كما أن اللام كذلك. وظاهرُ أمرها الغايةُ، وأصل معنى الغاية لـ"إلى"، و"حتّى" محمولةٌ في ذلك عليها، فهي حرف جرّ مثلُها، ولذلك جرّت كما جرّت تلك في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢)، وكلاهما غاية كما ترى، إلَّا أن "حَتى" تُدخِل الثاني فيما دخل فيه الأول من المعنى، فمعناها إذا خفضتْ كمعناها إذا نُسق بها، فلذلك خالفتْ "إلى". فإذا قلت: "أكلتُ السمكة حتى رأسِها" بالخفض، كان المعنى أنّني لم أُبْقِ منها شيئًا كما لو كانت العاطفة، وإذا كانت الجازة على ما قرّرنا، فجارُّ الاسم ليس بناصب للفعل، فهذا انتصب الفعل بعدها، فيكون بإضمار "أنْ"، و"أنْ" والفعل مصدرٌ مجرور

стр. 1610

بـ "حتى"، و"حتى" وما عملت فيه في موضع نصب بالفعل المتقدّم، أو ما هو في حكم الفعل ممّا يتعلق به "حتى". ويكون النصب بـ"حتى" هذه على وجهين: ضربٌ يكون الفعل الأول سببًا للثاني، فتكون "حتى" بمنزلة "كَي"، وذلك قولك: "أطِعِ اللهَ حتى يُدخِلَك الجنةَ"، و"كلّمته حتى يأمرَ لي بشيء"، فالصَّلاةُ (١) والكلامُ سببان لدخول الجنّة، والأمرِ له بالشيء، ولا يلزم امتداد السبب إلى وجود المسبَّب. والثاني أن لا يكون سببًا للثاني، فيكون التقدير "إلَى أنْ"، وذلك قولك: "سرتُ حتى تطلعَ الشمس"، فهذه لا تكون إلَّا بمعنَى "إلى أن"؛ لأن طلوع الشمس لا يؤدّيه فعلُك، ومثله: "لأنْتَظِرَنَّهُ حتى يَقدَمَ" فالانتظارُ متصل بالقدوم، لأنّ المعنى "إلى أن يقدم"، فكلُّ ما اعتوره هذان المعنيان فالنصب له لازم. وقول صاحب الكتاب: "هو في إحداهما مستقبلٌ، أو في حكم المستقبل فيُنصَب" يريد أن العوامل الظاهرة لا تعمل في فعل الحال, لأنه يُشْبِه الأسماء لدَوامه، فلم تعمل فيه عوامل الأفعال الظاهرةُ كما لم تعمل في الأسماء، ولا تعمل إلَّا في المستقبل، فإذا رأيت الفعل منصوبًا، كان مستقبلاً، أو في حكم المستقبل. مثالُ الأوّل: "أطِع الله حتى يُدْخِلَك الجنةَ"، فالسببُ والمسبّبُ معًا مستقبلان, لأنّ الطاعة لم تُوجَد بعد، ودخولُ الجنة لم يتحقق بعدُ، وإنما هو منتظَر مترقَّب، وقوله: "كلّمتُه حتى يأمرَ لي بشيء" فالسببُ قد وُجد، والمسبَّب لم يتحقق بعدُ إذ قد تَحقق منه الكلام، والأمرُ بشيء مترقب. ومثالُ الثاني "سرتُ حتى أدخلَها"، فالسببُ والمسبّب جميعًا وإن كانا قد وُجدا، إلَّا أن الأول هو المفعول من أجل وجود الثاني، وهو السبب، وكان مترقّبًا منتظرًا، فهو في حكم المستقبل الآن، فالسببُ في كلا الوجهين مستقبل إما حقيقةً وإمّا حكمًا. * * * قال صاحب الكتاب: وترفع إذا كان الدخول يوجد في الحال كأنك قلت: "حتى أنا أدخلها الآن". ومنه قولهم "مرض حتى لا يرجونه"، و"شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه", أو تقضى, إلا أنك تحكي الحال الماضية, وقريء قوله تعالى: ﴿وزلزلوا حتى يقول الرسول " (٢) منصوبًا ومرفوعًا. * * *

