وكان يُونُسُ، وعِيسَى، وأبو زيد، والكسائيُّ، فيما حكاه أبو عثمان، ينظرون إلى "جوارٍ"، ونحوه من المنقوص؛ فكلّ ما كان له نظيرٌ من الصحيح مصروفٌ، صرفوه؛ وما لم يكن نظيرُه مصروفًا، لم يصرفوه، وفتحوه في موضع الجرّ، كما يفعلون في غيرِ معتلّ (١)، ويسكنونه في موضع الرفع خاصةً. قال الفَرَزْدَق [من الطويل]:
١١١ - ولَوْ كان عبدُ الله مَوْلًى هَجَوْتُهُ ... ولكن عبدَ الله مولَى مَوالِيَا
ففتح في موضع الجرّ، وهو قول أهلِ بغداد؛ والصرفُ قولُ الخليل، وسيبويه (٢)، وأبي عمرو بن العَلاء، وابن أبي إسحاق، وسائرِ البصريّين.
فأمّا قول صاحب الكتاب: "وحَضاجِرُ، وسَراوِيلُ، في التقدير جمعُ حِضجْر، وسِرْوالَةٍ"، فإشكالٌ أورده على نفسه, لأنّه قد تقدّم من قاعدةِ هذا الباب أن يكون جمعًا لا نظيرَ له في الآحاد؛ و"حضاجرُ" على زنةِ "دَراهِمَ"، و"سَواهِمَ": الضَّبُع (٣) مفردٌ.
قال الشاعر [من مجزوء الكامل]:
هَلاَّ غَضِبْتَ لرَحْلِ جا .... رِك إذ تُجرَّده حَضاجِرْ (٤)
стр. 177
و"سراويلُ": اسمٌ مفردٌ لهذا اللباس، فكأنّ في ذلك هَدْمَ هذه القاعدة، بإيرادِ نظير لهذا الجمع من الآحاد، ثّم انفصل عنه بأن قال: "أمّا حضاجرُ، فجمعٌ عند سيبويه، سُميت به الضبعُ"؛ وهو معرفةٌ، والمعارفُ من أسماءِ المُدُن والناسِ، قد سُمّي بالجموع، نحوَ قولهم للقبيلة: "كِلابٌ"، وقالوا: "المَدائنُ" لموضع معروف، وهو كثير. فواحدُ "حضاجر": "حِضجْز"، وقد تقدّم الكلام عليه.
وأمّا "سراويل" فهو عند سيبويه (١)، والنحويّين، أعجميٌّ وَقَعَ في كلام العرب، فوافق بناؤه بناء ما لا ينصرف في معرفة ولا نكرةٍ؛ وهو"قَنادِيلُ"، و"دَنانيرُ". قال الشاعر، وهو ابن مُقْبِل [من الطويل]:
١١٢ - يُمَشي بها ذَبُّ الرَّيادِ كأنّه ... فَتى فارِسيٌّ في سراويلَ رامِحُ
ويروى: "أتَى دُونها ذلك الرياد"، هكذا أنشده صاحب الصَّحاح (٢). قوله: "ذبُّ الرياد": الثورُ الوحشيُّ. والمراد: فتى فارسيٌّ رامحٌ في سراويل.
ومن الناس من يجعله جمعًا لـ "سِرْوالَةٍ"، وهي قطعةُ خِرْقَةٍ منه، كـ "دَخارِيصَ"، وأنشدوا [من المتقارب]:
١١٣ - عليه من اللُّؤْم سِرْوالَةٌ ... فليس يَرِقُّ لِمُستعْطِفِ
стр. 178
فيكون كـ "عِثْكالَةٍ"، و"عَثاكيلَ"، وهو رأيُ أبي العَباس. ويضعف من جهة المعنى, لأنه لا يريد أن يكون عليه من اللؤم قطعةٌ، وإنِّما هو هَجْوٌ، والسراويلُ: تمامُ اللباس، فأراد أنّه تامُّ التَّرَدِّي باللؤم.
قال أبو الحسن: من العرب من يجعله واحدًا، فيصرفه، والسماعُ حجّةٌ عليه.
قال أبو عليّ: الوجه عندي أن لا ينصرف في النكرة, لأنّه مؤنّث علي بناءٍ لا يكون في الآحاد، فمن جعله جمعًا، فأمره واضحٌ؛ ومن جعله مفردًا، فهو أعجمىٌّ، ولا اعتدادَ بالأبنية الأعجمية.
وأمّا التركيب فهو من الأسباب المانعةِ من الصرف، من حيث كان المركَّبُ فرعًا على الواحد، وثانيًا له, لأنّ البَسِيط قبل المركب، وهو على وجهين؛ أحدهما: أن يكون من اسمَيْن، ويكون لكلّ واحد من الاسمين معنًى، فيكون حكمُهما حكمَ المعطوف أحدهما على الآخر؛ فهذا يستحقّ البناء لتضمُّنه معنى حرف العطف، وذلك نحو: "خمسَة عشرَ"، وبابِه. ألا ترى أن مدلولَ كل واحد من الخمسة والعشرة مرادٌ؛ كما لو عطفت أحدهما على الآخر، فقلت: "خمسةٌ وعشرة"، فلمّا حذفتَ حرف العطف، وتَضمّن الاسمان معناه، بُنِيَا كما بُني "كَيْفَ"، و"أَيْنَ"، لما تضمّنا معنى همزة الاستفهام: وكما بُني "مَنْ" حين تضمّن معنى حرف الجزاء، وهي "إن".
وأمّا القِسم الثاني، وهو الداخل في بابِ ما لا ينصرف، فهو أن يكون الاسمان كشيء واحد، ولا يدلّ كلُّ واحد منهما على معنى، ويكون موقع الثاني من الأوّل موقعَ هاء التأنيث. فما كان من هذا النوع، فإنّه يجري مجرى ما فيه تاء التأنيث، من أنّه لا ينصرف في المعرفة، نحو"حَضْرَمَوْتَ"؛ تقول: "هذا حضرموتَ"، و"مررت بحضرموتَ"، فلا ينصرف؛ لأنّه معرفة مركَبٌ، والاسمُ الثاني من الصدر بمنزلةِ تاء
стр. 179
التأنيث ممّا دخلت عليه. ألا ترى أنّك تفتح آخرَ الأول منهما، كما تفتح ما قبل تاء التأنيث؛ فإن نكرته صرفته، تقول: "هذا حضرَموتُ وحضرَموتٌ آخَرُ"، منعتَ الأولَ الصرفَ؛ لأنّه معرفةٌ، وصرفتَ الثاني؛ لأنه لماّزال التعريفُ، بقيت علّةٌ واحدةٌ، وهو التركيبُ، فانصرف، وفُتح الاسم الأوّل للتركيب. وينزل الثاني من الأوّل منزلةَ تاء التأنيث، ويمتنع الثاني من الصرف للتركيب والتعريف. وكلُّ ما كان من ذلك، كان على ما ذكرنا مع منع الصرف.
ويجوز فيه إضافةُ الأوّل إلى الثاني، فإذا أضفت، أعربت الأوّل بما يستحقّه من الإعراب؛ ونظرت في الثاني، فإن كان ممّا ينصرف، صرفته؛ وإن كان ممّا لا ينصرف، لم تصرفه. فتقول فيما يضاف إلى المنصرف: "هذا حَضْرُمَوْتِ وبَعْلُ بَك"؛ وإن أضفت إلى ما لا ينصرف، قلت: "هذا رَامُ هُرْمُزَ ومارُ سَرْجِسَ"، و"رأيت رامَ هرمزَ ومارَ سرجسَ"؛ و"مررت برامِ هرمزَ وبمارِ سرجسَ". قال جَريرٌ [من الوافر]:
١١٤ - لَقِيتُم بالجَزِيرَة خَيْلَ قَيْسٍ. . . فَقُلْتُم مارَ سَرْجِسَ لاقِتالَا
أنشد على قول من أضاف. فمن لم يضف يقول: "مارَ سرجسُ" بالضمّ, لأنّه يجعله كالاسم الواحد حكمًا؛ يقول: "يا مارَسرجسُ".
وأمّا "مَعْدِيكرِبُ" ففيه الوجهان؛ التركيب والإضافة. فإن ركّبتهما، جعلتهما اسمًا واحدًا، وأعربتهما إعراب ما لا ينصرف، فتقول: "هذا معديكربُ"، و"رأيت معديكربَ"، و"مررت بمعديكربَ"، كما تقول: "هذا طلحةُ"، و"رأيت طلحةَ"، و"مررت بطلحةَ". وإذا أضفت، كان لك في الثاني منعُ الصرف، وصرفُه. فإذا صرفته اعتقدت فيه
стр. 180
التذكيرَ، وإذا منعته الصرفَ، اعتقدت فيه التأنيثَ؛ فتقول في المنصرف: "هذا معدِي كرب"، و"رأيت معدِي كربٍ"، و"مررت بمعدِي كرب"، كما تقول: "هذا غلامُ زيد"، و"رأيت غلام زيد"، و"مررت بغلامِ زيدٍ". وتقول في غير المنصرف: "هذا معدِي كربَ"، و"رأيت معدِي كربَ"، و"مررت بمعدِي كربَ"، كما تقول: "هذا غلامُ زَيْنَبَ"، و"رأيت غلامَ زينبَ"، و"مررت بغلام زينبَ".
واعلم أنّ في "معديكرب" شذوذَيْن: أحدهما: من جهة البِنْية؛ لأنهّم قالوا: "مَعْدِي"، بالكسر، على زنة "مَفْعِل"، والقياسُ "مَفْعَلٌ"، بالفتح، نحو: "المَرْمَى"، و"المَغْزَى". وما اعتلّت فاؤه يجيء المكان منه على "مَفْعِلٍ"، بالكسر، نحو: المَوْرِد، و"المَوْضِع"؛ فهذا وجهٌ من الشذوذ. والوجه الثاني: سكونُ الياء من "معديكرب"، وهو في موضع حركة؛ ألا ترى أنك إذا ركّبت فقلت: "هذا معديكربُ"، كانت الياء بإزاء الراء من "حَضْرَمَوْتَ"، واللام من "بَعْلبَك"، وكِلاهما مفتوحٌ. وإذا أضفت كان ينبغي أن تُسكَّن في موضع الرفع والجرّ، وتفتح في موضع النصب، كما في سائر المنقوصة من نحو: "هذا قاضي زيد"، و"مررت بقاضي زيد"، و"رأيت قاضِيَ زيد". ولم يجز الأمرُ في "معديكرب" كذلك، بل سكنت في حال النصب، كما سكنت في حال الرفع والجرّ؛ وذلك لأتهم شبّهوها في حال التركيبِ وحصولها حشوا بما هو من نفس الكلمة، نحو الياء في "دَرْدَبيسٍ"؛ (١)، والياء في "عَيْضَمُوزٍ" (٢). قال الخليل: شبّهوها بالألف في "مَثنَى"، و"مَعْنًى"؛ وأمّا في حال الإضافة، فسكنوها أيضًا تشبيهًا لها بالمركّبة، للزوم هذا الاسم الإضافة؛ ولأنهّم لما سكّنوها في المركّب، وهو موضعٌ لا تكون (٣) فيه إلاّ مفتوحةٌ، سكنوها ها هنا, لأنه موضعٌ قد تسكن فيه؛ ألا ترى أنّها قد تسكن في الرفع والجرّ، فحُمل النصب في مثل هذا على الرفع والجرّ، لجواز إسكانه في ضرورة الشعر، حملًا على المرفوع والمجرور، تشبيهًا لها بالألف. فاعرفه.
وأمّا العُجْمَة، فإنها من الأسباب المانعة من الصرف, لأنّ المعجمة دخيلةٌ على كلام العرب؛ لأنّها تكون أوّلاً في كلام العجم، ثمّ تُعرَّب، فهي ثانيةٌ له، وفرعٌ عليه.
واعلم أن قولهم: "المعجمة"، ليس المراد منه لغة فارِسَ لا غيرُ، بل كلَّ ما كان خارجًا عن كلام العرب، من رُومٍ ويُونانَ وغيرهم.
وتنقسم العجمةُ إلى قسمين:
أحدهما: ما عُرّب من أسماء الأجناس، فنُقل إلى العربي جنسًا شائعًا، واستُعمل استعمالَ الأجناس، فجرى مجرى العربيّ، فلا يكون من أسباب منعِ الصرف. واعتباره
стр. 181
بدخول الألف واللام عليه، وذلك كـ "الإبْرِيسَم"، و"الديباج"، و"الفِرِنْد"، و"اللجام"، و"الإِستبْرَق"، فهذا النوعُ من الأعجميّ جارٍ مجرى العربيّ، يمنعه من الصرف ما يمنعه، ويُوجبه له ما يوجبه.
والثاني: من المعرَّب ما نُقل عَلَمًا، نحو: "إسحاق"، و"يَعْقُوبَ"، و"فِرْعَوْنَ"، و"هَامَانَ"، و"خُتْلُخَ"، و"تَكِينَ"؛ فهذه في لغتها الأعجميّة أعلامٌ، والأعلامُ معارفُ، والمعرفةُ أحدُ الأسباب المانعة من الصرف، وقد عُرّبت بالنقل، فزادها ذلك ثِقلًا.
