← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13301

شرح المفصل لابن يعيش

ابن يعيش

Полный текст (2 502 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

قال الشارح: اعلم أن "حَتَّى" يرتفع الفعل بعدها، وهي التي تكون حرف ابتداء، فيرتفع الاسم بعدها على الابتداء والخبرِ من نحو قوله [من الطويل]: [سَريْتُ بهمْ حَتى تكِلَّ مَطِيُّهُمْ] ... وحتّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بأرْسانِ (١) فهي فيه بمنزلة "أمّا"، و"إنَّمَا"، و"إذَا" وليست الخافضةَ كما كانت إذا انتصب الفعل بعدها، فالرفعُ بعدها على وجهين يرجعان إلى وجه واحد، وإن اختلفت مواضعُها، وذلك أن يكون ما قبلها موجبًا لِما بعدها، ولكن ما يوجبه قد يجوز أن يكون عقيبًا له ومتصلاً به، وقد يجوز أن لا يكون متصلاً به، ولكن يكون مُوَطّأً مُسَهَّلاً بالفعل الأول، وذلك نحوُ: "سرت حتى أدخلُها"، أي: كان منّي سيرٌ فدخولٌ، فليس في هذا معنَى "كَيْ" ولا معنَى "إلى أنْ"، وإنّما أخبرتَ بأن هذا كذا وقع منك، فالسببُ والمسبَّبُ جميعًا قد مضيا. والوجه الآخر أن يكون السير متقدمًا غير متصل بما تُخْبِر عنه، ثمّ يكون مؤديًا إلى هذا، كقولك: "مرض حتى لا يرجونه"، أي: هو الآن كذلك. وقالوا: "شربت الإبل حتى يجيءُ البعير يجرّ بطنه"، أي: وُجد الشرب فيما مضى، وهو الآن يجرّ بطنه، فهو منقطع من الأول، ووجودُه إنما هو في الحال كما ذكرت لك بأنهما يرجعان إلى شيء واحد. فإن قيل: فكيف يرجعان إلى شيء واحد والفعل الواقع بعد "حتى" في الوجه الأول ماضٍ، وفي الثاني حالٌ؟ قيل: وإن كان ماضيًا متقضِّيًا، إلا أنك تحكي الحال التي كان عليها، فصار وإن كان قد تَقضّي في حكم الحال. وقولُنا: "إنهما يرجعان إلى شيء واحد" نعني به أن الفعل الذي قبل "حتى" موجِبٌ ما بعدها، والفعل الذي بعدها حالٌ أو في حكم الحال على ما بيّنّا، فإذا نصبتْ، كانت بمعنى الغاية، أو بمعنى "كَيْ"، وإذا رفعتْ كان ما قبلها موجبًا لِما بعدها. فأمّا قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ (٢)، فقد قُرىء برفع الفعل الذي هو "يقول" ونصبِه، فالنصب على وجهين؛ وهو أن يكون القول غاية للزلزال، والمعنى: وزلزلوا فإذَا الرسولُ في حالِ قول، والآخرُ أن تكون "حتّى" بمعنَى "كَيْ"، فتكون الزلزلة علّة للقول، كأنه لمّا آلَ إلى ذلك؛ صار كأنه علّة له. والرفع على وجهين أيضًا: أحدهما: أن يكون "الزلزال" اتصل بالقول بلا مُهلة بينهما, لأنّ القول إنما كان عن الزلزلة غيرَ منقطع، والآخرُ أن يكون "الزلزال" قد مضى، والقولُ واقع الآن، وقد انقطع "الزلزال". * * * قال صاحب الكتاب: وتقول: "كان سيري حتى أدخلها", بالنصب ليس إلا, فإن زدت

стр. 1612

"أمس" وعلقته بـ "كان" أو قلت: "سيرًا متعبًا", أو أردت "كان" التامة؛ جاز فيه الوجهان, وتقول: "أسرت حتى تدخلها" بالنصب, و"أيهم سار حتى يدخلها" بالنصب والرفع. * * * قال الشارح: إذا قلت: "كان سيري حتى أدخلَها"، لم يحسن فيه إلَّا النصب، ولا يسوغ الرفع؛ لأنك إذا رفعت ما بعد "حتى"، كانت حرف ابتداء كـ"إذاً" و"أمَّا"، يقع بعدها الجملة، والجملةُ إذا لم يكن فيها عائدٌ إلى الأولى، وقعت منقطعة منها أجنبيّة، فلا يسوغ أن يكون خبرًا، كما لو قلت: "كان سيري فإذَا أنا أدخلُها"، لم يجز؛ لأنك لم تأتِ لـ"كَانَ" بخبر. وإذا نصبت، كانت حرف جرّ في موضع الخبر، كما تقول: "كان زيد من الكرام". فإن زدت "أمس"، وقلت: "كان سيري أمس حتى أدخلها"، جاز النصب والرفع، وذلك على تقديرَيْن: إن جعلت "أمس" خبرًا، جاز الرفع لحصول الخبر. وهذا معنى قوله: "وعلّقته بكان"، أي: جعلته خبرًا. وإنّما حقيقةُ تعليقه بمحذوف إذا وقع خبرًا، وإن علّقته بالمصدر الذي هو السير، وجب النصب، ولم يجز الرفع, لأنك لم تأتِ بخبر، وكذلك لو قلت: "كان سيري سيرًا مُتعِبًا حتى أدخلها"، جاز الرفع؛ لأنك جئت لـ"كَانَ" بخبر، وهو قولك: "سيرًا متعبًا". وكذلك إن جعلت "كانَ" التامّةَ؛ جاز الرفع والنصب, لأنها لا تفتقر إلى خبر إذ كانت المكتفية بفاعلها. وأما قولهم: "أسرتَ حتى تدخلَها"؟ فلا يجوز فيه إلَّا النصب؟ لأنه قد تقدّم من قولنا إن الرفع بعد "حتى" يوجب أن يكون ما قبلها سببًا لما بعدها وموجبًا له، فلا بد أن يكون واجبًا، وأنت إِذا استفهمت، كنت غير موجِب، فلا يصلح أن يكون سببًا، فبطل الرفع، وتعيَّنَ النصب؛ لأنّ النصب قد يكون الثاني فيه غاية للأوّل غير مسبَّب عنه، وإن كان السبب والغاية يتقاربان في اشتراكهما في اتصالِ ما قبلهما بما بعدهما. فأمّا إذا قلت: "أيّهم سار حتّى يدخلها"، فإنّه يجوز معه الأمران, لأنّ السؤال إنما وقع عن فاعل السير وتعيينِه؛ فأمَّا السير فمتحقِّقٌ، فجاز أن يكون سببًا وموجِبًا، فحينئذ يجوز الرفع؛ لأنه سبب، والنصب على الغاية أو معنَى "كَيْ". فصل [أوجه إعراب الفعل المضارع بعد "أو "] قال صاحب الكتاب: وقريء قوله تعالى: ﴿تقاتلونهم أو يسلمون﴾ (١) بالنصب على

стр. 1613

إضمار "أن"، والرفع على الإشتراك بين "يسلمون" و"تقاتلونهم" (١) أو على الإبتداء, كأنه قيل "أو هم يسلمون". * * * قال الشارح: قد تقدّم القول: إن أصلَ "أو" العطف، ومعناها أحد الأمرَيْن، وهي تكون على ضربَيْن: أحدهما: أن تجري على مقتضى العطف، فإن كان ما قبلها مرفوعًا؛ رفعت ما بعدها، نحوَ قولك: "أنا أكرمُك، أو أخرجُ معك"، أي: يكون منّي أحد الأمرين، وكذلك إن كان ما قبلها فعلاً منصوبًا أو مجزومًا، فمثال النصب قولك: "أُريد أن تُعْطِيَنِي دينارًا، أو عشرةَ دراهَم"، وتقول في الجزم: "ليخرجْ زيد أو يقمْ عندنا". والثاني: أن يخالف ما قبلها ما بعدها، ويكون معناها "إلَّا أنْ". والفرقُ بين الوجه الأول والثاني أن الأول لا يُعلِّق بين ما قبل "أوْ" وبين ما بعدها، وإنّما هو دلالة على أحد الأمرين، كعطف الاسم على الاسم بـ"أوْ"، نحوِ قولك: "جاءني زيد أو عمرو"، وعلى الثاني الفعلُ الأوّلُ كالعام في كلّ زمان، والثاني كالمُخْرِج له عن عمومه، ولذلك صار معناه "إلَّا أنْ". فأما قوله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ (٢)، فالثاني فيه عطفٌ على الأول، والذي يقع من ذلك أحدُ الأمرين: إمّا القتال، وإمّا الإِسلام، فهو خبرٌ بوجود أحدهما من غير تعيين. وقال الزجّاج: هو استئناف، أي: هو خبرُ مبتدأ محذوف، تقديره: أو هم يسلمون، فهو عطف جملة على جملة. وحكى سيبويه (٣) أنه رأى في بعض المصاحف: "أو يسلموا"، وقيل: هي قراءةٌ لأُبَىٍّ. فـ"يسلموا" هذا ينتصب على معنَى "إلَّا أن"، فيجوز أن يقع القتال، ثمّ يرتفع بالإِسلام. وقال الكسائيّ: معناه: حتى يسلموا، وعلى هذا يكون خبرًا بوقوع القتال والإِسلام، ويكون القتال سببًا للإسلام، أو يكون الإِسلام غاية ينتهي القتالُ عند وجوده. قال صاحب الكتاب: وتقول "هو قاتلي أو أفتدي منه"، وإن شئت ابتدأته على "أو أنا أفتدي". وقال سيبويه (٤) في قول امريء القيس [من الطويل]: فقلت له لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا (٥)

