وقوله [من الوافر]:
١٢٩٣ - إذا ما عُدَّ أربعة فسالٌ ... فزوجك خامسٌ وأبوك سادي
وقوله [من الرجز]:
١٢٩٤ - قد مرَّ يومان وهذا الثالي ... وأنت بالهجران لا تبالي
* * *
стр. 2312
قال الشارح: قد أُبدلت الياء من حروف صالحةِ العدة على سبيل الشذوذ، ولا يقاس عليه، ونحن نسوق الكلام على حسب ما ذكره. من ذلك قولهم: "أَمْلَيْتُ الكتابَ"، قال الله تعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (١)، والأصل: "أَمْلَلتُ". وقال الله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ (٢). والوجهُ أنّهما لغتان, لأنّ تصرُّفهما واحدٌ، تقول: "أَمْلَى الكتابَ يُمْلِيه إمْلاءً، و"أمَلَّهُ يُمِلُّهُ إمْلالًا"، فليس جعلُ أحدهما أصلاً والآخر فرعًا بأولى من العكس، وقالوا: "قَضيتُ أَطفارِي" حكاه ابن السِّكيت في "قصّصتُ"، أبدلوا من الصاد الثالثة ياء لثقل التضعيف، ويجوز أن يكون المراد "تَقَصَّيْتُ أظفاري" , أي: أتيتُ على أقاصيها, لأنّ المأخوذ أطرافها، وطرفُ كلّ شيء أقصاه.
وقالوا: "لا وَرَبِيك لا أفعلُ" يريدون: "لا وَرَبَّك"، فأبدلوا من الباء الثانية ياءً لثقل التضعيف. وقالوا: "تَسَرَّيتُ"، وأصله "تَسَرَّرْتُ" "تَفَعَّلْتُ" من "السَّرْ"، وهو "النَّكاح"، وسُمّي النكاح سِرًّا، لأنّ من أراده استتر واستخفى، و"سُرِّيَّةَ": فُعْلِيَّةُ منه، فأبدلوا من الراء الثالثة الياء للتضعيف. وقال أبو الحسن: هو فُعْلِيَّةُ من "السرور"، وذلك أنّ صاحبها يُسَرّ بها.
وقالوا: "تَظَنَّيْتُ"، وأصله "تَظَنَّنْتُ"، و"التظَنِّي": إعمالِ الظنّ، وأصله "التَّظَنُّن"، فأبدلوا من إحدى نوناته الياء لثقل التضعيف، وقالوا في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ (٣): أصله لم يَتَسَنَّنْ، من قوله تعالى. ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (٤)، أي: متغيَّر، فأبدل من النون الثالثة ياءً، ثم قلبها ألفًا لتحرُّكها وانفتاحِ ما قبلها، فصار "يَتَسَنَّى"، ثمّ حذف الألف للجزم، فصار اللفظ: "لم يَتَسَنَّ". هذا قول أبي عمرو، وقيل: هو من "السَّنَة"، ومعناها أي: لم تُغَيِّرْه السنون بمرورها، وذلك على قول من قال: "سَنَةٌ سَنْواءٌ وسَنَواتٌ". ومن قرأ:
стр. 2313
"يَتَسَنَّهْ" (١)، جاز أن تكون الهاء للسكت، ويكون اللفظُ كما تقدّم, وجاز أن تكون الهاء أصلاً من قولهم: "سانَهتُه".
وأمّا قولهم: "تَقَضَّى البازى"، فالمراد: "تَقَضَّضَ" من قولهم: "انقضّ الطائرُ" إذا هوى في طَيَرانه، ولم يستعملوا التفعّل منه إلّا مُبْدلًا، قال العجّاج [من الرجز]:
١٢٩٥ - [إذا الكِرامُ ابتَدووا الباع بدرْ] ... تَقَضّيَ البازي إذا البازي كَسَرْ
وأمّا قول الآخر:
نزور امرأ ... إلخ
أنشده ابن السكّيت عن ابن الأعرابيّ، والشاهد فيه قوله: "يأتمي"، أراد: "يَأْتَمُّ"، لكنّه أبدل من الميم الثانية ياءً؛ فأمّا "التَّصْدِيَة" من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (٢) فالياء بدلٌ من الدال, لأنّه من "صَدَّ يَصِدّ" وهو التصفيق والصوت، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ (٣)، أي: يَضِجّون، ويَعجِّون،
стр. 2314
فحوّل إحدى الدالَين ياءً. هذا قول أبي عُبَيدة، وأنكر الرُّسْتَميّ هذا القول، وقال: إنما هو من "الصَّدى"، وهو الصوت. والوجهُ الأولُ غير ممتنع لوقوع "يصدّون" على الصوت، أو ضرب منه. وإذا كان كذلك، لم يمتنع أن تكون تَصدِيَةٌ منه، فتكون تَفعِلَة كالتحِلة والتعِلّة. فَلمّا قُلبت الدال الثانية ياء، امتنع الادغامُ لاختلاف اللفظَين.
وقالوا: "تَلَعيتُ"، أي: أكلتُ اللُّعاعَة، وهي بَقْلَة ناعمة، وذلك فيما حكاه ابن السّكيت عن ابن الأعرابي. قال الأصمعي: ومنه قيل للدنيا: "لُعاعةٌ"، وأصله: "تَلَعَّعتُ"، أبدلوا من إحدى العينَين ياءً على حدِّ "تَظَنَّيْتُ" كراهيةَ اجتماع العينات.
وقالوا: "دَهْدَيتُ الحجرَ، فتَدَهْدَى، أُدَهدِيه دَهْداةً ودِهداءً": أي: دَهدَهتُه فتَدَهدَهَ، أي: دَحرجتُه فتَدَحرَجَ، قال ذو الرمة [من البسيط]:
١٢٩٦ - [أدنى تَقاذُفِهِ التَّقريبُ أو خَبَبٌ] ... كما تَدَهدى من العَرضِ الجَلاميدُ
وقال أبو النَّجم [من الرجز]:
١٢٩٧ - كأن صَوتَ جَرعِها المُستعجَلِ ... جَندَلَةٌ دَهدَيتَها مِن جَندَلِ
стр. 2315
ويدل أن "دَهدَهتُ" هو الأصل قولُهم: "دهدوهة (١) الجُعَل" لِما يُدَحْرِجه. وقالوا: "صَهصَيتُ" في "صَهصَهتُ" إذا قلت: "صَهْ صَهْ"، بمعنى أسكُتْ، فالياء بدلٌ من الهاء كراهيةَ التضعيف.
وقالوا: "مَكوكٌ"، و"مَكاكِيكُ"، و"مَكاكِيُّ" فيما حكاه أبو زيد، فبعد الكاف ياءٌ مشددة، فهما ياءان، فالأولى بدل من واو "مَكّوك" صارت ياءً في الجمع لانكسار ما قبلها، والثانيةُ بدل من الكاف للتضعيف.
وقالوا: "دَياج" في جمع "دَيجُوجٍ"، وهو المظلِم، يقال: "ليل دَيجُوجٌ"، أي: شديدُ الظُّلْمة، وأصله "دَياجِيجُ"، فكرهوا التضعيف، فأبدلوا من الجيم الأخيرة ياء، فاجتمعت مع الياء الأولى، فخففوا بحذف إحدى الياءيْن، فصار "دَياجٍ" من قبيل المنقوص.
وقالوا: "دِيوانٌ"، وأصله: "دِوّانٌ"، ومثاله "فِعالٌ"، النون فيه لامٌ لقولهم: "دَوَّنْتُ"، و"دُوَيْوِينٌ" في التحقير. فإن قيل: فهلا قلبتم الواو ياء لوقوع الياء الساكنة قبلها على حد قلبها في "سَيِّدٍ" و"مَيتٍ"، قيل: لأنه كان يؤدّي إلى نقض الغرض، لأنهم كرهوا التضعيف في "دِوّان"، فأبدلوا ليختلف الحرفان، فلو أبدلوا الواو فيما بعدُ، وقالوا: "دِيانٌ"، لعادوا إلى نحو مِما فرّوا منه مع أن الياء غير لازمة؛ لأنها إنما أبدلت تخفيفًا، ألا ترى أنهم قالوا: "دَواوِينُ"، فأعادوا الواو لما زالت الكسرةُ من قبلها، فبانَ لك أن هذه الياء ليست لازمة، لأنها ترجع إلى أصلها في بعض الأحوال؟ وقد قال بعضهم: "دَياوِين"، فجعل البدل لازمًا.
وقالوا: "دِيباجٌ"، والأصل: "دِبّاج" دلّ على ذلك قولهم: "دبَابِيجُ" بالباء في الجمع، كأنهم كرهوا التضعيف، فأبدلوا.
وقالوا: "قِيراط"، وأصله: "قِرَّاط" على ما تقدّم، فأبدلوا من الراء الأولى ياءً لثقل
стр. 2316
التضعيف، دل على ذلك قولهم في الجمع: "قَرارِيط". فظهورُ الراء دليلٌ على ما قلناه.
وقالوا: "شيراز"، وقالوا في الجمع: "شَرارِيزُ"، و"شَوارِيزُ". فمن قال: "شَرارِيزُ"، كان أصله عنده "شِرّازٌ" كـ "قِرّاطٍ"، ومن قال: "شَوارِيزُ"، كانت الياء عنده مبدلة من الواو الساكنة على حدّ الإبدال في "مِيزان" و"مِيعاد". فإن قيل: فإنّ مثال "فِوْعال" غير موجود، فكيف ساغ حملُ "شيراز" على مثالٍ لا نظيرَ له؟ قيل: عدمُ النظير لا يضُر مع قيام الدليل؛ إمّا إذا وُجد، كان مُؤنِسًا؛ وإمّا أن يتوقف ثبوتُ الحكم مع قيام دليله على وجوده، فلا.
وقالوا: "ديماسٌ" للسجْن وللسَّرَب، ويقال للسرب أيصا: "دَيماس". وقالوا في جمعه: "دَمامِيسُ" و"دَيامِيسُ"، فمن قال: "دماميس"، كانت الياء مبدلة من الميم في الواحد، وكان من قبيل "قِيراط" و"قرَارِيطَ". ومن قال: "دَيامِيسُ" لم تكن مبدلة، وكانت مزيدة للإلحاق بـ "سِرداح"، ولذلك قال سيبويه (١) فيمن قال: "شَواريزُ"، و"دَيامِيسُ".
وقالوا في "اتصَلَت": "ايتَصَلَت"، أبدلوا من التاء الأولى ياء للعلة المذكورة، قال الشاعر [من الرجز]:
قام بها يُنشِدُكل مُنشِدِ ... فايتَصَلَت بِمِثْلِ ضَوْءِ الفَرْقَدِ (٢)
أراد: اتصَلَتْ، فكره التضعيف.
