أصلُ هذه الهمزة أن تكون في الأفعال خاصّةً، وإنّما هذه الأسماء محمولة في ذلك على الأفعال؟ لأنّها أسماءٌ معتلّةٌ سقطت أواخرُها للاعتلال، وكثُر استعمالُها، فسكن أوائلُها لِتكون ألفاتُ الوصل عوضًا ممّا سقط منها, ولم يُستنكر ذلك فيها، كما لم تُستنكر إضافةُ أسماء الزمان إلى الأفعال في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ (١) ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ (٢). وقال الشاعر [من الطويل]:
على حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبا (٣)
وكما وصفوا بالأفعال في قولك: "مررتُ برجلٍ يأكل"، وأصلُ الإضافة والصفة الأسماء كما أنّ أصل هذه الهمزة الأفعالُ.
فأمّا "ابنٌ"، فأصله "بنَوٌ" بفتح الفاء والعين كـ"جَبَلٍ"، و"جَمَلٍ"، دلّ على ذلك قولهم في الجمع: "أَبْنَاءٌ". قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ﴾ (٤). وقال الشاعر [من الطويل]:
بَنُوهُنَّ أبناءُ الرِّجالِ الأباعِدِ (٥)
ولا يجوز أن يكون فِعْلاً كـ"جِذْعٍ", ولا فُعْلاً كـ"قُفْلِ"؛ لقولهم في جمع السلامة: "بَنُونَ" بفتح الباء، ولذلك قالوا في النسب: "بَنَوِيٌّ" بفتح فائه. والمحذوفُ منه واوٌ، هى لامه. دلّ على ذلك قولهم في المؤنّث: "بنتٌ"، كما قالوا "أُخْتٌ"، و"هَنْتٌ"، فأبدلوا التاء من لامها، وإبدالُ التاء من الواو أكثرُ من إبدالها من الياء، وعلى الأكثر يكون العملُ. فأمّا "البُنوَّةُ"، فلا دليلَ فيه لقولهم: "الفُتُوَّةُ"، وهو من الياء؛ لقولهم في التثنية: "فَتَيان"، وفي، الجمع: "فِتْيَةٌ"، و"فِتْيانٌ".
وكذلك "ابْنَةٌ" هو تأنيث "ابنٍ"، والتاء فيه للتأنيث على حدّها في "حَمْزَةَ"، و"طَلْحَةَ". فأمّا "بِنْتٌ"، فليست التاء فيه للتأنيث على حدّها في "ابنة". يدلّ على أنّها ليست للتأنيث سكونُ ما قبلها، وتاء التأنيث تفتح ما قبلها على حدِّ "قائمَة"، و"قاعدَة". وإنّما هي بدلٌ من لام الكلمة. يؤيّد ذلك قولُ سيبويه (٦): لو سمّيت بهما رجلاً، لصرفتَهما معرفةً، يعني: بِنْتًا وأُخْتًا. وهذا نصٌ من سيبويه، ألا ترى أنَّها لو كانت للتأنيث لما انصرف الاسم كما لم ينصرف نحو: "طلحةَ" و"حمزة"؟ فإن قيل: فإنّا نفهم من الكلمة التأنيثَ، قيل: التأنيث مستفادٌ من نفس الصيغة، ونَقْلِها من بناء إلى بناء آخر، وذلك أنّ أصلَ "بِنْتٍ": "بَنَوٌ"، فنقلوه إلى فِعْل ألحقوه بجِذْع بالتاء، كما ألحقوا "أُخْتًا" بالتاء بـ"قُفْلٍ"، و"بُرْدٍ"، فصارت الصيغة عَلَمًا للتأنيث، إذ كان هذا عَلَمًا اختصّ بالمؤنّث.
стр. 2242
وأمّا "ابْنُمٌ، فهو "ابنٌ" زيدت عليه الميمُ للمبالغة والتوكيد، كما زيدت في "زُرْقُمٍ" و"سُتْهُمٍ"، بمعنى الأَزْرَق والعظيمِ العَجيزةِ، أي: كبير الاسْتِ. قال الشاعر [من الطويل]:
١٢٥٦ - وهل لِيَ أُمٌّ غيرُها إنْ ذكرتُها ... أَبَى الله إلّا أنْ أكونَ لها ابْنَما
وليست الميم بدلاً من لام الكلمة على حدّها في "فَمٍ"؛ لأنّها لو كانت بدلاً من اللام، لكانت في حكم اللام، وكانت اللامُ كالثانية، وكان يَبْطل دخول همزة الوصل.
وأمّا "اثنان"، فأصله "ثِنْيان"؛ لأنّه من "ثَنَيْتُ". و"اثْنَتانِ" التاء فيه للتأنيث كـ"ابنتَيْن" و"ثِنْتان"كـ"بِنْتَيْن"، التاء فيه للإلحاق.
وأمّا "امْرُؤٌ" و"امْرَأَةٌ"، فإنّما أسكنوا أوّلَهما وإن كانا تامَّين غيرَ محذوفَيْن؛ لأنّك إذا دخلت الألفُ واللامُ، فقلتَ: "المَرْء" و"المَرْأَة"، وخفّفتَ الهمزة، حذفتَها، وألقيتَ حركتها على الراء، فقلت: "جاءني المَرُ" و"رأيت المَرَ"، و"مررت بالمَرِ". فلمّا كانت الراء قد تُحرَّك بحركة الإعراب، وكثُرَت هذه الكلمةُ في كلامهم حتى صارت عبارةً عن كلّ ذَكَر وأُنْثَى من الناس، أعلّوها لكثرة استعمالهم إيّاها، وشبّهوا الراء في "المرْءُ" و"المرْءَ" و"المرْءِ" بخاء "أخيك"، فأتبعوا عينَها حركةَ لامها، فقالوا: "هذا امْرُؤٌ"، و"رأيت امْرأً"، و"مررت بامْرِئٍ"، كما تقول: "هذا أخوك"، و"رأيت أخاك"، و"مررت بأخيك". وألفُه وألفُ "ابنم" مكسورةٌ على كلّ حال؛ لأنّ الضمّة فيه عارضةٌ للرفع غيرُ لازمة، وليست كالضمّة في "اقْتُلْ". فلمّا اعتلّ هذا الاسمُ بإتباع حركة عينه حركةَ لامه، وكثُر استعمالُه، أسكنوا أوّلَه، وأدخلوا عليه همزة الوصل على ما ذُكر.
стр. 2243
وأمّا "اسْمٌ"، فأصله "سِمْوٌ" على زنة "فِعْلٍ" بكسر الفاء، هكذا قال سيبويه (١)، فحُذفت الواو تخفيفًا على حدّ حَذْفها في "ابن" و"ابنة"، وصارت الهمزةُ عوضًا عنها، ووزنُه "افْعٌ"، وفيه لغاتٌ وخلافٌ تقدّم ذكره في صدر هذا الكتاب.
وأمّا "اسْتٌ"، فمحذوفةُ اللام، وهي هاء يدلّ على ذلك قولُهم في تحقيره: "سُتَيْهَةٌ"، وفي جمعه: "أَسْتاهٌ"، وأصلُه: "سَتَهٌ" علي وزن "فَعَلٍ" بفتح العين. ويدلّ على ذلك قولهم في القلّة: "أَسْتاهٌ"، مثلُ: "جَمَلٍ" و"أَجْمالٍ"، و"قَلَمٍ" و"أَقْلامٍ". ولا يكون على "فِعْلٍ" كـ"جِذْعٍ"، ولا "فُعْلٍ" كـ"قُفْلٍ" اللذَيْن يُجْمَعان أيضًا على "أفْعالٍ"؛ لقولهم فيه: "سَهٌ" بفتح الفاءَ حين حذفوا العين. قال الشاعر [من الطويل]:
شَأَتْكَ قُعَيْنٌ غَثُّها وسَمِينُها ... وأَنْتَ السَّهُ السُّفْلَى إذا دُعِيتُ نَصْرُ (٢)
وفي الحديث: العينُ وِكاءُ السَّهِ (٣)، ففتحُ الفاء ها هنا دليلٌ على أنّ الأصل ما ذكرناه، ولا يكون "سَتِةٌ" بكسر العين، ولا "سَتُهٌ" بضمّها؛ لأنّ المفتوحَ العين أكثرُ، والحكمُ إنّما هو على الأكثر. وقد اختلفت العربُ فيه، فمنهم من قال: "سَتٌ" بحذف الهاء، وإبقاء الكلمة على أصلها من غير تغيير كـ"يَدٍ" و"دَمٍ"، ومنهم من حذف التاء، وقال: "سَهٌ". وهو قليل من قبيل الشاذّ. ومنهم من يحذف الهاء، ويُسكِن السين، ويدْخِل ألف الوصل، فيقول. "اسْتٌ".
وأمّا "ايْمُنُ الله" في القَسَم، و"ايم الله"، فالهمزةُ فيهما وصلٌ تسقط في الدرج، وقد تقدّم الكلام عليهما في القسم.
[همزة الوصل مع مصادر الأفعال]
قال صاحب الكتاب: والثاني مصادر الأفعال التي بعد ألفاتها إذا ابتديء بها أربعة أحرف فصاعداً, نحو انفعل وافتعل واستفعل تقول: انفعال وافتعال واستفعال، ومن الأفعال فيما كان على هذا الحد، وفي أمثلة أمر المخاطب من الثلاثي غير المزيد فيه نحو اضرب واذهب. ومن الحروف في لام التعريف وميمه في لغة طييء. فهذه الأوائل ساكنة كما ترى يلفظ بها كما هي في حال الدرج، فإذا وقعت في موضع الابتداء, أُوقعت قبلها همزات ومزيدة متحركة، لأنه ليس في لغتهم الابتداء بساكن, كما ليس فيها الوقوف على متحرك.
* * *
стр. 2244
قال الشارح: قد تقدّم أنّ أصل دخول هذه الهمزة إنّما هو في الأفعال، ودخولُها في الأسماء إنّما هو بالحمل عليها، والتشبيه بها. وتلك الأفعالُ ثمانيةٌ، وهي: "انْفَعَلَ"، نحو: "انطلق"، و"افْتَعَلَ"، نحو: "اقتدر"، و"اكتسب"، و"اِفْعَلَّ"، مثل: "احْمرَّ"، فهذه الثلاثةُ على زنة واحدة، ومثال واحد، و"اسْتَفْعَلَ"، نحو: "استخرجِ"، و"افْعَنْلَلَ"، نحو: "اقعنسس"، و"افْعَالَلْت"، نحو: "اشهابَبْت"، و"افْعَوَّلَ"، و"افْعَولَل"، نحو: "اخْرَوَّطَ"، و"اخْشَوْشَنَ". فهذه الخمسةُ على مثال واحد أيضًا. فهذه كلُّها يلزم أوّلها همزةُ الوصل لسكون أوّلها.
فإن قيل: ولِمَ أُسْكِن حتى افتقرت إلى همزة الوصل؟ قيل: أمّا الثلاثة الأُوَلُ، فإنّما أسْكِن أوّلها لأنّهم لو لم يفعلوا ذلك، لاجتمع في الكلمة أكثرُ من ثلاثِ متحرّكاتٍ. وأمّا الخمسةُ التي تليها، فكأنّهم زادوا عليها حرفًا، فكرهوا كثرةَ الحروف وكثرةَ المتحرّكات، فأسكنوا الأوّلَ منها، وأتوا بالهمزة توصُّلاً إلى النطق بالساكن. ولمّا وجب ذلك في هذه الأفعال لما ذكرناه، اعتمدوه في مصادرها، نحو: "الانطلاق"، و"الاقتدار, و"الاحمرار"، و"الاستخراج"، و"الاقْعِنْساس", و"الاشْهِيباب"، و"الاخْرِوّاط"، و"الاخشِيشان".
ومن ذلك "اطّايَرَ اطّيارًا"، و"اثّاقَلَ اثِّقالا"، و"ادّارَكُوا فِيهَا ادِّراكًا". جاؤوا بهمزة الوصل عند سكون الأوّل منه. وإنّما سكن الأوّلُ؛ لأنّهم ادّغموا تاء "تَفَاعَلَ" فيما بعده، إذ كان مقاربًا له، ثمّ جاؤوا بالهمزة، وإنّما كانت المصادرُ في ذلك كالأفعال؛ لأنّها جارية عليها، وكلُّ واحد منها يؤول إلى الآخر، ولذلك أعلّوا المصدر لاعتلال الفعل، نحو: "قَامَ قِيامًا"، ولولا اعتلالُ الفعل لما اعتلّ المصدرُ، وصحّ كما صحّ في "لِواذٍ".
وقوله: "التي بعد ألفاتها إذا ابتدىء بها أربعة أحرف فصاعدًا"، تحرّز به من مثل "أَفْعَلَ"، نحو: "أَخْرَجَ"، و"أَكْرَمَ"، فإنّ الهمزة فيه قطعٌ مع أنّ ما بعدها ساكنٌ، لأنّ الهمزة فيه كالأصل بُنيت الكلمة عليها كبناء "فَاعَلَ" و"فعَّلَ"؛ لأنّ الزيادة في كلّ واحد منها لمعنى، وليس كذلك همزةُ الوصل؛ لأنّها لم تدخل لمعنى بل وُصلةً إلى النطق بالساكن. والذي يؤيد عندك أنها كالملحقة، وإن لم تكن ملحقةً حقيقةً، أنّك تضمّ أوّل مضارعه، فتقول: "يُخْرِجُ"، و"يُكْرِم" كما تقول: "يُدَحْرِجُ"، و"يُسَرْهِفُ"، و"يُصَوْمِع"، و"يُجَهْوِرُ".
وإنّما قلنا: إنّها ليست للإلحاق، وذلك من قبل أنّ الملحق حكمُه حكمُ الأصل في المضارع والمصدر، نحو: "جَهْوَرُ"، و"بَيْطَرَ"، و"جَلْبَبَ"، لمّا كانت الزيادةُ فيها للإلحاق، قالوا في مضارعها: "يُجَهْوِرُ"، و"يُبَيطِرُ"، و"يُجَلْبِبُ" بالضمّ، وقالوا في مصدرها: "جَهْوَرَةٌ"، و"بَيطَرَةٌ"، و"جَلْبَبَةٌ"، كـ "دَحْرَجَةٍ"، و"سَرْهَفَةٍ". وأنت لا تقول في "أَكرَمَ"، و"قَاتَلَ"، و"كَلَّمَ": "أَكْرَمَةٌ"، ولا "قَاتَلَةٌ"، و"كَلَّمَةٌ"، فبَانَ لك أنّ الزيادة في "أَكرَمَ" جارية مجرى الملحق، وإن لم تكن ملحقة.
