جنسهما، وأنّهما شريكتان في المدّ، فكرهوا الحركة فيهما لذلك، ولأنّ تحريكهما يُخِلّ بالمقصود بهما؛ لأن تحريك حرف المدّ يصرفه عن المدّ. ولم تجعل الهمزة هنا بين بين؛ لأنّ في ذلك تقريبًا لها من الساكن، وقبلها ساكنٌ، فكانت الواو والياء تُدّغمان، ويُدّغم فيهما، فصارتا إلى ذلك؛ لأنّه أخفُّ. وياء التصغير تجرى مجرى هذه الياء إذا كان بعدها همزةٌ، وإن كان ما قبلها مفتوحًا، كقولك في "أُفَيْئِس": "أُفَيِّسٌ" تصغيرُ "أَفْؤُسٍ"، وأَفْؤُسٌ: جمعُ فأسٍ جمعَ قلّةٍ. وكذلك قولك في "سُوَيْئل": "سُوَيِّلٌ" تصغيرُ "سائلٍ"؛ لأنّ ياء التصغير لا تكون إلا ساكنة إذ كانت رسيلةَ ألف التكسير, لأنّ موقعها من المصغر كموقع الألف من المجموع، كقولنا: "دِرْهَمٌ"، و"دَراهِم".
وقوله: "قد التزم ذلك في نَبِيّ وبَرِيَّة"، يريد تَركَ الهمزة وقَلْبَها إلى ما قبلها وادّغامَها على حدّ "خَطِيَّةٍ"، إلّا إنّه في "نبيّ" و"بريّة" لازمٌ لكثرة الاستعمال بحيث صار الأصل مهجورًا، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: وإن كان ألفاً جعلت بين بين كقولك: سأل وتساؤل وقائل.
* * *
قال الشارح: وإذا كان قبل الهمزة ألفٌ، وأريد تخفيفُها، فحكمُها أن تجعل بين بين. إن كانت مفتوحة جعلتها بين الهمزة والألفُ, وإن كانت مضمومة جعلتها بين الهمزة والواو، نحو: "تساؤُلٌ"، وإن كانت مكسورة جعلتها بين الهمزة والياء؛ نحو: "قايلٍ". وذلك لأنّه لا يمكن إلقاء حركتها على الألفُ إذا الألفُ لا تتحرّك، ولو قلبتَ الهمزة ألفًا، وأخذتَ تدّغم فيها الألفَ على حدّ "مقرؤة"، لاستحال ذلك، إذ الألفُ لا تُدّغم، ولا يُدّغم فيها، وكان في جعلها بين بين ملاحَظةٌ لأمر الهمزة إذ فيها بقيّةٌ منها، وتخفيفُها بتليينها وتسهيل نَبْرتها. فإن قيل: فهلا امتنع جعلُها بين بين لسكون الألف وقُرْبها من الساكن، قيل: الذي سهّل ذلك أمران: أحدهما خفاء الألف، فكأنّه ليس قبلها شيءٌ، والآخر زيادةُ المدّ في الألف قام مقامَ الحركة فيها كالمدّغم فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: وإن كان حرفاً صحيحاً أو واواً أو ياء أصليتين أو مزيدتين لمعنى, ألقيت عليه حركتها وحذفت كقولك: مسلةٌ والخب ومن بوك ومن بلك وجيل وحوبة وأبويُّوب وذو مرهم واتبعي مره وقاضوبيك.
* * *
قال الشارح: إذا كان قبل الهمزة المتحرّكة حرفٌ صحيحٌ ساكنٌ، نحو: يَسْأَلُ، ويَجْأر والمَسأَلَةُ، والخَبْءُ، والكَمأَةُ، والمَرْأَةُ، والمِرْآةُ، فالطريق في تخفيفها أن تُلْقِي
стр. 2207
حركتَها على ما قبلها وتحذفها. وتقول في "مسأَلَة": "مَسَلَةٌ"، وفي "الخَبْء": "الخَبُ"، وفي "الكَمْأَة": "الكَمَةُ"، وفي "المَرْأَة": "المَرَةُ"، وفي "المِرْآة": "المِرَاةُ". وذلك أنّ الحذف أبلغ في التخفيف، وقد بقي من أعراضها ما يدلّ عليها، وهو حركتُها المنقولةُ إلى الساكن قبلها. ولم يجعلوها بين بين؛ لأنّ في ذلك تقريبًا لها من الساكن، فكرهوا الجمعَ بين ساكنَيْن، كيف والكوفيون يزعمون أنّها ساكنة ألبتّة (١)، وهي عندنا، وإن كانت في حكم المتحرّكة، فهي ضعيفةٌ يُنْحَى بها نَحْوَ الساكن، ولذلك لا تقع همزةُ بين بين في أوّل الكلام، ولا تقع إلّا حيث يجوز وقوعُ الساكن غيرُ الألف. ولم يقلبوها حرفًا ليّنًا لأنّ قبلها ساكنًا، فكان يلتقي ساكنان. قال سيبويه (٢): ولم يُبْدِلوا؛ لأنّهم كرهوا أن يُدْخِلوها في بنات الياء والواو اللتَيْن هما لامان.
ومن ذلك قولهم في المنفصل: "مَنَ بُوكَ". وذلك أنّهم ألقوا حركة الهمزة التي هي الفتحة على النون، ثمّ حذفوها تخفيفًا لدلالة الحركة عليها. وقالوا: "مَنُ مُّكَ" في "مَنْ أمُّكَ". وقالوا: "مِنِ بِلِكَ" في "مِنْ إبِلِكَ"، فنقلوا كسرة الهمزة إلى النون، ثمّ حذفوها.
وكذلك لو كانت الياء والواو مزيدتَيْن لمعنى، كان حكمهما في ذلك حكمَ الصحيح، فيجوز إلقاء حركة الهمزة عليهما حينئذ، نحو قولك في "هذا أبُو إسْحاق": "أبُوِ سْحاقَ"، وفي "مررت بأبِي إسْحاق": "أبِي سْحاقَ"، فتُلْقِي حركةَ الهمزة على الواو المضمومِ ما قبلها، وعلى الياء المكسور ما قبلهَا, لأنهما أصلٌ، ولم تمتنعا من الحركة. ومثله قولك في "قَاضِي أَبِيكَ": "قاضِيَ بِيكَ"، وفي "ذُو أَمْرِهِمْ": "ذُوَ مْرِهِمْ". وكذلك تقول في "يَغزُو أُمَّه": "يَغزُوُ مَّهُ".
وكذلك لو كانتا للإلحاق، فإنّهما تجريان مجرى الأصليّة، فيسوغ نقلُ حركة الهمزة إليهما، نحو قولك في "الحَوْأَب" و"الحَوْأَبَةِ": "الحَوَبُ"، و"الحَوَبَةُ". والحَوْأَبُ: المكان الواسع، وواوُه زائدة للإلحاق بجَعْفَرٍ.
وكذلك الواو إذا كانت مزيدة لمعنًى، نحو واو الجمع، كقولك: "اتَّبِعُوَ مرَهُ"، و"قَاضُوَبِيكَ" في "اتبِعُوا أَمْرَه"، و"قاضُو أبيك"، حيث كانت لمعنى الجمع والاسميّة صارت بمنزلة ما هو من نفس الكلمة، نحو واوِ "يَدْعُو". وكذلك تقول: "اتَّبِعِيَ مْرَهُ" في "اتَّبِعِي أَمْرَهُ". وتُشبَّه بياءِ "يَرْمِي"، وما هو من نفس الكلمة، إذ لم تكن مزيدة للمدّ كواو "مَقرُوءة"، فلم تمتنع من الحركة.
* * *
стр. 2208
قال صاحب الكتاب: وقد التزم ذلك في باب "يري" و"أري يرى"، ومنهم من يقول: "المراة" و"الكماة" فيقلبها ألفاً وليس بمطرد، وقد رآه الكوفيون مطرداً.
* * *
قال الشارح: أمّا "يَرى" و"يُري" و"أَرى"، فإنّ الأصل: "يَرْأى" و"يُرْئِي" و"أَرْأى"؛ لأنّ الماضي منه "رَأى"، والمضارع "يَرْأى" بالفتح لمكان حرف الحلق، وإنّما حذفوا الهمزة التي هي عين الفعل في المضارع، ويحتمل ذلك أمرَيْن:
أحدهما: أن تكون حُذْفت لكثرة الاستعمال تخفيفًا، وذلك أنّه إذا قيل: "أَرْأى"، اجتمع همزتان بينهما ساكنٌ، والساكنُ حاجزٌ غيرُ حصين، فكأنّهما قد تَوالتا، فحُذفت الثانية على حدّ حذفها في "أُكْرِمُ"، ثمّ أُتْبع سائرَ الباب، وفُتحت الراء لمجاوَرة الألف التي هي لامُ الكلمة، وغلب كثرةُ الاستعمال هاهنا الأصلَ حتّى هُجر ورُفض.
والثاني: أن يكون حذفُ الهمزة للتخفيف القياسيّ بأن أُلقيت حركتها على الراء قبلها، ثمّ حُذفت على حد قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الخَبَ﴾ (١)، و ﴿قَدَ فْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ (٢)، فصار "يرى" و"يُرِي" و"أَرى"، ولزم هذا التخفيفُ والحذفُ لكثرة الاستعمال على ما تقدّم. وإلى هذا الوجه يُشير صاحب الكتاب، وهو أوجهُ عندي لقُرْبه من القياس، وقد ذكره ابنُ جِنِّي مع التخفيف غير القياسيّ؛ لأنّ التخفيف لزم على غير قياس حتى هُجر الأصل، وصار استعمالُه والرجوعُ إليه كالضرورة، نحو قوله [من الوافر]:
١٢٤٦ - أُرِي عَيْنَىَّ ما لم تَرْأَيَاهُ ... [كِلانا عَالِمٌ بالتُّرَّهاتِ]
стр. 2209
وقد رُوي: تَرَيَاهُ، بالتخفيف عن أبي الحسن. وقال الآخر [من البسيط]:
١٢٤٧ - ثمَّ اسْتَمرَّ بها شَيْحَانُ مبتجِحٌ ... بالبَيْنِ عَنْكَ بِمَا يَرْآك شَنْآنا
وهو قليلٌ. وأمّا "المَرَاةُ" و"الكَمَاةُ" بألف خالصة، حكى ذلك سيبويه عن العرب، قال: وذلك قليل (١)، فإنّهم أبدلوا من الهمزة المفتوحة ألفًا، ثمّ فُتح ما قبل الألف؛ لأنّ الألف لا يكون ما قبلها إلّا مفتوحًا. وهو عند سيبويه شاذّ, لأنّ طريق تخفيف هذه الهمزة بإلقاء حركتها على ما قبلها، وحذفِها على ما بيّنّاه. وكان الكسائي والفراء يَطْرُدان ويَقيسان عليه.
وطريقُ قَلْب هذه الهمزة ألفاً أن الميم والراء في "الكمأة" و"المرأة" لمّا جاورتا الهمزةَ المفتوحة، وكانتا ساكنتين، صارت الفتحتان اللتان في الهمزتَيْن كأنّهما في الراء
стр. 2210
والميم، فصارت الراء والميم كأنّهما مفتوحتان، والهمزتان كأنهما ساكنتان لمّا قُدّر حركتُهما في غيرهما، فصار التقدير: "المَرَأة" و"الكَمَأْة"، بفتح الراء والميم وسكون الهمزة، فأُبدلت الهمزتان ألفين لسكونهما وانفتاح ما قبلهما على حدّ القلب في "رأس"، و"فأس" إذا أريد التخفيف. وعليه قوله [من الطويل]:
كَأَنْ لم تَرَى قبْلِي أَسِيرًا يَمانِيَا (١)
أراد: تَزءَى، فجاء به مخفّفًا. ثُمّ إن الراء لمّا جاورتْ وهي ساكنةٌ الهمزةَ متحرّكةً، صارت الحركةُ كأنها في التقدير قبل الهمزة؛ فقُلبت ألفًا لذلك، فالألفُ عينُ الفعل، واللامُ محذوفة للجزم على مذهب التحقيق، ويجوز أن يكون الأصل "المَرْأَة" و"الكَمْأَة"، ثمّ نُقل حركة الهمزة إلى الساكنْ قبلها فتَحرّك، وبقيت الهمزة ساكنةً، فقلبوا الهمزة ألفًا على "راسٍ"، و"فاسٍ"، فقيل: "المَراة"، و"الكَماة"، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: وإما أن تقع متحركة متحركاً ما قبلها فتجعل بين بين كقولك: سأل ولؤم وسئل، إلا إذا انفتحت وانكسر ما قبلها أو انضم فقلبت ياء أو واواً محضة كقولك "ميرٌ" و"جونٌ". والأخفش يقلب المضمومة المكسورة ما قبلها ياء أيضاً فيقول يستهزيون، وقد تبدل منها حروف اللين فيقال منساة ومنه قول الفرزدق [من الكامل]:
[راحت بمسلمة البغال عشيةً] ... فارعي فزارة لا هناك المرتع (٢)
وقال حسان [من البسيط]:
سالت هذيل رسول الله فاحشة ... [ضلت هذيل بما سالت ولم تصب] (٣)
وقال ابنه عبد الرحمن [من الوافر]:
١٢٤٨ - [وكنت أذلَّ من وتدٍ بقاعٍ] ... يشجج رأسه بالفهر واجي
стр. 2211
قال سيبويه (١): وليس ذا بقياس متلئب (٢) , وإنما يحفظ عن العرب كما يحفظ الشيء الذي تبدل التاء من واوه نحو: "أتلج".
* * *
قال الشارح: وأمّا إذا كانت الهمزة متحرّكةً متحرّكًا ما قبلها، وأريد تخفيفها، فحكمُها أن تجعل بين بين، أي: بين مُخرج الهمزة، وبين مُخرج الحرف الذي منه حركةُ الهمزة. وهذا القياسُ في كل همزة متحرّكة؛ لأنّ فيه تخفيفًا للهمزة بإضعاف الصوت، وتليينه وتقريبه من الحرف الساكن مع بقيّةٍ من آثار الهمزة؛ ليكون ذلك دليلاً على أنّ أصله الهمزة، ويكون فيه جمعَ بين الأمرَيْن.
ولا تخلو الهمزة من ثلاثة أحوال: إمّا أن تكون مفتوحة، أو مكسورة، أو مضمومة. فإذا كانت مفتوحة وقبلها مفتوح، جعلتها متوسّطة في إخراجها بين الهمزة والألف, لأنّ الفتحة من الألف، وذلك قولك في "سَأَلَ": "سال"، وفي "قَرَأ": "قرا". والمنفصلُ في ذلك كلّه كالمتّصل، نحو: "قال أَحْمَدُ"، إذا أردتَ التخفيف، قلت: "قال أحمد". ولا يظهر سِرُّ هذه الهمزة ولا ينكشف حالُها إلّا بالمشافَهة.