والأسماء الأعجميّة تُعْرَف بعلاماتٍ؛ منها: خروجها عن أبنية العرب، نحو: "إسماعيل"، و"جِبْرِيلَ". ومنها: مُقارَبَةُ ألفاظِ العجم، إلَّا أنها غُيرت إلى المُعْرَبة، نحو: "أَبْرَاهام" إذ قالوا: "إِبْراهِيمُ" على الإخلاص. ومنها: تركُ الصرف، نحو: "إبْلِيسَ"، ولو كان عربيًّا لانصرف. ومن زعم أنّه من "أَبْلَسَ"، إذا يَئِسَ، فقد غلط؛ لأنّ الاشتقاق لا يكون في الأسماء الأعجميّة.
وأمّا الألف والنون المضارعتان لألفي التأنيث، فهي من الأسباب المانعة من الصرف، من حيث كانتا زائدتَيْن، والزائدُ فرغٌ على المَزِيد عليه. وهما مع ذلك مضارعتان لألفي التأنيث، نحو: "حَمْراءَ"، و"صَحراءَ"، والألف في "حمراء" و"صحراء" يمنع الصرفَ، فكذلك ما أشبَهه، وذلك نحو: "عَطْشانَ"، و"سَكْرانَ"، و"غَرْثان"، و"غَضْبانَ"، واعتبارُه أن يكون "فَعْلَانَ"، ومؤنّثُه "فَعْلَى"، نحو قولك في المذكّر: "عَطْشانُ"، وفي المؤنّث: "عَطْشَى"، و"سَكْرانُ"، وفي المؤنّث: "سَكْرَى"، و"غَرْثانُ"، وفي المؤنّث: "غَرْثَى"؛ لا تقول: "سَكْرانَة"، ولا "عطشانة"، ولا "غرثانة" في اللغة الفُصْحَى. وإنّما قلنا: "فَعْلَانُ"، ومؤنّثه "فَعْلَى"، احترازًا من "فَعْلَان" آخر، لا "فَعْلَى" له في الصفات. قالوا: "رجل سَيْفان"، للطويل الممشوقِ؛ وقالوا: "امرأة سَيفانةٌ"، ولم يقولوا: "سَيْفَى"، وقالوا: "رجلٌ نَدْمانٌ"، و"امرأة ندمانةٌ"، ولم يقولوا: "نَدْمَى". فهذا ونحوه مصروفٌ لا محالة.
ووجه المضارعة بين الألف والنون في "سكران" وبابه، وبين ألفي التأنيث في: "حمراء"، و"قصباء"؛ أنهما زِيدتَا زَيْدًا معًا، كما أنّهما في "حمراء" كذلك؛ وأنّ الأوّل من الزائدَيْن في كل واحد منهما ألفٌ؛ وأنّ صيغة المذكّر فيهما مخالفةٌ لصيغة المؤنّث؛ وأنّ الآخر من كلّ واحد منهما يمتنع من إلحاق تاء التأنيث. فكما لا تقول في "حمراء"، و"صفراء": "حمراءةٌ، وصفراءةٌ"، كذلك لا تقول في "عطشان": "عطشانةٌ"، ولا في: "غضبان": "غضبانةٌ". بل تَقول في المؤنّث: "غَضْبَى"، و"عَطْشَى".
وقولنا: "في اللغة الفُصْحَى" احترازٌ عمّا رُوي عن بعض بني أسدٍ: "غضبانةٌ"، و"عطشانةٌ"، فألحق النون تاء التأنيث، وفرق بين المذكّر والمؤنث بالعلامة، لا بالصيغة.
стр. 182
وقياس هذه اللغة الصرف في النكرة كـ "ندمانٍ"، فتقول: "هذا عطشانٌ"، و"رأيت عطشانًا"، و"مررت بعطشانٍ".
وأمّا الأعلام، نحو: "مَرْوانَ"، و"عَدْنانَ"، و"غيْلانَ"، فهي أسماءٌ لا تنصرف للتعريف وزيادة الألف والنون. واعلم أن هذه الألف والنون في هذه الأعلام، وما كان نحوها، محمولاتٌ على باب "عطشانَ"، و"سكران"، لقُرْب ما بينهما، ألا ترى أنّهما زائدتان كزيادتهما، وأنه لا يدخل عليها تاءُ التأنيث؛ لا تقول: "مروانةْ"، ولا "عدنانةٌ"، لأن العلمية تحظُر الزيادة، كما تحظر النقص. وليس المانعُ من الصرف كونه على زنةِ "فَعْلَان"، ألا ترى أنّ "عُثْمان"، و"ذُبْيان"، و"سُفْيان" حكمها حكم "عَدْنان "، و"غَيْلان".
فإن قيل: فأنت تقول: "سَلْمان"، و"سَلْمَى"، فهلّا كان كـ "عَطْشان"، و"عطْشى" قيل: ليس "سلمان، وسلمى"، من قبيل "عطشان، وعطشى"؛ إنّما ذلك من قبيلِ تَلاقِي اللغة، وأمرٌ حصل بحكم الاتّفاق، لا أئه كان مقصودًا. وقد كثرت زيادة الألف والنون آخرًا على هذا الحدّ، فإن جُهل أمرُها في موضعٍ، قُضي بزيادة النون فيه، إلى أن تقوم الدلالةُ بخلافه؛ فإن سمّيت رجلًا بـ "سِرْحانٍ"، أو امرأةً، منعتَه الصرف؛ لانّه صار حكمه حكمَ "عَدْنانَ"، و"ذُبْيانَ". فإن نكّرته، انصرف لا محالةَ. فإن سمّيت بـ "رُمّانٍ"؛ فسيبويه والخليلُ لا يصرفانه (١)، ويحكمان على الألف والنون بالزيادة، حملًا على الأكثر؛ وأبو الحسن يصرفه، ويحملها على أنّها أصلٌ، وحجّته أنّه قد كثُر في النَّبات "فُعَّالٌ"، نحو: "سُمّاقٍ"، و"حُمّاضٍ"، و"عُنّابٍ"، و"جُمّارٍ".
* * *
وقوله: "إلَّا إذا اضُطر الشاعر فصرف"؛ يعني أنّ الاسم إذا اجتمع فيه سببان من الأسباب التسعة، امتنع من الصرف، ولم يجز صرفُه، إلا في ضرورة الشعر، فإنّ ضرورة الشعر تُبيح كثيرَا ممّا يحظره النَّثْرُ، واستعمالَ ما لا يسوغ استعمالُه في حال الاختيار والسعة. فجميعُ ما لا ينصرف يجوز صرفُه في الشعر لإتمام القافية، وإقامة وزنه (٢) بزيادة التنوين. وهو من أحسن الضرورات, لأنّه رَدٌّ إلى الأصل، ولا خِلافَ في ذلك، إلَّا ما كان في آخره ألفُ التأنيث المقصورةُ، فإنّه لا يجورُ صرفه للضرورة, لأنّه لا ينتفع بصرفه لأنّه لا يسُدّ ثُلْمَة في البيت من الشعر، وذلك أنك إذا نوّنت مثلَ "حُبْلَى"، و"سَكْرَى"، فقلت: "حُبْلى"، و"سَكْرى"، فتحذف ألف التأنيث لسكونها، وسكون التنوين، بعدها، فلم يحصل بذلك انتفاعٌ, لأنّك زدتَ التنوين، وحذفت الألف، فما ربحت إلَّا كَسْوَ قياسٍ، ولم تَحظَ بفائدة.
واعلم أنّك إذا نوّنت اسمًا غير منصرف ضرورةً، جررته أيضًا؛ لأنّك تردّه إلى
стр. 183
أصله، فتحرِّكه بالحركات الثلاث التي تنبغي له، نحو قوله [من الطويل]:
١١٥ - إذا ما غَزَوْا بالجَيْش حَلَّقَ فَوْقَهم ... عَصائبُ طَيْرٍ تَهْتَدِي بعَصائبِ
فخفض "عصائبَ" لمّا ردّها إلى أصلها.
* * *
قال صاحب الكتاب: أما السبب الواحد, فغير مانع أبداً, وما تعلَّق به الكوفيون في إجازة منعه في الشعر ليس بثبت.
قال الشارح: السبب الواحد لا يمنع الصرفَ في حال الاختيار والسعةِ. وقد أجاز الكوفيون، والأخفش، وجماعةٌ من المتأخِّرين البصريين؛ كأبي عليّ، وابن بُرْهان وغيرهما، تركَ صرف ما ينصرف. وأباه سيبويه، وأكثر البصريين. وقد أنكر المنعَ أبو العَبّاس المبرّدُ، وقال: "ليس لمنعِ الصرف أصلٌ يُرَدّ إليه"، وقد أنشد من أجاز ذلك أبياتًا صالحةَ العدة. قال عبّاس بن مِرْداس [من المتقارب]:
١١٦ - فما كان حِصْنٌ ولا حابِسٌ. . . يَفُوقان مِرْداسَ في مَجْمَعِ
стр. 184
فلم يصرف "مرداسًا"، وهو أبوه. ومن ذلك قول ذي الإِصبع (١) العَدْواني [من الهزج]:
١١٧ - ومِمَّن ولدُوا عامرُ ... ذو الطُّولِ وذُو العَرْضِ
ولم يصرف "عامرًا". وأنشدوامن مجزوء الوافر]:
١١٨ - ومُصْعَبُ حِينَ جَدَّ الأَمرُ ... أَكْبَرُها وأَطْيَبُها
إلى أبياتٍ أُخَر غير هذه، جاءت في أشعار العرب أضعافَ ما ذكرناه. وقد تَأوَّلها أبو العبّاس، ورَوَى شيئًا منها على غير ما رووه. فأمّا بيتُ عبّاس فإنّ الرواية الصحيحة:
стр. 185
"يفوقان شَيْخِيَ في مجمع"؛ وشيخُه: هو مرداسٌ. وإن صحّت روايتهم، فإنّه جعله قبيلةً لتقدُّمه، وكثرةِ أشياعه.
وأمّا "عامرُ ذو الطول" فأبو القبيلة، ويجوز أن يكون جعله القبيلة نفسها، فلم يصرفه، ثم ردّ الكلامَ في الصفة إلى اللفظ. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ (١)، صرف الأول؛ جعله أبا القبيلة، ومنعه الصرفَ ثانيًا؛ لأنّه جعله نفس القبيلة. وأمّا قوله مُصْعَبُ: "حين جدّ الأمر"، فإنّ الرواية الصحيحة: "وأَنْتُمْ حينَ جدّ الأَّمر". وإن صحّت تلك الروايةُ، حمله على إرادة القبيلة. وكان أبو بكر بن السَّرّاج يقول: "لو صحّت الرواية في ترك صرف ما ينصرف (٢)، ما كان بأبعد من قوله [من الطويل]:
١١٩ - فبَيْنَاهُ يَشْرِي رَحْلَه قال قائلٌ ... لِمَن جَمَلٌ رِخْوُ المِلاطِ نَجِيبُ
إنما هو"فبَيْنَا هو"، فحذف الواو من "هُوَ"، وهي متحرّكةٌ، من نفس الكلمة؛ وإذا جاز حذفُ ما هو من نفس الحرف، كان حذف التنوين، الذي هو زيادةٌ، للضرورة أولى. والذي ذكره ابن السرّاج لا أراه؛ لأن التنوين حرفٌ دخل لمعنى، فإذا حُذف، أَخَلَّ بذلك المعنى. وليس كذلك ما هو من نفس الكلمة؛ ألا ترى أنَّه لمّا اجتمع التنوين مع ياء
стр. 186
المنقوص، في مثل "قاضٍ"؛ ومع المقصور في مثل "عَصًا"، واقتضت الحال حذف أحدهما، حذف لام الكلمة، وبقي التنوين: لأن حذف التنوين ربّما أوقع لَبْسًا, وليس كذلك حذف الواو من قوله: "فبيناه يشري رحله".
واعلم أن النصوص الواردة في هذا الباب ليس ردُّها بالسَّهْل. والمذهبُ فيه منعُ صرف المنصرف من الأسماء، إذا كان فيه علّةٌ واحدةٌ من العِلَل التسع؛ حتّى لو اجتمع معها علّةٌ أخرى، امتنع من الصرف في حال الاختيار والسعةُ. فللضرورة اعتُبر مُطْلَقُ الثِّقَل. وفي حال الاختيار اعتُبر ثقلٌ مخصوصٌ. فإذا أعتبرت النصوص الواردة في هذا الباب، كان أكثرها أعلامًا معارف، فامتنع الصرفُ للضرورة بسبب واحد من سببَيْن. فلو جاء مثل "رجل"، و"فرس" وأريد منعُه الصرفَ للضرورة، لم يجز عندي. فأمّا صاحب الكتاب فإنّه اختار منعَ جوازِ صرفِ ما ينصرف في الضرورة، وهو مذهب سيبويه، والأكثر من البصريين، وقد ذكرتُ حجّتهم في ذلك.
* * *
قال صاحب الكتاب: "وما أحد سببيه, أو أسبابه, العلمية؛ فحكمه الصرف عند التنكير, كقولك: "رُبَّ سعادٍ, وقطامٍ" لبقائه بلا سبب, أو على سبب واحد".