وقالوا: "إِنسانٌ"، و"أَنَاسِيّ"، و"ظَرِبانٌ"، و"ظَرابِيُّ". فأما "أناسِيّ" فأصله: "أناسِين" على حد "سِرْحانٍ"، و"سراحِينَ" فأبدلوا من النون ياء، وادغموا الياء المبدلة من النون في الياء الأولى المبدلة من الألف في "إنسان". وقيل: "أَناسيُّ" ليس بتكسير "إنسان"، وإنما هو جمعُ "إنسِيٍّ" كـ "بُختِي"، و"بَخاتِيّ". وكذلك "ظَرِبانٌ" بفتح الظاء وكسر الراء - وهي دُوَيبة كالهِرة مُنتِنَةٌ، تزعم العربُ أنها إذا فستْ في ثوب أحدهم حين يَصِيدها يَبْلَى الثوبُ، ولا تبلى رائحتُها، وفي المَثَل "فسا بينهم الظربانُ" (٣) إذا تقاطعوا، ويُجمع على "ظَرابِينَ" كـ "سَراحين"، وقالوا: "ظَرابيّ" أبدلوا من النون ياء كما قالوا: "أَناسيُّ". قال الشاعر [من الطويل]:
١٢٩٨ - وهل أَنْتُم إلا ظَرابِيُّ مَذحِجٍ ... تَفاسَى وتَسْتَنشِي بآنفِها الطُّخْمِ
стр. 2317
وربما قالوا في الجمع: "ظِربَى" كـ"حِجْلى". قال الفرزدق [من الطويل]:
١٢٩٩ - وما جَعَل الظرْبَى القِصارُ أنوفَها ... إلى الطِّمّ من مَوْجِ البِحارِ الخَضارِمِ
وربما جاء هذا البدل في غير التضعيف، أنشد سيبويه لرجلٍ من يَشْكُرَ، وقيل: هو مصنوع لخَلَفٍ الأحمر [من الرجز]:
ومنهل ليس له ... إلخ (١)
أراد: "الضَّفادِع"، فأبدل من العين الياء ضرورة. والمَنْهَل: المَورِد، والحَوازقُ: الجماعات، واحدتُها: حَزِيقةٌ جُمعت جمع "فاعِلَةَ"، كأنها حازِقَةٌ، لأن الجمع قد يُبْنَى
стр. 2318
على غيرِ واحده. والنَقانِق: أصوات الضَفادِع، واحدُها نَقنَقَةٌ. وأنشد أيضًا [من البسيط]:
لها أشارير ... إلخ (١)
فأراد: الثعالب، وأرانِبها، فاضطُرّ إلى الإسكان، فلم يُمكِنه ذلك، فأبدل من الباء ياء ساكنة في موضع الجر. يصف عُقابًا، والأشارِيرُ: جمعُ إشرارةٍ، وهي: القطعة من اللحم تُجفَّف للادّخار. ومعنى "مُتَمَّرَة": مُجفَّفةٌ، من التمر، يريد: بقّاها في وَكرها حتى تجِفَّ لكثرتها، والوَخْز: القطعُ من اللحم، وأصل الوخز الطعنُ الخفيف، يريد ما يقطعه من اللحم بسرعة؛ وأما قوله [من الوافر]:
إذا ما عدّ أربعة ... إلخ (٢)
أراد سادِسًا، فأبدل من السين ياء ضرورة. ومثله قول الراجز:
يَفدِيكَ يا زُرْعَ أبي وخالي ... قد مَرّ يَومان وهذا الثالي
وأنَتَ بالهِجران لا تُبالِي (٣)
فإنه أبدل من الثاء الثانية ياء، كأنه كره بابَ "سَلِسَ" و"قَلِقَ"، فاعرفه.
فصل [إبدال الواو]
قال صاحب الكتاب: والواو تبدل من أختيها ومن الهمزة. فإبدالها من الألف في نحو ضوارب وضويرب تصغير ضيرات مصدر ضاربَ، وأوادم وأويدم ورحويَّ وعصويّ وإلوان تثنية "إلى" إسمًا. ومن الياء في نحو موقن وطوبى مما سكن ياؤه غير مدغمة وانضم ما قبلها، وفي بقوي وبوطر من بيطر، وهذا أمر ممضو عليه، وهو نهو عن المنكر وفي جباوة. ومن الهمزة في نحو جونة وجون كما سلف في تخفيفها.
* * *
قال الشارح: وأمّا إبدال الواو، فقد أبدلت من أختيها ومن الهمزة. والمراد بقولنا: "أختيها" الألفُ والياء، لأنهن جميعًا من حروف المدّ واللين، وقد مَثَّلَ بأمثلة (٤) متعددة، وعلة كل واحد منها غير الأخرى، لكنه جمع بينهن الانقلابُ من الياء إلى الواو، وأنا أشرح ذلك شيئًا فشيئًا.
وأما إبدالها من الألف ففي نحو: "فاعِلٍ"، و"فاعَلٍ"، و"فاعُول"، و"فاعالٍ"، وذلك نحو "ضارِب"، و"خاتَمٍ"، و"عاقُولٍ"، و"ساباطٍ"، فمتى أردتَ تحقيرَ شيء من
стр. 2319
ذلك أو تكسيرَه، قلبتَ ألفه واوا، وذلك نحو: "ضُوَيرِب"، و"ضَوارِبَ"، و"خُوَيتِمٍ"، و"خواتِمَ"، و"عُوَيقِيلٍ"، و"عَواقِيلَ"، و"سُوَيبِيطٍ"، و"سوابِيطَ". فأمّا علةُ قلبها في التحقير، فظاهرة، وذلك لانضمام ما قبل الألف. وأمّا قلبها في التكسير، فبالحمل على التحقير، وذلك أنك إذا قلت: "ضَوارِبُ"، و"خَواتِمُ"، فلا ضمّةَ في الضاد والخاء تُوجِب انقلابَ الألف إلى الواو، لكنّك لما كنت تقول في التحقير "خُوَيتِمٌ"، قلتَ في التكسير: "خَواتِمُ". قال [من الطويل]:
١٣٠٠ - [يَقُلنَ حَرامٌ ما أُحِلَّ بِرَبنا] ... وتُترَكُ أَمْوالٌ عليها الخَواتِمُ
وإنما حُمل التكسير في هذا على التحقير، لأنهما من واد واحد، وذلك أن هذا التكسير جارٍ مجرى التحقير في كثير من أحكامه من قبل أن عَلَم التحقير ياء ساكنة ثالثة قبلها فتحة، وعلم التكسير ألف ثالثة ساكنة قبلها فتحة، والياء أخُتُ الألف على ما تقدّم، وما بعد ياء التحقير حرف مكسور، كما أن ما بعد ألف التكسير حرف مكسور. فلمّا تَناسبا من هذه الوجوه التي ذكرناها، حُمل التكسير على التحقير، فقيل: "خَواِلدُ" كما قيل: "خُوَيلِدٌ". وكما حُمل التكسير ها هنا على التحقير، كذلك حمل التحقير على التكسير في قولهم: "أُسَيوِدُ" في لغةِ من لم يدغم حملًا على "أَساوِد"، فلم يدّغموا في "أُسَيْوِد" مع وجود سبب الادّغام، وهو اجتماعُ الواو والياء وسَبقُ الأول منهما بالسكون. ومن ذلك "أُوَيدِمُ"، و"أَوادِمُ" أجروه مجرى "خُوَيْتِم"،
стр. 2320
و"خَواتِمَ"، حيث لزم الإبدالُ لاجتماع الهمزتَيْن، وقد تقدّم الكلامُ عليه في تخفيف الهمزة.
ومن ذلك أنك تقول في الفعل: "قُوتِلَ"، و"ضُورِبَ"، فتقلب الألفَ من "قاتَلَ"، و"ضارَبَ" واوًا؛ لانضمام ما قبلها على القاعدة المذكورة. ومن ذلك: "رَحَوِيٌّ"، و"عَصَوِيٌّ" ونحوهما من المقصور، الواوُ فيه بدلٌ من الألف في "رَحًى"، و"عَصًا" سواء كانت الألف من الياء أو من الواو. وقد استوفيتُ الكلامَ على ذلك وعلّتِه في النسب.
وأمّا "إِلَوانِ" فتثنيةُ "إلى" إذا سُمّي بها، وكذلك "لَدَى" و"إذا" زمانا كانت أو مكانًا، إذا سميتَ رجل بواحد من هذه الأشياء وما أشبهها من نحِو: "إِلا" و"إما"، فإنّك إذا ثنّيتَه، كان بالواو نحو: "إِلَوانِ"، و"لَدَوانِ"، و"إِذَوان"، و"إِلّوانِ"، و"إِمَّوانِ" في الرفع. وتقول في النصب والجر: "إِلَوَيْنِ"، و"لَدَوَيْن"، و"إذَوَيْن"، و"إلوَيْن"، و"إمَّوَيْن". وكذلك لو جعلت شيئًا من ذلك اسم امرأة، ثم جمعته بالألف والتاء، لقلتَ: "إلَواتٌ"، و"إذواتٌ"، ونحو ذلك.
والعلةُ في قلبِ ما كان من ذلك واوا من قبل أنها أصولٌ غيرُ زوائد ولا مُبدَلة، فلمّا لم يكن لها أصل تُرَدّ إليه إذا تحركت، ولم تكن الإمالة مسموعة فيها، حُكم عليها بالواو؛ فقُلبت عند الحاجة إلى حركتها واوا. فإن قيل: إذا كانت أصلاً غيرَ مبدلة؛ فهلا لم يجز قلبُها واوا إذ ليس لها أصلٌ في الواو، ولا الياء. الجواب أن الأمر كذلك، إلَّا أنها لمّا سُمّي بها، انقلبت إلى حكم الأسماء، فحُكم على ألفها بما يُحْكَم على ألفات الأسماء التي لا تحسن إمالتها، نحو: "عَصًا"، و"قَطًا"، وكما تقول: "عَصَوان"، و"قَطَوانِ"، كذلك تقول: "إِلَوانِ"، و"لَدَوان".
ونحو من ذلك لو سمّيتَ رجلًا بـ "ضَرَبَ" لأعربتَه، وقلت: "هذا ضَرَبٌ"، و"رأيت ضَرَبًا"، و"مررت بضَرَبٍ"، وإن كان قبل التسمية لا يدخله إعراب. فكما أن "ضَرَبَ" إذا سُمي به انتقل إلى حكَم الأسماء، فأُعرب، كذلك "إِلَى"، وَ"لَدَى"، و"إمّا": إذا سُمي بها، انتقلت إلى حكم الأسماء، وقُضِي على ألفاتها بأنها من الواو، إذ كانت أصلاً، ولم يُسْمَع فيها الإمالة، وقد أُبدلت من الياء في "مُوقِن"، و"مُوسِرٍ" ونحوهما. وذلك أن أصل "موسر": "مُيْسِرٌ" بالياء؛ لأنّه من "اليُسْر"، وأصل "موقن" الياء؛ لأنّه من "اليقين"، وإنما صارت واوا لسكونها وانضمام ما قبلها، كما أن الواو إذا سكنت وانكسر ما قبلها صارت ياءً، نحو: "ميزانٍ"، و"مِيعادٍ"، فأصلُهما الواو؛ لأنّه من " الوزن" و"الوعد".
فإن تحرّكت الواو في "موقن"، و"موسر"، أو زالت الضمة التي قبلها، عادت الكلمة إلى أصلها من الياء، وذلك نحو قولك في التصغير: "مُيَيْقِنٌ"، و"ميَيْسِرٌ"، وفي التكسير "مَياقِينُ"، و"مَياسِيرُ"، كما أن الياء في "مِيزان" و"مِيعاد" كذلك، تقول في
стр. 2321
تحقيرهما: "مُوَيزِينٌ"، و"مُوَيْعِيد"، وفي التكسير: "مَوازِينُ"، و"مَواعِيدُ".
