← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13301

شرح المفصل لابن يعيش

ابن يعيش

Полный текст (2 502 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وفي مثل للعرب: "لو ذات سوارٍ لطمتني" (١) , وقوله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ (٢) , علي معني: ولو ثبت. ومنه المثل: "إلا حضيّةٌ فلا أليةٌ" (٣) , أي: إن لا تكن لك في النساء حظيّةٌ فإني غير أليّةٍ". * * * قال الشارح: اعلم أن الاستفهام يقتضي الفعلَ، ويطلبه. وذلك من قِبَل أن الاستفهام في الحقيقة إئما هو عن الفعل, لأنّك إنّما تستفهم عمّا تشُكّ فيه، وتجهل عملَه. والشكُّ إنما وقع في الفعل، وأمّا الاسمُ فمعلومٌ عندك. وإذا كان حرفُ الاستفهام إنمّا دخل للفعل، لا للاسم، كان الاختيارُ أن يَلِيَه الفعلُ الذي دخل من أجله. وإذا وقع الاسمُ بعد حرف الاستفهام، وكان بعده فعلٌ، فالاختيارُ أن يكون مرتفعًا بفعلٍ مضمر، دلّ عليه الظاهرُ؛ لأنه إذا اجتمع الاسمُ والفعلُ، كان حملُه على الأصل أوْلى، وذلك نحوُ قولك: "أزيدٌ قام؟ " ورفعُه بالابتداء حسنٌ، لا قُبْحَ فيه, لأن الاستفهام يدخل على المبتدأ والخبر. وأبو الحسن الأخفش يختار أن يكون مرتفعًا بفعل مضمر على ما قلناه. وأبو عمر الجرْميّ يختار أن يكون مرتفعًا بالابتداء, لأنّ الاستفهام يقع بعده المبتدأُ والخبرُ، كما ذكرناه، ولا يفتقر إلى تكلّف تقديرِ محذوف. وأمّا تمثيلُ صاحب الكتاب بقوله: "هل زيدٌ قام"؟ فلم يمثل بالهمزة، فيقول: "أزيدٌ

стр. 212

قام"؟ وذلك من قِبَل أن سيبويه يفرق بين الهمزة و"هَلْ". فعنده إذا قلت: "أزيدٌ قام"؟ جاز أن يرتفع الاسم بالابتداء جوازًا حسنًا. وإذا قلت: "هل زيدٌ قام"؟ يقع إضمارُ الفعل لازمًا, ولم يرتفع الاسمُ بعده إلَّا بفعل مضمر على أنّه فاعلٌ، وقبُح رفعُه بالابتداء. ولم يجز تقديمُ الاسم ههنا إلَّا في الشعر، فلذلك مثّله بـ "هَلْ" دون الهمزة. وإنمّا قبُح رفعُه بعد "هَلْ" بالابتداء، ولم يقبُح بعد الهمزة؛ وذلك من قِبَل أن الهمزة أمُّ الباب، وأعمُّ تصرُّفًا، وأقواها (١) في باب الاستفهام؛ لأنها تدخل في مواضع الاستفهام كلِّها، وغيرُها ممّا يُسْتفهم به، يلزَم موضعًا، ويختصّ به، وينتقل عنه إلى الاستفهام، نحوَ: "مَنْ" و"كَمْ" و"هَلْ"، فَـ "مَنْ": سؤالٌ عمّن يعقِل. وقد تنتقل فتكون بمعنَى "الذِي"، و"كَمْ": سؤالٌ عن عَدَدٍ، وقد تُستعمل بمعنَى "رُبَّ"، و"هَلْ": لا يُسْأَلُ بها في جميع المواضع. ألا ترى أنّك تقول: "أزيدٌ عندك أم عمرٌو"؟ على معنَى "أيهمَا عندك"؟ ولم يجز في ذلك المعنى أن تقول: "هل زيدٌ عندك أم عمرٌو؟ " وقد تنتقل عن الاستفهام إلى معنَى "قَدْ"، نحوَ قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ (٢)، أي: قد أتى. وقد تكون بمعنَى النفي، نحو قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ﴾ (٣). وإذ كانت الهمزةُ أعمَّ تصرُّفًا، وأقوى في باب الاستفهام، توسّعوا فيها أكثرَ ممّا توسّعوا في غيرها من حروف الاستفهام، فلم يستقبحوا أن يكون بعدها المبتدأُ والخبرُ، ويكونَ الخبرُ فعلًا. واستُقبح ذلك في غيرها من حروف الاستفهام لقلّةِ تصرُّفها. فإن قيل: إذا كان الاستفهامُ يقتضي الفعلَ، على ما أقررتم، في بالُكم ترفعون بعده المبتدأ والخبرَ؟ فتقولون: "أزيدٌ قائمٌ"؟ و"هل زيد قائمٌ"؟ فالجوابُ: أن الجملة قبل دخول الاستفهام تدل على فائدةٍ؛ فدخل الاستفهامُ سؤالًا عن تلك الفائدة. وذكرُ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ (٤)؛ فـ "أحَد" هنا مرتفعٌ بفعل مضمر تفسيرهُ الظاهرُ الذي هو"استجارك"، والتقديرُ: "إن استجارك أحدٌ من المشركين استجارك فأجِرْه"، وذلك أنّ "إنْ" في باب الجزاء بمنزلة الألف في باب الاستفهام. وذلك لأنّها تدخل في مواضع الجزاء كلَّها، وسائرُ حروف الجزاء نحوُ: "مَنْ" و"مَتَى" لها مواضعُ مخصوصةٌ؛ فـ "مَنْ": شرطٌ فيمن يعقل، و"مَتَى": شرطٌ

стр. 213

في الزمان، وليست "إنْ" كذلك، بل تأتي شرطًا في الأشياء كلها، فلذلك حسُن أن يَلِيَها الاسمُ في اللفظ، ويُقدَّر له عاملٌ، وذلك نحوُ: "إنْ زيدٌ أتاني آتِهِ"، ترفع "زيدًا" بفعل مضمر يُفسِّره هذا الظاهرُ، والتقديرُ: إن أتاني زيد أتاني آته، قال النمِرُ بن تَوْلَبٍ [من الكامل]: ١٣٠ - لا تَجْزَعِي إنْ مُنْفِسًا أهْلَكْتُه ... وإذا هلكتُ فعِنْدَ ذلك فاجْزَعِي نصب "منفسًا" بعدَ "إنْ" بإضمار فعل تقديرُه: "إن أهلكتُ منفسًا أهلكتُه". ويجوز رفعُ "منفس"، فيقال: "إنْ منفسٌ أهلكتُه"، على تقديرِ "إنْ هَلَكَ منفسٌ". ولا بدّ من تقدير فعل إمّا ناصبٍ وإمّا رافعٍ.

стр. 214

وزعم الفَرّاء أنّ "أحَدًا" في الآية يرتفع بالعائد الذي عاد إليه، وهو ضميرُ الفاعل الذي في "استجارك". وهو قول فاسد، لأنّا إذا رفعناه بما قال، فقد جعلنا استجارك خبرًا لـ "أحد" وصار الكلامُ كالمبتدأ والخبر. وأمّا بيت الحماسة [من البسيط]: إذا لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ ... عندَ الحَفِيظة إنْ ذُو لُوثَةٍ لانَا الشاهد فيه: رفعُ "ذو لوثة" بفعل مضمر دلّ عليه "لَانَا"، والتقديرُ: "إن لانَ ذو لوثة لانَا"، لمكانِ حرف الجزاء، وهي "إنْ"، واقتضائها الفعلَ، وأنه لا يقع بعدها مبتدأٌ وخبرٌ؛ لا يجوز أن يُقال: "إنْ زيدٌ قائمٌ أكرمتُك".و"الخُشُنُ"؛ جمعُ "أخْشَنَ"، بمعنى "الخُشْن"، والجمعُ "خُشْنٌ" بسكون الشين، نحوُ قوله [من الرجز]: ١٣١ - ألْيَنُ مَسًّا في حَوايَا البَطْنِ ... مِن يَثْرِبِيّاتٍ قِذَاذٍ خُشْنِ وتحريكُ الشين في البيت ضرورة، و"الحَفِيظةُ": الغَضَبُ. و"اللُّوثَةُ": الضُّعْفُ والاسترخاءُ؛ أبي: إنهم يخشُنُون إذا لانَ الضعيفُ لَعَجْزٍ أو ذِلَّةٍ. يصِفهم بالمَنَعَة. وأما المَثَل، وهو قولهم: "لو ذاتُ سِوارٍ لطمتَني"، فالاسمُ الذي هو"ذات سوار" مرتفعٌ بعد "لَوْ" بفعل مقدر دلّ عليه "لطمتني"، والتقديرُ: "لو لطمتني ذاتُ سوار لطمتني"، من قِبَل أنّ "لَوْ" تقتضي الفعلَ اقتضاءَ "إن" الشرطيّةِ, لأنّ "لَوْ" شرطٌ فيما مضى، كما أنّ "إنْ" شرطٌ فيما يستقبل. ويحكى أنّ حاتمًا الطائيّ أُسر في بلادِ بني عَنْزَةَ، فغاب عنها الرجالُ، وبقي فيما بين نسائهم حاتمٌ مقيَّدًا مغلولًا، ثمّ اتفق لهنّ الارتحالُ، فارتحلن بحاتم. فلمّا بلغْن بعضَ الطريق، مَسَّهن الجُوعُ. وكان عادةُ الجاهِلية أكْلَ الفَصِيد في المَخْمَصَة (١). فقال: افْكُكْنَ

стр. 215

عنّي الغُلَّ لأفْزدَ. ففككْن عنه، فنزل عن الناقة ونَحَرها، فقيل له في ذلك، فقال: "هكذا فَزْدِي أنَهْ"، فلطمتْه جاريةٌ بما فعل، فقال: "لو ذاتُ سوارٍ لطمتني"، يريد: لو حُرَّةٌ لطمتني. والمعنى لو لطمتني من كانت في الشَّرَف لي كُفْئًا، لَهانَ عليّ ذلك. وأمّا المَثَل الآخر، وهو قول العرب: "إلا حَظِيةٌ فلا ألِيةٌ" (١)، فمعناه: "إنْ لا تكن لك في النساء حظيةٌ، فإنيّ غيرُ أليةٍ"؛ كأنّها قالت: "إن كنت ممّن لا تَحْظَى عنده امرأةٌ، فإني غيرُ أليةٍ". ولو عنتْ بالحظيّة نفسَها, لم يكن إلَّا نصبًا؛ إذ التقديرُ: "إلا أكُنْ حظيةٌ"، فيكون منصوبًا, لأنّه خبرُ "كَانَ". يُضْرَب لِمَن أخظأتْه الحُظْوَةُ، فيقال: إن أخطأتْك الحُظْوَةُ فيما تطلب، فلا تَأْلُ أن تتودّد إلى الناس، لَعَلَّكَ تُدْرِك بعضَ ما تريد. وأصلُه في المرأة تَصْلَفُ عند زوجها. و"حظيّةٌ"، و"أليةٌ"" "فَعِيلَةٌ" من "الحُظْوَة"، و"الألْوِ". و"ألَوْتُ" أي: قَصَّرْتُ. والأصلُ "حَظيوَةٌ"، و"ألِيوَةٌ"، وإتما قُلبت الواو ياءً لوقُوع الياء الساكنةِ قبلها على حدِّ "سَيِّدٍ" و"مَيِّتٍ". وأما قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ (٢) فـ"أن" وما بعدها من الاسم والخبر بتأويلِ مصدر من لفظ الخبر مضافٍ إلى الاسم، وهو في موضع رفع بفعل محذوف، وتقديرهُ: ولو ثبت صَبْرُهم، أو وقع، لِما ذكرناه من أنّ "لو" لا يَلِيها إلا الفعلُ. واعلمْ أنّك لو قلت: "لو أن زيدًا قائمٌ لأكرمناه"، لم يجز؛ وإذا قلت: "لو أنّ زيدًا قام لأكرمناه"، جاز، وذلك لوقُوعِ الفعل في خبرِ "أنَّ"، فيكون مفسِّرًا لذلك الفعل المحذوفِ الرافعِ، كأنَّا قلنا: "لو صَحَّ أن زيدًا قام"، أو: "لو ثبت". فإن قيل: فكيف يكون "قَامَ"، من قولك: "لو أن زيدًا قام" دالاً على "صَحَّ" و"ثَبَتَ"، وليس من لفظه؟ قيل: لمّا كانا في المعنى شيئًا واحدًا، جاز أن يفسَّر أحدهُما بالآخر؛ ألا ترى أنّه لا فرقَ بين أن تقول: "قام زيدٌ"، وبين أن تقول: "صَحَّ قيامُ زيد"، أو: "ثَبَتَ قيامُ زيد"؛ فلمّا كان إيّاه في المعنى، جاز أن يدلّ "قَامَ" على "صَحَّ"؛ لأنّ الصَّحَّة للقيام، فيجوز أن يدل أحدهُما على الآخر، من حيث هما فعلان ماضيان، وأحدُهما ملتبسٌ بالآخر، من حيث كانت "أنَّ" وما اتّصل بها في موضعِ المصدر، والفعلُ المضمرُ مُسْنَدٌ إليه. وقد أجاز سيبويه أن تكون "أنَّ" وما اتّصل بها بعدَ "لَوْ"، وإنْ كان فيها معنَى المجازاة، في موضعِ رفع بالابتداء، والخبرُ محذوفٌ؛ وجاز, لأن الفعلَ الذي هو خبرُ "أنّ" يُصحِّح لها معنَى المجازاة. وساغ ذلك لأنّها ليست عاملة "إِن" الشرطيّةِ، فجاز أن يقع بعدها المبتدأُ. وقال السيرافيّ: لو كانت "أنَّ" في موضعِ اسم مبتدأ، لجَاز أن يُقال: "لو أنّ زيدًا جالسٌ أتَيْناك"، على معنَى: "لو وقع هذا"؛ والحقُّ الأوَّل لاقتضائها الفعلَ.

