"قَبَضْطُ" و"قَبَطُّ"، وهي لغة لبعض بني تميم. قال الشاعر [من الطويل]:
وفي كلّ حَيٍّ قد خَبَطّ بنِغمَةٍ ... فَحُقَّ لشَأسٍ مِن نَداك ذَنُوبُ (١)
وذلك لأنّ الفاعل وإن كان منفصلًا من الفعل، فقد أجري مجرى بعض حروفه حكمًا. ألا ترى أنّهم سكّنوا آخِرَ الفعل عند اتّصال ضمير الفاعل به، نحو: "ضَرَبْتُ"، و"كَتَبْتُ"، لئلّا يجتمع في كلمة أربعٌ متحركاتٌ لوازمُ، ولا يفعلون ذلك به عند اتصال ضمير المفعول، نحو: "ضَرَبَكَ"، و"شَتَمَكَ"، ومن ذلك استقباحُهم العطفَ على ضمير الفاعل من غير تأكيد، ولم يستقبحوا ذلك في المفعول، فلمّا كان الفاعل قد أُجري في هذه المواضع مجرَى ما هو من الفعل، أجروا التاء التي هي ضمير الفاعل مجرى التاء في "افْتَعَل"، فإذًا الإبدالُ في "اضطَرَب" ونظائره قياسٌ مطّردٌ، وفي "فَحَصْطُ" ونحوه شاذّ لا يقاس عليه، ماعرفه.
فصل [إبدال الدال]
قال صاحب الكتاب: والدال أُبدلت من التاء في "ازدجر"، و"ازْدان"، و"فُزْدُ"، و"اذْدكر" غير مدغم فيما رواه أبو عمرو, و"اجدمعوا", و"اجدزَّ" في بعض اللغات. قال [من الرجز]:
١٣٢٠ - [فقلت لصاحبي لا تحبسانا ... بنزع أصوله] واجدَزَّ شيحا
وفي "دولجٍ".
* * *
стр. 2347
قال الشارح: متى كانت فاء "افْتَعَل" زاء قُلبت التاء دالاً، وذلك نحو. "ازدجر"، و"ازدهى"، و"ازدان"، و"ازدلف"، والأصل: " ازتجر"، و"ازتهى"، و"ازتان"، و"ازتلف"، لأنّه افْتَعَل من "الزَّجْر"، و"الزهو"، و"الزِّينة"، و"الزَّلَف"، فلمّا كانت الزاي مجهورةً، والتاء مهموسةً، وكانت الدال أختَ التاء في المَخرج، وأختَ الزاي في الجهر؛ قرّبوا صوتَ أحدهما من الآخر، وأبدلوا التاء أشبه الحروف من موضعها بالزاء، وهي الدال، فقالوا: "ازدجر"، و"ازدان"، قال الشاعر [من الكامل]:
١٣٢١ - إلاَّ كَعَهْدِكُمُ بذى بَقَرِ الحِمَى ... هَيهاتَ ذو بَقَرٍ مِن المُزْدار
ومن كلام ذى الرُمّة فيْ بعض أخباره: "هل عندك من ناقةٍ نَزْدارُ عليها مَيًّا". وأُنْشد لرُؤْبَة [من الرجز]:
١٣٢٢ - فيها ازدهافٌ أيَّما ازدهافِ
وهو من أبيات الكتاب، والمراد بذلك كلّه تقريبُ الصوت بعضِه من بعض على حدّ
стр. 2348
قولهم: "سَبَقْتُ"، و"صَبَقْتُ"، و"سَوِيقٌ"، و"صَوِيقٌ". وهذا ونحوه قياس مستمِرّ. وقد قُلبت تاء "افْتَعَل" دالًا مع الجيم في بعض اللغات، قالوا: "اجْدمَعُوا" في "اجتمعوا"، و"اجْدَزَّ" في "اجتَزَّ". وأنشدوا [من الوافر]:
فقلتُ لصاحِبي لا تَحْبِسانَا ... بنَزْعِ أُصُولِه واجْدَزَّ شِيحَا
وأمّا "فُزْدُ"، فالأصل "فُزْتُ" من "الفَوْز"، أبدلوا من التاء دالًا لمكان الزاي. ولا يقاس ذلك، بل يُسمع، فلا تقول في "اجتراء": "اجدراءٌ"، ولا في "اجترح": "اجدرح". وقد حملهم طلبُ التجانس وتقريب الصوت بعضه من بعض على أن أبدلوا من التاء دالًا في غيرِ "افتعل". وذلك نحو قولهم: "دَوْلَجٌ" في "تَوْلَج". كأنهم رأوا التاء مهموسةً، والواوَ مجهورةً، فأبدلوا من التاء الدالَ؛ لأنّها أختُها في المَخْرج، وأختُ الواو في الجهر، فتحصل المجانسةُ في الصوت، وهذا قليل شاذّ فيْ الاستعمال، وإن كان حسنًا في القياس، ولقلّة استعماله لا يقاس عليه.
وأمّا "ادَّكَرَ" و"اذَّكَرَ" و"اذَّرَى" فليس ذلك ممّا نحن بصَدَده، إنّما هو إبدالُ ادّغام. وقد قلبوا تاء "افْتَعَل" مع الذال بغير ادّغام دالًا. حكى أبو عمرو عنهم: "اذدكر"، وهو "مُذْدَكِرٌ" وأنشدوا لأبي حُكاك [من الرجز]:
١٣٢٣ - تَنْحِي على الشَوْكِ جُرازًا مِقْضَبا ... والهَرْمَ تُذرِيهِ اذْدِراءً عَجَبا
стр. 2349
فصل [إبدال الجيم]
قال صاحب الكتاب: والجيم أُبدلت من الياء المشددة في الوقف. قال أبو عمرو: قلت لرجل من بني حنظلة: "مِمَّن"؟ فقال: "فُقَيْمِجْ", فقلت: "من أيهم"؟ فقال: "مرِّج". وقد أجرى الوصل مجرى الوقف من قال [من الرجز]:
خالي عويف وأبو علج ... المطعمان اللَّحم بالعشج
وبالغداة كُتل البرنج ... يقلع بالود وبالصيصج (١)
وأنشد ابن الأعرابي [من الرجز]:
١٣٢٤ - كأن في أذنابهن الشول ... من عبس الصيف قرون الإجَّل
وقد أبدلت من غير المشددة في قوله [من الرجز]:
١٣٢٥ - لاهُمَّ إن كنت قبلت حجَّتِجْ ... فلا يزال شاحجٌ يأتيك بجْ
стр. 2350
أقمر نهاتٌ يُنزى وفرتج
وقوله [من الرجز]:
١٣٢٦ - حتى إذا أمسجت وأمسجا
* * *
قال الشارح: الجيم تبدل من الياء لا غير؛ لأنّهما أختان في الجهر والمخرج، إلّا
стр. 2351
أن الجيم شديدة، ولولا شدّتُها لكانت ياءً، وإذا شُدّدت الياء صارت جيمًا، قال يعقوب: بعضُ العرب إذا شدّد الياء صيّرها جيمًا، قال الشاعر [من الرجز]:
كأنّ في أذنابهنّ ... إلخ
يريد: الإيَّل، فلمّا شدّد الياء جعلها جيمًا، يقال: لا "أَيِّلٌ"، وهو فَيعِلٌ من "آل يَؤولُ"، و"إِيَّلٌ" بكسر الهمزة وفتح الياء وبتشديدها، وهو فِعَّلٌ منه، وأصلُ هذا الإبدال في الوقف على الياء لخفائها وشَبَهها بالحركة. قال أبو عمرو: قلت لرجل من بني حنظلة: "ممن أنت؟ فقال: فقيمجْ؟ أي: فقيميٌّ، فقلت: من أيّهم؟ فقال: مرّجْ؟. أي: مرّيٌّ، وأمّا قول الراجز، أنشده الأصمعيّ، قال: أنشدني خَلَفٌ الأحمرُ، قال أنشدني رجلٌ من أهل البادية [من الرجز]:
خالي عويف ... إلخ
يريد: أبو عليّ، والعَشِيّ، والصيصِيّ. والصيصِيُّ: قَرْنٌ يُقلع به التمر، والجمعُ الصَّياصِي، فإئه أجرى الوصل مجرى الوقف. وقال الآخر أنشده الفراء [من الرجز]:
لاهمّ إن كنت قبلت ... إلخ
ويروى: "شامخٌ يأتيك بجْ"، يريد بعيرًا مستكبِرًا. فأمّا قوله [من الرجز]:
حتّى إذا ما أمسجت وأمسجا
فقد قيل: إن الجيم فيه بدلٌ من الياء على ما تقدّم، وإنّ الأصل: أَمْسَيَتْ، فأبدل من الياء الجيمَ، وقد قيل: إِن الجيم بدل من ألف "أَمْسى"، وساغ إبدالُها من الألف، وإن كانت الجيم لا تُبدل من الألف، لكن الذي سوّغ هنا كونُ الألف مبدلةً من الياء، ألا ترى أن الألف قد حُذفت في قوله تعالى: ﴿يا أبَتَ﴾ (١) بالفتح، والمراد: "يا أَبَتَا" حيث كانت بدلًا من الياء التي للإضافة، وهذا يدلّ أنّ حُكْم البدل كحكم المبدل منه، وأنّ ما حُذف لالتقاء الساكنين يكون في حكم الثابت، ولذلك أبدل الجيم من المحذوف لالتقاء الساكنين، فاعرفه.
فصل [إبدال السِّين]
قال صاحب الكتاب: والسين إذا وقعت قبل غين أو خاء أو قاف أو طاء, جاز إبدالها صاداً كقولك: "صالغٌ"، و"أصبغ نعمه", و"صخَّر"، و"صَلَخ", و ﴿مسَّ
стр. 2352
صقر﴾ (١) , ويصاقون وصقت، وصبقت، وصويقٌ، والصَّملقُ، و"صِراطٌ"، و"صاطِعٌ" و"مُصَيْطرٌ".
* * *
قال الشارح: إنّما ساغ قلبُ السين صادًا إذا وقعت قبل هذه الحروف، من قبل أنّ هذه الحروف مجهورةٌ مستعلية، والسينُ مهموس مستفِل، فكرهوا الخروجَ منه إلى المستعلى؛ لأنّ ذلك ممّا يثقل، فأبدلوا من السين صادًا؛ لأنّ الصاد تُوافِق السينَ في الهمس والصفير، وتوافق هذه الحروف في الاستعلاء، فيتجانس الصوت، ولا يختلف، وهذا العملُ شبيه بالإمالة في تقريب الصوت بعضِه من بعض من غير إيجاب. فإن تأخّرت السينُ عن هذه الحروف، لم يسغ فيها من الإبدال ما ساغ فيها متقدّمة, لأنّها إذا كانت متأخرة، كان المتكلّم منحدرًا بالصوت من عالٍ، ولا يثقل ذلك ثِقَلَ التصعيد من منخفض، فلذلك لا تقول في. "قِسْتُ"، "قِصْتُ" ولا في "يَخسَرُ المتاعَ": "يَخْصَرُ"، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: وإذا وقعت قبل الدال ساكنة، أبدلت زايًا خالصة، كقولك في "يَسْدَرُ": "يَزدَرُ"، وفي "يسدلُ ثوبَه": "يزدُل". قال سيبويه (٢): ولا تجوز المضارَعةُ، يعني إشراب صوت الزاى، وفي لغة كلْب تُبدَل زايًا مع القاف خاصة، يقولون ﴿مَسَّ زَقَرَ﴾ (٣).