فإن قيل: ولِمَ كان إذا سكنت الياء وانضمّ ما قبلها تُقلب واوا، وإذا سكنت الواو وانكسر ما قبلها تقلب ياء، قيل: لشَبَههما بالألف، وذلك أن الواو، والياء إذا سكنتا، وكان ما قبل كلّ واحدة منهما حركة من جنسهما، كانتا مدّتَيْن كالألف، وكما أن الألف منقلبة إذا انكسر ما قبلها، أو انضمّ في نحو: "ضُوَيْرِب"، و"مَفاتِيحَ"، كذلك انقلبت الواو والياء إذ قد أشبهتهما، إلَّا أن النطق بالكسرة قبل الواو الساكنة ليس مستحيلًا كاستحالةِ ذلك مع الألف، وإنما ذلك مستثقل، وكذلك النطقُ بالضمّة قبل الياء الساكنة.
فإذا تحرّكت هذه الواوُ، وزالت الكسرةُ عن الحرف الذي قبلها، زال عنها شَبَهُ الألف، وقويت بالحركة، فعادت إلى أصلها على ما ذكرنا.
وأما قولهم: "عِيدٌ" و"أَعْيادٌ"، فإنه أُلزم القلبَ لكثرة استعماله؛ فأما "ريحٌ" فتكسيرُه على "أَرْواح". قال الشاعر [من الرجز]:
تَلُفُّهُ الأَرواحُ والسُّمِيُّ (١)
وربما قالوا: "أَرْياح"، وهو قليل من قبيل الغلط، ومن ذلك "طُوبى" الواو فيه مبدلةٌ من الياء, لأنه "فُعْلى" من "الطيب"، قلبوا ياءه واوًا للضمّة قبلها مع سكونها، ومثلُه "الكُوسى"، وهو مؤنث "الأكيَس" كـ "الأفضل"، و"الفُضْلَى"، وهو قياس عند الأخفش، وشاذّ عند سيبويه (٢)؛ لأن سيبويه يبدل من ضمة الفاء في هذا الضرب كسرة لتصح الياء مفردًا كان أو جمعًا. والأخفشُ لا يرى ذلك إلَّا فيما كان جمعًا، نحو: "بِيضٍ"، ولذلك كانت "مَعِيْشة" "مَفعِلَةَ" بكسر العين عنده لا غير، وعند سيبويه يجوز أن تكون "مَفْعِلة" و"مَفعُلة" بالكسر والضمّ. ولذلك حُمل "ضِيزَى" على أنه "فُعْلَى" بالضمّ؛ لأنه ليس في الصفات "فِعلَى" بالكسر، وفيها "فُعْلَى" بالضمّ، نحو: "حُبلَى".
وقوله: "غير مدّغَمة" تحرُّز من مثل "السُيَّل" و"العُيَّل"، فإنك لا تقلب الياء واوا فيهما، وإن سكنت، وانضمّ ما قبلها لتحصُّنها بالادغام وخروجِها عن شَبَه الألف، إذ الألفُ لا تُدّغم، ولا يُدّغم فيها؛ لأن المدّغم والمدّغَم فيه بمنزلة حرف واحد يرتفع بهما اللسانُ دفعة واحدة، ولذلك يجوز الجمعُ بين الساكنَيْن، إذا كان الأول حرفا لينًا، والثاني مدّغما كـ "دابّة"، و"شابّة"؛ لأن لِين الحرف الأول وامتداده كالحركة فيه والمدّغَم كالمتحرك، وإذا كان كذلك، لم تتسلط الحركةُ على قلبها. قال أبو النَّجْم [من الرجز]:
١٣٠١ - كأن رِيحَ المِسْكِ والقَرنفُلِ ... نَباتُه بين التِّلاع السُّيَّلِ
стр. 2322
وقال الآخر [من الكامل]:
١٣٠٢ - تَحمِي الصحاب إذا تكون كَريهَةٌ ... فإذا هُمُ نزلوا فمَأوَى العُيَّلِ
ألا ترى أن الضمة لم تؤثر في ياء "السُّيَّل" ولا "العُيَّل" لادغامها، وإن كانت في الحقيقة ساكنةً، وكذلك "اخرِوّاطٌ" (١) و"اجلوّاذٌ" (٢) لم يقلبوا الواو الساكنة ياءً لانكسار ما قبلها، وذلك لِما ذكرناه من تحصنها بالادغام. فإن قيل: فإنهم يقولون: "دِيوان"، وأصله "دِوّانٌ"، قيل: القلبُ هنا لثقل التضعيف لا لسكونها وانكسارِ ما قبلها، فهو من قبيل
стр. 2323
"دِينار" و"قِيراط" في "دِنّار"، و"قِرّاط"، لا من قبيل "مِيزان" و"مِيعاد"، ولذلك كان من الشاذّ غيرِ المَقيس.
وأمّا "ضُوَيْرِبٌ", فهو تصغير "ضِيرابٍ" مصدر "ضارَبَ"، والياء فيه منقلبة عن ألِف "ضارَبَ" للكسرة قبلها. ومثلُه "قِيتالٌ" في مصدرِ "قاتَلَ". هذا هو الأصل، ومن قال: "ضِرابٌ" و"قِتالٌ"، فإنّه حذف الياء تخفيفًا وللعلم بموضعها. هذا صُغّر هذا المصدر، قيل: "ضُوَيْرِبٌ"، فالواوُ بدلٌ من الياء المبدلة من ألِف "فاعَلَ"، والياء الأخيرةُ بدلٌ من ألف "فِيعال" على حدّها في "سِرْهافٍ".
وأما "بَقْوَى" ونحوه مما هو من الأسماء على "فَعْلَى" معتلَّ اللام، فما كان من ذلك من الياء، فإنّك تقلب ياءه إلى الواو، نحو: "التَّقْوَى"، و"الرَّعْوَى"، و"الشَّرْوَى"، فـ "التَقوى" من "وَقَيْت"، و"البَقوَى" من "بَقِيت" أي: انتظرت، و"الرَعْوَى" من "رَعيْتُ"، و"الشَّرْوى" من "شَرَيْتُ". والصفة تُتْرَك على حالها، نحو: "خَزْيَا"، و"صَدْيَا"، و"ريَّا". ولو كانت "رَيَّا" اسمًا، لقلت: "رَوَّا"، كأئهم فرقوا بين الاسم والصفة.
وإنّما قلبوا الواو إلى الياء ها هنا؛ لأنّ الماء أختُ الواو، وقد غلبت الياء الواوَ في أكثر المواضع من نحو"سَيِّدٍ"، و"مَيِّتٍ"، و"شَوَيْتُه شَيًّا"، و"طَوَيْتُه طَيًّا"، فأرأدوا أن يُعوِّضوا الواو من كثرة دخول الياء عليها، فيكون ذلك كالقِصاص، فقلبوا الياء واوًا ها هنا، وإنّما اختصّوا هذا القلب بالاسم دون الصفة، وذلك لأنّ الواو أثقلُ من الياء، فلمّا عزموا على قلب الأخفّ إلى الأثقل لضرب من الاستحسان، جعلوا ذلك في الأخفّ، لأنّه أعدلُ من أن يجعلوا الأثقل في الأثقل، والأخفُّ هو الاسم، والأثقلُ هو الصفة لمقاربتها الفعلَ، وتضمُّنِها ضميرَ الموصوف.
وأمّا "بُوطِرَ"، فالواو فيه مبدلة من ياء "بَيطَرَ" المزيدةِ للإلحاق بـ "دَحْرَجَ" كـ"سَيْطَرَ"، و"بَيْقَرَ". وإذا أسندتَه إلى المفعول قلت: "سُوطِرَ"، و"بُوطِرَ"، فتصير الياء واوًا للضمّة قبلها وسكونها. وأمّا قولهم: "هذا أمر مَمْضُوٌّ عليه"، فالواو الأخيرة فيه بدلٌ من الياء التي هي لامٌ في "مَضَيْتُ". وكذلك قالوا: "هو أَمورٌ بالمعروف نَهُوٌّ عن المُنْكَر"، وهو من "نَهَيْتُ" و"شربثُ مَشُوًا"، وهو من "مَشَيْتُ"؛ لأنّ المُسْهِل يوجب المَشْيَ، وإنّما أبدلوا الياء واوا؛ لأنّهم أرادوا بناء "الفَعُول"، فكرهوا أن يلتبس ببناء "فَعِيل" لو قيل: "مَشِىٌّ" و"نَهِيٌّ".
وأمّا "جِباوَةٌ"، فهو مصدرُ "جَبَيْتُ الخَراجَ"، والأصل: "جباية"؛ لأنّه من الياء، وإنّما أبدلوا الياء واوا للعفة في "التَّقْوَى"، و"البَقوَى"، وهو تعويض الواو من كثرة دخول الياء عليها.
وأمّا إبدالها من الهمزة في نحو: "جُونَة" و"جُونٍ"، فقد تقدّم شرحُه في تخفيف الهمزة بما أغني عن إعادته، فاعرفه.
стр. 2324
فصل [إبدال الميم]
قال صاحب الكتاب: والميم أُبدلت من الواو واللام والنون والباء، فإبدالُها من الواو في "فَم" وحدَه، ومن اللام في لغة طَيِّىءٍ في نحو ما روى النَّمِرُ بن تَوْلَبٍ عن رسول الله ﷺ وقيل إنه لم يَرْوِ غير هذا - "ليس من امْبِرِّ امْصِيامُ في امْسَفَر" (١).
ومن النون في نحو: "عَمْبَرٍ"، و"شَمْبَاءَ" ممّا وقعتْ فيه النونُ ساكنةً قبل الباء، وفي قول رُؤبة [من الرجز]:
١٣٠٣ - يا هالَ ذاتَ المَنْطِقِ التَّمْتامِ ... وكَفّكِ المُخَضَّبِ البَنامِ
و"طامَه الله على الخير". ومن الباء في "بَناتِ مَخْرٍ"، و"ما زِلْتُ راتِمًا على هذا"، و"رأيتُه من كَثَمٍ"، وقوله [من البسيط]:
١٣٠٤ - فبادَرَتْ شاتَها عَجْلَى مُثابِرةً ... حتى اسْتَقَتْ دُونَ مَحْنى جِيدِها نُغَما
قال ابن الأَعْرابيّ: "أراد نُغَبَا".