* * *
قال الشارح: قد ذكرنا أنّ العَلَميّة أحدُ الأسباب المانعة من الصرف، من حيث كان التعريفُ فرعًا، والتنكير أصلًا، على ما مضى. والعلميّةُ تجامع ستّةَ أسباب من موانعِ الصرف:
أحدُها: العجمة، في مثل "إبراهيم"، و"إسماعيل"، و"إسحاق"، و"يعقوب"، فهذه الأسماء لا تنصرف للتعريف والعجمة. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ (١). وقال عَزَّ من قائلٍ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ (٢) الثاني: وزنُ الفعل، نحو: "يَزِيدَ"، و "تَغْلِبَ"، و"يَشْكُرَ"، و"يَغمَرَ"، و"خَضَّمَ"، و"ضُرِبَ"، إذا سُمي به، فهذا، وما كان مثله، لا ينصرف، للتعريف ووزن الفعل. الثالث: العدلُ، في مثل: "عُمَرَ"، و"زُفَرَ"، و"حَذَامَ"، و"قَطَامَ"، عُدل من "عامِرٍ"، و"زافِرٍ"، و"حاذِمَةَ"، و"قاطِمَةَ"، أعلامًا.
الرابع: زيادةُ الألف والنون، في نحو: "عُثْمانَ"، و"ذُبْيانَ"، و"سَلْمانَ"، و"عَدْنانَ"، فهذا لا ينصرف للتعريف وزيادة الألف والنون.
الخامس: التركيب، نحو: "بَعْلَبَك"، و"مَعْدِيكَرِبَ"، و"رَامَ هُرْمُزَ"، وما كان مثلها، ممّا جُعل الاسمان فيه اسمًا واحدًا؛ فهذه الأسماءُ لا تنصرف للتعريف والتركيب.
стр. 187
السادس: التأنيث، في مثل: "طَلْحَةَ"، و"حَمْزَةَ"، و"سُعادَ"، و"قَطَامَ"، فهذه لا تنصرف للتعريف والتأنيث؛ فالتانيثُ في نحو: "طلحة"، و"حمزة" بالتاء، وفي "سُعادَ" بتقدير التاء، إلَّا أنه لا يظهر لكون الحرف الزائد على الثلاثة ينزل منزلة علامة التأنيث، ولذلك يتعاقبان، إلَّا فيما لا يُعْتدّ به؛ وذلك في تصغير "وَراء"، و"قُدّامٍ"، فقد قيل: "وُرَئئَةْ"، و"قُدَيْدِيمَةٌ"، وهو قليل. وأمّا "سَقَرُ"، وما كان مثله، فإنّ حركة عينه قامت مقامَ الحرف الرابع على ما سنذكر.
فهذه الستّة إحدى علّتَيْها: التعريف. فإذا نُكرت، زالت إحدى العلّتَيْن، وهو التعريف، فبقيت علّةٌ واحدةٌ، فينصرف، فتقول: "هذا إبراهيمُ وإبراهيمٌ آخر، وأحْمَدُ وأحمدٌ آخرُ، وعُمَرُ وعمرٌ آخر، وعثمانُ وعثمانٌ آخر"، وهذا بعلبكُّ وبعلبكُّ آخرُ"، وهذا حمزةُ وحمزةٌ آخر".
* * *
وقوله: "نحو رُبَّ سُعادٍ وقَطامٍ، لبقائه بلا سبب، أو على سبب واحد"؛ فالمراد أنّ "سعادَ"، وما كان مثله، مثلَ: "طلحةَ"، فيه التعريفُ والتأنيثُ، فهذا نُكّر، انصرف لزوالِ التعريف. و"قَطامُ" فيه ثلاثُ عِلَل: التعريفُ والتأنيثُ، والعدلُ. فإذا نُكر زال التعريفُ، وزال أيضًا العدلُ، لزوالِ التعريف؛ لأنّه إنّما كان معدولًا في حال التعريف، فبقي في كلّ واحد منهما سببٌ واحدٌ، وهو التأنيث، وهذا الضربُ من التأنيث لا أثَرَ له إلَّا مع التعريف، فإذا زال التعريفُ، بطل حكمه، وصار الاسمُ في حكمِ ما لا سبب فيه، فإن شئتَ أن تقول: بقي بلا سبب, لأن السبب الباقي لا أثرَ له، وإن شئت أن تقول: بقي على سبب واحد، وهو التأنيث لفظًا.
ومثله: "عُمَرُ"، إذا نكّرته، زال التعريفُ، وزال العدلُ بزواله أيضًا. وهذا إنّما يطّرد فيما مَثلَ به من "سعادَ"، و"قطامَ"، ونظائرهما، إلا في كلَّ ما أحد سببيه التعريفُ، ألا ترى أنّ "أَذَرْبَيجانَ" قد اجتمع فيه التعريفُ، والتركيبُ، والعجمةُ، وزيادةُ الألف والنون، فإذا زال التعريف جاز أن يقال: لبقائه بلا سبب، إذ كان لا أثرَ لهذه الأسباب إلَّا مع التعريف، ولا يقال: بقي على سبب واحد؛ لأنه لمّا زال التعريفُ، بقي فيه أكثرُ من سبب واحد، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: "إلا نحو: "أحمر", فإن فيه خلافاً بين الأخفش, وصاحب الكتاب" (١).
* * *
قال صاحب الكتاب: لمّا أطلق، وقال وما أحد سببيه، أو أسبابه، العلميةُ، فحكمه الصرفُ عند التنكير. استثنى "أَحْمَرَ"، ونحوه من الصفات، إذ كان فيه خلافٌ، إذا سُمّي به، ثمّ
стр. 188
نُكّر؛ فإن سيبويه يمنع من صرفه بعد تنكيره (١)، كما كان يمنعه في حالِ تعريفه؛ إلَّا أنّ المانع من الصرف مختلِفٌ؛ ففي حال التعريفِ المانعُ من الصرف التعريفُ ووزنُ الفعل، وفي حال التنكير شَبَهُه بحاله قبل التسمية.
وذهب أبو الحسن الأخفش إلى صرفه, لأنّه بالتسمية فارَقَ الصفة، وعرض فيه التعريفُ ووزنُ الفعل، على ما ذُكر. فإذا نُكّر، زال التعريفُ، وبقي فيه عِلّةٌ واحدةٌ، وهي الوزنُ وحده، فانصرف.
وأرى القياسَ ما قاله أبو الحسن، وكذلك ما كان نحوه، مثلَ: "سَكْرانَ، وعَطْشانَ"، إذا سمي بشيء من ذلك، ثم نُكر، فهو على الخلاف.
قال صاحب الكتاب: "وما فيه سببان من الثلاثي الساكن الحشو- "كـ "نوح", و"لوط"- منصرفٌ في اللغة الفصيحة التي عليها التنزيل, لمقاومة السكون أحد السببين. وقوم يجرونه على القياس, فلا يصرفونه. وقد جمعهما الشاعر في قوله [من المسرح]:
١٢٠ - لم تتلفع بفضل مئزرها ... دعدٌ ولم تسق دعد في العلب
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ ما كان ساكن الوسط من الثلاثيّ المؤنّث، إذا كان معرفة، فالوجهُ منعُه الصرفَ، لاجتماع السببين. وقد يصرفه بعضُهم لخفته بسكون وسطه، فكأنّ الخفة قاوَمَتْ أحدَ السببَيْن، فبقي سببٌ واحدٌ، فانصرف عند هؤلاء. وفيه رَدٌّ إلى الأصل. وقد أنشد قول جَرِيرٍ:
لم تتلفّعْ بفضل ... إلخ
стр. 189
والشاهد فيه صرفُ "دَعْدٍ" وتركُ صرفها. و"التلفُّع": التقنُّعُ، والتَّرَدَّي. و"العُلَبُ": جمعُ "عُلْبةٍ" كـ "ظُلْمَةٍ" و"ظُلَمٍ". وهو إِناءٌ من جِلْد يشرب به الأعرابُ. يصفها بأنّها حَضَريَةٌ (١)، رقيقةُ العيش، لا تلبسَ ما يلبسه العربُ، ولا تشرب مما يشربون. ومثله قول الآخر [من الطويل]:
ألَا حَبَّذَا هِنْدٌ وأَرْضٌ بها هِنْدُ ... وهندٌ أَتَى مِن دُونِها النَّأْيُ والبُعْدُ (٢)
فصرف "هندًا" في موضعين من البيت. وليس ذلك من قبيل الضرورة؛ لأنه لو لم يصرف، لم ينكسر وزنُ البيت. والقياسُ الصرف؛ لأنّ مُراعاةَ اللفظ فيما لا ينصرف هو البابُ. ألا ترى أنهم قالوا: "ذَلَذِلًا"، و"جَنَدِلًا" فصرفوه، وإن كان المراد "ذَلاذِلَ"، و"جَنادِلَ" غير مصروفَيْن، لأنّهما بزنة "مَساجِدَ"، لكنّهم حذفوا الألف منهما تخفيفًا؛ وما حذف للتخفيف، كان في حكم المنطوق به؛ ويؤيّد وُضوحًا أن الألف مرادةٌ، أنّه قد اجتمع فيها أربعُ متحركاتٍ متوالياتٍ في كلمة، مع كون الألف مرادةّ، فهو مصروفٌ لمراعاة اللفظ.
وكان الزجّاج لا يرى صرفَ نحو: "هندٍ"، و"دعدٍ"، و"جُمْلٍ"، ولا صرفَ شيء من المؤنّث يسمّى باسم على ثلاثة أحرف أوْسطُها ساكنٌ.
فأمّا الاسم الأعجمي الثلاثيّ الساكنُ الوسطِ فمصروفٌ ألبتّة، نحوَ: "لُوطٍ"، و"نُوحٍ". قال الله تعالى: ﴿امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (٣).
واعلم أنّ اعتمادهم في نحو: "هند"، و"دعد"، وما كان مثلهما الصرف ومَنْعَه؛ واعتمادَهم في نحو: "نوح"، و"لوط" الصرفَ ألبتّة، مع تَساويهما في الخفّة، لسكونِ أوسطهما، دليلٌ على أن حكمَ التأنيث أقوى في منعِ الصرف من العُجْمة. وصاحبُ الكتاب لم يفرق بين "هند", و"جمل"وبين "لوط", و"نوح", وجعل حكم"نوح", و"لوط" في الصرف ومنعهِ كـ "هند","دعد"؛ وهو القياسُ ,إلاَ أن المسموع ما ذكرنا.
* * *
قال صاحب الكتاب: "وأما ما فيه سببٌ زائدٌ, كـ "ماه" (٤) , و"جور" (٥) , فإن فيهما ما في "نوحٍ" مع زيادة التأنيث, فلا مقال في امتناع صرفه"
قال الشارح: أمّا "مَاهُ"، و"جُورُ" إذا سُمّي بهما امرأتان، فلا كلامَ في منعِ
стр. 190
صرفهما؛ لأنّه قد اجتمع فيه ثلاثةُ أسباب: التعريف، والتسمية والتأنيث، والعجمة؛ ولذلك لو سمّيت امرأةَ بـ "دُكَّ"، أو "حُشَّ"، لكان غيرَ مصروف، لِما ذكرناه، ولو سمّيت بهما رجلاً، لكان حكمهما حكمَ "نُوحٍ"، و"لُوطٍ".
* * *
قال صاحب الكتاب: "والتكرر (١) في نحو: "بشرى", و"صحراء" و"مساجد", و"مصابيح", نزل البناء على حرف تأنيث لا يقع منفصلاً بحالٍ، والزنةُ التي لا واحد عليها منزلة تأنيثٍ ثانٍ, وجمع ثان".
* * *
قال الشارح: لما ذكر في أَثْناءِ هذا الفصل أن السبب الواحد لا يكون مانعًا من الصرف ألبتة، خاف أن متوهَّمٌ أنّ نحو: "حُبْلَى"، و"بُشْرَى"، و"صَحْراءَ"، وَ"مَسَاجِدَ" ناقضٌ لِما قَرَّرَه، فنَبَّهَ عليه، وعرّف أنّ العلّة ها هنا متكرّرةٌ؛ وذلك أنّ ألف التأنيث المقصورة والممدودة في نحو: "حُبْلَى"، و"سَكْرى"، و"حَمْراءَ"، و"صَحْراءَ" هي المانعةُ من الصرف وحدها، وأن الصفة لا أثَرَ لها، بل هي سببٌ زائدٌ على المانع. ألا ترى أنّ نحو: "حُبارَى"، و"بُهْمَى"، و"شُكاعَى" أسماءٌ غيرُ صفات، وليس فيها إلَّا الألف وحدها؛ وأن "صحراء"، و"طَرْفاءَ" ليست بصفة، وليس مع الألف الممدودة فيهما سِواها، وإنما منعت الصرفَ لأنهّا لازمةٌ للتأنيث، وقد بنيت الكلمة عليها، فتتنرّل منزلةَ الجُزء منها، فلذلك تثبت في التكسير، نحوَ: "حُبْلَى"، و"حَبالَى"؛ و"سَكْرَى"، و"سُكَارَى"؛ و"صَحْراءَ"، و"صَحارَى".