فإن كان قبلها ضمّةٌ أو كسرةٌ، فإنّك تُبْدِلها مع الضمّ واوًا ومع الكسر ياءً، وذلك قولك في تخفيف "جُؤَنٍ" جمع جُؤْنَةٍ: "جُوَنٌ" بواو خالصة، وفي تخفيف "تُؤَدَة": "توَدَةٌ". وتقول في المنفصل: "هذا غُلَاموَبِيكَ" بالواو أيضًا. وتقول مع الكسرة: "مِيَرٌ" بتخفيف "مِئَرٍ"، وهو جمعُ "مِئْرَةٍ"، وهو التضريب بين القوم بالفَساد. وتقول: "يريد أن يُقرِيَكَ"، وفي المنفصل: "مررت بغُلامِيَ بِيكَ".
وإنّما كان كذلك من قبل أنّ الهمزة المفتوحة لو جعلتَها بين بين وقبلها ضمّةٌ أو
стр. 2212
كسرة، لنحوتَ بها نحو الألف، والألفُ لا يكون ما قبلها مضمومًا أو مكسورًا، بل ذلك مُحالٌ، فلذلك عدلوا إلى القلب.
وإذا كانت مكسورة وقبلها متحرّكٌ، وأريد تخفيفها، جُعلت بين بين، سواءً كانت الحركة فتحةً أو ضمّةً أو كسرةً، فتقول فيما كان قبلها فتحةٌ: "سَئيمَ" في تخفيفِ "سَئِمَ"، وبَيس" في تخفيفِ "بَئِسَ"، وفي المنفصل: ﴿وَإذْ قَالَيْبراهِيمُ﴾ (١). وذلك لأنّها مكسورة تقرّبها في التخفيف من الياء، كما كانت مع الفتحة بين الألف والهمزة. والياء ممّا يسلم بعد الفتحة المحضة، فما ظَنُّك فيما قرُب منها؟ وتقول فيما كان قبلها ضمّةٌ، نحو. "سئُيْلَ"، و"دُئيلَ"، و"عبدُ يئبْراهيمَ". تجعلها بين بين في التخفيف. وقياسُ مذهب الأخفش أن تُخلِّصها ياءً على ما سنوضِح في الهمزة المضمومة إذا انكسر ما قبلها. قياسُهما واحدٌ.
فأمّا إذا انكسر ما قبلها، فإنّ تخفيفها بأن تكون بين بين بلا خلاف من نحو: "عَبْدِئيِبراهيمَ"، إذ لا مانعَ من ذلك.
فإن كانت الهمزة المتحرّكة مضمومة، وما قبلها متحرّكٌ، فأمرُها كذلك في التخفيف، وذلك أن تجعلها بين بين، وذلك بأن تضعّف صوتَها, ولا تُتِمّه، فتقرُب حينئذ من الواو الساكنة سواءَ كان ما قبلها مفتوحًا أو مضمومًا أو مكسورًا. هذا مذهب سيبويه، قال (٢): وهو كلام العرب، وذلك قولك فيما كان قبلها فتحةٌ: "لَؤُمَ"، و"أكرمتُ عَبْدَؤُختِهِ"، وفيما كان قبلها ضمّةٌ قولك: "مُؤُونٌ"، و"رُؤُوسٌ"، وفي المنفصل: "هذا عبدُ أُخْتِك"، و"أكلتُ أترُجَّةً"، وفيما كان قبلها كسرةٌ، نحو: يَسْتَهزِؤُونَ، و"من عبدِ أُخْتِك".
كلُّ ذلك تجعله بين بين عند سيبويه، وكان الأخفش يقلبها ياء إذا كان قبلها كسرةٌ، ويحتجّ بأنّ همزة بين بين تُشْبِه الساكنَ للتخفيف الذي لحقها , وليس في الكلام كسرةٌ بعدها واوٌ ساكنةٌ. قال: فلو جُعلت بين بين، لنُحي بها نحو الواو الساكنة وقبلها كسرةٌ، وهو معدوم. وهو قول حسن، وقولُ سيبوية أحسنُ؛ لأنّ الواو الساكنة لا يستحيل أن يكون قبلها كسرةٌ كما استحال ذلك في الألف، وإنّما عدولُهم عن ذلك لضرب من التثقيل. وإذا لم يستحل ذلك في الواو الساكنة، لم يمتنع فيما قارَبَها.
وقومٌ من العرب يُبْدِلون من هذه الهمزات التي تكون بين بين حروفَ لين، فيبدلون من المفتوحة المفتوحِ ما قبلها ألفًا، فيقولون في "سَأَلَ": "سالَ"، وفي "قَرَأ": "قَرا"، وفي "مِنْسَأَةٍ"، "مِنْسَاةٌ"، ومن المضمومة المضمومِ ما قبلها واوًا، ومن المكسورة المكسورِ ما قبلها ياءٌ. وذلك شاذ ليس بمُطّرِد. قال سيبويه (٣). وليس بقياس متلئبّ،
стр. 2213
وإنّما هو بمنزلةِ "أَثلجتُ"، في "أوْلَجْتُ"، ولا يقاس عليه فيقالَ في "أَوْغَلْتُ": "أَتْغَلْتُ"، وإانّما بابُ ذلك الشعرُ ضرورةَ. وأنشد الفرزدق [من الكامل].
راحتْ بمَسْلَمَةَ البِغالُ عَشِيّةً ... فَارْعَيْ فَزارةُ لا هَناكِ المَرْتعُ (١)
الشاهد فيه قلبُ هذه الهمزة ألفًا، والقياسُ أن تجعل بين بين، لكنّه لمّا لم يَتّزن له البيتُ بحرف متحرّك، أبدل منها الألفَ ضرورةً. وهذا أحدُ ما يدلّ على أنّ همزة بين بين متحرّكةٌ، وليست ساكنة كما زعم الكوفيون (٢). وممّا يدل أنّها متحرّكةٌ قول الشاعر [من الطويل]:
١٢٤٩ - أَأَن زُمَّ أَجْمالٌ وفارَقَ جيرَةٌ ... وصاحَ غرابُ البَيْنِ أنتَ حَزِينُ
فالهمزة ها هنا بين بين, لأنّه لا يُجمع بين همزتَين محقّقتين، فلو كانت الهمزة هاهنا ساكنةً، لانكسر البيت, لأنه لا يُجْمَع في الشعر بين ساكنين إلّا في قَوافٍ مخصوصة. يقول هذا حين عُزل مَسْلَمَةُ بن عبد الملك عن العراق. ومن ذلك قول حسّان [من البسيط]:
سالتْ هُذَيْلٌ رسولَ الله فاحِشَةً ... ضَلَّتْ هُذَيْلٌ بما سالَتْ ولم تصِبِ (٣)
الشاهد فيه قوله: "سالت"، والمراد: سَأَلَتْ بالهمزة، ولا يقال: إن "سَالَ يَسالُ"
стр. 2214
لغةُ قوم من العرب, لأنّ هذين الشاعرين ليس من لغتهما تركُ الهمزة، وقولُ ابنه عبد الرحمن يُهاجِي ابن الحَكَم بن أبي العاص بن أُميّة [من الوافر]:
فأمّا قولُك الخُلَفاء منَّا ... فهُنم مَنَعُوا وَرِيدَكَ مِن وِداجي
ولَوْلاهُمْ لَكنتَ كحُوتِ بَحْرٍ ... غَدا في مُظْلِمِ الغَمَراتِ داجي
وكنتَ أَذَلَّ من وَتَدٍ بِقاعٍ ... يُشَجِّجُ رَأسَه بالفِهْر واجي (١)
الشاهد فيه قوله: "واجي". والإبدالُ ها هنا أسهلُ؛ لأن الهمزة هنا طَرَفٌ، والطرفُ ممّا يسكن في الوقف، والهمزةُ إذا سكنت وانكسر ما قبلها، قُلبت ياءً، نحو قولك في "بِئْرٍ": "بيرٌ"، فاعرفه.
فصل [حذف الهمزة حذفًا غير قياسي]
قال صاحب الكتاب: وقد حذفوا الهمزة في "كل" و"مر" و"خذ" حذفاً غير قياسي، ثم ألزموه في اثنين دون الثالث, فلم يقولوا: "أوخذ" ولا "أوكل". وقال الله تعالى: ﴿وأمر أهلك﴾ (٢).
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ الفعل إذا سكن ما بعد حرف المضارعة منه، نحو: "يَضرِبُ"، و"يَخرُجُ"، و"يَعْلَمُ"، وأمرتَ منه المخاطبَ، فإنّك تحذف منه حرف المضارعة لِما ذكرناه قبلُ، فبقي ما بعده ساكنًا، وهي الضاد والخاء والعين، ولا يمكن الابتداء بالساكن، فحينئذ تجيء بالهمزة توصُّلاً إلى النطق بالساكن، فتقول: "اضرِبْ"، "اُخرُجْ" , "اعْلَمْ".
وهذه الهمزة مكسورة لالتقاء الساكنين، إلّا أن يكونْ الثالث مضمومًا، فإنّك تضمّها إتباعًا كراهيةَ الخروج من كسر إلى ضمّ. فما كان فاؤه همزة تسكن في المضارع كان هذا حكمه , نحو: "أَتَى يَأْتِي"، و"أَثِمَ يَأْثَمُ"، إلّا إنّك تُبْدِل الهمزة الثانية ياءً خالصةً إن كانت همزة الوصل مكسورةً، نحو قولك: "إيتِ"، و"إيثَمْ"، والأصلُ: "إئْتِ"، و"إئْثَمْ". وإن كانت همزة الوصل مضمومة، قُلبت واوًا خالصةً، نحوَ: "أُوسُ الجُرْحَ"، والأصلُ: "أُؤسُ". فقلبوا الهمزة الثانية حرفًا لينًا فرارًا من الجمع بين الهمزتين؛ لأنّه إذا جاز التخفيف في الهمزة، وجب في الهمزتين، إلّا أنّه شدّ من هذا ثلاثةُ أفعال تُسْمَع، ولا يقاس عليها لخروجها عن نظائرها، وهي: "خُذ"، و"كُلْ"، و"مُرْ"، والقياس: "اُؤْخُذْ"، "اُؤكُلْ"، "اُؤْمُرْ"، فحذفوا الهمزة التي هي فاء؛ تخفيفًا لاجتماع الهمزتين فيما يكثر استعمالُه، فحينئذ استُغني عن همزة الوصل لزوال الساكن وتحرُّكِ ما يُبتدأ به، وهو الخاء
стр. 2215
في "خُذْ"، والكاف في "كُلْ"، والميم في "مُر"، فحذفوها، ووزنُه من الفعل "عُلْ" محذوف الفاء. ولزم هذا الحذفُ لكثرة هذه الكلم، ولذلك جعله صاحب الكتاب غيرَ قياسىّ، ثمّ ألزموه في اثنين دون الثالث، يعني في "خُذ"، و"كُل" دون "مُرْ"، فإنك تقول فيه: "مُر"، و"أُومُرْ". قال الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ (١). جاء فيه الأمران (٢)، إلّا أنّ الحذف أكثرُ، كأنّه لنَقْصه عن مرتبةِ "خُذْ"، و"كُلْ" في كثرة الاستعمال، فاعرفه.
فصل [حذف همزة "أل" وإثباتها]
قال صاحب الكتاب: وإذا خففت همزة "الأحمر" على طريقها فتحركت لام التعريف اتجه لهم في ألف اللام طريقان: حذفها وهو القياس، وإبقاؤها لطروء الحركة، فقالوا لحمر وألحمر ومثل لحمر ﴿عادلُّولى﴾ (٣) في قراءة أبي عمرو، وقولهم: "من لان" في "من الآن". ومن قال: "ألحمر" قال "من لان" بتحريك النون كما قريء ﴿من لرض﴾ (٤) أو ملان بحذفها كما قيل "ملكذب".
* * *
قال الشارح: قد تقدّم أنّ الهمزة المتحرّكة إذا سكن ما قبلها , ولم يكن الساكنُ من حروف المدّ واللين، فحكمُ تخفيفها بإلقاء حركتها على الساكن قبلها، وتُحذف، كقولنا في "مَسْألَة": "مَسَلَةٌ"، وفي "مِرآةٍ" ": "مِرَاةٌ". ومن ذلك "الأَحْمَر" إذا خفّفت همزته.
وقوله: "على طريقها" يعني بإلقاء حركتها على الساكن الذي هو اللام. وفي ذلك وجهان. أحدهما أن تُلْقِيَ حركة الألف على اللام، فتُحرِّك اللام وتُبْقِي ألف الوصل، ولا تحذفها: فتقول: "أَلحَمْرُ". والآخر أن تقول: "لَحْمَرُ"، فتحذف ألفَ الوصل. فمَن أثبتها مع تحرُّك اللام نوى سكونَها، إذ كانت الحركة للهمزة عارضة في اللام، فلم يعتدّ بها. وهذا معنى قوله: "لطروء الحركة"، وصار ذلك فيها كحركة التقاء الساكنين في كونها عارضةً. ألا ترى أنهم قد قالوا: "لم يَقُمِ الرجلُ"، فلم يعتدّوا بالكسرة، ولذلك لم يُعيدوا الواوَ المحذوفة لالتقاء الساكنين؟ ومن ذلك "الاِنطلاق" حرّكوا اللام لالتقاء الساكنين، ومع ذلك همزةُ الوصل ثابتةٌ لم تُحذف.
ومَن حذف الهمزة، وقال: "لَحْمَرُ"، فإنّه اعتدّ بالحركة؛ لأنّ الداعي إلى الهمزة
стр. 2216
إنّما هو ضرورةُ سكون اللام، واللامُ قد تحرّكت، فوقع الاستغناء عنها. ويلزم من قال: "ألَحْمَرُ"، فيُثبِت الهمزة، أن يقول في "اسْأَلْ" إذا خُفّفت: "اِسَلْ"، ومن قال: "لَحْمَرُ" يلزمه أن يقول: "سَلْ"، إلّا أنّ الأكثر مع لام المعرفهَ إبقاء ألف الوصل، وحذفُها في غير ذلك, لأن هذه اللام موضوعة على السكون، لا تعتوِرها الحركةُ إلّا بسبب عارضٍ، فالسكونُ فيها أقوى.
وحكى الكسائي والفرّاء أنّ من العرب من يقلب الهمزة لامًا في مثل هذا، فيقول: "اللَّحْمَرُ" في "الأَحْمَر"، و"اللَّرْضُ" في "الأَرْض"، وكأنّ أهل اللغة نكبوا عن تحريك هذه اللام، فقلبوا الهمزة من جنس اللام، كما قالوا: "لَوٌّ" إذا جعلوا اسمًا، فيزيدون واوًا من جنس الواو.