стр. 2245
وتدخل أيضًا في فعل الأمر، وذلك من كل فعل فُتح فيه حرفُ المضارعة، وسكن ما بعده، نحو: "يَضْرِب"، و"يَقْتُلُ"، و"يَنْطَلِقُ"، و"يَعْتَذِرُ"، فإذا أمرتَ قلت: "اضْرِبْ"، "اقْتُلْ"، "انْطَلِقْ". وكان يجب أن يحرّك الأوّل من المستقبل كما حُرّك في الماضي، فيقالَ: "ذَهَبَ يَذَهَبُ"، و"قَتَلَ يَقَتُلُ"، و"ضَرَبَ يَضَرِبُ"، فيجتمع أربعٌ متحرّكاتٌ، فاستثقلوا توالِيَ الحركات، فلم يكن سبيلٌ إلى تسكين الأوّل الذي هو حرفُ المضارعة؛ لأنّه لا يُبتدأ بساكن، ولا إلى تسكين الثالث الذي هو عين الفعل؛ لأنّه بحركته يُعْرَف اختلافُ الأبنية، ولا إلى تسكين لامه؛ لأنّه محل الإعراب من الرفع والنصب، فأسكنوا الثاني، إذ لا مانعَ من ذلك، فقالوا: "يَذْهَبُ"، و"يَقْتُلُ". فإذا أرادوا الأمر، حذفوا حرف المضارعة، فبقى فاء الفعل ساكنًا, فاحتاجوا إلى همزهْ الوصل، فقالوا: "اذهَبْ"، و"اقتُلْ" على ما تقدّم.
وأمّا دخولها في الحرف، فمعَ لام التعريف في نحو: "الرّجل"، و"الغلام". وإنّما أتوا بهمزة الوصل مع هذه اللام؛ لأنها حرف ساكنٌ يقع أوّلاً، والساكنُ لا يمكن الابتداءُ به، فتَوصّلوا إلى ذلك بالهمزة قبلها. وإنّما كانت ساكنة لقوّة العناية بمعنى التعريف. وذلك أنّهم جعلوه على حرف واحد ساكن ليضعف عن انفصاله ممّا بعده، ويقوي اتّصالُه بالمعرَّف، فيكون ذلك أبلغَ في إفادة التعريف للزوم أداته.
وكذلك الميم المبدلة منه في لغة طيّئ، نحو قوله ﵇: "ليس مِنَ امْبِرِّ امْصِيامُ في امْسَفَرِ"، وقد تقدّم الكلام عليه.
وقوله: "وهذه الأوائل ساكنة كما ترى يلفظ بها كما هي في حال الدرج"، يريد أنّ أول (١) جميع ما ذكرناه من الأسماء والأفعال ممّا هو ساكنٌ يبقى ساكنًا على حاله في الدرج؛ لأنّ الكلام الذي قبله تصله إلى الساكن. فأمّا إذا ابتدأتَ، فلا بدّ من همزة الوصل؛ لتعذّر الابتداء بالساكن. وقوله: "لأنّه ليس من لغتهم الابتداء بالساكن"، ربّما فهم منه أنّ ذلك ممّا يختصّ بلغة العرب، ويجوز الابتداء بالساكن في غير لغة العرب، وليس الأمر كذلك، بل إنّما كان ذلك لتعذر النطق بالساكن، وليس ذلك مختصًّا بلغة دون لغة فاعرفه.
فصل [حركة همزة الوصل]
قال صاحب الكتاب: وتسمى هذه الهمزات همزات الوصل، وحكمها أن تكون مكسورة، وإنما ضمت في بعض الأوامر، وفيما بني من الأفعال الواقعة بعد ألفاتها أربعة أحرف فصاعداً للمفعول للإتباع، وفتحت في الحرفين, وكلمتي القسم للتخفيف.
* * *
стр. 2246
قال الشارح: إنّما سمّيت هذه الهمزة همزة الوصل؛ لأنّها تسقط في الدرج، فتصل ما قبلها إلى ما بعدها, ولا تقطعه عنه كما يفعل غيرُها من الحروف. وقيل: سُمّيت وَصْلاً؛ لأنّه يُتوصّل بها إلى النطق بالساكن. وحكمُها أن تكون مكسورة أبدًا؛ لأنها دخلت وصلةً إلى النطق بالساكن، فتَخيّلوا سكونَها مع سكونِ ما بعدها، فحرّكوها بالحركة التي تجب لالتقاء الساكنين، وهي الكسرة.
فإن كان الثالث من الاسم الذي فيه همزةُ الوصل مضمومًا ضَمًّا لازمًا، ضممت الهمزة، نحو: "اقْتُلْ"، "اخْرُجْ"، "اسْتُضعِفَ"، "انْطُلِقَ به". وذلك أنّهم كرهوا أن يخرجوا من كسرة إلى ضمّة؛ لأنّه خروجٌ من ثقيل إلى ما هو أثقلُ منه ليس بينهما إلّا حرفٌ ساكنٌ، ولذلك من الاستثقال قلّ في كلامهم نحو: "يَوْمٍ"، و"يوْخٍ" (١) للخروج من الياء إلى الواو، وكثُر في كلامهم نحو: "ويْلٍ"، و"وَيْحٍ"، و"وَيْسٍ"؛ لأنّ فيه خروجًا من ثقيل إلى ما هو أخفّ منه. وحكى قُطْرُب على سبيل الشذوذ: "اِقْتُلْ" بالكسر على الأصل.
وإنّما قلنا: ضمًّا لازمًا تحرّزًا من مثلِ: "ارْمُوا"، و"اِقْضُوا"، فإنّ الهمزة في ذلك كله مكسورةٌ، وإن كان الثالث مضمومًا؛ لأنّ الضمّة عارضةٌ، والميمُ في "ارموا" أصلُها الكسرُ، وكذلك الضاد في "اقضوا". وذلك أنّ الأصل "اقضِيُوا"، "ارْمِيُوا". وإنّما استثقلوا الضمّة على الياء المكسور ما قبلها، فحذفوها، فبقيت ساكنةً، وواوُ الضمير بعدها ساكن، فحُذفت الياء لالتقاء الساكنين، وضُمت العين لتصحّ الواو الساكنةُ، فبقيت الهمزةُ مكسورة على ما كانت، كما قالوا: "اُغزِي"، فضمّوا الهمزة والثالثُ مكسورٌ كما ترى، لأنّ الأصل "اغزُوِي"، فاعتلّت الواوُ، فحُذفت، ووَلِيَت الياء الزايَ، فانكسرتْ من أجلها، فالضمّةُ الآنَ في الهمزة مراعاةً للأصل.
وقوله: "وفتحت في الحرفين"، يريد مع لام التعريف وميمه، فإنّ الهمزة معهما مفتوحةٌ بخلاف حالها مع الأسماء والأفعال. والعلّة في ذلك أنّهم أرادوا أن يخالفوا بين حركتها مع الحرف، وحركتها مع الاسم والفعل.
وأمّا ألفُ "ايْمُن الله" في القسم، فمفتوحةٌ أيضًا إذ كان ما دخلت عليه غير متمكّن لا يُستعمل إلّا في القسم، ففُتحت همزته تشبيهًا لها بالهمزة اللاحقة حرفَ التعريف. وحكى يونس: "اِيمن الله" بالكسر على الأصل.
стр. 2247
فصل [سقوط همزة الوصل في الدرج نطقًا]
قال صاحب الكتاب: وإثبات شيء من هذه الهمزات في الدرج خروج عن كلام العرب, ولحن فاحش، فلا تقل: "الإسم" و"الإنطلاق" و"الإقتسام" و"الإستغفار" و"من إبنك" و"عن إسمك". وقوله [من الطويل]:
إذا جاوز الإثنين سرٌّ (١)
من ضرورات الشعر.
* * *
قال الشارح: يريد أنّ هذه الهمزات إنّما جيء بها وصلةً إلى الابتداء بالساكن، إذ كان الابتداءُ بالساكن ممّا ليس في الوُسْع. فإذا تقدّمها كلامٌ، سقطت الهمزةُ من اللفظ، لأن الكلام المتقدّم قد أغنى عنها، فلا يقال: "الإسْمُ" بإثبات الهمزة؛ لعدم الحاجة إليها؛ لأنّ الداعي إلى الإتيان بها قد زال، وهو الابتداءُ بساكن. وكذلك سائرُ ما ذكره من "الانطلاق" و"الاقتسام". قال: "فإثبات الهمزة في هذه الأسماء لحن"، لأنّه عدولٌ عن كلام العرب وقياسِ استعمالها، وكان زيادة من غير حاجة إليه. ونظيرُ ذلك هاء السكت من نحو: "عِهْ" و"شِهْ"، أُتي بها وصلةً إلى الوقف على المتحرّك، فإذا وُصل بكلام بعده، سقطت الهاء، فهذه الزيادةُ في هذا الطرف كذلك الزيادةُ في الطرف الآخر. قال: فأمّا قوله [من الطويل]:
إذا جاوز الإثْنينِ سِر
فمن ضرورات الشعر، فإنّه أورده إذ كان ناقضًا لهذه القاعدة، إذ قد أثبت الشاعر الهمزةَ مع تقدُّم لام التعريف. البيت لقَيْس بن الخَطِيم، وقيل له: خطيمٌ لضَرْبَةٍ كانت بأنفه. وتمامُه.
بنَشْرٍ وإفْشاءِ الحَدِيثِ قَمِينُ
ومثله قول الآخر [من السريع]:
لا نَسَبَ اليَوْمَ ولا خُلَّةً ... اتّسَعَ الخَرْقُ على الراقع (٢)
فأثبت همزةَ "اتَّسَعَ" في حال الوصل ضرورةً، وهو ها هنا أسهل، لأنه في أوّل النصف الثاني، فالعربُ قد تسكت على أنصاف الأبيات، وتبتدىء بالنصف الثاني، فكأنّ الهمزة وقعت أوّلاً، فاعرفه.
* * *
стр. 2248
قال صاحب الكتاب: ولكن همزة حرف التعريف وحدها إذا وقعت بعد همزة الاستفهام لم تحذف، وقلبت ألفاً لأداء حذفها إلى الإلباس (١).
* * *
قال الشارح: أمرُ هذه الهمزة مخالفٌ لِما أصّلناه, لأنّ ألف الاستفهام إذا دخلت على همزة الوصل، سقطت ألفُ الوصل، نحو قوله تعالى: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ (٣)؛ لأن الغُنْية قد حصلت بهمزة الاستفهام عن همزة الوصل، ولم يُؤدِّ حذفُها إلى لبسٍ؛ لأنّ ألف الاستفهام مفتوحةٌ وألف الوصل مكسورةٌ. فأمّا الألف التي مع اللام، فإنّها لا تسقط؛ لئلّا يلتبس الاستخبارُ بالخبر، لأنّهما مفتوحتان، بل تُبدِّلْها ألفًا، نحو قوله: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٤)، و ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٥). فلو حذفت، لوقع لبسٌ، ولا يُعْلَم هل هي الاستفهاميّةُ، أم التي مع لام التعريف، فلذلك ثبتت وشُبّهت بألف "أَحْمَرَ"لثبوتها، قال الشاعر [من الوافر]:
١٢٥٧ - أَأَلخَيرُ الّذي أَنَا أَبْتَغيهِ ... أَمِ الشَّرُّ الذي لا يَأْتَلِينِي
стр. 2249
فصل [تسكين هاء "هو" و"هي "]
قال صاحب الكتاب: وأما إسكانهم أول "هو" و"هي" متصلتين بالواو والفاء, ولام الابتداء, وهمزة الاستفهام, ولام الأمر متصلة بالفاء, والواو, كقوله تعالى: ﴿وهو خير لكم﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿فهي كالحجارة﴾ (٢) , وقوله تعالى: ﴿لهو القصص الحق﴾ (٣) , وقول الشاعر [من البسيط]:
١٢٥٨ - [فقمت للزَّور مُرتاعًا فأرَّقني] ... فقلت: أهي سرت أم عادني حُلُمُ
وقوله تعالى: ﴿فلينظر﴾ (٤) , وقوله: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ (٥) فليس بأصلٍ, وإنما
стр. 2250
شُبّه الحرف عند وقوعه في ذا الموقع بضاد "عضُدٍ", وباء "كبد" (١). ومنهم من لا يُسْكِن.
* * *
قال الشارح: لمّا ذكر ما بُني من الأسماء والأفعال على سكون الأول، خاف أن يُتوهّم أن قولهم: "وَهْوَ"، و"وَهْيَ" بالإسكان من ذلك القبيل، فبيّن أمرَهما، وذلك أن "هُوَ" مضمومُ الأوّل، و"هِىَ" مكسورة. فإذا دخل عليه حرفُ عطف ممّا هو على حرف واحد، فإنّهم قد يُسكنونه لضرب من التخفيف. وأنت في ذلك بالخيار: إن شئت أسكنتَ، وإن شئت حرّكتَ. فمَن أسكن؛ فلأنّ الحرف الذي قبلهما، لمّا كان على حرف واحد، لا يمكن انفصالُه ولا الوقوفُ عليه يتنزّل منزلةَ ما هو من سِنخ الكلمة، فشبّه "وهو" بـ "عَضُد"، "وهي" بـ"كَتف" و"كبد"، فكما يقال: "عَضْدٌ" بالإسكان، و"كَتْفٌ", و"كَبْدٌ"، كذلك قالوا: "وهْوَ"، و"وَهْيَ" بالإسكان. قال الله تعالى: ﴿وَهوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (٢)، وقال: ﴿فهيَ كَالحِجَارَة﴾ (٣)، وقال: ﴿لَهْوَ الْقَصَصُ﴾ (٤)، فأسكن مع لام التأكيد كما أسكن مع واو العطف وفائه. وقالوا في الاستفهام: "أهْوَ فَعَلَ؟ " بإسكان الهاء، ومنه قول الشاعر [من البسيط]:
فقمْتُ للزَّوْرِ مُرْتاعًا فأَرَّقَني ... فقلتُ أهْيَ سَرَتْ أَمْ عادَنِي حُلُمُ
الشاهد فيه قوله: "أهْي" بإسكان الهاء، كأنّه شبّه "أَهْيَ" بـ"كَتْفٍ". والمعنى لمّا رأى المحبوبةَ استعظم ذلك، وقال: أذلك حقٌّ، أو منامٌ؟ فإن كان بَدَلَ الواو والفاء "ثُمَّ"، لم يحسن الإسكانُ حُسْنَه مع الواو والفاء؛ لكونها على أكثر من حرف واحد، فكأنّها منفصلةٌ ممّا بعدها، فلذلك كان أكثرُ القُرّاء على التحريك من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ (٥)،؛ فأمّا قوله: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (٧)، فإنّ هذه لامُ الأمر، وأصلُها الكسر. يدلّ على ذلك أنّك إذا ابتدأت فقلت: "لِيَقُمْ زيدٌ"، كسرتَها لا غيرُ، فإذا ألحقتَ الكلامَ الذي فيه اللامُ الواوَ والفاء، جاز إسكانُها. فمَن أسكن مع الفاء أو الواو؛ فلأنّ الواو والفاء يصيران كشيء من نفس الكلمة، نحو: "كَتْف", لأنّ كلّ واحد منهما لا ينفرد بنفسه فصار بمنزلة "كتف". فإن جئتَ بـ "ثمَّ" مكانَ الفاء أو الواو، لم تسكن؛ لأنّ "ثُمَّ" ينفصل بنفسه، ويُسْكَت عليه، ومن قال: ﴿ثمَّ لْيَقْضُوا﴾ (٨) بإسكان اللام، فإنّه شبّه الميمَ الثانيةَ من "ثُمَّ" بالفاء والواو،
стр. 2251
وجعل ﴿ثُمَّ ليَقضواْ﴾ بمنزلةِ "فلْيقضوا". وهذا كقولهم: "أراك مُنْتفْخًا"، والمراد: "مُنْتَفْخًا"، فشبّه "تَفِخًا" من "منتفخًا" بـ"كََتِْفٍ"، فأسكن الفاء. ومثله قوله [من الرجز]:
١٢٥٩ - فَبَاتَ مُنْتَصْبًا وما تَكَرْدَسا
فالإسكان في هذا كلّه إنّما هو أمرٌ عارضٌ لضرب من التخفيف، فلا يُعتدّ به بناءً، فاعرفه.