стр. 216

المبتدأ والخبر فصل [تعريفهما] قال صاحب الكتاب: " هما الإسمان المجردان للإسناد نحو قولك زيد منطلق. والمراد بالتجريد إخلاؤهما من العوامل التي هي "كان و"إن", و"حسبت" وأخواتها، لأنهما إذا لم يخلوا منها تلعّبت بهما وغصبتهما القرار على الرفع. وإنما اشترط في التجريد أن يكون من أجل الإسناد لأنهما لو جُرّدا, لا للإسناد, لكانا في حكم الأصوات التي حقها أن ينعق بها غير معربةٍ, لأن الإعراب لا يستحق إلا بعد العقد والتركيب. وكونهما مجردين للإسناد هو رافعهما لأنه معنى قد تناولهما معًا تناولاً واحدًا من حيث إن الإسناد لا يتأتى بدون طرفين: مسند ومسند إليه. ونظير ذلك أن معنى التشبيه في كأن" لما اقتضى مشبّهًا ومشبهًا به, كانت عامله في الجُزأين؛ وشبههما بالفاعل أن المبتدأ مثله في أنه مسند إليه, والخبر في أنه جزء ثان من الجملة". * * * قال الشارح: هذا الفصل واضحٌ من كلام صاحب الكتاب. غيرَ أنَّا نذكُر نُكَتًا تختصّ بهذا الفصل، لا بدّ منها. اعلم أن المبتدأ: كلُّ اسم ابتدأتَه، وجرّدتَه من العوامل اللفظيّةِ، للإخبار عنه. والعوامل اللفظيّةِ هي أفعالٌ وحروفٌ، تختصّ بالمبتدأ والخبرِ. فأمّا الأفعال فنحوُ: "كَانَ" وأخواتِها، والحروفُ نحوُ: "أنَّ" وأخواتِها، و"مَا" الحِجازيّةِ. وإنّما اشترط أن يكون مجرَّدًا من العوامل اللفظيةِ لأنّ المبتدأ شرطُه أن يكون مرفوعًا، وإذا لم يتجرّد من العوامل، تلعّبتْ به، فرفعتْه تارةً، ونصبنْه أُخرى، نحوَ: "كان زيدٌ قائمًا"، و"إنّ زيدًا قائمٌ"، و"ما زيدٌ قائمًا"، و"ظننت زيدًا قائمًا". وإذا كان كذلك، خرج عن حكمِ المبتدأ والخبرِ إلى شَبَهِ الفعل والفاعلِ، وهذا معنى قوله: غصبتْهما القَرارَ على الرفع. وقوله: "المجرَّدان للإسناد"، يريد بذلك أنّك إذا قلت: "زيدٌ"، فتُجرِّده من العوامل اللفظيّةِ، ولم تُخْبِر عنه بشيء، كان بمنزلةِ صَوْت تُصوِّته لا يستحقّ الإعرابَ, لأنّ الإعراب إنّما أُتي به للفرق بين المعاني. وإذا أخبرت عن الاسم بمعنى من المعاني

стр. 217

المفيدةِ احتيج إلى الإعراب لِيدلّ على ذلك المعنى. فأمّا إذا ذكرتَه وحدَه، ولم تُخْبِر عنه، كان بمنزلةِ صوت تصوّته غيرِ معرَب. * * * وقوله: "وكونُهما مجرَّدَيْن للإسناد هو رافعُهما لأنّه معنى قد تناولهما معًا تناوُلًا واحدًا" إشارةٌ إلى أنّ العامل في المبتدأ والخبرِ تجريدُهما من العوامل اللفظيّة. وهي مسألةٌ قد اختلف فيها العُلماءُ؛ فذهب الكوفيون إلى أن المبتدأ يرفع الخبرَ، والخبر يرفع المبتدأ، فهما يترافعان (١). قالوا: وإنما قلنا: ذلك لأنّا وجدنا المبتدأ لا بدّ له من خبرٍ، والخبرَ لا بدّ له من مبتدأ، فلمّا كان كلُّ واحد منهما لا ينفَك من الآخر، ويقتضي صاحبَه، عمِل كل واحد منهما في صاحبه، مِثْلَ عَمَلِ صاحبه فيه. قالوا: ولا يمتنع الشيءُ أن يكون عاملًا ومعمولًا في حال واحدة، وقد جاء لذلك نظائرُ؛ منها قوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٢)، فنصب "أيّا" بـ "تَدْعُوا"، وجزم "تدعوا" بـ "أيّ"، فكان كلُّ واحد منهما عاملًا ومعمولًا في حال واحدة. ومثلُه قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ (٣)، فـ "أيْنَمَا" منصوبٌ بـ "تكونُوا"، لأنه الخبرُ، و"تكونُوا" مجزومٌ بـ "أيْنَمَا". وذلك كثير في كلامهم؛ فكذلك ههنا. وهو فاسدٌ لأنه يؤدّي إلى مُحال، وذلك أن العامل حقُّه أن يتقدّم على المعمول. وإذا قلنا: إنّهما يترافعان، وجب أن يكون كلُّ واحد منهما قبل الآخر، وذلك محالٌ, لأنّه يلزمَ أن يكون الاسم الواحد أوّلًا وآخِرًا في حال واحدة. ومما يؤيّد فَسادَ ما ذهبوا إليه جوازُ دخولِ العوامل اللفظية عليهما، نحوَ: "كان زيدٌ أخاك"، و"إن زيدًا أخوك"، و"ظننتُ زيدًا أخاك"، فلو كان كلُّ واحد منهما عاملًا في الآخر، لَما جاز أن يدخل عليه عامل غيرهُ. وأمّا الآيات التي أوْردوها، فإن الجواب عنها من وجهَيْن: أحدهما: أنّا لا نُسلَّم أنّ الجزم في الفعل بنفسِ الاسم المنصوب، وإنمّا هو بتقديرِ حرف الشرط الذي هو "إنْ"، والنصبُ في الاسم بالفعل المذكور؛ فإذا العاملُ في كلّ واحد منهما غيرُ الآخر. الثاني: أنا نسلَّم إن كلّ واحد منهما عاملٌ في الآخر، إلَّا أنّه باعتبارَيْن: فالجزمُ باعتبارِ نِيابته عن حرف الشرط، لا من حيث هو اسمٌ؛ والنصبُ في الاسم بالفعل نفسِه، فهما شيئان مختلفان، وليس كذلك ما نحن فيه, لأنّه باعتبارٍ واحدٍ يكون عاملًا ومعمولًا، وهو كونُه مبتدأ وخبرًا.

стр. 218

وذهب البصريون إلى أنّ المبتدأ يرتفع بالابتداء، وهو معنىّ ثمّ اختلفوا فيه؛ فذهب بعضُهم إلى أنّ ذلك المعنى هو التَّعَرِّي من العوامل اللفظيّة. وقال الآخرون: هو التعرّي، وإسنادُ الخبر إليه (١). وهو الظاهرُ من كلامِ صاحب هذا الكتاب. والقول على ذلك أنّ التعرّي لا يصِحّ أن يكون سَبَبًا, ولا جزءًا من السبب؛ وذلك أنّ العوامل توجِب عمَلًا، والعدمَ لا يوجِب عمَلًا، إذ لا بدّ للموجِب والموجَبِ من اختصاص يوجِب ذلك، ونِسْبَةُ العدم إلى الأشياء كلَّها نسبةٌ واحدةٌ. فإن قيل: العوامل في هذه الصنعة ليست مؤثرة تأثِيرًا حِسِّيًا، كالإحراق للنار، والبَرْدِ والبَلَّ للماء، وإنّما هي أَماراتٌ ودَلالاتٌ، والأَمارةُ قد تكون بعدم الشيء، كما تكون بوُجوده، ألا ترى أنه لو كان معك ثَوْبان، وأردت أن تُميِّز أحدَهما من الآخر، وصبغتَ أحدَهما، وتركتَ صَبْغَ الآخر، لكان تركُ صبغ أحدِهما في التمييز بمنزلةِ صبغ الآخر؛ فكذلك ههنا. قيل: هذا فاسدٌ؛ لأنّه ليس الغرضُ من قولهم: "إنّ التعرّي عاملٌ" أنه مُعرّفٌ للعامل. إذ لو زُعم أنّه مُعرّفٌ، لكان اعترافًا بأنّ العامل غيرُ التعرّي. وكان أبو إسحق يجعل العاملَ في المبتدأ ما في نفس المتكلّم؛ يعني من الإخبار عنه. قال: لأنّ الاسم لمّا كان لا بدّ له من حديثٍ يُحدَّث به عنه، صار هذا المعنى هو الرافعَ للمبتدأ. والصحيح أن الابتداء اهتمامُك بالاسم، وجعلُك إياه أوّلاً لثانٍ كان خبرًا عنه. والأوّليّةُ معنّى قائمٌ به يكْسِبه قوّةً؛ إذ كان غيرُه متعلّقًا به، وكانت رتبنُه مُتَقَدِّمةً على غيره. وهذه القوّة تُشبِّه به الفاعلَ، لأن الفاعل شرطُ تحقُّقِ معنى الفعل، وأن الفاعل قد أُسند إليه غيرُه، كما أنّ المبتدأ كذلك، إلَّا أنّ خبرَ المبتدأ بعده، وخبرَ الفاعل قبله، وفيما عَدَا ذلك هما فيه سَواءٌ. وأمّا العامل في الخبر فذهب قومٌ إلى أنّه يرتفع بالابتداء وحدَه، وهو ظاهرُ مذهب صاحب الكتاب؛ ألا ترى إلى قوله: "وكونُهما مجرَّدَيْن للإسناد هو رافعُهما"، وإنمّا قلنا ذلك لأَنّه قد ثبت أنَّه عاملٌ في المبتدأ، فوجب أن يكون عاملًا في الخبر، لأنّه يقتضيهما معًا؛ ألا ترى أنّ "كأنَّ" لمّا اقتضت مشبّهًا ومشبَّهًا به، كانت عاملةً في الجزأيْن، كذلك ههنا؛ هذا معنى قوله: "لأنّه معنى يتناولهما معًا تناوُلًا واحدًا"؛ يعني الابتدأءَ. وذهب آخرون إلى أنّ الابتداء والمبتدأ جميعًا يعملان في الخبر؛ قالوا: لأنّا وجدنا الخبرَ لا يقع إلَّا بعد المبتدأ والابتداءِ، فوجب أن يعملا فيه. وهذا القولُ عليه كثيرٌ من البصريين. ولا ينفكّ من ضُعْف؛ وذلك من قِبَل أن المبتدأ اسمٌ، والأصلُ في الأسماء ألّا

стр. 219

تعمل. وإذا لم يكن لها تأثيرٌ في العمل- والابتداءُ له تأثيرٌ- فإضافةُ ما لا تأثيرَ له إلى ما له تأثير لا تأثيرَ لها (١). ويمكن أن يُقال: إن الشيئَيْن إذا تَركَّبا، حدث لهما بالتركيب معنى لا يكون في كلّ واحد من أفرادِ ذلك المركَّب. والذي أراه أنّ العامل في الخبر هو الابتداءُ وحدَه، على ما ذُكر، كما كان عاملًا في المبتدأ؛ إلا أن عمَله في المبتدأ بلا واسطةٍ، وعملَه في الخبر بواسطةِ المبتدأ، يعمل في الخبر عند وجودِ المبتدأ، وإن لم يكن للمبتدأ أثَرٌ في العمل، إلَّا أنّه كالشرط في عمله، كما لو وضعتَ ماءً في قِدْرة، ووضعتها على النار، فإنّ النار تُسخّن الماءَ، فالتسخينُ حصل بالنار عند وجودِ القِدْر، لا بها، فكذلك هنا. وذهب قومٌ إلى أن الابتداء عمل في المبتدأ، والمبتدأ وحده عمل في الخبر. وهذا ضعيفٌ؛ لأن المبتدأ اسمٌ، كما أن الخبر اسمٌ، وليس أحدُهما بأوْلى من صاحبه في العمل فيه, لأن كلّ واحد منهما يقتضي صاحبه. فصل [نوعا المبتدأ] قال صاحب الكتاب: "والمبتدأ على نوعين معرفة وهو القياس، ونكرة إما موصوفة كالتي في قوله : ﴿ولعبد مؤمن﴾ (٢) وإما غير موضوفة كالتي في قولهم "أرجل في الدار أم امرأة"؟ و"ما أحدٌ خيرٌ منك"؛ و"شر أهر ذا نابٍ" (٣) و"تحت رأسي سرجٌ"،و "علي أبيه دِرعٌ"". * * * قال الشارح: اعلم أنّ أصلَ المبتدأ أن يكون معرفة، وأصلَ الخبر أن يكون نكرة؛ وذلك لأنّ الغرض في الإخبارات إفادةُ المخاطَب ما ليس عنده، وتنزيلُه منزلتَك في علمِ ذلك الخبر. والإخبار عن النكرة لا فائدةَ فيه؛ ألا ترى أنك لو قلت: "رجلٌ قائمٌ"، أو "رجلٌ عالمٌ"، لم يكن في هذا الكلام فائدةٌ، لأنّه لا يُستنكر أن يكون رجلٌ قائمًا وعالمًا، في الوجود، ممّن لا يعرفه المخاطَبُ. وليس هذا الخبرُ الذي تُنزَّل فيه المخاطبَ منزلتَك فيما تعلم.

стр. 220

فإذا اجتمع معك معرفةٌ ونكرةٌ، فحقُّ المعرفة أن تكون هي المبتدأ، وأن يكون الخبرُ النكرةَ؛ لأنّك إذا ابتدأتَ بالاسم الذي يعرفه المخاطَبُ، كما تعرفه أنت، فإنّما ينتظر الذي لا يعلمه؛ فإذا قلت: "قائمٌ"، أو: "حكيمٌ"، فقد أعلمتَه بمثلِ ما علمتَ، ممّا لم يكن بعلْمه، حتى يُشارِكك في العلم. فلو عكستَ وقلت: "قائم زيدٌ"، فـ "قائمٌ" منكورٌ، لا يعرفه المخاطَبُ، لم تجعله خبرًا مقدَّمًا، يستفيده المخاطَبُ. ولا يصحّ أن يكون "زيدٌ" الخبرَ, لأنّ الأسماء لا تُستفاد. ولا يُساوي المتكلَّمُ المخاطَبَ, لأنّ النكرة ما لا يعرفه المخاطَبُ، وإن كان المتكلّمُ يعرفه؛ ألا ترى أنّك تقول: "عندي رجلٌ"، فيكون منكورًا، وإن كان المتكلّمُ يعرفه. فالمعرفةُ والنكرةُ بالنسبة إلى المخاطَب، فلذلك قال: "المبتدأ على نوعَيْن: معرفةٌ، وهو القياسُ". وقد ابتدؤوا بالنكرة في مواضع مخصوصة لحصولِ الفائدة. وتلك المواضعُ: النكرةُ الموصوفةُ؛ والنكرةُ إذا اعتمدتْ على استفهام، أو نفى، وإذا كان الخبرُ عن النكرة ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا، وتقدّم عليها، نحوَ: "تحت رأسيَ سَرْجٌ"، "ولِي مالٌ"، وإذا كان في تأويلِ النفي، نحوَ قولهم: "شَرٌّ أهَرَّ ذا ناب". فأمّا النكرة الموصوفة، فنحوُ قولك: "رجلٌ من بني تميم جاءني"، ومثلُه قولُه تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ (١)؛ لمّا وُصف الرجلُ بأنّه من بني تميم، والعبدُ بأنه مؤمنٌ، تَخصَّص (٢) من رجلٍ آخَر، لسِ له تلك الصفةُ، فقُرّب بهذا التخصيص من المعرفة، فحصل بالإخبار عنه فائدةٌ؛ وإنّما يُراعَى في هذا الباب الفائدةُ. وكذلك إذا اعتمدت النكرةُ على استفهام، أو نفي, لأنّ الكلام صار غيرَ موجَب، فتضمّنت النكرةُ معنى العُمُوم، فأفادت، فجاز الابتداءُ بها لذلك. وذلك نحوُ قولك: "أرجلٌ عندك أم امرأةٌ"؟ و"ما أحدٌ خيرٌ منك". وقالوا في المَثَل: "شَرّ أهرّ ذا ناب". فالابتداءُ بالنكرة فيه حسنٌ, لأنّ معناه "ما أهرّ ذا نابٍ إلَّا شرٌّ"، فالابتداءُ ههنا محمولٌ على معنى الفاعل، وجرى مَثَلًا، فاحتُمل. والأمثالُ تُحتَمل ولا تُغيَّر. ومعنَى "شرٌّ أهرّ ذا ناب" أنّهم سمعوا هَرِيرَ كَلْب في وقتٍ لا يَهِرُّ مثلُه فيه إلَّا لسُوءٍ ظَن. ولم يكن غرضُهم الإخبارَ عن شَرٌّ، وإنّما يريدون الكلبَ أهَرَّهُ شَرٌّ. وإنَّما كان محمولًا على معنى النفي, لأنّ الإخبار به أقوى, لأنّه أوْكَدُ؛ ألا ترى أنّ قولك: "ما قام إلَّا زيدٌ" أوكدُ من قولك: "قام زيدٌ". إنّما احتيج إلى التوكيد في هذه المواضع، من حيث كان أمرًا مُهِمًّا، لِما ذكرناه.