فأمّا قراءة أبي عمرو ﴿عَادلُّولَى﴾ (١) بالادّغام والتشديد، فوَجْهُها أنّ الأصل (الأُوْلَى)، فخُفّفت الهمزة بأن أُلقيت حركتها على اللام، ثمّ حُذفت، واعتدّوا بالحركة على مذهبِ من قال: "لَحْمَرُ"، ثمّ ادُّغم التنوين في اللام.
وأمّا "مِن لان" فعلى المذهبَيْن، فإن قلت: "لَحْمَرُ"، واعتددتَ بالحركة، قلت: "مِنْ لانَ" بسكون النون في "مِنْ"؛ لأن ما بعدها متحرّكٌ. وعلى ذلك قُرىء: ﴿قَالُوا لانَ﴾ (٢)، بإثبات الواو؛ لأنّ اللام متحرّكة، فلم يلتق ساكنان. وإن قلت: "الَحْمَرُ"، بإثبات همزة الوصل، ولم تعتدّ بحركة اللام، وأجريتها مجرى الساكن؛ فإنّك تقول: "مِنَ لانَ"، بفتح النون لالتقاء الساكنين إجراءً لها مجرى الساكن، وتقول على ذلك: "مَلاَنَ" على حدّ قول الشاعر [من المنسرح]:
غيرَ الذي قد يقال مِلْكَذِبِ (٣)
فتحذف النون لالتقاء الساكنين إجراءَ لها مجرى حروف العلّة من قِبَل أنّ الساكن في الحكم كالساكن في اللفظ، فكما تُثْبِت همزة الوصل مع هذه اللام في "الَحْمَر" كإثباتها مع الساكن الصريح، كذلك تحذف الواو معها لالتقاء الساكنين. وتحرّك النون في "مِنَ لانَ" وتحذفها، والتحريكُ أكثرُ. وقد قُرىء ﴿مِنَ لَرْضِ﴾ (٤)، و ﴿مِنَ لَّرْضِ﴾ بالوجهين مع إلقاء حركة الهمزة على الساكن الذي هو اللام , فاعرفه.
стр. 2217
فصل [التقاء الهمزتين]
قال صاحب الكتاب: وإذا التقت همزتان في كلمة فالوجه قلب الثانية إلى حرف لين كقولهم آدم وأيمة وأويدم، ومنه جائي وخطايا، وقد سمع أبو زيد من يقول اللهم اغفر لي خطائئي، قال همزها أبو السمح ورداد ابن عمه وهو شاذ، وفي القراءة الكوفية ﴿أئمة﴾ (١).
* * *
قال الشارح: قد تقدّم قولنا بأنّ الهمزة حرفٌ مستثقَلٌ؛ لأنّه بعُد مَخرجُها، إذ كانت نَبْرَةً في الصدر تخرج باجتهادٍ، فثقُل عليهم إخراجُها؛ لأنّه كالتهوع، ولذلك مال أهلُ الحجاز إلى تخفيفها. وإذا كان ذلك في الهمزة الواحدة، فإذا اجتمع همزتان، ازداد الثقلُ، ووجب التخفيفُ. فإذا كانتا في كلمة واحدة، كان الثقل أبلغَ، ووجب إبدالُ الثانية إلى حرف لين، نحو: "آدَمَ"، و"آخَرَ"، و"أَيِمَّةٍ"، و"جاءِ"، و"خَطايا".
فأمّا "آدَمُ"، فأصلُه "أَأْدَمُ " بهمزتَيْن، الأولى همزةُ "أَفْعَلَ"، والثانيةُ فاء الفعل, لأنّه من "الأُدْمة"، وكذلك "آخر"؛ لأنّه من التأخّر، فأبدلوا من الثانية ألفًا محضةً، وذلك لسكونها وانفتاحِ ما قبلها على حدّ فعلهم في "رَأْسِ" و"فَأْسٍ"، ولا تُخفَّف، وإنّما تصير ألفًا كألِف "ضاربٍ"، و"خاتم". وإنّما شبّهناها بالزائدة من حيث لم تكن أصلاً، وعلى ذلك إذا جمعتَه اسمًا، قلتَ: "أوادِمُ" على نحو: "كَواهِلَ"، و"حَوائطَ". فإن أردت الصفة، قلت: "أُدْمٌ ": نحوَ: "حُمْرٍ"، فقَلْبُها واوَا على حدّ "بَوازِلَ"، و"كواهل" دليلٌ على اعتزام رفض أثر الهمزة فيها.
وتقول في التصغير: "أُوَيْدِمُ"، كما تقول: "بُوَيْزِلٌ"، و"كُوَيْهِلٌ" على أنّه ليس في قولهم: "أويدم" دلالةٌ على رفض الهمزة؛ لأنّ الهمزة تُقلب واوًا إذا انفتحت وانضمّ ما قبلها، نحو: "جُوَنٍ"، وإنّما أصحابُنا يذكرون: "أويدم" مع "أوادم" و"أواخر" جمعًا بين التصغير والتكسير وأمّا "أَيمَّةٌ"، فهو في الأصل: "أَئمَّةٌ" على وزن "أَفْعِلةَ", لأنه جمعُ "إمامٍ" كـ"حِمارٍ" و"أحْمِرَةٍ"، فاجتمع في أوّله همزتان: الأولى همزةُ الجمع، والثانيةُ فاء الكلمة، واجتماعُ الهمزتين في كلمة غير مستعمل، فوجب تخفيفُهما. وكان القياس قلبَ الهمزة الثانية ألفًا لسكونها، على حدّ قلبها في "آنِيَةٍ"، و"آزِرَةٍ" جمع "إناءٍ" و"إزارٍ"، لكنّه لمّا وقع بعدها مثلان، وهما الميمان، وأرادوا الادّغام، نقلوا حركة الميم الأولى- وهي
стр. 2218
الكسرة- إلى الهمزة، وادّغموا الميم في الميم، فصار: "أَئمَّة". والذي يدلّ على ما قلناه أنّه لو لم يكن كذلك، لوجب إبدالُ الثانية ألفًا لسكونها وانفتاحِ ما قبلها على ما ذكرناه، وكان يقع المدّغمُ بعدها، فيقال: "آمّة" مثل "عامّةٍ" و"طامَّةٍ"، فلمّا لم يُقَلْ ذلك، دلّ على ما قلناه. وممّا يُؤيِّد أنّ الكسرة نُقلت من الميم الأولى إلى ما قبلها من الهمزة قراءةُ حمزة والكسائيّ ﴿أَئِمَّةَ﴾ على الأصل. فلمّا صار اللفظ إلى "أَئِمَّة"، لزم تخفيف الثانية، وأن تصير بين بين على حدّ قولهم في "سَئِمَ": "سَئيمَ"، إلّا أنَّهم لمّا لم يكن من كلامهم الجمعُ بين همزتَيْن في كلمة واحدة، نكبوا عن جَعْلها بين بين؛ لأنّ في جعلها بين بين ملاحظةَ الهمزة، إذ كانت همزةً في النيّة، فأخلصوها ياءً محضة؛ لأنّ همزةَ بين بين هنا ياءٌ مشوبةٌ بالهمزة. وإنّما رفضوا فيها بقايا الهمزة، فأخلصوها ياءً، فقالوا: "أَيمَّة" على ما ترى.
فأمّا "جاء" فأصله: جائِىءٌ بهمزتين متحرّكتين: الأولى منقلبةٌ عن عين الفعل التي هي ياءٌ في "جاء يجيءُ" انقلبت همزةً للإعلال على حدّ قلبها في "بائعٍ"، وأقائلٍ". والثانيةُ التي هي لام الفعل، فيلزم قلبُ الثانية ياء لانكسارِ ما قبلها. ولم يجعلوها بين بين؛ لِما ذكرناه من أنّ همزة بين بين همزةٌ في النيّة. وهم قد رفضوا الجمع بين همزتين ألبتّة، فقلبوها كما قُلبت همزةُ "آدَمَ" ألفًا؛ لانفتاح ما قبلها، وصارت الياء في "جائِي" عاريةً من آثار الهمزة كياء "قاضي"، كما صارت ألفُ "آدَمَ" عارية من الهمزة كألف "خالد"، و"ضاربٍ".
وكان الخليل (١) يقول: هو مقلوب، كأنّهم جعلوا العين في موضع اللام، وكان فَاعِلاً، فصار "فَالِعًا"، كما قالوا: "شاكِي السلاحِ", وأصله: "شائكُ السلاحِ"، و"لاثٍ" وأصله: "لائثٌ". واطّرد هذا القلبُ عنده فيما كان لامه همزةً، نحو: "جاءٍ"، و"شاءٍ" ونحوه؛ لئلّا يلتقي همزتان، ولا يطّرد عنده في "شاكٍ"، و"لاثٍ"، إذ لم يلتق في آخره همزتان. ومذهب الخليل متينٌ لِما يلزم في قول سيبويه من الجمع ببين إعلالَيْن، وهما قلبُ الياء التي هي عين همزةً، وقلبُ الهمزة التي هي لام ياءً.
وأمّا "خَطَايا"، فإنّه جمعُ "خَطِيئَيةٍ" على طريقةِ "فَعائلَ"، جُمع على الزيادة جَمْعَ الرباعيّ. وأصله: "خَطائِيء" بهمزتين؛ لأنّك همزت ياء "خطيئة" في الجمع كما همزت ياء "قَبِيلَةٍ" و"سَفينَةٍ"، حين قلت: "قَبائِلُ"، و"سَفائِنُ". وموضعُ اللام من "خطيئة" مهموزٌ، فاجتمع همزتان، فقُلبت الثانية ياءً لاجتماع الهمزتين، فصارت "خطَائِيُ"، ثمّ استثقلوا الياء بعد الكسرة مع الهمزة، فأبدلوا من الكسرة فتحةً، ومن الياء ألفًا، كما فعلوا ذلك في "مَدَارى"، و"مَعَايا". وإذا كانوا قد اعتمدوا في "مدارى" و"معايا" ذلك مع عدم
стр. 2219
الهمزة، فهو مع الهمزة أوْلى بالجواز؛ لثقل الهمزة، فصار "خطاءا" بهمزة بين ألفَيْن، وتقديرُه: خطاءا، والهمزةُ قريبة من الألف، فكأنّك جمعت بين ثلاث ألفات، فقلبوا الهمزة ياء، فصار"خَطَايا". وإنّما جعلوها ياء ولم يجعلوها واوًا؛ لأنّ الياء أقربُ إلى الهمزة من الواو، فلم يريدوا إبعادها عن شَبَه الحرفين اللذين اكتنفاها.
وكان الخليل يذهب في ذلك إلى أنّه من المقلوب، وأنّ الهمزة في "خطاءا" بعد الألف هي لام الفعل في الواحد، والألف بعدها هي المدّة في "خطيئة" على نحوٍ من قوله في "جاءٍ".
هذا رأيُ سيبويه (١) في الهمزتين: إذا التقتا في كلمة واحدة، لم يخلُ عن إبدال الثانية؛ وأمّا أبو زيد، فحكى أنّ من العرب من يخفِّف الهمزتين جميعًا، فيقول."آنْتَ قلت". قال: وسمعتُ من العرب من يقول: "اللهمّ اغفرّ لي خطائِئِي" مثلَ "خَطَايَاي"، همزها أبو السمح وردّاد ابن عمّه. وهو قليل في الاستعمال شاذّ في القياس.
وقوله: "وفي القراءة الكوفيّة أَئِمَّةَ"، فإنّه قرأ بذلك عاصمٌ وحمزةُ والكسائيّ من أهل الكوفة، وقرأ بذلك من أهل الشام ابنُ عامر اليَحْصبِيّ. وليس ذلك بالوجه، والحجّةُ لهم في ذلك أنّ الهمزة في حروف الحلق، وقد يجتمع حروفُ الحلق في نحو "اللُعاعَة" و"لَحِحَتْ عينُه"، فكذلك الهمزة. وذلك ضعيف؛ لأنّ حروف الحلق مستثقلةٌ، وثقلُها لاستفالها، وكلُّ ما سفل منها كان أشدَّ ثقلاً، فلذلك فارقت الهمزة أخواتِها، فجاز اجتماعُ العينَيْن والحائَيْن. ولم يجز في الهمزة؛ لأنّها أدخلُ الحروف في الحلق. والذي يدلّ على ضعفه أنّا لا نعلم أحداً حقّق في نحو: "آدَمَ"، و"آخر". وكذلك ينبغي في القياس أن يكون "أيمّة". فإن قيل: "آدَمُ"، الهمزةُ الثانيةُ فيه ساكنةٌ، والثانيةُ في "أئمّة" متحرّكةٌ، والمتحرّكُ أقوى من الساكن، قيل: المتحرّك في هذا ليس بأقوى من الساكن، بل حكمُهما في الاعتلال والقلبِ واحدٌ. ألا تراك تقول في "مِئَر": "مِيَرٌ"، وفي "ذِئْبٍ": "ذِيبٌ"؛ لكسرِ ما قبلهما, ولمَ تكن الحركة مانعةً من الاعتلال، وكذلك "جُوَنٌ" و"لُومٌ". قال. وزعموا أنّ ابن أبي إسحاق كان يحقّق الهمزتين في آناسٍ معه. قال سيبويه (٢): وقد يتكلّم ببعضه العربُ، وهو رديءٌ. هذا نصُّ سيبويه، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: وإذا التقيا في كلمتين جاز تحقيقهما وتخفيف إحداهما بأن تجعل بين بين. والخليل (٣) يختار تخفيف الثانية كقوله تعالى: ﴿فقد جاء
стр. 2220
أشراطها (١). وأهل الحجاز يخففونهما معاً, ومن العرب من يقحم بينهما ألفاً. قال ذو الرمة [من الطويل]:
آأنت أمْ أمُّ سالم (٢)
وأنشد أبو زيد [من الطويل]:
١٢٥٠ - حُزُقٌ إذا ما القوم أبدوا فكاهة ... تفكر آإياه يعنون أم قردا
وهي في قراءة ابن عامر. ثم منهم من يحقق بعد إقحام الألف. ومنهم من يخفف.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّه إذا التقت همزتان في كلمتَيْن منفصلتَيْن، فإنّ أهل التخفيف يخفّفون إحداهما، ويستثقلون تحقيقها، كما استثقل أهلُ الحجاز تحقيقَ الواحدة، إذ ليس من كلام العرب أن تلتقي همزتان فتُحقَّقا، إلّا إذا كانت عينًا مضاعفةً من نحو "رأّاسٍ"، و"سَأالٍ"، إلّا أنّهما في الكلمتَيْن أسهلُ حالاً، وأقلُّ ثقلاً، إذ ليستا بملازمتَين، وقيامُ كلّ
стр. 2221
كلمة بنفسها غيرَ ملتصقة بالأخرى، فلذلك لا تلتقي الهمزتان في كلمة، وقد تلتقيان في كلمتَيْن. فمنهم من يُخفِّف الأُولى ويُحقِّق الآخرة، وهو قولُ أبي عمرو، واستدلّ على ذلك بقوله تعالى: ﴿فقد جا أشراطها﴾ (١)، و ﴿يَا زَكَرِيا إنَّا﴾ (٢). ويُشبِّهون ذلك بالتقاء الساكنين، فإنّ التغيير يقع على الأوّل منهما دون الثاني، كقولك: "ذَهَبَتِ الهِنْداتُ"، و"لم يَقُمِ القومُ".