وليست التاء كذلك في نحو: "طلحةَ"، و"حمزةَ"، إنّما هي علامةٌ منفصلةٌ بمنزلةِ اسم ضُمَّ إلى اسم، ولذلك تحذف في التكسير في نحو: "قَرْيَةٍ"، و"قُرّى"؛ و"ظُلْمَةٍ"، و"ظُلَمٍ"؛ و"جَفْنَةٍ"، و"جِفانٍ"؛ و"طَلْحَةٍ"، و"طِلاحٍ". فالألفُ تُشارِك التاءَ في التأنيث، وتزيدَ عليها باللزوم، فصار لزومُ التأنيث بمنزلة تأنيثٍ ثانٍ. فهذا معنى تكرُّر العلّة.
وكذلك نحوُ: "مساجِدَ"، و"مَصابِيحَ"، وذلك أن هذا الجمع لمّا لم يكن له نظيرٌ في الآحاد، وليس في المجموع جمعٌ إلَّا ولَهُ نظيرٌ في الآحاد، على ما تقدّم، فصار هذا الجمعُ لعدمِ النظير كأنّه جُمع ثانيًا، فتكرّرت العلّةُ، وقد تقدّم ذلك مبسوطًا.
стр. 191
القول في وجوه إعراب الاسم
فصل
قال صاحب الكتاب: "هي الرفع والنصب والجر. وكل واحد منها علم على معنى؛ فالرفع علم الفاعلية, والفاعل واحدٌ ليس إلا. وأما المبتدأ, وخبره, وخبر "إن" وأخواتها, و"لا" التي لنفي الجنس, واسم "ما" و"لا" المشبهتين بـ "ليس", فملحقات بالفاعل على سبيل التشبيه والتقريب.
وكذلك النصب علم المفعولية؛ والمفعول خمسة أضرب: المفعول المطلق, والمفعول به, والمفعول فيه ,والمفعول معه, والمفعول له. والحال, والتمييز, والمستثنى المنصوب, والخبر في باب "كان" والاسم في باب "إن" والمنصوب بـ "لا" التي لنفي الجنس, وخبر "ما" و"لا" المشبهتين بـ "ليس". ملحقاتٌ بالمفعول.
والجر علم الإضافة. وأما التوابع فهي في رفعها ونصبها وجرَّها داخلة تحت أحكام المتبوعات؛ ينصب عمل العامل على القبيلين (١) انصبابةً واحدة. وأنا أسوق هذه الأجناس كلها مرتبة مفصلة, بعون الله وحسن تأييده".
* * *
قال الشارح: اعلم أن الإعراب في اللغة: البَيانُ. يقال: أَعْرَبَ عن حاجته، إذا أبان عنها. ومنه قوله ﵇: "الثَّيِّبُ تُعْرِب عن نفسها" (٢). وهو مشتقٌّ من لفظِ "العَرَب" ومعناه؛ وذلك لِما يُعْزَى إليهم من الفصاحة. يقال: "أَعْرَبَ"، و"تَعَرَّبَ"، إذا تَخَلَّقَ بخُلْق العرب في البيان والفصاحة. كما يقال: "تَمَعْدَدَ"، إذا تكلّم بكلام مَعَدّ.
و"الإعراب": الإبانةُ عن المعاني باختلافِ أواخر الكلم، لتعاقُب العوامل في أوّلها. ألا ترى أنك لو قلت: "ضَرَبَ زيدْ عمرْو"، بالسكون من غير إعراب، لم يُعْلَم الفاعل من المفعول. ولو اقتُصر في البيان على حِفْظِ المَرْتَبة، فيُعْلَم الفاعلُ بتقدُّمه، والمفعولُ بتأخُّره، لضاق المذهبُ، ولم يُوجَد من الاتّساع بالتقديم والتأخيرِ ما يُوجَد
стр. 192
بوجودِ الإعراب؛ ألا ترى أنك تقول: "ضرب زيدٌ عمرًا"، و"أكرم أخاك أبوك"، فيُعْلَم الفاعل برَفْعه، والمفعولُ بنَصْبه، سواءٌ تقدّم أو تأخّر. فإن قيل: فأنت تقول: "ضَرَبَ هذا هذا"، و"أكرم عِيسَى مُوسَى"، وتقتصر في البيان على المرتبة. قيل: هذا شيء قادت إليه الضرورةُ هنا لتعذُّر ظهور الإعراب فيهما, ولو ظهر الإعرابُ فيهما، أو في أحدهما، أو وُجدت قَرِينةٌ مَعْنَويّةٌ أو لفظيّةٌ، جاز الاتّساعُ بالتقديم والتأخير؛ نحوُ: "ضرب عيسى زيدٌ". فظهورُ الرفع في "زيد" عرّفك أن "عيسى" مفعولٌ، ولم يظهر فيه الإعرابُ. وكذلك لو قيل: "أكَلَ كُمَّثْرَى عيسى"، جاز تقديمُ المفعول لظهورِ المعنى لِسَبْق الخاطر إلى أن الكمّثرى مأكولٌ. وكذلك لو ثنّيتَهما، أو نعتَّهما، أو أحدهما، جاز التقديمُ والتأخيرُ، فتقول: "ضرب المُوسَيانِ العِيسَيَيْن"، و"ضرب عيسى الكريمَ موسى"، فحينئذ يجوز التقديم والتأخير في ذلك كلّه، لظهورِ المعنى بالقرائن.
واعلم أنهم قد اختلفوا في الإعراب ما هو؟ فذهب جماعةٌ من المحقّقين إلى أنّه معنى؛ قالوا: وذلك اختلافُ أواخرِ الكَلِم، لاختلافِ العوامل في أوّلها، نحو: "هذا زيد"، و"رأيت زيدًا"، و"مررت بزيدٍ". والاختلافُ معنى لا محالةَ.
وذهب قومٌ من المتأخّرين إلى أنه نفسُ الحركات. وهو رأيُ ابن دُرُسْتَوَيْهِ. فالإعرابُ عندهم لفط لا معنى، فهو عبارةٌ عن كلّ حركة أو سكونِ يَطْرَأ على آخر الكلمة في اللفظ، يَحْدُث بعاملٍ، ويَبْطُل ببُطْلانه.
والأظهر المذهب الأول، لاتفاقهم على أنهم قالوا: حركاتُ الإعراب. ولوكان الإعرابُ نفسَ الحركات، لكان من إضافة الشيء إلى نقسه، وذلك ممتنعٌ.
وقوله: "وُجوه الإعراب"؛ يريد به أنواع إعراب الأسماء التي هي الرفع والنصب والجرّ؛ لأنه لمّا كانت معاني المسمّى مختلفة، تارةً تكون فاعلة، وتارةً تكون مفعولة، وتارةً تكون مضافًا إليها؛ كان الإعرابُ المضافُ إليه مختلفًا، ليكون الدليل على حسب المدلول عليه.
واعلم أن سيبويه فصل بين ألقابِ حركاتِ الإعراب، وألقاب حركات البناء؛ فسمّى حركاتِ الإعراب رفعًا ونصبًا وجرًّا وجزمًا، وحركاتِ البناء؛ ضمًّا وفَتْحًا وكَسْرًا ووقْفًا، للفرق بينهما (١). فإذا قيل: هذا الاسم مرفوعٌ، أو منصوبٌ، أو مجرورٌ، عُلم بهذه الألقاب أن عاملًا عمِل فيه، يجوز زوالُه ودخولُ عامل آخر يُحْدِث عملَه، ووقعت الكفايةُ في الفرق بهذا اللفظ، وأغنى عن أن يقول ضمّةٌ حدثت بعامل، أو فتحةٌ حدثت بعامل، أو كسرة حدثت بعامل، فكان في التسمية فائدةُ الإيجاز والاختصار.
стр. 193
وقد خالَفَه الكوفيون، وسمّوا الضمّة اللازمة: رفعًا، والفتحةَ والكسرةَ: نصبًا، وجرًّا. والصوابُ مذهبُ سيبويه، لما فيه من الفائدة.
واعلم أن إعرابَ الأسماء من هذه الأربعة الرفعُ والنصبُ والجرُّ. ولا يدخل الاسمَ جزمٌ. وإنمّا لم تُجْزَم الأسماء لتمكُّنها, ولزوم الحركة والتنوين لها، فلو جُزمت، لأبطل الجازمُ الحركة؛ وإذا زالت الحركةُ، زال بزوالها التنوين, لأن التنوين تابعٌ للحركة؛ ولو زالا اختلّت الكلمةُ بذهاب شيئين: أحدهما: الحركة، وهو دليلُ كونها فاعلة أو مفعولة أو مضافًا إليها؛ والآخرُ: التنوين، الذي هو دليلُ كونه منصرفًا.
فإن قيل: فهلاّ أذهب الجازمُ الحركةَ وحدَها. قيل: لو حُذفت الحركة للجازم، لزم تحريكُ حرف الإعراب لسكونه وسكونِ التنوين بعده. ولو فعلنا ذلك لعاد لفظُ المجزوم، إلى لفظ غير المجزوم فلم يصح الجزمُ فيه, لأنّه لا يسلَم سكونه.
وُيحْكَى عن المازني أنه قال: لم يدخل الجزمُ الأسماءَ لأنّه بعواملَ يمتنع دخولُها على الأسماء من جهة المعنى، نحو: "لَمْ"، و"لَمَّا"، و"إن" المُجازِيَة، وما جرى مجراها.
* * *
وقوله:"وكل واحد منها عَلَم على معنى"؛ يريد: الرفع والنصب والجرّ؛ كلُّ واحد منها علمٌ على معنّى من معاني الاسم، التي هي الفاعليّةُ، والمفعوليةُ، والإضافةُ. ولولا إرادةُ جَعْلِ كلّ واحد منها على معنى من هذه المعاني، لم تكن حاجةٌ إلى كثرتها وتعدُّدِها.
* * *
ثم قال: "فالرفع علمُ الفاعلية"، فقدّم الكلام على الفاعل من بين المرفوعات، لا سِيَّما المبتدأ المُشارِكِه (١) في الإخبار عنه؛ وذلك لأنّ الفاعل يُظْهِر برفعه فائدةَ دخولِ الإعراب الكلامَ، من حيث كان تكلُّفُ زيادةِ الإعراب إنّما احتُمل للفرق بين المعاني، التي لولاها وقع لَبْسٌ. فالرفعُ إنما هو للفرق بين الفاعل والمفعول اللذين يجوز أن يكون كل واحد منهما فاعلاً ومفعولًا؛ ورفعُ المبتدأ والخبر لم يكن لأمرِ يُخْشَى التباسه، بل لضرب من الاستحسان، والتشبيه بالفاعل، من حيث كان كل واحد منهما مُخْبَرًا عنه؛ وافتقارُ المبتدأ إلى الخبر الذي بعده، كافتقار الفاعل إلى الخبر الذي قبله، ولذلك رُفع المبتدأ والخبر.
وذهب سيبويه (٢)، وابن السرّاج، إلى أنّ المبتدأ والخبر هما الأوّل، والأصل في
стр. 194
استحقاق الرفع؛ وغيرَهما من المرفوعات محمولٌ عليهما. ومنه قولُ سيبويه: "اعلم أن الاسم أوّله الابتداءُ"؛ يريد أوّلُه المبتدأُ, لأن المبتدأ هو الاسم المرفوع، والابتداء هو العامل، وذلك لأن المبتدأ يكون مُعْرى من العوامل اللفظية، ويَعْرَى الاسمُ من (١) غيره في التقدير قبل أن يقترن به غيرُه، والذي عليه حِذاقُ أصحابنا اليومَ المذهبُ الأوَّل.
وصاحبُ هذا الكتاب ذكر الفاعلَ أوّلًا، وحمل عليه المبتدأ، والخبرَ، واسمَ كَانَ، وخبرَ "إن"، وخبرَ "لاَ" التي لنفي الجنس، واسم "ما" و"لاَ" التي بمعنَى "لَيْسَ"؛ وجعل لكلّ واحد منها فصلًا يأتي عقيبَ هذا، مرتَبًا هذا الترتيبَ، ويستقصي عليها الكلامُ هناك.
* * *
وقوله. "والفاعلُ واحدٌ ليس إلّا"؛ يريد: أنّ كلّ فعل، متعدّيًا (٢) كان أو غيرَ متعدّ، لا يكون له إلَّا فاعلٌ واحدٌ. والعلّةُ في ذلك أن الفعل حديثٌ، وخبرٌ، فلا بدّ له من مُحَدَّثٍ عنه، يُسْنَد ذلك الحديث إليه، ويُنْسَب إليه، وإلّا عدِمتْ فائدتُه. فإذا ذكرتَ بعده اسمًا، وأسندتَ ذلك الفعل إليه، اشتَغل به، وصار حديثًا عنه. وإن جئت بعده باسم آخَرَ، وقع فضلةً، فينتصب انتصابَ الفضلات، وهو المفعولُ به.
* * *
وقوله: "ليس إلّا"؛ يريد: ليس إلَّا ذلك، فحذف المستثنى منه تخفيفًا، وحذف المستثنى أيضًا. وحذفُ المستثنى بعدَ "إلَّا" سائغٌ، إذا وقعت بعدَ "لَيْسَ". وسيوضح في موضعه من الاستثناء، إن شاء الله تعالى.
стр. 195
ذكر المرفوعات
الفاعل
فصل [تعريف الفاعل]
قال صاحب الكتاب: "هو ما كان المسند إليه, من فعل أو شبهه, مقدمًا عليه أبداً؛ كقولك: "ضرب زيدٌ", و"زيدٌ ضاربٌ غلامه" و"حسنٌ وجهه". وحقه الرفع, ورافعه ما أسند إليه".