стр. 1611

قال الشارح: اعلم أن "حَتَّى" يرتفع الفعل بعدها، وهي التي تكون حرف ابتداء، فيرتفع الاسم بعدها على الابتداء والخبرِ من نحو قوله [من الطويل]: [سَريْتُ بهمْ حَتى تكِلَّ مَطِيُّهُمْ] ... وحتّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بأرْسانِ (١) فهي فيه بمنزلة "أمّا"، و"إنَّمَا"، و"إذَا" وليست الخافضةَ كما كانت إذا انتصب الفعل بعدها، فالرفعُ بعدها على وجهين يرجعان إلى وجه واحد، وإن اختلفت مواضعُها، وذلك أن يكون ما قبلها موجبًا لِما بعدها، ولكن ما يوجبه قد يجوز أن يكون عقيبًا له ومتصلاً به، وقد يجوز أن لا يكون متصلاً به، ولكن يكون مُوَطّأً مُسَهَّلاً بالفعل الأول، وذلك نحوُ: "سرت حتى أدخلُها"، أي: كان منّي سيرٌ فدخولٌ، فليس في هذا معنَى "كَيْ" ولا معنَى "إلى أنْ"، وإنّما أخبرتَ بأن هذا كذا وقع منك، فالسببُ والمسبَّبُ جميعًا قد مضيا. والوجه الآخر أن يكون السير متقدمًا غير متصل بما تُخْبِر عنه، ثمّ يكون مؤديًا إلى هذا، كقولك: "مرض حتى لا يرجونه"، أي: هو الآن كذلك. وقالوا: "شربت الإبل حتى يجيءُ البعير يجرّ بطنه"، أي: وُجد الشرب فيما مضى، وهو الآن يجرّ بطنه، فهو منقطع من الأول، ووجودُه إنما هو في الحال كما ذكرت لك بأنهما يرجعان إلى شيء واحد. فإن قيل: فكيف يرجعان إلى شيء واحد والفعل الواقع بعد "حتى" في الوجه الأول ماضٍ، وفي الثاني حالٌ؟ قيل: وإن كان ماضيًا متقضِّيًا، إلا أنك تحكي الحال التي كان عليها، فصار وإن كان قد تَقضّي في حكم الحال. وقولُنا: "إنهما يرجعان إلى شيء واحد" نعني به أن الفعل الذي قبل "حتى" موجِبٌ ما بعدها، والفعل الذي بعدها حالٌ أو في حكم الحال على ما بيّنّا، فإذا نصبتْ، كانت بمعنى الغاية، أو بمعنى "كَيْ"، وإذا رفعتْ كان ما قبلها موجبًا لِما بعدها. فأمّا قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ (٢)، فقد قُرىء برفع الفعل الذي هو "يقول" ونصبِه، فالنصب على وجهين؛ وهو أن يكون القول غاية للزلزال، والمعنى: وزلزلوا فإذَا الرسولُ في حالِ قول، والآخرُ أن تكون "حتّى" بمعنَى "كَيْ"، فتكون الزلزلة علّة للقول، كأنه لمّا آلَ إلى ذلك؛ صار كأنه علّة له. والرفع على وجهين أيضًا: أحدهما: أن يكون "الزلزال" اتصل بالقول بلا مُهلة بينهما, لأنّ القول إنما كان عن الزلزلة غيرَ منقطع، والآخرُ أن يكون "الزلزال" قد مضى، والقولُ واقع الآن، وقد انقطع "الزلزال". * * * قال صاحب الكتاب: وتقول: "كان سيري حتى أدخلها", بالنصب ليس إلا, فإن زدت