стр. 2252
ومن أصناف المشترك
زيادةُ الحروف
فصل [تعداد حروف الزيادة]
قال صاحب الكتاب: يشترك فيها الاسم والفعل, والحروف الزوائد هي التي يشملها قولك: "اليوم تنساه"، أو أتاه سليمان، أو سألتمونيها، أو السمان هويت. ومعنى كونها زوائد أن كل حرف وقع زائداً في كلمة فإنه منها لا إنها تقع أبداً زوائد. ولقد أسلفت في قسمي الأسماء والأفعال عند ذكر الأبنية المزيد فيها نبذاً من القول في الحروف، واذكر ههنا ما يميز به بين مواقع أصالتها ومواقع زيادتها. * * *
قال الشارح: اعلم أنّ زيادة الحروف ممّا يشترك فيه الاسم والفعل؛ وأمّا الحروف فلا يكون فيها زيادةٌ؛ لأنّ الزيادة ضربٌ من التصرّف، ولا يكون ذلك في الحروف. فلمّا كانت الأسماء والأفعال تشترك في ذلك، ذكرها في المشترك. ومعنى الزيادة إلحاقُ الكلمة من الحروف ما ليس منها، إمّا لإفادة معنى، كألِف "ضاربٍ"، وواو"مضروب"، وإمّا لضرب من التوسّع في اللغة، نحو ألف "حِمارِ"، وواو"عَمود"، وياء "سَعِيدٍ".
وحروف الزيادة عشرةٌ، وهي: الهمزة، والألف، والهاء، والياء، والنون، والتاء، والسين، والميم، والواو، واللام، ويجمعها "اليوم تنساه"، وكذلك "سألتمونيها"، ومثلُ ذلك: "السمان هويت". ويُحكى أنّ أبا العبّاس سأل أبا عثمان عن حروف الزيادة، فأنشده [من المتقارب]:
هَوِيتُ السِّمانَ فَشَيَّبْنَنِي ... وقد كُنْتُ قِدْمًا هَوِيتُ السِّمانَا (١)
فقال له: الجوابَ؟ فقال قد أجَبتُك مرّتين، يعني: "هويت السمان". وإنّما قال صاحب الكتاب: "السمان هويت"، فقدّم "السمان"؛ لئلّا تسقط الهمزة في الدرج، فتنقص عدّةُ حروف الزيادة. فأمّا إذا ابتدأ بها فإنّ الهمزة ثابتةٌ. وأمّا "وأتاه سُلَيْمانُ"،
стр. 2253
فلا يحسن؛ لأنّ فيه تكرارَ الألف مرّتين. وقالوا أيضاً: "أسلمني وتاهَ". وقالوا: "الموتُ يَنساهُ".
وليس المراد من قولنا: "حروف الزيادة" أنّها تكون زائدة لا محالةَ؛ لأنهّا قد تُوجد زائدةً، وغيرَ زائدة، وإنما المراد أنّه إذا احتيج إلى زيادةِ حرف لغرض، لم يكن إلّا من هذه العشرة.
وأصلُ الحروف الزيادة حروف المدّ واللين التي هي الواو والياء والألف، وذلك لأنّها أخفُّ الحروف، إذ كانت أوسعَها مَخْرجًا، وأقلّها كُلْفَةً. وأمّا قول النحويّين: إِنّ الواو والياء ثقيلتان، فبالنسبة إلى الألف؛ وأمّا بالنسبة إلى غيرها من الحروف فخفيفتان. وأيضًا فإنّها مأنوسٌ بزيادتها، إذ كلُّ كلمة لا تخلو منها، أو من بعضها. ألا ترى أنّ كلّ كلمة إن خلت من أحد هذه الحروف، فلن تخلو من حركة: إمّا فتحةٍ، وإمّا ضمّةٍ، وإمّا كسرةٍ؟ والحركاتُ أبعاضُ هذه الحروف، وهي زوائدُ لا محالةَ، فلمّا احتيج إلى حروف يزيدونها في كلمهم لأغراض لهم، كانت هذه الحروف أَوْلى، إذ لو زادوا غيرَها, لم تُؤمَن نَفْرَةُ الطَّبع والاستيحاشُ من زيادته، إذ لم تكن زيادته مألوفةٌ. وغيرُ حروف المدّ من حروف الزيادة مشَبَّهٌ بها، ومحمولٌ عليها. فمن ذلك الهمزةُ، فإنّها تُشْبِه حروف المدّ واللين من حيث إنّها بصورتها، ويدخلها التغييرُ بالبدل والحذف، وهي مُجاوِرةُ الألف في المَخرج. فلمّا اجتمع فيها ما ذُكر من شَبَه حروف المدّ واللين اجتمعت معها في الزيادة.
وأمّا الميم، فمُشابِهٌ للواو؛ لأنّهما من مَخرج واحد، وهو الشفة، وفيها غُنَّةٌ تمتدّ إلى الخيشوم، فناسبت بغُنّتها لين حروف اللِين.
وأمّا النون، ففيها أيضًا غنّةٌ، ومخرجُها إذا كانت ساكنة من الخيشوم، بدليلِ أنّ الماسك إذا مسك أنفَه لم يمكنه النطقُ بها, وليس لها فيه مخرجٌ معيِّنٌ، بل تمتدّ في الخيشوم امتدادَ الألف في الحلق، ولذلك حذفوها لالتقاء الساكنين من قوله [من الطويل]:
١٢٦٠ - [فَلَسْتُ بآتِيه ولا أستَطِيعُه] ... ولاكِ اسقِني إنْ كان ماؤكَ ذا فَضْلِ
стр. 2254
كما يحذفون حروف المدّ واللين من نحو "رَمى القوم"، و"تُعْطِي ابنَك". فلمّا أشبهتها فيما ذكرناه شركتها في الزيادة.
فأمّا التاء، فمُشبِهةٌ حروفَ المدّ واللين أيضاً؛ لأنّها حرفٌ مهموسٌ، فناسب هَمسُها لينَ حروف المدّ واللين. ومخرجُها من رأس اللسان وأصولِ الثَّنايا، وهو قريبٌ من مخرج النون، وقد أُبدلت من الواو في "تَالله"، و"تُراثٍ"، و"تُجاهٍ"، و"تُكَأَةٍ"، و"تُخَمَةٍ"، كلُّ ذلك من الواو في "وَالله"، و"الوِراثة"، و"الوَجه"، و"تَوَكأتُ"، و"الوَخامة"، ومن الياء في "ثِنتَين"، و"كَيتَ"، و"ذيتَ". فلمَّا تُصُرّف فيها هذا التصرّفَ، وأُبْدِلت هذا الإبدال، أَتَت مع حروف المدّ واللين في الزيادة.
وأمّا الهاء، فحرفٌ خفيّ مهموسٌ، فناسبت بهَمْسها وخفائها لينَ حروف المدّ واللين. وهي من مخرج الألف، كيف وأبو الحسن يدّعي أن مخرج الألف هو مخرجُ الهاء ألبتّة. وقد أُبدلت من الواو في "يا هَنَاه"، ومن الياء في "هذِه". فلمّا وُجد فيها ما ذُكر من شَبَه حروف المدّ واللين، وافقتها في الزيادة. وقد أخرجها أبو العبّاس من حروف الزيادة، واحتجّ بأنّها لم تزد إلّا في الوقف من نحو: "ارْمِهْ"، و"اغزُه"، و"اخْشَهْ". قال: فلا أعُدّها مع الحروف التي كثُرت زيادتُها. والصوابُ الأوّلُ، وهو رأيُ سيبويه، لأنّها قد زيدت فيما ذُكر، وفي غيره على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وأمّا السين، فهو حرف مُنسَلّ مهموسٌ، يخرج من طرف اللسان وبين الثنايا، قريبٌ من التاء. ولتقارُبهما في المخرج واتّفاقِهما في الهمس، تَبادلا، فقالوا: "استَخَذَ فلانٌ أرضًا"، وأصله: "اتَّخَذَ"، وقالوا: "سِتٌّ"، وأصلُه: "سِدْسٌ". فلمَّا كان بينهما من القرب والتناسب ما ذُكر، زيدت معها.
стр. 2255
وأمّا اللام، فإنه - وإن كان مجهورًا - فهو يشبه النونَ، وقرب منه في المخرج، ولذلك يُدّغم فيه النونُ، نحو قوله: ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ (١). وَقد يحذفون معها نونَ الوقاية، كما يحذفونها مع مثلها، قالوا: "لَعَلِّي" كما قالوا: "إنّي"، و"كَأنِّي". وقد أُبدلت من النون في قوله [من البسيط]:
وَقَفْتُ فيها أُصَيلالاً (٢)
والمراد: أصيلانًا. فلمَّا كان بينهما ما ذُكر، كانت أُختها في الزيادة.
وقوله: "ومعنى كونها زوائد أنّ كلّ حرف وقع زائدًا في كلمة فإنّه منها"، يريد لا يتوهّمْ متوهم أنّ معنى كونها زوائدَ أنّها تقع زوائدَ حيث كانت لا محالةَ، هذا محالٌ. ألا ترى أنّ حروف "أوى" كلَّها أصولٌ، وإن كانت قد تكون زوائد في موضع آخر؟ وإنّما المراد بقولهم: "زوائد" أنّه إذا احتيج إلى زيادة حرف لغرضٍ، لم يكن إلَّا من هذه الحروف، لا أنّها تكون زائدة في كلّ مكان.
واعلم أنّ الزيادة على ثلاثة أضرب: زيادةُ معنى، وزيادةُ إلحاق بناء ببناءٍ، وزيادةُ بناء فقط لا يراد بها شيء ممّا تقدّم. فأمّا ما زيد لمعنى، فنحو ألف "فاعلٍ"، نحو: "ضاربٍ"، و"عالمٍ"، ونحو حروف المضارعة يختلف اللفظ بها لاختلاف المعنى. وأمّا زيادةُ إلحاق، فنحو الواو في "كَوثَرٍ"، و"جَوْهَرٍ" ألحقت الواوُ الكلمةَ بـ "جَعْفَرٍ"، و"دَحْرَجَ"، ونحو الياء في "حِذيَمٍ"، و"عِثْيَرٍ" ألحقتها بـ "دِرْهمٍ"، و"هِجْرَعٍ". وأمّا زيادة البناء فقط، فنحو ألف "حِمارٍ"، وواو "عَجوزٍ"، وياء "سَعِيدٍ". وقد تقدّم الكلام على جُمْهور زيادة هذه الحروف ومواضعها في قسمَي الأسماء والأفعال عند ذكر الأبنية المزيد فيها، والذي يختصّ بهذا الموضع ما يُميَّز به الأصلُ من الزائد، فاعرفه.
فصل [زيادة الهمزة]
قال صاحب الكتاب: فالهمزة يحكم بزيادتها إذا وقعت أولاً بعدها ثلاثة أحرف أصول كأرنب وأكرم، إلا إذا اعترض ما يقتضي أصالتها كإمعة (٣) وإمرة (٤)، أو تجويز الأمرين كأولق. وبأصالتها إذا وقع بعدها حرفان أو أربعة أصول كإتب وإزار وإصطبل وإصطخر (٥)، أو وقعت غير أول, ولم
стр. 2256
يعرض ما يوجب زيادتها في نحو: "شمألٍ", و"نئدل" و"جُرائض" و"ضهيأة".
* * *
قال الشارح: قد أخذ في بيان مواضع زيادة هذه الحروف، والفصلِ بين الأصل والزائد منها، وبدأ بالهمزة، وذكر رابطًا أتى فيه على أمرها. فإذا وقعت أوّلاً، وبعدها ثلاثةُ أحرف أصول، فاقْض بزيادتها هناك، سواءٌ في ذلك الأسماء والأفعالُ، كـ"أَحْمَرَ"، و"أَصْفَرَ"، و"أَرْنَب"، و"أَفْكَل"، و"أَذْهَبُ"، و"أَجْلِسُ". الهمزةُ في ذلك كلّه زائدةٌ، وذلك لغَلَبَة زيادتها أوّلاً، وكثرتها فيما عُرف اشتقاقه، وذلك نحو: "أحْمَرَ"، و"أَصْفَرَ"، و"أَخضَرَ"، و"أَذهبُ"، و"أَجْلِسُ"، و "إِجفِيلٍ"، وهو الظَّليم يهرب من كلّ شيء، و"إِخريطٍ" وهو ضربٌ من الحَمْض. ألا ترى أنّ الاشتقاق يقضي بزيادتها في ذلك كلّه؛ لأنه من الحُمْرة، والصُّفْرة، والخُضْرة، والجَفْل، والخَرْط؟
فلمّا كثُرت زيادتها أوّلاً في بنات الثلاثة، وغلبتْ فيما ظهر بالاشتقاق، وعُلم أمرُه، قُضي بزيادتها فيما أبهمَ من ذلك القبيل، نحو: "أَرْنَبٍ"، و"أَفْكَلٍ" للرِّعْدة، و"أَيدَعٍ" (١)، و"إبلِمة" (٢)، و"إِصْبَعٍ" حملاً على الأكثر، وهو من حَمْل المجهول على المعلوم مع ما في الحكم بذلك من تحصيل البناء المعتدِل، وهو الثلاثيُّ، فكذلك حكم زيادة الهمزة في ذلك كلّه. فعلى هذا لو سمّيتَ بـ "أَفْكَلٍ" (٣) و"أرمَلٍ"، لم تصرفهما؛ لأنّه لمّا قُضي بزيادة الهمزة في المجهول، صار حكمه حكمَ المشتقّ، وحكمتَ أنّ له أصلاً في الثلاثيّ أُخذ منه، وإن لم يُنْطَق به.