* * *
قال الشارح: اعلم اْنّه قدّم الكلام في الإعراب على المرفوعات؛ لأنها اللوازمُ للجملة، والعُمْدةُ فيها، والتي لا تخلو منها وما عداها فضلةٌ، يستقلّ الكلامُ دونها.
ثمَ قدّم الكلام على الفاعل؛ لأنّه الأصل في استحقاق الرفع، وما عداه محمولٌ عليه، على ما تقدّم شرحُه. واعلم أن الفاعل في عُرْف النحويّين: كل اسم ذكرتَه بعد فعلِ، وأسندتَ ونسبت ذلك الفعلَ إلى ذلك الاسم. ولذلك كان في الإيجاب والنفي سَواءً. وبعضهم يقول في وصفه: كل اسم تَقدَّمه فعلٌ، غيرُ مغيَّر عن بِنْيته، وأسندتَ ونسبتَ ذلك الفعلَ إلى ذلك الاسم؛ ويريد بقوله: "غير مغير عن بنيته" الانفصالَ من فعلِ ما لم يُسَم فاعلُه. ولا حاجةَ إلى الاحتراز من ذلك, لأنّ الفعل إذا أُسند إلى المفعول، نحوَ: "ضُرِبَ زيدٌ"، و"أُكْرِمَ بكرٌ" صار ارتفاعه من جهةِ ارتفاع الفاعل؛ إذ ليس من شرط الفاعل أن يكون موجدًا للفعل, أو مؤثَّرًا فيه.
وقال بعضهم في وصفه: هو الاسم الذي يَجِب تقديمُ خبره لمجرَّدِ كونه خبرًا، كأنّه احترز بقوله: "لمجرّد كونه خبرًا" من الخبر إذا تضمّن معنَى الاستفهام، من نحوِ: "أيْنَ زيدٌ"؟ و"كَيْفَ محمَّدٌ"؟ و"متى الخروجُ؟ " فإن هذه الظروف التي وقعت أخبارًا يجِب تقديمُها, لكن لا لمجرّد كونه خبرًا؛ بل لِما تضمّنه الخبرُ من الاستفهام الذي له صَدْرُ الكلام.
وهذا الكلام عندي ليس بمَرْضيّ؛ لأن خبرَ الفاعل، الذي هو الفعلُ، لم يتقدّم
لمجرّدِ كونه خبرًا؛ إذ لو كان الأمرُ كذلك، لوجب تقديمُ كل خبر من نحوِ: "زيد قائمٌ،
стр. 196
وعبدُ الله ذاهبٌ"، فلمّا لم يجب ذلك في كلّ خبر، عُلم أنه إنّما وجب تقديمُ خبرِ الفاعل لأمرٍ وراءَ كونه خبرًا، وهو كونه عاملًا فيه؛ ورتبةُ العامل أن يكون قبل المعمول؛ وكونُه عاملًا فيه سببٌ أوجب تقديمه، كما أن تضمُّن الخبر همزةَ الاستفهام في قولك: "أيْنَ زيدٌ؟ " ونظائره، سببٌ أوجب تقديمَه، فاعرفه.
وفي الجملة الفاعلُ في عُرْفِ أهلِ هذه الصَّنْعة أمر لفظيٌّ؛ يدل على ذلك تسميتُهم إيّاه فاعلاً في الصُّوَر المختلفة من النفي، والإيجاب، والمستقبَل، والاستفهام، ما دام مقدَّمًا عليه؛ وذلك نحو: "قَامَ زيدٌ"، و"سَيَقُومُ زيدٌ"، و"هَلْ يقوم زيد؟ " و"زيدٌ في جميع هذه الصُوَر فاعلٌ، من حيث إنّ الفعل مسنَدٌ إليه، ومقدَّمٌ عليه، سواءٌ فَعَل أو لم يفعل. ويؤيّد إعراضَهم عن المعنى عندك وُضوحًا أنّك لو قدّمت الفاعل، فقلت: "زيدٌ قام"، لم يبق عندك فاعلًا، وإنمّا يكون مبتدأ وخبرًا معرّضًا للعوامل اللفظية.
* * *
وقوله: "وحقه الرفعُ"؛ يعني وخَصَّته من الحركات الرفعُ. ورافِعُه ما أُسند إليه من الفعل، أو ما كان في معناه من الأسماء، مثالُ الفعل "قام زيدٌ"، رفعتَ "زيدًا" بـ "قَامَ". ومثالُ ما هو في معنى الفعل من الأسماء نحو أسماء الفاعلين والمفعولين والصفاتِ المشبَّهةِ بأسماء الفاعلين، نحو قولك: "زيدٌ ضاربٌ غلامُه، وحَسَنٌ وَجْهُه، ومضروبٌ أخوه"، فهذا في تقديرِ "يضرِبُ غلامُه، وحَسُنَ وجهُه، ويُضْرَب أخوه"؛ فارتفاعُ كل واحد من "الغلام"، و"الوجهِ" و"الأخ " كارتفاع "زيدٍ" بالفعل قبله من قولك: "ضَرَبَ زيدٌ". وربمّا قال بعضهم في عِبارته: "الفاعلُ ما ارتفع بإسناد الفعل إليه". وهو تقريبٌ، وهو في الحقيقة غير جائز, لأنّ الإِسناد معنًى، ولا خلافَ أن عاملَ الفاعل لفظيّ.
فإن قيل: ولِمَ كان حقُّ الفاعل أن يكون مرفوعًا؟ فالجواب عن ذلك من وُجوهٍ.
أحدها: أنّ الفاعل رُفع للفرق بينه وبين المفعول الذي لولا الإعرابُ لجاز أن يُتوهّم أنه فاعلٌ، وكان الغرضُ اختصاصَ كل واحد منها بعلامةِ تُميِّزه عن صاحبه، وكان زِمامُ هذا الأمر بيَدِ الواضع.
وثانيها: أن الفاعل إنّما اختُصّ بالرفع لقُوّته، والمفعول بالنصب لضُعْفه. والمعنى بقوّة الفاعل تمكُّنُه بلُزومه الفعلَ وعدمِ استغناءِ الفعل، عنه؛ وليس المفعول كذلك، بل يجوز سقوطُه، وحذفُه. ألا ترى أنّك تقول: "ضَرَبَ زيدٌ"، ويكون الكلام مستقلاّ، وإن لم تذكر مفعولًا. ولو أخذتَ تحذف الفاعلَ، ولم تُقِمْ مقامَه شيئًا، نحوَ: "ضَرَبَ زيدًا"، من غير فاعلٍ، لم يكن كلامًا؛ وإذَا كان الفاعلُ أقوى، والمفعولُ أضعف.
والضمّةُ أقوى من الفتحة, لأنّ الضمّة من الواو، والفتحة من الألف، والواوُ أقوى من الألف، لأنّها أضْيَقُ مَخْرَجًا, ولذلك يسوغ تحريكُ الواو، ولا يمكن ذلك في
стр. 197
الألف، لسَعَةِ مخرجها؛ ومخرجُ الحرف كلّما اتّسع ضعُف الصوتُ الخارجُ منه؛ وإذا ضاق، صلب الصوتُ، وقَوِيَ. فناسبوا بأن أعطوا الأقوى الأقوى، والأضعفَ الأضعفَ.
ووجهٌ ثالث: أن الفاعل أقلُّ من المفعول، إذ الفعلُ لا يكون له إلا فاعلٌ واحدٌ، وقد يكون له مفعولاتٌ كثيرةٌ، نحوَ: "ضَرَبَ زيد عمرًا"، و"أعطيتُ زيدًا درهمًا"، و"أعلمتُ زيدًا عمرًا خيرَ الناس"، فيتعدّى إلى مفعول واحد، وإلى اثنين، وإلى ثلاثةٍ، ولك أن تأتي بالمصدر بعد ذلك، والظرفِ من الزمان، والظرفِ من المكان، والمفعولِ له، والمفعولِ معه، والحالِ، والاستثناء. والضمّةُ أثقلُ من الفتحة؛ فاعطوا الفاعلَ، الذي هو قليلٌ، الرفعَ الذي هو ثقيلٌ، وأعطوا المفعولَ، الذي هو كثير، النصبَ الذي هو خفيفٌ. وإنما فعلوا ذلك لوجهَيْن: أحدهما: لِيَقِل في كلامهم ما يستثقلون، وهو الضمّة. والثاني: أنهم خصّوا الفاعلَ بالرفع، والمفعولَ بالنصب، ليكون ذلك عَدْلاً في الكلام، فيكونَ ثقلُ الرفع موازِيًا لقلّةِ الفاعل، وخِفةُ النصب موازِية لكثرةِ المفعول. ومثلُه مثلُ مَن نُصب بين يَدْيه حَجَران؛ أحدهما خمسةُ أرطال، والآخرُ عشرةُ أرطال، ثمّ قيل له: عالِجْ إن شئت الخفيفَ (١) عشرَ مرّات، وإن شئت عالجِ الثقيلَ خمس مرّات. فتكون كثرةُ ممارسَةِ الخفيفَ موازية لقلّة ممارسةِ الثقيل، فيكون ذلك جاريًا على منهاج الحِكْمة والعَدْلِ. فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: "والأصل فيه أن يلي الفعل, لأنه كالجزء منه؛ إذا قُدّم عليه غيره, كان في النية مؤخرًا, ومن ثم جاز: "ضرب غلامه زيدٌ", وامتنع: "ضرب غلامه زيدًا".
* * *
قال الشارح: اعلم أن القياس في الفعل، من حيث هو حركةُ الفاعل، في الأصل، أن يكون بعد الفاعل؛ لأنّ وجوده قبل وجودِ فعله، لكنه عَرَضَ للفعل أن كان عاملًا في الفاعل والمفعولِ، لتعلُّقهما به، واقتضائه إيّاهما، وكانت مرتبةُ العامل قبل المعمول، فقُدّم الفعل عليهما لذلك، وكان العلمُ باستحقاقِ تقدُّم الفاعل على فعله، من حيث هو مُوجِدُه ثانيًا، فأغنى أَمْنُ اللبْس فيه عن وضع اللفظَ عليه، فلذلك قُدّم الفعل، وكان الفاعل لازمًا له، يتنزل منزلةَ الجُزْء منه، بدليلِ أَنّه لا يستغني عنه، ولا يجوز إخلاءُ الفعل عن فاعلِ، ولذلك إذا اتّصل به ضميرُه، أسكن آخِره، نحوَ: "ضَرَبْتُ"، وَ "ضَرَبْنَا"، و"ضَرَبْتُمْ"، على ما سنذكر في الفصل الذي بعده.
وقد تقدّم من الدليل، في شرح الخُطْبة، على شدّةِ اتّصالِ الفاعل بالفعل، واختلاطِه
стр. 198
به، ما فيه مَقْنَعٌ. وإذا كان الفاعل كالجزء من الفعل، وجب أن يترتّب بعده. ولهذا المعنى لا يجوز أن يتقدّم عليه، كما لا يجوز تقديمُ حرفٍ من حروفِ الكلمة على أوّلها. ووجب تأخيرُ المفعول من حيث كان فَضْلَةً، لا يتوقّف انعقادُ الكلام على وجوده؛ فإذا رُتْبَةُ الفعل يجب أن يكون أوّلًا، ورتبةُ الفاعل أن يكون بعده، ورتبةُ المفعول أن يكون آخرًا. وقد تقدّم المفعول لضرب من التوسّع والاهتمامِ به، والنيّةُ به التأخيرُ. ولذلك جاز أن يقال: "ضرب غلامَه زيدٌ" فـ "الغلامُ" مفعول، وهو مضافٌ إلى ضمير الفاعل، وهو بعده متأخرٌ عنه، فهو في الظاهر إضمارٌ قبل الذكر. لكنّه لمّا كان مفعولًا، كانت النيةُ به التأخير؛ لأنّه لمّا وقع في غير موضعه، كانت النيّة به التأخيرَ إلى موضعه، ويكون الضميرُ قد تقدّم في اللفظ دون المعنى، وذلك جائزٌ.
ولو قلت: "ضرب غلامُه زيذًا"، برفع "الغلام"، مع أمَّه متّصلٌ بضمير المفعول، لكان ممتنعًا؛ لأن الضمير فيه قد تقدّم على الظاهر لفظًا ومعنى, لأنّ الفاعل وقع أولًا وهي مرتبته، والشيء إذا وقع في مرتبته، لا يجوز أن يُنْوَى بها غيرها. وقد أقدم أبو الفَتْح بن جِني على جواز مثل ذلك، وجعله قياسًا؛ قال: "وذلك لكثرةِ ما جاء من تقديم المفعول على الفاعل، حتى صار تقديمُ المفعول كالأصل"، وحمل عليه قول الشاعر [من الطويل]:
١٢١ - جَزَى رَبُّهُ عَني عَدِيَّ بنَ حاتِمٍ ... جَزاءَ الكِلابِ العاوِياتِ وقد فَعَلْ
وذلك خلا فُ ما عليه الجمهورُ، والصوابُ أن تكون الهاء عائدةً إلى المصدر، والتقديرُ: "جزى ربُّ الجزاء"، وصار ذكرُ الفعل كتقديم المصدر، إذ كان دالاً عليه. ومثله قولهم: "من كذبَ كان شَرًّا له"، أبي: كان الكِذْبُ شرًّا له. وبعضهم يقول:
стр. 199
الضميرُ في البيت يعود إلى المفعول بعده، ولكن على سبيلِ الضرورة، ولا يجوز مثلُه في حال الاختيار وسَعَةِ الكلام. فاعرفه.