стр. 221

وممًا جاء من ذلك قولُهم في المثل: "شيءٌ ما جاء بك" (١)؛ يقوله الرجلُ لرجل جاءَه، وَمَجِيئُه غيرُ معهود في ذلك الوقت، أي: ما جاء بك إلَّا شيءٌ، أي: حادثٌ لا يُعْهَد مثله. وأمّا قولهم: "تحت رأسي سرجٌ"، و"على أبيه دِرْعٌ"، و"لَكَ مالٌ"؛ فالذي سوّغ ذلك كونُك صدّرتَ في الخبر معرفةً هي المحدَّثُ عنها في المعنى؛ ألا ترى أنّ "السرج" من قولك: "تحت رأسي سرجٌ"، وإن كان المحدَّثَ عنه في اللفظ، فالرأس مضافٌ إلى ضمير المتكلّم، وهو الياء من "رأسي"، وهذا الضميرُ هو المحدَّثُ عنه في المعنى، كأنّك قلت: "أنا مُتَوَسِّدٌ سرخًا". وكذلك "على أبيه دِرْعٌ". كأنّك قلت: "أبوه متدرِّعٌ". وكذلك "لَكَ مالٌ"، المعنى: أنت ذو مالٍ. فلمّا كان المعنى مُفيدًا، جاز، وإن كان اللفظ على خِلافه. والذي يؤيّد عندك ما قلناه، انّك لو قلت: "تحت رأسٍ سرجٌ"، و"على رجلٍ درعٌ"، و"لرجلٍ مالٌ"، لم يكن كلامًا. وإنمَّا اشتُرط ههنا أن يكون الخبر مقدَّمًا لوجهَيْن: أحدُهما: أن الظرف والجار والمجرورَ قد يكونان وصفَيْن للنكرة، إذا وقعا بعدها, لأنّه في الحقيقة جملةٌ من حيث كان متعلّقًا بـ "اسْتَقَرَّ"، وهو فعلٌ. ويدلّ أنَّه جملةٌ أنّه يقع صلةً، والصلاتُ لا تكون إلَّا جُمَلًا. وإذا كان كذلك، فلو قلت: "سرجٌ تحت رأسي"، أو: "درعٌ على أبيه"، أو قال: "درهمٌ لي"، لَتَوهَّم المخاطَبُ أنَّه صفةٌ، وينتظر الخبر فيقع عنده لَبْسٌ. والوجه الثاني: أنّهم استقبحوا الابتداءَ بالنكرة في الواجب، فلمّا سمُج ذلك عندهم في اللفظ، أخّروا المبتدأ، وقدّموا الخبرَ. وإنمّا كان تأخيرُه أحسنَ من تقديمه، لأنه وقع موقعَ الخبر، ومن شرطِ الخبر أن يكون نكرةً، فصلح اللفظُ، وإن كُنّا قد أحَطْنَا عِلْمًا أنّه المبتدأ. ومن ذلك قولُهم: "سلامٌ عليك"، و"وَيْلٌ له". قال الله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ (٢) و ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ (٣). ومن ذلك: "أمْتٌ في حَجَرٍ لا فيكَ" (٤)، فهذه الأسماء كلّها إنّما جاز الابتداءُ بها لأنهّا ليست أخبارًا في المعنى، إنّما هي دعاءٌ، أو مسألةٌ، فهي في معنى الفعل، كما لو كانت منصوبة، والتقديرُ: لِيُسَلَّمِ الله عليك، ولِيَلْزَمْهُ الوَيْلُ. وقولهم: "أمْتٌ في حجرٍ لا فيك" معناه: لِيكن الأمْتُ في الحجارة، لا فيك. و"الأمت": اختلافُ انخفاضٍ وارتفاعٍ. قال الله تعالى: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ (٥). والمعنى أبقاك اللهُ بعد فَناءِ

стр. 222

الحجارة, لأن الحجارة ممّا يوصَف بالبَقاء. قال الشاعر [من البسيط]: ١٣٢ - ما أطْيَبَ العَيْشَ لو أن الفَتَى حَجَرٌ ... تَنْبُو الحَوادِثُ عنه وَهْوَ مَلْمُومُ فلمّا كانت في معنى الفعل، كانت مُفيدة، كما لو صرّحتَ بالفعل. والفرق بين الرفع والنصب أنّك، إذا رفعت، كأنّك ابتدأتَ شيئًا قد ثبَتَ عندك، واستقرّ؛ وإذا نصبت، كأنّك تعمل في حالِ حديثك في إثباتها. فصل [نوعا الخَبَر] قال صاحب الكتاب: "والخبر على نوعين مفرد وجملة؛ فالمفرد على ضربين: خالٍ عن الضمير, ومتضمنٌ له. وذلك "زيدٌ غلامك", و"عمرو منطلقٌ"". * * * قال الشارح: اعلم أن خبرَ المبتدأ هو الجزء المستفاد الذي يستفيده السامعُ، ويصير مع المبتدأ كلامًا تامًّا. والذي يدلّ على ذلك أن به يقع التصديقُ والتكذيبُ؛ ألا ترى أنّك إذا قلت: "عبدُ الله منطلقٌ"، فالصِّدْقُ والكِذْبُ إنّما وقعا في انطلاق عبد الله، لا في عبد الله, لأنّ الفائدة في انطلاقه، وإنمّا ذكرتَ عبد الله، وهو معروفٌ عند السامع، لتُسْنِد إليه الخبرَ الذي هو الانطلاقُ.

стр. 223

وخبرُ المبتدأ على ضربَيْن: مفردٌ، وجملةٌ. فإذا كان الخبرُ مفردًا، كان هو المبتدأ في المعنى، أو مُنزَّلًا منزلتَه. فالأوّلُ نحوُ قولك: "زيدٌ منطلقٌ"، و"محمَّد نَبِينَا"؛ فالمنطلقُ هو"زيدٌ"، و"محمّدٌ" هو النبي - صلي الله عليه وسلم -. ويُؤيِّد عندك ههنا أنّ الخبر هو المبتدأ، أنّه يجوز أن تُفسِّر كلَّ واحد منهما بصاحبه؛ ألا تراك لو سُئِلتَ عن زيد من قولك: "زيدٌ منطلقٌ"، فقيل: "مَن زيدٌ هذا الذي ذكرتَه؟ " لقلت: "هو المنطلقُ"، ولو قيل: "مَن المنطلقُ؟ " لقلت: هو زيدٌ. فلمّا جاز تفسيرُ كل واحد منهما بالآخر، دلّ على أنّه هو. وأمّا المُنزَّل منزلةَ ما هو هو، فنحو قولهم: "أبو يوسفَ أبو حَنِيفَة"؛ فأبو يوسف ليس أبا حنيفة، إنّما سدّ مَسَدَّه في العلم، وأغنى غَناءَه. ومنه قولُه تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (١)، أي: هنّ كالأُمّهات في حُرْمَةِ التزويج، وليس بأُمّهاتٍ حقيقة. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ (٢)، فبقي أن لا تكون أُمَّهاتٍ حقيقةً إلَّا الوالداتُ. ثم المفردُ على ضربَيْن: يكون متحمّلًا للضمير، وخاليًا منه. فالذي يتحمّل الضميرَ ما كان مشتقًّا من الفعل، نحوَ اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفةِ المشبَّهةِ باسم الفاعل، وما كان نحوَ ذلك من الصفات. وذلكَ قولُك: "زيدٌ ضاربٌ"، و"عمرٌو مضروبٌ"، و"خالدٌ حَسَنٌ"، و"محمَّدٌ خيرٌ منك"؛ ففي كلّ واحد من هذه الصفات ضميرٌ مرفوع بأنّه فاعلٌ لا بدّ منه, لأنّ هذه الأخبار في معنى الفعل، فلا بدّ لها من اسم مسنَد إليه؛ ولمّا كانت مسندةً إلى المبتدأ في المعنى، ولا يصِحّ تقديمُ المسند إليه على المسند، أُسند إلى ضميره. وهذا هو التحقيقُ. والذي يدلّ على تحمُّلها الضميرَ المرفوعَ أنّك لو أوْقعت موقعَ المضمر ظاهرًا، لكان مرفوعًا، نحوَ: "زيدٌ ضارب أبوه ومُكْرَمٌ أخوه وحَسَنٌ وَجْهُه". وإذا عملتْ في الظاهر لكونه فاعلاً، عملت في المضمر إذا أُسندت إليه لكونه فاعلًا، وذلك من حيث كان الخبرُ في حكم الفعل، من حيث لا يَعْرَى الفعلُ من فاعل، كذلك هذه الأسماءُ. وتحمُّلُ هذه الأشياء الضميرَ مُجْمَعٌ عليه، من حيث كان الخبرُ منسوبًا إلى ذلك المضمر. ولو نسبتَه إلى ظاهر، لم يكن فيه ضميرٌ، نحوَ: "زيدٌ ضاربٌ غلامُه", لأنّ الفعل لا يرفع فاعلَيْن، وكذلك ما كان في حُكمه، وجاريًا مجراه. وأما القسمُ الثاني، وهو ما لا يتحمّل (٣) الضميرَ من الأخبار، وذلك إذا كان الخبرُ اسمًا محضًا غير مشتقّ من فعلٍ، نحوَ: "زيدٌ أخوك"، و"عمرٌو غلامُك"، فهذا لا يتحمّل الضميرَ، لأنّه اسمٌ محضٌ عارٍ من الوصفيّة. والذي يتضمَّنُ الضميرَ من الأسماء ما تقدّم وصفُه من الأخبار المشتقّة، كاسم الفاعل، وغيرِه، ممّا ذكرناه. وهذه الأسماءُ ليست

стр. 224

كذلك، وإنمّا الإخبارُ بأنّه مالِكٌ للغلام، ومختصٌّ بأُخُوّةِ زيد. وقد ذهب الكوفيون، وعليُّ بن عيسى الرُّمانيّ من المتأخّرين من البصريين، إلى أنه يتحمّل الضميرَ. قالوا: لأنّه، وإن كان اسمًا جامدًا غيرَ صفة، فإنّه في معنَى ما هو صفةٌ؛ ألا ترى أنّك إذا قلت: "زيدٌ أخوك"، و"جعفرٌ غلامُك"، لم تُرِدِ الإخبارَ عن الشخص بأنّه مسمًّى بهذه الأسماء، وإنمّا المرادُ إسنادُ معنَى الأُخوّة، وهي القَرابةُ، ومعنَى الغُلاميّة، وهي الخِدْمةُ، إليه؛ وهذه المعاني معانِي أفعال. والصحيح الأوّل، وعليه الأكثرُ من أصحابنا؛ لأنّ تحمّلَ الضمير إنّما كان من جهة اللفظ، لا من جهة المعنى، وذلك لِما فيه من معنى الاشتقاق، ولفظِ الفعل، وهو معدومٌ ههنا. واعلمْ أن خبرَ المبتدأ إذا كان مفردًا، سواءٌ كان مشتقًّا أو غيرَ مشتقّ، فإنه يكون مرفوعًا مثلَ المبتدأ, لأن الابتداء والتَعَرّيَ، كما رفع المبتدأ على ما ذكرناه، كذلك رفع الخبرَ, لأنّ تناوُله إيّاه كتناوله المبتدأ، إلَّا أنّ تناولُه المبتدأ بلا واسطةٍ، وتناوله الخبرَ بواسطةِ المبتدأ، فكان المبتدأُ شرطًا لا عِلّةً. وقد تقدّم ذلك. [أنواع الجملة الخبرية] قال صاحب الكتاب: "والجملة على أربعة أضرب: فعلية, واسمية, وشرطية, وظرفية, وذلك: "زيدٌ ذهب أخوه"، و"عمرو أبوه منطلق"، و"بكر إن تعطه يشكرك"، و"خالد في الدار"". * * * قال الشارح: اعلم أن الجملة تكون خبرًا للمبتدأ كما يكون المفردُ، إلَّا أنّها إذا وقعت خبرًا؛ كانت نائبةً عن المفرد واقعةً موقعَه، ولذلك يُحْكَم على موضعها بالرفع على معنَى أنَّه لو وقع المفردُ الذي هو الأصلُ موقعَها, لكان مرفوعًا، والذي يدلّ على أنّ المفرد أصلٌ والجملةَ فرعٌ عليه أمران: أحدهما أنّ المفرد بسيطٌ والجملةَ مركَّبٌ، والبسيطُ أوِّل والمركّب ثانٍ، فإذا استقلّ المعنى بالاسم المفردِ، ثمّ وقعت الجملةُ موقعه، فالاسمُ المفرد هو الأصلُ، والجملةُ فرعٌ عليه، والأمر الثاني أنّ المبتدأ نظيرُ الفاعل في الإخبار عنهما، والخبر فيهما هو الجزء المستفاد، فكما أنّ الفعل مفردٌ، فكذلك خبرُ المبتدأ مفردٌ. واعلم أنّه قسم الجملة إلى أربعةِ أقسام: فعليّةٍ، واسميّةٍ، وشرطيةِ، وظرفيّةٍ, وهذه قِسْمَةُ أبي عليّ، وهي قسمةٌ لفظيّةٌ، وهي في الحقيقة ضربان: فعليّةٌ واسميّةٌ, لأنّ الشرطيّة في التحقيق مركَّبةٌ من جملتَين فعليّتَيْن: الشرطُ فعلٌ وفاعلٌ، والجزاء فعلٌ وفاعلٌ، والظرفُ في الحقيقة للخبر الذي هو "اسْتَقَرَّ"، وهو فعل وفاعلٌ. فمثالُ الجملة الفعليّة: "زيدٌ قام أبوه"، فـ "زيدٌ" مرتفعٌ بالابتداء، و"قَامَ" في موضع خبره، وفيه ضميرٌ