стр. 1614

ولو رفعت لكان عربياً جائزاً على وجهين: على أن تشرك بين الأول والآخر كأنك قلت "إنما نحاول, أو إنما نموت"، وعلى أن يكون مبتدأ مقطوعاً من الأول بمعني "أو نحن ممن يموت". * * * قال الشارح: اعلم أن هذه المسألة على منهاج الآية يجوز: فيها النصب والرفع، فالنصب على معنَى " إلَّا أن"، والمعنى: "يَقْتُلُني، أو أفْتَدِيَ" والمراد أن القتل قد يكون، ويرتفع بالفدية. ولو رفعت، جاز على معنَى: أو أنا ممّن يَقتَدِي. ومثله بيت امرئ القيس [من الطويل]: فقلت له لا تبك ... إلخ يجوز فيه الوجهان: النصب على معنَى "إلَّا أن نموتَ، فنُعْذَرَا" ويجوز أن يكون "أوْ" ها هنا بمعنى "حَتَّى"، كأنه قال: "حتى نموت، فنعذرا". ويكون المراد بالمحاولة على هذا طَلَبَه قبل الظَّفَر به، وسِياسته بعد بلوغه، فيكون المعنى إنّنا نَجِدُّ في الطلب حتى إذا متنا على طلب معالي الأُمور؛ كنّا معذورين. والرفع على الإشراك (١) بين الثاني والأوّل. قال سيبويه (٢): هو عربي جيّد، والمراد: لا تبك عينك، فإنّه لا بد من أحد هذين الأمرين. ويجوز أن يكون على القطع والاستئناف بمعنَى: أو نحن ممّن يموت، فنعذر، إلَّا أن القوافي منصوبة. ويروى "فنُعْذِرا" بكسر الذال، أي: نبلغ العُذْرَ، يُقال: "أعْذَرَ الرجلُ" إذا أتى بعُذْرٍ. قال هذا لعمرو بن قميئةَ (٣) اليَشكُريّ حين استصحبه في سيره إلى قَيصَرَ. * * * فصل [جواز النصب والجزم بعد الواو في بعض الأساليب العربية] قال صاحب الكتاب: ويجوز في قوله : ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق﴾ (٤) أن يكون "تكتموا" منصوباً ومجزوماً كقوله [من الطويل]: ٩٧٤ - ولا تشتم المولى وتبلغ أذاته ... [فإنك إن تفعل تُسفَّه وتجهل]

стр. 1615

وتقول زرني وأزورك بالنصب تعني لتجتمع الزيارتان. كقول ربيعة بن جشم [من الوافر]: ٩٧٥ - فقلت ادعي وأدعو إن أندى ... لصوت أن ينادي داعيان وبالرفع تعني زيارتك علىَّ علي كل حال, فلتكن منك زيارة ,كقولهم دعني ولا أعود, وإن أردت الأمر, أدخلت اللام, فقلت و"لأزرك", وإلا فلا محمل لأن تقول: "زرني وأزرك"؛ لأن الأول موقوف. * * *

стр. 1616

قال الشارح: أمّا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ (١)، فيجوز أن يكون "تكتموا" مجزومًا بالعطف على لفظِ "لا تلبسوا"، فيُشاركه في إعرابه، ويكون النهيُ عن كلّ واحد منهما، وتقديره: ولا تلبسوا الحق بالباطل، ولا تكتموا الحقّ. ويجوز أن يكون منصوبًا، وحذفُ النون من "تكتموا" علامة النصب، ويكون النهي عن الجمع بينهما على حدّ "لا تأكل السمك وتشربَ اللبن": أي لا تجمعْ بينهما. وجرت هذه المسالةُ يومًا في مجلس قاضي القُضاة بحَلَبَ، فقال أبو الجرْم المَوْصِلي: لا يجوز النصب في الآية, لأنه لو كان منصوبًا، لكان من قبيل "لا تأكل السمك وتشرب اللبن"، وكان مثله في الحكم يجوز تناوُلُ كل واحد منهما كما يجوز ذلك في "لا تأكل السمك وتشرب اللبن"، فقلتُ: يجوز أن يكون منصوبًا ويكون النهي عن الجمع بينهما، ويكون كل واحد منهما مَنهيًّا عنه بدليل آخر. ونحن إنما قلنا في قولهم: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن": إِنه يجوز تناوُل كل واحد منهما, لأنه لا دليل إلَّا هذا، ولو قدّرنا ثَمَّ دليلاً آخر للنهي عن كل واحد منهما منفردًا، لكان كالآية، فانقطع عند ذلك، وأما قول الشاعر [من الطويل]: ولا تَشْتُمِ المولى وتَبْلُغْ أذاتَهُ ... فإنّكَ إن تَفْعَلْ تُسَفَّهْ وتَجهَلِ (٢) فالبيت لجرير، والشاهد فيه جزم "تبلغ" لدخوله في النهي، والمعنى: لا تشتمْه، ولا تبلغ أذاتَه، والمولى هنا ابن العمّ. وتقول: "زُرْني، وأزُورَك" بالنصب، ولا يجوز الجزم؛ لأنه لم يتقدّم ما تحمله عليه؛ لأنّ الذي تقدّم فعلُ أمر مبني على السكون، فلا يصح عطف المضارع المعرب

стр. 1617

عليه, لأنّ حرف العطف يُشْرِك في العامل، والأوّلُ بلا عامل، فلم يمكن حمله عليه. ولا يصحّ إرادة الأمر في الثاني؛ لأنّ المتكلّم إذا أمر نفسَه؛ لم يكن ذلك إلَّا باللام, لأنّ أمر المتكلم نفسَه كأمر الغائب، لا يكون إلَّا باللام، ولو جاز أن يكون معطوفًا على الأمر بغير لام؛ لجاز أن تقوله مْبتدِئًا: "أزُرْكَ"، وتريد الأمر، وذلك ممّا لا يجوز إلَّا في ضرورة الشعر، كقوله [من الوافر]: ٩٧٦ - محمّدُ تَفدِ نفسَك كلُّ نفسٍ ... إذا ما خِفتَ من أمْرٍ تَبالَا وإذا امتنع الجزم، نصب على تقدير "أن"، ويكون المراد الجمع، أي: لتجتمع الزيارتان: زيارةٌ منك، وزيارةٌ مني، فيصح المعنى واللفظ. ويجوز الرفع، فيكون المعنى: إن زيارتك علي واجبة على كلّ حال، فَلْتكن منك زيارة، ولم يُرَد معنى الجمع، وأمّا قوله [من الوافر]: فقلت ادعي ... إلخ فالبيت أنشده صاحب الكتاب، وعزاه إلى رَبيعةَ بن جُشَمَ، وقيل هو للأعشى، وقيل: للحُطَيئَة، والشاهد فيه أنه كالمسألة المتقدّمة: لما امتنع عطف الثاني إلى الأوّل لِما

стр. 1618

ذكرناه؛ نَصَبَه بإضمارِ "أنْ"، والمعنى: ليكن منّا أن تَدْعِيَ، وأدْعُوَ، ويروى: و"أَدْعُ" على الأمر بحذف اللام، وأنْدَى: أبعدُ صوتًا، والنَدَى: بُعْدُ الصوت. * * * قال صاحب الكتاب: وذكر سيبويه (١) في قول كعب الغنوي [من الطويل]: ٩٧٧ - وما أنا للشيء الذي ليس نافعي ... ويغضب منه صاحبي بقؤول النصب والرفع. وقال الله تعالى: ﴿لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء﴾ (٢) أي: ونحن نقر. * * * قال الشارح: روى سيبويه هذا البيت منصوبًا ومرفوعًا، فالنصب بإضمار "أنْ" عطفًا على قوله: "للشيء الذي ليس نافعي"، وتقديره: "وما أنا بقَؤُولٍ للشيء غير النافعي، ولا لغَضَب صاحبي بقؤول". والمراد: بقؤولٍ لِما يكون سببًا لغضبه, لأنه لا يقول الغضبَ. وأما الرفع، فبالعطف على موضعِ "ليس"؛ لأنها من صلةِ "الَّذِي"، و"الَّذِي" تُوصَل بالجمل الابتدائية، ولا يكون لها موضعٌ من الإعراب، فإذا عطفت عليها فعلاً مضارعًا،

стр. 1619

كان في حكم المبتدَأ به، فلا يكون إلَّا مرفوعًا. والرفعُ هنا أوْجَهُ الوجهين؛ لأنه ظاهرُ الإعراب صحيحُ المعنى، والنصب على ظاهره عْيرُ صحيح؛ لأنك تعطفه على الشيء، وليس بمصدر، فيسهلَ عطفُه عليه. وإذا عطفتَه عليه، كان في حكم المخفوض باللام؛ لألْه معطوف على ما خُفض باللام، فيصير التقدير: وما أنا لغضب صاحبي بقؤول. والغضبُ ليس مقولاً، فيفتقر إلى التأويل الذي قدّرناه. وقد ردّ أبو العبّاس المبرّد على سيبويه تقديمَه النصبَ على الرفع هنا، وسيبويه لم يُقدِّم النصب, لأنه أحسن من الرفع، وإنما قدّمه لِما بني عليه البابَ من النصب بإضمار "أنْ". وقوله تعالى: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ (١)، لم يأت "ونقرّ"، إلَّا مرفوعًا على الابتداء والاستئناف، كانه قال: و"نحن نقرُّ في الأرحام". ولو نصب، لاختل المعنى، إذ كان بعدُ إذ ذلك لِنبيّن لكم القدرةَ على البَعْث, لأنه إذا كان قادرًا على ابتداع هذه الأشياء بعد أن لم تكن، كان أقدَرَ على إعادتها إلى ما كانت عليه من الحياة, لأنّ الإعادة أسهل من الابتداع. فصل [جواز الرفع بعد فاء السببيّة] قال صاحب الكتاب: ويجوز ما تأتينا فتحدثنا الرفع على الإشراك, كأنك قلت ما تأتينا فما تحدثنا ونظيره قوله تعالى: ﴿ولا يوذن لهم فيعتذرون﴾ (٢) , وعلى الابتداء كأنك قلت ما تأتينا فأنت تجهل أمرنا. ومثله قول العنبري [من الخفيف]: ٩٧٨ - غير أنا لم يأتنا بيقين ... فنرجي ونكثر التأميلا

стр. 1620

أي: فنحن نرجي, وقال [من الطويل]: ٩٧٩ - ألم تسأل الربع القواء فينطق ... وهل يخبرك اليوم بيداء سملق قال سيبويه (١): لم يجعل الأول سبب الآخر، ولكنه جعله ينطق على كل حال, كأنه قال فهو مما ينطق، كما تقول إيتني فأُحدثك، أي فأنا ممن يحدثك على كل حال, وتقول ودَّ لوا تأتيه فتحدثه, والرفع جيد كقوله تعالى: ﴿ودوا لو تدهن

стр. 1621

فيدهنون﴾ (١) , وفي بعض المصاحف "فيدهنوا" (٢) وقال ابن أحمر [من الوافر]: ٩٨٠ - يعالج عاقراً أعيت عليه ... ليلقحها فينتجها حوارا كأنه قال "يعالج فينتجها", وإن شئت على الابتداء. * * * قال الشارح: قد تقدّم القول في نحوِ "ما تَأتِينَا فَتُحدِّثُنَا": إنه يجوز في الثاني النصب والرفع، فالنصب من وجهين، وقد تقدّم الكلام عليهما، والرفع أيضًا من وجهين: أحدهما: أن تريد بالثاني ما أردت بالأوّل، وتُشْرِك بينهما، فتعطف، "تحدّثني" على "ما تأتيني"، ويكون النفي قد شملهما، كأنه قال: "ما تأتينا، وما تحدّثُنا"، فهو عطف فعل على فعل. ومثله قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (٣)، أي: فلا يعتذرون.