стр. 1612

"أمس" وعلقته بـ "كان" أو قلت: "سيرًا متعبًا", أو أردت "كان" التامة؛ جاز فيه الوجهان, وتقول: "أسرت حتى تدخلها" بالنصب, و"أيهم سار حتى يدخلها" بالنصب والرفع. * * * قال الشارح: إذا قلت: "كان سيري حتى أدخلَها"، لم يحسن فيه إلَّا النصب، ولا يسوغ الرفع؛ لأنك إذا رفعت ما بعد "حتى"، كانت حرف ابتداء كـ"إذاً" و"أمَّا"، يقع بعدها الجملة، والجملةُ إذا لم يكن فيها عائدٌ إلى الأولى، وقعت منقطعة منها أجنبيّة، فلا يسوغ أن يكون خبرًا، كما لو قلت: "كان سيري فإذَا أنا أدخلُها"، لم يجز؛ لأنك لم تأتِ لـ"كَانَ" بخبر. وإذا نصبت، كانت حرف جرّ في موضع الخبر، كما تقول: "كان زيد من الكرام". فإن زدت "أمس"، وقلت: "كان سيري أمس حتى أدخلها"، جاز النصب والرفع، وذلك على تقديرَيْن: إن جعلت "أمس" خبرًا، جاز الرفع لحصول الخبر. وهذا معنى قوله: "وعلّقته بكان"، أي: جعلته خبرًا. وإنّما حقيقةُ تعليقه بمحذوف إذا وقع خبرًا، وإن علّقته بالمصدر الذي هو السير، وجب النصب، ولم يجز الرفع, لأنك لم تأتِ بخبر، وكذلك لو قلت: "كان سيري سيرًا مُتعِبًا حتى أدخلها"، جاز الرفع؛ لأنك جئت لـ"كَانَ" بخبر، وهو قولك: "سيرًا متعبًا". وكذلك إن جعلت "كانَ" التامّةَ؛ جاز الرفع والنصب, لأنها لا تفتقر إلى خبر إذ كانت المكتفية بفاعلها. وأما قولهم: "أسرتَ حتى تدخلَها"؟ فلا يجوز فيه إلَّا النصب؟ لأنه قد تقدّم من قولنا إن الرفع بعد "حتى" يوجب أن يكون ما قبلها سببًا لما بعدها وموجبًا له، فلا بد أن يكون واجبًا، وأنت إِذا استفهمت، كنت غير موجِب، فلا يصلح أن يكون سببًا، فبطل الرفع، وتعيَّنَ النصب؛ لأنّ النصب قد يكون الثاني فيه غاية للأوّل غير مسبَّب عنه، وإن كان السبب والغاية يتقاربان في اشتراكهما في اتصالِ ما قبلهما بما بعدهما. فأمّا إذا قلت: "أيّهم سار حتّى يدخلها"، فإنّه يجوز معه الأمران, لأنّ السؤال إنما وقع عن فاعل السير وتعيينِه؛ فأمَّا السير فمتحقِّقٌ، فجاز أن يكون سببًا وموجِبًا، فحينئذ يجوز الرفع؛ لأنه سبب، والنصب على الغاية أو معنَى "كَيْ". فصل [أوجه إعراب الفعل المضارع بعد "أو "] قال صاحب الكتاب: وقريء قوله تعالى: ﴿تقاتلونهم أو يسلمون﴾ (١) بالنصب على

стр. 1613

إضمار "أن"، والرفع على الإشتراك بين "يسلمون" و"تقاتلونهم" (١) أو على الإبتداء, كأنه قيل "أو هم يسلمون". * * * قال الشارح: قد تقدّم القول: إن أصلَ "أو" العطف، ومعناها أحد الأمرَيْن، وهي تكون على ضربَيْن: أحدهما: أن تجري على مقتضى العطف، فإن كان ما قبلها مرفوعًا؛ رفعت ما بعدها، نحوَ قولك: "أنا أكرمُك، أو أخرجُ معك"، أي: يكون منّي أحد الأمرين، وكذلك إن كان ما قبلها فعلاً منصوبًا أو مجزومًا، فمثال النصب قولك: "أُريد أن تُعْطِيَنِي دينارًا، أو عشرةَ دراهَم"، وتقول في الجزم: "ليخرجْ زيد أو يقمْ عندنا". والثاني: أن يخالف ما قبلها ما بعدها، ويكون معناها "إلَّا أنْ". والفرقُ بين الوجه الأول والثاني أن الأول لا يُعلِّق بين ما قبل "أوْ" وبين ما بعدها، وإنّما هو دلالة على أحد الأمرين، كعطف الاسم على الاسم بـ"أوْ"، نحوِ قولك: "جاءني زيد أو عمرو"، وعلى الثاني الفعلُ الأوّلُ كالعام في كلّ زمان، والثاني كالمُخْرِج له عن عمومه، ولذلك صار معناه "إلَّا أنْ". فأما قوله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ (٢)، فالثاني فيه عطفٌ على الأول، والذي يقع من ذلك أحدُ الأمرين: إمّا القتال، وإمّا الإِسلام، فهو خبرٌ بوجود أحدهما من غير تعيين. وقال الزجّاج: هو استئناف، أي: هو خبرُ مبتدأ محذوف، تقديره: أو هم يسلمون، فهو عطف جملة على جملة. وحكى سيبويه (٣) أنه رأى في بعض المصاحف: "أو يسلموا"، وقيل: هي قراءةٌ لأُبَىٍّ. فـ"يسلموا" هذا ينتصب على معنَى "إلَّا أن"، فيجوز أن يقع القتال، ثمّ يرتفع بالإِسلام. وقال الكسائيّ: معناه: حتى يسلموا، وعلى هذا يكون خبرًا بوقوع القتال والإِسلام، ويكون القتال سببًا للإسلام، أو يكون الإِسلام غاية ينتهي القتالُ عند وجوده. قال صاحب الكتاب: وتقول "هو قاتلي أو أفتدي منه"، وإن شئت ابتدأته على "أو أنا أفتدي". وقال سيبويه (٤) في قول امريء القيس [من الطويل]: فقلت له لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا (٥)