ومنهم من يُحقِّق الأولى ويُخفِّف الثانية. قال سيبويه (٣) سمعنا ذلك من العرب، وقرأ: ﴿فقد جاء اشراطها﴾ (٤)، و ﴿يا زكريّاء انّا﴾ (٥) يخفف الهمزة الثانية، فيجعلها بين بين، وتحقيقُهما جائز؛ لأنّهما منفصلتان في التقدير، ولا تلزم إحداهما الأخرى. قال الشاعر [من الرمل]:
١٢٥١ - كُلُّ غَرّاءَ إذَا ما بَرَزَتْ ... تُرْهَبُ العَيْنُ عليها والحَسَدْ
أنشده سيبويه بتليين الثانية، وجَعْلها بين بين؛ لأنّها مكسورة بعد فتحة. وممّا يُحتجّ
стр. 2222
في ذلك أنّه لا خلافَ في قولهم: "آدَمُ"، و"آخَرُ"، فوقع التغييرُ والبدلُ في كلمة واحدة على الثانية، فكذلك إذا كانتا في كلمتَيْن.
وأمّا أهل الحجاز فيخفّفون الهمزتين معًا؛ لأنّه لو لم تكن إلّا واحدةً لخُفّفت. قال سيبويه (١): ومن العرب ناسٌ يُدْخلون بين ألف الاستفهام وبين الهمزة ألفًا، وذلك لأنّهم كرهوا التقاء الهمزتين، ففصلوا بينهما بألفٍ، كما قالوا: "اخْشَيْنانِّ"، ففصلوا بألف بين النونات كراهيةَ التقاء هذه الحروف المضاعفة. فأمّا قول الشاعر [من الطويل]:
فَيَا ظَبْيَةَ الوَعْساءِ بين جُلاجِلٍ ... وبين النَّقا آأَنْتِ أَمْ أُمُّ سالِمِ (٢)
البيت لذي الرُّمّة، والشاهد فيه إدخال الألف بين الهمزتين من قوله: "آأَنْت"، كراهيةَ اجتماع الهمزتين، كما دخلت بين النونات في قولهم: "اضْرِبْنَانِّ"، كراهيةَ اجتماعها. والوَغْساءُ: رَمْلَةٌ ليّنةٌ، وجُلاجِلُ: موضعٌ بعينه، ويروى: "حلاحل" بالحاء غير المعجمة. والنَّقا: الكثيبُ من الرمل، وأراد المبالغة في شدّة الشَّبَه بين الظبية والمرأة حتى الْتَبَسَتا عليه، فسأل سؤالَ شاكٍّ. وأمّا البيت الآخر، وهو [من الطويل]:
حزقّ إذا ما القوم ... إلخ
أنشده أبو زيد في نوادره (٣)، قال: أنشدناه الأعرابُ، وأنشده أيضًا الجوهريّ (٤) في كتابه، والشاهد فيه قوله: "آإِيَّاهُ" بإدخال الألف بين همزة الاستفهام، وبين الهمزة التي هي فاءٌ. والحُزُقُّ: القصير الذي يُقارِب الخَطْوَ، كأنّه يهجوه بقصره. يقول: إذا تَفاكهوا، وتَمازحوا، ووصفوا القصير، تفكّر هذا الرجل: هل هو المعنىُّ أم القِرْدُ. وقد قرأ ابن عامر: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ (٥)، وكذلك: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ (٦). ثُم بعد دخول ألف الفصل، منهم من يُحقِّق الهمزتين- وهم بنو تميم- ومنهم من يُخفِّف الثانية، وهم أهل الحجاز، وهو اختيارُ أبي عمرو. فمَن حقّق فإنّما المراد الفرارُ من التقاء الهمزتين، وقد حصل ذلك بالألف. ومن خفّف فلأنّ الثانية بين بين، وهي في نيّة الهمزة، فكرهوا أن لا يُدْخِلوا الألف بينهما؛ لأنّ همزةَ بين بين همزةٌ في النيّة، وأمّا إذا لم يُؤْتَ بألف الفصل، ولم يكن قبل همزة الاستفهام شيء، لم يكن بدٌّ من تحقيق همزة الاستفهام؛ لأنّه لا سبيلَ إلى تخفيف الأوّل؛ لأنّ فيه تقريبًا من السا كن لا يُبتدأ به.
стр. 2223
فصل [اجتماع همزتين أولاهما ساكنة والثانية مفتوحة]
قال صاحب الكتاب: وفي "اقرأ آية" ثلاثة أوجه: أن تقلب الأولى ألفاً، وأن تحذف الثانية وتلقي حركتها على الأولى، وإن تجعلا معاً بين بين وهي حجازية.
* * *
قال الشارح: قد اجتمع في "اقْرَأ آيَةً" همزتان: الأولى ساكنةً، والثانية مفتوحة، فمنهم من يخفّف الأولى بأن يُبْدِلها ألفًا محضةً لسكونها وانفتاحِ ما قبلها على حدّ "راسٍ"، و"فاسٍ"، ويُحقِّق الثانية، فيقول: "اقرَا آيَةً". ومنهم من يُخَفِّف الثانية بأن يُلقِي حركتها على الساكن قبلها، ويحذفها على حد "مَنَ بُوكَ"، و"كَمِ بِلُكَ"، فيقول: "اقْرَ آيَةً". وكان أبو زيد يجيز ادّغام الهمزة في الهمزة، فيقول: "اقْرَ أَيَةً" ويجعلها كسائر الحروف.
وأمّا قول صاحب الكتاب أن تجعلا معًا بين بين، فليس بصحيح، وهو وَهْمٌ؛ لأنّ الأولى ساكنةٌ، والهمزةُ الساكنةُ لا تُجعل بين بين؛ لأنّ معنى جَعْلها بين بين أي بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركتُها. وإذا لم تكن متحرّكة، فلا يصحّ فيها ذلك، مع أنّ الغرض من جَعْلها بين بين تخفيفُها بتقريبها من الساكن. وإذا كانت ساكنة، فقد بلغت الغايةَ في الخفّة، إذ ليس وراءه خفّةٌ. فأمّا لو قلت: "قَرَأَ آيَةً" بتحريكها، جاز أن تُجْعَلا بين بين معًا، وذلك على لغة أهل الحجاز وعلى لغة غيرهم؛ لأنّهما مفتوحتان بخلافِ "اقْرَأْ آيَةً"، فاعرفه.
стр. 2224
ومن أصناف المشترك
التقاء الساكنين
فصل
قال صاحب الكتاب: تشترك فيه الأضرب الثلاثة, ومتى التقيا في الدرج على غير حدهما وحدهما أن يكون الأول حرف لين، والثاني مدغماً، في نحو دابة، وخويصة، وتمود الثوب، وقوله تعالى: ﴿قل أتحاجونا﴾ (١) , لم يخل أولهما من أن يكون مدة أو غير مدة. فإن كان مدة حذف كقولك: "لم يقل"، و"لم يبع"، و"لم يخف" و"يخشى القوم"، و"يغزو الجيش"، و"يرمي الغرض"، و"لم يضربا اليوم"، و"لم يضربوا الآن"، و"لم تضربي ابنك"، إلا ما شذ من قولهم: "آلحسن عندك؟ "، و"آيمن الله يمينك؟ "، وما حكي من قولهم: "حلقتا البطان".
* * *
قال الشارح: التقاء الساكنين ممّا يشترك فيه الأضرب الثلاثة: الاسم، والفعل، والحرف. فالاسمُ نحو قولك "مِنَ الرَّجُل"، "مُذُ اليَوْمُ"، فيمن رفع، و"زيدٌ الظَّرِيفُ"، والفعلُ نحو: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ (٢)، و"ارْدُدِ الجَيشَ"، والحرفُ نحو قولك: "هَلِ الرَّجُلُ في الدار"، و"قَدِ انْطَلَقَ خالدٌ"، ونظائرُه كثيرة، فلذلك ذكره في المشترك.
واعلم أنّ التقاء الساكنين لا يجوز، بل هو غيرُ ممكن، وذلك من قبل أنّ الحرف الساكن كالموقوف عليه، وما بعده كالمبدوء به، ومحالٌ الابتداء بساكن، فلذلك امتنع التقاؤهما.
وقوله: "في الدرج" تحرّزٌ من حال الوقف, لأنه في الوقف يجوز الجمع بين ساكنين، فيكون الوقفُ كالسادّ مسدَّ الحركة كقولك: "قام زَيْدْ"، و"هذا بَكْرْ" وإنّما سدّ الوقفُ مَسدَّ الحركة؛ لأن الوقف على الحرف يُمكِّن جَرْسَ ذلك الحرف ويُوَفِّرِ الصوت
стр. 2225
عليه، فيصير توفير الصوت بمنزلة الحركة له. ألا ترى أنّك إذا قلت: "عَمْرْو" ووقفتَ عليه، وجدتَ للراء من التكرّر وتوفير الصوت ما ليس لها إذا وصلتها بغيره؟ وذلك أنّ تحريك الحرف يُقَلْقِله قبل التمام، ويجتذبه إلى جرس الحرف الذي منه حركتُه. ويؤيّد عندك ذلك أنّ حروف القَلْقلة، وهي القاف والجيم والطاء والباء والدال، لا يستطيع الوقوفُ عليها إلّا بصوت، وذلك لشدّة الحَفْل والضَّغْطِ، وذلك نحو: "الْحَقْ" و"اذهَبْ"، و"اخلِط"، و"اخْرُجْ"، ونحو الزاي والذال والظاء والصاد. فبعضُ العرب أشدُّ تصويتًا. فجميعُ هذه لا يستطيع الوقوفُ عليها إلّا بصوت، فمتى أدرجتَها وحرّكتَها، زال ذلك الصوت, لأنّ أَخْذك في صوت آخرَ وحرفٍ سوى المذكور يشغلك عن إتباعٍ الحرفَ الأوّل صوتًا، فبانَ لك بما ذكرتُه أنّ الحرف الموقوف عليه أتمُّ صوتًا، وأقوى جرسًا من المتحرّك، فسدَّ ذلك مسدّ الحركة، فجاز اجتماعُه مع ساكن قبله.
وقوله: "على غير حدّهما"، يريد أن يُوجَد شرطاهما. والشرطان المرعيّان في اجتماع ساكنين أن يكون الساكن الأوّل حرفَ مدّ ولين، والثاني مدّعْمًا كـ"دابّةٍ"، و"شابَّةٍ"، و"خُوَيْصَّةٍ" تصغيرِ "خاصّةٍ". قلبتَ الألف واوًا، وجئت بياء التصغير ساكنةً، وبعدها الصادُ مضاعفةً، و"تُمُودَّ الثَّوْبُ"، وهو بناءٌ لما لم يُسمّ فاعله من "تَمادَّ الزيدان الثوبَ". وذلك أنّ "فَاعَلَ" يكون من اثنين يفعل كلُّ واحد منهما بصاحبه مثلَ ما يفعل به الآخرُ، إلّا إنّك تُسْنِد الفعل إلى أحدهما كما أنّه له دون الآخر، وتنصب الآخرَ على أنّه مفعولٌ، وتُعرِّيه في اللفظ من الفاعليّة، وإن لم يَعْرَ من جهة المعنى، وذلك نحو: "ضاربتُ زيدًا"، و"قاتلتُ بكرًا". فإذا أدخلتَ تاء المطاوعة، أسندتَ الفعل إليهما على حكم الأصل، وصار الفعل من قبيل الأفعال اللازمة، نحو: "تضارب الزيدان"، و"تقاتل البكران". وهذا النوعُ هو الأكثرُ في الاستعمال، ويجوز أن يكون متعدّيًا إلى مفعول ثان غيرِ الذي يفعل بك مثلَ فَعْلك، نحو: "عاطيتُ بكرًا الكأسَ"، أي: أعطانى كأسًا وأعطيتُه مثلَها، و"فاوَضْتُه الحديثَ"، فيتعدّى إلى المفعولَيْن كما ترى. فإذا أدخلتَ تاء المطاوعة، أسندت الفعل إلى الفاعل والمفعول الأوّل, لأن الفعل لهما في الحقيقة، ويقي المفعول الثاني منصوبًا على حاله، لا حَظَّ له في الفاعليّة، نحو قولك: "تَعاطَينا الكأسَ"، و"تَفاوضنا الحديثَ". قال الشاعر [من الطويل]:
١٢٥٢ - ولمّا تَفاوَضْنَا الحَدِيثَ وأَسْفَرَتْ ... وُجُوهٌ زَهاها الحُسْنُ أن تَتَقَنَّعا
стр. 2226
وإذا عُرفت هذه القاعدة، وتَمهّد الأصلُ، كان قولهم: "تمُودَّ الثوبُ" من "ماددتُ زيدًا الثوبَ"، أي: كلٌّ منهما مَدَّه، ثمّ دخلت تاء المطاوعة، فأُسند الفعل إليهما، وبقي "الثوبُ" منصوبًا على ما تقدّم، وصار الفعل من قبيل الأفعال المتعدّية إلى مفعول واحد. فلمّا بُني لِما لم يسمّ فاعلُه، أسند الفعل إلى الثوب، فقيل: "تُمُودَّ الثوبُ"، كما تقول: "ضُرب زيدٌ"، و"شُتم خالدٌ".
وإنّما ساغ الجمعُ بين ساكنَيْن عند وجود الشرطَيْن، وذلك من قبل أنّ المدّ الذي في حروف المدّ يقوم مقام الحركة، والساكنُ إذا كان مدّغمًا يجري مجرى المتحرّك؛ لأنّ اللسان يرتفع بهما دفعةً واحدةً، فلذلك لا يجوز اجتماعُ الساكنين، إلّا إذا كانا على الشرط المذكور.
فإن لم يكونا على الشرط المذكور، فلا بدّ من تحريك أحدهما، أو حَذْفِه، فإن كان الساكن الأوّل حرفَ مدّ ولين - وهو أن يكون ألفًا أو ياءً ساكنةً قبلها كسرةٌ أو واوًا ساكنةً قبلها ضمّةٌ - فإنّه، إذا لقيها ساكنٌ بعدها، حذفتَها.