* * *
стр. 2325
قال الشارح: قد أُبدلت الميم من أربعة أحرف: الواوِ واللام والنونِ والباءِ. أمّا إبدالها من الواو، ففي "فم" وحده، الأصل فيه: "فَوْهٌ" عينه واوٌ، وَلامه هاءٌ، يدل على ذلك قولهم في التصغير: "فُوَيْهٌ"، وفي التكسير: "أَفْواهٌ". ووزنُه "فَعْلٌ" بفتح الأوّل، وسكون الثاني، إلَّا أنه وقعت الهاء فيه، وهي مشبّهةٌ بحروف اللين، فحُذفت على حد حذف حروف اللين من نحو. "يَدٍ"، و"دَمٍ". ومثله: "شَفَةٌ" و"سَنَةٌ" فيمن قال: "شافَهْتُه" و"عملت معه مُسانهةً"، فلمّا حُذفت الهاء, بقي الاسم على حرفَيْن الثاني منهما واوٌ، والأوّلُ مفتوح، فكان إبقاؤُه على حاله يؤدّي إلى قلبها ألفًا لتحركها بحركات الإعراب، وكون ما قبلها مفتوحًا على حد "عَصًا" و"رَحًى"، والألفُ تحذف عند دخول التنوين عليها لالتقاء الساكنين كـ"عَصًا"، فيبقى الاسم المتمكّن على حرف واحد وهو معدومٌ، فلمّا كان يقتضى إبقاء الواو على ما ذُكر، أبدلوا منها الميم؛ لأنّ الميم حرفٌ صحيحٌ لا تثقل عليه الحركاتُ، وهو من مخرج الواو، لأنّهما من الشفة، وفيها غُنَّةٌ تُناسِب لِينَ الواو، فلذلك أبدلوها منها.
فإن قيل. ما الدليل على فتح الفاء دون أن تكون مضمومة، أو مكسورة؟ قيل: اللفظُ يشهد بذلك. فإن قيل: فقد حكى أبو زيد فيها: "فمٌ"، و"فِمٌ" بالضمّ والكسر، قيل: ليس ذلك فيها بالشائع، والحكم إنّما هو على الأكثر، والكثيرُ المشهور هو الفتح والضمُّ. والكسر قليل من قبيل الغلط، ووجهُه أنّهم رأوا الفاء تختلف من هذا الاسم إذا أضيف، نحو: "هذا فُوك"، و"رأيت فاك"، و"مررت بفيك"، فعاملوه في حال الإفراد تلك المعامَلةَ. وأمّا قول الشاعر [من الرجز]:
١٣٠٥ - يا لَيْتَها قد خرجتْ من فُمِّهِ ... حتّى يعُودَ المُلْكُ في أُسْطُمِّه
стр. 2326
فقد رُويت بضم الفاء وفتحها مع تشديد الميم. فأمّا ضمُّ الفاء، فقد تقدّم الجوابُ عنه؛ وأمّا التشديد فلا أصل له في الكلمة؛ لقولهم في جمعه: "أَفْواهٌ"، وفي تصغيره: "فُوَيهٌ"، ولم يقولوا: "أَفْمامٌ"، ولا "فُمَيمٌ". ووجهُ ذلك أنّهم ثقّلوا الميم في الوقف كما يُثقِّلون في "يَجْعَلْ ش" و"خَالِدْ ش"، ثمّ أُجري الوصل مجرى الوقف على حدّ "القَصَبَّا"، و"السَّبْسَبَّا"، فاعرفه.
وأمّا إبدالها من اللام، فقد أُبدلت من لام التعريف في لغة قوم من العرب، ويقال في لغة طَيِّىءٍ: "امرجل" في "الرجل"، وروى النمر بن تولب عن النبيّ ﷺ : "ليس من امبرّ امصيامُ في امسفر" (١) وقيل: إنه لم يرو ﷺ سوى هذا الحديث، ومع ذلك فهو شاذّ، لا يقاس عليه غيرُه، وقد تقدّم ذلك بأًشبَعَ من هذا اللفظ.
وأمّا إبدالها من النون، فقد أُبدلت إبدالًا مطّردًا في كل نون ساكنة وقعت بعدها باءٌ: فإنّها تُقلب ميمًا، نحو: "عَمْبَرٍ"، و"شَمْباءَ"، و"عَمْ بَكْرٍ"، وذلك من قِبَل أنّ النون حرفٌ ضعيفٌ رِخوٌ يمتدّ في الخَيشوم بغُنّة، والباء حرف شديد مجهور مَخرَجُه من الشفة، وإذا جئتَ بالنون الساكنة قبل الباء، خرجتَ من حرف ضعيف إلى حرف يُضادّه، ويُنافيه، وذلك ممّا يثقل، فجاؤوا بالميم مكانَ النون، لأنّها تُشارِكها في الغنّة، وتُوافِق الباء في المخرج؛ لكونهما من الشفة، فيتجانس الصوتُ بهما, ولا يختلف، ألا ترى أنهم قالوا: "صِراطٌ" بالصاد، والأصل "سِراطٌ" بالسين, لأنّه من "سرطتُ الشيء" إذا ابتلعتَه، كأنّ الطريق يبتلع المارّةَ، ولمّا رأوا أنّ السين حرفٌ ضعيفٌ مهموسٌ مُنْسَلٌّ، والطاء شديدٌ مُطبَقٌ، جاؤوا بالصاد لتُوافِق السينَ في الهمس والصفير، وتوافق الطاء في الإطباق، فيتجانس الصوتُ، ولا يختلف. وإذا كانوا فعلوا ذلك ههنا مع الفصل، كان في "عَمْبَرٍ"، و"شَمْباءَ" ألزمَ. صهان تحرّكت هذه النون، نحو: "الشَّنَب"، و"العِنَب"، و"عَنابِرَ"، قويت
стр. 2327
بالحركة، وصار مخرجُها من الفم، وبُعدت عن الميم، ولم تقع موقعَها في البدل. ومن ذلك قول رُؤْبَة [من الرجز]:
يا هال ذات المنطق ... إلخ
قالوا: أراد البَنان، فأبدل النون ميمًا لِما بينهما من المقاربة. ولفرطِ قُرْبِ ما بينهما قد يجمعون بينهما في القافية. قال الشاعر [من الرجز]:
١٣٠٦ - بُنَى إنّ البرَّ شيءٌ هَينُ ... أَلمَنْطِقُ اللَّيِّنُ والطُّعَيِّمُ
وقال الآخر [من الرجز]:
١٣٠٧ - يَطعُنُها بخَنْجَرٍ من لَحْمِ ... دون الذُّنابَى في مَكانٍ سُخْنِ
وقال: "طامه الله على الخير، وطانَه"، أي: جَبَلَه عليه، حكاه ابن السكّيت.
стр. 2328
الميم فيه بدلٌ من النون؛ لأنّه من "الطينَة"، وهي الخِلْقة والجِبِلّة.
وقد أبدلوها من الباء، قالوا: "بناتُ بَخْرٍ" و"بنات مَخْرٍ"، حكا ذلك الأصمعيّ، وهي سَحائبُ بيضٌ تأتي قبل الصيف. قال أبو بكر بن السرّاج: هو مأخوذ من البُخار، لأنّ السحاب من بخار الأرض، فعلى هذا الباء أصلٌ، والميم بدلٌ منها. وربّما قالوه بالحاء غير المعجمة، كأنّه من "البَحْر", لأنّ السحاب من بخار البحر.
وقالوا: "ما زلتُ راتِمًا على هذا الأمر"، أي: راتِبًا، حُكي ذلك عن أبي عمرو بن العَلاء، فالميمُ بدل من الباء؛ لكثرة الباء وتصرُّفِها، ألا تراك تقول: "رَتَبَ يَرْتُبُ فهو راتِبٌ"، أي: ثابتٌ، ولا تقول: "رتم يرتم" في هذا المعنى، فكانت الباء هي الأصل.
وقالوا: "رأيته من كَثَم وكَثَبٍ"، أي: من قُرْب. حكى ذلك يعقوب، فالباءُ ينبغي أن تكون أصلاً، والميمُ بدلٌ منها؛ لعموم تصرُّف الكثب, وأنّه يقال: "قد أَكْثَبَ لك الأمرُ"، و"رَمَاه من كَثَب"، أي: من قُرْب. وأمّا قول الشاعر [من البسيط]:
فبادرت شاتها ... إلخ
قال ابن الأعرابيّ: أراد: "نُغَبَا"، وهو جمع "نُغْبة" بالضمّ، وهي الجُرْعة. قال ذو الرمّة [من البسيط]:
١٣٠٨ - حتى إذا زَلَجَتْ عن كل حَنْجَرَةٍ ... إلى الغَلِيلِ ولم يَقْصَعْنَهُ نُغَبُ
стр. 2329
قال ابن السكّيت: "نَغِبْتُ من الإناء بالكسر نَغبًا"، أي: جرعتُ منه جَرْعًا.
فصل [إبدال النون]
قال صاحب الكتاب: والنون أبدلت من الواو واللام في صنعانيّ وبهرانيّ، و"لَعَنَّ" بمعنى "لَعَلَّ".
* * *
قال الشارح: القياس في "صَنْعاء"، و"بَهْراء" أن يقال في النسب إليهما: "صنعاويٌّ"، و"بهراويٌّ"، كما تقول في "صَحْراءَ": "صحراويٌّ"، وفي "خُنْفَساءَ": "خنفساويّ". تبدل من الهمزة واوًا فَرْقًا بينها وبين الهمزة الأصلية على ما تقدّم بيانُه في النسب. وقد قالوا: "صنعانيّ"، و"بهرانيّ" على غير قياس، واختلف الأصحابُ في ذلك، فمنهم من قال: النون بدلٌ من الهمزة في "صنعاء" و"بهراء"، ومنهم من قال: النون بدلٌ من الواو، كأئهم قالوا: "صنعاويّ" كـ"صَحْراويّ"، ثمّ أبدلوا من الواو نونًا، وهو رأيُ صاحب هذا الكتاب، وهو المختار؛ لأنّه لا مقاربة بين الهمزة والنون, لأنّ النون من الفم، والهمزة من أقصى الحَلْق، وإنما النون تُقارِب الواوَ، فتُبْدَل منها.
وأمّا "لَعَلَّ"، فقد قالوا فيها: "لَعَلَّ" و"لَعَنَّ"، فالنون بدلٌ من اللام، وذلك لكئرةِ "لعلّ"، وعمومِ استعمالها، والنونُ تقارب اللامَ في المَخْرج، ولذلك تُدّغم النون عند اللام في نحو قوله: ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ (١)، وتحذف نونُ الوقاية معها كما تحذف مع النون في "لَعَلِّي"، كما تقول: "إنّي" و"كَأَنّي"، وأرى أنّهما لغتان لقلّة التصرّف في الحروف، فاعرفه.
فصل [إبدال التاء]
قال صاحب الكتاب: والتاء أُبدلت من الواو والياء والسين والصاد والباء, فإبدالها من الواو فاء في نحو: "اتَّعَدَ", و"أتَلَجَه". قال [من المديد]:
١٣٠٩ - [رُبَّ رامٍ من بني ثُعَلٍ] ... متلجٍ كفَّيه في قُتَرِهْ
стр. 2330
وتجاهٍ وتيقور وتكلان وتكأة وتكلة وتخمة وتهمة وتقية وتقوى وتترى وتورية وتولج وترات وتلاد. ولاماً في أخت وبنت وهنت وكلتا. ومن الياء فاء في نحو: اتَّسَرَ، ولاماً في أسنتُوا وثنتانِ وكَيْتِ وذَيْتِ. ومن السين في "طستٍ" و"وست" وقوله [من الرجز]:
١٣١٠ - يا قاتل الله بني السِّعلاة ... عمرو بن يربوع شرار النات
غير أَعِفّاء ولا أكياتِ
стр. 2331
ومن الصاد في "لِصْتٍ" قال [من الكامل]:
١٣١١ - [فتركن نهدًا عيَّلاً أبناؤها ... وبني كنانةَ] كاللُّصوتِ المُرَّدِ
ومن الباء في "الذَّعالِت" بمعنى "الذَّعالِب", وهي الأخلاق.