стр. 225

يرتفع بأنّه فاعلٌ كارتفاع "الأبِ" في قوله: "زيدٌ قام أبوه". وهذا الضميرُ يعود إلى المبتدأ الذي هو "زيدٌ"، ولولَا هذا الضميرُ، لم يصح أن تكون هذه الجملةُ خبرًا عن هذا المبتدأ؛ وذلك لأنّ الجملة كلُّ كلام مستقلّ قائم بنفسه، فإذا لم يكن في الجملة ذكر يربِطها بالمبتدأ حتّى تصيرَ خبرًا وتصيرَ الجملةُ من تَمامِ المبتدأ، وقعت الجملةُ أجْنَبِيّةً من المبتدأ، ولا تكون خبرًا عنه، ألا ترى أنّك لو قلت: "زيدٌ قَامَ عمرٌو"، لم يكن كلامًا لعدمِ العائد فإذا كان ذلك كذلك؛ لم يكن بدٌّ من العائد، وتكون الجملة التي العائدُ منها في موضع رفع خبرًا، وأمّا الجملة الاسميّة فأن يكون الجزءُ الأوّلُ منهما اسمًا كما سمّيت الجَملةَ الأوُلَى فعليةً, لأنّ الجزءَ الأوّلَ فعلٌ، وذلك؛ نحو: "زيدٌ أبوه قائمٌ"، و"محمّدٌ أخوه منطلقٌ"، فـ "زيدٌّ" مبتدأ أولٌ، و"أبوه" مبتدأٌ ثانٍ، و"قائمٌ" خبرُ المبتدأ الثاني، والمبتدأُ الثاني وخبره في موضع رفع لوُقوعه موقعَ خبرِ المبتدأ الأوّل، كما كان قولك: "قام أبوه" كذلك في المسألة الأوُلى، فأخبرتَ عن المبتدأ الثاني - وهو الأبُ - بمفرد، ولذلك لم تحتج إلى ضمير، وأخبرت عن المبتدأ الأوّل بجملةٍ من مبتدأ وخبرِ، وهي "أبوه قائمٌ"، والهاءُ عائدةٌ إلى المبتدأ، ولولا هي لم يصح الخبرُ كما قلنا في الجملة الفعليّة. وأمّا الجملة الثالثة وهي الشرطيّة فنحو قولك: "زيدٌ إن يَقُمْ أَقُمْ معه"، فهذه الجملةُ، وإن كانت من أنواع الجُمَل الفعليّة، وكان الأصل في الجملة الفعلية أن يستقلّ الفعلُ بفاعله، نحو: "قام زيدٌ"، إلَّا أنه لمّا دخل هاهنا حرف الشرط، ربط كلُّ جملة من الشرط والجزاء بالأخرى حتى صارتا كالجملة الواحدة؛ نحو: المبتدأ والخبر، فكما أن المبتدأ لا يستقل إلَّا بذكرِ الخبر، كذلك الشرطُ لا يستقلّ إلَّا بذكر الجزاء، ولصَيْرُورةِ الشرط والجزاءِ كالجملة الواحدة, جاز أن يعود إلى المبتدأ منها عائدٌ واحدٌ؛ نحو: "زيدٌ إن تُكْرِمْهُ يَشْكُرْكَ عمرٌو"، فالهاء في "تكرمه" عائدةٌ إلى "زيد"، ولم يَعُدْ من الجزاء ذكرٌ، ولو عاد الضميرُ منهما جاز، وليس بلازمٍ، نحوَ: "زيدٌ إنْ يَقُمْ أُكْرِمْهُ"، ففي "يَقُمْ" ضميرٌ من "زيدٌ". وكذلك "الهاءُ" في "أُكْرِمْهُ" تعَود إليه أيضًا. الرابعة: الظَّرْف، والظرفُ على ضَرْبين: ظرفٌ من الزمان، وظرفٌ من المكان، وحقيقةُ الظرف ما كان وعاءً، وسُمّي الزمان والمكان ظروفًا لوُقوع الحوادث فيهما، وقد يقع الظرفُ خبرًا عن المبتدأ؛ نحو قولك: "زيدٌ خَلْفَك"، و"القِتالُ اليَوْمَ". واعلم أنّ الظرف على ضربَيْن: ظرفُ زمان، وظرفُ مكان، والمبتدأ أيضًا على ضربين: جُثَّةٌ وحَدَثٌ. فالجُثةُ ما كان شخصًا مَرْئيًّا، والحدثُ ما كان معنى، نحو المصادر مثل "العِلْم" و"القُدْرةِ"، فإذا كان المبتدأُ جثّةً، نحو: "زيدٌ" و"عمرو"، وأردتَ الإخبارَ عنه بالظرف , لم يكن لك الظرفُ إلَّا من ظروفِ المكان، نحو قولك: "زيدٌ عِنْدَكَ"، و"عمرْو خَلْفَكَ". وإذا كان المبتدأُ حَدَثًا، نحو: "القِتال" و"الخُروج"، جاز أن

стр. 226

يُخْبَر عنه بالمكان والزمان. والعِلّة في ذلك أنّ الجثّة قد تكون في مكان دون مكان، فإذا أخبرتَ باستقرارها في بعضِ الأمكِنة يثبت اختصاصها بذلك المكان مع جواز أن تكون في غيره. وكذلك الحدثُ يقع في مكان دون كان؛ مثالُ ذلك قولك: "زيدٌ خَلْفَك" فـ "خلفك" خبرٌ عن "زيدٌ"، وهو مكانٌ معلومٌ بجوازِ أن يخلو منه "زيدٌ" بأن يكون أمامك، أو يَمِينَك، أو في جهةٍ أخرى غيرهما. فإذا خصّصتَه بـ "خَلْفَك" استفاد المخاطَبُ ما لم يكن عنده. وكذلك "القتالُ أمامَك" يجوز أن يقع في مكان غير ذلك؛ وأمّا ظرف الزمان، فإذا أخبرتَ به عن الحَدَث أفاد, لأنّ الأحداث ليست أُمورًا ثابتةً موجودة في كلّ الأحيان؛ بل هي أعراضٌ منقضيةً تحدُث في وقت دون وقت. فإذا قلت: "القِتالُ اليومَ"، و"الخروج بعدَ غدٍ" استفاد المخاطَبُ ما لم يكن عنده لجوازِ أن يخلو ذلك الوقتُ من ذلك الحدث؛ وأما الجُثَثُ فأشخاصٌ ثابتةٌ موجودةٌ في الأحيان كلها, لا اختصاص لحُلولها بزمان دون زمان، إذ كانت موجودة في جميع الأزمنة، فإذا أخبرتَ، وقلت: "زيدٌ اليومَ"،أو"عمرٌو الساعة"، لم تُفِدِ المخاطَبَ شيئًا ليس عنده؛ لأنّ التقدير: زيدٌ حالٌّ، أو مستقرٌّ في اليوم، وذلك معلومٌ, لأنّه لا يخلو أحدٌ من أهلِ عصرك من اليوم، إذ كان الزمانُ لا يتضمّن واحدًا دون واحد، فإن قيل: فأنت تقول: "الليلة الهِلالُ"، والهلالُ جثّةٌ، فكيف جاز هاهنا ولم يجز فيما تقدّم؟ فالجوابُ: أنّه إنّما جاز في مثلِ "الليلة الهلالُ" على تقدير حذف المضاف، والتقديرُ: الليلة حُدوثُ الهلال، أو طُلوعُ الهلالِ، فحُذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه لدلالةِ قَرينةِ الحال عليه، لأئك إنما تقول ذلك عند توقُّعِ طُلوعه، فلو قلت: "الشمسُ اليومَ"، أو"القمرُ الليلةَ"، لم يجز إلَّا أن يكونا متوقَّعين، وكذلك لو قلت: "اليومَ زيدٌ" لمن يتوقَع وُصولَه وحُضورَه، جاز. واعلم أنّ الخبر إذا وقع ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا، نحو: "زيدٌ في الدار" و"عمرٌو عندك"، ليس الظرفُ بالخبر على الحقيقة, لأن "الدار" ليست من "زيد" في شيء، وإنمّا الظرفُ معمولٌ للخبر ونائبٌ عنه، والتقديرُ: زيدٌ استقرّ عندك، أو حَدَثَ، أو وَقَعَ، ونحو ذلك، فهذه هي الأخبار في الحقيقة بلا خِلاف بين البصريين، وإنّما حذفتَها، وأقمتَ الظرفَ مقامَها إيجازا لِما في الظرف من الدلالة عليها، إِذ المرادُ بالاستقرار استقرارٌ مُطْلَقٌ، لا استقرارٌ خاصٌّ على ما تقدّم بيانُه، فلو أردت بقولك: "زيدٌ عندك" أنّه جالسٌ، أو قائمٌ, لم يجز الحذفُ, لأن الظرف لا يدلّ عليه, لأنّه ليس من ضرورة كونه في الدار أن يكون جالسًا أو قاعدًا. واعلم أن أصحابنا قد اختلفوا في ذلك المحذوف: هل هو اسمٌ، أو فعلٌ، فذهب الأكثر إلى أنّه فعلٌ، وأنّه من حَيِّز الجُمَل، وتقديره: زيدٌ استقرّ في الدار، أو حلَّ في الدار، ويدلّ على ذلك أمران: أحدهما جَوازُ وُقوعه صِلةٌ، نحو قولك: "الذي في الدار زيدٌ"، والصلةُ لا تكون إلَّا جملة، فإن قيل: التقديرُ: الذي هو مستقرٌّ في الدار كما قال:

стр. 227

"ما أنا بالّذي قائلٌ لك شيئًا"، والمرادُ: بالذي هو قائلٌ، فكذلك هنا يكون الظرفُ متعلّقًا باسم مفرد على تقدير مبتدأ محذوف؛ قيل: اطّرادُ وقوع الظرف خبرًا من غيرِ "هُوَ" دليلٌ على ما قلناه، فإن ظهرت في اللفظ كان حَسَنًا، وإن لمَ تأتِ بها فحسنٌ أيضًا، ولم يقبُح قُبْحَ "مَا أَنَا بَالَّذِي قَائِلٌ لَكَ" ولا هو في قِلّته، فاطّرادُ "جاءني الذي في الدار"، وقلّةُ "ما أنا بالذي قائلٌ لك شيئًا" تدل على ما ذكرناه، والأمر الثاني أنّ الظرف والجارّ والمجرور لا بدّ لهما من متعلَّقٍ به، والأصلُ أن يتعلّق بالفعل، وإنمّا يتعلّق بالاسم إذا كان في معنى الفعل ومن لفظه، ولا شَك أنّ تقدير الأصل الذي هو الفعلُ أوْلى، وقال قومٌ منهم ابنُ السَّرّاج: إِن المحذوف المقدَّر اسمٌ، وإِنَّ الإخبار بالظرف من قبيلِ المفردات، إذ كان يتعلق بمفرد، فتقديره: مستقرٌ أو كائنٌ ونحوهما، والحُجّةُ في ذلك أن أصل الخبر أن يكون مفردًا على ما تقدّم، والجملةُ واقعةٌ موقعه، ولا شكَّ أن إضمار الأصل أولى، ووجةٌ ثان انّك إذا قدّرتَ فعلاً كان جملةً، وإذا قدّرتَ اسمًا كان مفردًا، وكُلَّما قَلَّ الإضمارُ والتقديرُ، كان أولى. واعلم أنّك لمّا حذفت الخبر الذي هو"استقرَّ" "مُسْتَقِرٌّ"، وأقمت الظرف مقامه على ما ذكرنا، صار الظرفُ هو الخبرَ، والمعاملةُ معه، وهو مُغايِرُ المبتدأ في المعنى، ونقلتَ الضمير الذي كان في الاستقرار، إلى الظرف، وصار مرتفعًا بالظرف كما كان مرتفعًا بالاستقرار، ثمّ حذفتَ الاستقرار، وصار أصلاً مرفوضًا لا يجوز إظهاره للاستغناء عنه بالظرف. وقد صرّح ابنُ جِنِّي بجوازِ إظهاره. والقولُ عندي في ذلك أن بعد حذف الخبر الذي هو الاستقرار، ونقل الضمير إلى الظرف، لا يجوز إظهارُ ذلك المحذوفِ؛ لأنه قد صار أصلًا مرفوضًا، فإِن ذكرته أوّلًا، وقلت: "زيدٌ استقرّ عندك"، لم يمنع منه مانعٌ. واعلم أنّك إذا قلت: "زيدٌ عندك" فـ "عِنْدَكَ" ظرفٌ منصوب بالاستقرار المحذوفِ سواء كان فعلاً أو اسمًا، وفيه ضميرٌ مرفوعٌ، والظرفُ وذلك الضميرُ في موضع رفعٍ بأنّه خبرُ المبتدأ. وإذا قلت: "زيدٌ في الدار أو من الكرام"، فالجارُّ والمجرورُ في موضع نصب بالاستقرار على حد انتصابِ "عِنْدَكَ" إذا قلت: "زيدٌ عندك"، ثمّ الجارُّ والمجرورُ والضمير المنتقلُ في موضع رفعٍ بأَنّه خبرُ المبتدأ. وذهب الكوفيون (١) إلى أنّك إذا قلت: "زيدٌ عندك، أو خَلْفَك" لم ينتصب "عندك" و"خلفك" بإضمار فعلٍ ولا بتقديره، وإنّما ينتصب بخِلافِ الأوّل، لأنّك إذا قلت: "زيدٌ أخوك" فـ "زيدٌ" هو الأخُ، فكلُّ واحد منهما رَفَعَ الآخر، وإذا قلت: "زيدٌ خَلْفَك" فإن "خَلْفَكَ" مخالفٌ لـ "زيدٌ" لأنّه ليس إيّاه، فنصبناه بالخلاف. وهذا قولٌ فاسد, لأنّه لو كان الخلافُ يُوجِب النصبَ، لانتصب الأوّلُ كما ينتصب الثاني, لأنّ الثاني إذا خالَفَ الأوّل، فقد خالف الأوّلُ الثاني أيضًا, لأنّ

стр. 228

الخلاف عدم المماثَلة، فكلُّ واحد قد فعل بصاحبه مثلَ ما فعل صاحبه به، وأيضًا فإنَّ من مذهبهم: أن المبتدأ مرتفعٌ بعائدٍ يعود إليه من الظرف إذا قلت: "زيدٌ عندك"، وذلك العائدُ مرفوعٌ، وإذا كان مرفوعًا، فلا بد له من رافعٌ وإذا كان له رافعٌ في الظرف كان ذلك الرافعُ هو الناصب فاعرفه. فصل [شرط الجملة الخبرية] قال صاحب الكتاب: "ولا بد في الجملة الواقعة خبرًا من ذكرٍ يرجع إلى المبتدأ, وقولك: "في الدار" معناه استقر فيها, وقد يكون الراجع معلومًا فيستغنى عن ذكره. وذلك في مثل قولهم: البُرُّ الكُرُّ بستِّينَ والسَّمْنُ منوان بدرهمٍ" (١) وقوله تعالى: ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾ (٢). * * * قال الشارح: قد تقدّم قولُنا: إِن خبر المبتدأ إذا وقع جملةً فعليّةً كانت، أو اسميّةً، أو شرطيةً، أو ظرفيّةً، فلا بدّ فيها من ضمير يرجع إلى المبتدأ يربطها بالمبتدأ لئلاّ تقع أَجْنَبِيةً من المبتدأ إذا كانت غيرَ الأوّل. وقوله: "إذا قلت زيدٌ في الدار معناه استقرّ فيها" يعني أنّه يتعلق بمحذوف، وقد تقدّم بيانُ ذلك. وقوله: "وقد يكون الراجعُ معلومًا فيُستغنى عن ذكره" يعني أن الراجع إلى المبتدأ إذا كان الخبرُ جملةً؛ فإنّه يجوز حذفه، وإسقاطُه مع شدّة الحاجة إليه، وذلك إذا كان موضعُ المضمر معلومًا غير ملتبس، كقولهم: "السَّمْنُ مَنَوانِ بدرهم" فـ "السمنُ" مبتدأٌ، و"منوان" مبتدأٌ ثانٍ، و"بدرهم" خبرُ المبتدأ الثاني، و"المنوان" وخبره خبرُ المبتدأ الأوّلِ. والعائدُ محذوفٌ تقديره: منوان منه بدرهم. فموضع "منه" المحذوف رفعٌ لأنّه صفة لـ "مَنَوَيْن"، وفيه ضميران: أحدهما مرفوعٌ يعود إلى الموصوف، وهو المنوان، والثاني الهاء المجرورةُ، وهي تعود إلى السمن. لا بد من هذا التقدير لئلّا ينقطع الخبر عن المبتدأ، ولم يتّصل به. وساغ حذفُ العائد هاهنا لأنّ حصولَ العلم به أغنى عن ظهوره، وذلك أن السمن هنا جنسٌ، وما بعده بعض من الجنس، وإنّما يذكر هذا الكلامَ لتسعيرِ الجنس، يقابل كلَّ مقدار منه بمقدار من الثمن، فكأنّه قال: "السمنّ كلُّه منوان منه بدرهم". ولولا هذا التقديرُ لكان المعنى أنّ السمن كلَّه منوان، وأنّه بدرهم، والمرادُ غيرُ ذلك.