* * *
قال الشارح: إذا وقعت السين قبل الدال ساكنةً، أبدلت زايًا خالصة، نحو:، يَزْدَرُ" في "يسدر" إذا تَحيّر، و"يَزْدُلُ" في "يسدل" ثوبه إذا أرخاه، والعلّة في ذلك أن السين حرف مهموس، والدال حرف مجهور، فكرهوا الخروج من حرف إلى حرف ينافيه، ولم يمكن الادّغام، فقزبوا أحدهما من الآخر، فأبدلوا من السين زايًا؛ لأنّها من مَخْرجها، وأختُها في الصغير" وتوافِق الدال في الجهرِ، فيتجانس الصوتان.
وقوله: "ولا تجوز المضارعة" يريد أن تشرِب السينَ صوتَ الزاي كما كان كذلك في الصاد؛ لأنّ الصاد فيها إطباقٌ، فضارعوا لئلا يذهب الإطباقُ، وليست السينُ كذلك.
فصل [إبدال الصاد]
قال صاحب الكتاب: والصاد الساكنة إذا وقعت قبل الدال, جاز إبدالها زايًا خالصةً
стр. 2353
في لغة فصحاء من العرب ومنه لم يحرم من فزد له (١) , وقول حاتمٍ: "هكذا فزدي أنه", وقال الشاعر [من الطويل]:
١٣٢٧ - ودع ذا الهوى قبل القلى ترك ذي الهوى ... متين القوى خير من الصرم مزدرا
وأن تضارع بها الزاي فإن تحركت لم تبدل, ولكنهم قد يضارعون بها الزاي فيقولون "صدر" و"صدق" و"الصراط". و"المصادر". قال سيبويه (٢): والمضارعة أكثر وأعرب من الإبدال, والبيان أكثر، ونحو الصاد في المضارعة الجيم والشين, تقول: "هو أجدر وأشدق".
* * *
قال الشارح: إذا وقعت الصاد ساكنةً، وبعدها الدالُ، جار فيها ثلائةُ أوجه: أحدها أن تجعلها صادًا خالصةً، وهو الأصل، قال سيبويه: وهو الأكثر، والثاني إبدالُها زايًا خالصة، والثالث أن يُضارعَ بها الزايُ. ومعنى المضارعة أن تُشْرِب الصادَ شيئًا من صوت
стр. 2354
الزاي، فتصير بين بين، فمثالُ الثاني - وهو الإبدال - قولهم في "مَصْدَر": "مَزْدَرٌ"، وفي "أَصْدَرْتُ ": "أَزْدَرْتُ"، ومنه قولهم في المثل: "لم يحرم من فزْد له"، والمراد: "فُصِدَ"، فأُسكنت الصاد تخفيفًا على حدّ قولهم في "ضُرِبَ": "ضُرْبَ"، وفي "قَبِلَ": "قَبْلَ"، ثمّ قلبوا الصاد التي هي الأصل زايًا.
ومعنى هذا المثل أئه كان عادتهم إذا ورد على أحدهم ضَيْفٌ، ولم يَحْضُرْه قِرّى، عمد إلى راحلته، ففصدها، وتَلقّى من دمها، واشتووه له، فيتبلَّغ به، فقيل: "لم يُحرَمْ من فُزْدَ له". يُقرَب ذلك لمن قصد أمرًا، ونال بعضَه.
ومن ذلك قولُ حاتم، وقد عقر إبلاً لضَيْف، فقيل له: هلاّ فصدتَها؟ فقال: "هذا فَزْدِى أنَهْ", أي: فصدي، والهاء في "أنَهْ" إمّا للسكت، وإمّا بدلاً من الألف في "أَنَا".
فمن أبدل من الصاد زايًا خالصةً، فحجّتُه أن الصاد مُطبَقة مهموسةٌ رِخْوَةٌ، فقد جاورت الدالَ، وهي مجهورة شديدة غير مطبقة، فلمّا كان بين جَرْسَيْهما هذا التنافي، نَبَتِ الدالُ عنها بعضَ نُبُوٍّ، فقرّبوا بعضَها من بعض، ولم يمكن الادّغام، ولم يجترئوا على إبدال الدال, لأنها ليست زائدة كالتاء في "افْتَعَل"، نحو: "اصْطَبر"، فأبدلوا من الصاد زايًا خالصةً، فتناسبت الأصواتُ, لأنّ الزاي من مخرج الصاد، وأختُها في الصغير" وهي تُناسِب الدالَ في الجهر، فتَلاءما، وزال ذلك النُبُوُّ. قال سيبويه (١): سمعنا العرب الفصحاء يجعلونها زايًا خالصةً.
وأمّا المضارعة، فأن تنحو بالصاد تحو الزاي، فتصير حرفًا مخرجُه بين مخرج الصاد، ومخرج الزاي، ولم يبدلوها زايًا كالوجه الذي قبله محافَظةً على الإطباق؛ لئلا يذهب لفظُ الصاد بالكُلّيّة، فيذهب ما فيها من الإطباق. والإطباقُ فضلةٌ في الصاد، فيكون إجحافًا بها, وليس كذلك السينُ في "يَسْدَل"، و"يَسْدَر"؛ لأنّه لا إطباقَ فيها يُذْهِبه القلبُ، فلم يجز المضارعةُ؛ لذلك قال: وإن تحرّكت الصاد امتنع البدل, لأنّه قد صار بين الصاد والدال حاجزٌ، وهو الحركة؛ لأنّ محلّ الحركة من الحرف بعده، وهذا الإبدال ها هنا من قبيل الادّغام؛ لأنّ فيه تقريبًا للصوت بعضِه من بعض, ولذلك يذكرونه مع الادّغام، فكما أن الحركة تمنع الادّغام، فكذلك ههنا مع أن الحرف قد قوي بالحركة، فلم يُقْلَب؛ لأنّ الحرف لا ينقلب إلَّا بعد إيهانه بالسكون، وجازت المضارعةُ؛ لأنها أضعفُ الوجهَيْن من حيث إن فيها ملاحظةً للصاد، فلم تجر مجرى الادّغام، فيقولون: "صَدَرَ" و"صَدَقَ"، وذلك مطرد مستمر، ولا يجوز قلبُها زايًا إلا فيما سُمع من العرب.
وإن فصل بينهم أكثرُ من حركة، لم تستمرّ إلَّا فيما سُمع من العرب، نحو:
стр. 2355
"المَصادِر"، و"الصِّراط", لأنّ الطاء كالدال. قال سيبويه: والمضارعة أعربُ وأكثرُ من الإبدال، يريد مع الصاد الساكنة، والبيانُ أكثر.
قال (١): ونحو الصاد في المضارعة الشين والجيم، قالوا: "أَشدَقُ" في "أَشْدَقُ"، فضارَعوا بالشين نحو الزاي؛ لأنّها، وإن لم تكن من مَخرج الزاي، فإنها قد استطالت حتى خالطت أعلى الشين، فقُربت من مخرجها، وهي في الهمس والرخاوة كالصاد، فجاز أن تُضارعَ بها الزايُ، كما تُضارعَ بالصاد؛ لأنّها من موضع قد قرُب من الزاي.
وكذلك الجيم قرّبوها من الزاي؛ لأنّها من مخرج الشين، فقالوا في "أَجْدَرُ": "أَجْدَرُ". ولا يجوز إبدالُها زايًا خالصةً؛ لأنّها ليست من مخرجها.
وجملةُ الأمران هذا الإبدال والمقاربة على ثلاثة أضرب. حرفٌ يجوز فيه الإبدالُ والمضارعةُ، وحرفٌ لا يجوز فيه إلَّا الإبدالُ، وحرفٌ لا يجوز فيه إلَّا المضارعةُ.
فأمّا الأول، فما اجتمع فيه سببان، نحو الصاد مع الدال، فالصادُ حرف مهموس مطبق، فضارعوا بالصاد نحو الزاي، ولم يُبدِلوها زايًا محافَطْةً على الإطباق؛ وأمّا الإبدالُ فيها فلقوّة مناسبةِ الصاد الزايَ لأنّها من مخرجها، وأختُها في الصفير.
وأمّا الثاني، فالسينُ مع الدال ليس فيه إلَّا البدل؛ لأنّ السين ليس فيها إطباقٌ يُحافَظ عليه، فتجوز المضارعةُ لأجله كما جازت في الصاد.
وأمّا الثالث، فهو ما ليس فيه إلَّا المضارعة، فالشين المُعْجَمة مع الدال؛ لأنّه مهموس جاوَرَ مجهورًا، وفيه تَفَشٍّ يتصل بتفشّيه حتى يُخالِط موضعَ الزاى، فاقتضى ذلك أن ئضارَع به الزايُ، فلا يُبدَل زايًا لبُعْد ما بينه وبين مخرج الزاي، وكذلك الجيمُ مع الدال , فاعرفه.
стр. 2356
ومن أصناف المشترك
الاعتلال
فصل [حروف الاعتلال]
قال صاحب الكتاب: حروفه الألف والواو والياء, وثلاثتها تقع في الأضرب الثلاثة، كقولك: "مالٌ" و"نابٌ" و"سوط" و"بيض" و"قال" و"حاول" و"بايع" و"لا" و"لو" و"كي" إلا أن الألف تكون في الأسماء والأفعال زائدة أو منقلبة عن الواو والياء لا أصلاً، وهي في الحروف أصلٌ ليس إلا؛ لكونها جوامد غير متصرف فيها.
* * *
قال الشارح: معنى الاعتلال التغيير، والعلّةُ تغيرُ المعلول عمّا هو عليه، وسُمّيت هذه الحروف حروفَ علّة لكثرة تغيّرها. وهذه الحروف تقع في الأضرب الثلاثة: الأسماء، والأفعال، والحروف. فمن ذلك الألفُ تكون في الأسماء والأفعال والحروف، فمثالها في الأسماء "مالٌ"، و"كتابٌ"، وفي الأفعال "قالَ"، و"بايَعَ"، ومثالُها في الحروف "ما"، و"لا".
ومن ذلك الواو، وهي كذلك تكون في الأسماء والأفعال والحروف، فالأسماء، نحو: "حَوْض"، و"جَوْهَر"، والأفعال، نحو: "حاوَلَ"، و"قاوَلَ"، والحروفُ، نحو: "لَوْ"، و"أَوْ".
والياء كذلك تكون في الأسماء، نحو: "بَيْتٍ"، و"بَيْضٍ"، والأفعال، نحو: "بايَعَ"، و"بايَنَ"، والحروف، نحو: "كَيْ"، و"أَيْ". ولاشتراك الأسماء والأفعال والحروف فيها ذَكَرَها في المشترك.
وهذه الحروف تكون أصلاً وبدلًا وزائدةً. فأمّا الألف من بَيْنها، فلا تكون أصلاً في الأسماء المتمكّنة ولا في الأفعال، إنما هي زيادة، أو بدل ممّا هو أصل، وذلك لأنّا استقرينا جميعَ الأسماء والأفعال أو اْكثرَها، فلم نَجِد الألف فيها إلاّ كذلك، فقضينا لها بهذا الحكم. فأمّا الحروف التي جاءت لمعنى، فالألف أصل فيهن، وذلك لأنّ الحروف
стр. 2357
غيرُ مشتقّة، ولا متصرّفة، ولا يُعْرَف لها أصلٌ غيرُ هذا الظاهر، فوجب أن لا يُعْدَل عنه إلا بدليل، فلا يقال في ألِف "ما" و"لا"، و"حَتَّى" إئها زيادة؛ لعدمِ اشتاق يُفْقَد فيه ألفُها، كما نَجِد لألِف "ضاربٍ"، و"قائل" اشتقاقًا يفقد فيه ألفها، وذلك نحو: "ضَرَبَ يَضْرِبُ". ولا يقال: إِنها بدل؛ لأنّ البدل ضربٌ عن التصرّف، ولا تصرُّف للحروف، وأيضًا لو كانت الألفُ في "ما" من الواو، لوجب أن يقولوا: "مَوْ"، كما يقولون: "لَوْ"، و"أَوْ" بإقرِارها على لفظها من غير إبدال، وكذلك لو كانت من الياء، لقالوا: "مَيْ" كما قالوا: "كَيْ" و"أيْ"؛ لأنّها مبنيّة على السكون، والواوُ والياء لا تُقْلَبان ألفًا إلا إذا تحرّكتا وانفتح ما قبلهما.