فصل [الفاعل المُضْمر]
قال صاحب الكتاب: "ومضمرُه في الإسناد إليه كمظهره؛ تقول: "ضربت", و"ضربنا", و"ضربوا" و"ضربن", وتقول: "زيدٌ ضرب" فتنوي في "ضرب" فاعلاً, وهو ضميرٌ يرجع إلى "زيد" شبيهٌ بالتاء الراجعة إلى "أنا", و"أنت" في "أنا ضربت", و"أنت ضربت"".
* * *
قال الشارح: لا فرقَ بين إسناد الفعل إلى الفاعل الظاهر، وبين إسناده إلى المضمر، من جهةِ حصول الفائدة. واشتغالُ الفعل بالفاعل المضمر كاشتغاله بالظاهر، إلَّا أنّك إذا أسندته إلى ظاهرٍ، كان مرفوعًا، وظهر الإعرابُ فيه؛ وإذا أسندته إلى مضمر، لم يظهر الإعرابُ فيه, لأنّه مبنيٌّ، وإنّما يُحْكَم على مَحَلّه بالرفع. فإذا قلت: "ضَرَبْتُ"، كانت التاء في محلّ مرفوع, لأنهّا الفاعلة. واعلم أن الفعل الماضي إذا اتّصل به ضميرُ الفاعل، سكن آخِرُه، نحو: "ضَرَبْتُ"، و"قَبِلْتُ"، وذلك لئلاّ يتوالى في كلمة أربع متحرّكات لوازمَ. فقولُنا "لوازم " تحرّزٌ من ضمير المفعول, لأنّ الفعل لا يسكن لامُه إذا اتّصل به ضميرُ المفعول, لأن ضمير المفعول ليس بلازم للفعل؛ ألا ترى أنّه يجوز إسقاطُه وحذفُه، وأن لا تذكره، فتقول: "ضَرَبَكَ"، بالتحريك، فيجتمع فيه أربعُ متحرّكات، إذا لم تكن لوازمَ, لأن ضمير المفعول في حكمِ المنفصل؛ فعلى هذا تقول: "ضَرَبْنَا"، بسكون الباء، إذا أردت الفاعلَ. ويقع الظاهرُ بعده منصوبًا, لأنّه المفعوَل. وتقول "ضَرَبَنَا"، بحركة الباء، إذا أردت المفعول، ويقع الظاهر بعده مرفوعًا، لائه الفاعل. فقد بَانَ الفرقُ بين "ضَرَبْنَا"، و"ضَرَبَنَا"؛ و"حَدثنا" و"حَدثَنَا"؛ إذا أسكنت فالضمير فاعلٌ، وإذا حرّكت فالضمير مفعولٌ.
وقوله: "فهو ضميرٌ يرجع إلى زيد"؛ يريد بذلك أنّك إذا أخبرتَ عن "أَنَا"، وهو ضميرٌ منفصلٌ، فقلت: "أنا ضربت"، وعن "أَنْتَ" في قولك "أنتَ ضربتَ"؛ فكما يعود إلى كلّ واحد منهما ضميرٌ متصلٌ، يظهر في اللفظ له صورةٌ، تُدْرِكها الحاسةُ في الخَط، كان كذلك في الغائب، ولم يظهر له صورةٌ، ولا لفظٌ، حملا لِما جُهل أمرُه على ما عُلم. فاعرفه.
فصل [التنازع]
قال صاحب الكتاب: "ومن إضمار الفاعل قولك: "ضربني وضربت زيدًا"،تضمر
стр. 200
في الأول اسم من ضربك وضربته إضماراً على شريطة التفسير، لأنك لما حاولت في هذا الكلام أن تجعل "زيداً" فاعلاً ومفعولاً, فوجهت الفعلين إليه, استغنيت بذكره مرة. ولما لم يكن بُدٌّ من إعمال أحدهما فيه, أعملت الذي أوليته إياه. ومنه قول طفيل؛ الغنوي أنشده سيبويه [من الطويل]:
١٢٢ - [وكمتا مدماة كأن متونها] ... جرى فوقها واستشعرت لون مذهب"
* * *
قال الشارح: هذا الفصل من باب إعمالِ الفعلَيْن. وهو بابُ الفاعلَيْن والمفعولَيْن. اعلم أنّك إذا ذكرت فعلَيْن، أو نحوَهَما من الأسماء العاملة، ووجّهتَهما إلى مفعول واحد؛ نحو: "ضَرَبَنِي وضربتُ زيدًا"، فإنّ كلّ واحد من الفعلَيْن موجَّةٌ إلى "زيد" من جهة المعنى، إذ كان فاعلاً للأوّل، ومفعولًا للثاني، ولم يجز أن يعملا جميعًا فيه, لأنّ الاسم الواحد لا يكون مرفوعًا ومنصوبًا في حال واحدة. على أنّ الفرّاء قد ذهب إلى انّك إذا قلت: "قَامَ وقَعَدَ زيدٌ"، فكِلا الفعلين عاملٌ في "زيد". وهو ضعيفٌ, لأن من الجائز
стр. 201
تغييرَ أحدِ العاملَيْن بغيره من النواصب، وحينئذ يؤدّي إلى أن يكون الاسم الواحد مرفوعًا ومنصوبًا في حال واحدة، وذلك فاسدٌ. وإذ لم يجز أن يعملا معًا فيه، وجب أن يعمل أحدهما فيه، وتُقدّر للآخر معمولًا يدلّ عليه المذكورُ.
وذهب الجميع إلى جوازِ إعمالِ أيهما شئتَ، واختلفوا في الأَولوية (١)؛ فذهب البصريون إلى أنّ إعمال الثاني أوْلَى، وذهب الكوفيون إلى أن إعمالَ الأول أولى (٢). فإذا قلت: "ضربني وضربتُ زيدًا"، نصبت "زيدًا"، لأنّك أعملت فيه "ضَرَبْتُ"، ولم تُعْمِل الأولَ فيه لفطًا، وإن كان المعنى عليه.
وذهب سيبويه (٣) إلى أن في "ضَرَبَنِي" فاعلًا مضمرًا دلّ عليه المذكور. وحَمَلَه على القول بذلك امتناعُ خُلُوِّ الفعل من فاعل في اللفظ.
وذهب الكِسائيّ إلى أن الفاعل محذوفٌ دلّ عليه الظاهرُ. وكان الفرّاء لا يرى الإضمارَ قبل الذكر.
وأثَرُ هذا الخلافِ يظهر في التثنية والجمع، فتقول على مذهب سيبويه في التثنية: "ضَرَباني وضربتُ الزيدَيْن"؛ وفي الجمع: "ضربوني وضربتُ الزيدِين"، فتُظْهِر علامةَ التثنية والجمع, لأن فيه ضميرًا. وتقول على مذهب الكسائيّ: "ضربني وضربتُ زيدًا"، وفي التثنية: "ضربني وضربتُ الزيدَيْن"؛ وفي الجمع: "ضربني وضربت الزيدِين"، فتُوحّد الفعلَ الأول في كل حال لخُلُوّه من الضمير.
والصحيح مذهب سيبويه, لأن الإضمار قبل الذكر قد ورد عنهم في مواضعَ على شريطةِ التفسير؛ من ذلك إضمارُ الشَّأن والقِصَّةِ والحديثِ في باب المبتدأ والخبر وما دخل عليهما، نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٤)؛ وهو إضمَارُ الشأن والحديثِ، وفسّره بعده؛ ونحو قول الشاعر [من الطويل]:
١٢٣ - إذا مُتُّ كان، الناسُ نِصْفان: شَامِتٌ ... وآخَرُ مُثْنٍ بالذي كُنْتُ أَصْنَعُ
стр. 202
المراد: كان الشأنُ والأمرُ الناسُ نصفان.
ومن ذلك قوله: "نِعْمَ رجلًا زيدٌ"، ففي "نِعْم" فاعلٌ مضمرٌ فسّرته النكرةُ بعده، والتقديرُ: "نعم الرجلُ رجلًا زيدٌ"، أي المضمرُ كنايةٌ عن رجلٍ. ومثلُه: "رُبَّهُ رجلًا" أدخل "رُبَّ" على مضمر لم يتقدّم له ذكرُ ظاهرٍ، وفسّره بما بعده؛ ويسمّيه الكوفيون المضمر المجهولَ.
وأمّا حذفُ الفاعل ألبتّة، وإخلاء الفعل عنه، فغيرُ معروف في شيء من كلامهم. فكان ما قلناه، وهو الحملِ على الإضمار بشرط التفسير أوْلَى؛ إذ كان له نظيرٌ من كلام العرب، فكان أقَل مخالفة.
* * *
وقوله: "تُضْمِر في الأوّل اسمَ من ضربك وضربتَه"؛ يريد مضمَر الاسم المذكور؛ لأنّه فاعلٌ ومفعولٌ من جهة المعنى؛ إذ كان ضاربًا ومضروبًا. ولذلك يُترجَم بباب الفاعلَيْن والمفعولَيْن اللذَيْن يفعل كل واحد منهما بصاحبه مثلَ ما يفعل به الآخرُ. فإذَا قلت: "ضربني وضربتُ زيدًا"، أضمرت في الأوّل اسمَ "زيد" الذي فَعَل بك من الضرب مثلَ ما فعلتَ به. فأمّا البيت الذي أنشده، وهو من أبيات الكتاب، لطُفَيْل الغَنَويّ [من الطويل]:
وكُمْتًا مُدَمّاةً كأنّ مُتونَها ... جَرَى فَوْقَها واستَشْعَرَتْ لَوْنَ مُذْهَبِ
فشاهدٌ على إعمال الثاني، وهو اختيارُ سيبويه، نصب "اللونَ" بـ "استشعرت"، وأضمر في "جَرَى" فاعلًا دلّ عليه "لونُ مذهب". ولو كان أعمل الأولَ، لَرَفَعَ اللونَ
стр. 203
بالفعل الأولِ، وكان أظهر ضميرَ المفعول في "استشعرت"، وقال: و"استشعرَتْهُ"؛ كأنّه يصف خَيْلاً، وأنّ ألوانها كُمْتٌ مشوبةٌ بحْمْرة، كأن عليها شِعارَ ذهب. و"الشعارُ": ما يلي الجَسَدَ من الثياب، و"المُذْهَبُ"، ها هنا؛ من أسماء الذهب. فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: "وكذلك إذا قلت: ضربت وضربني زيد, رفعته, لإيلائك إياه الرافع، وحذفت مفعول الأول استغناءً عنه. وعلى هذا تُعمل الأقرب أبدًا, فتقول: "ضربت وضربني قومك". قال سيبويه ولو لم تحمل الكلام على الآخر, لقلت: "ضربت وضربوني قومك" (١). وهو الوجه المختار الذي ورد به التنزيل. قال الله تعالى: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ (٢) , و ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ (٣) وإليه ذهب أصحابنا البصريون" (٤).
* * *
قال الشارح: إذا قلت: "ضربتُ وضربني زيدٌ"، برفعِ "زيد"، أعملت الثاني, وهو فعلٌ ومفعولٌ، وليس بعد الفعل والمفعول إلَّا الفاعلُ؛ والفاعلُ حقُّه الرفع، وهذا معنى قوله: "لإيلائك إيّاه الرافعَ"، يشير بذلك إلى قُرْبه منه، وحذفت مفعول الأوّل استغناءً عنه، ولمَ تُضْمِره, لأنّ المفعول فضلةٌ، فلم تحتج إلى إضماره. وعلى هذا يُعْمَل الأقربُ أبدًا، وذلك متقضَى القياس، فتقول: "ضربنُ وضربني قومُك"، أعملتَ الثاني، ولذلك رفعتَ "القوم"، ووحّدتَ الفعل لخلوّه من الضمير. ولو أعمل الأوّلَ لَقلت: "ضربتُ وضربونىِ قومَك"، بنصبِ "القوم" وإظهارِ ضميرِ الجماعة في الفعل الثاني؛ لأنّ تقديره: "ضربتُ قومَك وضربوني".
والوجه المختار: "ضربنتُ وضربني قومُك"، وبه ورد الكتابُ العزيز. قال الله تعالى: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ (٥)؛ أعمل الثاني، ولو أعمل الأوّل لقال: "آتوني أفرغه عليه قطرًا"، إذ التقدير: "آتوني قطرًا أفرغه عليه". ومثله قوله تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ (٦)؛ أعمل الثاني، ,وهو"اقرؤوا"، ولو أعمل الأوّل لقال: "هاؤم اقرؤوه
стр. 204
كتابيه". واعلم أن هذا الاستدلال بالظاهر والغالب؛ وذلك لأنه يجوز أن يكون أعمل الأوّل، وحذف المفعول الثاني, لأنّ المفعولَ فضلةٌ يجوز أن لا يأتي به. ومثله قول الفرزدق [من الطويل]:
١٢٤ - ولكِن نِصْفًا لو سَبَبْتُ وسَبَّنِي. . . بَنُو عبدِ شَمْسِ بنِ مَنافٍ وهاشمِ
فهذا مثل قولهم: "ضربتُ وضربني قومُك"، أعمل الثاني، وهو "سبني"، ولو أعمل الأوّل لقال: "وسبّوني", لأن التقدير: "لو سببتُ بني عبد شمس وسبّوني".