стр. 229

ومثله "البُرُّ الكُرُّ بِسِتِّينَ"، إلَّا أنّ المحذوف هاهنا شيئان: أحدهما ما هو من الكلام وفيه العائد وهو منه، وتقديره: البرُّ الكرُّ منه بستِّين، إلَّا أن موضع "منه" هنا نصبٌ على الحال، لأنّه لا يجوز أن يكون نَعْتًا لـ"الكرّ"، إذ كان معرفة، والعاملُ في الحال الجارُّ والمجرورُ الذي هو الخبرُ، وهو "بستين". وصاحبُ الحال المضمرُ المرفوعُ فيه، وجاز تقدُّمُه عليه وإن كان العاملُ معنَى, لأنّ لفظ الحال جارٌّ ومجرورٌ، فصار كقولك: "كلَّ يوم لك ثَوْبٌ". وفي "مِنْهُ" ضميران على ما ذُكر. أحدهما: مرفوعٌ يعود إلى المضمر في "بستين"، والآخرُ "الهاء" العائدةُ إلى المبتدأ الأولِ الذي هو "البُر" وهي الرابطةُ. والثاني من المحذوفَيْن ما هو من نفسِ الكلام وليس فيه عائدٌ، وهو التمييزُ، والتقديرُ: البرُّ الكرُّ بستّين درهمًا، فترك ذكر "الدرهم" للعلم به، وهو من تمامِ الكلام، ألا ترى أَنَّك لو لم تُرِدْهُ لالتبس، ولم يُعْلَم من أيِّ الأنواع هو الثمنُ، ولا يُستبعد حذفُ العائد من الخبر أو شيء من الخبر للدلالة عليه، فإئه قد جاء حذفُ الجملة التي هي خبرٌ بأسرها للدلالة عليها، نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (١) معناه: "فعدتُهنَّ ثلاثة أشهر" إلَّا أنَّه حُذف لدلالة الأول عليه، وإذا جاز حذفُ الجملة بأسرها، كان حذف شيء منها أسهل. وأمّا قوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٢)، فـ "من" في موضع رفع بالابتداء، و"صَبَرَ" و"غَفَرَ" الصِّلةُ، والعائدُ ضميرُ الفاعل فيهما. وقولهُ: "إنّ ذلك لمن عزم الأمور" في موضع الخبر. و"إن" المكسورةُ تُقَدَّر تقدير الجُمَل، فلذلك إذا وقعت خبرًا، افتقرتْ إلى ضمير عائد إلى المبتدأ كما تفتقر الجملةُ إذا وقعت خبرًا , ولم يوجد العائد في الآية، فكان مرادًا تقديرًا، وإنمّا حُذف لقوّةِ الدلالة عليه. والمعنى: إنّ ذلك الصَبْرَ منه، أي: من الصابر. فصل [تقديم الخبر علي المبتدأ] قال صاحب الكتاب: "ويجوز تقديم الخبر على المبتدأ كقولك تميميٌّ أنا، ومشنوءٌ من يشنؤك"، وكقوله تعالى: ﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ (٣) , و ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ (٤)، المعنى سواء عليهم الإنذار وعدمه. وقد التزم تقديمه فيما وقع فيه المبتدأ نكرةً والخبر ظرفًا وذلك قولك: "في الدار رجلٌ". * * *

стр. 230

قال الشارح: يجوز تقديمُ خبرِ المبتدأ مفردًا كان أو جملةً، فمثالُ المفرد قولك: "قائمٌ زيدٌ"، و"ذاهبٌ عمرٌ". و"قائمٌ" خبرٌ عن "زيد" وقد تقدّم عليه، وكذلك "ذاهبٌ" خبرٌ عن "عمرو". ومثالُ الجملة: "أبوه قائمٌ زيدٌ"، و"أخوه ذاهبٌ عمرٌو"، فـ "أبوه" مبتدأٌ و"قائمٌ" خبرُه، والجملةُ في موضع الخبر عن "زيد"، وقد تقدّم عليه. وكذلك "أخوه ذاهبٌ" مبتدأٌ وخبرٌ في موضع الخبر عن "عمرو"، وذهب الكوفيون (١) إلى منع جواز ذلك، واحتجّوا بأن قالوا: إنّما قلنا ذلك, لأنه يؤدي إلى تقديم ضمير الاسم على ظاهره، ألا ترى إنّك إذا قلت: "قائمٌ زيدٌ"، كان في "قائمٌ" ضمير"زيد" بدليلِ أنَّه يظهر في التثنية والجمع، فتقول: "قائمان الزيدان"، و"قائمون الزيدون"، ولو كان خاليًا عن الضمير لكان مُوَحَّدًا في الأحوال كلها. وكذلك إذا قلت: "أبوه قائمٌ زيدٌ"، كانت "الهاءُ" في "أبوه " ضميرَ "زيد"، فقد تقدّم ضمير الاسم على ظاهره، ولا خلافَ أنّ رُتْبَةَ ضمير الاسم أن يكون بعد ظاهره. والمذهب الأوّل لكثرةِ استعماله في كلام العرب قالوا: "مَشْنُوءٌ من يَشْنَؤُكَ"، و"تميميٌّ أنا"، فـ "من يشنؤك" مبتدأ، وقوله: "مشنوءٌ" الخبرُ. وهو مقدَّمٌ. وكذلك "تميميٌّ أنا": "أَنَا" مبتدأ و"تميميٌّ" خبرٌ مقدَّمٌ. ألا ترى أنّ الفائدة المحكوم بها إنّما هي كونُه تميميًّا لا "أَنَا" المتكلَّمُ؛ وأمّا قولهم: إِنه يؤدّي إلى تقديم المضمر على الظاهر، فنقول: إِن تقديم المضمر على الظاهر إنّما يمتنع إذا تقدّم لفظًا ومعنًى، نحو: "ضَرَبَ غلامُه زيدًا" وأمّا إذا تقدّم لفظًا والنيّةُ به التأخيرُ، فلا بَأْسَ به، نحو: "ضرب غلامَه زيدٌ" ألا ترى أن الغلام هاهنا مفعولٌ، ومَرْتَبَةُ المفعول أن يكون بعد الفاعل، فهو، وإن تقدّم لفظًا، فهو مؤخَّرٌ تقديرًا وحُكْمًا. ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ (٢). "الهاء" في "نفسه" عائدةٌ إلى "موسى" وإن كان الظاهر متأخّرًا، لأنّه في حكم المقدَّم من حيث كان فاعلًا، ومثله قولهم في المَثَل: "في أَكْفانه لُفَّ الميّتُ" (٣)، وقالوا: "في بَيْته يُؤْتَى الحَكَمُ" (٤). فقد تقدّم المضمر على الظاهر فيهما لفظًا, لأنّ النيّة بهما التأخير، والتقديرُ: لُفَّ الميتُ في أكفانه، ويُؤْتَى الحكمُ في بيته، وإذا ثبت ما ذكرناه، جاز تقديم خبر المبتدأ عليه، وإن كان فيه ضمير, لأن النية فيه التأخير، من قبل أن مرتبة المبتدأ قبل الخبر فاعرفه.

стр. 231

وأمّا قوله تعالى: ﴿وسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ (١) و ﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ (٢) فـ "محياهم" مبتدأٌ، و"مماتهم" عَطْفٌ عليه، و "سواءٌ" خبرٌ مقدَّمٌ. وإنّما وُحِّدَ الخبر هاهنا والمُخْبَرُ عنه اثنان لوجهين: أحدهما أن "سواء" مصدرٌ في معنى اسم الفاعل في تأويل مُسْتَوٍ، والمصدر لا يثنَّى ولا يُجْمَع، بل يُعبَّر بلفظةِ الواحد عن التثنية والجمع، فيقال: "هذا عَدلٌ"، و"هذان عدلٌ"، و"هؤلاء عدلٌ"، فكذلك هاهنا. والوجه الآخر أن يكون أراد التقديمَ والتأخير، كأنّه قال: "محياهم سواءٌ ومماتُهم"، كما قال [من الطويل]: ١٣٣ - [فمنْ يكُ أَمْسَى بالمدينةِ رحلُه] ... فإني وقَيّارٌ بها لَغَرِيبُ أراد: فإني لغريبٌ بها وقيّارٌ، وكذلك قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ الفعل هاهنا في تأويل المصدر، والمعنى: سواءٌ عليهم الإنذار وعدم الإنذار، فـ "الإِنذار" وما عطف عليه مبتدأ في المعنى، و"سواءٌ" الخبرُ، وقد تقدّم: و"سواءٌ" مصدرٌ في معنى اسم الفاعل، والتقدير: مستَوِيان على ما تقدّم، ألا ترى أنّ موضع الفائدة الخبرُ، والشكُّ إنّما وقع في استواءِ الإنذار وعدمه، لا في نفس الإنذار وعدمه، ولفظُ

стр. 232

الاستفهام لا يمنع من ذلك، إذ المعنى على التَّعْيين والتحقيق، لا على الاستفهام، وإنّما الهمزةُ هاهنا مستعارةٌ للتسوِية، وليس المرادُ منها الاستفهام، وإنّما جاز استعارتُها للتسوية، لاشتراكهما في معنى التسوية، ألا ترى أنّك تقول في الاستفهام: "أزيدٌ عندك أم عمرٌو؟ "و "أزيدٌ أفضلُ أم خالدٌ؟ " والشيئان اللذان يُسْأل عنهما قد استوى عِلْمُك فيهما، ثمّ تقول في التسوية: "ما أُبالي أَفَعَل أم لم يفعلْ". فأنتَ غيرُ مستفهم، وإن كان اللفظ الاستفهام، وذلك لمشاركته الاستفهام في التسوية لأنّ "معنى ما أُبالِي أفعل أم لم يفعل" أي: هما مستوِيان في عِلْمي، كما قال في الاستفهام كذلك. هذا هو التحقيقُ من جهة المعنى؛ وأمّا إعرابُ اللفظ، فقالوا: "سواءٌ" مبتدأ، والفعلان بعده كالخبر؛ لأنّ بهما تَمامَ الكلام وحُصولَ الفائدة، فكأنّهم أرادوا إصلاحَ اللفظ وتَوْفِيَتَهُ حَقَّهُ. * * * وقوله: "وقد التُزم تقديمه فيما وقع فيه المبتدأ نكرة والخبرُ ظرفًا، وذلك قولك: "في الدار رجلٌ" قد تقدّم في الفصل قبله لِمَ ابتُدىء بالنكرة هنا, ولِمَ التُزم تقديمه بما أغنى عن إعادته. * * * قال صاحب الكتاب: "وأما سلامٌ عليك وويل لك, وما أشبههما من الأدعية فمتروكةٌ على حالها إذا كانت منصوبة منزَّلةً منزلة الفعل, وفي قولهم: أين زيد, وكيف عمرو ومتى القتال. * * * قال الشارح: لمّا تقدّم من كلامه أنّه قد التُزم تقديمُ الخبر إذا وقع المبتدأ نكرةً، والخبر ظرفًا، أورد على نفسه إشكالًا، وهو قولهم: "سلامٌ عليك"، و"وَيْلٌ له"، فإن المبتدأ نكرةٌ، والخبرُ جارٌ ومجرورٌ، ولم يتقدّم على المبتدأ، ثم أجاب بأن المبتدأ في قولك: "لك مالٌ"، و"تَحْتَك بِساطٌ" إنّما التُزم تقديمُ الخبر هناك خوفًا من التباسِ الخبر بالصفة، وهاهنا لا يُلْبَس، لأنه دعاءٌ، ومعناه ظاهرٌ. ألا ترى إنّك إذا قلت: "سلامٌ عليك" و"ويلٌ له" بالرفع، كان معناه كمعناه منصوبًا، وإذا كان منصوبًا، كان منزلًا منزلة الفعل، فقولُك: "سلامًا عليك"، و"ويلًا لك" بمنزلةِ: "سَلَّمَ الله عليك"، و"عَذَّبَكَ الله"، فلمّا كان المعنى فيه ينزع إلى معنى الفعل، لم يُغيرَّ عن حاله، لأنّ مرتبة الفعل أن يكون مقدَّمًا. وأمّا قوله: "وفي قولهم: "أَيْنَ زيدٌ"، و"كَيْفَ عمرٌو"، و"متى القتالُ"، فيريد أنّه قد التُزم هاهنا تقديم الخبر أيضًا، وإنّما قُدّم الخبر في هذه المواضع لتضمُّنه همزة الاستفهام، وذلك أنك إذا قلت: "أَيْنَ زيدٌ"، فأصله: أزيدٌ عندك، فحذفوا الظرفَ، وأتوا بـ "أيْنَ" مشتمِلةً على الأمكنة كلَّها، وضمّنوها معنى همزة الاستفهام، فقدّموها لتضمُّنها الاستفهام، لا لكونها خبرًا. وكذلك إذا قلت: "كَيْفَ زيدٌ" معناه: على أيِّ حالٍ زيدٌ.

стр. 233

وإذا قلت: "متى القتالُ"، فمعناه: القتالُ غدًا، ونحوه، فعمِل فيه ما عمِل بـ "أَيْنَ"، وسَتوضَح أحوالُ هذه الظروف المستفهم بها في أماكِنها إن شاء الله تعالى. فصل [حذف المبتدأ أو الخبر] قال صاحب الكتاب: "ويجوز حذف أحدهما, فمن حذف المبتدأ قول المستهل: "الهلال والله"، وقولك وقد شممت ريحًا: "المسك والله"، أو رأيت شخصاً فقلت: "عبد الله وربي", ومنه قول المرقّش: [من السريع]: ١٣٤ - [لا يبعد الله التلبب والـ ... غارات] إذ قال الخميس نعم ومن حذف الخبر قولهم: "خرجت فإذا السبع"، وقول ذي الرمة: [من الطويل] ١٣٥ - فيا ظبية الوعساء بين جُلاجِلٍ ... وبين النَّقا آأنت أم أُمُّ سالم؟!

стр. 234

وقوله تعالى: ﴿فصبرٌ جميلٌ﴾ (١) يحتمل الأمرين. أي فأمري صبرٌ جميلٌ أو فصبرٌ جميلٌ أجملُ". * * * قال الشارح: اعلم أن المبتدأ والخبر جملةٌ مفيدةٌ تحصل الفائدةُ بمجموعهما، فالمبتدأ معتمَدُ الفائدة، والخبرُ محلُّ الفائدة، فلا بدّ منهما، إلَّا اْنّه قد تُوجَد قَرِينةٌ لفظيةٌ، أو حاليّةً تُغْنِي عن النُّطْق بأحدهما، فيُحْذَف لدلالتها عليه، لأنّ الألفاظ إنّما جيءَ بها للدلالة على المعنى، فإذا فُهم المعنى بدون اللفظ، جاز أن لا تأتي به، ويكون مرادًا حُكْمًا وتقديرًا. وقد جاء ذلك مَجِيئًا صالحًا، فحذفوا المبتدأ مُرَّةً، والخبرَ أخرى، فممّا حُذف فيه المبتدا قولُ المستهِلّ: "الهِلالُ وَاللهِ" أي: هذا الهلالُ والله، والمستهلُّ طالبُ الهلال كما يقال لطالبِ الفَهْم: مستفهِمٌ، ولطالبِ العِلْم: مستعلِمٌ. ومثله إذا شممتَ رِيحًا طَيبةً قلت: "المِسْكُ والله" أي: هو المسكُ والله، أو هذا المسكُ، وكذلك لو رأيت صورةَ شخص فصار آية لك على معرفةِ ذلك الشخص، فإذا رأيتَه بعدُ قلت: "عبدُ الله ورَبّي"، كانّك قلت: "ذاك عبدُ الله"، أو"هذا عبدُ الله"، وكذلك لو حُدِّثْتَّ عن شمائل رجلٍ، ووُصف بصفاتٍ مثلَ "مررت برجلٍ راحمِ المَساكين بارٍّ بوالدَيْه" فعُرّف بتلك الأوصاف، فقلت: "زيدٌ واللهِ"، أي: هو زيدٌ، أو المذكور زيدٌ؛ وأمّا بيتُ المُرَقَّش الأكبر [من السريع]: لا يُبْعِدِ الله التلَبُّبَ والغاراتِ ... إذ قال الخَمِيسُ نَعَمْ فالتلبُّب: لُبْسُ السلاح، والخميسُ: الجَيشُ، والنَّعَمُ: الإبلُ، قال الفرّاء: هو ذَكَرٌ