* * *
قال الشارح: قد أُبدلت التاء من خمسة أحرف، وهي الواو والياء والسين والصاد والباء.
فأمّا إبدالها من الواو، فإئه ورد على ضربين: مَقِيسٌ، وغيرُ مقيس، فالمقيسُ "افْتَعَلَ" وما يصرَّف منه إذا بنيتَ ممّا فاؤه واوٌ، نحو: "اتَّعَدَ"، و"اتزَنَ"، و"يَتَّعِدُ"، و"يَتَّزِنُ"، و"مُتَّعِدٌ"، و"مُتَّزِنٌ"، والأصل: "اوْتعَدَ"، وهو"مُوتعِدٌ"، فقلبوا الواو تاء، وادّغموها في تاء افتعل. ومثلُه "اتَّلَجَ". ولو بنيت من "وَجِلَ يَوْجَلُ"، و"وَضُؤَ يَوْضُؤُ" مثلَ "افْتَعَل"، لقلت: "اتَّجَلَ"، و"اتَّضَأَ". وإنّما فعلوا ذاك لأنّهم لو لم يقلبوها تاء هنا، لزمهم قلبُها ياءً إذا انكسر ما قبلها، نحو: "ايتَعَدَ"، و"ايتَزَنَ"، و"ايتَلَجَ"، وفي الأمر: "ايتَعِدْ"، و"ايتَلِجْ"، و"ايتَزِنْ". وإذا انفتح ما قبلها قُلبت ألفًا، نحو: "ياتَعِدُ"، و"ياتَلِجُ"، وذلك على لغة من يقول في "يَوْجَلُ": "يَاجَلُ"، ثمّ تردّها واوًا إذا انضمّ ما قبلها. ولمّا رأوا مَصِيرهم إلى تغيُّرها لتغيُّر أحوالِ ما قبلها، قلبوها إلى التاء؛ لأنها
стр. 2332
حرفٌ جَلْدٌ قويٌّ لا يتغير بتغيُّر أحوالِ ما قبله، وهو قريبٌ المَخْرج من الواو، وفيه همسٌ مناسبُ لِينِ الواو، ليُوافِقَ لفظه لفظَ ما بعده، فتُدّغم فيها، ويقع النطقُ بهما دفعةً واحدةً، قال الشاعر [من الطويل]:
١٣١٢ - فإن القَوافِى يَتَّلِجْنَ مَوالِجًا ... تَضايَقَ عنها أن تَوَلَّجَها الإِبَرْ
وقال الآخر [من الطويل]:
١٣١٣ - فإن تَتَّعِدْنِي أتَعِدْكَ بمِثْلها ... وسَوْفَ أَزِيدُ الباقياتِ القَوارِصا
стр. 2333
ومن العرب من أهل الحِجاز من يُجْرِي ذلك على الأصل من غير إبدال، ويحتمل من التغير ما يجتنبه الآخرون، في قوله: "ايتَعَدَ" و"ايِتَزَنَ"، فهو "مُوتَعِدٌ" و"مُوتَزِنٌ"، والأوّلُ أكثر، ولكثرته كان مَقيسًا. وقد قالوا: "أَتْلَجَهُ" في معنى "أَوْلَجَه"، و"ضرَبَهُ حتى أَتُكأهُ"، أي: أَوْكَأه. فأمّا قوله [من المديد]:
مُتْلِجٌ كَفَّيْهِ في قُتَرِهْ
فالبيت لامرىء القيس، وأوّلُه:
رُبَّ رامٍ من بَني ثُعَلٍ
والشاهد فيه إبدالُ التاء من الواو في "مُتْلِج"؛ لأنّه اسمُ فاعل من "أَتلَجَهُ"، و"مُتْلِجٌ": مُدْخِلٌ، ومعناه أنّه يُدْخِل يَدَيْه في القترة لئلاّ يهرب الوحشُ. والقترةُ ناموسُ الصَّيّاد، وهذا القلب غيرُ مطّرد، وقد جاء من ذلك ألفاظٌ متعدّدةٌ، قالوا: "تُجاهٌ"، وهو "فُعالٌ" من الوجه، وهو مستقبَلُ كلّ شيء يقال: "فلانٌ تُجاهَ زيد" أي: قُدّامَه. وقالوا: "تَيْقُورٌ"، وهو "فَيْعُولٌ" من "الوَقار"، فالتاء أصلُها الواو. قال الشاعر [من الرجز]:
١٣١٤ - فإن يكن أَمْسَى البِلى تَيْقُورِي
стр. 2334
معناه أن البلى سكّن حِدّتَه، ووَقَّرَه.
وقالوا: "تكلانٌ" وهو "فُغلانُ" من "وكلتُ، أَكِلُ". يقال: "رجل وُكَلَةٌ تُكَلَةٌ"، أي: عاجزٌ يَكِلُ أمرَه إلى غيره، فالتاء بدلٌ من الواو، ومنه الوَكيل، كأنه مَوْكولٌ إليه، الأصلُ فيهما واحدٌ.
وقالوا: تُخمَةٌ وهو داءٌ كالهَيصة، التاء فيه بدلٌ من الواو؛ لأنّه من الوَخامة والوَخَمِ, وهو الوَبأُ.
وقالوا: "تُهَمَةٌ" وهو فُعَلَةُ من "اتَّهَمْتُ" أي: ظننتُ، والتاء بدل من الواو؛ لأنّه من وَهْم القلب. وقالوا: "تَقِيَّةٌ" و"تَقْوَى"، فـ"تقيَّة" فَعِيلةُ من "وَقَيْتُ"، و"تَقْوَى" فَعْلَى منه، و"تُقاةٌ" فُعَلَةُ منه.
وقالوا: "تَترَى" وهو فَعْلَى من "المُواتَرة"، وهي المتابَعة. وقال اللَّحْيانيّ لا تكون مواترةٌ إلَّا وبينها فَترةٌ، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ (١). وفيها لغتان: التنوين وتركُه، ومن لم يصرف جعل ألفَه للتأنيث، ومن صرفه كانت الألف عنده للإلحاق.
وقالوا: "تَوْراةٌ" لأحد الكُتُب المُنزَلة، التاء فيه بدل من الواو، وأصله "وَوْراةٌ"، فَوْعَلَةُ من "وَرَى الزَّنْدُ". و"تَوْلَجٌ" هو كِناسُ الوَحْش الذي يلِج فيه، وتاؤه مبدلة من الواو، وهو فَوْعَلٌ. قال الراجز:
مُتَّخِذًا في ضَعَواتٍ تَوْلَجا (٢)
يصف ثورًا في عِضاهٍ. وقال البغداديون: "تَوْراةٌ" تَقعَلَةُ، و"تَوْلَجٌ" تَفعَلُ، والصحيح الأول, لأنّ "فَوْعلًا" أكثرُ من "تَفْعَل" في الأسماء، ولو لم يقلبوا الواو في "تَوْراة" عندنا تاء، لزم قلبُها همزة لاجتماع الواوَيْن على حدّ "أَواصِلَ" في جمع "واصِلةٍ"، ولا يلزم ذلك عندهم؛ لأنّ التاء عندهم زائدة، وليست بدلًا. وقالوا: "تُراثٌ" للمال المَوْروث. قال الله تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ (٣). قال الشاعر [من الطويل]:
١٣١٥ - فإن تَهدِمُوا بالغَدْر داري فإنها ... تُراثُ كريمٍ لا يُبالي العَواقِبا
стр. 2335
وأصله: "وُراثٌ" فُعال من "الوِراثة"، يقال: "وَرِثْتُ أَرِثُ وِراثَةً ووِرْثًا وإرْثًا". قلبوا الواو همزةَ على حدّ "وِشاح"، و"إشاح". وقالوا: "تِلادٌ" للمال القديم، وهو الذي وُلد عندك، وهو خِلافُ الطارف والتَّلِيدُ الذي وُلد ببلاد العجم، ثمّ حُمل صغيرًا فنبت ببلاد الإِسلام، فتاؤه من الواو، لأنّه من "الوِلادة".
وقد أُبدلت التاء منها لامًا، قالوا: "أُختٌ"، و"بنْتٌ", و"هَنْتٌ"؛ فأمّا "أخت" فالتاء فيه بدل من الواو التي هي اللام، فأصلُ "أُخْت": "أًخَوَةٌ"، نُقل من "فَعَل" إلى "فُعْل" كـ"قُفْلٍ"، و"بُرْدٍ"، وكذلك "ابنٌ" أصلُه "بَنَوٌ" على زنة "فَعَل" بفتح الفاء والعين كـ"قَلَمٍ"، فنُقل إلى "فِعْل" كـ"عِدْلٍ" و"جِدْعٍ"، فأُبدل من لامَيْهما التاء. وليست التاء فيهما عَلَمَ التأنيث، يدلّ على ذلك سكونُ مَا قبل التاء فيهما، وتاء التأنيث لا يكون ما قبلها إلّا مفتوحًا؛ لأنّها بمثابةِ اسم ضُمّ إلى اسم ورُكّب معه، فيُفْتَح ما قبلها كفتح ما قبل الاسم الثاني من "حَضْرَمَوْتَ"، و"بَعْلَبَكَّ". وإنما عَلَمُ التأنيث في "بِنْت" و"أُخْت" بناؤهما على هاتَين الصيغتَين، ونَقْلُهما عن بناءهما الأوّل، ولذلك تتعاقب الصيغةُ وتاء التأنيث، فيقال: "بِنْتٌ" و"ابْنَةٌ"، فتكون الصيغة في "بنت" مُقابِلةً لتاء التأنيث في "ابنة".
وقد ذهب السيرافيّ إلى أن التاء في "بنت" ونحوها علم التأنيث، قال: ولذلك تسقط في جمع السلامة في "أَخَواتٍ" و"بَناتٍ"؛ وأمّا سكونِ ما قبلها فلأنّه أُريد بها الإلحاقُ؛ وأمّا "هَنْتٌ" فالتاء فيه بدل من الواو أيضًا؛ لقولهم في الجمع: "هَنَواتٌ". قال الشاعر [من الطويل]:
أَرى ابنَ نِزارٍ قد جَفاني ومَلَّني ... على هَنَواتٍ شَأْنُها مُتَتابِعُ (١)
والمراد بها أيضًا الإلحاق بفَعْل، نحو: "بَكْرٍ"، و"عَمرٍو".