فإن كان مع الهمزة ما يجوز أن يكون زائدًا، نحو: "أَيدَعٍ"، و"أَيْصَرٍ"، لم يُقْضَ بزيادة الهمزة فيه إلَّا بثَبَتٍ، وذلك أنّ الهمزة من حروف الزيادة، والياء كذلك، إلَّا أنّ الحكم بزيادة الهمزة هو الوجه لغلبة زيادة الهمزة أولاً على زيادة الياء ثانيًا، فكانت الهمزة في "أيدع" زائدةً لِما ذكرناه؛ ولأنّهم قالوا: "يَدَّعْتُهُ تَيدِيعًا". وهذا ثَبَتٌ في زيادة الهمزة. وأمّا "أَيصَرٌ"، فلو خُلِّينا والقياسَ، لكانت زائدة لغلبة الهمزة أوّلاً، لكنّهم قالوا في الجمع: " إصارٌ". قال الشاعر [من المتقارب]:
١٢٦١ - [فهذا يُعِدُّ لَهُنَّ الخَلى] ... وُيجْمَعُ ذا بينهنّ الإصارا
стр. 2257
فسقوط الياء دليلٌ أنّها زائدة؛ وأمّا "إِمَّعَةٌ"، و"إِمَّرَةٌ"، فالهمزة فيهما أصلٌ. ليس في الصفات مثلُ "إفْعَلَة"، مع أنّا لو حكمنا بزيادة الهمزة فيهما، لكانت الكلمةُ من باب "كَوْكَبٍ"، و"دَدَنٍ" (١)، وهو قليل. وليس العملُ عليه، فـ "إمَّعة" من الصفات، وكذلك "إِمَّرَةٌ" كأنّه من لفظ الأمْرِ.
وأمّا "أَوْلَقٌ"، وهو ضربٌ من الجُنون، فالهمزة فيه أصلٌ؛ لقولهم: "أُلِقَ الرجل، فهو مَأْلُوقٌ". وهذا ثبتٌ في كون الهمزة أصلاً، والواوِ زائدةً، ووزنه إذاً "فَوْعَلٌ" كـ "جَوْهر"، فلو سمّيت به رجلاً، انصرف. هذا مذهبُ سيبويه (٢)، والشاهدُ في "مألوق". فأمّا "أُلِقَ" فيحتمل أن تكون الهمزة أصلُها الواوُ، وإنّما قُلبت همزةً لانضمامها، كما قالوا: "وُجُوهٌ" و"أُجُوهٌ". ويجوز أن يكون "أَوْلَق" أَفْعَلَ من "وَلَقَ" إذا أَسْرَعَ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ (٣). ومنه قول الشاعر [من الرجز]:
١٢٦٢ - جاءَت به عَنْسٌ من الشأمِ تَلِقْ
стр. 2258
فهو على هذا "أَفْعَلُ"، والهمزةُ زائدة، والواو أصلٌ. فلو سُمّي به رجلٌ، لم ينصرف. ويكون هذا الأصلُ غيرَ ذلك الأصل، كما قلنا في "حَسّان" ونظائره: إن أخذتَه من الحسن صرفته، وإن أخذته من الحسّ لم تصرفه، مع أنّهم قد قالوا: "الوَلَقَى" و"الألقَى" للكَرّة السريعة. وهذا يدلّ أنّ الفاء منه تكون مرّة همزةً، ومرّة واوًا على حدِّ "أَوْصَدتُ البابَ، وآصَدتُه". فأمّا إذا كان بعدها حرفان، كـ"إتْبٍ" وهو القميص بلا كُمَّيْن، و"إزارٍ"، أو أربعةُ أحرف كـ"إِصطبل"، و"إِصْطَخر"، فالهمزةُ في ذلك كلّه أصلٌ، فمثالُ "إِتْبٍ": "فِعْلٌ"، "كعِدْلٍ" و"حِمْلٍ"، ومثالُ "إِزَارٍ": "فِعالٌ" "كحِمارٍ"، فالألفُ فيه زائدة؛ لقولك: "إزْرٌ"، فالهمزةُ فيه أصلٌ؛ لأنّه لا يُحْكَم بزيادة الهمزة إلَّا إذا كان بعدها ما يمكن أن يكون اسمًا ظاهرًا، وأقلُّ ذلك الثلاثةُ. فلذلك كانت الهمزة في "إِتبٍ" أصلاً، وفي "أَرْنَبٍ" زائدة، وفي "أَخَذَ" أصلاً، وفي "أَكْرَمَ" زائدة.
فأمّا "إِصْطَبلٌ"، فمثالُ الكلمة بها على "فِعْلَلّ"، ونظيرُها "جرْدَحْل" (١) من قِبَل أنّا إنّما قضينا بزيادة الهمزة في أوّل بنات الثلاثة لكثرةِ ما جاء من ذلك على ما شهد به الاشتقاقُ، ثمّ حُمل غير المشتقّ عليه.
فأمّا إذا كانت الهمزة في أوّل بنات الأربعة فإنّه لم تثبت زيادتُها فيه باشتقاق ولا غيره، فلذلك لم يُقْضَ بزيادتها إذا جُهل أمرها، إذ الأصلُ عدمُ الزيادة، فكانت أصلاً لذلك، وكانت الكلمة بها خُماسيّةً. فـ "إصطبلٌ" الصادُ فيه والطاء والباء واللامُ أصولٌ، وكذلك "إصطخرُ" الصاد والطاء والخاء والراء كلها أصولٌ. وإذا كان كذلك، كانت الهمزة في أوّلها أصلاً أيضاً، ووزنُهما "فِعْلَلٌّ" على ما ذكرنا، كـ"قِرْطَعنٍ" (٢) و"جِرْدَحْلٍ".
ومن ذلك "إبْرَاهيمُ" و"إِسْمَاعيلُ" الهمزةُ فيهما أصلٌ، ووزنُهما "فِعْلَالِيلٌ"؛ لأنّ الباء من "إبراهيم" والراء والهاء والميم أصولٌ، وكذلك السين في "إسماعيل" والميم والعين واللام كلّها أصولٌ. وإذا كان كذلك، كانت الهمزة في أوّلهما أصلاً كذلك، والألفُ والياء فيهما زائدان؛ لأنّهما لا يكونان أصلَيْن في بنات الثلاثة فصاعدًا. وإنّما لم تزد الهمزة في أوّل بنات الأربعة لقلّة تصرُّف الأربعة، وكثرةِ تصرُّف الثلاثة. وإنّما قلّ التصرّفُ في الرباعيّ لقلّته في الكلام. وإذا لم تكثر الكلمةُ لم يكثر التصرّفُ فيها. ألا ترى أنّ كلّ مثال من أمثلة الثلاثيّ له أبنيةٌ كثيرةٌ للقلّة والكثرةِ، وليس للرباعيّ إلّا مثالٌ واحدٌ، وهو "فَعَالِلُ" القليلُ والكثيرُ فيه سواءٌ. ولم يكن للخماسيّ مثالٌ للتكسير
стр. 2259
لانحطاطه عن درجة الرباعيّ في التصرّف، وإنّما هو محمولٌ على الرباعيّ، نحو: "فَرازِدَ" (١)، و"سَفارجَ" (٢)، "كجَعافِرَ".
وممّا يدلّ على ما قلناه من كثرة تصرُّفهم في الثلاثيّ أنّهم قد بلغوا ببناتِ الثلاثة بالزيادة سبعةَ أحرف، نحو: "اشهِيبابٍ"، و"احْميرارٍ"، فزيد على الأصل أربعٌ زوائدُ، ولم يُزَد على الأربعة إلّا ثلاث زوائد، نحو: "احْرِنْجامٍ" (٣)، ولم يزد على الخماسيّ أكثرُ من زيادة واحدة، نحو: "عَضْرَفُوطٍ" (٤)، فعُرفت بذلك كثرةُ تصرُّفهم في الثلاثيّ، وقلّتُه في الرباعيّ والخماسيّ. فلذلك قلّت زيادةُ الهمزة في أوّل بنات الأربعة، وكثُرت في أوّل بنات الثلاثة, فلذلك قُضي بزيادة الياء في نحو "يَعْقُوبَ"؛ لأنّها في أوّل بنات الثلاثة؛ لأنّ الواو زائدة، وقُضي بأصالتها في نحو "يَسْتعُور"، وهو موضع، لكونها في أوّل بنات الأربعة.
فأمّا إذا وقعت الهمزة غيرَ أوّل، فإنّه لا يُقضَى عليها بالزيادة إلَّا بدليل. فإن لم تقم دلالةٌ على ذلك، كانت أصلاً، وذلك لقلّة زيادتها غير أوّل، والأصلُ عدمُ الزيادة، فلذلك لم يُحْكَم عليها إذا لم تكن أوّلاً بالزيادة إلَّا بثبتٍ، فعلى هذا الهمزةُ في قولهم: "شَأمَلٌ" و"شَمْأَلٌ" للريح زائدةٌ؛ لقولهم: "شَمَلَتِ الريحُ" من "الشَّمال". ولولا ما ورد من السَّماع، لكانت أصلاً. وكذلك الهمزة في "النِّئْدُلان" - وهو الكابوس - زائدةٌ؛ لقولهم فيه: "النيدُلَان" بالياء، وضمِّ الدال. فسقوطُ الهمزة في ذلك دليلٌ على زيادتها. وقالوا: "جُرائِضٌ" بالهمز، وهو البعير الضخم، الهمزةُ فيه زائدةٌ؛ لقولهم في معناه: "جملٌ جِرْواضٌ"، أي: شديد. فسقوطُ الهمزة من "جِرْواض"، وهو من معناه ولفظِه دليلٌ على زيادتها في "جُرائِض"، ووزنُه إذاً: "فُعائِلُ"، ويجوز أن يكون من الجَرَض، وهو الغَصص، كأنّه يُجرَض به كلُّ أحد لثقله. ومنه المثلُ، قيل: "حال الجريض دون القريض" (٥)، وقيل: الجرائضُ: المُشْفِقَةُ على ولدها، كأنّها تجرَض لفرط الإشفاق.
стр. 2260
وقالوا: "ضَهْيَأَةٌ"، وهي التي لا تحيض، وهمزتُه زائدة؛ لقولهم: "امرأة ضَهْيَا" من غير همزة. وهذا استدلالٌ صحيحٌ, لأنّ المعاني متقاربةٌ، وكذلك اللفظُ. قال سيبويه (١): فإن لم تَستدلّ بهذا النحو من الاستدلال، دخل عليك أن تقول "أَوْلَقٌ" من لفظ آخر، يريد أنّه كانت تبطل فائدةُ الاشتقاق، ويلزم من ذلك أن تكون كلّ كلمة قائمةً بنفسها. وليس الأمر كذلك.
وقالوا: "زِئْبِرٌ" بالكسر، وهو ما يعلو الثوبَ الجديدَ، مثلُ ما يعلو الخَزَّ والفَرْخَ حينما يخرج من البَيْض. وكذلك "ضِئبِلٌ": الداهيةُ. قالوا: الهمزةُ في ذلك كلّه أصلٌ لعدمِ ما يخالف الظاهرَ، وقد قال بعضهم: "زِئبِرٌ"، و"زِئْبُرٌ" بالكسر والضمّ، وكذلك "ضِئبِلٌ" و"ضِئْبُلٌ" بالكسر والضم فإن صحت الرواية, فالهمزة زائدة؛ لأنه ليس في كلامهم مثل "زِبْرُجٍ" بالضم. وكذلك قالوا: "جُؤْذَرٌ" (٢). وقد حكى الجوهريّ (٣): "جُؤْذَرٌ"، و"جُؤْذُرٌ" بالفتح والضمّ، فكلُّ هذا الهمزةُ فيه زائدة؛ لأنّها زائدة في لغةِ من فتح، إذ ليس في الأصل مثلُ "جُعْفَر" بفتح الفاء وضمّ الجيم. وإذا ثبتت زيادتُها في هذه اللغة، كانت زائدة في اللغة الأخرى؛ لأنّها لا تكون زائدة في لغة، أصلاً في لغة أخرى، هذا محالٌ. فأمّا "بُرائِلُ" الديكِ، فهي أصلٌ لا محالةَ.
فصل [زيادة الألف]
قال صاحب الكتاب: والألف لا تزاد أولاً؛ لامتناع الابتداء بها, وهي غير أول إذا كان معها ثلاثة أحرف أصول فصاعداً, لا تقع إلا زائدة, كقولهم "خاتم", و"كتاب", و"حبلى" وسرادح (٤) , و"حلبلاب" (٥) , ولا تقع للإلحاق إلا آخراً في نحو "معزى", وهي في "قبعثرى" (٦) كنحو ألف "كتاب" لإنافتها على الغاية.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ الألف لا تزاد أوّلاً، وذلك من قِبَل أنّها لا تكون إلَّا ساكنةً تابعةً للفتحة، والساكنُ لا يمكن الابتداء به، فلذلك رُفض الابتداء بها. وتزاد ثانيًا وثالثًا
стр. 2261
ورابعًا وخامسًا وسادسًا. فمثالُ زيادتها ثانيًا: "ضارب"، و"حامِل"، و"ضَارَبَ"، و"قاتل"، وثالثًا: "كِتاب"، و"غُراب"، و"الشهابَّ"، و"ادْهَامَّ"، ورابعًا نحو: "قِرْطاس" و"مِفْتاح"، "وأرطى" و"مِغزى"، و"حُبْلَى". وخامسًا في "دَلَنْظًى" (١)، و"قَرْقَوَى" (٢)، و"حِلِبلابٍ" وهو نبتٌ، وسادسًا في نحو: "قَبَعْثَرَى"، و "كمَّثْرَى". وزيادتُها حشوًا إنّما تكون لإطَالة الكلمة، وتكثير بنائها, ولا تكون للإلحاق، فلا يقال: "كتابٌ" ملحقٌ بـ "دِمَقْسٍ"، و"عُذافِرٌ" (٣) ملحقٌ بـ "قُذَعْمِل" (٤)؛ لأنّ حرف العلّة إذا وقع حشوًا وقبله حركةٌ من جنسه، نحو واو "عَجوزٍ"، وياء "سَعيد"، جرى مجرى الحركة والمدّةِ، ولا يُلْحِق بناءً ببناء، إنّما الملحقُ ما لم يكن للمدّ. فإن كانت الألف طرفًا، جاز أَنْ تكون للإلحاق، نحو: "سَلْقَى" (٥)، و"جَعْبَى" (٦).