وإذا بطل أن تكون زائدة في الحروف أو منقلبة، تعين أن تكون أصلاً، وكذلك الأسماء المبنية التي أوْغلت في شَبه الحروف، والأصواتُ المحكيّة، والأسماء الأعجميّة تجري مجرى الحروف في أن ألفاتها أصولٌ غيرُ زوائد، ولا منقلبة؛ لأنّا إنّما قضينا بذلك في الحروف لعدم الاشتقاق، وهذا موجودٌ في هذه الأسماء، فاعرفه.
فصل [الواو والياء من حيث اتفاقهما في الإعلال واختلافهما]
قال صاحب الكتاب: والواو والياء غير المزيدتين تتفقان في مواقعهما, وتختلفان, فاتفاقهما إن وقعت كلتاهما فاءً كـ "وعدٍ" و"يُسر"، وعينًا كـ "قولٍ" و"بيْع"، ولاماً كغزو ورمى، وعينا ولاما معا كقوةٍ وحية وإن تقدمت كل واحدة على أختها فاءً وعينًا في نحو: ويل, ويوم. واختلافهما أن الواو تقدمت على الياء في نحو وقيت وطويت، ولم تتقدم الياء عليها. وأما الواو في "الحيوان" و"حيوة" فكواو جباوة في كونها بدلاً عن الياء, والأصل "حييانٌ" و"حيية".
* * *
قال الشارح: قد أخذ يُريك مواقع هذه الحروف من الكِلَم؛ فأمّا الألفُ فقد تقدّم أمرها، وأنها لا تكون أصلاً في الأسماء المتمكنة، ولا في الأفعال. وأمّا الواو والياء، فقد تكونان أصلَيْن، وتقعان فاءً وعينًا ولامًا، فمثالُ كون الواو فاءً "وَعْلٌ"، و"وَصَلَ"، ومثالُ كونها عينًا نحو: "حَوْضٍ"، و"قاوَمَ"، ومثالُ كونها لامًا نحو: "غَزْوٍ"، و"غَزَوْت"، ومثالُ كون الماء فاءً نحو: "يُسْرٍ"، و"يَبِسَ"، والعينِ، نحو: "بَيْتٍ"، و"بايَعُ"، واللام، نحو: "ظَبْيٍ"، و"رَمَيت".
وقد يجتمعان في أوّل الكلمة، فيكون أحدهما فاءً، والآخر عينًا، نحو: "وَيْلٍ"، و"يَوْمٍ"، وتقديمُ الواو أكثرُ، فـ "وَيْل" و"وَيْحٌ" و"ويس" أكثر من "يَوْم" و"يُوح"، كأنّهم يكرهون الخروجَ من الياء إلى ما هو أثقلُ منها، وهو الواو، وكذلك لم يأت في كلامهم مثلُ "فِعُل" بكسر الأوّل وضمّ الثاني، فاستثقلوا الخروج من كسر إلى ضمّ بناءً لازمًا، وفيه
стр. 2358
"فُعِل" مثلُ "ضُرِبَ"، و"قُتِلَ", ولذلك قالوا: "وَقَيتُ" و"طَوَيتُ"، فقدّموا الواو على الياء، ولم يأت عنهم مثل "حَيوَة" بتقديم الياء على الواو. قال سيبويه (١): ليس في كلامهم مثل "حَيوَة" أي: ليس في الكلام "حَيوَة" ولا ما يجري مجراه ممّا عينه ياءٌ، ولامه واوٌ. فأمّا "الحَيَوان"، فأصله: حَيَيانٌ، فأبدلوا من الياء الثانية واوًا كراهيةَ التضعيف. هذا مذهبُ سيبويه (١) والخليل إلا أبا عثمان فإنّه ذهب إلى أن "الحيوان" غير مُبدَلِ الواو؛ لأنّ الواو فيه أصل وإن لم يكن منه فعلٌ، وشَبَّهَ هذا بقولهم: "فاظَ الميّتُ يَفِيظُ فَوْظًا وفَيظًا". ولم يُستعمل من "الفَوْظ" فعلٌ. ومثلُه "وَيحٌ"، و"وَيْسٌ"، و"وَيْلٌ"، كلها مصادر، وإن لم يُستعمل منها فعل، والمذهبُ مذهب سيبويه, لأنّه لا يمتنع أن يكون في الكلام مصدرٌ عينه واوٌ وفاؤه ولامه صحيحان مثلُ "فَوظٍ"، و"صوغ"، و"مَوْتٍ" لا، واْشباهِ ذلك؛ فأمّا أن تُوجَد في الكلام كلمةٌ عينها ياءٌ، ولامها واوٌ، فلا، فحَمْلُه "الحيوان" على "فَوْظ" لا يحسن. وكذلك "حَيْوَة" الأصل: حَييَة؛ لأنّه من "حَيِيَ"، فأبدلوا من الياء الأخيرة واوًا على غير قياس لضرب من التخفيف باختلاف الحرفَيْن؛ لأتهم يستثقلون التضعيف، وأن يكون الحرفان من لفظ واحد، ولذلك شَبَّهَه بـ "جَبَيتُ الخراجَ جِباوةً"؛ لأنّ الأصل: جبايةٌ, لأنّه من الياء، فأُبدل منها الواو على غير قياس، فاعرفه.
قال صاحب الكتاب: وإنّ (٢) الياءَ وقعتْ فاءً وعينًا معًا، وفاءً ولامًا معًا، في "يَيْنَ" اسم مكان، وفي "يَدَيْتُ"، ولم تقع الواو كذلك. ومذهبُ أبي الحَسَنُ في الواو أنّ تأليفها من الواوات، فهي على قوله موافِقةُ الياء في "يَيَّيْتُ" (٣). وقد ذهب غيرُه إلى أنّ ألفَها عن ياء، فهي على هذا موافقتُها في "يدَيتُ". وقالوا: ليس في العربية كلمةٌ فاؤُها واوٌ ولامُها واوٌ إلَّا الواوُ، ولذلك آثروا في "الوَعْى" أن يُكتب بالياء (٤).
* * *
قال الشارح: قد يكون التضعيف في الياء كما يكون في سائر الحروف، ومعنى التضعيف أن يتجاور المِثْلان. فمن ذلك الفاء والعينُ، ولم يأت إلَّا في كلمة واحدة، قالوا: "يَينُ" في اسم مكان، وليس له في الأسماء نظيرٌ، فهذا كـ"كَوْكَب" و"دَدَنٍ" في الصحيح. وقد جاء التضعيف في الفاء واللام مع الفصل بينهما، وذلك نحو: "يَدٍ"، والأصلُ: "يَدْيٌ" بسكون الدال، والذي يدل أن لامه ياء قولُهم: "يَدَيْتُ عليه يَدًا", ولم يقولوا: "يَدَوْتُ"، وذلك إذا أَوْليتَه معروفًا. قال الشاعر [من الوافر]:
يَدَيتُ على ابْنِ حَسْحاسِ بن وَهْبٍ ... بأَسْفَلِ ذي الجِذاةِ يَدَ الكَرِيم (٥)
стр. 2359
وقالوا في التثنية: "يَدَيَانِ". قال الشاعر [من الكامل]:
يَدَيانِ بَيْضاوان عند مُحَلِّم ... قد تَمْنَعانك أنْ تُضامَ وتُضهَدَا (١)
ويقال: "يَدان"، وهو الأكثر للزوم الحذف. والذي يدل على أنّه "فَعْلٌ" ساكنُ العين قولُهم في تكسيره: "أَيْدٍ"، وأصله: "أَيدُيٌ" على زنة "أفْعُلٍ"، نحو: "كَلْبٍ"، و"أَكلُب"، و"كَعْب"، و"أَكعُبٍ". فأبدلوا من ضمّة الدال كسرةً لتصحّ الياء كما قالَوا: "بيضٌ". قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا كسبَت أَيْدِيكُمْ﴾ (٢). ويُؤكد أيضًا كونَه فعْلًا ساكنَ العين جمعُهم إياه على "فعيل"؛ نحو قوله [من الطويل]:
فإنّ له عندي يَدِيًّا وأَنْعُما (٣)
وهذا النوع من الجمع إنما يكون من "فَعْل" ساكن العين، نحو: "عَبدٍ"، و"عَبِيدٍ"، و"كَلْبٍ"، و"كَلِيبٍ". قال [من السريع]:
والعيسُ يَنْغُضنَ بِكيرانِها ... كأنّما يَتهَشُهُنَّ الكَلِيبْ (٤)
مع أنّ يعقوب قد حكى: "يَدْيٌ" في "يَدٌ"، وهذا نَصٌّ. وقالوا: "يَيَّيْتُ ياء حسنةً"، أي: كتبتُ ياء، وليس في الكلام كلمةٌ حروفها كلها ياءاتٌ إلَّا هذه، هذا هو المسموع فيها.
وجملةُ الأمر أنّ حروف المُعْجم ما دامت حروفًا غير معطوفة، ولا واقعةٍ موقع الأسماء ساكنةُ الأواخر مبنيّةٌ على الوقف في الإدراج والوقف؛ لأنّها أسماءٌ للحروف الملفوظِ بها في صِيغ الكِلَم بمنزلة أسماء الأعداد، نحو. "ثلاثهْ"، "أربعهْ"، "خمسهْ"، فهذه كلُّها مسكَّنةُ الأواخر جارية مجرى الحروف والأصواتِ التي لا حَظَّ لها في الإعراب. ويؤيد ما ذكرناه من كونها جارية مجرى الحروف أن منها ما هو على حرفَين الثاني منهما حرفُ مدّ ولين، نحو: "با"، "تا"، "ثا"، "خا". ولا نجد مثلَ ذلك في الأسماء الظاهرة، فمتى أعربتَها, لزمك إذا أدخلتَ التنوين أن تحذف حرفَ المدّ لالتقاء الساكين، فيبقى الاسمُ الظاهرُ على حرف واحد، وذلك معدوم؛ لأنّ العرب تبتدىء بالمتحرّك، وتقف على الساكن، والحرفُ الواحدُ لا يكون متحرّكًا ساكنًا في حال واحدة، ولمّا وُجد ذلك في هذه الحروف، نحو: "با"، و"تا"، دلّ أنّها جارية مجرى الحروف، نحو: "هَلْ"، و"بَلْ"، و"قَدْ"، فإذا نُقلت وسُمّي بها، أو أجريت مجرى الأسماء في الإخبار عنها، صارت أسماءً مستحِقة للإعراب، نحو قولك: "هذه باء حسنة"، لمحتزيد على ألفِ "با"، و"تا" ونحوهما ألفًا أخرى على حدّ قوله [من الخفيف]:
لَيْتَ شعْري وأَيْنَ مِنِّيَ لَيتٌ ... إن لَيْتًا وإنّ لَوًّا عَناءُ (٥)
стр. 2360
ألا ترى أن العرب لمّا استعملوا "لَو" استعمالَ الأسماء وأعربوها، زادوا على واوِ "لَوْ" واوًا أخرى، وجعلت الثاني من لفظ الأول، إذ لا أصلَ لها ترجع إليه لتُلْحَق بأبنية الأسماء الأصولِ، فلذلك زدت على ألفِ "با" و"تا" ونحوِهما ألفًا أخرى، كما فعلت العربُ في "لَوْ" لما أعربتها، فصار "باا" و"تاا" بألفَيْن ونحوهما. فلمّا التقى ألفان ساكنان، لم يكن بد من حذف أحدهما، أو تحريكِه، فلم يمكن الحذفُ؛ لأنّ فيه نقضًا للغرض بالعَوْد إلى القصر الذي هُرب منه، فوجب التحريكُ لالتقاء الساكنين، فحُرّكت الألف الثانية. وكانت الثانية أوْلى بالتغيير، لأنّك عندها ارتعدتَ، وهي مع ذلك طرفٌ، والأطرافُ أولى بالتغيير من الحَشو، فلمّا حرّكت الثانية، قلبتها همزة على حدّ قلبها في "كِساءٍ"، و"رِداءٍ"، و"حَمْراءَ"، و"بَيضاءَ"، ثم أعربوها, وقالوا: "خططتُ ياءً حسنةً". وقُضي على الألف التي هي عينٌ بأنّها من الواو، وعلى الثانية بأنّها من الياء، وإن لم تكونا في الحقيقة كذلك، فتصير الكلمةُ بعد تَكمِلَةِ صيغتها من بابِ "شَوَيْتُ"، و"طَوَيْتُ"؛ لأنّه أكثرُ من باب "الهُوَّة"، و"القُوَّة"، ومن باب "حَيِيتُ", و"عَيِيتُ".