стр. 2336
وأمّا "كِلْتَا" في قولهم: "جاءتْني المرأتان كلتاهما"، و"مررت بهما كلتَيْهما"، فمذهبِ سيبويه (١) أنها "فِعْلى" بمنزلة "ذِكرَى"، وأصلها "كِلْوَا"، فأبدلت الواو تاءً فهي عنده اسمٌ مفردٌ يفيد معنى التثنية خِلافًا للكوفيين (٢)، وليس من لفظِ "كُلٍّ" بل من معناه، فقد تقدّم ذلك فيما قبلُ. ومن الياء في نحو: "اتَّسَر"، وهو افْتَعَل من "اليُسْر"، أبدلوا من الياء تاءً كما أبدلوها من الواو في نحو: "اتَّعَدَ"، و"اتزَنَ". ولامًا في "أَسْنَتُوا"، أي: أجدبوا، وهو من لفظ "السَّنَة" على قول من يرى أتى لامها واوٌ، لقولهم: "سَنَةٌ سَنْواءٌ"، و"استأجرتُه مُساناةً". ومنهم من يقول التاء بدل من الواو التي هي لام، ومنهم من يقول: إئها بدل من ياء، وذلك أنّ الواو إذا وقعت رابعة، تنقلب ياءً على حدِّ "أَوْعَيتُ"، و"أَغْزَيتُ"، ثمّ أُبدل من الياء التاء، وهو أقيسُ.
وأمّا "ثِنتانٍ"، فالتاء فيه بدل من الياء، والذي يدلّ أنه من الياء أنه من "ثَنَيْتُ"؛ لأنّ "الاثنَيْن" قد ثُني أحدهما على الآخر، وأصله: "ثَنَيٌ" كـ"قَلَمٍ". يدل على ذلك جَمْعُهم إيّاه على "أَثْنَاءٍ" بمنزلة "أَبْناءٍ" و"آخاءٍ"، فنقلوه من "فعَل" إلىَ "فِعْل"، كما فعلوا ذلك في "بِنْتٍ"، و"أُخْتٍ". فأمّا التاء في "اثْنَتان"، فتاءُ التأنيث بمنزلتها في قولك: "ابْنَتان" تثنيةِ "ابْنَةٍ"، و"ثِنْتان" بمنزلة "بِنْتان". وقد أبدلوها من الياء في "كَيتَ وكَيْتَ"، و"ذَيتَ وذَيْتَ" وأصلهما: "كَيَّةَ"، و"ذَيَّة"، وقد جاء ذلك عن العرب فيما حكاه أبو عُبَيْدة. قالوا: "كان من الأمر كَيَّةَ وكَيَّةَ، وذَيَّةَ وذَيَّةَ"، ثمّ حذفوا تاء التأنيث، وأبدلوا من الياء التي هي لامٌ تاء على سبيل الإلحاق، كما فعلوا ذلك بقولوهم: "بِنْتان"، فقالوا: "كَيْتَ وذَيْتَ". وفيهما ثلاثُ لغات: منهم من يبنيهما على الفتح، فيقول: "كَيْتَ"، و"ذَيْتَ"، ومنهم من يبينهما على الكسر، فيقول: "كَيْتِ" و"ذَيْتِ"، ومنهم من يبنيهما على الضمّ، فيقول: "كَيْتُ"، و"ذَيْتُ". فأمّا "كَيَّةَ" و"ذَيَّةَ"، فليس فيهما مع الهاء إلَّا وجهٌ واحدٌ، وهو البناء على الفتح. وإن قيل فهلاّ قلت: إِن التاء بدل من الواو، وإِنّ أصلَ "كيَّة": "كَيْوَةَ"، فاجتمعت الواوُ والياء، وقُلبت الواو ياءً على حدّ "سَيِّدٍ"، و"مَيِّتٍ"، قيل: لا يجوز؛ لأنّك كنتَ تصير إلى ما لا نظيرَ له في كلامهم، ألا ترى أنه ليس في كلامهم مثلُ "حَيْوَة" ممّا عينُه ياءٌ، ولامُه واوٌ، فاعرفه.
وقد أبدلوا التاء من السين في "سِتٍّ"، وأصله: "سِدْسٌ"؛ لأنّه من التَسْديس، يدلّ على ذلك قولهم في تحقيره: "سُدَيسَةٌ"، لكنّهم قلبوا السين الأخيرة تاءً لِتقرب من الدال التي قبلها، وهي مع ذلك مهموسةٌ كما أن السين مهموسة، فصار التقدير: "سِدْتٌ"، فلمّا
стр. 2337
اجتمعت الدال والتاء، وبيمهما تقاربٌ في المَخرج, أبدلوا الدال تاءً لتوافُقهما في الهمس، ثمّ ادْغموا التاء في التاء، فقالوا: "سِتٌّ". وأمّا قول الشاعر أنشده أحمد بن يَحْيى [من الرجز]:
يا قاتل الله ... إلخ (١)
فإنّه أراد: الناس، وأكياس، وإنّما أبدل من السين تاءً لتوافُقهما في الهمس، وأنّهما من حروف الزيادة، وهي مجاوِرةٌ لها في المخرج توسُّعًا في اللغة، وقد أبدلوها منها في "طَسْتٍ"، وأصله "طَسٌّ"؛ لقولهم في التصغير. "طُسَيْسٌ"، وفي التكسير: "طِساسٌ". وقد أبدلوها من الصاد في "لِصٍّ"، وذلك أنهم قالوا: "لَصٌّ"، و"لُصٌّ"، و"لِصٌّ"، و"لُصْتٌ"، وأصله الصاد، والتاء مبدلة منها. يدل على ذلك قولهم: "تَلصّص عليهم"، و"هو بيّنُ اللُصوصيّة"، و"أرضٌ مَلَصَّةٌ": ذاتُ لُصوصِ. وقالوا في الجمع: "لُصوصٌ". وربّما قالوا: "لُصوتٌ". قال الشاعر [من الكامل]:
فتَرَكْنَ نَهْلًا عُيَّلًا أبناؤها ... وبَنِي كِنانَةَ كاللُّصُوت المُرَّدِ (٢)
ومن قال ذلك جعله لغةً, لأنّها مبدلة من الصاد، واشتقاقُه من "اللَّصَص"، وهو تضايُقُ ما بين الأسنان، كأن اللصّ يُضايِق نفسَه ويُصغِّرها لئلاّ يُرَى.
وقالوا: "الذعاليت" بمعنى الذعالِيب بالباء المعجمة من تحت، وهي قِطَعُ الخِرَق والأخلاقِ. قال الشاعر [من الرجز]:
١٣١٦ - مُنْسَرِحًا عنه ذَعالِيبُ الخِرَقْ
واحدُاها: ذُعْلُوبٌ، فالتاء بدلٌ من الباء.
فصل [إبدال الهاء]
قال صاحب الكتاب: والهاء أبدلت من الهمزة والألف والياء والتاء. فإبدالها من
стр. 2338
الهمزة في "هرقت الماء"، و"هرحت الدابة"، و"هنرت الثوب"، و"هردت الشيء"، عن اللحياني، و"هياك"، و"لهنَّك"، و"هما والله لقد كان كذا"، و"هن فعلتَ فعلتُ" في لغة طييءٍ، وفيما أنشد أبو الحسن [من الكامل]:
١٣١٧ - وأتى صواحبها فقلن: هذا الذي ... منح المودة غيرنا وجَفانا
أي: أذا الذي, ومن الألف في قوله [من مجزوء الرجز]:
إن لم تروها فمه (١)
وفي "أنه" و"حيَّهلَهْ". وقوله [من المتقارب]:
وقد رابني قولها: يا هناهُ ... [ويحك ألحقت شرًّا بشرْ] (٢)
هي مبدلةٌ من الألف المنقلبة عن الواو في "هنواتٍ"، ومن الياء في "هذه أمةُ اللهِ".
стр. 2339
ومن التاء في طلحه وحمزه في الوقف. وحكى قطربٌ أن في لغة طييءٍ: "كيف البنون والبناه، وكيف الإخوةُ والأخواه".
* * *
قال الشارح: قد أُبدلت الهاء من الهمزة والألف والياء والتاء. فأمّا إبدالها من الهمزة، فقد أبدلوها منها إبدالًا صالحًا على سبيل التخفيف، إذ الهمزةُ حرف شديد مستفِل، والهاء حرف مهموس خفيف، ومخرجاهما متقاربان، إلَّا أنّ الهمزة أدخلُ منها فيِ الحَلْق. قالوا: "هَرَقْتُ الماء"، أي: أَرَقْتُه، فأبدلوا الهاء من الهمزة الزائدة؛ فأمّا "أَهْرَقْت"، فالهاء زائدة كالعوض من ذهاب حركة العين على حدّ زيادتها في "اسْطَاعَ". وقالوا: "هرحت الدابّة", أي: أَرَحْتها, و"هنرت الثوب"، أي: أَنَرْتُه، وهو أَفْعَلْتُ من "النَّيْر". وهالوا: "هردت الْشيء"، أى: أردته، حكى ذلك أجمعَ ابن السِّكّيت، وقد أبدلوها منها، وهي أصل، قالوا: "هِيّاك" في "إياّك". قال [من الطويل]:
فهِيّاكَ والأَمْرَ الذي إنْ تَوسّعتْ ... مَوارِدُه ضاقَتْ عليك المَصادِرُ (١)
هكذا أنشده أبوِ الحسن، وقد قُرىء ﴿هِيَّاكَ نَعْبُدُ وَهِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢). وعن قُطْرُبٍ أن بعضهم يقول: "أَيّاك" بفتح الهمزة، ثمّ يُبْدِل منها الهاء، فيقول: "هَيّاك". وقالوا: "لَهِنَّكَ قائمٌ"، والأصل: لإنك، قال الشاعر [من الطويل]:
ألَا يا سنا بَرْقٍ على قُلَلِ الحِمى ... لَهِنَّكَ من بَرْقٍ علىَّ كريمُ (٣)
وقالوا: "هَمَا وَاللهِ لقد كان كذا"، يريدون: أَمَا والله، و"هِنْ فعلتَ"، يريدون: "إنْ"، وهي لغةٌ طائيةٌ، وأنشد أبو الحسن [من الكامل]:
وأتى صواحبها ... إلخ
وهذا الإبدال، وإن كثُر عنهم على ما ذُكر، فإنّه نَزْرٌ يسير بالنسبة إلى ما لم يُبْدَل، فلا يجوز القياس عليه، فلا تقول في "أَحْمَد": "هَحْمَد"، ولا في "إبراهيم": "هبرهيم" ولا في "أُترُجَّة": "هترجّة"، بل تتبع ما قالوا، وتقِف حيث انتهوا.
وأمّا إبدال الهاء من الألف فنحوُ قول الراجز [من الرَّجَز]:
قد وَرَدَتْ من أَمْكنَهْ
من ها هنا ومن هُنَهْ
إنْ لم أُروِّها فَمَهْ (٤)
стр. 2340
أي: من هُنَا. وقوله: "فَمَهْ" يحتمل أمرَيْن: أحدهما: أن يكون أراد "فَمَا"، والألفُ يُكرَه الوقف عليها لخفائها، فأبدل منها الهاء لتقارُبهما في المَخْرج، والمراد بما أَصْنَعُ أو نحو ذلك، ويجوز أن يكون قوله: "فَمَهْ" زَجْرًا، أي: فمَهْ يا إنسانُ، كأنّه يحْاطب نفسَه، ويزجرها.
وأمّا قولههم: "أَنَه" في الوقف على "أنَ فعلتُ"، فيجوز أن تكون الهاء بدلًا من الألف، وهو الأمثلُ؛ لأنّ الأكثر في الاستعمال إنّما هو"أَنَا" بالألف، والهاء قليلة، ويجوز أن تكون الهاء لبيان حركة النون في "أنَ" كالألف، ولا تكون بدلًا منها.