واعلم أنّ الألف تزاد آخِرًا على ثلاثة أضرب: للإلحاق، والتأنيث، وزائدةً كزيادتها حشوًا. فالأوَّلُ نحو: "أَرْطى"، و"مِعْزَى"، ألحقتهما الألفُ بـ "جَعْفَرٍ"، و"دِرْهَمٍ". والذي يدلّ على زيادة الألف في "أرطى" قولهم: "أَدِيمٌ مأْروطٌ"، إذا دُبغ بالأرطىَ، فسقوطُ الألف في "مأروط" دليلٌ على زيادتها. وقولُهم: "مَعْزٌ"، و"مَعِيزٌ" دليلٌ على زيادة الألف في "مِغزى". وقوله هم: "أَرْطى"، و"معْزًى" بالتنوين يدلّ أنّها ليست للتأنيث، إذ ألفُ التأنيث تمنع الصرفَ، فلا يدخلها تنوينٌ، نحو: "حُبْلى"، و"سَكرى". ومع ذلك فقد سُمع عنهم "أرطاة" بإلحاق تاء التأنيث، ولو كانت للتأنيث، لم يدخلها تأنيثٌ آخَرُ، فيُجْمَعَ بين علامتَي التأنيث. وممّا يدلّ أنّ الألف في "مِعْزى" ليست للتأنيث تذكيرُهم إيّاها، نحو قول الشاعر [من من الهزج]:
ومِعْزى هَدِبًا يَعْلُو ... قِرانَ الأَرْضِ سُودانا (٧)
ووصفْهم إيّاه بالمذكّر يدلّ أنّه مذكّرٌ. ولو كانت الألف للتأنيث لكان مؤنثًا، فثبت بِما ذكرناه أنها زائدة لغير معنى التأنيث، وكان حملُها على الإلحاق أولى من حملها على غير الإلحاق؛ لأنّ الإلحاق معنى مقصودٌ، وإن كانا جميعًا شيئاً واحداً. ألا ترى أنّ معنى الإلحاق تكثيرُ الكلمة وتطويلها؟ فإذَا كلُّ إلحاق تكثيرٌ، وليس كلُّ تكثير إلحاقًا.
وأمّا الثاني، وهو الزيادة للتأنيث، فنحو ألف "حُبْلى"، و"سَكرى"، و"جُمَادى",
стр. 2262
الألفُ ها هنا زائدةٌ للتأنيث. والذي يدلّ على زيادتها الاشتقاقُ، ألا ترى أنّ "حبلى" من "الحَبَل"، و"سكرى" من "السكر"، و"جُمادى" من "الجَمْد". والذي يدلّ على أنّها للتأنيث امتناعُ التنوين من الدخول عليها في حال تنكيرها, ولو كانت لغير التأنيث، لكانت منصرفة.
الثالث: إلحاقُها زائدةً كزيادتها حَشْوًا، نحو: "قَبَعْثَرَى"، للعظيم الخَلْقِ، و"كُمَّثْرى"، و"باقِلَّى"، و"سُمَانى" لضرب من الطير، الألفُ في جميع ذلك زائدة؛ لأنّها لا تكون مع ثلاثة أحرف أصول فصاعدًا إلّا زائدةً، وليست للتأنيث لانصرافها، مع أنّه قد حُكى: "بَاقِّلاةٌ"، و"سُماناةٌ"، وهذا ثَبَتٌ؛ لأنّها ليست للتأنيث، ولا تكون للإلحاقِ؛ لأنّه ليس في الأصول ما هو على هذه العدّة والزنةِ، فيكون هذا ملحقًا به؛ وإذا لم تكن للتأنيث، ولا للإلحاق، كانت زائدة لتكثير الكلمة، وإتمام بنائها. وهذا معنى قوله: "لإنافتها على الغاية"، يريد أن "قَبَعْثَرًى"، و"كُمَّثْرًى" الألفُ فيهما سادسة، وغايةُ ما يكون عليه الأسماءُ الأصولُ خمسةُ أحرف، فلم يكن في الأصول ما هو على هذه العدّة، فيُلْحَقَ به، فهي إذاً كألف "كتاب" و"حِمار" للتكثير, فاعرفه.
فصل [زيادة الياء]
قال صاحب الكتاب: والياء إذا حصلت معها ثلاثة أحرف أصول فهي زائدة أينما وقعت كيلمع (١) , ويهير, ويضرب, وعثير (٢) وزبنية، إلا في نحو يأجج ومريم ومدين وصيصية (٣) وقوقيت. وإذا حصلت معها أربعة فإن كانت أولاً فهي أصل كيستعور، وإلا فهي زائدة كسلحفية.
* * *
قال الشارح: أمرُ الياء كأمر الألف: متى حصلت مع ثلاثة أحرف أصول، فلا تكون إلّا زائدة، عرفتَ اشتقاقَه أو لم تعرفه، وذلك نحو: "كَثِير"، و"عَقِيلٍ". وإنّما قلنا ذلك لكثرةِ ما عُلم منه الاشتقاقُ على ما ذكرنا على الألف.
وقوله: "أَيْنَمَا كانت"، يريد أنها تقع زائدةً مع بنات الثلاثة سواء كانت أوّلاً أو حشوًا أو آخرًا بخلاف الألف والواو. وأمّا الألف فلأجل سكونها وعدم جواز الحركة فيها، وأمّا الواو فلِما سنذكره من أمرها. فمثالُ زيادتها أولاً قولُك: "يَرْمَعٌ"، وهي
стр. 2263
حجارةٌ صغارٌ. و"يَلمَعٌ" وهو السَّراب. قال الشاعر [من الطويل]:
١٢٦٣ - إذا ما شَكَوْت الحُبَّ كَيما تُثِيبَني ... بوُدّيَ قالت إنّما أَنْتَ يلْمَعُ
و"يَلْمَقٌ" للقباء، وهو فارسيٌّ معرَّبٌ. و"يَهْيَرٌّ" -وهو حجر - إحدى الياءين فيه زائدة، وهي الأولى؛ لأنّه لا يخلو إمّا أن يكونا أصلين، أو زائدين، أو أحدهما أصلٌ والآخر زائدٌ، فلا يكونان أصلين, لأنّ الياء لا تكون أصلاً مع بنات الثلاثة في غير المضاعف. ولا يكونان زائدين؛ لأنّ الاسم لا يكون على حرفين. ولا تكون الياء الثانية هي المزيدة؛ لأنّها ليس في الكلام "فَعْيَلٌ" بفتح الفاء، وفيه "فِعْيَلٌ" بكسره. فلو كانت زائدة، لقيل: "يهْيَرٌ" بكسر الصدر، كما قيل: "عِثيَرٌ"، و"حِذيَمٌ"، فإذا تَعيّن أن تكون الأولى هي المزيدة. وقالوا في الفعل "يَقْعُدُ"، و"يَضرِبُ". وثانيةً في نحو "خيفَقٍ"، وهو صفةٌ، يقال: "فلاةٌ خيفقٌ"، أي: واسعةٌ، و"صَيْرَفٌ"، و"ضَيْغَمٌ"، وهو من أسماء الأسد. وثالثةً، نحو: "سَعِيدٍ"، و"قَضِيبٍ". ورابعة، نحو: "زِبْنِيَةٍ" لواحد الزَّبانِيَةِ، و"دِهْلِيزٌ"، و"قِنْدِيلٌ"، و"عَنْتَرِيسٌ" للناقة الشديدة. وخامسةً في "سُلَحْفِيَةٍ". وسادسةً في تصغير "عَنْكَبُوتٍ" وتكسيره، نحو: "عُنَيْكِبِيتٍ"، و"عَناكِبيتَ" فيما حكاه الأصمعيّ. فتعلم زيادةَ الياء في ذلك كلّه, لأنّها لا تكون أصلاً في بنات الثلاثة فصاعدًا.
فأمّا "يَأجَج"، وهو اسمُ مكان، فالياء في أوّله أصلٌ. يدلّ على ذلك إظهارُ
стр. 2264
التضعيف. ولو كانت الياء زائدة، لكان من "أجَّ يأجّ"، وكان يجب الادّغامُ، وأن تقول: "يَؤُجُّ"، كما تقول: "يَغُصُّ"، و"يَغُضُّ". فلمّا لم يدّغموا، دلّ أنّ الجيم الأخيرة زائدةٌ للإلحاق بمثال "جَعْفَرٍ". فلذلك لم يدّغموا، إذ لو ادّغموا، لبطل الغرضُ، وزالت المُوازَنة. وبعضُ المحدثين ربّما كسر الجيم، وقال: "يَأجِج". فإن صحّ ما رواه، كانت الياء زائدة؛ لأنّه ليس في الكلام "جَعْفِرٌ" بكسر الفاء، ويكون إظهارُ التضعيف شاذًّا من قبيل "محببٍ".
وأمّا "مَرْيَمُ"، و"مَدْيَنُ"، فإنّ الميم فيهما زائدةُ، والياء أصلٌ، إذ ليس في الكلام "فَعْيَلٌ" بفتح الفاء. وكان يجب كسرُ الصدر منهما، فيقال: "مِرْيَمُ"، و"مِدْيَنُ" كـ"عِثيَرٍ"، وكان القياس فيهما قلبَ الياء ألفاً على حدّ "مَقالٍ"، و"مَقام"، لكنّه شذّ التصحيحُ فيهما، كما شذ في "مِكْوَرَةٍ". وإذا كان التصحيحُ قد جاء عنهم في نحو: "القَوَد"، كان في العَلم أسهل وأولى.
وأمّا "صِيصِيَةٌ"، فإنّ الياءيْن فيها أصلٌ وإن كان معك ثلاثةُ أحرف أصول؛ لأنّ الكلمة مركبةٌ من "صِي" مرّتَين، فالياء الأولى أصلٌ؛ لئلا تبقى الكلمةُ على حرف واحد، وهو الصاد. وإذا كانت الياء الأولى أصلاً، كانت الياء الثانية أيضًا أصلاً؛ لأنّها هى الأولى كُرّرت. ومثلُه من الصحيح "زَلْزَل"، و"قَلْقَلَ". ومنه "الوَسْوَسَةُ"، و"الوَشوشَةُ". فالواو في ذلك أصلٌ؛ لأنّ الواو مكرّرةٌ، وتكريرُها هنا أوّلاً كتكريرها في "صي صي" أخيرًا.
ومن ذلك "حاحَيْتُ"، و"عاعَيْتُ"، الياء فيهما أصلٌ، لأنّها الأولى كُرّرت، ووزنُهما "فَعْلَلْتُ"، والأصل "حَيْحَيْتُ"، و"عَيْعَيُتُ". وإنّما قُلبت الياء الأولى ألفًا للفتحة قبلها، كما قالوا في "يَيجَلُ": "يَاجَلُ". وكذلك "قَوْقَيْتُ"، و"ضَوْضَيْتُ"، فإنّ الياء الثانية فيهما أصلٌ؛ لأنّها الأُولى كرّرت، وأصلُهما: "قَوْقَوْتُ"، و"ضَوْضَوْتُ". وإنّما قلبوا الثانية منهما ياءً لوقوعها أربعةً على حدِّ "أَغْزَيْتُ"، و"أَدْعَيْتُ"، فإن قيل: فهلّا كانت زائدة على حدّ زيادتها في "سَلقَيْت", و"جَعْبَيْتُ", قيل: لو قيل ذلك، لصارت من بابِ "سَلِسَ"، و"قَلِقَ"، وهو قليل، وبابُ "زَلْزَلتُ" و"قَلْقَلْتُ" أكثرُ، والعمل إنّما هو على الأكثر. فإن قيل: فاجْعَلِ الواو فيهما زائدةً على حدِّ "صَوْمَعْتُ" و"حَوْقَلْت"، قيل: لو قيل ذلك، لصارت من باب "كَوْكَبٍ" و"دَدَنٍ" ممّا فاؤه وعينُه من واد واحد، وهو أقلُّ من "سلس"، و"قلق".
* * *
قال صاحب الكتاب: وإذا حصلت معها أربعة فإن كانت أولاً فهي أصل كيستعورٍ، وإلا فهي زائدة كسلحفية.
* * *
стр. 2265
قال الشارح: حكمُ الياء كحكم الهمزة إذا وقعت في أوّلِ بنات الأربعة، فإنّه لا يُقْضَى عليها بالزيادة، ولا تكون إلّا أصلاً؛ لأنّ الزوائد لا يلحقن أوائلَ بنات الأربعة لقلّة التصرّف في الرباعيّ، وأن الزيادة أوّلاً لا تتمكّن تمكُّنها حشوًا وآخِرًا. ألا ترى أنّ الواو الواحدة لا تزاد أوّلاً ألبتّة، وتزاد حشوًا مضاعفةً وغيرَ مضاعفة؟ فالمضاعفةُ نحو: "كَرَوَّسٍ" (١)، و"عَصَوَّدٍ" (٢) , و"اجْلَوَّذَ" (٣)، و"اخْرَوَّطَ" (٤) , وغيرُ المضاعفة نحو: واو "عجُوزٍ"، و"جُرمُوقٍ" (٥). فلذلك قُضي على ياء "يستعور" وهو اسم مكان بأنّها أصلٌ، كما كانت الهمزة في "إِصْطَبْلٍ" كذلك, لأنّ حكم الهمزة كالياء إذا وقعت أوّلاً، والكلمةُ بها خماسيةٌ كـ"عَضرفُوطٍ"، فإن كان بعدها ثلاثةُ أحرف أصول، كانت زائدة كزيادة الهمزة في "أحْمر" , فاعرفه.