стр. 235

لا يؤنَّث. يقال: "هذا نَعَمٌ واردٌ". والمعنى أنه يتأسّف على الغِيَر، ولا سيّما في أوقاتِ إقبالهم على الغنائم، فيقول الجيش: "نَعَمٌ"، أي: هذا نَعَمٌ فاطْلُبوه، إلا أنّه حُذف للعلم به، وقد حذف الخبر أيضًا كما حذف المبتدأ، وأكثر ذلك في الجوابات. يقول القائلُ: "من عندك؟ " فتقول: "زيدٌ"، والمعنى: زيدٌ عندي، إلَّا أنّك تركته للعلم به، إذ السُّؤالُ إنّما كان عنه. ومن ذلك قولهم: "خرجتُ فإذا السَّبُعُ". اعلم أن "إذا" تكون على ضربَيْن: زمانًا، وفيها معنى الشرط، وتضاف إلى الجملة الفعليّة، وإذا وقع بعدها اسمٌ كان ثمَّ فعلٌ مقدَّرٌ، نحو: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (١)، ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ (٢)، والتقديرُ: إذا انشقّت السماءُ انشقّت، وإذا مدّت الأرضُ مدّت، كأنّ ذلك لتضمُّنه معنى الشرط، والشرط يقتضي الفعلَ. وتكون بمعنى المُفاجَأة، وهي في ذلك على ضَرْبين: تكون اسمًا، وتكون حرفًا. وإذا كانت اسمًا، كانت ظرفًا من ظروفِ الأمْكِنة، وإذا كانت حرفًا، كانت من حروف المعاني الدالةِ على المفاجأة، كما أن "إنْ" حرفٌ دالّ على معنى المجازاة. والهمزة حرفٌ دالّ على معنى الاستفهام، فإذا قلت: "خرجتُ فإذا السَّبُعُ" وأردتَ به الظرفيّةَ، لم يكن ثمَ حذفٌ، وكان "السبعُ" مبتدأ، و"إذا" الخبر قد تقدّم، كما تقول: "عندي زيدٌ" ويتعلّق الظرفُ باستقرارٍ محذوفٍ. فإن ذكرت اسمًا آخر، كان منصوبًا على الحال، نحو: "خرجتُ فإذا السبعُ واقِفًا، أو عادِيًا"، والعاملُ في الحال الظرفُ، وإن شئت رفعتَه على الخبر، وجعلت الظرفَ من صِلته، فإن جعلتها حرفًا، كان الخبرِ محذوفًا لا محالة، والتقدير: خرجت فإذا السبعُ حاضرٌ أو موجودٌ, لأنّ المبتدأ لا بدّ له من خبر، ولا خبرَ لها هاهنا ظاهرًا، فوجب أن يكون مقدَّرًا، وأمّا قول ذي الرُمّة [من الطويل]: فيا ظبيةَ الوَعْساء ... إلخ فالخبرُ محذوفٌ فيه، والتقدير: آانْتِ الظَّبْيَةُ أم أُمُّ سالم، والمرادُ: إنّكما التبسْتما عليّ لشدة تشابُهكما، فلم أعرف إحداكما من الأخرى. والوعْساءُ: الأرض اللَّيّنة ذاتُ الزَّمْل. وجُلاجِلُ: موضعٌ, ويُروى بالحاء غيرِ المعجمة. والنَّقا: الكَثِيبُ من الرمل. وقوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (٣) احتمل الأمرين، وذلك أن يكون "صبرٌ" مبتدأ والخبر محذوف، والمعنى: فصبرٌ جميلٌ أجملُ من غيره، أو فعندي صبرٌ جميلٌ. وجاز الابتداءُ بقوله: صبرٌ جميلٌ، وهو نكرةٌ, لأنها قد وُصفت، والنكرةُ إذا وُصفت جاز الابتداءُ بها، وقد تقدّم بيانُ ذلك، ويجوز أن يكون "صبرٌ جميلٌ" خبرًا، والمبتدأ محذوفٌ، والتقديرُ: فأمري صبرٌ جميلٌ، أو صَنْعي صبرٌ جميلٌ.

стр. 236

قال صاحب الكتاب: "وقد التزم حذف الخبر في قولهم: "لولا زيد لكان كذا" لسد الجواب مسدة. ومما حذف فيه الخبر لسد غيره مسدَّه قولهم: "أقائمٌ الزيدان"، و"ضربي زيداً قائماً"، و"أكثر شربي السويق ملتوتاً"، و"أخطب ما يكون الأمير قائماً" وقولهم: "كل رجل وضيعته"". * * * قال الشارح: اعلم أنّ "لَوْلَا" حرف يدخل على جملتَيْن: إحداهما مبتدأ وخبر، والأخرى فعلٌ وفاعلٌ، فتُعلِّق إحداهما بالأخرى، وتربطها بها كما يدخل حرفُ الشرط على جملتَيْن فعليتَيْن. فيربط إحداهما بالأخرى، فتصيران كالجملة الواحدة، فتقول: "قام زيدٌ، خرج محمّدٌ"، فهاتان جملتان متبايِنتان، لا تَعَلُّقَ لإحداهما بالأخرى، فإذا أتيتَ بـ "إِن" الشرطيّة، فقلت: "إن قام زيدٌ خرج محمّدٌ"، ارتبطتِ الجملتان، وتعلقت إحداهما بالأخرى، حتى لو ذكرت إحدى الجملتَيْن منفردةً لم تُفِدْ، ولم تكن كلامًا. وكذلك "لَوْلَا"، تقول: "زيدٌ قائمٌ، خرج محمّدٌ"، فهاتان جملتان متبايِنتان، إحداهما مبتدأ وخبر، والأخرى فعلٌ وفاعلٌ، فإذا أتيتَ بـ "لَوْلا" وقلت: "لولا زيدٌ قائمٌ لخرج محمَّدٌ"، ارتبطت الجملةُ الثانية بالجملة الأُولى، فصارتا كالجملة الواحدة، إلَّا أنّه حذف خبرُ المبتدأ من الجملة الأوُلى لكثرةِ الاستعمال حتى رُفض ظهوره، ولم يجز استعماله. فإذا قلت: "لولا زيدٌ لخرج محمدٌ"، كان تقديره: لولا زيدٌ حاضرٌ أو مانعٌ، ومعناه أن الثاني امتنع لوجودِ الأوّل، وليست الجملةُ الثانيةُ خبرًا عن المبتدأ, لأنه لا عائد منها إلى زيدٌ، والجملةُ إذا وقعت خبرًا، فلا بدّ فيها من عائد إلى المبتدأ. وإنما اللامُ وما بعدها كلامٌ يتعلّق بـ "لَوْلَا" وجوابٌ لها، وقد شَبَّهَ سيبويه ما حُذف من خبرِ المبتدأ بعد "لَوْلا" بقولهم: "إمَّا لا"، ومعناه أن رجلاً أُمر بأشياء يفعلها وقد شُبِّهت عليه، فوقف في فَعْلها، فقيل له: "افْعَلْ كذا، وكذا إن كنت لا تفعل الجميعَ". وزادوا على "إنْ ما"، وحذفوا الفعلَ وما يتّصل به، وكثر حتّى صار الأصل مهجورًا، وربمّا وقع بعد "لَوْلا" هذه الفعلُ والفاعلُ لاشتراكهما في معنى الآخر، ألا ترى أنّه لا فَرْقَ من جهةِ المعنى بين "زيدٌ قائمٌ " و"قام زيدٌ". قال الجَمُوح [من البسيط]: ١٣٦ - قالت أُمامَةُ لمّا جئتُ زائرَها ... هَلَّا رَمَيْتَ ببَعْضِ الأَسْهُمِ السُّودِ

стр. 237

لا دَرَّ دَرُّكَ إني قد رَمَيْتُهُمُ ... لولا حُدِدْتُ ولا عُذْرَى لِمَحْدودِ والمراد: لولا الحَدُّ. وقال الكوفيون (١): الاسمُ الواقعُ بعد "لولا" يرتفع بـ "لولا" نفسِها لنِيابتها عن الفعل، والتقديرُ: لولا يمنع زيدٌ. وهذا ضعيفٌ لوجوهٍ: منها: أنَّه لو كان الأمرُ على ما ادّعوه لَجاز وُقوعُ "أحَدٍ" بعدها, لأن "أحدًا" يعمل فيها النفيُ، ولم يُسْمَع عنهم مثلُ ذلك. الوجه الثاني: إنَّه لو كان معناه النفيَ على ما ادّعوه، لجاز أن تعطِف عليه بـ "الواو"و"لَا" لتأكيدِ النفي، فتقولَ: "لولا زيدٌ ولا خالدٌ لأكرمتُك"، نحوَ قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ (٢). فلما لم يجز ذلك ولم يُستعمل، دلّ على أن الجُحود قد زَايَلَها.

стр. 238

الوجه الثالث: أن الحرف إنّما يعمل إذا اختصّ بالمعمول، نحوَ حروفِ الجرّ، فإنّها مختصّةٌ بالأسماء، ونحوَ حروف الجزم اختصّت بالدخول على الأفعال و"لَوْلَا" هذه غيرُ مختصّة، بل تدخل على الأسماء، نحوَ: "لولا زيدٌ لأكرمتُك"، وتدخل على الأفعال في نحوِ ما أنشدناه من البيتَيْن، فاعرفه. * * * قال: "ومن ذلك قولهم: أقائمٌ الزيدان" يعني أنّه حُذف الخبر لِسَدّ لفاعل مَسَدَّه، واعلمْ أن قولهم: "أقائمٌ الزيدان" إنّما أفاد نَظرًا إلى المعنى، إذ المعنى: أيقوم الزيدان؟ فتَمَّ الكلامُ, لأنّه فعلٌ وفاعلٌ، و"قائمٌ" هنا اسمٌ من جهةِ اللفظ وفعلٌ من جهةِ المعنى، فلمّا كان الكلام تامًّا من جهة المعنى، أرادوا إصلاحَ اللفظ، فقالوا: "أقائمٌ" مبتدأٌ و"الزيدان" مرتفعٌ به، وقد سد مسدَّ الخبر من حيثُ إن الكلام تَمَّ به، ولم يكن ثَمَّ خبرٌ محذوفٌ على الحقيقة. ولو قلت: "قائم الزيدان" من غيرِ استفهام، لم يجز عند الأكثر، وقد أجازه ابنُ السرَّاج، وهو مذهبُ سيبويه لتضمُّنه معنَى الفعل، وإن كان فيه قُبْحٌ, لأنّ اسم الفاعل لا يعمل عملَ الفعل حتّى يعتمد على كلام قبله من مبتدأ، نحوِ: "زيدٌ ضاربٌ أبوه"، أو موصوفٍ، نحوِ: "مررتُ برجلٍ ضارب أبوه"، أو ذي حالٍ، نحوِ: "هذا زيدٌ ضاربًا أبوه"، أو على استفهام، أو نفي بخِلافِ الفعل، فإنّه يعمل معتمِدًا وغيرَ معتمد، وسنذكُر أحكامَه مستقصّى في فصلِ اسم الفاعل. وأمّا قولهم: "ضَرْبِي زيدًا قائمًا"، فهي مسألة فيها أدْنَى إشكال يحتاج إلى كَشْف، وذلك أن المعنى: ضربتُ زيدًا قائمًا، أو أضْربُ زيدًا قائمًا، فالكلامُ تامُّ باعتبارِ المعنى، إلَّا أنّه لا بدّ مني النَّظَر في اللفظ، وإصلاحِه لكونِ المبتدأ فيه بلا خبر، وذلك أنّ قولك: "ضَرْبِي"، مبتدأٌ، وهو مصدر مضافٌ إلى الفاعل، و"زيدًا" مفعول به و"قائمًا" حالٌ، وقد سدّ مسدَّ خبرِ المبتدأ، ولا يصِحّ أن يكون خبرًا فيرتفعَ, لأنّ الخبر إذا كان مفردًا يكون هو الأوّلَ، والمصدرُ الذي هو الضربُ ليسَ القائمَ، ولا يصحّ أن يكون حالًا من "زيد" هذا؛ لأنه لو كان حالًا منه، لَكان العاملُ فيه المصدرَ الذي هو ضربي؛ لأن العامل في الحال والعاملُ في ذي الحال. ولو كان المصدرُ عاملًا فيه، لكان من صلته، وإذا كان من صلته، لم يصِحّ أن يسدّ مسدَّ الخبر, لأنّ السادَّ مسدَّ الخبر يكون حكمُه حكمَ الخبر، فكما أنّ الخبر كان جزءًا غيرَ الأوّل، فكذلك ما سدّ مسدَّه ينبغي أن يكون غيرَ الأولّ. وإذا كان الأمرُ كذلك، كان العاملُ فيه فعلًا مقدَّرًا فيه ضميرُ فاعل، يعود إلى زيد، وهو صاحبُ الحال، والخبرُ ظرفُ زمان مقدَّرٌ مضافٌ إلى ذلك الفعل والفاعلِ، والتقديرُ: ضَرْبِي زيدًا إذا كان قائمًا، فـ "إذًا" هي الخبرُ. والحَقُّ أنّها في موضع نصب متعلقةٌ باستقرار محذوف تقديرُه: استقرّ أو مستقرٌّ، ثُمَّ حُذف العامل لدلالةِ الظرف عليَه على ما تقدّم، ونُقل الضمير من الفعل إلى الظرفُ وصار الظرف. وما ارتفع به في موضع

стр. 239

مرفوع، لأنّه خبرُ مبتدأ، فالظرفُ وحدَه في موضع نصب. يدلُّ على ذلك أنَّه يظهر النصب فيما كان معرَبًا، نحوَ: "القتالُ اليومَ وعِنْدَك"، ونحو ذلك، والظرفُ مع الضمير في موضعِ خبرِ المبتدأ. فإذا أُريد المُضِيُّ قُدّر بـ "إذْ". وإذا أُريد المستقبلُ، قُدّر بـ "إذَا". والظرفُ الذي هو"إذَا"و"إذْ" يضاف إلى الفعل والفاعلِ الذي هو"كَانَ"، والضميرُ الذي فيه، و"كَانَ" هذه المقدَّرةُ هي التامّةُ، وليسِت الناقصةَ، فحُذف الفعل، وأُقيم الظرف مُقامَه. ثمّّ حُذف الفعل لدلالةِ الظرف عليه. فإن قيل: ولِمَ قُدّر الخبر بـ "إِذَا" أو"إذْ" دون غيرهما من ظروفِ المكان، قيل: لأنّهما ظرفَا زمان، وظروفُ الزمان يكثر الإخبارُ بها عن الأحداث، والإخبارُ بها مختصٌّ بالحَدَث، فكان تقديرهُ بها (١) أوْلى، وكانت "إذْ" و"إذَا" أوْلى من غيرهما من ظروفِ الزمان لشُمُولهما. فـ "إِذْ" تشمَل جميعَ ما مضى، و"إذَا" تشمل جميعَ المستقبل. فلمّا أُريد تقديرُ جُزْء من الزمان، كان أوْلى بذلك لِما ذكرناه. فإن قيل: ولِمَ قلتم: إن "كَانَ" المقدَّرةَ هي التامَّةُ دونَ أن تكون الناقصةَ، قيل: لوكانت "كَانَ" المقدَّرةُ الناقصةَ، لكان "قائمًا" من قولك: "ضَرْبِي زيدًا قائمًا" الخبرَ، ولو كان خبرًا لجاز أن يقع معرفة, لأنّ أخبارَ "كَانَ" تكون معرفة ونكرة، فالمعرفةُ نحوُ قولك: "كان زيدٌ أخاك"، و"كان محمَّدٌ القائم"، ومثالُ النكرة "كان زيدٌ قائمًا". فلمًا اقتُصر ههنا على النكرة، ولم تقع المعرفةُ فيه ألبتّة، دلّ ذلك على أنَّه حالٌ وليس بخبرٍ. وأمّا المسألة الثانية: وهي "أكثرُ شُرْبي السَّوِيقَ ملتوتًا" فالكلامُ عليها كالكلام على المسألة قبلها في تقدير الخبر والعاملِ فيه، إلَّا أن قوله: "أكثرُ شربي" ليس بمصدر، وإنمّا لمّا أُضيفت "أكثرُ" إلى "شربي" الذي هو المصدرُ، صار حكمُه حكمَ المصدر, لأنّ "أفْعَلَ" بعضُ ما يُضاف إليه. تقول: "زيدٌ أفْضَلُ القوم"، فيكون بعضَ القوم، و"الياقُوتُ أفضلُ الحِجارة" لأنّه بعضُ الحجارة، ولو قلت: "الياقوتُ أفضل الزُّجاج" لم يجز, لأنّه ليس من الزجاج، فكذلك إذا قلت: "صُمْتُ أحسنَ الصّيامِ" تنصب "أحْسَنَ" على المصدر, لأنه لما أضفتَه إلى المصدر، صار مصدرًا، فكذلك لمّا أضفت "أكثرُ" إلى "الشرب" الذي هو مصدرٌ، صار مصدرًا، وجاز أن يُخْبَر عنه بالزمان كما يخبر عن سائر المصادر. وأمّا المسألة الثالثة: وهي "أخطبُ ما يكون الأميرُ قائمًا"، فهي في تقديرِ حذفِ الخبر كالمسألة الأُولى، إلَّا أنّ فيها اتساعًا أكثرَ من الأوُلى، وذلك أنّ فيها وجهَيْن من التقدير: أحدُهما نحوُ المسألة قبلها. فقولُك: "أخطبُ ما يكون الأميرُ" بمعنَى"أخطبُ