وقالوا: "حَيَّهَلَهْ"، وهو اسمٌ للفعل، وأصله "حَيَّ هَلَ"، رُكبا كخمسةَ عشرَ، والألفُ في "حَيَّهَلَا" لبيان الحركة والهاء بدل من الألف، وقد تقدّم الكلام عليه مستقصًى في المبنيّات. وأمّا قول امرىء القيس [من المتقارب]:
وقد رابَنى قولُها يا هَنا ... هُ وَيحَكَ ألْحَقْتَ شَرًّا بِشَرْ (١)
فهو ممّا اختصّ به النداء، ولم يستعملوه في غير النداء، كما قالوا: "يا لكاعِ"، و"يا خَباثِ"، ولم يستعملوها في غير النداء. وقد اختلف الناس في هائه الأخيرة، والجيدُ فيها أنّ الهاء بدل من الواو التي هي لام الكلمة في "هَنوك"، و"هَنواتٌ" في قوله [من الطويل]:
على هَنَوات شَأنُها مُتتابِعُ (٢)
كَاَن أصلها "هَناوٌ"، "فَعالٌ" منه، فأُبدلت الواو هاء. وصاحبُ هذا الكتاب يشير إلى أن الواو لمّا وقعت طَرَفًا بعد ألف زائدة، فلبت ألفًا، والهاء بدل من تلك الألف. وذهب أبو زيد إلى أنّ الهاء لحقت بعد الألف للوقف لخفاء الألف كما لحقت في الندْبة من نحو: "وا زيدَاهْ"، وحُرّكت تشبيهًا بالهاء الأصلية. ويُحكى هذا القول أيضًا عن أبي الحسن، والألفُ عندهما بدل من الواو التي هي لامُ الكلمة، وهو قولٌ واهٍ من قِبَل أنّ هاء السكت إنّما تلحق في الوقف، فإذا صرتَ إلى الوصل حذفتها البتّةَ، ولم تُوجَد، لا ساكنةً، ولا متحرّكة، ولذلك رُدّ قولُ المُتنبيّ [من البسيط]:
١٣١٨ - وَا حَرَّ قَلْباهُ مِمَّنْ قَلْبُه شَبِمُ ... ومَن بجِسْمِي وحالي عِنْدَه سَقَمُ
стр. 2341
لكونه أَثْبَتَ هاءَ السكت وحرّكها. وذهب آخرون إلى أنّ الهاء في "هَنَاه" أصلٌ، وليست بدلاً، إنما هي لامُ الكلمة كـ"عَضَهَ" و"شَفَهَ"، وهو قول ضعيف لقلّةِ باب "سَلِسَ"، و"قَلِقِ".
وقد أبدلت الهاء من الياء في "هذِه"، والأصل "هذِي"، وذلك أنّ المذكر "ذَا" والمؤنث "تا"، و"ذى"، وليست الياء في "ذِي" للتأنيث إنّما هي عين الكلمة، والتأنيثُ يُفْهم من نفس الصيغة كما قلنا في "بِنْت" و"أُخْت"، والذي يدل على أن الياء هي الأصل، والهاء مبدلة منها، أنّك تقول في تحقيرِ "ذَا": "ذَيَّا". و"ذِي" إنّما هي تأنيثُ "ذا" ومن لفظه، فكما لا تجد الهاء في المذكّر أصلاً، فكذلك هي أيضًا في المؤنث بدلٌ غيرُ أصل. وإذا ثبت أن الهاء بدلٌ من الياء، فكما أن الياء ليست للتأنيث كذلك الهاء التي هي منها، إذ لو كانت للتأنيث لكانت زائدة، وهي ها هنا بدل من عين الكلمة، كما أنّ ميمَ "فَم" بدل من الواو, هذا نصُّ سيبويه (١) مع أنّ تاء التأنيث تكون في الوصل تاءً, نحو: "حَمْزةَ"، و"طَلْحَةَ"، و"قائمة"، و"قاعدة"، وهذه هاءٌ وصلًا ووقفًا.
واعلم أن من العرب من يُسكِن هذه الهاء وصلًا ووقفًا، كما كانت الياء كذلك، ومنهم من يُشبِّهها بهاء الضمير؛ لكونها متّصلة باسم مبهم غيرِ متمكّن، فيكسرها في الوصل، فيقول: "هذِهِ هندٌ"، و"هذِهِ جُمْلُ"، كما تقول: "مررت بهِ"، و"نظرت إلى غلامهِ"، ويُرْدِفها بياء لبيان كسرة الهاء، ومن يقول ذلك يقف على الهاء ساكنةً.
стр. 2342
وممّا يدلّ أنّ الياء لبيان الحركة، وأنّ الهاء ليست للتأنيث، أنّك لو سمّيت رجلًا بـ "ذِه" لأعربت، ونوّنت، وقلت: "هذا ذِهٌ"، و"رأيت ذِهًا"، و"مررت بذِهٍ"، فتحذف الياء للاستغناء عنها بالحركات، وتصرفه، ولو كانت الهاء للتأنيث لم تصرفه كما لم تصرف "حمزة" و"طلحة"، وهذا واضحٌ.
وأمّا إبدالها من التاء في نحو: "حمزة"، و"طلحة"، فإذا وقفتَ على هذه التاء، أبدلت منها الهاء، وقد تقدّم الكلام عليها في حروف الزيادة. ومنهم من يُجْرِي الوصل مجرى الوقف، فيقول: "ثَلَاثَة ارْبَعَهْ". ومنهم من يجري الوقف مجرى الوصل، فيقول [من الرجز]:
بل جَوْزِ تَيهاءَ كظَهْرِ الحَجَفَتْ (١)
وحكى قطرب عن طيِّىء أتهم يقولون: "كيف البنون والبَناهْ، وكيف الإِخوةُ والأَخَواه"، فأبدلوا من تاء الجمع هاءً في الوقف، كما يبدلونها من تاء التأنيث الخالصة، وذلك شاذّ. وقد قالوا: "التابُوهُ" في التابُوت، وهي لغة، ووزنُه فَعَلُوتٌ، كـ"رَحَمُوتٍ"، فهو كـ"الطاغوت"، وأصله: "تَوَبُوتٌ"، فقلبوا الواو ألفًا، و"التابوهُ" لغة الأنصار، و"التابوتُ" لغةُ قُرَيْش، وقال ابن مَعْن: لم يختلف الأنصارُ وقريشُ في شيء من القرآن إلَّا في "التابوت". ووقف بعضهم على "اللات" بالهاء، فقال: "اللاه" (٢).
فصل [إبدال اللام]
قال صاحب الكتاب: واللام أبدلت من النون والضاد في قوله [من البسيط]:
وقفت فيها أصيلالاً أُسائلُها ... [عيّت جوابًا وما بالرَّبع من أحد] (٣)
وقوله [من الرجز]:
[لما رأي أن لا دعه ولا شبع] ... مال إلى أرطاة حقفٍ فالطجع (٤)
* * *
قال الشارح: قد أبدلت اللام من النون في قوله [من البسيط]:
وقفت فيها أُصيلالًا أسائلها
стр. 2343
الشعر للنابغة الذُبْيانيّ، وتمامُه [من البسيط]:
عَيّت جَوابًا وما بالرَبْع من أَحَدِ (١)
والمراد: "أُصَيلانًا"، تصغيرُ "أَصِيلٍ" على غير قياس، وإنّما أبدلوا من اللام النون. فإن قيل: لِمَ زعمتم أن اللام بدل من النون؟ وهلاّ كانت النون هي المبدلة من اللام، واللامُ لامٌ مكرّرةٌ من الأولى كما كُرّرت اللام في "حِنْدَقُوقٍ" (٢) و"مَجَنُونٍ" (٣). قيل: لا يجوز ذلك؛ لأنّ اللام لو كانت أصلاً لم تثبت الألفُ قبلها في التصغير، ولانقلبت على حدّ انقلابها في "شِمْلالٍ"، و"سِرْبالٍ"، وكنت تقول: "أصَيلِيلٌ" كما تقول: "شُمَيْلِيلٌ" و"سُرَيبِيلٌ". ولمّا لم يُقَل ذلك بل ثبتت، دلّ أنّ اللام بدل، والنون أصل، وأنّها في حكم المنطوق بها, ولذلك لو سمّيتَ به رجلاً، لم تصرفه في المعرفة؛ لأنّ النون كالثابتة، يدلّ على ذلك ثباتُ الألف قبلها، كما كانت إرادةُ التأنيث في "حَمْراءَ"، و"صَفْراءَ" بمنزلة ثبات الألف. وكذلك كان "هَراقَ" إذا سمّيتَ به بمنزلة "أراقَ"، فكما أن هذه الأشياء في حكم ما انقلبت عنه, كذلك اللامُ هنا في حكم النون، وهو فيه أَبْيَنُ لِما ذكرناه من ثبات الألف.
ويؤيّد كونَ النون أصلًا قولُهم في تصغير "عَشِيَّةٍ": "عُشَيانٌ"، كأنّه تصغيرُ "عَشيانٍ" على زنة "فَعْلانَ"، وقد ظهر فيه النونُ، كذلك "أُصَيلانٌ". وقد ذهب قومٌ إلى أنّه جمعٌ، كأنّهم جمعوا "أَصِيلًا" على "أُصْلانٍ" على حدّ "رغِيفٍ" و"رُغفانٍ"، ثمّ صغّروه، فصار "أُصَيلانًا"، ثمّ أبدلوا اللام من النون، وقالوا: "أُصَيْلالٌ". وهو قول فاسد, لأنّ هذا الضرب من الجمع لا يُصغَّر، وإنّما هو اسم مفرد اختصّ به التحقيرُ، كما اختصّ بـ "عُشيشة" و"أُبَينُونَ"، ونحو ذلك من الأسماء التي لم تُستعمل إلَّا في التحقير.
وقد أبدلوها من الضاد في قول الراجز [من الرجز]:
لما رأى أن لا دَعَهْ ولا شِبَعْ ... مالَ إلى أَرْطاةِ حِقْفٍ فالْطَجَعْ (٤)
والمراد: "اضْطَجَعَ"، فأبدل من الضاد اللام، ويُروى: "فاضطجع" على الأصل، و"اطَّجَع"، فأبدل من الضاد طاءً، ثمّ ادّغمها في الطاء؛ لاجتماعهما في الجَهْر والإطباق.
стр. 2344
فصل [إبدال الطاء]
قال صاحب الكتاب: والطاء أُبدلت من التاء في نحو: "اصطبر"، و"فحصطُ برجلي".