فأمّا حذفُ الألف، فقولُك: "لم يَخَفْ"، و"لم يَهَبْ"، والأصلُ: "يَخَافُ"، و"يَهَابُ". فلمّا دخل الجازمُ، أُسْكِن اللام التي هي الفاء والباء، فاجتمعت مع الألف قبلها، فحُذفت لالتقاء الساكنين، إذ لا سبيل إلى تحريكها؛ لأنّ تحريكها يؤدّي إلى ردّها إلى أصلها الذي هو الواو والياء، وردُّها إلى أصلها يؤدّي إلى ثقل استعمالها.
ومن ذلك قولك: "هذه حُبْلَى الرجلِ"، و"مِعْزَى القوم". تحذف الألف لسكونها وسكون لام التعريف. وكان ذلك أولى من أن يقلبوها، فيصيروا إلى ما هو أثقلُ منها، وهو إمّا الواو أو الياء، فحذفوا حين أمنوا الإلباسَ.
ومن ذلك قولهم: "رَمَتْ"، سقطت الألفُ لسكونها وسكون تاء التأنيث بعدها، كما حذفوها في "حبلى الرجل".
стр. 2227
وقالوا: "رَمَيا"، و"غَزَوَا" فقلبوا, ولم يحذفوا؛ لئلّا يلتبس الاثنان بالواحد، فكأنّ احتمال ثِقَلِ ردّهما إلى الأصل أسهلُ من اللبس. وكذلك قالوا: "حُبْلَيانِ"، و"ذِفْرَيانِ"، فقلبوا لالتقاء الساكنين إذ لو حذفوا، فقالوا: "حُبْلانِ"، و"ذِفْرانِ" لالتبس بما ليس للتأنيث. وربّما التبس الاثنان بالواحد في حال الإضافة، لأنّك تحذف النون للإضافة، فتقول: "حُبْلا زيدٍ"، و"ذِفْرا البعير".
وأمّا حذف الياء، فنحو قولك: "لم يَبعْ"، و"لم يَصِرْ"، والأصلُ. "يَبِيعُ"، و"يَصِيرُ"، فحذفوا الياء لسكون اللام للجزم. وكذلك تحذفها في الوقف، نحو قولك: "بعْ"، و"صِرْ". وقالوا في المنفصل: "هو يَرْمِى الرجلَ ويقضي الدَّيْنَ" , بحذف الياء أيضًا لسكونها وسكون لام المعرمة بعدها. ولم يحرّكوها، إذ تحريكُها لا يخلو إمّا أن يكون بالكسر، أو بالضمّ، أو بالفتح، فلا يجوز فيها الكسرُ، وهو أصل حركةِ التقاء الساكنين؛ لأنّ الكسرة تُستثقل على الياء المكسور ما قبلها، كما كرهوا ذلك في "مررت بقاضِيِك"، وكذلك الضمُّ لا يسوغ فيها؛ لأنّها قد صارت بمنزلةِ "هذا قاضِيُك". ولا يجوز الفتحُ؛ لأنّه يلتبس بالنصب. فلمّا امتنعت الحركةُ فيها، وجب الحذفُ.
فأمّا حذفُ الواو المضموم ما قبلها، فنحوُ: "لم يَقُمْ"، و"لم يَقُلْ"، والأصل: "يَقُومُ"، و"يَقُولُ"، فلمّا سكنت أواخرُهما للجزم، التقى في آخِرهما ساكنان: الميم والواو قبلها في "يَقُومْ"، واللام والواو في "يَقُولْ"، فحُذفت الواو لالتقاء الساكنين على ما ذُكر في الياء. وتقول في المنفصل: "يَغْزُو الجَيْشُ"، و"يَدْعُو اللهَ"،، فحذفت الواو للساكنَيْن، ولم يحرّكوها: استثقلوا الكسرة فيها، كما استثقلوها في الياء المكسور ما قبلها. وكذلك الضمّة، فلم يقولوا: "يَغزُوُ الجَيْشُ"، و"لا يَغْزُوِ" بالكسر، كما لم يقولوا: "يَرْمِيُ الغَرَضَ"، ولا "يَرْمِيِ" بل هو ها هنا أوْلى؛ لأن الواو أثقلُ من الياء. وكذلك "لم يضربَا القوم"، و"لم يضربوا الآنَ"، و"لم تضربي ابْنَك"، حُذفت النون للجزم، ثم دخل الساكنُ بعدها من كلمة أخرى، فحُذفت الألف والواو والياء لالتقاء الساكنين، وتعذُّرِ التحرّك للثقل، ولم يقع لبسٌ مع الحذف.
وقوله: "إلّا ما شذّ من قولهم: "آلحَسَنُ عندك؟ "، و"آيْمُنُ الله يَمِينُك" , و"حَلْقَتَا البِطانِ""، يريد أنّه قد التقى ساكنان فيها لا على الحدّ المذكور، فهو شاذّ في القياس. والذي سوّغ ذلك أنّهم لو حذفوا، وقالوا: "ألحسن عندك"، و"أَيْمُنُ الله"، لالتبس الاستخبارُ بالخبر. ووجهُ ذلك أنّهم استغنوا بأحد الشرطين، وهو المدّ الذي في الألف.
وأمّا "حلقتا البطان"، فالقياس حذفُ الألف لالتقاء الساكنين، كما حذفوها في قولك: "غُلاما الرجل"، وكأنّ الذي سوّغ ذلك إرادة تفظيع الحادثة بتحقيق التثنية في اللفظ. والبِطانُ للقَتَب، وهو الحِزام الذي جُعل تحت بطن البعير، وفيه حَلْقتان، فإذا
стр. 2228
التقتا دلّ على نهاية الهُزال، وهو مَثَل (١) يُضْرَب في الأمر إذا بلغ النهايةَ، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: وإن كان غير مدة فتحريكه في نحو قولك لم أبله، واذهب اذهب، ومن ابنك، ومذ اليوم، و ﴿آلميم الله﴾ (٢)، و ﴿لا تنسوا الفضل﴾ (٣)، و"اخشو الله"، واخشى القوم، ومصطفى الله، و ﴿لو استطعنا﴾ (٤)، ومنه قولك الاسم والابن والانطلاق والاستغفار؛ أو تحريك أخيه في نحو قولك انطلق ولم يلده ويتقه ورد، ولم يرد، في لغة بني تميم. قال [من الطويل]:
وذي ولد لم يلده أبوان (٥)
* * *
قال الشارح: فإن كان الساكن الأوّل غيرَ مدّة، فإنّك لا تحذفه، بل تُحرِّك الثاني. فمنه ما يحرَّك بالكسر لا غير، ومنه ما يجوز تحريكُه بغير الكسر، فممّا لا يُحرَّك إلّا بالكسر قولهم: "لم أبَلِة"، فأصله: " أُبالِي"، فحُذفت الياء للجزم، فبقي "أُبالِ" بكسر اللام، ثمّ لمّا كثُر في الكلام، لم يعتدّوا بذلك المحذوف الذي هو الياء، فحُذفت الحركةُ أيضًا للجزم. ومثله [من الرجز]:
١٢٥٣ - قالت سُلَيْمَى اشْتَرْ لنا دَقِيقًا ... [وهاتِ خُبْزَ البُرِّ أو سَويقا]
стр. 2229
فصار "لم أُبَال" بسكون اللام، فالتقى ساكنان: الألف، واللام، فحُذفت الألف لالتقاء الساكنين، فبقي "لم أُبَلْ"، ثمّ أدخلوا هاء السكت لتوهُّم الكسرة في اللام، فالتقى ساكنان، وهما الهاء واللام، فكُسرت اللام لالتقاء الساكنين، فصار: "لم أُبَلِهْ". ولم يردّوا الألف المحذوفة؛ لأنّ الحركة عارضةٌ كالتي في "لم يَقُمِ الرجل".
وقالوا: "اذْهَب اذْهَبْ"، فكسروا الباء لسكونها وسكون الذال بعدها, لأنّ همزة الوصل تسقط في الَوصل. ومثلُه "اضْرِبِ الرجلَ"، و"اضْرِبِ ابْنَكَ"، و ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدُنِ اللَّهُ﴾ (١).
وقالوا: "مِنِ ابْنكَ" فكسروا لالتقاء الساكنين. وقالوا: "مِنَ الله"، و"مِنَ الرَّسُول" ففتحوا. وذلك أنّه كثُر هذا الحرفُ وما فيه الألفُ واللامُ، فكرهوا كسر النون، فتتوالى كسرتُهِا مع كسرة الميم فيما يكثر استعماله، فعدلوا إلى الفتح طلبًا للخفّة، كما فحلوا ذلك في "أيْنَ"، و"كَيْفَ".
والذي يدلّ على صحّةِ ما قلنا في أنّ الفتح إنّما كان لمجموع ثقلِ توالي الكسرتين مع كثرة الاستعمال أنّهم قالوا: "انصرفت عَنِ الرَّجُل"، فكسروا النون، إذا لم يكن قبلها مكسورٌ، وقالوا: "إنِ اللَّهُ أمكنني فعلتُ"، فكسروا نونَ "إنْ"، وإن كانت على صورةِ "مِنْ" في انكسار الأوّل، ولم يبالوا الثقل لقّلةِ ذلك في الاستعمال. ومن العرب من يقول: "مِنِ الله" فيكسر، ويُجْريه على القياس، ومنهم من يقول: "مِنَ ابْنِك" فيفتح النون على حدِّ "مِنَ الله" و"مِنَ المؤمنين".
قال سيبويه (٢): وقد فتح قومٌ من الفصحاء، فقالوا: "مِنَ ابنك". والكسرُ عند سيبويه أكثرُ (٣) , لأنّ ألف الوصل في غير لام التعريف لم يكثر، فإذًا الفتح في "مِنَ الرجل" شاذّ في القياس دون الاستعمال، وهو في "مِنَ ابْنك"، و"مِنَ امْرءٍ"، شاذّ في الاستعمال والقياس جميعًا.
وقالوا: "مُذُ اليَوْمُ"، و"مُدْ" تكون اسمًا، وتكون حرفًا، وقد تقدّم الكلام عليها. وهي مبنيّةٌ على السكون على أصلِ ما يقتضيه البناء، فلمّا لَقِيَه ساكنٌ بعده، وجب تحريكه لالتقاء الساكنين، فكُسر على أصل التقاء الساكنين، ومنهم من يضمّ. وفيه وجهان:
стр. 2230
أحدهما أنّه إتباعٌ لضمّة الميم، وإذا كانوا قد قالوا: "مُنْذُ" فأتبعوا مع وجود الحاجز، فلأن يتبعوا مع عدمه كان أولى. والوجه الثاني أنّ "مُذْ" منتقصٌ من "مُنْذ"، كما كانت "رُب" منتقصة من "رُبَّ". وقد كانت الذال في "مُنْذُ" مضمومة، فلمّا اضطُرّ إلى تحريك الذال في "مُذْ"، حركها بالحركة التي كانت لها في الأصل، وهي الضمّة. وأمّا قوله تعالى: ﴿أَلِفْ لاَمْ مِيمَ اللَّهُ﴾ (١)، فحُرّك بالفتح. شذّ هذا الحرفُ عن القياس، كما شذّ قولهم "مِنَ الرجلين"، و"مِنَ المؤمنين". وكان الأخفش يجيز فيه الكسر على ما يقتضيه القياس، ولم يرَه سيبويه (٢). ووجهُ الفتح فيه التقاء الساكنين: الميم واللامِ الأولى "من الله". ولم يكسروا؛ لأنّ قبل الميم ياءً، وقبل الياء كسرةً، فكرهوا الكسر فيها، كما كرهوا الكسر في "أَيْنَ"، و"كَيفَ"، والثقلُ في الميم أبلغُ لانكسارِ ما قبل الياء.
وأمّا الواو والياء إذا كان ما قبلهما مفتوحًا، فإنّك لا تحذفهما للساكن بعدهما، بل تُحرّكهما. وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (٣) و"اخشوا الله" و"اخشى القوم". وإنّما لم يحذفوهما، وإن كانا حرفَيْ علّة؛ لأنّهم لو أسقطوهما لاجتماع الساكنين، لأوقع حذفُهما لَبْسًا، لأنّك إذا قلت: "اخشَوْا زيدًا"، ثمّ قلت: "اخشوا القوم"، فلو أسقطتَ الواو للساكن بعدها, لبَقيت الشينُ مفتوحةً وحدها، فكان يلتبس خطابُ الجمع بالواحد، وكذلك تقول للواحدة المؤنّثة: "اخْشَيْ زيدًا"، ثمّ تقول "اخشي القومَ". فلو أخذتَ تحذف الياء للساكن بعدها، التبس خطابُ المؤنّث بالمذكّر. وليس الأمرُ في الواو المضموم ما قبلها والياء إذ انكسر ما قبلها كذلك، فإنّه لا يقع بحذفهما لبسٌ، مع أنّ الثقل الكائن بالحركة في الواو المضموم ما قبلها، والياء المكسور ما قبلها أبلغ، فانضاف إلى اللبس الخفّةُ، فلذلك حُرّكت، ولم تُحذف.
فأمّا الواو المفتوح ما قبلها، فإنّها إذا كانت اسمًا, ولَقِيَها ساكنٌ بعدها فإنّها تُحرّك بالضمّ، نحوَ. ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾، و"اخشَوُا الله" و"رَمَوُا ابْنَكَ". وما كان من ذلك حرفًا من نفس الكلمة، فإنّه يُحرَّك بالكسر، نحو: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾ (٤)، ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى﴾ (٥). وذلك للفرق بينهما. هذا نصُّ الخليل. وقال غيره: إنّما اختاروا الضمّ فيما كان اسمًا, لأنّه قد سقط من قبل الواو حرفٌ مضمومٌ كان الأصل في ﴿وَلَا تَنْسَوُا﴾ (٦)؛ و"لا تنسَيُوا"، وفي "اخْشَوْا": "اخشَيُوا"، وفي "رَمَوْا": "رَمَيُوا". وإنما لمّا تحرّكت الياء، وانفتح ما قبلها، قُلِبَتْ ألفًا، ثم حُذفت الألف لسكونها وسكون واو الجمع بعدها. فلمّا احتيج إلى تحريك الواو، حرّكوها بالحركة المحذوفة، وكانت أَوْلى من اجتلابِ حركة
стр. 2231
غريبة. فأمّا إذا كانت من نفس الكلمة، حرّكوها بالكسر على أصل التقاء الساكنين، إذ لم يكن ثم حركةٌ محذوفةٌ تُحرَّك بها.
وقد كسر قومٌ الواو إذا كانت اسمًا، فقالوا: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ﴾ (١) حملاً على الحرف الأصليّ، وضمّ قومٌ الحرفَ، فقالوا ﴿وأن لَوُ استقاموا﴾ (٢) تشبيهًا لها بالاسم، وذلك قليل.