فإن قيل: ففي القَضاء بذلك جمعٌ بين إعلالَين: إعلالِ العين واللام، وذلك لا يجوز، قيل: الضرورةُ دفعت إلى ذلك، وقد جاء من ذلك أشياء، قالوا: "ماءٌ"، فألفُه منقلبة عن ياء، وهمزتُه منقلبة عن هاء؛ لقولهم في التكسير: "أَمْواهٌ"، وفي التصغير: "مُوَيْهٌ"، وقالوا: "ماهت الرَّكِيَّةُ تَمُوهُ".
وقالوا: "شاءٌ" في قولِ من قال: "شُوَيهَةٌ"، وفي التكسير: "شِياهٌ"، فهو نظير "ماء"، ومن قال: "شَوِيٌّ" في التكسير، فهو من بابْ "طَوَيتُ"، و"لَوَيْتُ"، فصارت "شاء" في هذا القول كـ"حاء" و"باء". وإذا كان قد ورد عنهم شيءٌ من ذلك، جار أن يُحْمَل عليه باءٌ وياءٌ وطاءٌ وإخوانهنّ في إعلال عيناتها ولاماتها، ويصير تركيبُها ياءً وباءً ونحوهما بعد التسمية من "ي": "وي" ومن "ب": "وي"، ولو اشتققتَ على هذا من هذه الحروف بعد التسمية فعلاً على "فَعَّلْتُ"، لقلت من الياء: "يَوَّيتُ", ومن الباء "بَوَّيْتُ"، وكذلك سائرُها، كما تقوله: "طَوَّيْتُ", و"حَوَّيْتُ".
هذا هو القياس؛ وأمّا المسموعُ المحكى عنهم ما ذكرناه من قولهم في الباء: "يَيَّيْتُ"، وفي التاء: "تَيَّيْتُ"، وفي الحاء: "حَيَّيْتُ"، فهذا القولُ منهم يقضي بأنّه من باب "حَيِيتُ" و"عَيِيتُ". وكان الذي حملهم على ذلك سَماعَهم الإمالةَ في ألفاتهنّ قبل التسمية وبعدها، فاعرفُ ذلك.
وقوله: "ولم تقع الواو كذلك" يعني ليس في الكلام كلمةٌ حروفُ تركيبها كلُّها واواتٌ، كما كانت الياء كذلك في قولهم: "يَيَّيْتُ ياءً حسنةً". فأمّا "واوٌ"، فحمل أبو الحسن ألفَها على أنّها منقلبة من واو، فهي على ذلك مُوافقةٌ للياء في "يَيَّيْتُ"؛ لأنّ
стр. 2361
حروفها كلّها واواتٌ، كما أن حروف "يَيْيتُ" كلّها ياءات، واحتجّ لذلك بتفخيم العرب إيّاها، وأنّه لم يُسمع فيها الإِمالة، وقُضي عليها بأنّها من الواو.
وذهب آخرون إلى أن الألف فيها منقلبة من ياء، واحتجّوا لذلك بأنّ جَعْلها كلِّها لفظًا واحدًا غيرُ موجود في الكلام، فوجب القضاءُ بأنّها من ياء، لتختلف الحروف. والوجهُ عندي هو الأول, لأنّه كما يلزم من القضاء بأن الألف من الواو أن تصير حروفُ الكلمة كلُّها واوات، كذلك يلزم أيضًا من القضاء بأنّها من الياء. ألا ترى أنّه ليس في الكلام كلمةٌ فاؤها ولامها واوٌ إلَّا قولنا: "واوٌ"، فالكلمةُ عديمةُ النظير في كِلا الحالين، وكان القضاء عليها بالواو أَوْلى من قبل أن الألف إذا كانت في موضع العين فأن تكون منقلبة عن الواو أكثرُ، والعملُ إنّما هو على الأكثر، وبذلك وصّى سيبويه، هذا مع ما حكاه أبو الحسن.
وقد قالوا: ليس في الكلام ما فاؤه واو ولامه واو إلَّا قولهم: "واو"، ولذلك قضوا على الألف من "الوغى" بأنها من الياء؛ لئلاّ يصير الفاء واللام واوً، وكذلك قضينا على الواو في "واخَيْتُه" بأنّها مبدلة من الهمزة في "آخَيْتُه"، ولم يُقَل: إِنهما لغتان, لأنّ اللام في "أخٍ" واوٌ" بدليل قولك في التثنية: "أَخَوان"، فالقضاء على الفاء بأنّها واو يؤدّي إلى إثباتِ مَثال قَلَّ نظيرُه في الكلام، فاعرفه.
стр. 2362
القول في الواو والياء فائين
فصل [أحوال الواو من حيث صِحَّتُها وسُقوطُها وقلْبُها]
قال صاحب الكتاب: الواو تثبت صحيحة، وتسقط وتقلب. فثباتها على الصحة في نحو وعد وولد والوعد والوالدة. وسقوطها فيما عينه مكسورة من مضارع "فَعَلَ" أو "فَعِلَ" لفظاً أو تقديراً, فاللفظ في يَعِدُ ويَمِقُ، والتقدير في يضع ويسع؛ لأن الأصل فيهما الكسر والفتح لحرف الحلق، وفي نحو العدة والمقة من المصادر, والقلب فيما مر من الإبدال.
* * *
قال الشارح: اعلم أن الواو إذا كانت أصلًا، ووقعت فاءً فلها أحوال: حالٌ تصحّ فيه، وحال تسقط فيه، وحال تُقْلَب. فالأول نحو: "وَعَدَ"، و"وَزَنَ"، و"وَلَدَ"، الواو في ذلك كلّه صحيحة, لأنّه لم يوجَد فيها ما يوجِب التغييرَ والحذفَ؛ وأمّا "الوِعْدة" و"الوِلْدة"، فالمراد أنّه إذا بُني اسم على "فِعْلَةَ" لا يراد به المصدرُ فإنه يتمّ لا يحذف منه شيء، كما يحذف منه إذا أريد به المصدر على ما سيوضَح أمره بعدُ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ (١)، المراد به الاسم، لا المصدر، ولو أريد المصدر لقيل: "جِهَة" كـ"عِدَةٍ". وأمّا الحال التي تسقط فيه، فمتى كانت الواو فاء الفعل وماضيه على "فَعَلَ"، أو"فَعِلَ" ومضارعه على "يَفْعِل" بالكسر، ففاؤه التي هي الواو محذوفة، نحو: "وَعَدَ يَعِدُ"، و"وَزَنَ يَزِنُ"، والأصلُ: "يَوْعِدُ"، و"يَوْزِنُ"، فحُذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، فحُذفت استخفافًا، وذلك أن الواو نفسها مستثقلة، وقد اكتنفها ثقيلان: الياء والكسرةُ، والفعل أثقلُ من الاسم، وما يعرِض فيه أثقلُ ممّا يعرض في الاسم، فلمّا اجتمع هذا الثقلُ، آثروا تخفيفَه بحذفِ شيء منه، ولم يجز حذفُ الياء؛ لأنّه حرفُ المضارعة، وحذفه إخلالٌ مع كراهية الابتداء بالواو، ولم يجز حذفُ الكسرة؛ لأنّه بها يُغرَف وزن الكلمة، فلم يبق إلَّا الواوُ، فحُذفت. وكان حذفها أبلغَ في التخفيف؛ لكونها أثقل من الياء والكسرةِ مع أنها ساكنة ضعيفة، فقوي سبب حذفها، وجعلوا سائر المضارع
стр. 2363
محمولًا على "يَعِدُ"، فقالوا: "تَعِدُ"، و"نَعِدُ"، و"أَعِدُ"، فحذفوا الواو، وإن لم تقع بين ياء وكسرة؛ لئلّا يختلف بناء المضارع، ويجري في تصريفه على طريقة واحدة مع ما في الحذف من التخفيف.
ومثله قولهم: "أُكْرِمُ"، وأصله: "أُأَكْرِمُ" بهمزتين، فحذفوا الهمزة الثانية كراهيةَ الجمعِ بين همزتين لثِقَلِ ذلك، ثمّ أتبعوا ذلك سائرَ الباب، فقالوا: "يُكْرِمُ" و"تُكرِمُ"، فحذفوا الهمزة وإن لم توجَد العلّة، فيجري البابُ على سَنَن واحد.
وقال الكوفيون: إنّما سقطت الواوُ فَرْقًا بين ما يتعدّى من هذا الباب، وبين ما لا يتعدّى، فالمتعدّي: "وَعَدَهُ يَعِدُه"، و"وَزَنَه يَزِنُه"، و"وَقَمَه يَقِمُه" إذا قَهَرَه، وما لا يتعدّى: "وَحِلَ يَوحَل"، و"وَجِلَ يَوْجَل". وذلك فاسد؛ لأنّه قد سقطت الواو من هذا الباب في غير المتعدّي كسقوطها من المتعدّي، ألا تراهم قالوا: "وَكَفَ البيتُ يَكِفُ"، و"وَنَمَ الذُبابُ يَنِمُ" إذا زَرَقَ، و"وَخَدَ البعيرُ يَخِدُ"؟ فثبت بذلك ما قلناه. وممّا يدلّ على ذلك أن من الأفعال ما يجيء المضارع منه على "يَفْعِل" و"يَفْعَل" بالكسر والفتح؛ فتسقط الواوُ من "يَفْعِل"، وتثبت في "يَفْعَل"، وذلك في نحو: "وَحِرَ صَدْرُه يَحِر"، و"وغِرَ يَغرُ". وقالوا: "يَؤحَرُ"، و"يَوْغَرُ"، فأثبتوا الواو في المفتوح، وحذفوها من المكسور، فدلّ على صحّة علّتنا، وبُطْلانِ علّتهم.