فصل [زيادة الواو]
قال صاحب الكتاب: والواو كالألف لا تزاد أولاً, وقولهم: ورنتلٌ كجحنفلٍ؛ وأما غير أول, فلا تكون إلا زائدة كعوسجٍ, وحوقل وقسور (٦) ودهور وترقوة وعنفوان وقلنسوة, إلا إذا اعترض ما في عزويت.
* * *
قال الشارح: الواو كالألف لا تزاد أوّلاً، وذلك أنّها لو زيدت أوّلاً، لم تَخلُ من أن تزاد ساكنة أو متحرّكة، ولا يجوز أن تزاد ساكنة؛ لأن الساكن لا يُبتدأ به. وإن زيدت متحرّكةً، فلا تخلو من أن تكون مضمومة، أو مكسورة، أو مفتوحة. فلو زيدت مضمومةٌ، لاطّرد فيها الهمزُ على حدّ "وُقّتت"، و"أُقّتت". وكذلك لو كانت مكسورةً على حدّ "وِسادَةٍ"، و"إسادَةٍ"، و"وِشاحٍ"، و"إِشاحٍ"، وإن كان الأوّلُ أكثرَ. ولو زيدت مفتوحةً، لتَطرّق إليها الهمزُ؛ لأنّها لا تخلو من أن تزاد في أوّلِ اسم، أو فعلِ، فالاسمُ بعُرْضيّةِ التصغير، والفعلُ بِعُرْضيّةِ أن لا يسمّى فاعله، وكلاهما يُضمّ أوّله. وإذا ضُمّ، تطرّق إليه الهمزُ حينئذ، مع أنّهم قد همزوا الواو المفتوحة في نحو "وَحَدٍ"، و"أَحَدٍ"، و"وَناةٍ"، و"أَناةٍ"، وهو قليل. فلمّا كان زيادتها أوّلاً تؤدّي إلى قلبها همزةً، وقلبُها همزةً
стр. 2266
ربّما أوقع لبسًا وأحْدَثَ شكًّا في أنّ الهمزة أصلٌ أو منقلبةٌ مع أن زيادة الحرف إنّما المطلوب منه نفسُه، فإذا لم يسلم لفظُه لم يحصل الغرضُ.
فأمّا قولهم: "وَرَنْتَلٌ" بمعنى الشَّرّ، فإنّه يقال: "وقع القومُ في ورنتل"، أي: في شرّ، فالواوُ فيه من نفس الكلمة، والنونُ زائدةٌ ملحقةٌ بـ "سَفرْجَلٍ"، ووزنُه "فَعَنْلَلٌ"، والكلمةُ بها رباعيّةٌ. وإنّما قضينا على الواو أنها أصلٌ, لأنه لا يجوز أن تكون زائدة؛ لأنّ الواو لا تكون زائدة أوّلًا أبدًا.
فإن قيل فكما لا تكون زائدة أوّلًا، كذلك لا تكون أصلًا مع بنات الثلاثة فصاعدًا، فالجواب أنّ الأمر فيها دائرٌ بين أن تكون أصلًا أو زائدة، فكان حَمْلها على الأصل أَوْلى؛ لأنّها قد تكون أصلًا مع الثلاثة، وذلك إذا كان هناك تكريرٌ، ولا تكون زائدة أوّلًا ألبتّة، فكان حملها على الأصل هو الوجه؛ لأنّه أقلُّ مخالَفةً. فأمّا إذا وقعت حشوًا مع ثلاثة أحرف أصول فصاعدًا، فلا تكون إلا زائدة. وهي في ذلك تقع ثانيةً، نحو: "عَوْسَجٍ"، و"جَوْهَرٍ"، و"حَوْقَلَ"، و"صَوْمَعَ". وثالثةً في نحو: "جَدْوَل"، و"قَسورٍ"، و"رَهْوَكَ الرجلُ"، إذا تَبختر في مَشْيه، و"دَهْوَرَهُ" إذا ألقاه في مَهْواةٍ. ورابعةً، نحو: "تَرْقُوَةٍ"، و"عُنفُوانٍ"، و"اخرَوَّطَ"، و"اعْلَوَّطَ". وخامسةً في نحو: "عَضرَفُوطٍ"، و"مَنجَنُونٍ". فأمّا عِزْوِيتٌ - وهو بلدٌ - فالواو فيه أصلٌ، والتاء والياء زائدتان، ووزنُه "فِعْلِيتٌ" كـ"عِفْرِيتٍ"؛ لأنّه من "العِفْر". وإنّما قلنا ذلك؛ لأنّه لا يجوز أن تكون الواو أصلًا على أن تكون الياء من الأصل أيضًا؛ لأنّه يلزم منه أن تكون الواو أصلًا مع ذوات الأربعة، وهو غير جائز. ولا يجوز أن تكون الواو أصلاً، والياء زائدة، والتاء أصلاً، ويكون وزنه "فِعْلِيلًا"؛ لأنّه يلزم منه أن تكون الواو أصلًا مع ذوات الثلاثة، وذلك غيرُ جائز أيضًا. ولا تكون الواو والياء زائدتين معًا، والتاء أصلٌ, لأنّه يصير وزنه "فِعْوِيلًا"، وذلك بناءٌ غيرُ معروف، فلا يُحمل عليه. وإذا لم يجز أن يكون "فِعْللاًّ"، ولا "فِعْلِيلًا", ولا "فِعْوِيلًا"، حُمل على "فِعْلِيتٍ" كـ"عِفْرِيت"، وتكون الواو من الأصل.
فصل [زيادة الميم]
قال صاحب الكتاب: والميم إذا وقعت أولاً وبعدها ثلاثة أصول فهي زائدة نحو مقتل ومضرب ومكرم ومقياس، إلا إذا عرض ما في معد ومعدٍّ ومعزي ومأجج ومهدد ومنجنون ومنجنيق.
* * *
قال الشارح: أمرُ الميم في الزيادة كأمر الهمزة سواءٌ. موضعُ زيادتها أن تقع في أوّلِ بنات الثلاثة، والجامعُ بينهما أنّ الهمزة من أوّل مخارج الحلق ممّا يلي الصدرَ،
стр. 2267
والميم من الشفتين، وهو أوّل المخارج من الطرف الآخر، فجُعلت زيادتُها أوّلًا ليناسب مخرجاهما موضعَ زيادتهما. ولا تزاد في الأفعال إنّما ذلك في الأسماء، نحو: "مَفْعُولٍ" من الثلاثيّ، نحو: "مضروب"، و"مقتول"، ونحو المصادر، وأسماء الزمان والمكان، كقولك: "ضربتُه مَضْرَبًا"، أي: ضَرْبًا، و"إنّ في ألف درهم لمَضْربًا"، أي: لَضْربًا، ونحو: "المَجْلِس"، و"المَحْبِس" لمكان الجلوس والحبس، ونحو: "أتت الناقةُ على مَضرِبها ومَنْتِجها"، يريد الحينَ الذي وقع فيه الضِّرابُ والنِّتاجُ. وزيدت في اسم الفاعل من بنات الأربعة وما وافَقَه، نحو: "مُدَخرجٍ"، و"مُكرمٍ"، فـ "مدحرجٌ" رباعيٌّ، و"مكرمٌ" موافقٌ للرباعيّ بما في أوّله من الزيادة. وتزاد في "مِفْعالٍ"، نحو: "مِقْياسٍ"، و"مِفتاحٍ"، للمبالغة.
وفي الجملة زيادةُ الميم أوّلًا أكثرُ من زيادة الهمزة أوّلًا، كأنّها انتصفت للواو؛ لأنّها أختُها إذ هى من مخرجها. والذي يدلّ على جميع ما ذكرناه الاشتقاقُ، فإنْ أَبْهَمَ شيءٌ من ذلك، حُمل على ما عُلم، فعلى هذا "مَنْبجُ" اسمُ هذه البلدة، الميمُ فيها زائدة، والنونُ أصل؛ لأنّ الميم بمنزلة الهمزة، يُقضَى عليها بالزيادة إذا وُجدت في أوّل الكلمة وبعدها ثلاثةُ أحرف أصول؛ لكثرة ذلك في الميم على ما ذكرنا، مع أنّا نقول: لا يخلو الميمُ والنونُ هنا من أن يكونا أصلين، أو زائدين، أو أحدُهما أصلٌ والآحْرُ زائدٌ. فلا يجوز أن يكونا أصلين؛ لأنّ الكلمة تكون "فَعْلِلًا" كـ"جَعْفَر" بكسر الفاء، وليس في الكلام مثله، ولا يجوز أن يكونا زائدين؛ لئلّا يصير الاسمُ من حرفين الباء والجيم، فبقي أن يكون أحدهما أصلًا، والآخر زائدًا. فُقضي بزيادة الميم لِما ذكرناه من كثرة زيادتها أوّلًا. والنونُ، وإن كان تكثر زيادتها ثانيًا، نحو: "عُنْصُرٍ"، و"جُندُبٍ"، فإنّ زيادة الميم أوّلًا أكثرُ، والعملُ إنّما هو على الأكثر. فأمّا "مَعَدٌّ" فإنّ الميم فيه أصلٌ، وهي فاءٌ لقولهم: "تَمَعْدَدَ"، أي: صار على خُلْق مَعَدٍّ. ومنه قولُ عمر ﵁: "اخْشَوشَنُوا، وتمَعْدَدُوا". وقال الراجز:
١٢٦٤ - رَبَّيتُه حتى إذا تمعْدَدا ... كان جَزائي بالعَصا أَنْ أُجْلَدا
стр. 2268
وقيل: "تَمَعْدَدَ"، أي: تَكلّم بكلام معدّ، فـ "تَمَعّدَد": "تَفَعْلَلَ". ولو كانت الميم زائدة، لكان وزنُه "تَمَفعَلَ", ولا يُعرف "تَمَفعَلَ" في كلامهم. فأمّا قولهم: "تَمَسْكَنَ" إذا أظهر المسكَنَةَ، و"تَمَدْرَعَ" إذا لبس المِدْرعةَ، و"تَمَنْدَلَ" من المِنْديل، فهو قليل من قبيل الغلط، فكأنّهم اشتقّوا من لفظ الاسم كما يشتقّون من الجُمَل، نحو: "حَوْقَلَ"، و"سَبْحَلَ"، والجيدُ: "تَسَكّنَ"، و"تَدَرَّعَ"، و"تَنَدَّلَ". قال أبو عثمان: هذا كلام أكثر العرب.
وأمّا "مِعْزًى"، فإنّه وإن كان عَجَميًا، فإنّه قد عُرِّب في حال التنكير، فجرى مجرى العربيّة، فميمُه أصلٌ؛ لقولهم: "مَعْزٌ"، و"مَعِيز"، فـ "مَعْز": فَعْلٌ، و"معيز" "فَعِيلٌ"، فلو كانت الميم في "معزى" زائدة - وقد بُني منه ذلك - لقيل: "عَزى"، و"عَزيٌّ". فلمّا لم يُقَل، دلّ أنّ الميم أصلٌ. وكذلك "مَأجَجٌ"، و"مَهدَدُ" الميم فيهما أصلٌ، فـ "مأجج" مكان، و"مهدد" اسم امرأة. والذي يدل أن الميم فيهما أصل إظهارُ التضعيف. ولو كانت زائدة، لادُّغم المثلان، وكان يقال: "مَأَجّ"، و"مَهَدّ"، كـ"مَفَرَّ"، و"مَقَرّ"، ووزنُهما: "فَعْلَلٌ". واللام الثانية زائدةٌ للإلحاق بـ "جَعْفَرٍ". ولذلك لم يدّغموا، إذ لو ادّغموا لبطل الإلحاقُ، وانتقض الغرضُ.
وأمّا "مَنْجَنُونٌ" فلسيبويه (١) فيه قولان: أصحُّهما أنّ الميم فيه أصلٌ، والنون بعدها أصليّةٌ، والنون الثانية لامٌ، والكلمة رباعيّةُ الأصل. وإنّما كُرّرت النون الثانية لتُلْحَق "بعَضرَفُوطٍ"، ومثالُه: "فَعْلَلُولٌ". ومثله في التكرير "حَنْدَقُوقٌ"، وهو نبتٌ. وإنّما قلنا ذلك؛ لأنّه لا يخلو إمّا أن تكون الميم وحدها زائدة، أو النونُ وحدها زائدة، أو يكونا جميعًا زائدَيْن أو أصليَّيْن. ولا يجوز أن تكون الميم وحدها زائدة لأنّا لا نعلم في الكلام مَفعَلُولًا, ولا يجوز أن تكون النون وحدها زائدة؛ لقولهم في الجمع: "مَناجِين"، كذلك تجمعه عامةُ العرب. فلمّا ثبت في الجمع، قُضي بأصالتها، إن لو كانت زائدة، لقيل: "مَجانِين"، كما قالوا: "مَجانِيقُ". ولا يكون النون والميم جميعًا زائدين؛ لأنّه لا يجتمع
стр. 2269
في أوّلِ اسم زائدان، إلّا أن يكون جاريًا على فِعْلهِ، نحو: "مُنطَلِقٍ"، مع أنّه ليس في الكلام "مَنْفَعُولٌ". فلمّا امتنع أن تكون الميم وحدها زائدة، والنون وحدها زائدة، وأن تكونا جميعًا زائدتين، بقي أن تكونا أصلين على ما ذكرنا.
فأمّا "مَنْجَنِيقٌ"، فالميم فيه أصل، والنونُ بعدها زائدة؛ لقولهم في جمعه: "مَجانِيقُ"، و"مَجانِقُ". فسقوطُ النون في الجمع دليلٌ على زيادتُها. وإذا ثبت أنّ النون زائدة، قُضي على الميم بأنّها أصل؛ لئلّا يجتمع زائدان في أوّل اسم. وذلك معدوم، إلّا ما كان جاريًا على فِعله، نحو: "منطلِق"، و"مستخرج". وهذا مذهب سيبويه والمازنيّ، ووزنُه عندهما "فَنْعَلِيلٌ" كـ"عَنْتَرِيسٍ". وقال غيره: إنّ النون الأولى والميم معًا زائدتان، وذلك من قِبَل إِنّ من العرب من يقول: "جَنقْناهم"، أي. رَمَيْناهم بالمنجنيق. وحكى أبو عُبَيدة عن بعض العرب: "ما زلنا نَجّنِقُ". فعلى هذا وزنه "مَنْفَعِيلٌ". والصحيحُ مذهب سيبويه، لما تقدّم من قولهم في التكسير: "مَجانِيقُ". وأمّا قولههم: "جَنَقُونا" فهو من معناه لا من لفظه كـ"دَمِثٍ" و"دِمَثْرٍ"، و"سَبِطٍ" و"سِبَطرٍ"، و"لأالٍ" من "اللُؤْلُؤ"، و"ثُعالَةَ" ليس علم للثَّعلَب. وذكر الفّراء: "جنقناهم"، وزعم أنّها مولدة. قال: ولم أرَ الميم تزاد على نحو هذا. ومعنى قوله: "مولدةٌ"، أي: أنّه أعجميٌّ معرَّبٌ. وإذا اشتقّوا من الأعجمي خلطوا فيه, لأنّه ليس من كلامهم. وقولُه: ولم أر الميم تزاد على نحو هذا إشارةٌ إلى عدم النظير، وهذا يُقوِّي أنّ الميم أصلٌ، والنون زائدةٌ.