стр. 1622

والوجه الثاني: أن يكون الإتيان منفيًّا، والحديث مُوجَبًا، ويكون فيه عطف جملة على جملة، كأنه قال: "ما تأتيني فأنت تحدّثني على كل حال"، وليس أحدهما متعلِّقًا بالآخر، ولا هو شرطٌ فيه. ومثله قول الشاعر [من الخفيف]: غير أنا لم ... إلخ البيت لبعض الحارثيّين، والشاهد فيه قطعُ ما بعد الفاء ورفعُه، ولو أمكنه النصبُ على الجواب، لكان أحسن، فهذا لا يكون إلا على الوجه الثاني، كأنه قال: "فنحن نُرَجي، ونكثِرُ التأميلا"، فهو خبر مبتدأ. ولم يجز الوجه الأوّل؛ لأنْ الأول مَجْزُوم. ومنه قول الآخر وهو جميل بن مَعْمر [من الطويل]: ألم تسأل الربع ... إلخ فالشاهد فيه قطعُ "ينطق" ممّا بعده، ورفعُه على الاستئناف، أي: فهو ينطق على كلّ حال. ولا يجوز الوجه الأوّل, لأنّ الفعل الأوّل مجزوم، ولو أمكنه النصبُ، لكان أحسن، لكن القوافي مرفوعة. والقَواء: القَفْر، وجعله ناطقًا للاعتبار، أي: يُجِيب اعتبارًا، لا حِوارًا لدُروسه، وتغيرِه. ثمّ يُراجِع كالمُنكِر على نفسه بأن الربْع لا يجيب حقيقةً، فقال: "وهل يُخْبِرَنْك اليومَ بَيداءُ سَمْلَقُ". والبيداء: القفر، والسملق: التي لا شيء فيها. قال سيبويه (١): لم يجعل الأول سببًا للآخر، أي: لو أراد ذلك، لَنصب، قال: ولكنّه جعله ينطق على كل حال على ما ذكرنا. ومثله "إيتِني فأُحَدّثُك" بالرفع، قال الخليل (٢): لم ترد أن تجعل الإتيانَ سببًا للحديث، ولكنّك أردتَ: إِيتني، فإنّني ممّن يحدّثك البتّة جئتَ أو لم تجىء. وتقول: "وَدَّ لو تأتينا وتُحَدِّثَنا" بالنصب والرفع، فالنصبُ على معنى التمنّي, لأنّ معناه: ليتك تأتينا، فتحدّثَنا، فتنصب مع "وددت" كما تنصب مع "لَيْتَ"؛ لأنها في معناها، والرفعُ جيّد أيضًا بالعطف على لفظِ "تأتينا"؛ لأنه مرفوع، ويكون التقدير: وددت لو تأتينا، ووددت لو تحدّثُنا. ومثله قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (٣)، الثاني مرفوع بالعطف على لفظ الأوّل, لأنه شريكه في معناه. وحكى سيبويه (٤) أنها في بعض المصاحف، "فيدهنوا" بالنصب على معنى التمنّي. وأنشد [من الوافر]: يعالج عاقرًا ... إلخ

стр. 1623

البيت لابن أحْمَرَ، والشاهد فيه رفعُه "فينتجُها" إمّا بالعطف على "يعالج" كأنه قال: "يعالج فينتج" أو على القطع عما قبله والابتداء به، كذا الروايةُ، ولو نصبت؛ لجاز بالعطف على المنصوب قبله، وهو أجود, لأنه إذا رفع؛ فقد أوجب وجوده ونتاج العاقر، والمعنى أن هذا يُحاوِل مَضَرّته، ولا يقدر على ذلك، فهو بمنزلةٍ من يحاول نتاجَ ما لا يُلْقَح، والحُوار: ولد الناقة. فصل [جواز العطف على المضارع المنصوب بالرفع] قال صاحب الكتاب: وتقول: "أريد أن تأتيني ثم تحدثني" ويجوز الرفع. وخير الخليل (١) في قول عروة العذري [من الطويل]: ٩٨١ - وما هو إلا أن أراها فُجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب

стр. 1624

بين النصب والرفع، في "فأبهت". ومما جاء منقطعاً قول أبي اللحام التغلبي [من الطويل]: ٩٨٢ - على الحكم المأتي يوماً إذا قضى ... قضيته أن لا يجوز ويقصد أي عليه غير الجور وهو يقصد، كما تقول عليه أن لا يجوز، وينبغي له كذا. قال سيبويه (١): ويجوز الرفع في جميع هذه الحروف التي تشرك على هذا المثال. * * * قال الشارح:: اعلم أن هذه الحروف من حروف العطف أعني الواو، والفاء، و"ثم"، إذا عطفت أدخلت الثاني في حكم الأول، وأشركته في معناه، فإذا قلت: "أُريد أن تأتِيَنِي ثمّ تحدّثني"، جاز النصب بالعطف على الأوّل، ويكون الثاني داخلاً في الإرادة كالأوّل، كأنك قلت: "أُريد أن تأتيَنِي ثم أُريد أن تحدّثَنِي" ويجوز الرفع على القطع والاستئناف، كأنك قلت: "أُريد أن تأتيني، ثمّ أنت تحدّثُني". قال سيبويه، وسألت الخليل عن قول الشاعر [من الطويل]: وما هو إلَّا أن أراها ... إلخ

стр. 1625

فقال: أنت في "فأبهت" بالخيار. إن شئت حملتها على "أنْ"، وإن شئت، لم تحملها عليها، فرفعت. البيت لعُرْوَةَ العُذْريّ، وقيل: هو لبعض الحارثيّين. والشاهد فيه جواز الرفع والنصب، فالنصب بالعطف على أن المراد المصدر، والتقدير: فما هو إلَّا الرؤية فأُبْهَتَ، على نحو قوله [من الطويل]: فإن المُنَدَّى رِحْلَةٌ فَرَكُوبُ (١) والرفع على القطع والاستئناف، والمعنى: فإذًا أنا مبهوت، وأمّا قول الآخر [من الطويل]: على الحَكَم المَأْتِيّ يومًا إذا قَضَى ... قَضِيَّتَه أن لايَجُورَ ويَقْصِدُ البيت لعبد الرحمن بن أُمّ الحَكَم، وقيل: هو لأبي اللَّحّام التَّغْلِبيّ، وقبله: عَمِرْتُ وأكْثَرْتُ التَّفَكُرَ خالِيًا ... وساءَلْتُ حتّى كاد عُمْرِيَ يَنْفَدُ فأضْحَتْ أمُورُ الناس يَغْشَيْن عالِمًا ... بما يُتقى منها وما يُتعمَّدُ جدِيرٌ بأنّ لا أسْتَكِينَ وَلَا أُرَى ... إذا حَل أمرٌ ساحَتي أتَبَلَّدُ والشاهد فيه رفعُ "يقصد" وقطعه عمّا قبله، فههنا لا يصح النصب بالعطف على الأول؛ لأنه يُفْسِد المعنى, لأنه يصير عليه غيرَ الجَوْر وغير القصد، وذلك فاسد. والوجه الرفع على الابتداء، والمراد: عليه غير الجور، وهو يقصد، والقصد: العَدْل، فهو خبرٌ، ومعناه الأمرُ على حد قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (٢)، أي: ينبغي لهنّ ذلك فَلْيَفْعَلْنَ ذلك. ومثله "أريدُ أن تأتيني، فتشتمُني" لا يجوز النصب ها هنا؛ لأنك لم ترد الشتيمةَ، ولكن المراد: كلّما أردتُ إتيانَك تشتمُني، فهو منقطع من "أنْ"، ونحوه قول الراجز: ٩٨٣ - [الشعرُ صَعْبٌ وطويلٌ سلَّمُه

стр. 1626

إذا ارتقى فيه الذي لا يَعْلَمُه زلَّتْ به إلى الحضيضِ قَدَمُه] يُرِيدُ أن يُعْرِبَهُ فَيُعْجِمُهْ فإنّه رفع على الاستئناف وإرادةِ "فهو يعجمُه"؛ لأنه لو نصبه، لكان داخلاً في الإرادة، وليس المعنى عليه. قال سيبويه: ويجوز الرفع في جميع هذه الحروف التي تشرك على هذا المثال، والمراد أن الرفع جائزٌ في كلِّ ما يجوز أن يَشْرَكه الأوّلُ من نصب أو جزم إذا تقدّم ناصبٌ أو جازمٌ على القطع والاستئناف، ويكون واجبًا فيما لا يجوز حمله على الأوّل نحو ما ذكرناه.

стр. 1627

[المضارع] المجزوم فصل [جوازم المضارع] قال صاحب الكتاب: تعمل فيه حروف وأسماء، نحو قولك لم يخرج، ولما يحضر، وليضرب، ولا تفعل، وإن تكرمني أكرمك، وما تصنع أصنع, وأياً تضرب أضرب، وبمن تمرر أمر به. * * * قال الشارح: اعلم أن عوامل الجزم على ضربين: حروف وأسماء كما ذكر، فالحروف خمسة، وهي "إنْ"، و"لَمْ"، و"لَمَّا"، و"لام الأمر"، و"لا" في النهي، فهذه الأُصول في عمل الجزم. وإنّما عملت لاختصاصها بالأفعال دون الأسماءَ. والحرفُ إذا اختصّ، عمل فيما يختص به. وهذه الحروف قد أثّرتْ في الأفعال تأثيرَيْن، وذلك أن "إنْ" نقلت الفعلَ إلى الاستقبال والشرطِ، و"لَمْ" نقلته إلى الماضي والنفي، و"لَمَّا" كذلك، إلَّا أن "لَمَّا" لنفي فعل معه "قَدْ"، و"لَمْ" لنفي فعل ليس معه "قَدْ"، فإذا قال القائل: "قام زيد"؛ قلت في نفيه: "لم يقم"، وإذا قال: "قد قام"، قلت في نفيه: "لما يقم". ولامُ الأمر نقلته إلى الاستقبال، والأمرُ والنهي كذلك. فإن قيل: ولِمَ كان عمل بعض الحروف المختصة بالأفعال الجزم، وبعضها النصب، فالجواب عن ذلك أن ما نقله إلى معنى لا يكون في الاسم، عمل فيه إعرابًا لا يكون في الاسم، ولمّا كان الشرط والأمر والنهي لا يكون إلَّا في الأفعال، عملت أدواتُه فيها الجزمَ الذي لا يكون إلَّا في الأفعال. وأمّا "لَمْ"، وَ"لَمَّا"، فإنهما ينقلان الفعل الحاضر إلى الماضي على حدّ لا يكون في الاسم, لأنّ الحدّ الذي يكون في الاسم إنما يكون بقرينة الوقت، كقولك: "زيدٌ ضاربٌ أمسِ"، ولا يجوز "زيدٌ يضرب أمس"، فتنقل الفعل المضارع إلى المُضيّ بقرينة، كما فعلتَ في الاسم، ويجوز "لم يضرب أمس"، فلمّا نقلتْه على حدّ لا يجوز في الاسم، عملتْ فيه إعرابًا لا يكون في الاسم، فلذلك كانت جازمة. فإن قيل: فالحروف الناصبة، نحو: "أنْ"، و"لَنْ"، و"إذَنْ"، و"كَيْ" قد أحدثت في الفعل ما لا يكون في الأسماء، فهلّا كانت جازمة؟ قيل: لَعَمْري لقد كان القياس فيها ما