واعلم أن ما كان فاؤه واوًا من هذا القبيل، وكان على زنةِ "فَعَلَ"، فإن مضارعه يلزم "يَفْعِل" بكسر العين، سواءٌ في ذلك اللازمُ والمتعدّي، ولا يجيء منه "يَفْعُل" بضمّ العين كما جاء في الصحيح، نحو: "قَتَلَ يَقْتُل"، و"خَرَجَ يَخرُج"، كائهم أرادوا أن يجري البابُ على نَهْج واحد في التخفيف بحذف الواو، وهو إعلال ثانٍ لَحِقَهُ بأن مُنع ما جاز في غيره من الصحيح. قال سيبويه (١): وقد قال ناسٌ من العرب: "وَجَدَ يَجُدُ" بضمّ الجيم في المستقبل، وأنشد [من الكامل]:
١٣٢٨ - لو شاء قد نَقَعَ الفؤادَ بشُرْبةٍ ... تَدَعُ الحَوائِمَ لا يَجُدْنَ غَليلا
стр. 2364
وإنّما قل ذلك؛ لأنّهم كرهوا الضمّة بعد الياء، كما كرهوا بعدها الواو، ولذلك قَلَّ نحو: "يَوْم"، و"يُوح"، على ما ذكرناه.
فإن انفتح ما بعد الواو في المضارع، نحو: "وَجِلَ يَوْجَل"، و"وَحِلَ يَوحَل"، فإنّ الواو تثبت، ولا تحذف لزوالِ وصف من أوصاف العلّة، وهو الكسرُ، نحو قولك: "يُوعَد"، و"يُوزَن" ممّا لم يُسَم فاعله، قال الله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (١)، فحُذفت الواو من "يلد" لانكسار ما بعدها، وثبتت في "يولد" لأجل الفتحة.
فأمّا قولهم: "يَضَعُ" و"يَدَعُ"، فإنّما حُذفت الواو منهما؛ لأنّ الأصل "يَوْضِعُ" و"يَوْدِعُ"، لما ذكرناه من أن "فَعَلَ" من هذا إنّما يأتي مضارُعه على "يَفْعِلُ" بالكسر، وإنّما فُتح في "يضع"، و"يدع" لمكان حرف الحلق، فالفتحةُ إذًا عارضة، والعارضُ لا اعتدادَ به، لأنّه كالمعدوم، فحذفت الواو فيهما؛ لأنّ الكسرة في حكم المنطوق به، فلذلك قال: لفظًا أو تقديرًا، فاللفظ في "يَعِدُ"؛ لأنّ الكسرة منطوق بها، والتقديرُ في "يَسَعُ" و"يَضَعُ"؛ لأنّ العين مكسورة في الحكم، وإن كانت في اللفظ مفتوحة.
فأمّا "عِدَةٌ": و"زِنَةٌ" إذا أريد بهما المصدرُ، فالواو منهما محذوفة، والأصلُ: "وِعْدَةٌ"، وفي "وِزْنَةٌ". والذي أوجب حذفَها ههنا أمران: أحدهما كونُ الواو مكسورةً، والكسرةُ تُستثقل على الواو، والآخرُ كون فعله معتلاًّ، نحو: "يعد"، و"يزن"، على ما ذكرتُ، والمصدرُ يعتل باعتلال الفعل، ويصح بصحّته، ألا تراك تقول: "قُمْتُ قِيامًا"، و"لُذتُ لِياذًا"، والأصلُ "قِوامًا" و"لِواذًا"، فأعللتَهما بالقلب لاعتلال الفعل؟ ولو صحّ الفعلُ لم يعتل المصدرُ، وذلك نحو قولك: "قاوَمَ قِوامًا"، و"لاوَذ لِواذًا"، فيصحّ المصدرُ
стр. 2365
فيهما لصحّة الفعل, لأنّ الأفعال والمصادر مجري مجرى المثال الواحد، فاجتماعُ هذَيْنْ الوصفَيْن علّة حذف الواو من المصدر، فلو انفرد أحد الوصفين، لم تحذف له الواو، وذلك نحو: "الوَعْد"، و"الوَزْن"، لمّا انفتحت الواوُ، وزالت الكسرةُ، لم يلزم الحذفُ، وإن كان الفعل معتلاًّ في "يزن" و"يعد". وقالوا: "واددتُه وِدادًا"، و"واصلتُه وِصالًا"، فالواوُ ثابتة ها هنا وإن كانت مكسورة لعدم اعتلال الفعل، فعلمتَ أن مجموع الوصفين علّةٌ لحذف الواو من المصدر، ولذلك لمّا أريد بهما في "وِعْدَةٍ" و"وِلْدَةٍ" الاسمُ لا المصدرُ، لم تحذف الواو منهما.
واعلم أنّ إعلالَ نحو: "عِدَةٍ"، و"زِنَةِ" إنّما هو بنقل كسرة الفاء التي هي الواو إلى العين، فلمّا سكنت الواوُ، ولم يمكن الابتداء بالساكن، ألزموها الحذفَ؛ لأنّهم لو جاؤوا بهمزة الوصل مكسورةً، أدَّى ذلك إلى قلب الواو ياءً لانكسار ما قبلها وسكونها، فكانوا يقولون: "اِيعِدٌ" بياء بين كسرتين، وذلك مستثقَلٌ، فصاروا إلى الحذف. فإذًا القصدُ الإعلالُ بنقل الحركة، والحذفُ وقع تَبَعًا. وقيل: إنّه لمّا وجب إعلال "عدة" و"زنة"، كان القصد حذفَ الواو كالفعل، فنقلوا كسرةَ الواو إلى العين؛ لئلّا تُحذف في المصدر واوٌ متحرّكةٌ, فيزيد الاسمُ على الفعل في الإعلال، والاسمُ فرعٌ على الفعل في ذلك، فإذا لم ينحطّ عن درجة الفعل، فيساويه؛ فأمّا أن يفوقه فلا. وفي الجملة إِنه إعلالٌ اختصّ بفعله، ولزمت تاء التأنيث كالعوض من المحذوف؛ وأمّا القلب، فقد تقدّم الكلام عليه في البدل، نحو: "مِيزانٍ"، و"مِيعادٍ"، و"تُكَأَةٍ"، و"تُخَمَةٍ"، وأشباهِ ذلك بما أغنى عن إعادته.
* * *
قال صاحب الكتاب: والياءُ مثلُها إلَّا في السقوط، تقول: "يَنَعَ يَينَعُ" و"يَسَرَ يَيسِرُ"، فتُثْبِتها حيث أسقطت الواو، وقال بعضهم: "يَئِسَ يَئِسُ" كـ"وَمِقَ يَمِقُ"، فأجراها مُجْرى الواو، وهو قليل، وقلبُها في نحو: "اتَّسَرَ".
* * *
قال الشارح: يريد أن الياء تقع في جميع مواقع الواو من الفاء والعين واللام على ما تقدّم لا فصلَ بينهما في ذلك، وليست كالألف التي لا تقع أوّلًا، ولا تكون أصلًا في الأسماء المعربة والأفعال إلَّا في الحذف، فإن الياء تثبت حيث تحذف الواو تقول: "يَنَعَتِ التمرةُ تَيْنَعُ"، و"يَسَرَ يَيْسِرُ"، وهو قِمارُ العرب بالأزْلام، والاسم "المَيْسِر"، ولا تحذف هذه الياء كما تحذف الواو في "يَعِدُ" وأخواته لخِفّة الياء. وحكى سيبويه (١) أنّ بعضهم قال" "يَسَرَ يَسِرَ"، فحذف الياء كما يحذف الواو، وذلك من قبل أن الياء وإن
стр. 2366
كانت أخفّ من الواو، فإنّها تستثقل بالنسبة إلى الألف، فلذلك حذفها. فأمّا قلبها, فقد تقدّم الكلام في نحو: "اتَّسَرَ"، ونظائرُه كثيرة كـ "ثِنْتَيْن"، و"كَيْتَ"، و"ذَيْتَ"، فاعرفه.
فصل [إثبات الواو وحذفها]
قال صاحب الكتاب: والذي فارق به قولهم وجع يوجع ووحل يوحل قولهم وسع يسع ووضع يضع حيث ثبتت الواو في أحدهما وسقطت في الآخر, وكلا القبيلين فيه حرف الحلق أن الفتحة في يوجع أصلية بمنزلتها في يوجل، وهي في يسع عارضة مجتلية لأجل حرف الحلق فوزانهما وزان كسرتي الراءين في التجاري والتجارب.
* * *
قال الشارح: كأنه يُنبِّه على الفرق بين "وَجِلَ يَوْجَل"، و"وَجِعَ يَوْجَعُ" وما كان منهما، وبين قولهم: "وَسِعَ يَسَعُ"، و"وَطِئ يَطَأُ"، فأثبتوا الواو في الأوّل, وحذفوها من الثاني، والعلّةُ في ذلك أن ما كان من نحو "وَجِلَ يَوْجَلُ" الفتحةُ فيه أصل لأنّه من باب "فَعِلَ يَفْعَلُ" بكسر العين في الماضي، وفتحها في المضارع، فهو من باب "عَلِمَ يَعْلَمُ"، و"شَرِبَ يَشرَبُ"، فلم تقع الواوُ فيه بين ياء وكسرة، فكانت ثابتة لذلكَ. وأمّا نحو: "وَسِعَ يسَعُ"، و"وَطِىءَ يَطَأَ"، فهو من باب "حَسِبَ يَحْسِبُ"، و"نَعِمَ يَنعِمُ". ومثلُه من المعتل "وَرِثَ يَرِثُ"، و"وَلِيَ يَلِي". والأَصل: يَوْطِىءُ، ويَوْسِعُ. وإنّما فتحوه لأجل حرف الحلق، فكانت الفتحة عارضةً، والكسرة مرادةً، فحُذفت الواو لذلك، ولم يُعتدّ بالفتحة إذ كانت كحركة التقاء الساكنين.
وقد شبّه الفتحة في "يَسَعُ" و"يَضَعُ" بالكسرة في "التَرامِي" و"التَجارِي"، وقياسُهما التَفاعُل بالضمّ، نحو: "التَحاسُد"، و"التَكاثر"، وكان الأصل: "التجارُيُ"، فأبدلوا من الضمّة كسرةً لتصحّ الياء، إذ لو وقعت الضمّةُ قبل الياء المتطرّفة لانقلبت واوًا، وكنتَ تصير إلى مثال لا نظيرَ له في الأسماء العربية؛ لأنّه ليس في الأسماء اسمٌ آخِرُه واوٌ، قبلها ضمّةٌ، فإذا أدَّى قياسٌ إلى ذلك، غُيّر كما فعلوا في "أَدْلٍ" و"أَحْقٍ" جمعِ "دَلْوٍ" و"حَقْوٍ". فأمّا "التَجارِبُ" فليس مصدرًا، إئما هو جمعُ "تَجْرِبةٍ"، فإذا الكسرةُ في "التَجاري" عارضةٌ لما ذكرناه كالفتحة في "يَضَعُ" و"يسع"، فـ "يضع" أصله الكسر، والفتحةُ فيه لمكان حرف الحلق، فهو من باب "ضَرَبَ يَضرِبُ". والأصل في "يَسَعُ" الكسرُ أيضًا، والفتحةُ فيه عارضة، وهو من بَاب أحَسِبَ يَحسِبُ". دلّ على ذلك حذفُ الواو، والكسرة في "التَجارِب" أصلٌ كالفتحة في "يَوْحَلُ" و"يَوْجَعُ". ولكون الكسرة في "التجاري"، و"الترامي" عارضة، لم يُعتدّ بالمثال في منع الصرف, لأنّه في الحكم "تَفاعُل" بضمّ العين، وليس كذلك الكسرُ في "التَجارِب".