стр. 1614

ولو رفعت لكان عربياً جائزاً على وجهين: على أن تشرك بين الأول والآخر كأنك قلت "إنما نحاول, أو إنما نموت"، وعلى أن يكون مبتدأ مقطوعاً من الأول بمعني "أو نحن ممن يموت". * * * قال الشارح: اعلم أن هذه المسألة على منهاج الآية يجوز: فيها النصب والرفع، فالنصب على معنَى " إلَّا أن"، والمعنى: "يَقْتُلُني، أو أفْتَدِيَ" والمراد أن القتل قد يكون، ويرتفع بالفدية. ولو رفعت، جاز على معنَى: أو أنا ممّن يَقتَدِي. ومثله بيت امرئ القيس [من الطويل]: فقلت له لا تبك ... إلخ يجوز فيه الوجهان: النصب على معنَى "إلَّا أن نموتَ، فنُعْذَرَا" ويجوز أن يكون "أوْ" ها هنا بمعنى "حَتَّى"، كأنه قال: "حتى نموت، فنعذرا". ويكون المراد بالمحاولة على هذا طَلَبَه قبل الظَّفَر به، وسِياسته بعد بلوغه، فيكون المعنى إنّنا نَجِدُّ في الطلب حتى إذا متنا على طلب معالي الأُمور؛ كنّا معذورين. والرفع على الإشراك (١) بين الثاني والأوّل. قال سيبويه (٢): هو عربي جيّد، والمراد: لا تبك عينك، فإنّه لا بد من أحد هذين الأمرين. ويجوز أن يكون على القطع والاستئناف بمعنَى: أو نحن ممّن يموت، فنعذر، إلَّا أن القوافي منصوبة. ويروى "فنُعْذِرا" بكسر الذال، أي: نبلغ العُذْرَ، يُقال: "أعْذَرَ الرجلُ" إذا أتى بعُذْرٍ. قال هذا لعمرو بن قميئةَ (٣) اليَشكُريّ حين استصحبه في سيره إلى قَيصَرَ. * * * فصل [جواز النصب والجزم بعد الواو في بعض الأساليب العربية] قال صاحب الكتاب: ويجوز في قوله : ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق﴾ (٤) أن يكون "تكتموا" منصوباً ومجزوماً كقوله [من الطويل]: ٩٧٤ - ولا تشتم المولى وتبلغ أذاته ... [فإنك إن تفعل تُسفَّه وتجهل]

стр. 1615

وتقول زرني وأزورك بالنصب تعني لتجتمع الزيارتان. كقول ربيعة بن جشم [من الوافر]: ٩٧٥ - فقلت ادعي وأدعو إن أندى ... لصوت أن ينادي داعيان وبالرفع تعني زيارتك علىَّ علي كل حال, فلتكن منك زيارة ,كقولهم دعني ولا أعود, وإن أردت الأمر, أدخلت اللام, فقلت و"لأزرك", وإلا فلا محمل لأن تقول: "زرني وأزرك"؛ لأن الأول موقوف. * * *
следующие страницы →