وكذلك الياء المفتوحُ ما قبلها إذا كانت اسمًا كُسرت، كأنّهم جعلوا حركتَها منها، كما جعلوا حركةَ الواو منها. وعلى القول الآخر حرّكوها بحركة الحرف المحذوف قبلها، إذ الأصلُ في "اخْشَيْ": "اخْشَيِي"، كما قلناه في الواو.
فأمّا الواو في "مُصْطَفَوْنَ"، فمُشبَّهة بالواو في "اخْشَوْا"، و"رَمَوْا"؛ لأنّها زائدة مثلُها تفيد الجمعَ كما كانت في "اخشوا"، و"رموا" كذلك، فثبتت، ولم تُحذف؛ لئلّا يلتبس الجمعُ بالواحد، ألا تراك لو أخذت تحذف الواو لالتقاء الساكنين، لالتبس بالواحد في "مُصْطَفَى اللهِ"؟ وحُرّك بالضمّ كما حرّك في "رَمَوُا القومَ". وكذلك الياء تُكسر لالتقاء الساكنين، فتقول: "مصطفَيِ الله" حملاً على "اخشَىِ الله"، فاعرفه.
قال: "ومن ذلك الابْن، والاسْم، والانْطِلاق، والاسْتغفار"، يريد وممّا حُرّك الأوّل فيه للساكن بعده بالكسر، وذلك أنّ الأوّل من "ابن"، و"اسم" ساكنٌ، ودخلت همزةُ الوصل توصّلاً إلى النطق بالساكن. فلمّا دخلت عليه لامُ التعريف، استُغني عن همزة الوصل، فحذفوها، فالتقى ساكنان: اللام التي للتعريف وفاء الكلمة، فحُرّكت اللام بالكسر. وكذلك "الانطلاق"، و"الاستغفار".
وقوله: "أو تحريك أخيه"، يريد الساكن الثاني، فإنّ الغرض الانفصالُ من التقاء الساكنين. وكما يحسن ذلك بتحريك الأوّل، كذلك يحسن بتحريك الثاني، والأوّلُ هو الأصل، ومقتضَى القياس، فلا يُعْدَل عنه إلّا لعلّةٍ. وإنّما قلنا: إِنّ الأصل تحريك الأوّل من قِبَل أن سكون الأوّل منع من الوصول إلى الثاني، فكان تحريكه من قبيل إزالة المانع، إذ بتحريكه يُتوصّل إلى النطق بالثاني، وصار بمنزلة ألفات الوصل التي تدخل متحرّكةً توصُّلاً إلى النطق بالساكن بعدها.
فأمّا قولهم: "أَيْنَ" و"كَيْفَ"، فمعدولٌ بهما عن القياس بتحريك الساكن الثاني دون الأوّل لمانع، وذلك أنّا لو حرّكنا الأوّل، وهو الياء في "أين" و"كيف"، لانقلبت ألفًا؛ لْتحرُّكها وانفتاحِ ما قبلها على حكم التصريف، إذ الحركة تقع لازمةً. ولو قُلبت ألفًا لزم تحريك النون لسكونها، وسكون الألف قبلها. فلمّا كان يؤدّي تحريكُ الأوّل إلى تغيير بعد تغيير، حرّكوا الثاني من أوّل الأمر، واستغنوا بذلك عن تحريك الأوّل.
стр. 2232
وكذلك "مُنذُ" حرّكوا الثاني منهما؛ لأنّهم لو حرّكوا الأول لذهب وزنُ الكلمة، فلا يُعْلَم هل هو ساكنُ الوسط، أو متحرّك؟ لأنّ اجتماع الساكنين في كلمة واحدة يقع لازمًا.
ومن ذلك "رجلانِ" و"غلامانِ"، و"مسلمونَ"، و"صالحون"، حرّكوا فيها الساكن الثاني دون الأول، إذ كان تحريك الأوّل منهما ممتنعًا. وكذلك عدلوا عن تحريك الأوّل فيما ذكره من قولهم في الأمر: "انْطَلْقَ يا زيدُ" والأصلُ: انْطَلِقْ، فشبّهوا "طَلِقْ" منه "بكَتِفٍ"، فأسكنوا اللام على حدّ إسكان "كَتْفٍ"، فالتقى ساكنان، ففتحوا القاف، وأتبعوها حركةَ أقربِ المتحرّكات إليها، وهو فتحةُ الطاء، ولم يُحرِّكوا اللام, لأنّه يكون نقضًا لغرضهم فيما اعتزموه من التخفيف، وكذلك قول الشاعر [من الطويل]:
أَلَا رُبَّ مَوْلُودٍ وليس له أَبٌ ... وذي وَلَدٍ لم يَلْدَهُ أَبَوانِ (١)
والأصل: "يَلِدْهُ" بكسر اللام، فشبّهوه أيضًا بـ "كَتِف"، فأسكنوا اللام، ثمّ فتحوا الدال على ما تقدّم. ومن ذلك قوله تعالى في قراءة حَفْص. ﴿ويخش الله ويَتَّقْه﴾ (٢) بإسكان القاف، وكسر الهاء. وذلك أنّ الأصل: "يَتَّقِي"، فجزم بحذف الياء، ثمّ أدخلوا هاء السكت، فصار "يَتَّقهْ" بكسر القاف، وسكون الهاء، فشُبّه "تَقِهْ" منه بـ"كتف" على ما ذكرنا، فأُسكنت القافُ، فالتقى ساكنان: القاف والهاء، فكُسرت الهاء.
ومن ذلك "رُدَّ" في الوقف، و"لم يَرُدَّ" في الجزم، فإنّ بني تميم وغيرهم من العرب ما خلا أهل الحجاز يدّغمون هذا النوع, لأنّهم شبّهوه بالمعرب المرفوع والمنصوب، نحو: "هو يَرُدُّ"، و"لن يَرُدّ"، وكلُّ العرب تدّغم هذا المعرب. ووجهُ الشبه بينهما أنّهم رأوا آخِرَ "اردُدْ"، ونحوه تتعاقب عليه الحركاتُ للبناء، كما تتعاقب حركاتُ الإعراب على آخِر المعرب. فلمّا رأوه مثلَه في التحريك، ادّغموه. وذلك قولهم: "ازدُدِ القومَ"، و"ارْدُدِ ابْنَك"، و"ردَّنَّ زيدًا"، و"رُدُّنْ يا رجال". وحيث ادُّغم، وجب تحريكُ الآخِر لالتقاء الساكنين، ولم يحرّكوا الأولِ، لِما أرادوه من التخفيف بالادّغام، فلو حرّكوا الأوّل لبطل الادّغامُ، وانتقض الغرضُ من الادّغام.
فصل [الأصل فيما حُرِّك من الساكنين الملتقيين]
قال صاحب الكتاب: والأصل فيما حرك منهما أن يحرِّك بالكسر، والذي حُرّك بغيره فلأمر، نحو ضَمِّهم في نحو: و ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ﴾ (٣) , و ﴿عذابن
стр. 2233
اركض﴾ (١) و ﴿عيونن ادخلوها﴾ (٢) للإتباع, وفي نحو "اخشوا القوم" للفضل بين واو الضمير وواو لو. وقد كسرها قوم كما ضم قوم واو "لو" في ﴿لو استطعنا﴾ (٣) تشبيهاً بها. وقريء ﴿مريبن الذي﴾ (٤) بفتح النون هرباً من توالي الكسرات.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ الأصل في كلّ ساكنَيْن التقيا أن يُحرَّك الأول منهما بالكسر، نحو: "بغَتِ الأمةُ"، و"قامتِ الجارية". ولا يُعْدَل عن هذا الأصل إلّا لعلّةٍ. وإنّما وجب في التقاء الساكنين التحريكُ بالكسر لأمرَيْن:
أحدهما: أنّ الكسرة لا تكون إعرابًا إلّا ومعها التنوين، أو ما يقوم مقامه من ألفٍ ولامٍ أو إضافةٍ، وقد تكون الضمّة والفتحة إعرابين، ولا تنوينَ يصحبهما، فإذا اضطُررنا إلى تحريك الساكن، حرّكناه بحركةٍ لا يُتوهّم أنّها إعرابٌ، وهي الكسرة.
والأمر الثاني: أنّا رأينا الجزم مختصًّا بالأفعال، فصار الجزمُ نظيرَ الجرّ من حيث كان كلُّ واحد منهما مختصًّا بصاحبه، فإذا اضطُررنا إلى تحريك الساكن حرّكناه بحركة نظيره، وهي الكسرُ. وأيضًا فإنّا لو حرّكنا الأفعالَ المجزومةَ، أو الساكنةَ عند ساكنٍ يلقاها بالضمّ أو الفتح، لتُوهّم فيه أنّه غيرُ مجزوم؛ لأن الرفع والنصب من حركات إعراب الأفعال. ولا يُتوهم ذلك إذا حُرّك بالكسر, لأنّ الجرّ ليس من إعراب الأفعال. هذا هو القياس، وربّما عدلوا عنه لأمرٍ، فمن ذلك ضمُّهم في نحو: ﴿قالتُ اخرج﴾ (٥)، و ﴿عذابِنُ ارْكضْ﴾ (٦) و ﴿عيونِنُ ادْخلوها﴾ (٧)، و ﴿قُلُ انْظُرُوا﴾ (٨) كل ذلك للإتباع.
стр. 2234
وذلك أنّه أتبع ضمّة التاء في "قَالَتْ" ضمّةَ الراء في "اخْرُجْ"، إذ ليس بينهما حاجزٌ إلّا حرفٌ ساكنٌ. وكذلك ﴿عذابنُ اركض﴾ أتبع التنوين حركةَ الكاف، إذ ليس بينهما إلّا الراء الساكنة. وكذلك ﴿أَوُ انْقُصْ﴾ (١) إلّا أنّ الضمّ هنا من وجهَيْن أحدهما من حيث جاز و ﴿عذابنُ اركض﴾، والآخرُ التشبيهُ بواو الضمير على حدِّ: ﴿لَوُ اسْتطعنا﴾ (٢). ألا ترى أنّ الضمّ قد جاز في ﴿لو استطعنا﴾ وإن كانت التاء بعد السين مفتوحة.
ويجوز في هذا كلّه الكسرُ على الأصل، وقد قُرىء به في نحو: ﴿قالتِ اخرج﴾، ﴿وعيوننِ ادخلوها﴾ ﴿وعذابنِ اركض﴾. وكان أبو العبّاس لا يستحسن الضمّ في هذا؛ لأنّ فيه خروجًا من كسر إلى ضمّ، وذلك مستثقلٌ في لغتهم، معدومٌ في كلامهم. وليس كذلك ﴿قُلُ انْظروا﴾، و ﴿أَوُ انُقصْ﴾ (٣). فأمّا "اخشُوا القوم" فالضمُّ فيها للفصل بينها وبين الواو في "لَوْ"، و"أَوْ"، ونحوهما ممّا هو حرف، على ما تقدّم في هذا الفصل. وأمّا قوله تعالى: ﴿مُرِيبِنَ الَّذِي جَعَلَ﴾ (٤)، فقراءةُ الجماعة بكسر التنوين لالتقاء الساكنين، وقد قرئ ﴿مريبن الذي﴾ بفتح النون كأنّه كره توالي كسرتَيْن، ففتح على حدِّ ﴿مِنَ المؤمنين﴾ (٥)، ومِنَ الرّسول، فاعرفه.
[تحريك المشدَّد الآخر عند التقاء الساكنين]
قال صاحب الكتاب: وقد حركوا في نحو "رُدَّ", و"لم يردَّ يردِّ يردُّ" بالحركات الثلاث، ولزموا الضم عند ضمير الغائب، والفتح عند ضمير الغائبة, فقالوا رده وردها، وسمع الأخفش ناساً من بني عقيل يقولون "مُدّهِ", و"عَضِّهِ" بالكسر. ولزموا فيه الكسر عند ساكن يعقبه, فقالوا: "رُدِّ القوم" ومنهم من فتح, وهم بنو أسد. فقال [من الوافر]:
١٢٥٤ - فغُضَّ الطَّرف إنك من نمير ... [فلا كعبا بلغت ولا كلابا]
стр. 2235
وقال [من الكامل]:
ذُمَّ المنازل بعد منزلة اللوى (١)
وليس في "هَلُمَّ" إلا الفتح.
* * *
قال الشارح: أمّا "رُدَّ" و"لم يَرُدّ"، فقد اجتمع فيه ساكنان، الحرفُ الأوّلُ المدّغَمُ ساكنٌ، والثاني المدّغَمُ فيه أيضًا ساكنٌ للجزم في "لم يَرُدّ" أو للوقف في "رُدّ"، فلمّا التقى في آخِره ساكنان، وجب تحريك الثاني لالتقاء الساكنين، فمنهم من يُتْبع حركة المدّغَم فيه ما قبله، في قوله: "رُدُّ" بالضمّ، وكذلك تقول: "فِرِّ" بالكسر, تُتْبع الكسر الكسر، وتقول: "عَضَّ" فتُتْبع الفتح الفتح. ومنه قوله تعالى. ﴿لَا تُضَآرَّ﴾ (٢) بالفتح، أتبعوا الفتح الفتح الذي قبله وصوتَ الألف, لأنّه مجزوم بالنهي. وقُرىء: ﴿لَا تُضَارِّ﴾ بالكسر (٣) على أصل التقاء الساكنين. وأمّا أهل الحجاز فيقولون في النهي. "ولا تُضارر". فأمّا على مُخرَج الخبر ومعنى النهى، فتستوي فيه اللغتان في الادّغام؛ نحو" لا تُضارُّ" بالرفع.
فإذا اتّصل بجميع ذلك هاء ضمير المؤنّث، فتحوا جميعًا، فقالوا: "رُدَّهَا". وكذلك ضميرُ المذكّر إذا اتّصل بشيء منه، ضمّوا فقالوا: "ردُّهُو"؛ لأنّ الهاء خفيّةٌ, ولم يعتدّ بوجودها، فكأنّ الدال قد ولي الألفَ والواوَ، نحو: "رُدَّا"، و"رُدُّوا". فكما أنّ الألف لا يكون ما قبلها إلّا مفتوحًا، والواوُ الساكنة التي هي مدّةٌ لم يجز فيما قبلها إلّا الضمُّ،
стр. 2236
كذلك مع الهاء لِما ذكرناه من خفائها. قال أبو عليّ: وهذا يدلّ على أنّ قول من قال:"عليهِ مالٌ"؛ أوجهُ من قوله من قال: "عليهِي مالٌ" لأنّ الهاء خفيّةٌ كالساقط، فكأنّك جمعتَ بين ساكنين، وهما الياءان.