стр. 1628

ذكرتَ، غيرَ أنه عرض فيها شَبَهٌ من "أنَّ" الثقيلة، فعملت عملها على ما سبق، فلذلك تقول: "لم يخرجْ زيد"، فتُدْخِلها على لفظ المضارع والمعنى معنى الماضي. ألا ترى أنك تقول: "لم يقم زيد أمس"، ولو كان المعنى كاللفظ؛ لم يجز هذا كما لم يجز "يقوم زيد أمس". وكذلك "لَمَّا" بمنزلة "لَمْ" في الجزم. قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ (١)، فجزمتْ كما تجزم "لَمْ"، إلَّا أن الفرق بينهما أن "لَمْ" لا تكتفي بها في الجواب، لو قال قائل: "قام زيد"، لم يجز أن تقول في جوابه: "لَمْ" حتى تقول: "لم يقم". وإذا قال: "قد قام"، جاز أن تقول: "لَمَّا"؛ لأنها بزيادةِ ما عليها والتركيب قد خرجت إلى شَبَه الأسماء، فجاز أن تكتفي بها في الجواب، كما تكتفي بالأسماء، ولَذلك وقع بعدها مثال الماضي في قولك: "لما جئتَ جئتُ". وأمّا لام الأمر، فنحو قولك: "لِيضربْ زيدٌ عمرًا"، إذا كان للغائب. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (٢)؛ وأمّا إذا كان المأمور حاضرًا، لم يُحْتَجْ إلى اللام من قبل أن المواجهة تُغني عنها، وربّما جاءت اللام مع فعل المخاطب، نحوَ قوله تعالى في قراءة أُبَىٍّ: ﴿فَبذَلِكَ فَلْتَفرَحُوا﴾ (٣). وقد جاء في بعض كلام النبيّ ﷺ في غَزاةٍ: "لِتَأخُذُوا مَصافَّكم" (٤). وتقول في النهي: "لا تضربْ"، فهذه الحروف هي الجازمة لِما بعدها بلا خلاف. وأمّا "إن" الشرطية، فتجزم ما بعدها، وهي أُمّ حروف الشرط، ولها من التصرّف ما ليس لغيرها، ألا تراها تُستعمل ظاهرة، ومضمرةَ مقدَّرةً، ويحذف بعدها الشرط، ويقوم غيره مقامه، وتليها الأسماء على الإضمار؟ فأمّا عملها ظاهرةً، فنحو قولك: "إن تكرمْنِي أكرمْك". قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ (٥). وأمّا عملها مقدّرة، فبعد خمسة أشياء: الأمر، والنهي، والاستفهام، والعَرْض، والتمني، وهو كالجواب بالفاء إلَّا الجَحْدَ، فإنّه لا يجاب بالجزم، وسيوضح ذلك إن شاء الله تعالى. واعلم أنك إذا قلت في الشرط: "إن تكرمْنِي أكرمْك" مَثَلاً، فالفعل الأوّل مجزوم

стр. 1629

بـ"إِنْ" بلا خلاف فيما أعلم، وهو الشرط. ومعنى الشرط العَلامة والأمارة، فكان وجود الشرط علامة لوجود جوابه، ومنه أشراطُ الساعة، أي: علاماتها. قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (١). وأمّا الجَزاء، فيُختلف فيه، فذهب أبو العبّاس المبرد إلى إن الجازم للشرط "إن"، و"إنْ" وفعلُ الشرط جميعًا عملا في الجزاء، فهو عنده كالمبتدأ والخبر، فالعامل في المبتدأ الرافع له الابتداء، والابتداء والمبتدأ جميعًا عملا في الخبر، وكذلك "إنْ" هي العاملة فيما بعدها من فعل الشرط، وفعلُ الشرط وحرف الشرط جميعًا عملا في الجزاء؛ لأنّ الجزاء يفتقر إلى تقدُّمهما افتقارًا واحدًا، وهما المقتضيان لوجود الجواب، فليس نسبةُ العمل إلى أحدهما بأولى من نسبته إلى الآخر. وهذا القول، وإن كان عليه جماعة من حُذاق أصحابنا، فإنه لا ينفك من ضَعْف، وذلك لأنّ "إنْ" عاملة في الشرط لا محالة، وقد ظهر أثرُ عملها فيها. وأمّا الشرط فليس بعامل هنا, لأنه فعلٌ، والجزاء فعلٌ، وليس عملُ أحدهما في الآخر بأولى من العكس. وإذا ثبت أنه لا أثر له في العمل، فإضافةُ ما لا أثر له إلى ما له أثر لا أثر له. ويمكن أن يُقال: إِن الشيء قد يؤثّر بانفراده أثرًا، فإذا انضاف إلى غيره، ورُكّب معه، حصل له بالتركيب حكمٌ لم يكن له قبلُ. والذي عليه الأكثرُ أنّ "إنْ، هي العاملة في الشرط وجوابِه؛ لأنه قد ثبت عملها في الشرط، فكانت هي العاملة في الجزاء، إلَّا أن عملها في الشرط بلا واسطة، وفي الجزاء بواسطة الشرط، فكان فعل الشرط شرطًا في العمل لا جزْءًا من العامل. وكذلك تقول في المبتدأ والخبر: إن الابتداء عامل في المبتدأ بلا واسطة، وفي الخبر بواسطة المبتدأ. وقد شبّه بعض النحويين ذلك بالماء والنار، فقال: إذا وضعت الماء في قِدْر، وسخّنتَه بالنار، فالنار هي المؤثّرة في القدر والماء الإسخانَ، إلَّا أن تأثيرها في القدر بلا واسطة، وفي الماء بواسطة القدر. ويحكى عن أبي عثمان أنه كان يقول: إِن فعل الشرط وجوابه ليسا مجزومَيْن معربَيْن، وإنّما هما مبنيان؛ لأنهما لّما وقعا بعد حرف الشرط، فقد وقعا موقعًا لا يصلح فيه الأسماءُ، فبعُدا من شَبَهها، فعادا إلى البناء الذي كان يجب للأفعال، وهذا القول ظاهرُ الفَساد، وبأدْنَى تأمُّل يضِحُ؛ وذلك لأنه لو وجب له البناء بدخول "إنْ" عليه، لوجب له البناء بدخول النواصب وبقيةِ الجوازم, لأنّ الأسماء لا تقع فيها فاعرفه. أمّا الأسماء، فأحد عشر اسمًا فيها معنى "إن"، لذلك بُنيت، وقد تقدّم الكلام على بنائها في المبنيات من فصل الاسم، وهي على ضربين: أسماء، وظروف، فالأسماء:

стр. 1630

"مَن"، و"مَا"، و"مَهْمَا"، و"أي"، والظروف "أنَّى"، و"أيْنَ"، و"مَتَى"، و"حَيْثُمَا"، و"إذْمَا"، و"إذَامَا"، فجميعُها تجزم ما بعدها من الأفعال المستقبلة، كما تجزم "إن". وإنّما عملت من أجل تضمُّنها معنى "إنْ"، ألا ترى أنها إذا خرجت عن معنى "إنْ" إلى الاستفهام، أو معنَى الذي؛ لم تجزم، نحو قولك في الاستفهام: "مَن يقومُ؟ "، و"أعجبني من تكرمُه" إذا أردت معنَى الذي تكرمه. فأمَّا "مَنْ" فهو لمن يعقل من الثَّقَلَيْن والملائكة، نحوِ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ (١). وأمّا "مَا"، فلِما لا يعقل. قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ (٢)، وإذا كان الجواب بالفاء، فما بعده جملةٌ مستقلّةٌ، والفاء ربطتْها بالأوّل. وأمّا "مَهْمَا"، فمن أدوات الشرط تُستعمل فيها استعمالَ "مَا". تقول: "مَهْمَا تفعلْ أفعلْ مثلَه". قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٣). وقد اختلفوا فيها، فذهب قوم إلى أنها اسم بكمالها يُجازَى به، قالوا: لأنّ التركيب على خلاف الأصل، فلا يُقْدَم عليه إلَّا بدليل، فلو وُزنت، لكانت "فَعْلَى"، وقد أفادت معنى الشرط فيما بعدها. والغَالبُ في إفادة المعاني إنما هي الحروف، فكانت متضمّنة لمعنى الحرف، وعَوْدُ الضمير إليها يدل على اسميّتها. وقال الخليل (٤): هي مركّبة، كان الأصل "ما" الشرطية التي في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ (٥)، زيدت عليها "ما" أُخرى توكيدًا، و"ما" تزاد كثيرًا مع أدوات الشرط. ألا ترى أنها قد زيدت مع "إنْ"، وادُّغمت النون في الميم لسكونها، لأنّ النون الساكنة تُدّغم في الميم، فقالوا: "إمّا تأتِني آتِك". قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ (٦). وزادوها أيضًا مع "متى"، و"أيْنَ"، فقالوا: "متى ما تأتِني آتِك"، و"أينَمَا تكنْ أكن"، فصار اللفظ بها "ماما"، وكرهوا توالي لفظَيْن، حروفُهما واحدةٌ، فأبدلوا من ألفِ "ما" الأوُلى هاءً لقرب الهاء من الألف في المَخْرج، وكانت ألفُ "مَا"، الأوُلى أجدر بالتغيير من الثانية، لأنها اسم. والأسماء أقبلُ للتغيير والتصرّف من الحروف لقُرْبها من الأفعال. وقال قوم: هي مركبة من "مَهْ" بمعنى "اكْفُفْ"، و"مَا"، فاللفظ على هذا لم يدخله تغييرٌ، لكنّه مركب من كلمتَيْن بقيتا على لفظهما. وحكى الكوفيون في أدوات الشرط