* * *
قال صاحب الكتاب: وهي غير أول أصلٌ, إلا في نحو "دلامص", و"قمارصٍ" و"هرماسٍ" و"زرقمٍ".
* * *
قال الشارح: قد تقدّم قولنا: إِنّ موضع زيادة الميم أن تقع في أوّل بنات الثلاثة، ولا تزاد حشوًا ولا أخيرًا، إلّا على ندرةٍ وقلةٍ. فإذا مرّ بك شيءٌ من ذلك، فلا تقض بزيادتها إلّا بثَبَتٍ من الاشتقاق؛ لقلّةِ ما جاء من ذلك فيما وضح أمرُه. فمن ذلك "دُلامِصٌ"، ذهب الخليل إلى أنّ الميم فيه زائدة، ومثالُه "فعامِلٌ"؛ لأنّهم قد قالوا فيه: "دِرْعٌ دَلِيصٌ ودِلاصٌ"، فسقوطُ الميم من "دليص" و"دلاص" دليلٌ على زيادتها في "دُلامِص" و"دُمالِص". قال الأعشى [من الطويل]:
١٢٦٥ - إذا جُرْدتْ يومًا حسبتَ خَمِيصَةً ... عليها وجِريالَ النَّضِيرِ الدُّلامِصا
стр. 2270
كما قالوا: "شَأْمَلٌ"، و"شَمْأَلٌ"، وقالوا. "دُلَمِصٌ"، و"دُمَلِصٌ". حذفوا منه الألف، كما قالوا: "هُدَبِدٌ" (١)، و"عُلَبِطٌ" (٢)، وقالوا: "دَليصٌ" و"دِلاصٌ"، كلُّه بمعنى البَرّاق. قال أبو عثمان: لو قال قائلٌ: إِنّ "دلامصًا" من الأربعة، ومعناه "دليصٌ"، وهو ليس بمشتقّ من الثلاثة، قال قولًا قويًّا، كما أنّ "لَأَلا" منسوبٌ إلى معنى "اللُّؤْلُؤ"، وليس من لفظه، وكما أن "سِبَطْرًا" معناه "السِّبِط"، وليس منه. ومعنى هذا الكلام أنّه إذا وُجد لفظٌ ثلاثيٌّ بمعنى لفظ رباعيّ، وليس بين لفظيهما إلّا زيادةُ حرف، فليس أحدُهما من الآخر يقينًا، نحو: "سَبِط" و"سِبَطْرٍ"، و"دَمِثٍ" و"دِمَثرٍ". ألا ترى أنّ الراء ليست من حروف الزيادة، فجاز أن تكون فيما أَبهَمَ أمرُه كذلك؟ هذا وإن كان محتمَلًا، إلَّا أنّه احتمالٌ مرجوحٌ؛ لقلّته وكثرة الاشتقاق وتشعُّبِه.
وأمّا "قُمارِص"، وهو الحامضُ، يقال: "لَبَنٌ قُمارِصٌ"، كأنّه يقرُص اللسان، فالميمُ فيه زائدة؛ لِما ذكرناه من الاشتقاق. والاشتقاقُ يُقضَى بدلالته من غير التفات إلى قلّة الزيادة في ذلك الموضع. ألا ترى إلى إجماعهم على زيادة الهمزة والنون في "إِنْقَحْلٍ" (٣)، و"إِنْزَهُوٍ" (٤)؛ لقولهم في معناه: "قَحْلٌ"، و"زَهْوٌ"، وإن كان لا يجتمع زيادتان في أوّل اسم ليس بجارٍ على فعلٍ؟
стр. 2271
وأمّا "هِرْماسٌ"، فهو من أسماء الأسد فيما حكاه الأصمعيّ، فالميمُ فيه أيضًا زائدة، ومثالُه "فِعْمالٌ"؛ لأنّه من "الهَرْس"، وهو الدَّقّ، وهذا اشتقاقٌ صحيح. ألا ترى أنّه يقال: "دَقَّ القَريسةَ فاندقّت تحته"؟ ويقال له أيضًا: "هَرِسٌ". قال الشاعر [من الوافر]:
١٢٦٦ - شديدَ الساعِدَيْن أخا وِثابٍ ... شديدًا أَسْرُهُ هَرِسًا هَمُوسا
وهذا ثَبَثٌ في زيادة الميم هنا.
وأمّا "زُرْقُمٌ"، فالميم منه زائدة؛ لأنه بمعنى "الأَزرَق"، وذلك أنّ الميم زيدت أخيرًا أكثرَ من زيادتها حشوًا. وقالوا: "فُسْحُمٌ" للمكان الواسع بمعنى المنفسح، و"حُلْكُمٌ" للشديد السَّواد من "الحُلْكة". يقال. "هو أسودُ من حَلَكِ الغُراب" (١). وقالوا. "سُتْهُمٌ" وهو الكبيرُ الاست، ومثالُه "فُعْلُمٌ"، زادوا الميم في هذه الأسماء للإلحاق بـ"بُرْثُن" مبالغةً؛ لأنّ قوّة اللفظ مُؤذِنةٌ بقوّة المعنى.
* * *
قال صاحب الكتاب: وإذا وقعت أولاً خامسة فهي أصل كمزرنجوش. ولا تزاد في الفعل ولذلك استدل على أصالة ميم: معَدّ بتمعددوا ونحو تمسكن وتمدرع وتمندل لا اعتداد به.
* * *
قال الشارح: فأمّا إذا وقعت أوّلًا، وبعدها أربعةُ أصول، لم تكن إلّا أصلاً؛ لأنّ الزيادة لا تلحق ذوات الأربعة من أوّلها. وإذا لم تلحق الأربعة، فهي من الخمسة أبعدُ. وقد تقدّم الكلام على ذلك.
وقوله: "ولا تزاد في الفعل"، يريد أنّ الميم من زيادات الأسماء، لا حَظَّ للأفعال
стр. 2272
فيها, ولذلك قُضي على الميم في "تَمَعْدَدَ" أنّها أصل. وأمّا "تَمَسْكَنَ" و"تمَدْرعَ"، فهو قليل كالمشتقّ من الاسم بالزيادة، نحو: "سَبْحَلَ", و"حَمْدَلَ".
فصل [زيادة النون]
قال صاحب الكتاب: والنون إذا وقعت آخراً بعد ألف فهي زائدة إلا إذا قام دليل على أصالتها في نحو فينان وحسان وحمار قبان فيمن صرف، وكذلك الواقعة في أول المضارع والمطاوع نحو: نفعل وانفعل، والثالثة الساكنة في نحو: شرنبث (١) وعصنصر (٢) وعرند. وهي فيما عدا ذلك أصل إلا في نحو عنسلٍ وعفرني وبلهنيةٍ وخنفقيقٍ ونحو ذلك.
* * *
قال الشارح: قد ذكرنا أنّ النون من حروف الزيادة. ولها في ذلك موضعان: أحدهما أن تكثر زيادتُها في موضع، فمتى وُجدت في ذلك الموضع، قُضي بزيادتها فيه، إلّا أن تقوم دلالةٌ على أنّها أصلٌ. والثاني أن تقلّ فيه زيادتُها، فلا يُحْكَم عليها في ذلك الموضع بالزيادة إلّا بثَبَتٍ. فالأوّلُ وقوعُها آخرًا بعد ألف زائدةٍ، نحوَ: "سَكْرانَ"، و"عَطشانَ"، و"مَرْوانَ"، و"قَحْطانَ". وأصلُ هذه النون أن تلحق الصفاتِ ممّا مؤنّثُه "فَعْلَى"؛ لأنّ الصفاتِ بالزيادة أوْلى لشَبَهها بالأفعال، والأفعال أقعدُ في الزيادة من الأسماء لتصرُّفها. والأعلام من نحو: "مروان" و"قحطان" محمولةٌ عليها في ذلك. وقد كثرت الزيادةُ آخرًا على هذا الحدّ، ولا يُحْمَل منه شيءٌ على الأصل إلّا بدليل. فأمّا "فَيْنانٌ"، فهو من قبيل "عَطْشانَ" في الصفات، يقال: "رجل فَيْنانٌ"، أي: حسنُ الشَّعْر طويلُه. وأمّا "حسّان"، فالقياسُ يقتضي زيادة النون، وأن لا ينصرف حَمْلًا على الأكثر. ويجوز أن يكون مشتقًّا من الحسن، فتكون النون أصلاً، وينصرف. وكذلك "حِمار قَبان"، الوجهُ أن يكون "فَعْلانَ" ولا ينصرف، ويجوز أن يكون "فَعالًا" من "قَبَنَ" في الأرض، أي: ذهب فيها، وعلى هذا ينصرف؛ لأنّ النون فيه أصلٌ.
وقد زيدت في أوّل الفعل، نحو: "نَفْعَلُ" و"انفَعَلَ"، فـ "نَفعَل" للمتكلّم إذا كان معه غيرُه، فالنونُ في أوّله زائدة للمضارعة. وحروفُ المضارعة أربعةٌ: الهمزة والنون والتاء والياء. وقد كانت حروف المدّ واللين أولى بذلك، إلّا أنّ الألف امتنعت أوّلًا لسكونها، فعُوّض منها الهمزة لِما بينهما من المناسبة والمقاربة على ما سبق.
وكذلك الواو لا تزاد أوّلًا في حكم التصريف، وقد تقدّم علّةُ ذلك، فعُوّض منها
стр. 2273
الياء؛ لأنّها تُبْدَل منها كثيرًا على ما بيّنّا آنِفًا. وأمّا الياء فأمكن زيادتُها أوّلًا، فزيدت للغيبة، واحتيج إلى حرف رابع، فكانت النونَ؛ لأنّها أقربُ حروف الزيادة إلى حروف المدّ واللين. ألا ترى أن النون غُنّةٌ في الخَيْشُوم؟ وقد تقدّم ذكرُ ما بينهما من المناسبة بما أغنى عن إعادته. فلذلك جامعتها في حروف الزيادة، وجُعلت للمتكلّم إذا كان معه غيره؛ لأنّها قد استُعملت في غير هذا الموضع للجمع، نحو: "قُمْنَا"، و"قَعَدْنَا"، وفي جماعة المؤنّث، نحو: "ضَربْنَ". فلمّا كانت مزيدة آخرًا للجمع على ما وصفتُ لك، زيدت أوّلًا للجمع؛ لتتناسب زيادتُها أوّلًا وآخِرًا. وأمّا زيادتها للمطاوعة، نحو "انفعل", فذلك من قِبَل أنّ النون تُناسِب هذا المعنى. ألا ترى أنّ النون حرفٌ غُنّيٌ خفيفٌ فيه سُهولةٌ وامتدادٌ؟ فكانت حاله مناسبة لمعنى السهولة والمطاوعة.
وكذلك إذا حصلت النون ثالثةً حُكم بزيادتها، نحو: "جَحَنفَلٍ" (١) , و"شَرَنْبثٍ"، و"عَصَنْصَرٍ". وإنّما حُكم بزيادتها هنا؛ لأنّه موضع كثر زيادتُها فيه، ولم تقم دلالةٌ على أنّها أصلٌ؛ لأنّها وقعت موقع الألف الزائدة. ألا ترى أنّهما قد تعاورتا الكلمةَ الواحدة، وتَعاقبتا عليها في نحو: "شُرابثٍ"، و"شَرَنْبَثٍ"، و"جَرَنْفَشٍ"، و"جُرافِشٍ"، فالألفُ هنا زائدة لِما ذكرناه من أنّها لا تكوَن أصلاً في بنات الأربعة، فكذلك ما وقع موقعها.
وقالوا: "عَرَنْتُنٌ" (٢)، النون فيه زائدة لما ذكرناه. وقد قالوا: "عَرتنٌ" بحذف النون، كما قالوا: "دُوَدِمٌ" (٣)، و"غلَبِطٌ"، و"هُدَبِدٌ"، فقِسْ على ما جاء من ذلك من نحو: "عَقَنْقَلٍ" (٤)، و"سَجَنجَلٍ" (٥).
وقالوا: "عَرَنْدَدٌ"، وهو الصُّلْب، فالنون فيه زائدة لما ذكرناه من أنّه موضعٌ كثرت زيادتها فيه، والدال الأخيرة زائدة أيضًا لما ذكرناه ألحقته بـ "سَفرْجَلٍ". وأمّا "عُرُنْدٌ"، فهو الغليظ، يقال: "وَتَرٌ عُرُنْدٌ"، أي: غليظٌ، فالنون فيه زائدة؛ لأنّه ليس في الأصول ما هو على مثال "جُعُفْرٍ" بضمّ الجيم والعين وسكون الفاء، ونظيرُه "تُرُنْجٌ" (٦).
وأمّا الموضع الثاني، فهو أن تقع غير ثالثة، فإنّه لا يُحْكَم بزيادتها إلّا بثَبَت ساكنةً كانت أو متحرّكة. فمثالُ الساكنة نحو نون "حِنزقْرٍ"، و"حِنْبَتْر" بمعنى القصير. النونُ فيه أصل؛ لأنّها في مقابلة الأصول، ألا تراها بإزاء الراء من "قِرْطَعْبٍ"، و"جرْدَحْلٍ"؟ ومثالُ
стр. 2274
المتحرّكة "جَنَعْدَلٌ"، النونُ أصل لما ذكرناه، ولأنّها بإزاء الفاء من "سَفَرْجَلٍ".
وأمّا "عَنْسَلٌ" - وهي الناقة السريعة- فلو خلّينَا والقياسَ، لكانت حروفُها كلّها أصولًا؛ لأنّها بإزاء "جَعفَرٍ"، لكنّهم جعلوه مشتقًّا من "عَسَلانِ الذِّئب"، وهو شدّةُ عَدْوه، فكانت زائدة لذلك. وقد ذهب قومٌ إلى أنّه مشتقٌ من لفظ "العنس"، فهي أصلٌ لذلك، واللامُ زائدة. والوجه الأول، وهو رأي سيبويه (١)، لقوّة المعنى، وكثرة زيادة النون ثانيًّا، نحو: "جُنْدُب"، و"عُنْصُّرٍ".