* * *
قال صاحب الكتاب: "وقد يعمل الأول, وهو قليل. ومنه قول عمر بن أبي ربيعة [من الطويل]:
١٢٥ - [إذا هي لم تستك بعود أراكةٍ] ... تُنُخِّلَ فاستاكت به عُودُ إسحلِ
стр. 205
وعليه الكوفيون. وتقول على المذهبين: "قاما وقعد أخواك", و"قام وقعدا أخواك". وليس قول امرئ القيس [من الطويل]:
١٢٦ - [ولو أنَّ ما أسعي لأدني معيشةٍ] ... كفاني ولم أطلب قليلٌ من المال
стр. 206
من قبيل ما نحن بصدده؛ إذ لم يوجَّهُ فيه الفعل الثاني إلى ما وجه إليه الأول".
* * *
قال الشارح: قد ذكرنا أنّه لا خلافَ في جوازِ إعمالِ أيّ الفعلَيْن شئتَ، لتعلُّقِ معنى الاسم بكلّ واحد من الفعلَيْن. وإنّما الخلافُ في الأوّل منهما. فذهب الكوفيون إلى أنّ إعمالَ الفعل الأول أوْلى، وتَعلّقوا بأبيات أنشدوها، منها قولُ عمر بن أبي ربيعة:
إذا هي لم تَسْتَكْ بعُودِ أراكةٍ ... تُنُخِّلَ فاسْتاكتْ به عُودُ إسْحِلِ
الشاهد فيه رفعُ "عودِ إسحل" بالفعل الأوّل، والتقديرُ: تُنُخِّلَ عودُ إسحل فاستاكتْ به. ولو أعمل الثاني لَقَال: تُنخّل فاستاكت بعودِ إسحل. فقوله: "تنخّل" أبي: "اختير"، و"الإسحلُ": شجرٌ يُشبِه الأثْلَ، يُسْتاك به، ينبت بالحِجاز. وهذا لا دليلَ فيه, لأنّ ذلك يدلّ على الجواز، ولا خلافَ فيه. وأمّا أن يدلّ على الأولية فلا.
وحجّةُ البصريين في ترجيحِ إعمالِ الثاني أنّه أقربُ إلى المعمول، وليس في إعماله تغييرُ المعنى، إذ لا فرقَ في المعنى بين إعمالِ الأول والثاني، وتكتسب به رعايةَ جانب القُرْب وحُرْمةِ المجاوَرة. ومما يدلّ على رعايتهم جانبَ القرب والمجاورةِ أَنّهم قالوا: "جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ"، "وماءُ شَنّ باردٍ"، فأتبعوا الأوصافَ إعرابَ ما قبلها، وإن لم يكن المعنى عليه؛ ألا ترى أنّ الضبّ لا يوصَف بالخَراب، والشنَّ لا يوصَف بالبُرُودة، وإنما هما من صفات الجُحْر والماءِ. ومن الدليل على مراعاةِ القرب والمجاورةِ قولُهم: "خَشَّنْتُ بصَدْره وصدَرَ زيدٍ"، فأجازوا في المعطوف وجهَيْن؛ أجْوَدُهما الخفضُ ها هنا حملًا على الباء، وإن كانت زائدةً في حكمِ الساقط، للقرب والمجاورةِ. وكان إعمالُ الثاني فيما نحن بصَدَده أوْلى للقرب والمجاورَةِ، والمعنى فيهما واحدٌ.
* * *
قال: وتقول على المذهبَيْن: "قاما وقعدا أخواك"، و"قام وقعد أخواك".
قد تقدّم من قولنا أنه إذا وُجَه الفعلان إلى اسم واحد، لا يجوز أن يعملا فيه جميعًا، وإذ كانت القَضيةُ كذلك، وجب أن يعمل فيه أحدُهما لفطًا ومعنًى، ويعملَ
стр. 207
الآخرُ فيه من جهة المعنى لا غيرُ. فتقول على مذهب سيبويه: "قاما وقعد أخواك، فتُثنِّي الفعلَ الأولَ, لأنّ فيه ضميرًا. وتقول: "قام وقعد أخواك" على مذهب الكِسائيّ، وتُوَحِّد الفعلَيْن جميعًا؛ الأولَ لأنّ فاعِلَه محذوفٌ عنده. والثاني لأنّه عمل في الظاهر بعده. وتقول على مذهب الفرّاء: "قام وقعد أخواك"، فتوحّد الفعلَيْن جميعًا أيضًا، لخُلُوّهما من الضمير، لأنّهما جميعًا عَمِلاَ في هذا الاسم الظاهرِ ورَفَعَاه.
فأمّا بيت امرئ القيس [من الطويل]:
فلو أن ما أسْعَى لأدْنَى مَعِيشَةٍ ... كَفَانِي ولم أطْلُبْ قَلِيلٌ من المالِ
فليس من هذا الباب, لأن شرطَ هذا الباب أن يكون كلُّ واحد من الفعلَيْن موجِّهًا إلى ما وُتجه إليه الآخرُ، وهو الاسمُ المذكور، وليس الأمرُ في البيت كذلك؛ لأنّ الفعل الأول موجَّةٌ إلى القليل من المال، والثاني موجَّهٌ إلى المُلْك، ولم يجعل القليلَ مطلوبًا، وإنّما كان مطلوبه الملكَ. وتلخيصُ معنى البيت: إنّني لو سعيتُ لمنزلةٍ دَنيّةٍ، كفاني قليلٌ من المال، ولم أطلب الكثيرَ؛ ألا ترى أنّه قال في البيت الثاني:
وَلَكِنَّمَا أسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ ... وقد يُدْرِكُ المَجْدَ المُؤَثَّلَ أمْثالِي
ولو نصب "قليلاً" بـ "أطْلُب" استحال المعنى، وصار التقديرُ: "كفاني قليلٌ
ولم أطلب قليلاً"، فيكون هذا عطفَ جملة على (١) جملة لا تعلُّقَ لإحداهما (٢) بالأخرى، كقولك: "ضربني زيدٌ"، و"لم أُكْرِم بكرًا"؛ وحذف المفعولَ من الجملة الثانية لدلالةِ البيت الثاني عليه؛ يصف بُعْدَ همِّته، فيقول: لو كان سَعْيِي في الدنيا لأدْنَى حَظٍّ فيها, لَكَفَتْنِي البُلْغَةُ من العَيْش، ولم أتَجَشمْ ما أتَجَشَّمُ. وإنّما طَلَبِي مَعالِي الأمُور، كالمُمُلْك ونحوهِ. فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: ومن إضماره قولهم: "إذا كان غدًا فائتني", أي: إذا كان ما نحن عليه غدًا".
* * *
قال الشارح: يريد ومن إضمار الفاعل أنّ الإنسان يقول لِمَن يخاطبه في أمر يطلبه: "إذا كان غدًا فائتني" يريد: إذا كان ما نحن عليه غدًا فائتني. فـ "كَانَ". ههنا، بمعنَى الحُدوث، والتقديرُ: إذا حدث هذا الأمرُ غدًا، فائتني، فأضمر الفاعل لدلالة الحال عليه، وصار تفسيرُ الحال كتقديمِ الظاهر. ونحوٌ منه [من الطويل]:
стр. 208
١٢٧ - فإن كان لا يُرْضِيك حتّى تَرُدَّني ... إلى قَطَرِيّ لا إخالُك راضِيَا
المراد: فإن كان لا يرضيك ما جرى في الحال التي نحن عليها.
فصل [إضمار عامل الفاعل]
قال صاحب الكتاب: "وقد يجيء الفاعل ورافعه مضمرٌ؛ يقال: "من فعل"؟ فتقول: "زيدٌ"، بإضمار "فَعَلَ", ومنه قوله : "يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال" (١) , فيمن قرأها مفتوحة الباء (٢) , أي: يسبح له رجالٌ. ومنه بيت الكتاب [من الطويل]:
١٢٨ - ليبك يزيد ضارعٌ لخصومةٍ ... [ومختبطٌ مما تُطيحُ الطوائح]
أي: ليبكه ضارعٌ".
стр. 209
قال الشارح: اعلم أن الفاعل قد يُذْكَر، وفعلُه الرافعُ له محذوفٌ لأمر يدلّ عليه، وذلك أنّ الإنسان قد يرى مضروبًا أو مقتولًا، ولا يعلم مَن أوقعَ به ذلك الفعلَ من الضرب أو القتلِ، وكلُّ واحد منهما يقتضي فاعلًا في الجملة، فيَسْأل عن الفاعل، فيقول: "مَن ضَرَبَهُ؟ " أو: "من قتله؟ " فيقول المسؤولُ: "زيدٌ"، أو: "عمرٌو"، يريد: ضَرَبَهُ زيدٌ، أو قتله عمرٌو، فيرتفع الاسمُ بذلك الفعل المقدَّر، وإن لم يُنْطَق به, لأنّ السائل لم يشُكّ في الفعل، وإنما يشكّ في فاعله، ولو أظهره فقال: "ضربه زيدٌ"، لكان أجودَ شيءٍ، وصار ذكرُ الفعل كالتأكيد.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ﴾ (١) بفتح الباء في قراءةِ عاصم وابن عامر. وذلك أنَّه بناه لِمَا لم يسمَّ فاعلُه، فأقام الجارَّ والمجرورَ بعده مقامَ الفاعل، ثمّ فسّر مَن يُسبِّح على تقديرِ سؤالِ سائل: "من يُسبِّحه"؟ فقال: "رجالٌ"، أبي: يُسبِّح له رجالٌ، فرفع "رجالًا" بهذا الفعل المضمر الذي يدلّ عليه "يُسبَّح", لأنّه لمّا قال: "يسبَّح له"، دلّ أنّ ثمَّّ مسبِّحًا ..
ومثله بيتُ الكتاب:
لِيُبْكَ يَزِيدُ ضارعٌ لِخُصُومةٍ. . . ومختبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَوائحُ
البيت لابن نَهِيك النَّهْشَلِيّ. والشاهد فيه رفعُ "ضارع" بفعل محذوف، كأنّه قيل: "من يَبكيه"؟ فقال: "ضارعٌ لخصومة"، أبي: يبكيه ضارع لخصومة. "والمختبِط": المحتاج، وأصلُه ضربُ الشجر للإبل لِيسقُطَ ورقُها وتُعْلَفَ. يصِف أنَّه كان مُقيمًا بحُجَّةِ
стр. 210
المظلوم، ناصرًا له، مؤاسِيًا للفقير المحتاج. و"الضارعُ": الدليلُ الخاضعُ. و"تُطِيحُ": تُذْهِبُ وتُهْلِكُ، يُقال: أطاحتْه السِّنُون، إذا ذهبتْ (١) به في طلب الرِّزْق، وأهلكتْه. و"الطوائح": جمعُ "مُطِيحَةٍ"، وهي القَواذفُ، يُقال: طَوَّحَتْهُ الطوَائحُ، أبي: تَرامتْ به المَهالكُ، والقياسُ أن يُقال: "المَطاوِحُ", لأنّه جمعُ "مطيحة"؛ وإنّما جاء على حذفِ الزوائد، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ (٢)، والقِياسُ: "مَلاقِح", لأنّه جمعُ "مُلْقحَةٍ"، وإنما جاء محذوفَ الزوائد. ورَواه الأصمعىُّ: "لِيَبْكِ يزيدَ ضارعٌ لخصومة"، عى بِنْية الفاعل، ولا شاهدَ فيه على هذه الرواية. فعلى قياسِ قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ﴾ (٣) أجاز سيبويه: "ضُرِبَ زيدْ عمرٌو", لأنّك لما قلت: "ضُرِبَ" عُلم أن له ضاربًا، والتقديرُ ضَرَبَهُ عمرٌو". ومثله قراءةُ من قرأ ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ (٤)، قال أبو العبّاس: "المعنى: "زَيَّنَهُ شُركاؤُهم"، فرفع الشركاء بفعل مضمر دلّ عليه: زُين.
* * *
قال صاحب الكتاب: والمرفوع في قولهم: "هل زيدٌ خرج"؟ فاعل فعل مضمرٍ يفسره الظاهر. وكذلك, في قوله : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ (٥) , وبيت الحماسة [من البسيط]:
١٢٩ - [إذاً لقام بنصري معشرٌ خُشُنٌ ... عند الحفيظة] إن ذو لُوثةِ لانا
стр. 211
وفي مثل للعرب: "لو ذات سوارٍ لطمتني" (١) , وقوله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ (٢) , علي معني: ولو ثبت. ومنه المثل: "إلا حضيّةٌ فلا أليةٌ" (٣) , أي: إن لا تكن لك في النساء حظيّةٌ فإني غير أليّةٍ".