стр. 1631

"مَهْمَن" وهذا يقوّي القول الثالث, لأنّ هذه "مَهْ" ضُمّت إلى "مَن" كما أن تلك "مَهْ" ضُمّت إلى "مَا"، فاعرفه. والوجه قول الخليل؛ لأنه به يلزم أن يكون كل موضع جاء فيه "مهما" أُريد فيه معنى الكفّ، وما أظن القائل [من الطويل]: ٩٨٤ - [أَغَرَّكِ مِني أَنَّ حُبَّكِ قاتلى] ... وأَنَّكِ مَهْمَا تَأمُرِي القَلْبَ يَفْعَل أراد: وإنّك اكففى ما تأمري القلب يْفعل، ولذلك تُكْتَب بالألف. ولو كانت كلمة واحدة، لكتبت بالياء لأن الألف إذا وقعت رابعةً، كُتبت ياءً. والدليل على أنّ "مهما" فيها معنَى "ما" أنّه يجوز أن يعود إليه الضمير، والضمير لا يعود إلَّا إلى الاسم، كقولك: "مهما تعمل من مَصالِحَ تجازَ عليه"، فالهاءُ في "عليه" تعود إلى "مهما"، وقال الشاعر [من المتقارب]: ٩٨٥ - إذا سُدْتَه سُدْتَ مِطْواعَةً ... ومَهْمَا وَكَلْتَ إليه كَفاه

стр. 1632

فالهاء في "كفاه" تعود إلى "مَهْمَا" كما تعود إلى "ما". ومما يؤيّد قول الخليل أنه قد استُفهم بـ"مَهْمَا" كما يُستفهم بـ"ما"، نحوَ قول الشاعر، أنشده أبو زيد في نوادره [من السريع]: ٩٨٦ - مَهْمَا لِيَ اللَّيْلَةَ مَهْمَا لِيَه ... أوْدَى بنَعْلَيَّ وسِرْبالِيَه

стр. 1633

يريد: ما لي. وأمّا "أيٌّ"، فإنها اسم مبهم منكور، وهي بعضُ ما تُضاف إليه: إن أضفتها إلى الزمان، فهي زمان، وإن أضفتها إلى المكان، فهي مكان، إلى أي شيء أضفتَها، كانت منه. ويُجازَى بها كأخواتها مضافةً ومفردة. تقول: "أيهم يأتِني آتِه"، و"أيّهم يُحْسِنْ إليّ أحسنْ إليه"، ترفع "أيًّا" بالابتداء وما بعدها من الشرط والجزاء الخبرُ, لأنّ "أيًّا" هنا الفاعل في المعنى, لأنّ المبتدأ إذا تقدّم؛ امتنع أن يكون فاعلاً صناعيًّا، وارتفع بالابتداء، وأُسْنِد فعل الشرط إلى ضميره. وتقول: "أيُّهم تضربْ أضربْ"، تنصب "أيًّا" بـ"تضرب"؛ لأنه واقع عليه في المعنى، والمفعولُ يجوز تقديمه على الفعل بخلاف الفاعل. والفعلُ في باب الجزاء ليس بصلة لِما قبله، كما أنّ ما بعد الاستفهام ليس بصلة لِما قبله، فجاز أن يتقدّم معموله. والفعل إذا كان مجزومًا يعمل عَمَلَه غيرَ مجزوم. قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (١)، فـ "أيًّا" منصوب بـ"تدعوا"، وكذلك حكمُ "مَن"، و"ما" في العمل. وأما الظروف، فمنها "أنَّى"، وأصلها الاستفهام، تأتي تارة بمعنَى "مِن أيْنَ"، وتارة بمعنَى "كيف". قال الله تعالى: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ (٢)، أي: من أين لك هذا؟ وقال تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ (٣)، وقال: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ (٤)، وقال: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٥)، ويجازى بها، فيقال: "أنّى تكن أكن". قال الشاعر [من الطويل]: فأصْبَحْتَ أنى تأتِها تَلْتَبِس بها ... كِلا مَرْكَبَيْها تحت رِجلَيْك شاجِرُ (٦) جزمت "تأتي" بـ"أنّى"، وهو شرط، و"تلتبسْ" لأنه جزاء، والمعنى أنه يخاطب رجلاً قد وقع في مُعْضِلة وقضيّة صَعْبة، فقال: كيف أتيتَ هذه المعضلةَ من قدّام أو من خلف. وشاجرٌ: داخل تحت الرجْل، ويروى: "رَحْلك" بالحاء، ورِجلك بالجيم، وكل شيء دخل بين شيئين، ففرجهما، فقد شجرهما، ومركبَيْها يعني المعضلة. وأمّا "أينَ"، فاسم من أسماء الأمكنة مبهمٌ يقع على الجهات الستّ، وكلّ مكان يُستفهم بها عنه، فيقال: "أين بيتُك"؟ "أين زيدٌ؟ " وتنقل إلى الجزاء، فيقال: "أين تكن أكن"، والمراد: إنْ تكن في مكانِ كذا أكن فيه، والأكثرُ في استعمالها أن تكون مضمومة

стр. 1634

إليها "ما"، نحوَ قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ (١)، وليس ذلك فيها بلازم، بل أنت مخير فيها. قال الشاعر [من الخفيف]: أينَ تَصرِفْ بها العُداةَ تَجِدْنا ... نَصْرِفُ العِيسَ نَحوَها للتَّلاقي (٢) وأمّا "مَتَى تخرج؟ " فاسم من أسماء الزمان، يستفهم به عن جميعها، نحوَ قولك: "متى تقوم؟ " "متى تخرج؟ " قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣)، فهي في الزمان بمنزلةِ "أينَ" في المكان، وتنقل إلى الجزاء كـ "أين". قال الشاعر [من الطويل]: متى تَأتهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ ناره ... تَجِدْ خيرَ نارٍ عندها خيرُ مُوقِدِ (٤) وقال طَرفة [من الطويل]: ٩٨٧ - متى تَأتِنَا أصْبَحْكَ كاسًا رَوِيَّةً ... وإن كنتَ عنها غانِيًا فاغْنَ وازدَدِ

стр. 1635

وَلَكَ استعمالُها في الجزاء مضمومًا إليها "مَا" وغيرَ مضموم إليها، إن شئت، قلت: "متى تذهبْ أذهبْ"، و"متى ما تذهبْ أذهبْ". وأمّا "حَيثُ" و"إذْ"، و"إذَا" فظروفٌ أيضًا، فـ"حيث" ظرف من ظروف الأمكنة مبهم، يقع على الجهات الستّ، و"إذ"، و"إذا" ظرفا زمان، فـ "إذْ" لِما مضى، و"إذا" لِما يُستقبل، وكل الظروف التي يجازى بها يجوز أن يجازى بها من غير أن يضمّ إليها "ما" ما خلا "حَيثُمًا" وأُختيها، وذلك لأنها مبهمة تفتقر إلى جملة بعدها تُوضِحها وتُبيّنها، فتَنزّلت الجملة منها منزلة الصلة من الموصول، فكانت في موضع جرّ بإضافتها إليها متنزلةً منها منزلةَ الجزء من الكلمة، فلمّا أرادوا المجازاة بها، لزِمهم إبهامُها، وإسقاطُ ما يوضحها، فألزموها "ما" كما ألزموا، "إنَّما"، و"كأنما"، و"رَبَّمَا" وجعلوا لزومَ "ما" دلالةً على إبطال مذهبها الأولِ، فجعلوا "حيثما" بمنزلة "أينَ" في الجزاء، ولم تزل عن معناها الأول، فتقول: "حيثما تكن أكن"، كما تقول: "أين تكن أكن"، و"حيثما تقم يُحْبِبك أهلُها". قال الله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (١)، فـ "كنتم" في موضع مجزوم، ولذلك أجابه بالفاء، وجعلوا "إذما"، و"إذاما" بمنلةِ "متى"، فقالوا: "إذما تأتِني آتِك"، و"إذا ما تُحسِنْ إليّ أشكرْك"، قال العبّاس بن مِرْداس [من الكامل]: إذ ما أتَيتَ على الرَّسُول فَقُل له ... حَقًّا عليك إذا اطْمأنَّ المَجْلِسُ (٢) وقال عبد الله السَّلُوليّ [من الطويل]: ٩٨٨ - إذما تَرَيْني اليومَ أُزجِي مَطِيَّتِي ... أُصعدُ سَيْرًا في البلاد فأفرعُ [فإني من قومٍ سِواكُم وإنما ... رجاليَ فَهمٌ بالحِجازِ وأَشْجَعُ]

стр. 1636

فـ"أتَيتَ" في موضع جزم بـ"إذما" إلًّا أنه مبني، إذ كان ماضيًا فلا يظهر فيه الإعراب، وتقول في "إذَا مَا": "إذا ما تأتني أُحسِنْ إليك". قال ذو الرُمّة [من البسيط]: تُصْغِي إذا شَدَّها للرَّحْل جانِحَةً ... حتى إذا ما اسْتَوَى في غَرْزها تَثِبُ (١) وربَّما جُوزى بـ"إذا" من غير "ما"، وهو قليل لا يكون إلًّا في الشعر. قال قَيْس بن الخَطِيم [من الطويل]: إذا قَصُرَتْ أسيافُنا كان وَصْلُها ... خُطانا إلى أعْدائنا فنُضارِبِ (٢) وقال الفرزدق [من البسيط]: ٩٨٩ - يَرْفَعُ لِي خِنْدِفٌ والله يرفعُ لي ... نارًا إذا خَمَدَث نِيرانُهم تَقِدِ

стр. 1637

فإن قيل: "إذ" ظرف زمان ماضٍ، والشرطُ لا يكون إلًّا بالمستقبل، فكيف تصح المجازاة بها؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أنّ "إذ" هذه التي تستعمل في الجزاء مع "ما" ليست الظرفيّة، وإنما هي حرف غيرها ضُمّت إليها "ما" فرُكبا للدلالة على هذا المعنى كـ"أإنمَّا". والثاني: أنها الظرف، إلًّا أنها بالعقد والتركيب غُيّرت ونُقلت عن معناها بلزومِ "ما" إيّاها إلى المستقبل، وخرجت بذلك إلى حيّز الحروف، ولذلك قال سيبويه (١). ولا يكون الجزاء في "حيث" ولا في "إذ" حتى يضمّ إلى كل واحد منهما "ما"، فتصير "إذ" مع "ما" بمنزلة "إنّما"، و"كأنما" وليست "ما" فيهما بلَغو، ولكنّ كلّ واحد منهما مع "ما" بمنزلة حرف واحد. فأمّا"إذاما" فإن سيبويه لم يذكرها في الحروف، والقياسُ أن تكون حرفاً كـ"إذما"، ولذلك لا يعود إليها ضميرٌ ممّا بعدها كما يعود إلى غيرها ممّا يجازى به من نحو "مَنْ"، و"ما"، و"مَهما"، فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى. فصل [الجزم بـ"إن" مضمرةً] قال صاحب الكتاب: ويُجزم بـ "إن" مضمرة إذا وقع جواباً لأمر, أو نهي, أو استفهام أو تمن أو عرض، نحو قولك: "أكرمني أكرمك"، و"لا تفعل يكن خيراً لك"، وألا تأتني أحدثك، وأين بيتك أزرك؟ وألا ماء أشربه، وليته عندنا يحدثنا، وألا تنزل تصب خيراً, وجواز إضمارها لدلالة هذه الأشياء عليها, قال الخليل (٢): إن هذه الأوائل كلها فيها معنى "إن" فلذلك انجزم الجواب. * * *