стр. 240

كَوْنِ الأمير" لأنّ "مَا" مع الفعل بتأويلِ المصدر، نحو قول الشاعر [من الوافر]: ١٣٧ - يَسُرُّ المَرْءَ ما ذَهَبَ الليالِي ... [وكان ذهابُهن له ذهابا] وكذلك مَا يَكُونُ بمعنَى الكون، والمرادُ بكونه وجودُه، والتقديرُ: أخْطَبُ وجودِ الأمير إذا كان قائمًا، جُعل وجودُه خطيبًا مبالغة، ويكون "إذَا" الخبرَ، وهو في موضع نصبٍ بالاستقرار على ما تقدَّم، يدلّ على ذلك أنّه قد حُكي عن بعضِ العرب: "أخطبُ ما يكون الأميرُ يومَ الجمعة" بنصبِ "يوم"، فدلّ ذلك على أنّ "إذا" في موضعِ نصب، كما تقول: "زيد عندك" وفيه ضميرٌ، والظرفُ والضميرُ في موضعِ رفع لأنّه الخبرُ. الوجه الثاني أن يكون قولُه: "أخطب ما يكون" بمعنى الزمان، لأن "مَا" تكون بمعنى الزمان، لأنّها في تأويل المصدر، والمصدرُ يُستعار للزمان على تقديرِ حذفِ مضاف، كأئه قال: "أخطبُ أوْقاتِ كونِ الأميرِ"، كما يُقال: "مَقْدَمَ الحاجّ"، و"خُفُوقَ النجْم"، أي: زمنَ مقدمِ الحاج، وزمنَ خفوقِ النجم. ويكون الخبرُ "إذا كان قائمًا" على ما تقدّم، إلَّا أن "إذَا" على هذا في موضع رفع خبرًا عن الأوّل، كما تقول: "وقتُ القِتال يومُ الجُمْعة". فكأنّه قال: "أخطبُ الأوْقات الَتي يكون الأميرُ فيها خطيبًا إذا كان قائمًا"، ومثلُه على سَعَةِ الكلامِ ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (١)، وهما لا يمكُران، لكنْ لمّا كان فيهما جَعَلَه لهما، ومثله ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ (٢) والنهارُ لا يُبْصِر إنّما

стр. 241

يُبْصَر فيه، والذي أحْوَجَ إلى تقديرِ المصدر بالزمان ههنا أنّه قد نُقل عنهم: "أخطبُ ما يكون الأميرُ يومُ الجمعة" بالرفع، فكذلك قُدّر الأوّلُ بالزمان، وقُضي على "إذَا" التي هي الخبرُ بالرفع فاعرفه. وأمّا قولهم: "كلُّ رجل وضَيْعَتَهُ" فالمرادُ كلُّ رجل وضيعتُه مقرونان، إلَّا أنّك حذفت الخبرَ واكتفيتَ بالمعطوف, لأنّ معنى الواو هنا كمعنّى "مَعَ"، فقولُك: "كل رجل وضيعته" بمعنَى: مع ضيعته، وهذا كلامٌ مكتفٍ فالواوُ ههنا كالواو في قولك: "استوى الماءُ والخَشَبَةَ"، إلَّا أنّ قولنا: "استوى الماء والخشبة" أوّلُه فعلٌ يعمل فيه. وليس ههنا فعلٌ، وإنّما هو اسم عُطف على اسم بالواو التي معناها معنَى "مَعَ"، فعُطفتْ لفظًا، والمعنى معنى الملابَسة. واعلمْ أن الواو التي بمعنَى "مَعَ" لا بدّ فيها من معنَى الملابسة، والواوُ التي لمُطْلَقِ العطفِ قد تخلو من ذلك، ألا ترى أنّك إذا قلت: "ما صنعتَ وأباك" المعنى: ما صنعت مع أبيك، وما صنع أبوك معك. وكذلك إذا قلت: "كلّ رجلٍ وضيعتَه" لأنّ معناه مع ضيعته، ولو قلت: "زيدٌ وعمرٌو خارجان" لم يجز حذفُ الخبر، لأنّه ليس في اللفظ ما يدلّ عليه، وليس كذلك "كل رجلُّ وضيعته", لأنّ معناه: مع ضيعته، و"مَعَ" تدلّ على المقارَنة فاعرفه. فصل [مجيء المبتدأ والخبر معرفتين] قال صاحب الكتاب: "وقد يقع المبتدأ والخبر معرفتَين معًا كقولك: "زيدٌ المنطلقُ"، و"الله إلهُنَا"، و"محمَّد نَبِينا"، ومنه قولُك؛ "أنتَ أنتَ"، وقولُ أبي النَّجْم [من الرجز]: ١٣٨ - أنا أبو النَّجْم وشِعْرِي شِعْرِي

стр. 242

ولا يجوز تقديمُ الخبر هنا، بل أيهما قدّمتَ فهو المبتدأُ". * * * قال الشارح: قد تقدّم من قولنا أن حَقَّ المبتدأ أن يكون معرفة، وحقَّ الخبر أن يكون نكرة بما أغنى عن إعادته. وقد يكون المبتدأ والخبرُ معًا معرفتَيْن، نحوَ: "زيدٌ أخوك"، و"عمرٌو المنطلقُ"، و"الله إلهُنا"، و"محمَّدٌ نَبِيُّنا". فإذا قلت: "زيدٌ أخوك"، وأنت تريد أُخُوَّةَ النَّسَب، فإنّما يجوز مثلُ هذا، إذا كان المخاطَبُ يعرف زيدًا على انفراده، ولا يعلم أنه أخوه لفُرْقة كانت بينهما، أو لسَبَب آخرَ، أو يعلم أنّ له أخًا، ولا يدري أنّه زيدٌ هذا، فتقول: "زيدٌ أخوك" أي: هذا الذي عرفتَه هو أخوك الذي كنت علمتَه، فتكون الفائدةُ في اجتماعهما، وذلك الذي استفاده المخاطَبُ. فمتى كان الخبرُ عن المعرفة معرفة، كانت الفائدةُ في مجموعهما. فإن كان يعرفهما مجتمعَيْن، لم يكن في الإخبار فائدةٌ. وكذلك إذا قلت: "زيدٌ المنطلقُ" فالمخاطَبُ يعرف زيدًا، ويعرف أنّ شخصًا انطلق، ولا يعلم أنه زيدٌ المنطلقُ، فزيدٌ معروفٌ بهذا الاسم منفردًا، والمنطلقُ معروفٌ بهذا الاسم منفردًا، غيرَ أنّ الذي عرفهما بهذَيْن الاسمَين منفردَيْن قد يجوز أن يجهل أنّ أحدَهما هو الآخرُ، ألا ترى أنّك لو سمعتَ يزيد، وشُهر أمرُه عندك من غيرِ أن تراه، لكنتَ عارفًا به ذِكْرًا وشُهْرَة، ولو رأيت شخصًا، لكنت عارفًا به عَيْنًا، غيرَ أنك لا تُركِّب هذا الاسمَ الذي سمعتَه على الشخص الذي رأيته إلَّا بمعرفة أُخرى بأن يُقال لك: "هذا زيدٌ فاعرفه". فأمّا قولهم: "اللهُ رَبُّنا"، و"محمّدٌ نَبِيُّنا" فإِنمَّا يُقال ذلك رَدًا على المخالِف والكافرِ، أو يُقال على سبيلِ الإقرار والاعترافِ لطَلَب الثَّواب بقوله. وأمّا قولهم: "أنتَ أنتَ"، فظاهرُ اللفظ فاسدٌ, لأنّه قد أَخبر بما هو معَلومٌ، وأنّه قد اتحد الخبرُ والمخبَرُ عنه لفظًا ومعنًى. وحكمُ الخبر أن يكون فيه من الفائدة ماليس في المبتدأ، وإنّما جاز ههنا, لأنّ المراد من التكرير بقوله: "أنت أنت" أي: أنت على ما عرفتُه من الوَتِيرَة والمنزلةِ، لم تتغيّر معنى. وتكريرُ الاسم بمنزلةِ "أنت" على ما عرفتُه، وهذا مُفيدٌ يتضمّن ما ليس في الجزء الأول، وعليه قول أبي النجم [من الرجز]: أنا أبو النجم وشِعْري شِعْري معناه: وشعري شعري المعروفُ الموصوفُ كما بُلِّغْتَ، وعُرِّفْتَ، وعلى هذا قياسُ الباب، وإذا كان الخبر معرفة كالمبتدأ، لم يجز تقديم الخبر, لأنه ممّا يُشْكِل ويلتبس، إذ كل واحد منهما يجوز أن يكون خبرًا ومخبرًا عنه، فأيَّهما قدمتَ كان المبتدأ، ونظيرُ ذلك

стр. 243

الفاعلُ والمفعول إذا كانا ممّا لا يظهر فيهما الإعرابُ، فإنَّه لا يجوز تقديمُ المفعول، وذلك نحوُ: "ضَرَبَ عِيسَى مُوسَى"، اللَّهُمَّ إلَّا أن يكون في اللفظ دليلٌ على المبتدأ منهما، نحوُ قوله [من الطويل]: ١٣٩ - لُعابُ الأفاعِي القاتِلاتِ لُعابُهُ وقولِه [من الطويل]: ١٤٠ - بَنُونَا بَنُو أبْنائنا وبَناتُنا ... بَنُوهنّ أبْناءُ الرِّجال الأباعِدِ ألا ترى أنه لا يحسُن أن يكون "بنونا" هو المبتدأ، لأنه يلزَم منه أن لا يكون له بنون إلا بَنِي أبنائه، وليس المعنى على ذلك، فجاز تقديمُ الخبر هنا مع كونه معرفة لظهورِ المعنى وأمْنِ اللَّبْس، وصار هذا لجوازِ تقديم المفعول على الفاعل إذا كان عليه دليلْ، نحوُ: "أكَلَ كُمَّثْرَى مُوسَى"، و"أبْرَأ المَرْضَى عِيسَى".

стр. 244

فصل [تعدّد الخبر] قال صاحب الكتاب: "وقد يجيء للمبتدأ خبران فصاعِدَا، منه قولُك: هذا حُلْوٌ حامِض"، وقولُه : ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (١) ". * * * قال الشارح: يجوز أن يكون للمبتدأ الواحدِ خبران وأكثرُ من ذلك؛ كما قد يكون له أوصافٌ متعدّدةٌ، فتقول: "هذا حُلْوٌ حامِضٌ" تريد أنّه قد جمع بين الطعْمَيْن، كأنّك قلت: "هذا مُرٌّ"، فالخبرُ وإن كان متعدّدًا من جهة اللفظ، فهو غيرُ متعدّد من جهة المعنى, لأن المراد أنه جامع للطعمَيْن، وهو خبرٌ واحدٌ، وتقول: "هذا قائم قاعدٌ" على معنَى: راكعٍ، قال الشاعر [من الرجز]: ١٤١ - مَنْ يَكُ ذَا بَت فهذا بَتِّي ... مُقَيِّظٌ مُصَيَّفٌ مُشَتِّي تَخِذْتُهُ مِن نَعَجاتٍ سِتّ ... سُودٍ جِعادٍ من نِعاجِ الدَّشْتِ

стр. 245

ومثلُه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (١). واعلمْ أنك إذا أخبرتَ بخبرَيْن فصاعدًا، كان العائدُ على المخبَر عنه راجعًا من مجموع الجزءَيْن، والمرادُ العائدُ المستقِلُّ به جميعُ الخبر، وذلك إنّما يعود من مجموعِ الاسمَيْن؛ فأمّا كلّ واحد منهما على الانفراد، ففيه ضميرٌ يعود إليه لا محالةَ من حيث كان راجعًا إلى معنى الفعل، فيعود من كل واحد منهما ضميرٌ عَوْدَ الضمير من الصفة إلى الموصوف، والظرفِ إلى المظروف؛ فأمّا عَوْدُ الضمير من الخبر المستقلِّ به إلى المبتدأ، فإنّما يكون من المجموع سواءٌ كان الخبران ضِدَّيْن أم لم يكونا. فصل [دخول الفاء على الخبر] قال صاحب الكتاب: "إذا تضمّن المبتدأُ معنى الشرط، جاز دخولُ الفاء على خبره، وذلك على نوعَيْن: الاسمُ الموصولُ، والنكرةُ الموصوفةُ إذا كانت الصلةُ أو الصفةُ فعلاً أو ظرفًا، كقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٢)، وقولهِ: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٣) وكقولك: "كلُّ رجل يأتيني، أو في الدار فله درهمٌ"، فإذا دخلتْ "لَيْتَ" أو "لَعَلَّ"، لم تدخل الفاءُ بالإجماع. وفي دخولِ "إنَّ" خلافٌ بين الأخفش وصاحبِ الكتاب". * * * قال الشارح: اعلم أنَّ الأسماء على ضربَيْن: منها ما هو عارٍ من معنى الشرط والجزاءِ، وضربٌ يتضمّن معنى الشرط والجزاء، فالأوّلُ نحوُ: "زيد" و"عمرو" وشِبْهِهما، فما كان من هذا القَبِيل لم يدخل الفاءُ في خبره. تقول: "زيدٌ منطلق" ولو قلت: "زيدٌ فمنطلقٌ" لم يجز، وكان أبو الحسن الأخفشُ يُجيز ذلك على زيادةِ الفاء، وذكر أن ذلك ورد عنهم كثيرًا، حَكَى: "أخوك فوُجد" على معنَى "أخوك وُجد" والفاءُ زائدة وأنشد [من الطويل]: ١٤٢ - وَقَائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهم ... وأُكْرُومَةُ الحَيَّيْنِ خِلْوٌ كما هِيَا