стр. 2367
فصل [قلب الواو والياء ألفًا في مضارع "افْتَعَلَ "]
قال صاحب الكتاب: ومن العرب من يقلب الواو والياء في مضارع "افتعل" ألفًا, فيقول: "ياتعدُ" و"ياتَسِرُ"، ويقول في ييبسُ وييأس: يابس وياءس. وفي مضارع "وَجِلَ" أربع لغات: يوجل وياجل وييجل وييجل, وليست الكسرة من لغة من يقول: "تِعْلَمُ".
* * *
قال الشارح: قوم من أهل الحجاز حَمَلَهم طلبُ التخفيف على أن قلبوا حرفَ العلّة في مضارع "افتعل" ألفًا، واوًا كانت أو ياءً، وإن كانت ساكنة، قالوا: "ياتَعِدُ" و"ياتَرنُ"، وذلك من قبل أن اجتماع الياء مع الألف أخفّ عندهم من اجتماعها مع الواو، فلذلك قالوا: "ياتَعِدُ"، فأبدلوا من الواو الساكنة ألفًا، كما أبدلوها من الياء في "ياتَسِرُ".
وقد جاء في مضارعِ "فَعِلَ" "يَفْعَلُ" ممّا فاؤه واوٌ، نحو: "وَجِلَ يَوْجَلِ"، و"وَحِلَ يَؤحَلِ" أربعُ لغات: قالوا: "يَوْجَلُ" بإثبات الواو، وهي أجْودها، وهي لغةُ القرآن في نحو قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ﴾ (١)؛ لأنّ الوْاو لم تقع بين ياء وكسرة، فثبتت.
وقالوا: "ياجَلُ"، فقلبوا الواو ألفًا، وإن كانت ساكنة على حدّ قلبها في "ياتَعِدُ"، و"ياتَزِنُ"، كأنّهم كرهوا اجتماع الواو والياء، ففرّوا إلى الألف لانفتاحِ ما قبلها.
والثالثةُ قالوا: "يَيْجَلُ"، فقُلبت الواو ياءً استثقالًا لاجتماع الياء والواو، وقد شبهوا ذلك بـ "مَيِّتٍ"، و"سَيِّدٍ" وإن لم يكن مثلَه. فوجهُ الشَّبَه أن اجتماع الواو والياء ممّا يستثقلونه لا سيما إذا تقدمت الياء الواوَ، ولذلك قَلَّ "يَومٌ"، و"يُوح". وأمّا المخالفةُ، فلأن السابق منهما في نحو: "مَيِّت" ساكن، وفي "يَوْجَلُ" متحرِّكٌ فهذا وإن لم يكن موجِبًا للقلب لكنّه تعلَّلٌ بعد السماع.
وأمّا الرابع، فقالوا: "يِيجَلُ" بكسر الياء، كأنهم لمّا استثقلوا اجتماعَ الياء والواو، كرهوا قلبَها ياءً، كما قلبوها في "مَيتٍ" لحَجْز الحركة بينهما، فكسروا الياء ليكون ذلك وسيلةً إلى قلب الواو ياءً؛ لأنّ الواو إذا سكنت وانكسر ما قبلها، قُلبت ياءً على حدّ "مِيزانٍ"، و"مِيعادٍ". قال: وليست الكسرة من لغة من يقول: "تِعْلَمُ". والذي يدل أن الكسرة كانت لِما ذكرناه أنّ من يقول. "تِعْلَمُ"، في كسر حرف المضارعة، لا يكسر الياء، فيقولَ: "يِعْلَمُ"؛ لأنّهم يستثقلون الابتداء بالياء المكسورة، ولذلك لم يوجَد في الأسماء اسمٌ أوّلُه ياءٌ مكسورة إلَّا "يِسارُ اليَد"، فاعرفه.
стр. 2368
فصل [مواضع عدم جواز ادغام الياء]
قال صاحب الكتاب: وإذا بني "افْتَعَلَ" من "أَكَلَ" و"أَمَرَ", فقيل: "ايتَكَلَ" و"ايتَمَرَ", لم تدغم الياء في التاء كما أدغمت في "اتَّسَرَ"؛ لأن الياء ههنا ليست بلازمة, وقول من قال: "اتَّزَرَ" خطأ.
* * *
قال الشارح: إذا بنيتَ "افْتَعَل" مما فاؤهَ همزة، نحو: "أَمَرَ"، و"أَكَلَ"، و"أَمِنَ"، قلت: "ايتَمَرَ"، و"ايتَكَلَ"، و"ايتَمَنَ"، فتُبْدِل من الهمزة التي هي فاءٌ ياءً؛ لسكونها ووقوع همزة الوصل مكسورة قبلها على حدّ قلبها في "بِيرٍ"، و"ذِيبٍ" ولا تَدْغم في الياء، فتقول: "اتَّكَلَ"، و"اتَّمَرَ"؛ لأنّه لا يخلو إمّا أن تدْغم الهمزة قبل قلبها ياءً في التاء، أو بعد قلبها ياءً فلا يجوز الأوّل؛ لأنّ الهمزة لا تدْغم في التاء، ولا يجوز الثاني؛ لأنّ الياء ليست لازمة، إذ كانت بدلًا من الهمزة، وليست أصلاً، فيجوز أن تصله بكلام قبله، فتُسقِط همزةَ الوصل، فتعود إليه همزةٌ على الأصل للدرج، وتبقى الهمزة الأصليّة ساكنة، فلو خقفتَها على هذا، لقلبتَها واوًا لانضمامِ ما قبلها، وكنت تقول: "يا زَيْدُ وتَكِلْ"، و"يا خالِدُ وتَمِرْ". وكذلك لو كان ما قبلها مفتوحًا، نحو: كيف أتَمَنْتَ، وخفّفتَها, لقلبتَها ألفًا، وإذ لم يكن لها أصلٌ في الياء، وتصير تارة ياء، وتارة واوًا، وتارة ألفًا، فلا وَجْهَ لأنّ تكون الياء لازمة. وإذا لم تكن لازمة، لم تُدّغم. وقد أجاز بعضُ البغداديين فيها الادّغامَ، قالوا: لأنّ البدل لازمٌ لاجتماع الهمزتَين، ورَوَوْا: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (١)، والقياسُ مع أصحابنا لِما ذكرناه.
стр. 2369
القول في الواو والياء عينين
فصل
قال صاحب الكتاب: لا تخلوان من أن تعلا أو تحذفا أو تسلما, فالإعلال في قال وخاف وباع وهاب وباب وناب، ورجل مالٍ, ولاعٍ (١) , ونحوها مما تحركتا فيه وانفتح ما قبلهما، وفيما هو من هذه الأفعال من مضارعاتها وأسماء فاعليها ومفعوليها، وما كان منها على مَفْعَلٍ ومَفْعَلَةَ ومَفْعَلٍ ومَفْعِلةً ومَفْعُلةَ كمعادٍ ومقالةٍ ومسير معيشة ومشورة، وما كان نحو أقام واستقام من ذوات الزوائد التي لم يكن ما قبل حرف العلة فيها ألفاً أو واواً أو ياء, نحو قاول وتقاولوا وزايل وتزايلوا وعوَّذ وتعوَّذ وزيَّن وتزيَّن، وما هو منها. أُعِلَّتْ هذه الأشياء, وإن لم تقم فيها علة الإعتلال اتباعاً لما قامت العلة فيه لكونها منها وضربها بعرق فيها.
* * *
قال الشارح: لا يخلو حرفُ العلّة إذا كان ثانيًا عينًا من أحوال ثلاثة: إمّا الاعتلالِ، وهو تغييرُ لفظه؛ وإمّا أن تحذفه؛ وإمّا أن يسلم، ولا يتغير. والأول أكثرُ، وإنّما كثُر ذلك لكثرة استعمالهم إياه، وكثرةِ دخوله في الكلام، فآثروا إعلالَه تخفيفًا، وذلك في الأفعال والأسماء، ولا يخلو حرفُ العلّة من أن يكون واوًا أو ياءً.
فأمّا الأفعال الثلاثيةُ، فتأتي على ثلاثة أضرب: "فَعَلَ"، و"فَعِلَ"، و"فَعُلَ"، كما كان الصحيحُ كذلك. فما كان من الواو، فإن الأول منه - وهو "فَعَلَ" - يأتى متعدّيًا وغير متعدّ، فالمتعدّي نحو: "قال القولَ"، و"عاد المريضَ"، وغيرُ المتعدّى نحو: "قَامَ"، و"طَافَ"، والأصلُ: "قَوَلَ"، و"عَوَدَ"، و"قَوَمَ"، و"طَوَفَ".
فإن قيل: ومن أين زعمتم أنها "فَعَلَ" بفتح العين؟ قيل: لا يجوز أن يكون "فَعِلَ" بالكسر؛ لأنّ المضارع منه على "يَفْعُلُ" بالضمّ؛ نحو: "يَقُول"، و"يعود"، و"يقوم"، و"يطوف"، والأصل: "يَقْوُلُ"، و"يَقْوُدُ"، و"يَقوُمُ"، و"يَطْوُفُ"، فنقلو االضمّة من العين إلى الفاء على ما سنذكر. و"يَفْعُلُ" بالضمّ لا يكون من "فَعِلَ" إلَّا
стр. 2370
ما شذّ من "فَضِلَ يفضُل" و"مَتَّ يَمُتّ"، والعملُ إنّما هو على الأكثر.
ولا يكون "فَعُلَ" بالضمّ لوجهَين:
أحدهما: أن "فَعُلَ" لا يكون متعدّيًا، والوجهُ الثاني: أنّه لو كان "فَعُلَ" بالضمّ، لجاء الاسمُ منه على "فَعِيل"، كما قالوا في "ظَرُفَ": "ظَرِيفَ"، وفي "شَرُفَ": "شَرِيفٌ"، فلمّا لم يُقَل ذلك، بل قيل. "قائمٌ" و"عائدٌ"، دلّ أنّه "فَعَلَ" دون "فَعُلَ".
وأمّا الثاني، وهو "فَعِلَ"، فإنّه يأتي متعدّيًا، وغيرَ متعدّ، فالمتعدّي نحو: "خَافَ"، كقولك: "خِفْتُ زيدًا"، وغيرُ المتعدّي نحو: "راحَ يومُنا يَراحُ"، و"مالَ زيدٌ" إذا صار ذا مال. والذي يدل أنه من الواو ظهورُ الواو في قولهم: "الخَوْف"، و"أَمْوال"، ويدلّ أنّه "فَعِلَ" كونُ مضارعه على "يَفْعَلُ"، نحو: "يَخافُ"، و"يَمالُ"، وقولُهم: "رجلٌ مالٌ" , و"يَوْمٌ راحٌ"، كما قالوا: "حَذِرَ فهو حَذرٌ"، و"فَرِقَ فهو فَرِقٌ".
وأمّا الثالث، وهو"فَعُلَ"، فنحو: "طالَ يَطُولُ" إذا أردتَ خلافَ القصير، وهو غير متعدّ كما أن "قَصُرَ" كذلك. وهذا في المعتل نظيرُ "ظَرُفَ" في الصحيح، ألا ترى أنهم قالوا في الاسم منه: "طويلٌ" كما قالوا: "ظَرُفَ، فهو ظَرِيفٌ"؟
فإن كانت العين ياءً، فيجيء على ضربين: "فَعَلَ"، و"فَعِلَ"؛ فالأوّلُ منه يكون متعدّيًا، وغير متعدّ، فالمتعدّي نحو: "عابَه"، و"باعَه"، وغيرُ المتعدي نحو: "عالَ"، و"صارَ". والذي يدل أنّه "فَعَلَ" بالفتح أنه لو كان "فَعِلَ"، لجاء مضارعُه على "يفعَل" بالفتح، فلمّا قالوا فيه: "يَبِيعُ"، و"يَعِيبُ"، و"يَصِيرُ"، دلّ على أنّ ماضيه "فَعَلَ" بالفتح.