стр. 1638

قال الشارح: اعلم أن الأمر والنهي والاستفهام والتمنّي والعرض يكون جوابها مجزومًا، وعند النحويين أنّ جزمه بتقدير المجازاة، وأنّ جواب الأمر والأشياء التي ذكرناها معه هو جواب الشرط المحذوف في الحقيقة؛ لأنّ هذه الأشياء غير مفتقرة إلى الجواب، والكلامُ بها تامّ. ألا ترى أنك إذا أمرت، فإنّما تطلب من المأمور فعلاً؟ وكذلك النهي، وهذا لا يقتضي جوابًا, لأنك لا تريد وقوفَ وجود غيره على وجوده، ولكن متى أتيتَ بجواب، كان على هذا الطريق، فإذا قلت في الأمر: "إيتِني أكرمْك"، و"أحْسِنْ إلىّ أشكرْك"، فتقديره بعد قولك: "إيتني إن تأتني أكرمك"، كأنك ضَمِنْت الإكرامَ عند وجود الإتيان، ووعدت بإيجاد الإكرام عند وجود الإتيان، وليس ذلك ضَمانًا مطلقًا، ولا وَعدًا واجبًا إنما معناه: إن لم يُوجَد لم يجب، وهذه طريقة الشرط والجزاء. والنهي قولك: "لا تَزُرْ زيدًا يُهِنْك" على تقديرِ: إن لا تزره يهنك، ولذلك قال النحويون: إِنه لا يجوز أن تقول: "لا تَدْنُ من الأسد يأكلْك"؛ لأنّ التقدير: "لا تدن من الأسد إن لا تدن من الأسد يأكلك"، وهذا محال؛ لأنّ تباعُده لا يكون سببًا لأكله؛ لأنه يُعاد لفظُ الأمر والنهي، ويُجْعَل شرطًا وجوابه ما ذكر بعد الأمر والنهي، وإذا قلنا: "أكرمْ زيدًا يكرمْك"، فالذي تضمره من الشرط "إن تكرم زيدًا". ولو قلت: "لا تدن من الأسد يأكلُك بالرفع"، جاز؛ لأن معناه: يأكلُك إن دنوت منه، وكذلك لو قلت: "لا تدن من الأسد فيأكلَك" بالفاء والنصب؛ لأنه يكون تقديره: "لا يكن دُنُوٌّ فأكلٌ". والاستفهام: "أين بيتُك أزُرْك؟ " كأنه قال: "أين بيتك؟ إن أعْلَم مكانَ بيتك أزرْك"، وتقول: "أأتَيْتَنَا أمس نُعْطِك اليومَ؟ " معناه: أأتيتنا أمس؟ إن كنت أتيتنا أمس أعطيناك اليوم. وإن كان قولك: "أأتيتنا أمس" تقريرًا، ولم يكن استفهامًا، لم يجز الجزم؛ لأنه إذا كان تقريرًا، فقد وقع الإتيان، وإنما الجزاء في غير الواجب. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ (١)، ولمّا انقضى ذكرُها، قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٢) جزم؛ لأنه جوابُ "هَلْ". وقال الزجّاج: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ جواب قوله: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٣) الآيةَ، فهو أمرٌ بلفظ الخبر، وليس جوابَ "هل"؛ لأنّ المغفرة لا تحصل بالدلالة على الإيمان, إنما تحصل بنفس الإيمان والجِهادِ، ويؤيّد ذلك قراءة عبد الله بن مسعود: "آمِنوا بالله" مكانَ "تؤمنون". والأظهرُ الوجه الأول، وهو أن يكون جوابَ "هل"؛ لأن "تؤمنون" إنّما هو تفسيرٌ للتجارة على معناها لا على لفظها، ولو فسّرها على لفظها، لقال: "أن تؤمنوا"؛ لأنّ "أن

стр. 1639

تؤمنوا" اسمٌ، و"تجارة" اسمٌ، والاسم يُبْدَل من الاسم، ويقع موقعه. وقوله: "تؤمنون" كلام تامّ قائم بنفسه، وفيه دلالةٌ على المعنى المراد، فمن حيث كان تفسيًرا للتجارة، فهو من جملةِ ما وقع عليه الاستفهامُ بـ"هل"، والاعتمادُ في الجواب على "هل"، و"هل" في معنى الأمر, لأنه لم يقصد إلى الاستفهام عن الدلالة على التجارة المُنْجِية: هل يدلّون، أو لا يدلّون عليها، وإنما المراد الأمر والدعاء والحثّ على ما يُنْجِيهم. ومثله قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (١)، فإن المراد: انتهوا، لا نفس الاستفهام. وأمّا التمني، فقولك: "ليت زيدًا عندنا يُحَدِّثْنا"، فـ "يحدّثْنا" جزمٌ لأنه جواب، والتقدير: إِن يكن عندنا. ومنه قولهم: "ألا ماءً أشْرَبْه"، فهذا أيضًا معناه التمنّي، وهي "لا" النافية دخلت عليها همزة الاستفهام، وقد عملت في النكرة، فأحدث دخولُها معنى التمنّي، فـ "لا" مع ما بعدها في موضع نصب بما دل عليه "ألا" من معنى التمني. وقال أبو العبّاس المبّرد: هو على ما كان، ويُحْكَم على موضعه بالرفع على الابتداء، وثمرةُ الخلاف تظهر في الصفة، فتقول على مذهب سيبويه: "ألا ماءَ بارداً" بنصب الصفة, لأن موضعها نصبٌ، وأبو العباس يرفع النعت، ويقول: "ألا ماء باردٌ"، وإذا كان قد حدث بدخول همزة الاستفهام معنى التمنّي، جاز أن يجاب بالجزم، فيقال: أشْرَبه، كما لو صرّحت بالتمنّي، وقلت: "ليت لي ماءً أشربْه". وأمّا العرض، فقولك: "ألا تنزل عندنا تُصِبْ خيرًا"، فقولك: "ألا تنزل" هو العرض، يقول الرجل للآخر: "ألا تفعل كذا وكذا" يَعرِضه عليه، و"تصب خيرًا" جوابه، وهو داخل في جواب الاستفهام، إلا أنّه لمّا كان القصد فيه إلى العرض، وإن كان لفظه استفهامًا، سمّاه عرضًا، وتقديره: إن تنزل عندنا تصب خيرًا. وهذه الأشياء إنما أضمر حرف الشرط بعدها, لأنها تُغْنِي عن ذكره، وتكتفي بذكرها عن ذكره؛ إذ كانت غير واجبة، وصار الثاني مضمونَ الوجود إذا وُجد الأوّل. فلذلك قال الخليل (٢): هذه الأوائل كلّها فيها معنى "إنْ"، ولذلك انجزم الجواب. فصل [الجزم بما فيه معنى الأمر والنهي] قال صاحب الكتاب: وما فيه معنى الأمر والنهي بمنزلتهما في ذلك, تقول: "اتقي الله امرؤ وفعل خيراً يثب عليه"، معناه ليتق الله وليفعل خيراً, وحسبك ينم الناس. * * *

стр. 1640

قال الشارح: قد تقدّم من كلامنا أن الأمر والنهي قد يُجابان بالجزم، على تقدير إضمار حرف الشرط بعدهما؛ لِما بينهما من المشاكلة. فكذلك ما كان في معنى الأمر والنهي إذا أُجيب يكون مجزومًا, لأنّ العلّة في جزم جواب الأمر إنما كانت من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، وإذا كان من جهة المعنى، لزم في كلِّ ما كان معناه معنى الأمر. فمن ذلك قولهم: "اتقى الله امرؤٌ وفعل خيرًا يُثَبْ عليه"؛ لأنّ المعنى: لِيَتَّقِ الله، ولِيَفْعَلْ خيرًا. وليس المراد الإخبار بأنّ إنسانًا قد اتقى الله، وإنما يقوله مَثَلاً الواعظُ حاثًّا على التُّقَى والعمل الصالح. ويُقدَّر بعده حرف الشرط كما كان يقدر بعد الأمر الصريح. والخبرُ قد يستعمل بمعنى الأمر، نحوَ قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (١)، أي: لِيرضعن، ومن ذلك قولهم في الدعاء: "﵀" لفظُه لفظ الخبر، ومعناه الأمر. ومن ذلك قولهم: "حَسْبُك يَنَم الناسُ"، معنى "حسبك" هنا الأمرُ، أي: اكْتَفِ، واقْطَعْ، ومثله: "كَفْيُك"، و"شَرْعُك" كلّها بمعنى واحد، وكذلك "قَدْكَ"، و"قَطْكَ" كلّه بمعنَى "حسبُ". وقولهم: "حسبُك ينم الناس" كأنّ إنسانًا قد كان يُكْثِر الكلام ليلاً، ويَصِيح بحيث يُقْلِق من يسمعه، فقيل له ذلك، أي: اكتفِ واقطعْ من هذا الحديث، فإن تفعلْ ينمِ الناس، ولا يَسْهَروا. و"حسبُك" هنا مرفوع بالابتداء، والخبرُ محذوف لعلم المخاطب به، وذلك أنه لا يقال شيء من ذلك إلَّا لمن كان في أمر قد بلغ منه مَبْلغًا فيه كفايةٌ، فيقال له هذا ليَكُفّ ويكتفي بما قد علمه المخاطبُ، وتقديرُ الخبر: "حسبُك هذا، أو حسبُك ما قد علمتَه"، ونحوُ ذلك، فاعرفه. فصل [الجزاء شرط الجزم] قال صاحب الكتاب: وحق المضمر أن يكون من جنس المظهر, فلا يجوز أن تقول: "لا تدن من الأسد يأكلك"، بالجزم؛ لأن النفي لا يدل على الإثبات، ولذلك امتنع الإضمار في النفي, فلم يقل: "ما تأتينا تحدثنا"، ولكنك ترفع على القطع, كأنك قلت: "لا تدن منه فإنه يأكلك". وإن أدخلت الفاء ونصبت, فحسن. * * * قال الشارح: اعلم أن المعنى إذا كان مرادًا، لم يجز حذف اللفظ الدالّ عليه, لأنه يكون إخلالاً بالمقصود، اللهُمَّ إلا أن يكون ثَمَّ ما يدل على المعنى، أو على اللفظ