* * *
قال الشارح: اعلم أن الاستفهام يقتضي الفعلَ، ويطلبه. وذلك من قِبَل أن الاستفهام في الحقيقة إئما هو عن الفعل, لأنّك إنّما تستفهم عمّا تشُكّ فيه، وتجهل عملَه. والشكُّ إنما وقع في الفعل، وأمّا الاسمُ فمعلومٌ عندك. وإذا كان حرفُ الاستفهام إنمّا دخل للفعل، لا للاسم، كان الاختيارُ أن يَلِيَه الفعلُ الذي دخل من أجله. وإذا وقع الاسمُ بعد حرف الاستفهام، وكان بعده فعلٌ، فالاختيارُ أن يكون مرتفعًا بفعلٍ مضمر، دلّ عليه الظاهرُ؛ لأنه إذا اجتمع الاسمُ والفعلُ، كان حملُه على الأصل أوْلى، وذلك نحوُ قولك: "أزيدٌ قام؟ " ورفعُه بالابتداء حسنٌ، لا قُبْحَ فيه, لأن الاستفهام يدخل على المبتدأ والخبر. وأبو الحسن الأخفش يختار أن يكون مرتفعًا بفعل مضمر على ما قلناه. وأبو عمر الجرْميّ يختار أن يكون مرتفعًا بالابتداء, لأنّ الاستفهام يقع بعده المبتدأُ والخبرُ، كما ذكرناه، ولا يفتقر إلى تكلّف تقديرِ محذوف.
وأمّا تمثيلُ صاحب الكتاب بقوله: "هل زيدٌ قام"؟ فلم يمثل بالهمزة، فيقول: "أزيدٌ
стр. 212
قام"؟ وذلك من قِبَل أن سيبويه يفرق بين الهمزة و"هَلْ". فعنده إذا قلت: "أزيدٌ قام"؟ جاز أن يرتفع الاسم بالابتداء جوازًا حسنًا. وإذا قلت: "هل زيدٌ قام"؟ يقع إضمارُ الفعل لازمًا, ولم يرتفع الاسمُ بعده إلَّا بفعل مضمر على أنّه فاعلٌ، وقبُح رفعُه بالابتداء. ولم يجز تقديمُ الاسم ههنا إلَّا في الشعر، فلذلك مثّله بـ "هَلْ" دون الهمزة.
وإنمّا قبُح رفعُه بعد "هَلْ" بالابتداء، ولم يقبُح بعد الهمزة؛ وذلك من قِبَل أن الهمزة أمُّ الباب، وأعمُّ تصرُّفًا، وأقواها (١) في باب الاستفهام؛ لأنها تدخل في مواضع الاستفهام كلِّها، وغيرُها ممّا يُسْتفهم به، يلزَم موضعًا، ويختصّ به، وينتقل عنه إلى الاستفهام، نحوَ: "مَنْ" و"كَمْ" و"هَلْ"، فَـ "مَنْ": سؤالٌ عمّن يعقِل. وقد تنتقل فتكون بمعنَى "الذِي"، و"كَمْ": سؤالٌ عن عَدَدٍ، وقد تُستعمل بمعنَى "رُبَّ"، و"هَلْ": لا يُسْأَلُ بها في جميع المواضع. ألا ترى أنّك تقول: "أزيدٌ عندك أم عمرٌو"؟ على معنَى "أيهمَا عندك"؟ ولم يجز في ذلك المعنى أن تقول: "هل زيدٌ عندك أم عمرٌو؟ " وقد تنتقل عن الاستفهام إلى معنَى "قَدْ"، نحوَ قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ (٢)، أي: قد أتى. وقد تكون بمعنَى النفي، نحو قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ﴾ (٣).
وإذ كانت الهمزةُ أعمَّ تصرُّفًا، وأقوى في باب الاستفهام، توسّعوا فيها أكثرَ ممّا توسّعوا في غيرها من حروف الاستفهام، فلم يستقبحوا أن يكون بعدها المبتدأُ والخبرُ، ويكونَ الخبرُ فعلًا. واستُقبح ذلك في غيرها من حروف الاستفهام لقلّةِ تصرُّفها.
فإن قيل: إذا كان الاستفهامُ يقتضي الفعلَ، على ما أقررتم، في بالُكم ترفعون بعده المبتدأ والخبرَ؟ فتقولون: "أزيدٌ قائمٌ"؟ و"هل زيد قائمٌ"؟ فالجوابُ: أن الجملة قبل دخول الاستفهام تدل على فائدةٍ؛ فدخل الاستفهامُ سؤالًا عن تلك الفائدة.
وذكرُ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ (٤)؛ فـ "أحَد" هنا مرتفعٌ بفعل مضمر تفسيرهُ الظاهرُ الذي هو"استجارك"، والتقديرُ: "إن استجارك أحدٌ من المشركين استجارك فأجِرْه"، وذلك أنّ "إنْ" في باب الجزاء بمنزلة الألف في باب الاستفهام. وذلك لأنّها تدخل في مواضع الجزاء كلَّها، وسائرُ حروف الجزاء نحوُ: "مَنْ" و"مَتَى" لها مواضعُ مخصوصةٌ؛ فـ "مَنْ": شرطٌ فيمن يعقل، و"مَتَى": شرطٌ
стр. 213
في الزمان، وليست "إنْ" كذلك، بل تأتي شرطًا في الأشياء كلها، فلذلك حسُن أن يَلِيَها الاسمُ في اللفظ، ويُقدَّر له عاملٌ، وذلك نحوُ: "إنْ زيدٌ أتاني آتِهِ"، ترفع "زيدًا" بفعل مضمر يُفسِّره هذا الظاهرُ، والتقديرُ: إن أتاني زيد أتاني آته، قال النمِرُ بن تَوْلَبٍ [من الكامل]:
١٣٠ - لا تَجْزَعِي إنْ مُنْفِسًا أهْلَكْتُه ... وإذا هلكتُ فعِنْدَ ذلك فاجْزَعِي
نصب "منفسًا" بعدَ "إنْ" بإضمار فعل تقديرُه: "إن أهلكتُ منفسًا أهلكتُه". ويجوز رفعُ "منفس"، فيقال: "إنْ منفسٌ أهلكتُه"، على تقديرِ "إنْ هَلَكَ منفسٌ". ولا بدّ من تقدير فعل إمّا ناصبٍ وإمّا رافعٍ.
стр. 214
وزعم الفَرّاء أنّ "أحَدًا" في الآية يرتفع بالعائد الذي عاد إليه، وهو ضميرُ الفاعل الذي في "استجارك". وهو قول فاسد، لأنّا إذا رفعناه بما قال، فقد جعلنا استجارك خبرًا لـ "أحد" وصار الكلامُ كالمبتدأ والخبر.
وأمّا بيت الحماسة [من البسيط]:
إذا لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ ... عندَ الحَفِيظة إنْ ذُو لُوثَةٍ لانَا
الشاهد فيه: رفعُ "ذو لوثة" بفعل مضمر دلّ عليه "لَانَا"، والتقديرُ: "إن لانَ ذو لوثة لانَا"، لمكانِ حرف الجزاء، وهي "إنْ"، واقتضائها الفعلَ، وأنه لا يقع بعدها مبتدأٌ وخبرٌ؛ لا يجوز أن يُقال: "إنْ زيدٌ قائمٌ أكرمتُك".و"الخُشُنُ"؛ جمعُ "أخْشَنَ"، بمعنى "الخُشْن"، والجمعُ "خُشْنٌ" بسكون الشين، نحوُ قوله [من الرجز]:
١٣١ - ألْيَنُ مَسًّا في حَوايَا البَطْنِ ... مِن يَثْرِبِيّاتٍ قِذَاذٍ خُشْنِ
وتحريكُ الشين في البيت ضرورة، و"الحَفِيظةُ": الغَضَبُ. و"اللُّوثَةُ": الضُّعْفُ والاسترخاءُ؛ أبي: إنهم يخشُنُون إذا لانَ الضعيفُ لَعَجْزٍ أو ذِلَّةٍ. يصِفهم بالمَنَعَة.
وأما المَثَل، وهو قولهم: "لو ذاتُ سِوارٍ لطمتَني"، فالاسمُ الذي هو"ذات سوار" مرتفعٌ بعد "لَوْ" بفعل مقدر دلّ عليه "لطمتني"، والتقديرُ: "لو لطمتني ذاتُ سوار لطمتني"، من قِبَل أنّ "لَوْ" تقتضي الفعلَ اقتضاءَ "إن" الشرطيّةِ, لأنّ "لَوْ" شرطٌ فيما مضى، كما أنّ "إنْ" شرطٌ فيما يستقبل.
ويحكى أنّ حاتمًا الطائيّ أُسر في بلادِ بني عَنْزَةَ، فغاب عنها الرجالُ، وبقي فيما بين نسائهم حاتمٌ مقيَّدًا مغلولًا، ثمّ اتفق لهنّ الارتحالُ، فارتحلن بحاتم. فلمّا بلغْن بعضَ الطريق، مَسَّهن الجُوعُ. وكان عادةُ الجاهِلية أكْلَ الفَصِيد في المَخْمَصَة (١). فقال: افْكُكْنَ
стр. 215
عنّي الغُلَّ لأفْزدَ. ففككْن عنه، فنزل عن الناقة ونَحَرها، فقيل له في ذلك، فقال: "هكذا فَزْدِي أنَهْ"، فلطمتْه جاريةٌ بما فعل، فقال: "لو ذاتُ سوارٍ لطمتني"، يريد: لو حُرَّةٌ لطمتني. والمعنى لو لطمتني من كانت في الشَّرَف لي كُفْئًا، لَهانَ عليّ ذلك.
وأمّا المَثَل الآخر، وهو قول العرب: "إلا حَظِيةٌ فلا ألِيةٌ" (١)، فمعناه: "إنْ لا تكن لك في النساء حظيةٌ، فإنيّ غيرُ أليةٍ"؛ كأنّها قالت: "إن كنت ممّن لا تَحْظَى عنده امرأةٌ، فإني غيرُ أليةٍ". ولو عنتْ بالحظيّة نفسَها, لم يكن إلَّا نصبًا؛ إذ التقديرُ: "إلا أكُنْ حظيةٌ"، فيكون منصوبًا, لأنّه خبرُ "كَانَ". يُضْرَب لِمَن أخظأتْه الحُظْوَةُ، فيقال: إن أخطأتْك الحُظْوَةُ فيما تطلب، فلا تَأْلُ أن تتودّد إلى الناس، لَعَلَّكَ تُدْرِك بعضَ ما تريد. وأصلُه في المرأة تَصْلَفُ عند زوجها. و"حظيّةٌ"، و"أليةٌ"" "فَعِيلَةٌ" من "الحُظْوَة"، و"الألْوِ". و"ألَوْتُ" أي: قَصَّرْتُ. والأصلُ "حَظيوَةٌ"، و"ألِيوَةٌ"، وإتما قُلبت الواو ياءً لوقُوع الياء الساكنةِ قبلها على حدِّ "سَيِّدٍ" و"مَيِّتٍ".
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ (٢) فـ"أن" وما بعدها من الاسم والخبر بتأويلِ مصدر من لفظ الخبر مضافٍ إلى الاسم، وهو في موضع رفع بفعل محذوف، وتقديرهُ: ولو ثبت صَبْرُهم، أو وقع، لِما ذكرناه من أنّ "لو" لا يَلِيها إلا الفعلُ. واعلمْ أنّك لو قلت: "لو أن زيدًا قائمٌ لأكرمناه"، لم يجز؛ وإذا قلت: "لو أنّ زيدًا قام لأكرمناه"، جاز، وذلك لوقُوعِ الفعل في خبرِ "أنَّ"، فيكون مفسِّرًا لذلك الفعل المحذوفِ الرافعِ، كأنَّا قلنا: "لو صَحَّ أن زيدًا قام"، أو: "لو ثبت".
فإن قيل: فكيف يكون "قَامَ"، من قولك: "لو أن زيدًا قام" دالاً على "صَحَّ" و"ثَبَتَ"، وليس من لفظه؟ قيل: لمّا كانا في المعنى شيئًا واحدًا، جاز أن يفسَّر أحدهُما بالآخر؛ ألا ترى أنّه لا فرقَ بين أن تقول: "قام زيدٌ"، وبين أن تقول: "صَحَّ قيامُ زيد"، أو: "ثَبَتَ قيامُ زيد"؛ فلمّا كان إيّاه في المعنى، جاز أن يدلّ "قَامَ" على "صَحَّ"؛ لأنّ الصَّحَّة للقيام، فيجوز أن يدل أحدهُما على الآخر، من حيث هما فعلان ماضيان، وأحدُهما ملتبسٌ بالآخر، من حيث كانت "أنَّ" وما اتّصل بها في موضعِ المصدر، والفعلُ المضمرُ مُسْنَدٌ إليه. وقد أجاز سيبويه أن تكون "أنَّ" وما اتّصل بها بعدَ "لَوْ"، وإنْ كان فيها معنَى المجازاة، في موضعِ رفع بالابتداء، والخبرُ محذوفٌ؛ وجاز, لأن الفعلَ الذي هو خبرُ "أنّ" يُصحِّح لها معنَى المجازاة. وساغ ذلك لأنّها ليست عاملة "إِن" الشرطيّةِ، فجاز أن يقع بعدها المبتدأُ. وقال السيرافيّ: لو كانت "أنَّ" في موضعِ اسم مبتدأ، لجَاز أن يُقال: "لو أنّ زيدًا جالسٌ أتَيْناك"، على معنَى: "لو وقع هذا"؛ والحقُّ الأوَّل لاقتضائها الفعلَ.