فإن قيل: فهلاّ قلتم: إنّه "فَعِلَ" بالكسر، ويكون من قبيل "حَسِبَ يَحْسِبُ"، فالجوابُ أنّ الباب في "فَعِلَ" بالكسر أن يأتي مضارعه على "يفعَل" بالفتح، هذا هو القياس؛ وأمّا "حَسِبَ يَحْسِبُ" فهو قليل شاذّ، والعملُ إنّما هو على أكثر مع أن جميعَ ما جاء من "فَعِلَ يفعِل" بالكسر جاء فيه الأمران "حَسِبَ يحسِب ويحسَب"، و"نَعِمَ ينعِم وينعَم"، و"يَئِسَ ييأَس وييئِس". فلمّا اقتصروا في مضارعِ هذا على "يفعِل" بالكسر دون الفتح، دلّ أنّه ليس منه.
وأمّا الضرب الثاني ممّا عينُه ياء - وهو "فَعِلَ" بكسر العين - فيكون متعدّيًا وغير متعدّ، فالمتعدّى نحو: "هِبْتُه"، و"نِلْتُه"، وغيرُ المتعدّي نحو: "زال"، و"حار طَرْفُه". فهذه الأفعال عينُها ياء، ووزنها "فَعِلَ" مكسورَ العين. والذي يدلّ على ذلك قولُهم في المصدر: "الهَيبة"، و"النَّيْل"، فظهورُ الياء دليل على ما قلناه. وقالوا: "زَيَّلْتُه، فزال، وزايلتُه" فظهرت الياء فيه، وأصله أن يكون لازمًا، وإنّما يتعدّى بالتضعيف، وإنّما نُقل إلى حيز الأفعال التي لا تستغني بفاعلٍ، نحو: "كَانَ". ويدل أنها "فَعِلَ" بكسر العين قولُهم في المضارع: "يفعَل" بالفتح نحو: "يَهاب"، و"يَنالُ"، و"لا يَزالُ"، و"يَحارُ طَرْفُه".
стр. 2371
ولم يأت من هذا "فَعُلَ" بالضمّ، كأنّهم رفضوا هذا البناء في هذا الباب لِما يلزم من قلب الياء واوًا في المضارع، كما رفضوا "يفعِل" بالكسر من ذوات الواو، لِما يلزم فيه من قلب الواو ياء.
فهذه الأفعالُ كلها معتلّة تُقلب الواو والياء فيها ألفين، وذلك لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، وكذلك ما كان من الأسماء من نحو: "باب"، و"دارٍ"، و"نابٍ"، و"عابٍ"، والأصلُ: بَوَبٌ، ودَوَرٌ، لقولك: "أَبْوابٌ" في التكسير، و"دُورٌ". والأصلُ في "نابٌ": "نَيَبٌ"، وفي "عابٌ": "عَيَبٌ"؛ لقولك: "أَنْيابٌ"، و"عِيَبٌ". ومن ذلك "رجلٌ مالٌ" من قولهم: "مالَ يَمالُ"، إذا صار ذا مالٍ، والأصل: "مَوِلَ يَمْوَلُ"، فهو"مَوِلٌ" مثلُ: "حَذِرَ يَحْذَرُ" فهو "حَذِرٌ"، وقالوا: "رجل هاعٌ لاع" أي: جَبان، وهو من الياء لقولهم: "هاعَ يَهِيعُ هُيُوعًا" إذا جَبُنَ، وقالوا: "لاعَ يِلِيعُ" إذا جبن أيضًا. وحكى ابن السِكّيت: "لِعْتُ أَلاعُ"، و"هِعْتُ أهاعً"، فعلى هذا يكون "هاعٌ" "لاعٌ" فَعِلًا مثلَ "حَذِرٍ"، لا فَرْقَ في ذلك بين الأسماء والأفعال في وجوب الإعلال، إذ المتقضِي له موجود فيهما، وهو تحرُّك حرف العلّة وانفتاحُ ما قبله. وليست الأفعال أوْلى بذلك من الأسماء، وإن كان الإعلال أقوى في الأفعال من الأسماء؛ لأنّ الأفعال موضوعة للتنقل في الأزمنة والتصرّف، والأسماء سِماتٌ على المسمّيات، وكذلك كان عامّةُ ما شذّ من ذلك في الأسماء دون الأفعال، نحو: "الخَوَنة"، و"الحَوَكَة"، و"القَوَد"، ولم يشذّ من ذلك شىء في الأفعال من نحو: "قامَ"، و"باعَ".
فأما نحو: "اسْتَحْوَذَ"، و"اسْتَنْوَقَ"، فلضُعْف الإعلال فيه إذ كان محمولًا على غيره، ألا ترى أنّه لولا إعلالُ "قامَ" ما لزم إعلالُ "أَقامَ"، وكذلك مضارعُ هذه الأفعال كلُّه معتل، نحو: "يَقُول"، و"يَعُود"، والأصل: "يَقْوُل"، و"يَعْوُد"، بضمّ العين؛ لأنّ ما كان من الأفعال على "فَعَلَ" بفتح العين معتلَّة، فمضارعُه يفْعُل، نحو: "يَقتُل"، ولا يجيء على "يَفْعِل" على ما عليه الصحيحُ؛ لئلا ترجع ذواتُ الواو إلى الياء، فنقلوا الضمّة من الواو في "يقول" إلى القاف.
وإنّما فعلوا ذلك مع سكون ما قبل الواو فيه؛ لأنّهم أرادوا إعلاله حملًا على الفعل الماضي في "قالَ"، و"عادَ"؛ لأنّ الأفعال كلها جنسٌ واحدٌ، والذي يدل أن الإعلال يسري إلى هذه الأفعال من الماضي أنّه إذا صحّ الماضي صحّ المضارعُ، ألا ترى أنّهم لمّا قالوا: "عَوِرَ"، و"حَوِلَ"، فصحّحوهما، قالوا: "يَعْوَر"، و"يَحْوَل"، و"عاوِرٌ"، و"حاوِلٌ"، فصحّحوا هذه الأمثلةَ لصحّة الماضي؟
وكما أعلّوا المضارعَ لاعتلال الماضي أعلّوا الماضي أيضًا لاعتلال المضارع، ألا تراهم قالوا: "أَغْزَيتُ"، و"أَدْعَيْتُ"، و"أَعطَيْتُ"؟ وأصلها الواو؛ لأنّها من"غَزَا يَغزُو"،
стр. 2372
و"دَعَا يَدْعُو"، و"عَطَا يَعْطُو"، فقلبوا الواو فيها ياءً حملًا على المضارع الذي هو "يُغزِي"، و"يُدْعِي"، و"يُعْطِي" طلبًا لتماثُل ألفاظها وتشاكُلِها من حيث إن حكم كلها جنسٌ واحدٌ، وكذلك ما كان من الياء، نحو: "يَبِيع"، و"يَعِيب"، الأصل: "يَبْيع"، و"يَعْيِب" بكسر العين، فنُقلت الكسرة إلى الفاء إعلالًا له حملًا على الماضي في "باعَ" و"عابَ"، على ما ذكرناه في ذوات الواو.
وكذلك مضارعُ ما كان على "فَعِلَ يَفْعَل" منهما، نحو: "يخاف", و"يَهاب"، الأصل: "يَخوَف"، و"يَهْيَب"، فأرادوا إعلالَه على ما تقدّم، فنقلوا الفتحةَ إلى الخاء والهاء، ثمّ قلبوا الواو والياء ألفًا لتحرّكهما في الأصل وانفتاح ما قبلهما الآن. ومن ذلك أسماء الفاعلين، لما اعتلّت عينُ "فَعَلَ"، ووقعت بعد ألف "فاعل" همزة، نحو: "قائمٍ"، و"خائِفٍ"، و"بائعٍ"، وجميعُ ما اعتل فعلُه فـ "فاعلٌ" منه معتل، وذلك لأنّ العين كانت قد اعتلّت، فانقلبت في "قالَ" و"باعَ" ألفًا، فلمّا جئتَ إلى اسم الفاعل، صارت قبل عينه ألف "فاعِلٍ"، والعينُ قد كانت ألفًا في الماضي، فالتقى في اسم الفاعل ألفان، نحو: قَااامٌ، وذلك ممّا لا يمكن النطقُ به، فوجب حذفُ أحدهما أو تحريكُه، فلم يجز الحذفُ لئلّا يعود إلى لفظِ "قَام"، فحُرّكت الثانية التي هي عين، كما حُرّكت راء "ضارِب"، فانقلبت همزة لأنّ الألف إذا حُرّكت صارت همزةً، فصار "قائمٌ" و"بائعٌ" كما ترى.
ووجهٌ ثانٍ أنّه لما كان بينه وبين الفعل مضارَعةٌ ومناسَبةٌ من حيث إنّه جارٍ عليه في حَرَكاته وسَكَناته وعدد حروفه، ويَعْمَلَ عَمَلَه، اعتل أيضًا باعتلاله، ولولا اعتلالُ فعله لَما اعتلّ، فلذلك قلتَ: "قائم"، و"خائفُ"، و"بائعٌ"، والأصل: "قاوِمٌ"، و"خاوِفٌ"، و"بايعٌ"، فأرادوا إعلالَها لاعتلال أفعالها. وإعلالُها إمّا بالحذف، وإمّا بالقلب. فلم يجز الحذفُ؛ لأنّه يُزيل صيغةَ الفاعل، ويصير إلى لفظ الفعل، فيلتبس الاسمُ بالفعل. فإن قيل: الإعرابُ يفصل بينهما، قيل: الإعرابُ لا يكفي فارِقًا؛ لأنّه قد يطرَأ عليه الوقفُ، فيُزيله، لمحيبقى الالتباسُ على حاله، فكانت الواو والياء بعد ألف زائدة، وهما مُجاوِرتا الطرف، فقُلبتا همزةً بعد قلبهما ألفًا على حدّ قلبهما في "كِساء" و"رداء". ومثلُه "أوائلُ". كما قلبوا العين في "قُيِّمٍ"، و"صُيَّمٍ" لمجاوَرة الطرف على حدّ قلبهما في "عُصِيٍّ"، و"حُقِيٍّ".
فإن كان اسمُ الفاعل من "أَقالَ" و"أَباعَ"، فاسمُ الفاعل منه "مُقِيلٌ"، و"مُبِيعٌ"، والأصل: "مُقْوِلٌ"، و"مُبْيعٌ" فنُقلت الكسرة من العين إلى الفاء، ثمّ قُلبت الواو إن كانت من ذوات الواو لسكونها وانكسارِ ما قبلها، ونُقلت الكسرة من الياء في "مُبْيع" إلى ما قبلها، فصار فيما كان من ذوات الواو نقلٌ وقلبٌ، وفي ذوات الياء نقل فقط.