стр. 1641

الموضوع بإزاء ذلك المعنى، فيحصُل العلم بالمعنى ضرورةَ العلم بلفظه. وههنا إنما ساغ حذف الشرط وأداته لتقدُّمِ ما يدلّ عليه من الأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض، فيلزم أن يكون المضمر من جنس الظاهر، إذ لو خالَفَه لَما دلّ عليه، فإذا كان الظاهر موجَبًا، كان المضمر موجبًا، وإذا كان نفيًا كان المضمر مثله. والأمرُ كالموجب من حيث كان طَلَبَ إيجاب، والنهيُ كالنفي من حيث كان طلب نفي، فلذلك كان حكم الأمر كحكم الموجب، فكما يكون الموجب بأداة وبغير أداة، نحوَ: "إن زيدًا قائمٌ"، و"زيدٌ قائمٌ"، كذلك يكون الأمر بأداة وبغير أداة، نحوَ: "ليَقُمْ زيدٌ"، و"قُمْ يا زيدُ". وكما لا يكون النفي إلا بأداة، كان النهي كذلك، نحوَ: "لا تَقُمْ". فإذا كان الظاهر أمرًا، كان المضمر فعلاً موجبًا، وذلك إذا قلت: "أكْرِمْني أكرِمْك"، كان التقدير: "إن تكرمْني أكرمْك"، وإذا قلت: "لا تَعْصِ الله يُدْخِلْك الجنّةَ"، كان المعنى: إن لا تَعْصِه يدخلْك الجنّة. قال النحويون: إنه لا يجوز أن تقول "لا تَدْنُ من الأسد يَأْكُلْك" بالجزم؛ لأنّ التقدير عندهم أن يُعاد لفظ الأمر والنهي، فيُجْعَل شرطًا جوابُه ما ذُكر بعد الأمر والنهي، فيصير التقدير: إن لا تدن من الأسد يأكْلك، وهذا محال. قال: ولذلك امتنع: "ما تأتينا تحدّثْنا" بالجزم، يشير إلى أن المانع من جواز الجزم مع النفي من حيث امتنع مع النهي, لأنه يصير التقدير: "ما تأتينا إن لا تأتنا تحدّثْنا"، وذلك محال. وليس الأمر على ما ظنّ؛ لأنّ النهي يجوز في موضع، ويمتنع في آخر: ألا ترى أنك إذا قلت: "لا تَعْصِ الله يُدْخِلْكَ الجنةَ"، كان صحيحًا؛ لأنّ التقدير "إن لا تعصه" وهذا كلام سديد، ولو قلت: "لا تَعْصِ الله يُدْخِلْك النارَ"، كان محالاً؛ لأنّ عدم المَعْصية لا يوجب النارَ. وأنت في طرف النفي لا تُجوِّز الجواب بالجزم بحالٍ، فعُلم أن العلّة المانعة في طرف النفي غير العلّة المانعة في طرف النهي. وإنما لم يجز الجواب مع النفي بالجزم؛ لأنه ليس فيه معنى الشرط، إذ كان النفي فيه يقع على القطع، نحوَ قولك: "ما يقوم زيد"، فقد قطع بأنّه ليس يقوم، فالأمرُ والنهي والاستفهام والتمنّي والعرض، فليس فيه قطعٌ بوقوع الفعل، فمِن هنا تَضمّن معنى الشرط. قال: ولكنّك ترفع على القطع، يريد إذا رفعت الفعل في جواب النهي، جاز على الاستئناف، لا على أنه جواب، كأنك قلت: "لا تدنُ من الأسد، إنّه ممّا يأكلُك فاحذَرْه". ومثله "لا تذهبْ به تُغلَبُ عليه" الجزْمُ فاسدٌ، والرفع جيّد. فإن جئت بالفاء ونصبت، كان حسنًا, لأنّ الجواب بالفاء مع النصب تقديره تقدير العطف، فكأنه قال: "لا يكن منك دنوٌ فأكلٌ"، وكذلك الرفع، فاعرفه.

стр. 1642

فصل [أوجه الرفع إن لم يُقصد الجزاء] قال صاحب الكتاب: وإن لم تقصد الجزاء, فرفعت, فكان المرفوع على أحد ثلاثة أوجه: إما صفة كقوله تعالى: ﴿فهب لي من لدنك وليا يرثني﴾ (١)، أو حالاً, كقوله تعالى: ﴿ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾ (٢)، أو قطعاً واستئنافاً, كقولك: "لا تذهب به تغلب عليه"، و"قم يدعوك". ومنه بيت الكتاب [من البسيط]: ٩٩٠ - وقال رائدهم أرسوا نزاولها ... [فكل حتف امرئ يجري بمقدار] ومما يحتمل الأمرين: الحال والقطع قولهم: "ذره يقول ذاك"، و"مره يحفرها", وقول الأخطل [من البسيط]: ٩٩١ - كروا إلى حرتيكم تعمرونهما ... [كما تكر إلي أوطانها البقر]

стр. 1643

وقوله : ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ (١). * * * قال الشارح: يريد أن هذه الأشياء التي تجزم على الجواب في الأمر والنهي وأخواتهما، إذا لم تقصد الجواب والجزاء، رفعت. والرفع على أحد ثلاثة أشياء: إمّا الصفة إن كان قبله ما يصح وصفه به؛ وإمّا حالاً إن كان قبله معرفة؛ وإمّا على القطع والاستئناف. مثالُ الأوّل قولك: "أعْطِني درهمّا أُنْفِقه"، إذا لم تقصد الجزاء، رفعت على الصفة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي﴾ (٢)، فقُرىء بالجزم والرفع، فالجزمُ على الجواب، والرفغ على الصفة، أي: هب لي من لدنك وليا وارثًا. والرفع هنا أحسن من الجزم، وذلك من جهة المعنى، والإعراب؛ أمّا المعنى فلأنه إذا رفع فقد سأل وليا وارثًا؛ لأن من الأولياء من لا يرث. وإذا جزم، كان المعنى إن وهبته لي، ورثني، فكيف يُخْبِر الله سبحانه بما هو أعلمُ به منه. ومثله قوله تعالى: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ (٣) بالرفع والجزم.

стр. 1644

ومثال الثاني: "خَلِّ زيدًا يمزَحُ" أي: مازحًا, لأنه لا يصلح أن يكون وصفًا لما قبله لكونه معرفة، والفعلُ نكرة، ومثله قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ (١) فهو حالٌ من المفعول في "ذرهم" ولا يكون حالاً من المضمر في "خوضهم" لأنه مضاف، والحالُ لا يكون من المضاف إليه. والثالث: أن يكون مقطوعًا عما قبله مستأنفًا، كقولك: "لا تذهب به تُغلبُ عليه". وذلك أن الجزم ها هنا على الجواب لا يصح لفساد المعنى، إذ يصير التقدير: إن لا تذهب به تُغلَب عليه، فيصير عدمُ الذهاب به سببَ الغَلَب عليه، وليس المعني عليه، فكان مستأنفًا، كأنك أخبرت أنه ممن يُغْلَب عليه على كل حال. وكذلك "قُمْ يَدعُوك"، أي: إنه يدعوك، فأمرتَه بالقيام، وأخبرته أنه يدعوه ألبتة، ولم ترد الجواب على أنه إن قام دعاه، وأمّا بيت الكتاب وهو [من البسيط]: وقال رائدُهم أرسوا نُزاوِلُها ... فكُلُّ حَتْفِ امْرِىءٍ يُقْضَى بِمقْدارِ البيت للأخطل، والشاهد فيه رفعُ "نزاولُها" على القطع والاستئناف، ولو أمكنه الجزمُ على الجواب، لجاز. يصف شَرْبًا ذهب رائدُهم في طلب الخمر، فظفر بها، فقال لهم: "أرسوا"، أي: انزلوا نشربها. نُزاوِلها، أي: نُخاتِل صاحبها عنها، فكل حتف امرئ يُقْضى بمقدار، أي: الموت لا بد منه، فلنحصل على لذة النفس قبل الموت. قال: وممّا يحتمل الأمرَين: الحال والقطع: "ذَرْهُ يقول ذاك". يجوز الرفع في "يقول" على الحال، أي: ذره قائلاً، ويجوز أن يكون مستأنفًا، كأنه قال: ذَرهُ فإنّه ممْن يقول ذاك. وأما قولهم: "مُرْهُ يَحْفِرها"، فيجوز فيه الجزم والرفع، فالجزم من وجه واحد، وهو الجواب، كأنه قال: "إن أمرتَ يحفرْها"، وأما الرفع فعلى ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون "يحفرها" على معنَى "فإنّه ممن يحفرها"، كما كان في "لا تدنُ من الأسد يأكلُك". والثاني: أن يكون على الحال، كأنه قال: "مُرْه في حال حَفْرها"، ولو كان اسمًا لَظهر النصب فيه، فكنتَ تقول: "مُره حافرًا لها". والثالث: أقلّها، وذلك أن تريد: "مُرْه أن يحفرها"، فتحذف "أنْ"، وترفع الفعل، لأنّ عامله لا يضمر، وقد أجاز بعض الكوفيين النصب على تقديرِ "أنْ"، وعليه قوله [من الطويل]: ألا أيُّهذا الزاجري أحْضُرَ الوَغَى ... وأن أشْهَدَ اللَّذّاتِ هل أنت مُخلِدِي (٢)