فأمّا إذا لقيه ساكنٌ بعده، نحو: "رُدّ الرجلَ"، و"فلِّ الجَيْشَ"، فالكسرُ دون الوجهَين الآخرَين؛ لأنّه لمّا كان الكسر جائزًا لالتقاء الساكنين في الكلمة الواحدة، ثمّ عرض التقاؤُهما من كلمتَيْن، قوي سببُ الكسر، وصار الجائز واجبًا لقوّة سببه. قال جرير [من الوافر].
فَغض الطَّرْفَ إنّك من نُمَيرٍ ... فلا كَعْبًا بَلَغْتَ ولا كِلابا
ومنهم من يفتحه مع الألف واللام، قال أبو عليّ: كأنّه ردّه إلى الأصل، كأنّه قال: "غُضَّ" ثمّ ألحقه الألفَ واللامَ، قال جرير [من الكامل]:
ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوى ... والعَيْشَ بعدَ أولئك الأيّامِ (١)
الشاهد فيه الفتح مع الألف واللام، والمعنى أنّه يتأسف على منزله باللوى وأيّام مضتْ له فيه، وأنّه لم يَهْنِئْه بعد تلك الأيّام عيشٌ، ولا راقَ له منزلٌ.
وقوله: وأمّا "هَلُمَّ" فليس فيها إلّا وجهٌ واحدٌ، وهو الفتح، وذلك قول الجميع لأنّها مركّبة من "ها"، و"لُمَّ"، وسُمّي بها الفعل، فمُنعت من صرف الأفعال، فلذلك لم يجز فيها ما جاز في غيرها من الأفعال، فاعرفه.
فصل [لغة في التخلّص من التقاء الساكنين]
قال صاحب الكتاب: ولقد جد في الهرب من التقاء الساكنين من قال "دأبة", و"شأبةٌ"، ومن قرأ: ﴿ولا الضألين﴾ (٢) , ﴿ولا جأنٌ﴾ (٣). وهي عن عمرو بن عبيد, ومن لغته النقر في الوقف علي "النقر".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ من العرب من يكره اجتماعَ الساكنين على كلّ حال، وإن كانا على الشرط الذي يجوز فيه الجمعُ بين ساكنين من نحو"دابَّةٍ"، و"شابَّةٍ"، فيُحرِّك الألف
стр. 2237
لالتقاء الساكنين، فتقلَب همزةً؛ لأن الألف حرفٌ ضعيفٌ واسعُ المَخْرَجِ، لا يحتمل الحركةَ. فإذا اضطُرّوا إلى تحريكه، قلبوه إلى أقرب الحروف إليه، وهو الهمزة. والهمزةُ حرفٌ جَلْدٌ يقبل الحركةَ. فمن ذلك ما يُحْكَى عن أيّوب السِّخْتِيانيّ من أنّه قرأ: ﴿ولا ضَأَلِّينَ﴾ (١)، فهمز الألفَ وفتحها, لأنّه كره اجتماعَ الساكنين: الألِف واللام الأولى. ومن ذلك ما حكاه أبو زيد عنه في قولهم: "شَأبَّةٌ"، و"دَأَبَّةٌ". وأنشد [من الرجز]:
يا عَجَبًا لقد رَأَيْتُ عَجَبا
حِمارَ قَبّانٍ يَسُوقُ أَرْنَبا
خاطِمَها زَأَمَّها أَنْ تَذْهَبا (٢)
يريد: زامَّهَا، لكنّه لمّا حرّك الألف إذ لا يسوغ في الشعر الجمعُ بين ساكنين قَلَبَها همزةً، وعن أبي زيد قال سمعتُ عمرو بن عُبَيْد يقرأ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ (٣) فظننتُه قد لحن حتى سمعتُ العرب تقول: "شَأَبَّةٌ". ومن ذلك قول الشاعر [من الطويل]:
١٢٥٥ - وبَعْدَ بَياضِ الشَّيْبِ من كلّ جانبٍ ... عَلا لِمَّتِي حتّى اشْعَأَلَّ بَهِيمُهَا
стр. 2238
يريد: "اشْعَالَّ"، وهو كثيرٌ. قال أبو العبّاس: قلتُ لأبي عُثْمان: أَتَقِيسُ ذلك؟ قال لا, ولا أقبلُه. وقوله: "ولقد جدّ في الهرب" يريد بالَغَ في الفرار من التقاء الساكنين؛ لأنّه قلب الحرفَ الذي لا يمكن تحريكُه، إلى حرفٍ يمكن تحريكُه، ثمّ حرَّكَ. وعمرو بن عُبَيْد كان من رؤساء المُعتَزِلة، كان فصيحًا عفيفًا، وهو الذي قيل فيه [من مجزوء الرمل]:
كُلُّكُمْ يَمْشِي رُوَيدْ
كُلُّكُمْ يَطلُبُ صَيْدْ
غيرَ عَمْرِو بنِ عُبَيْدْ (١)
وقوله: "ومَنْ لغتُه النَّقُرْ" في الوقف على "النَّقْر""، يريد أنّ من يُحوِّل الحركة في نحو: "هذا النَّقْر"، و"عَمْرُو"، و"البَكْرُ" من اللام إلى العين، يفرّ من التقاء الساكنين، وإن كان جائزًا، كما يفرّ منه في ﴿وَلاَ الضَأَلِّينَ﴾ (٢)، و"ابْيَأَضَّ" و"ادْهَأمَّ" فاعرفه.
فصل [تحريك نون "مِنْ" و"عَنْ" إذا تلاها ساكن]
قال صاحب الكتاب: وكسروا نون "من" عند ملاقاتها كل ساكن سوى لام التعريف, فهي عندها مفتوحة. تقول: "من ابنك", و"من الرجل". وقد حكى سيبويه (٣) عن قوم فصحاء: "من ابنك" بالفتح, وحكي في "من الرجل" الكسر، وهي قليلة خبيثة. وأما نون "عن" فمكسورة في الموضعين. وقد حكي عن الأخفش: "عن الرجل" بالضم.
* * *
قال الشارح: أمّا نونُ "مِنْ"، فحكمُها الكسر على ما يقتضيه القياسُ، فتقول: "أخذتُ مِنِ ابنك"، و"مِنِ امْرئ القيس"، و"منِ اثْنين"، غيرَ أنّهم قالوا: "مِنَ الرجل"، و"مِنَ الله"، و"مِنَ الرسول"، ففتحوا مع لام المعرفة، وعدلوا عن قياس نظائره. وذلك لأنّه كثُر في كلامهم هذا الحرفُ، وما فيه الألف واللام من الأسماء كثيرٌ, لأن الألف واللام تدخلان على كلّ منكور، فكرهوا كسرَ النون مع كسرة الميم قبلها، فتتوالى كسرتان مع الثقل، فعدلوا إلى أخفّ الحركات، وهي الفتحة.
وممّا يؤيّد عندك أنّ الكسرة لها أثرٌ فيما ذكرناه، أنّهم كسروا ما لم يكثر ممّا هو على صورته، كقولك: "إنِ اللهُ أمكنني من فلان فعلت"، و"عِدِ الرجلَ"، و"صِلِ ابْنَك"،
стр. 2239
فجاؤوا بذلك على الأصل، لأنّه لم يكثر في كلامهم كثرة الأوّل. وحكى سيبويه عن قوم فصحاء "مِنَ ابنك" بالفتح، كأنّهم اعتبروا ثقلَ توالي كسرتَيْن، وأجروها مجراها مع لام المعرفة. وحكوا أيضًا: "مِنِ الرجل"، فكسروا مع لام المعرفة. جروا في ذلك على الأصل، ولم يحفلوا بالثقل. فإذًا قولهم: "مِنَ ابنك" بالفتح شاذّ في القياس دون الاستعمال، وقولهم: "مِنِ الرجل" بالكسر شاذً في الاستعمال صحيحٌ في القياس.
قال: "وهي خبيثة" لقلّة المستعملين، وثقلِ اجتماع الكسرتَيْن. وقد حكى الأخفش: "عَنُ الرجل"، كأنّه حرّك بالضمّ إتباعًا لضمّة الجيم، وشَبَّهَه بقولهم (١): ﴿قُلُ انْظُرُوا﴾ (٢)، و ﴿أَوُ انْقصْ﴾ (٣) إذ كانت الراء في حكم الساكن، إذ المدّغمُ ساكنٌ، واللسانُ يرتفع بهما دفعةً واحدةً.
стр. 2240
ومن أصناف المشترك
حكم أوائل الكلم
فصل
قال صاحب الكتاب: تشترك فيه الأضرب الثلاثة, وهي في الأمر العام على الحركة, وقد جاء منها ما هو على السكون, وذلك من الأسماء في نوعين: أحدهما: أسماءٌ غير مصادر, وهي: "ابنٌ", و"ابنة" و"ابنُم" و"اثنان" و"اثنتان" و"امرؤٌ" و"امرأة" و"اسم" و"است" و"ايمن الله" و"ايم الله".
* * *
قال الشارح: هذا الضرب ممّا يشترك فيه الاسم والفعل والحرف, لأنّ كلّ واحد منها يجوز أن يقع مبدوءًا به، نحوَ: "زيدٌ قائمٌ"، و"قام زيدٌ"، و"إنّ زيدًا قائمٌ"، فلذلك ذكره في المشترك.
واعلم أنّ الحرف الذي يبتدأ به لا يكون إلّا متحرّكًا، وذلك لضرورة النطق به، إذ الساكن لا يمكن الابتداءُ به، وليس ذلك بلغة، ولا أنّ القياس اقتضاه، وإنّما هو من قبيل الضرورة، وعدم الإمكان. فقد ظنّ بعضُهم أنّ ذلك من لغة العرب لا غير، وأنّ ذلك ممكنٌ، وهو في لغة قومٍ آخَرين. ولا ينبغي أن نتشاغل بالجواب عن ذلك, لأنّ سبيلَ معتقد ذلك سبيلُ من أنكرَ العِيانَ وكابَرَ المحسوسَ.
وقد جاءت ألفاظٌ بنَوْا أوّلَها على السكون من الأسماء والأفعال، إلّا أنّهم زادوا في أوّلها همزةَ الوصل وسيلةً إلى النطق بالساكن، إذ النطقُ بالساكن متعذّرٌ، وأصلُ ذلك الأفعالُ لتصرّفها، وكثرة اعتلالها، والأسماءُ في ذلك محمولةٌ عليها. وأمّا الأسماء، فعلى ضربَيْن: أسماءٌ غيرُ مصادر، ومصادرُ. فالأسماء التي فيها همزةُ الوصل عشرةٌ معدودةٌ، وهي: ابْنٌ، وابْنَةٌ، وابْنُمٌ، بمعنى ابنٍ، واثْنان، واثْنَتان، وامُرُؤٌ، وامْرَأَةٌ، واسْمٌ، واسْتٌ، وايْمُنُ اللهِ، وايْمُ الله، فهذه الأسماء لمّا أسكنوا أوائلها, ولم يمكنهم النطق بالساكن، اجتلبوا همزة الوصل، وتَوصّلوا بها إلى النطق لذلك الساكن.
فإن قيل: ولِمَ أسكنوا أوّلَ هذه الأسماء حتى احتاجوا إلى همزة الوصل؟ قيل:
стр. 2241
أصلُ هذه الهمزة أن تكون في الأفعال خاصّةً، وإنّما هذه الأسماء محمولة في ذلك على الأفعال؟ لأنّها أسماءٌ معتلّةٌ سقطت أواخرُها للاعتلال، وكثُر استعمالُها، فسكن أوائلُها لِتكون ألفاتُ الوصل عوضًا ممّا سقط منها, ولم يُستنكر ذلك فيها، كما لم تُستنكر إضافةُ أسماء الزمان إلى الأفعال في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ (١) ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ (٢). وقال الشاعر [من الطويل]:
على حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبا (٣)
وكما وصفوا بالأفعال في قولك: "مررتُ برجلٍ يأكل"، وأصلُ الإضافة والصفة الأسماء كما أنّ أصل هذه الهمزة الأفعالُ.
فأمّا "ابنٌ"، فأصله "بنَوٌ" بفتح الفاء والعين كـ"جَبَلٍ"، و"جَمَلٍ"، دلّ على ذلك قولهم في الجمع: "أَبْنَاءٌ". قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ﴾ (٤). وقال الشاعر [من الطويل]:
بَنُوهُنَّ أبناءُ الرِّجالِ الأباعِدِ (٥)
ولا يجوز أن يكون فِعْلاً كـ"جِذْعٍ", ولا فُعْلاً كـ"قُفْلِ"؛ لقولهم في جمع السلامة: "بَنُونَ" بفتح الباء، ولذلك قالوا في النسب: "بَنَوِيٌّ" بفتح فائه. والمحذوفُ منه واوٌ، هى لامه. دلّ على ذلك قولهم في المؤنّث: "بنتٌ"، كما قالوا "أُخْتٌ"، و"هَنْتٌ"، فأبدلوا التاء من لامها، وإبدالُ التاء من الواو أكثرُ من إبدالها من الياء، وعلى الأكثر يكون العملُ. فأمّا "البُنوَّةُ"، فلا دليلَ فيه لقولهم: "الفُتُوَّةُ"، وهو من الياء؛ لقولهم في التثنية: "فَتَيان"، وفي، الجمع: "فِتْيَةٌ"، و"فِتْيانٌ".
وكذلك "ابْنَةٌ" هو تأنيث "ابنٍ"، والتاء فيه للتأنيث على حدّها في "حَمْزَةَ"، و"طَلْحَةَ". فأمّا "بِنْتٌ"، فليست التاء فيه للتأنيث على حدّها في "ابنة". يدلّ على أنّها ليست للتأنيث سكونُ ما قبلها، وتاء التأنيث تفتح ما قبلها على حدِّ "قائمَة"، و"قاعدَة". وإنّما هي بدلٌ من لام الكلمة. يؤيّد ذلك قولُ سيبويه (٦): لو سمّيت بهما رجلاً، لصرفتَهما معرفةً، يعني: بِنْتًا وأُخْتًا. وهذا نصٌ من سيبويه، ألا ترى أنَّها لو كانت للتأنيث لما انصرف الاسم كما لم ينصرف نحو: "طلحةَ" و"حمزة"؟ فإن قيل: فإنّا نفهم من الكلمة التأنيثَ، قيل: التأنيث مستفادٌ من نفس الصيغة، ونَقْلِها من بناء إلى بناء آخر، وذلك أنّ أصلَ "بِنْتٍ": "بَنَوٌ"، فنقلوه إلى فِعْل ألحقوه بجِذْع بالتاء، كما ألحقوا "أُخْتًا" بالتاء بـ"قُفْلٍ"، و"بُرْدٍ"، فصارت الصيغة عَلَمًا للتأنيث، إذ كان هذا عَلَمًا اختصّ بالمؤنّث.