* * *
قال الشارح: قد أبدلت الطاء من التاء إبدالًا مطّردًا، وذلك إذا كانت فاء "افْتَعَلَ" أحدَ حروف الإطباق، وهي أربعةٌ: الصاد والضاد والطاء والظاء، نحو: "اصطبر يصطبر" و"اضطرب يضطرب"، و"اطَرَدَ"، و"اظْطَلَم"، والأصل: "اصتبر"، و"اضترب"، و"اطترد"، و"اظتلم". والعلّةُ في هذا الإبدال أن هذه الحروف مستعليةٌ فيها إطباقٌ، والتاء حرف مهموس غيرُ مستعلٍ، فكرهوا الإتيانَ بحرف بعد حرف يُضادّه وينافيه، فأبدلوا من التاء طاء؛ لأنّهما من مَخْرج واحد، ألا ترى أنه لولا الإطباقُ في الطاء لكانت دالًا، ولولا جَهرُ الدال لكانت تاءً، فمخرجُ هذه الحروف واحدٌ، إلَّا أن ثمّ أحوالًا تفرق بينهنّ من الإطباق والجهر والهمس، وفي الطاء إطباقٌ واستعلاءٌ يوافق ما قبلها، فيتجانس الصوتُ، ويكون العملُ من وجه واحد، فيكون أخفَّ عليهم.
ومثلُه الإمالة، ليس الغرض منها إلَّا تقريب صوت من صوت، ونظائرُ ذلك كثيرةٌ، وهذا الإبدالُ وقع لازمًا، فلا يُتكلّم بالأصل كما أن أصل "سَيِّدٍ" و"مَيِّتٍ": "سَيْوِدٌ" و"مَيْوِتٌ"، ولا يُتكلّم بهما، فكذلك "اضْتَرَب" افْتَعَلَ من "الضرب"، و"اظتَلَم" افْتَعَل من "الظلم"، ولا يُتكلّم بشيء من ذلك. قال الشاعر [من البسيط]:
١٣١٩ - [هو الجوادُ الذي يُعْطيك نائِلَهُ عَفْوًا] ... ويُظلَمُ أَحْيانًا فيَظَّلِمُ
стр. 2345
قال أبو عثمان: هذا هو الكلام الصحيح. ومن العرب من يُبدِل التاء إلى ما قبلها، فيقول: "اصَّبَرَ يَصَّبِرُ"، و"اضَّرَبَ يَضَّربُ"، وقُرىء ﴿أَن يُصْلِحَا﴾ (١)، كأنّ هؤلاء لما أرادوا تجانُسَ الصوت وتشاكُلَه، قلبوا الحرف الثاني إلى لفظ الأوّل، وادّغموه فيه؛ لأنّه أبلغُ في الموافقة. ومن العرب مَن إذا بنى ممّا فاؤه ظاءٌ معجمةٌ "افْتَعَلَ"، أبدل التاء طاءَ غيرَ معجمة، ثمّ يبدل من الظاء التي هي طاءً لما بينهما من المقاربة، ثمّ يدّغمها في الطاء المبدلة من تاء "افْتَعَل"، فيقول: "اطَّهَرَ حاجتي، واطَّلَمَ"، والأصل: "اظطهر"، و"اظطلم"، ولا يفعلون ذلك مع الصاد والضاد لئلّا يذهب صَفيرُ الصاد، وتَفَشِّي الضادِ بالادّغام. والصحيحُ الأوّل؛ لأنّ المطرد إذا أُريد الادّغام قلبُ الحرف الأوّل إلى لفظ الثاني، فلذلك ضعُف الوجه الثاني, لأنّ فيه قلبَ الثاني إلى لفظ الأول، فإذا الوجهُ الثالث أقْيَسُ من الوجه الثاني وإن كان الثاني أكثر منه. ويُنْشَد بيت زُهَير [من البسيط]:
هو الجَوادُ الذي يُعْطِيك نائِلَهُ ... عَفْوًا ويُظْلَمُ أَحْيانًا فيَظْطَلِمُ
ويُروى: "فيَظّلِمُ"، على حدّ "اصَّبَرَ" على الوجه الثاني، وهو قلبُ الثاني إلى لفظ الأول، وادّغامُ الأول في الثاني، وهو شاذّ في القياس وإن كان كثيرًا في الاستعمال، ويروى: "فيَطَّلِمُ" بالطاء غير المعجمة على الوجه الثالث، ويروى: "فيَنْظَلِمُ" بنون المطاوَعة، نحو: "كَسَرَ، وانكسر".
ولا يجري المنفصلُ في ذلك مجرى المتصل لا تقول في "قَبضْ تِلكَ": "قَبطلْكَ"، ولا "قَبِّطلْكَ"، لعدم لزومه وجوازِ الوقف على الأول. وكذلك "قَبَضْتُ" لا يلزم فيه ذلك, لأنّ التاء ضميرُ الفاعل، وهو اسمٌ قائمٌ بنفسه غيرُ الفعل حقيقةٌ، فلا تقول: "قَبَضْطُ"، ولا "قَبَطُّ". ومن العرب من يُشبِّه هذا التاء بتاء "افتعل"، ويقول:
стр. 2346
"قَبَضْطُ" و"قَبَطُّ"، وهي لغة لبعض بني تميم. قال الشاعر [من الطويل]:
وفي كلّ حَيٍّ قد خَبَطّ بنِغمَةٍ ... فَحُقَّ لشَأسٍ مِن نَداك ذَنُوبُ (١)
وذلك لأنّ الفاعل وإن كان منفصلًا من الفعل، فقد أجري مجرى بعض حروفه حكمًا. ألا ترى أنّهم سكّنوا آخِرَ الفعل عند اتّصال ضمير الفاعل به، نحو: "ضَرَبْتُ"، و"كَتَبْتُ"، لئلّا يجتمع في كلمة أربعٌ متحركاتٌ لوازمُ، ولا يفعلون ذلك به عند اتصال ضمير المفعول، نحو: "ضَرَبَكَ"، و"شَتَمَكَ"، ومن ذلك استقباحُهم العطفَ على ضمير الفاعل من غير تأكيد، ولم يستقبحوا ذلك في المفعول، فلمّا كان الفاعل قد أُجري في هذه المواضع مجرَى ما هو من الفعل، أجروا التاء التي هي ضمير الفاعل مجرى التاء في "افْتَعَل"، فإذًا الإبدالُ في "اضطَرَب" ونظائره قياسٌ مطّردٌ، وفي "فَحَصْطُ" ونحوه شاذّ لا يقاس عليه، ماعرفه.
فصل [إبدال الدال]
قال صاحب الكتاب: والدال أُبدلت من التاء في "ازدجر"، و"ازْدان"، و"فُزْدُ"، و"اذْدكر" غير مدغم فيما رواه أبو عمرو, و"اجدمعوا", و"اجدزَّ" في بعض اللغات. قال [من الرجز]:
١٣٢٠ - [فقلت لصاحبي لا تحبسانا ... بنزع أصوله] واجدَزَّ شيحا
وفي "دولجٍ".
* * *
стр. 2347
قال الشارح: متى كانت فاء "افْتَعَل" زاء قُلبت التاء دالاً، وذلك نحو. "ازدجر"، و"ازدهى"، و"ازدان"، و"ازدلف"، والأصل: " ازتجر"، و"ازتهى"، و"ازتان"، و"ازتلف"، لأنّه افْتَعَل من "الزَّجْر"، و"الزهو"، و"الزِّينة"، و"الزَّلَف"، فلمّا كانت الزاي مجهورةً، والتاء مهموسةً، وكانت الدال أختَ التاء في المَخرج، وأختَ الزاي في الجهر؛ قرّبوا صوتَ أحدهما من الآخر، وأبدلوا التاء أشبه الحروف من موضعها بالزاء، وهي الدال، فقالوا: "ازدجر"، و"ازدان"، قال الشاعر [من الكامل]:
١٣٢١ - إلاَّ كَعَهْدِكُمُ بذى بَقَرِ الحِمَى ... هَيهاتَ ذو بَقَرٍ مِن المُزْدار
ومن كلام ذى الرُمّة فيْ بعض أخباره: "هل عندك من ناقةٍ نَزْدارُ عليها مَيًّا". وأُنْشد لرُؤْبَة [من الرجز]:
١٣٢٢ - فيها ازدهافٌ أيَّما ازدهافِ
وهو من أبيات الكتاب، والمراد بذلك كلّه تقريبُ الصوت بعضِه من بعض على حدّ
стр. 2348
قولهم: "سَبَقْتُ"، و"صَبَقْتُ"، و"سَوِيقٌ"، و"صَوِيقٌ". وهذا ونحوه قياس مستمِرّ. وقد قُلبت تاء "افْتَعَل" دالًا مع الجيم في بعض اللغات، قالوا: "اجْدمَعُوا" في "اجتمعوا"، و"اجْدَزَّ" في "اجتَزَّ". وأنشدوا [من الوافر]:
فقلتُ لصاحِبي لا تَحْبِسانَا ... بنَزْعِ أُصُولِه واجْدَزَّ شِيحَا
وأمّا "فُزْدُ"، فالأصل "فُزْتُ" من "الفَوْز"، أبدلوا من التاء دالًا لمكان الزاي. ولا يقاس ذلك، بل يُسمع، فلا تقول في "اجتراء": "اجدراءٌ"، ولا في "اجترح": "اجدرح". وقد حملهم طلبُ التجانس وتقريب الصوت بعضه من بعض على أن أبدلوا من التاء دالًا في غيرِ "افتعل". وذلك نحو قولهم: "دَوْلَجٌ" في "تَوْلَج". كأنهم رأوا التاء مهموسةً، والواوَ مجهورةً، فأبدلوا من التاء الدالَ؛ لأنّها أختُها في المَخْرج، وأختُ الواو في الجهر، فتحصل المجانسةُ في الصوت، وهذا قليل شاذّ فيْ الاستعمال، وإن كان حسنًا في القياس، ولقلّة استعماله لا يقاس عليه.
وأمّا "ادَّكَرَ" و"اذَّكَرَ" و"اذَّرَى" فليس ذلك ممّا نحن بصَدَده، إنّما هو إبدالُ ادّغام. وقد قلبوا تاء "افْتَعَل" مع الذال بغير ادّغام دالًا. حكى أبو عمرو عنهم: "اذدكر"، وهو "مُذْدَكِرٌ" وأنشدوا لأبي حُكاك [من الرجز]:
١٣٢٣ - تَنْحِي على الشَوْكِ جُرازًا مِقْضَبا ... والهَرْمَ تُذرِيهِ اذْدِراءً عَجَبا
стр. 2349
فصل [إبدال الجيم]
قال صاحب الكتاب: والجيم أُبدلت من الياء المشددة في الوقف. قال أبو عمرو: قلت لرجل من بني حنظلة: "مِمَّن"؟ فقال: "فُقَيْمِجْ", فقلت: "من أيهم"؟ فقال: "مرِّج". وقد أجرى الوصل مجرى الوقف من قال [من الرجز]:
خالي عويف وأبو علج ... المطعمان اللَّحم بالعشج
وبالغداة كُتل البرنج ... يقلع بالود وبالصيصج (١)
وأنشد ابن الأعرابي [من الرجز]:
١٣٢٤ - كأن في أذنابهن الشول ... من عبس الصيف قرون الإجَّل
وقد أبدلت من غير المشددة في قوله [من الرجز]:
١٣٢٥ - لاهُمَّ إن كنت قبلت حجَّتِجْ ... فلا يزال شاحجٌ يأتيك بجْ
стр. 2350
أقمر نهاتٌ يُنزى وفرتج
وقوله [من الرجز]:
١٣٢٦ - حتى إذا أمسجت وأمسجا
* * *
قال الشارح: الجيم تبدل من الياء لا غير؛ لأنّهما أختان في الجهر والمخرج، إلّا