стр. 1645

والجزم أظهر، ومنه قول الأخطل [من البسيط]: كُرّوا إلى حَرَّتيكم تَعمرونَهما ... كما تَكرُّ إلى أوْطانها البَقَرُ (١) الشاهد فيه رفع "تعمرونهما" إمّا على الاستئناف، وقَطْعه عمّا قبله، وإمّا على الحال، كأنه قال: "عامرين"، أي: مقدرين ذلك وصائرين إليه. ولو أمكنه الجزمُ على الجواب، لجاز. الحرّة: أرضٌ ذاتُ حجارة سود، وكأنّه يعيّرهم بنزولهم في الحرّة لحَصانتها، وهي حرّة بني سُلَيْم، وثَنّاها لحرّةٍ أُخرى تُجاوِرها. وأما قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ (٢)، فيجوز أن يكون رفعُ "لا تخاف"، و"لا تخشى" على الحال من الفاعل في "اضربْ لهم طريقًا في البحر غيرَ خائف دركًا ولا خاشِيًا". ويُقوي رفعَ "لا تخاف" إجماعُ القُرّاء على رفعِ "ولا تخشى"، وهو معطوف على الأوّل، ويجوز أن يكون رفعه على القطع والاستئناف، أي: أنت لا تخاف دركًا. ويجوز أن يكون صفة لـ"طريق"، والتقدير: لا تخاف فيه دركًا، ثمّ حذف حرف الجرّ، فوصل الفعل، فنصب الضمير الذي كان مجرورًا، ثم حذف المفعول اتّساعًا، كقوله تعالى: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ (٣)، والتقدير: لا يجزي فيه. ومن جزم "لا تخاف"، جعله جوابًا لقوله: "واضربْ لهم"، على تقديرِ: إن تضرب لا تَخَفْ دركًا ممن خَلْفَك، ويرفع "تخشى" على القطع، أي: وأنت غير خاشٍ، فاعرفه. فصل [إعراب المضارع الداخل بين الشرط والجزاء] قال صاحب الكتاب: وتقول: "إن تأتني تسألني أعطك", و"إن تأتني تمشي أمش معك"، ترفع المتوسط, ومنه قول الحطيئة [من الطويل]: متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد (٤) وقال عبيد الله بن الحر [من الطويل]: ٩٩٢ - متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطباً جزلاً وناراً تأجَّجا فجزمه على البدل. * * *

стр. 1646

قال الشارح: اعلم أنه قد دخل الفعل المضارع بين الشرط والجزاء، ويكون على ضربَيْن: أحدهما: مرفوع لا غير، والآخر: يدخل بين المجزومَين، وتكون أنت مخيّرًا بين الجزم على البدل من الأوّل، وبين الرفع على الحال. فأما ما يكون رفعًا لا غير فأن يكون الفعل الداخل بين المجزومين ليس في معنى الفعل، فلا يكون بدلاً منه، وذلك "إن تأتِنا تسألُنا نُعْطِك"، و"إن يأتِني زيدٌ يضحكُ أُكرِمْه". لا يحسن في ذلك غير الرفع، لأنّ "يضحك" و"تسأل" ليس من الإتيان في شيء، فهو في موضع الحال، كأنه قال: "إن يأتني زيد ضاحكًا"، و"إن تأتني سائلاً". فإن أبدلته منه على أنه بدلُ غَلَط، لم يمتنع، كأنك أردت الثاني، فسبق لسانُك إلى الأول، فأبدلته منه، وجعلت الأول كاللغو على حد "مررت برجل حمار". ولا يكون في الفعل من البدل إلا بدلُ الكل، وبدل الغلط، ولا يكون فيه بدل بعض، ولا اشتمال، ولو قلت: "إن تأتني تمشي أمْشِ معك" جاز أن ترفع "تمشي"، فيكون معناه: "إن تأتني ماشِيًا أمشِ معك"، وجاز أن تجزم على البدل من الأول؛ لأنّ "تأتني" في معنَى "تمشِ" لأنّ المَشْي ضرب من الإتيان والضحكُ والسؤال ليسا من جنس الإتيان. فأما قوله [من الطويل]: متى تأته تعشو ... إلخ الشاهد فيه رفعُ "تعشو" على أنه حال، والمراد: متى تأته عاشيًا، أي: قاصدًا في الظلام، يُقال: "عشوتُه" أي: قصدتُه ليلاً، ثمّ اتسع، فقيل لكل قاصد: "عاشٍ. وعَشَوتُ النارَ أعشُو إليها إذا استدللت عليها ببَصَبر ضعيف. تجد خيرَ نار، أي: تجدها مُعَدّة للضيف الطارق. وأما قول الآخر [من الطويل]: متى تأتنا تلمم ... إلخ

стр. 1647

فالشاهد فيه الجزم؛ لأنه بدل من قوله: "تأتنا"، لأن الإلمام ضرب من الإتيان، فهو على حد قولك في الأسماء: "مررت برجلٍ عبدِ الله"، فسّر الإتيان بالإلمام، كما فسّر الاسم الأول بالاسم الثاني، ولو رفع على الحال، لجاز في العربية، لولا انكسارُ وزن البيت. وقوله: "تأجّجًا" يجوز أن يكون تثنية على الصفة للحطب والنار، وذكر الراجعَ لأنّ الحطب مذكر، فغلّب جانبَه، ويجوز أن يكون مفردّا من صفة الحطب، لأنه أهمُ، إذ النار به تكون، ويجوز أن يكون من صفة النار، وذُكر على معنى شِهاب، أو على إرادة النون الخفيفة، وأبدل منها ألفًا في الوقف. يمدح في هذا البيت بَغِيضًا، وهو من بني سعد بن زيد مَناةَ. وبعد هذا البيت [من الطويل]: إذا خرجوا من غَمْرَه رَجَعوا لها ... بأسْيافهم والطعْنُ حِينَ تَفَرجَا (١) فصل [جواز الجزم والرفع في المعطوف على الجواب المجزوم] قال صاحب الكتاب: وتقول: "إن تأتني آتك فأحدثك" بالجزم، ويجوز الرفع على الإبتداء, وكذلك الواو, وثم, قال الله تعالى: ﴿من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم﴾ (٢) وقرىء: ﴿ويذرهم﴾ (٣) , وقال: ﴿وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ (٤)، وقال: ﴿وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون﴾ (٥). * * * قال الشارح: اعلم أنك إذا عطفت فعلاً على الجواب المجزوم؛ فلَكَ فيه وجهان: الجزمُ بالعطف على المجزوم على إشراك الثاني مع الأول في الجواب، والرفع على القطع والاستئناف. وذلك قولك: "إن تأتِني آتِك فأُحدثك"، كأنه وعده إن أتاه، فإنه يأتيه فيحدّثُه عقيبَه، ويجوز الرفع بالقطع واستئناف ما بعده، كما قال [من الرجز]: يُريد أن يُعرِبَهُ فَيعجِمُهْ (٦) أي: فهو يُعْجِمُهُ على كل حال. ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ

стр. 1648

تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١)، قُرىء: "فيغفِر" جزمًا ورفعًا (٢) على ما تقدّم، ولا فرقَ في ذلك بين الفاء، والواو، و"ثم"، من حروف العطف، حكم الجميع واحد في ذلك. وأمّا قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ (٣) فقد قُرىء "ويذرهم" جزمًا ورفعًا (٤)، فالجزم بالعطف على الجزاء وهو "فلا هادي له" لأنّ موضعه جزمٌ. والمراد بالموضع أنه لو كان الجواب فعلاً، لكان مجزومًا. والرفع على القطع والاستئناف على معنَى "وهو يذرُهم في طُغْيانهم"، فعَطف هنا بالواو كما عطف في الآية قبلها بالفاء. وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (٥) , وقوله ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ (٦) ففيهما شاهد على العطف بـ"ثُمَّ" كما عطف بالفاء إلا أنه جزم في الأُولى، ورفع في الثانية، وكل جائز صحيح، وحكمُ الجميع واحد، إلّا الفاءَ، فإنه قد أجاز بعضهم فيه النصبَ، وقرأ الزعْفراني: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٧). وقد استضعفه سيبويه (٨)، لأنه موجب، فصار من قبيلِ [من الوافر]: ٩٩٣ - [سَأَترُكُ مَنْزِلِي لِبَنِي تَميم] ... وألْحَقُ بالحِجاز فأسْترِيحَا

стр. 1649

والذي حسّنه قليلاً كونُه معطوفًا على الجزاء، والجزاء لا يجب إلّا بوجوب الشرط، وقد يتحقق، وقد لا يتحقق، فاعرفه. فصل [العَطْف بالجَزم على جواب الأمر المنصوب على تَوَهُّم سقوط فاء السَّبَبيّة] قال صاحب الكتاب: وسأل سيبويه الخليل (١) عن قوله : ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢) , فقال هذا كقول عمرو بن معد يكرب [من الكامل]: ٩٩٤ - دعني فأذهب جانبَا ... يومًا وأكفك جانبَا

стр. 1650

وكقوله [من الطويل]: بدا لي إني لست مدرك ما مضي ... ولا سابق شيئاً إذا كان جائيَا (١) أي: كما جروا الثاني, لأن الأول قد تدخله الباء, فكأنها ثابتة فيه فكذلك جزموا الثاني, لأن الأول يكون مجزومًا, ولا فاء فيه, فكأنه مجزوم. * * * قال الشارح: "لَوْلا" معناه الطلب والتحضيض، فإذا قلت: "لولا تُعطيني"، فمعناه: أعْطِني، فإذا أُتي لها بجواب، كان حكمُه حكم جواب الأمر إذ كان في معناه، وكان مجزومًا بتقدير حرف الشرط على ما تقدّم. وإذا جئت بالفاء، كان منصوبًا بتقديرِ "أن". فإذا عطفت عليه فعلاً آخر، جاز فيه وجهان: النصب بالعطف على ما بعد الفاء، والجزم على موضع الفاء، لو لم (٢) تدخل، وتقدير سقوطها. ونظيرُ ذلك في الاسم "إن زيداً قائم وعمرٌو وعمرًا"، إن نصبت؛ فبالعطف على ما بعد "إنَّ" وإن رفعت؛ فبالعطف على موضعِ "إن" قبل دخولها، وهو الابتداء. فأمّا قول عمرو بن مَعدِيكَرِبَ [من مجزوء الكامل]: دَعنِي فأذْهَبَ ... إلخ فالشاهد فيه أنّه عطف على جواب الأمر، واعتقد سقوط الفاء، فجزم على المعنى؛ لأنه لو لم تدخل الفاء، لكان مجزومًا. وقد شبّهه الخليل بقول الآخر [من الطويل]: بدا لي أني ... إلخ البيت لصِرْمَةَ الأنصاري، وقيل: لزُهَيْر، والشاهد فيه أنه خفض "سابق" بالعطف على خبرِ "ليس" على توهم الباء؛ لأنّ الباء تدخل في خبر "ليس" كثيرًا. فلمّا كان خبرها مَظِنةَ الباء، اعتقد وجودها، فخفض المعطوف عليه، وهو قوله: "ولا سابق"، ومثله [من الطويل]: مَشائِيمُ ليسوا مُصْلِحين عَشِيرَة ... ولا "ناعِب" إلا ببَيْن غُرابُها (٣)
следующие страницы →