стр. 2242
وأمّا "ابْنُمٌ، فهو "ابنٌ" زيدت عليه الميمُ للمبالغة والتوكيد، كما زيدت في "زُرْقُمٍ" و"سُتْهُمٍ"، بمعنى الأَزْرَق والعظيمِ العَجيزةِ، أي: كبير الاسْتِ. قال الشاعر [من الطويل]:
١٢٥٦ - وهل لِيَ أُمٌّ غيرُها إنْ ذكرتُها ... أَبَى الله إلّا أنْ أكونَ لها ابْنَما
وليست الميم بدلاً من لام الكلمة على حدّها في "فَمٍ"؛ لأنّها لو كانت بدلاً من اللام، لكانت في حكم اللام، وكانت اللامُ كالثانية، وكان يَبْطل دخول همزة الوصل.
وأمّا "اثنان"، فأصله "ثِنْيان"؛ لأنّه من "ثَنَيْتُ". و"اثْنَتانِ" التاء فيه للتأنيث كـ"ابنتَيْن" و"ثِنْتان"كـ"بِنْتَيْن"، التاء فيه للإلحاق.
وأمّا "امْرُؤٌ" و"امْرَأَةٌ"، فإنّما أسكنوا أوّلَهما وإن كانا تامَّين غيرَ محذوفَيْن؛ لأنّك إذا دخلت الألفُ واللامُ، فقلتَ: "المَرْء" و"المَرْأَة"، وخفّفتَ الهمزة، حذفتَها، وألقيتَ حركتها على الراء، فقلت: "جاءني المَرُ" و"رأيت المَرَ"، و"مررت بالمَرِ". فلمّا كانت الراء قد تُحرَّك بحركة الإعراب، وكثُرَت هذه الكلمةُ في كلامهم حتى صارت عبارةً عن كلّ ذَكَر وأُنْثَى من الناس، أعلّوها لكثرة استعمالهم إيّاها، وشبّهوا الراء في "المرْءُ" و"المرْءَ" و"المرْءِ" بخاء "أخيك"، فأتبعوا عينَها حركةَ لامها، فقالوا: "هذا امْرُؤٌ"، و"رأيت امْرأً"، و"مررت بامْرِئٍ"، كما تقول: "هذا أخوك"، و"رأيت أخاك"، و"مررت بأخيك". وألفُه وألفُ "ابنم" مكسورةٌ على كلّ حال؛ لأنّ الضمّة فيه عارضةٌ للرفع غيرُ لازمة، وليست كالضمّة في "اقْتُلْ". فلمّا اعتلّ هذا الاسمُ بإتباع حركة عينه حركةَ لامه، وكثُر استعمالُه، أسكنوا أوّلَه، وأدخلوا عليه همزة الوصل على ما ذُكر.
стр. 2243
وأمّا "اسْمٌ"، فأصله "سِمْوٌ" على زنة "فِعْلٍ" بكسر الفاء، هكذا قال سيبويه (١)، فحُذفت الواو تخفيفًا على حدّ حَذْفها في "ابن" و"ابنة"، وصارت الهمزةُ عوضًا عنها، ووزنُه "افْعٌ"، وفيه لغاتٌ وخلافٌ تقدّم ذكره في صدر هذا الكتاب.
وأمّا "اسْتٌ"، فمحذوفةُ اللام، وهي هاء يدلّ على ذلك قولُهم في تحقيره: "سُتَيْهَةٌ"، وفي جمعه: "أَسْتاهٌ"، وأصلُه: "سَتَهٌ" علي وزن "فَعَلٍ" بفتح العين. ويدلّ على ذلك قولهم في القلّة: "أَسْتاهٌ"، مثلُ: "جَمَلٍ" و"أَجْمالٍ"، و"قَلَمٍ" و"أَقْلامٍ". ولا يكون على "فِعْلٍ" كـ"جِذْعٍ"، ولا "فُعْلٍ" كـ"قُفْلٍ" اللذَيْن يُجْمَعان أيضًا على "أفْعالٍ"؛ لقولهم فيه: "سَهٌ" بفتح الفاءَ حين حذفوا العين. قال الشاعر [من الطويل]:
شَأَتْكَ قُعَيْنٌ غَثُّها وسَمِينُها ... وأَنْتَ السَّهُ السُّفْلَى إذا دُعِيتُ نَصْرُ (٢)
وفي الحديث: العينُ وِكاءُ السَّهِ (٣)، ففتحُ الفاء ها هنا دليلٌ على أنّ الأصل ما ذكرناه، ولا يكون "سَتِةٌ" بكسر العين، ولا "سَتُهٌ" بضمّها؛ لأنّ المفتوحَ العين أكثرُ، والحكمُ إنّما هو على الأكثر. وقد اختلفت العربُ فيه، فمنهم من قال: "سَتٌ" بحذف الهاء، وإبقاء الكلمة على أصلها من غير تغيير كـ"يَدٍ" و"دَمٍ"، ومنهم من حذف التاء، وقال: "سَهٌ". وهو قليل من قبيل الشاذّ. ومنهم من يحذف الهاء، ويُسكِن السين، ويدْخِل ألف الوصل، فيقول. "اسْتٌ".
وأمّا "ايْمُنُ الله" في القَسَم، و"ايم الله"، فالهمزةُ فيهما وصلٌ تسقط في الدرج، وقد تقدّم الكلام عليهما في القسم.
[همزة الوصل مع مصادر الأفعال]
قال صاحب الكتاب: والثاني مصادر الأفعال التي بعد ألفاتها إذا ابتديء بها أربعة أحرف فصاعداً, نحو انفعل وافتعل واستفعل تقول: انفعال وافتعال واستفعال، ومن الأفعال فيما كان على هذا الحد، وفي أمثلة أمر المخاطب من الثلاثي غير المزيد فيه نحو اضرب واذهب. ومن الحروف في لام التعريف وميمه في لغة طييء. فهذه الأوائل ساكنة كما ترى يلفظ بها كما هي في حال الدرج، فإذا وقعت في موضع الابتداء, أُوقعت قبلها همزات ومزيدة متحركة، لأنه ليس في لغتهم الابتداء بساكن, كما ليس فيها الوقوف على متحرك.
* * *
стр. 2244
قال الشارح: قد تقدّم أنّ أصل دخول هذه الهمزة إنّما هو في الأفعال، ودخولُها في الأسماء إنّما هو بالحمل عليها، والتشبيه بها. وتلك الأفعالُ ثمانيةٌ، وهي: "انْفَعَلَ"، نحو: "انطلق"، و"افْتَعَلَ"، نحو: "اقتدر"، و"اكتسب"، و"اِفْعَلَّ"، مثل: "احْمرَّ"، فهذه الثلاثةُ على زنة واحدة، ومثال واحد، و"اسْتَفْعَلَ"، نحو: "استخرجِ"، و"افْعَنْلَلَ"، نحو: "اقعنسس"، و"افْعَالَلْت"، نحو: "اشهابَبْت"، و"افْعَوَّلَ"، و"افْعَولَل"، نحو: "اخْرَوَّطَ"، و"اخْشَوْشَنَ". فهذه الخمسةُ على مثال واحد أيضًا. فهذه كلُّها يلزم أوّلها همزةُ الوصل لسكون أوّلها.
فإن قيل: ولِمَ أُسْكِن حتى افتقرت إلى همزة الوصل؟ قيل: أمّا الثلاثة الأُوَلُ، فإنّما أسْكِن أوّلها لأنّهم لو لم يفعلوا ذلك، لاجتمع في الكلمة أكثرُ من ثلاثِ متحرّكاتٍ. وأمّا الخمسةُ التي تليها، فكأنّهم زادوا عليها حرفًا، فكرهوا كثرةَ الحروف وكثرةَ المتحرّكات، فأسكنوا الأوّلَ منها، وأتوا بالهمزة توصُّلاً إلى النطق بالساكن. ولمّا وجب ذلك في هذه الأفعال لما ذكرناه، اعتمدوه في مصادرها، نحو: "الانطلاق"، و"الاقتدار, و"الاحمرار"، و"الاستخراج"، و"الاقْعِنْساس", و"الاشْهِيباب"، و"الاخْرِوّاط"، و"الاخشِيشان".
ومن ذلك "اطّايَرَ اطّيارًا"، و"اثّاقَلَ اثِّقالا"، و"ادّارَكُوا فِيهَا ادِّراكًا". جاؤوا بهمزة الوصل عند سكون الأوّل منه. وإنّما سكن الأوّلُ؛ لأنّهم ادّغموا تاء "تَفَاعَلَ" فيما بعده، إذ كان مقاربًا له، ثمّ جاؤوا بالهمزة، وإنّما كانت المصادرُ في ذلك كالأفعال؛ لأنّها جارية عليها، وكلُّ واحد منها يؤول إلى الآخر، ولذلك أعلّوا المصدر لاعتلال الفعل، نحو: "قَامَ قِيامًا"، ولولا اعتلالُ الفعل لما اعتلّ المصدرُ، وصحّ كما صحّ في "لِواذٍ".
وقوله: "التي بعد ألفاتها إذا ابتدىء بها أربعة أحرف فصاعدًا"، تحرّز به من مثل "أَفْعَلَ"، نحو: "أَخْرَجَ"، و"أَكْرَمَ"، فإنّ الهمزة فيه قطعٌ مع أنّ ما بعدها ساكنٌ، لأنّ الهمزة فيه كالأصل بُنيت الكلمة عليها كبناء "فَاعَلَ" و"فعَّلَ"؛ لأنّ الزيادة في كلّ واحد منها لمعنى، وليس كذلك همزةُ الوصل؛ لأنّها لم تدخل لمعنى بل وُصلةً إلى النطق بالساكن. والذي يؤيد عندك أنها كالملحقة، وإن لم تكن ملحقةً حقيقةً، أنّك تضمّ أوّل مضارعه، فتقول: "يُخْرِجُ"، و"يُكْرِم" كما تقول: "يُدَحْرِجُ"، و"يُسَرْهِفُ"، و"يُصَوْمِع"، و"يُجَهْوِرُ".
وإنّما قلنا: إنّها ليست للإلحاق، وذلك من قبل أنّ الملحق حكمُه حكمُ الأصل في المضارع والمصدر، نحو: "جَهْوَرُ"، و"بَيْطَرَ"، و"جَلْبَبَ"، لمّا كانت الزيادةُ فيها للإلحاق، قالوا في مضارعها: "يُجَهْوِرُ"، و"يُبَيطِرُ"، و"يُجَلْبِبُ" بالضمّ، وقالوا في مصدرها: "جَهْوَرَةٌ"، و"بَيطَرَةٌ"، و"جَلْبَبَةٌ"، كـ "دَحْرَجَةٍ"، و"سَرْهَفَةٍ". وأنت لا تقول في "أَكرَمَ"، و"قَاتَلَ"، و"كَلَّمَ": "أَكْرَمَةٌ"، ولا "قَاتَلَةٌ"، و"كَلَّمَةٌ"، فبَانَ لك أنّ الزيادة في "أَكرَمَ" جارية مجرى الملحق، وإن لم تكن ملحقة.
стр. 2245
وتدخل أيضًا في فعل الأمر، وذلك من كل فعل فُتح فيه حرفُ المضارعة، وسكن ما بعده، نحو: "يَضْرِب"، و"يَقْتُلُ"، و"يَنْطَلِقُ"، و"يَعْتَذِرُ"، فإذا أمرتَ قلت: "اضْرِبْ"، "اقْتُلْ"، "انْطَلِقْ". وكان يجب أن يحرّك الأوّل من المستقبل كما حُرّك في الماضي، فيقالَ: "ذَهَبَ يَذَهَبُ"، و"قَتَلَ يَقَتُلُ"، و"ضَرَبَ يَضَرِبُ"، فيجتمع أربعٌ متحرّكاتٌ، فاستثقلوا توالِيَ الحركات، فلم يكن سبيلٌ إلى تسكين الأوّل الذي هو حرفُ المضارعة؛ لأنّه لا يُبتدأ بساكن، ولا إلى تسكين الثالث الذي هو عين الفعل؛ لأنّه بحركته يُعْرَف اختلافُ الأبنية، ولا إلى تسكين لامه؛ لأنّه محل الإعراب من الرفع والنصب، فأسكنوا الثاني، إذ لا مانعَ من ذلك، فقالوا: "يَذْهَبُ"، و"يَقْتُلُ". فإذا أرادوا الأمر، حذفوا حرف المضارعة، فبقى فاء الفعل ساكنًا, فاحتاجوا إلى همزهْ الوصل، فقالوا: "اذهَبْ"، و"اقتُلْ" على ما تقدّم.
وأمّا دخولها في الحرف، فمعَ لام التعريف في نحو: "الرّجل"، و"الغلام". وإنّما أتوا بهمزة الوصل مع هذه اللام؛ لأنها حرف ساكنٌ يقع أوّلاً، والساكنُ لا يمكن الابتداءُ به، فتَوصّلوا إلى ذلك بالهمزة قبلها. وإنّما كانت ساكنة لقوّة العناية بمعنى التعريف. وذلك أنّهم جعلوه على حرف واحد ساكن ليضعف عن انفصاله ممّا بعده، ويقوي اتّصالُه بالمعرَّف، فيكون ذلك أبلغَ في إفادة التعريف للزوم أداته.
وكذلك الميم المبدلة منه في لغة طيّئ، نحو قوله ﵇: "ليس مِنَ امْبِرِّ امْصِيامُ في امْسَفَرِ"، وقد تقدّم الكلام عليه.
وقوله: "وهذه الأوائل ساكنة كما ترى يلفظ بها كما هي في حال الدرج"، يريد أنّ أول (١) جميع ما ذكرناه من الأسماء والأفعال ممّا هو ساكنٌ يبقى ساكنًا على حاله في الدرج؛ لأنّ الكلام الذي قبله تصله إلى الساكن. فأمّا إذا ابتدأتَ، فلا بدّ من همزة الوصل؛ لتعذّر الابتداء بالساكن. وقوله: "لأنّه ليس من لغتهم الابتداء بالساكن"، ربّما فهم منه أنّ ذلك ممّا يختصّ بلغة العرب، ويجوز الابتداء بالساكن في غير لغة العرب، وليس الأمر كذلك، بل إنّما كان ذلك لتعذر النطق بالساكن، وليس ذلك مختصًّا بلغة دون لغة فاعرفه.
فصل [حركة همزة الوصل]
قال صاحب الكتاب: وتسمى هذه الهمزات همزات الوصل، وحكمها أن تكون مكسورة، وإنما ضمت في بعض الأوامر، وفيما بني من الأفعال الواقعة بعد ألفاتها أربعة أحرف فصاعداً للمفعول للإتباع، وفتحت في الحرفين, وكلمتي القسم للتخفيف.
* * *