стр. 246

والمراد: وقائلةٍ خولانُ انْكِحْ فتاتَهم، وسيبويه لا يرى زيادتَها ويتأوّل ما وَرَدَ من ذلك على أنّها عاطفةٌ (١)، وأنّه من قبيلِ عطفِ جملةٍ فعليّةٍ على جملة اسميّة. وما كان متضمّنًا معنى الشرط، فالأسماءُ الموصولةُ، والنكراتُ الموصوفةُ. فالأسماء الموصولة نحوُ: "الذي"، و"التي"، وأخواتِهما، فهذه الأسماءُ لا تتِمّ إلَّا بصلاتٍ وعائدٍ، وصلاتُها تكون جملة خَبَريّةَ محتمِلة للصِّدْق والكِذْب، وهي الجُمَلُ التي تقع أخبارًا للمبتدأ، فالموصولُ لا يُخْبَر عنه حتّى يتمّ بصلته، فإذا اَستَوْفَى صلتَه، صار بمنزلةِ الاسم الواحد، فقولُك: "الذي أبوه قائمٌ"، أو"الذي قام أبوه" بمنزلةِ "زيد" أو "عمرو" ويفتقر إلى جزءٍ آخرَ يكون خبرًا حتى يتمّ كلامًا، كما يفتقر "زيدٌ" و"عمرٌو"، فتقول: "الذي أبوه قائمٌ منطلقٌ"، فيكون "الذي أبوه قائم" بمنزلةِ "زيد"، ثمّ أخبرتَ عنه بـ "منطلقٌ"، كما تقول: "زيدٌ منطلقٌ". فإذا كان الموصول شائعًا لا لشخصٍ بعينه، وكانت صلتُه جملةً من فعلٍ وفاعلٍ أو ظرفٍ أو جار ومجرورٍ، وأخبرت عنه، جاز دخولُ الفاء في خبره لتضمُّنه معنى الجزاء. وذلك قولُك: "الذي يأتيني فله درهمٌ، والذي عندي فمُكْرَمٌ". قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٢) إلخ. وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٣)، وقوله: ﴿الَّذِينَ﴾

стр. 247

يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ (١) كلُّه من صلةِ "الذين" وهو في موضع اسم مرفوع بالابتداء، وقولُه: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ (٢) في موضعِ الخبر، وكذلك قولُه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٣)، فقولُه: ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ الخبر. وإنّما اشترطنا لدخولِ الفاء أن يكون شائعًا غيرَ مخصوص، وأن تكون صلتُه فعلاً أو جارًّا ومجرورًا, لأنّه إذا كان كذلك، كان فيه معنى الشرط والجزاءِ، فدخلتْ فيه الفاءُ كما تدخل في الشرط المَحْضِ، وذلك أنه إذا كان شائعًا، كان مُبْهَمًا غيرَ مخصوص، وبابُ الشرط مبنيٌّ على الإبهام، فإن جعلتَه لواحد مخصوص، نحوَ: "زيدٌ الذي أتاني فله درهمٌ"، لم يجز دخولُ الفاء في خبره لبُعْده عن الشرط والجزاءِ، ألا ترى أنّك تقول: "من يخرجْ فله درهمٌ"، فيكون مُبْهَمًا غرِ مخصوص، فكذلك إذا قلت: "الذي يأتيني فله درهم" لا بد أن يكون شائعًا لا لمخصوص. فإن قيل: فأنتَ تقول: "إن أتاني زيدٌ فله درهمٌ"، فيكون الأوّلُ مخصوصًا، فهلّا جاز ذلك في "الَّذِي" إذا أردتَ به مخصوصًا. فالجوابُ أن الشرط لا بدَّ فيه من إبهام. فأنت إذا قلت: "من يأتِني فله درهم"، فالإبهامُ واقعٌ في الفعل والفاعلِ معًا، ألَّا ترى أنّ الفعل مبهمٌ يحتمل أن يوجَد، وأن لا يوجَد، والفاعلُ مبهم يعود إلى "مَنْ". وإذا قلت: "إن أتاني زيدٌ فله كذا" فالفاعلُ، وإن كان مخصوصًا، فالفعلُ مبهمٌ، وأنت إذا قلت: "الذي يأتيني" وأردتَ به مخصوصًا، لم يكن فيه إبهامٌ ألبتّةَ, لأنّ الموصول مخصوصٌ، والفعلَ مبنىٌّ على تيقُّنِ وجوده، فخَلَا من إبهام ألبتة، ففَارَقَ الشرطَ. وإنما اشتُرط وَصْله بالفعل, لأنّ الشرط لا يكون إلا بالفعل ألبتّةَ. فلو قلت: "الذي أبوه قائمٌ له درهم" لم يجز دخولُ الفاء في الخبر ها هنا لعدمِ مشابَهةِ الشرط. وأمّا إذا وُصل الموصول بظرفٍ أو جارٍّ ومجرورٍ، فإنّه- وإن لم تكن صلتُه فعلاً ملفوظًا- به فإنّه مقدَّرٌ حُكْمًا. فإذا قلت: "الذي في الدار، أو عندك" فكأنك قلت: "الذي استقرّ، أو وُجد" أو نحوَ ذلك، فإذا وُجدت هذه الشرائطُ في الموصول، جاز دخولُ الفاء في خبره. فإن قيل: فما الفرقُ بين الخبر عن الموصول إذا كان فيه الفاءُ، وبينه إذا لم يكن؟ قيل: إذا كان الخبرُ عن الموصول بالفاء آذن ذلك بأنّ الخبر مستحَقٌّ بالفعل الأوّلِ، ألا ترى أنك إذا قلت: "الذي يأتيني فله درهم" آذن ذلك بأنّ الدرهم مستحقٌّ له بإتْيانه، لأنّ الفاء للتعقيب، والمسبَّبُ يُوجَد عقيَب السبب، وإذا قلت: "الذي يأتيني له درهم" يدلّ على استحقاقِ الدرهم من غيرِ أن يدلّ على أنّه بالإتيان.

стр. 248

وكذلك النكرة الموصوفة بالفعل أو الظرفِ أو الجارِّ والمجرورِ، نحو: "كلُّ رجل يأتيني، أو في الدار فله درهم" حكمُه حكم الموصول في دخولِ الفاء في خبرها لشَبَهها بالشرط والجزاء كالموصول, لأن النكرة في إبهامها كالموصول إذا لم يُرَد به مخصوصٌ. والصفةُ كالصلة، فإذا كانت بالفعل، أو ما هو في تقدير الفعل من جارّ ومجرور، كانت الموصول في شَبَهِ الشرط والجزاء، فدخلت الفاءُ في خبرها كدخولها في خبرِ الموصول. فإن وقع في الصلة شرطٌ وجزاءٌ، لم تدخل الفاءُ في آخِرِ الكلام. وذلك قولُك: "الذي إن يَزُرْني أزُرْهُ له درهمٌ"، ولو قلت هنا: "فَلَهُ" لم يجز, لأنّ الشرط لا يُجاب دفعتَيْن وكذلك "كلُّ رجل إنْ يَزُرْني أُكْرِمْه له درهمٌ"، ولا يجوز "فله درهم", لأن الصفة قد تضمَّنت الجوابَ، ولم يُحْتَجْ إلى إعادته، ولو قلت: "الذي أبوه أبوك فزيدٌ"، لم يجز، لأنّه لم يتقدّم في الصلة ما يصِح به الشرطُ، وكذلك لو قلت: "كلُّ إنسان فله درهمٌ"، لم يجز؛ لأنّه لم تتقدّم صفةٌ يُسْتفاد منها معنى الشرط، فجرى هذان في الامتناع مجرى "زيدٌ فقائمٌ"، و"عمرٌو فمنطلقٌ". فإن دخلتْ على هذا الموصولِ، أو النكرةِ الموصوفةِ الحروفُ الناصبةُ للمبتدأ الرافعةُ للخبر، وهي: "إنَّ"، و"أنَّ"، و"كَأنَّ"، و"لَيْتَ"، وَ "لَعَلَّ" و"لكِنَّ"، فذ هب سيبويه إلى أنّ "كَأنَّ" و"لَيْتَ" و"لَعَل" و"لكِنَّ" تمنع من دخولِ الفاء في الخبر, لأنها عواملُ تُغيِّر اللفظَ والمعنى، فهي جاريةٌ مجرَى الأفعال العاملةِ، فلمّا عملتْ في هذه الموصولاتِ والنكرةِ الموصوفةِ، بُعدتْ عن الشرط والجزاء، فلم تدخل الفاءُ في خبرها كدخولها في خبرِ الموصولات إذا لم يكن فيها أدواتُ الشرط، ولا يعمل فيها ما قبلها من الأفعال وغيرِها. وأمّا "إِنَّ" فذهب سيبويه إلى جوازِ دخول الفاء في خبرها مع هذه الأشياء لأنها، وإن كانت عاملةً، فإنها غيرُ مُغيِّرة معنى الابتداء والخبرِ، ولذلك جاز العطفُ عليها بالرفع على معنى الابتداء. وقال الأخفش: لا يجوز دخول الفاء مع "إنَّ" عاملة كأخواتها. والأوّلُ أقرب إلى الصحّة. وقد ورد به التنزيلُ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١)، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ (٢) إلى أن قال: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣)، وقال: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ (٤)، فأدخل الفاءَ في الخبر. فالأخفشُ يحمل الفاءَ في ذلك كلِّه على الزيادة، والأوّل أظهرُ لأن الزيادة على خِلافُ الأصل، وسيُوضَح ذلك في حروف العطف إن شاء الله تعالى.

стр. 249

خبرُ "إنَّ" وأخواتِها فصل قال صاحب الكتاب: "هو المرفوع في نحوِ قولك: "إنّ زيدًا أخوك"، و"لَعَلَّ بِشْرًا صاحبُك"، وارتفاعُه عند أصحابنا (١) بالحرف، لأنه أشبهَ الفعلَ في لُزومه الأسماءَ، والماضِيَ منه في بِنائه على الفتح، فأُلحق منصوبُه بالمفعول ومرفوعُه بالفاعل، ونُزّل قولك: "إنّ زيدًا أخوك" منزلةَ "ضَرَبَ زيدًا أخوك"، و"كأنّ عمرًا الأسدُ" منزلةَ "فَرَسَ عمرَا الأسدُ"، وعند الكوفيين (٢) هو مرتفعٌ بما كان مرتفعًا به في قولك: "زيدٌ أخوك"، ولا عَمَلَ للحرف فيه". * * * قال الشارح: اعلم أنّ هذه الحروِف، وهي "إنَّ" وأخواتُها وهي ستّةٌ: "إنَّ"، و"أنَّ"، و"لَكِنَّ"، و"لَيْتَ"، و"لَعَلَّ"، و"كَأَنَّ" من العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر، فتنصِب ما كان مبتدأَ وترفع ما كان خبرًا، وإنما عمِلتْ لشَبَهها بالأفعال، وذلك من وُجوهٍ: منها اختصاصُها بالأسماء كاختصاصِ الأفعال بالأسماء، الثاني أنّها على لفظِ الأفعال، إذ كانت على أكثرَ من حرفَيْن كالأفعال، الثالُث أنها مبنيةٌ على الفتح كالأفعال الماضيةِ، الرابعُ أنها يتصل بها المضمرُ المنصوبُ، ويتعلّق بها كتعلُّقه بالفعل من نحوِ "ضَرَبِكَ" و"ضَرَبَهُ" وَ"ضَرَبَنِي"، فلمّا كانت بينها وبين الأفعال ما ذكرنا من المشابهة، كانت داخلةً على المبتدأ والخبر. وهي مقتضيةٌ لهما جميعًا، ألا ترى أنّ "إنَّ" لتأكيدِ الجملة، و"لَكِن" للاستدراك، فلا بدّ من الخبر لأنّه المستدركُ، ولا بدّ من المبتدأ ليُعْلَم خبرُ مَنْ قد استدرك. و"لَيْتَ" في قولك: "ليت زيدًا قادمٌ" تَمن لقُدومِ زيد. و"لَعَلَّ" تَرَجِّ، و"كَأَنَّ" تقتضي مشبهًا ومشبَّهًا به، فلمّا اقتضتْهما جميعًا، جرت مجرَى الفعل المتعدي، فلذلك نصبتِ الاسمَ، ورفعتِ الخبرَ، وشُبّهت من الأفعال بما قُدّم مفعولُه على فاعله. فقولُك: "إنّ زيدًا قائمٌ" بمنزلةِ "ضرَبَ زيدًا رجل". وإنّما قُدّم المنصوب فيها على المرفوع فَرْقَا بينها وبين الفعل، فالفعلُ من حيثُ كان الأصلَ في العمل جرى على سَنَنٍ

стр. 250

قياسه في تقديمِ المرفوع على المنصوب، إذ كان رُتْبَةُ الفاعل مقدّمةً على المفعول. وهذه الحروفُ لما كانت في العمل فُروعًا على الأفعال ومحمولة عليها، جُعلتْ دونها بأنّ قُدّم المنصوب فيها على المرفوع حَطّا لها عن درجةِ الأفعال، إذ تقديمُ المفعول على الفاعل فرعٌ، وتقديمُ الفاعل أصلٌ على ما ذُكر. وذهب الكوفيون إلى أن هذه الحروف لم تعمل في الخبر الرفعَ، وإنّما تعمل في الاسم النصبَ لا غيرَ، وإنما الخبرُ مرفوعٌ على حاله كما كان مع المبتدأ. وهو فاسدٌ، وذلك من قِبَل أن الابتداء قد زال، وبه وبالمبتدأ كان يرتفع الخبرُ، فلمّا زال العاملُ، بطل أن يكون هذا معمولًا فيه، ومع ذلك فإنّا وجدنا كلَّ ما عمِل في المبتدأ عمِل في خبره، نحوَ: "ظننتُ" وأخواتِها، لمّا عملتْ في المبتدأ عملت في الخبر، وكذلك "كَانَ" وأخواتُها لمّا عملت في المبتدأ عملت في الخبر، وليس فيه تَسْوِيَةٌ بين الأصل والفرع، لأنه قد حصلت المخالفةُ بتقديمِ المنصوب على المرفوع فاعرفه. فصل قال صاحب الكتاب: "وجميِعُ ما ذُكر في خبرِ المبتدأ من أصنافه وأحوالِه وشرائطِه قائمٌ فيه ما خَلَا جَوازَ تقديمه، إلَّا إذا وقع ظرفًا كقولك: "إنّ في الدار زيدًا"، و"لعل عندك عمرًا"، وفي التنزيل ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ (١) ". * * * قال الشارح: يعني أنّ هذه الحروف داخلةٌ على المبتدأ والخبر، وكل ما جاز في المبتدأ والخبر جاز في هذه الحروف، لا فَرْق، فالمرادُ بأصنافه كونُه مفردًا وجملةً، وبأحواله كونُه معرفة ونكرة، وبشرائطه افتقارُه إلى عائدٍ من الخبر إِذا كان جملة. وقوله: "من أصنافه" يعني أنَّ خبرَ المبتدأ كما يكون مفردًا، أو جملة، أو ظرفًا، كذلك في هذه الحروف، تقول في المفرد: "إن زيدًا قائمٌ" كما تقول في المبتدأ: "زيدٌ قائمٌ"، وفي الجملة: "إنّ زيدًا أبوه قائمٌ"، كما تقول: "زيدٌ أبوه قائمٌ"، و"إنّ زيدًا قام أبوه" كما تقول: "زيدٌ قام أبوه"، وتقول في الظرف: "إن زيدًا عندك" و"إنّ محمّدًا في الدار" فموضعُ الظرف رفعٌ، لأنّه خبرُ "إن" كما كان خبر المبتدأ قبل دخول هذه الحروف، فإن كان اسمُ "إنَّ" جُثة، وأخبرتَ عنه بالظرف، لم يكن ذلك الظرفُ إلَّا ظرفَ مكان، ولا تُخْبِر عنه بالزَمان، فتقول: "إنّ زيدًا عندك". ولو قلت: "إن زيدًا اليومَ" لم يجز, لأنّ هذه الأخبار في الحقيقة إنّما هي أخبارُ أسماءِ هذه الحروف؛ وأمّا: قولهم: خبرُ إنَّ، وخبرُ كَانَ، فتقريبٌ, لأنّ الحروف، والأفعال لا يُخْبَر عنها. وقوله: "وأحواله" يعني أن أحوالَ أخبارِ هذه الحروف كأحوالِ أخبارِ المبتدأ من
следующие страницы →