وأمّا "عَفَرْنى" -وهو من أسماء الأسد، ووزنه "فَعَلنى"، فالنون فيه والألف زائدة، كأنّه سُمّي بذلك لشدّته. يقال: "ناقة عَفَرْناةٌ"، أي: قويّة. ويقال: "فلان في عَفَرْنة الحَرّ"، أي: في شدّته، والنون والألف للإلحاق بـ "سَفرجل".
وأمّا "بُلَهنِيَةٌ" بمعنى العيش الناعم، يقال: "فلانٌ في بلهنيةِ من العيش"، أي: في سَعةٍ, والألفُ والنون زائدتان للإلحقاق بـ "قُذَعْمِل". وإنّما صارت الألف ياءً للكسرة قبلها، ودلّ على زيادة الألف والنون قولهم: "عيشٌ أبلَهُ"، أي: قليل الغُموم.
وأمّا "خَنْفَقِيقٌ" وهي الداهية، وهي أيضًا الخفيفة من النساء - النون فيه زائدة, لأنّه من "خفق يخفِق"، وهو ملحقٌ بـ "عَرْطَليل" (٢).
فصل [زيادة التاء]
قال صاحب الكتاب: والتاء اطردت زيادتها أولاً في "تَفْعيل" و"تَفْعال" و"تَفَعُّل" و"تَفاعُل" وفعليهما، وآخراً في التأنيث والجمع, وفي نحو: "رغبوت" و"جبروت" و"عنكبوت", ثم هي أصل إلا في نحو: "ترتب", و"تولج" و"سنبتة".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ التاء تزاد أولًا وآخرًا، وهي في ذلك على ضربَين: مُطرِدة وغيرُ مطردة. فالأوّلُ نحو: "تَفْعِيلٍ"، و"تَفْعالٍ"، و"تَفَعُّل"، و"تَفاعُل". فأمّا "التفعيل"، فهو مصدرُ "فَعَّلَ". قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٣)، وقال الشاعر [من الطويل]:
وما بالُ تَكلِيمِ الدِّيار البَلاقِعِ (٤)
стр. 2275
وربما جاء على "تَفْعِلَة". قالوا: "قَدَّمتُه تَقْدِمَةً"، و"كَرَّمْنُه تَكرِمَةً" وعلى "فِعّالٍ"، نحو: كَلَّمتُه "كِلاّمًا". وفي التنزيل: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ (١). وأمّا "التَّفعال"، فنحو: "التَّقتال"، و"التَّضراب"، وما أشبههما من نحو: "التَّلعاب"، و"التَّرْداد"، و"التَّسْيار"، كلُّها مصادرُ بمعنى: "السير" و"القَتْل" و"الضرْب" و"اللعب" و"الردّ". وجاؤوا به لتكثير الفعل والمبالغةِ فيه. وأمّا "التَّفَعُّل"، فهو مصدرُ "تَفَعَّلَ". قال الشاعر [من الكامل]:
١٢٦٧ - [وإذا صَحَوْت فما أُقَصِّرُ عَنْ نَدى] ... وكما عَلِمتِ شَمائِلي وتَكَرُّمِي
ومن قال: "فَعَّلْته فِعّالًا" قال: "تَفَعَّلَهُ تِفِعّالًا"؛ لأنه مُطاوِعُه، نحو: "تَحمّله تِحِمّالًا". قال الشاعر [من الطويل]:
ثلاثةُ أَحْبابِ فحُبٌّ عَلاقةٌ ... وحُبٌّ تِمِلاّقٌ وحُبٌّ هوالقَتل (٢)
وأمّا "التَّفاعُل"، فمصدُر "تَفَاعَلَ".
стр. 2276
وقوله. "وفعليْهما" يريد فعلَ "التفعّل" وفعلَ "التفاعُل", لأنّ في كلّ واحد من هذين الفعلَين تاءً زائْدةً، فـ "تَفاعل" مطاوعُ "فاعلَ"، و"تَفعّل" مطاوعُ "فَعَّلَ"، وقد تقدّم الكلام عليهما في الأفعال.
وأمّا زيادتها غيرَ مطّردة، فنحو: "تِجْفافٍ"، منه و"تِفْعالٌ" من "جَفَّ الشيء" إذا يَبِسَ وصَلُبَ، و"تِمْثالٌ" من "المثل"، و"تِبيانٌ" من "البَيان"، و"تِلْقاءٌ" من "اللقاء"، و"تِضْرابٌ" من "الضِّراب". ولولا الاشتقاق، لكانت أصلًا في ذلك كلّه, لأنّها بإزاء قاف "قِرْطاسٍ"، وسين "سِرْحانٍ".
وقد زيدت آخِرًا زيادة مطّردة للتأنيث والجمع، فالأول نحو: "حَمزَةَ"، و"طَلْحَةَ"، إلا أنّك تُبْدِل منها في الوقف هاءً، والتاء هي الأصل في ذلك بدليل ثبوتها في الوصل، والوصل ممّا يجري فيه الأشياء على أصولها، والوقفُ من مواضع التغيير.
وقد زيدت في جمع المؤنّث السالم، وقبلها ألفٌ، نحو: "ضاربات"، و"جَوْزات"، و"جَفنات"، وقد تقدّم الكلام عليها بما أغنى عن إعادته.
وقد زيدت آخرًا في نحو: "مَلَكُوتٍ"، و"رَحَموتٍ"، و"جَبَرُوتٍ"، بمعنى "المُلك"، و"الرَّحْمة"، و"التجبُّر". وقالوا: "رَهَبُوتٌ خيرٌ من رَحَمُوتٍ" (١). ويقال: "رَغَبُوتَى"، و"رَحَمُوتَى" على زنة "فَعَلُوتَى"، وهو قليل لا يقاس عليه.
وقد زادوها في آخِر الأسماء، نحو، "عَنْكَبُوتٍ"، و"تَرْنَمُوتٍ"، لصوت القَوْس عند النزع، فالتاء في "عنكبوت" زائدة، ومثالُه: "فَعْلَلُوتٌ" ملحقٌ بـ "عَضْرَفوط"؛ لأنّك تقول: "عَنْكباء" في معنى "عنكبوت"، وفي الجمع: "عناكِبُ"، فسقوطُ التاء دليل على زيادتها.
فإن قيل: ليس في قولهم: "عَناكِبُ" دليل على زيادتها؛ لأنّ الحرف الخامس يُحذف في التكسير، نحو قولههم في "عَضْرَفُوطٍ": "عَضارِفُ" والطاء غيرُ زائدة، فالجواب أنّ العرب لا تكاد تكسّر الاسم الذي على خمسة أحرف أصول إلّا مستكرهين، فلمّا قالوا: "عَناكِبُ" من غير استكراه، دلّ أنّ التاء زائدة. وأمّا
стр. 2277
"تَرْنَمُوتٌ" فبمعنى الترنّم، وهذا ثبتٌ في زيادة التاء والواو. وقال [من الرجز]:
١٢٦٨ - تُجاوِب القَوْسُ بتَرْنَمُوتِها
أي: بترنّم. ثمّ هي أصلٌ أَيْنَ وُجدت بعد ذلك، إلّا أن تقوم دلالة على أنّها زائدة. فمن ذلك "تُرْتَبٌ" بمعنى الشيء الراتب، فالتاء الأولى زائدة؛ لأنّه ليس في الكلام مثلُ "جُعفر" بضمّ الجيم عند سيبويه (١). وهي عند الأخفش أيضًا زائدة؛ لأنه مأخوذ من "رتب"، فكانت زائدة للاشتقاق لا لأجل المثال. ونظيرُه "تَنْضب" لضربٍ من الشجر، التاء فيه زائدة؛ لأنّه ليس في الكلام مثلُ "جَعْفُرٍ" بضمّ الفاء، وكذلك يقال: "تَتْفُل"، و"تَتْفَل" بضمّ الفاء وفتحها. فمن فتح كانت زائدة لا محالة لعدم النظير. ومن ضمّ، كانت زائدة أيضًا؛ لأنّها لا تكون أصلاً في لغةٍ, زائدةً في لغة أخرى.
وأمّا "تَوْلَجٌ"، فهو كِناس الوحش الذى يلج فيه، وهو "فوْعَلٌ" من "الوُلوج"، والتاء فيه بدلٌ من الواو، كأنّهم كرهوا اجتماع الواوَين، فأبدلوا من الأولى تاء. وقد أجروا الضمّة مع الواو مجرى الواوَيْن، فقالوا: "تُكَأَةٌ"، و"تُخَمَةٌ"، و"تكَلَةٌ". وربّما قالوا: "دولَجٌ"، فأبدلوا من التاء دالًا, فلو سُمّي بـ "تولج" رجلٌ، لانصرف. وهي عند البغداديين "تَفْعَل"، والتاء عندهم زائدة، وكأنّ صاحب هذا الكتاب نَحَا نحوْ ذلك، ولذلك استثنى من أن تكون أصلاً، وعدّها مع ما هي فيه زائدة. وليس الأمر فيها عندي كذلك؛ لأنّ "تَفعَل" معدومٌ في الأسماء، و"فَوْعَلٌ" كثير، والعملُ إنّما هو على الكثير.
وأمّا "سَنْبَتَةٌ"، فمعناها قطعةٌ من الدهر، يقال: "مضت سنبتةٌ من الدهر"، أي: بُرْهَةٌ منه، والتاء الأولى منه زائدة؛ لقولهم في معناه: "سَنبٌ" و"سَنبَةٌ"، كـ"تَمرٌ" و"تَمرَةٌ", فسقوطُ التاء دليلٌ على زيادتها, فاعرفه.
* * *
стр. 2278
فصل [زيادة الهاء]
قال صاحب الكتاب: والهاء زيدت زيادة مطردة في الوقف لبيان الحركة أو حرف المد في نحو: "كِتابيَهْ" و"ثَمَّهْ" و"وا زيداهْ" و"وا غلامهوه", و"وا انقطاع ظهرهيه".
* * *
قال الشارح: قد زيدت الهاء زيادة مطّردة للوقف، وموضعُها أن تقع بعد حركةِ بناءٍ متوغّلةٍ في البناء، نحو: "حِسابِيَهْ"، و"كِتابِيَهْ"، و"ثَمَّهْ"، ولا تدخل على حركةِ بناء تُشبِه الإعرابَ، فلا تدخل على فعل ماض، نحو: "ضَرَبَهْ"، ولا في "يا زَيْدُهْ"؛ لأنّهما مُشْبِهان المعربَ. وإذا لم تدخل على ما يُشْبِه المعربَ، كان دخولُها على المعرب نفسه أبعدَ، وذلك محافَظةٌ على حركات البناء؛ لأنّها موضوعةٌ للُّزوم والثبات، إذ كانت من سِنْخ الكلمة، كأنّ الكلمة رُكّبت على الحركة كما رُكّبت على الحروف. وقد وردت هذه الهاء لبيان ألف النُّدْبة، نحو: "وا زيداهْ"، و"وا غُلاماهُ"؛ لأنّ الألف خفيّة، والوقفُ عليها يزيدها خفاءً، فبيّنوها بالهاء.
فإن قلت: فأنت لا تجيز أن تندُب نكرةً، فكيف جاز أن تُمثِّل بقولك: "وا غلاماهْ"، و"غلامٌ" نكرة، قيل: المراد "غلامي" بياء ساكنة، وأنت إذا ندبتَ ما هذه حالُه، فلك فيه وجهان: أحدهما فتحُ الياء لالتقاء الساكنين، والآخرُ الحذف، فلذلك مَثَّلَ بقوله: "وا غلاماه"، وقد تقدّم الكلام على هذه الهاء بما فيه مَقنَعٌ.
* * *
قال صاحب الكتاب: وغير مطردة في جمع "أُمّ"، وقد جاء بغير هاءٍ، وقد جمع اللغتين من قال [من المتقارب]:
١٢٦٩ - إذا المهات قبحن الوجوه ... فَرَجْت الظَّلام بأُمّاتِكا
стр. 2279
وقيل: قد غلبت الأمهات في الأناسي والأُمّاتُ في البهائم. وقد زادها في الواحد من قال [من الرجز]:
١٢٧٠ - أمهتي خندف والياس أبي
وفي كتب العين (١): "تأمّهتُ", وهو مسترذَلٌ.
* * *
قال الشارح: وقد زادوا الهاء زيادة غير مطّردة، وإنّما تُسمع ولا يقاس عليها، قالوا: "أُمّهاتٌ"، والواحدُ "أُمٌّ" على زنة "فعْلٍ" كـ"حُبِّ"، و"دُرِّ"، العين واللامُ فيه من واد واحد، فالهمزةُ فيه فاء، والميم الأولى عينٌ، والميمُ الثانيةُ لامٌ، والهاء زائدة؛ لقولهم في معناه: "أُمّاتٌ". قال الشاعر [من الكامل]:
١٢٧١ - [كانَتْ هَجائِنُ مُنْذِرٍ وَمُحَرِّقٍ] ... أُمّاتَهُنَّ وطَرْقُهُنَّ فَحِيلا
стр. 2280
وقال الآخر [من المتقارب]:
فرجت الظلام بأمّاتكا
إلّا أنّ "الأمّهات" في الأناسيّ أكثرُ، و"الأُمّات" في البهائم أغلبُ. وقد جاءت "الأمّهات" أيضًا في البهائم. قال الشاعر [من السريع]:
١٢٧٢ - قوّال مَعُروفٍ وفَعّالِهِ ... عقّارِ مَثنى أُمَّهاتِ الرَّباع
والأوّل أكثر.
وقد أجاز أبو بكر أن تكون الهاء هنا أصلًا؛ لقولهم في الواحد: "أُمَّهةٌ". قال الشاعر [من الرجز]:
أمّهتي خندف وإلياس أبي (١)
ويؤيّد ذلك: "تَأَمَّهْتُ أُمًّا"، ويكون وزنه "فُعَّلَةَ" بمنزلة "أُبَّهَةٍ"، و"عُلَّفةٍ"، و"قُبَّرَةٍ". والمذهبُ الأوّل؛ لقولهم: "أُمٌّ بيّنةُ الأُمُومة" وهذا ثبتٌ. وقولهم: "أُمَّهَةٌ" قليل شاذّ، و"تَأمَّهْت أُمًّا" أقلُّ منه. قال (٢)، وهو من مسترذَلِ كتاب العين. والقولُ في ذلك أنّ