وكذلك اسمُ المفعول يعتلّ باعتلال الفعل أيضًا, لأنّه في حكم الجاري على
стр. 2373
الفعل، وهو ملتبس به، فكما قالوا: "يُقال" و"يُباع"، فأعلّوهما بقَلْبهما ألفًا، والأصل: "يُقْوَلُ" و"يبيَعُ"، فنقلوا الفتحة من العين إلى ما قبلها، ثمّ قلبوهما ألفًا لتحرُّكهما في الأصل وانفتاح ما قبلهما الآن، كما فعلوا في "أَقامَ" و"أَقالَ"، فكذلك قالوا فيما كان من الواو: "كلامٌ مَقُولٌ"، و"خاتَمٌ مَصُوغٌ"، وفيما كان من الياء: "ثَوْبٌ مَبِيعٌ"، و"طَعامٌ مَكِيلٌ". وكان الأصل: "مَقْوُول"، و"مَصْوُوغ"، فأعلّوهما بنقل حركتهما إلى ما قبلهما، فسكنت العينُ، والتقت ساكنة واوَ "مَفْعولٍ"، فحُذفت إحداهما لالتقاء الساكنين.
فأمّا سيبويه والخليل (١)؛ فإنهما يزعمان أنّ المحذوف الواو, لأنّها مزيدة، وما قبلها أصل، والمزيدةُ أولى بالحذف من الأصلَ، ودلّ قولُهم: "مَبِيعٌ"، و"مَكِيلٌ" على أنّ المحذوف الواوُ الزائدةُ، إذ لو كان المحذوف الأصلَ، لكان: "مَبُوعًا"، و"مَكُولًا". وكان أبو الحسن الأخفش يزعم أنّ المحذوف عين الفعل، وورْد "مَقُولٍ" و"مَكِيلٍ": "مَفولٌ"، و"مَفِيْل"، والأصل في ذلك: "مَكيُول"، فطُرحت حركه الياء على الكاف التي قبلها كما فعلنا في "يَبِيعُ"، فكانت حركةُ الياء من "مَكيُولٍ" ضمّةً, فانضمّت الكافُ، وسكنت الياء، فأُبدلنا من الضمّة كسرة لتصحّ الياء، ولم تُقلب، ثمّ حُذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصادفت الكسرة واو"مفعول"، فقلبتها كما تقلب الكسرة واوَ "مِيزان" و"مِيعاد" على حدّ صنيعهم في "بِيضٍ", لأنّ "بيضًا" أصلُه "فُعْلٌ" , لأنّ "أَفْعَلَ" الذي يكون نَعْتًا، ومؤنّثه "فَعْلاء" يُجمع على "فُعْل" كـ"حُمْرٍ"، و"صُقْرٍ""، هذا هو القياس في "بِيض"، إلَّا أنّهم أبدلوا من الضمّة كسرةً لتصحّ الياء.
وقد خالَفَ أبو الحسن أصلَه في ذلك, لأنّ من أصله أن لا يُفعل ذلك إلَّا في الجمع لثقل الجمع. لو بنيتَ من البياض نحو: "بُرْدٍ" عنده، لقال: "بُوضٌ" خِلافًا للخليل وسيبويه (٢)، فإئهما يقولان: "بِيضٌ" كالجمع، وكذلك الأسماء المأخوذة من الأفعال، وكانت على مثال الفعل. وزيادتُها ليست من زوائد الأفعال، فإنها تعتل باعتلال الفعل إذا كانت على وزنه، وزيادتُها في موضع زيادة الفعل كالمصادر التي تجري على أفعالها وأسماء لأزمنة الفعل، أو لمكانه من ذلك. إذا بنيتَ "مَفعِلًا" من "القَوْل" و"البَيع"، وأردتَ به مذهبَ الفعل، فإنك تقول: "مَقالاً" و"مَباعًا"؛ لأنّه في وزنِ "أقالَ" و"أباعَ"، والميمُ في أوّله كالهمزة في أوّل الفعل، ولم تَخَفِ التباسًا بالفعل, لأنّ الميم ليست من زوائد الأفعال.
فأمّا نحو"مَزْيَدٍ" و"مَرْيَمَ"، فإنّ سيبويه (٣) وأبا عثمان يجعلانه من قبيل الشاذّ،
стр. 2374
والقياسُ الإعلالُ عندهما، وكان أبو العبّاس المبرّد لا يجعله شاذًّا، ويقول: إِنّ "مَفْعَلًا" إنّما يعتلّ إذا أريد به الزمان والمكان أو المصدر؛ وأمّا إذا أريد به الاسم، فإنّه يصحّ، فعلى هذا تقول: "مَقْوَل" إذا أريد به الاسم لا ما ذكرنا من الزمان والمكان.
وكذلك لو بنيتَ نحو: "مُفْعَل"، بضمّ الميم، لأعللته أيضًا، وقلت: "مُقامٌ" و"مُعادٌ"، كما تقول في الفعل: "يُقال"، و"يُعاد". وكذلك "مَفْعَلَةُ", نحو: "مَقالَةٍ", و"مَفازَةٍ".
ومن ذلك "مَفْعِلٌ" بكسر العين، نحو: "مَسِيرٍ", و"مَصيرٍ", مصادر "سار"، و"صار". يقال: "بارَكَ الله لك في مَسِيرك ومَصِيرك".
ومن ذلك "مَفْعُلَةُ" من "عِشْتُ"، أو "بِعْتُ"، وما كان نحوهما، فإن لفظها كلفظ "مَفْعِلَة" بالكسر عند الخليل وسيبويه (١)، فـ "معيشةٌ" عندهما يجوز أن يكون "مَفْعُلة" بالضمّ و"مَفْعِلة" بالكسر، فإذا أريد "مَفعُلة"، فالأصل: "مَعْيُشَةٌ" بضمّ الياء، فلمّا أريد إعلالُه حملًا على الفعل لِما ذكرناه، نقلوا الضمّة إلى العين، فانضمّت، وبعدها الياء، وأبدلوا من الضمّة كسرة لتصحّ الياء، لصار "مَعِيشَةً". وإذا أريد "مَفْعِلة" بالكسر، فإنّما نُقِلتِ الكسرة إلى العين، فاستوى لفظُهما لذلك.
وكان أبو الحسن يخالفهما في ذلك، ويقول في "مَفْعُلة" من "العَيْش": "مَعُوشَةٌ"، وفي مثال "فُعْلٍ" منه "عُوش"، وكان يقول في "بِيضٍ": إنّه "فُعْلٌ" مضمومَ الفاء. وإنّما أبدل من الضمّة كسرة، لأنّه جمعٌ، والجْمعُ ليس على مذهب الواحد لثِقَل الجمع، وخالَفَ هذا الأصلَ في "مَكِيل"، و"مَبِيع"، وقد تقدّم الكلام عليه في مواضعَ من هذا الكتاب.
ومن ذلك "المَشُورَة" بضمّ الشين، وهو"مَفْعُلَةُ" من قولك: "شاوَرتُه في الأمر"، فأعلّوه بنقل الضمّة من العين إلى الفاء، وكان من ذوات الواو، فسلمت الواوُ، ومثلُه: "مَثُوبة"، و"مَعُونة". ولو كان من ذوات الياء، لأبدل من الضمة كسرة لتسلم الياء، وكنت تقول: "مَسِيرة" كـ" مَعِيشة".
ومن ذلك "أَقامَ"، و"استقام"، وما كان نحو ذلك من ذوات الزيادة، والأصلُ: "أَقوَمَ"، و"اسْتَقْوَمَ"، فنقلوا الفتحة من الواو إلى القاف لما ذكرناه من إرادة الإعلال، لاعتلال الأفعال المجرّدة من الزيادة، وهو "قَامَ"، فالإعلالُ فيه إنما هو بنقل الحركة، والانقلابُ لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها.
وأمّا "قاوَلْتُ"، و"قَوَّلْتُ"، و"تَقاوَلَ"، و"تَقَوَّلَ"، فإن هذه الأفعال تصح ولا تعتلّ.
стр. 2375
أمّا "قاوَلَ"، فلأنّ قبل الواو ألفًا، والألفُ لا تقبل الحركة، ولا تُنْقَل إليها الحركةُ. وأمّا "قَوَّلَ"، فإن إحدى الواوين زائدةٌ وحين وجب الإعلال لم يمكن النقلُ, لأنّه يُزوِّل الادّغامَ، وكان يلزم قلبُ الواو ألفًا، فيزول البناء، ويتغيّر عمّا وُضع له.
وكذلك "تَقاول" و"تَقوّل"، لا يُعَلّ لأنّ التاء دخلت بعد أن صحّا، فلم يُغيَّرا عمّا كانا عليه، فلذلك احترز، فقال: "التي لم يكن ما قبل حرف العلّة فيها ألفًا, ولا واوًا، ولا ياءً، نحو: "قاوَلَ"، و"تَقاول"، و"عَوّذ"، و"تَعوّذ"، و"زَيّن"، و"تَزيّن".
وقوله: "وما كان منها"، يريد ما تصَرّف منها كالمضارع، فإنّه يصحّ أيضًا كما تصحّ هذه الأفعالُ، نحو: "يُقاوِلُ"، و"يُعَوّذ"، و"يُزَيِّنُ", والمصدرِ، نحو: "القِوال"، و"العِواذ"، فإنّهم صحّحوا الواو، ولم يقولوا: "قِيالًا"، "ولا عِياذًا", لصحّتها في الفعل، فلمّا صحّت الأفعالُ، صحّت مصادرُها، فقالوا: "قِوامٌ" حيث قالوا: "قاوَمَ"، وقالوا: "قِيامٌ" حيث قالوا: "قَامَ". قال الله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ (١). صحّت الواو حيث صحّت في "لاوَذَ"، فهذا معنى قوله: "وما هو منها".
وقوله: "أُعلّت هذه الأشياء وإن لم يُوجَد فيها علّةُ الاعتلال"، يريد أنّها إنّما اعتلّت بالحمل على الأفعال المجرّدة من الزيادة، لكونها مشتّقة منها.
وقوله: "وضَرْبِها بعِرْقٍ فيها"، يريد الاتصال بالاشتقاق، كأنّه مأخوذ من عروق الشجرة لامتدادها وانتشارِها. وقولُه ﵇: "ليس لعِرُقٍ ظالم حقٌّ" (٢)، المراد أن يغرِس الرجلُ أو يزرع في أرضِ غيره، ويقال في الشراب: "عِرْقٌ من الماء"، وليس بالكثير، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: والحذف في قُلْ وقُلْنَ وقلت ولم يقل, ولم يقلن وبع وبعن وبعت ولم يبع ولم يبعن، وما كان من هذا النحو في المزيد فيه، وفي سيد وميت، وكينونة وقيلولة، وفي الإقامة والاستقامة ونحوها مما التقى فيه ساكنان أو طلب تخفيف أو اضطر إعلال. والسلامة فيما وراء ذلك مما فقدت فيه أسباب الإعلال والحذف أو وجدت خلا أنه اعترض ما يصد عن حكمها كالذي اعترض في صورى وحيدي والجولان والحيكان والقوباء والخيلاء.
стр. 2376
قال الشارح: اعلم أنّ ما كان ثانيه حرفَ علّة، فإنه قد يعتل بالحذف كما يعتل بالتغيير، والحذفُ يدخله على ثلاثة أضرب: منها التقاء الساكنين، والتخفيف، أو لضرورة الإعلال.
فالأولُ نحو: "قُلْ"، و"قُلْنَ"، والأصل. "تَقُولُ"، فحُذف حرف المضارعة، إذ المواجَهةُ تُغْنِي عن حرفِ خطاب، ثمّ سكن لامُ الفعل للأمر، أو لاتّصال نون جماعة النساء به، نحو: "قُلْنَ"، فالتقى حينئذ ساكنان: اللامُ وحرفُ العلّة، فحُذف حرف العلّة لالتقاء الساكنين على القاعدة. ومثلُه: "بِعْ" و"بَعْنَ"، العلّةُ في الحذف واحدةٌ، إلاّ أنّ "قُلْ" من الواو، و"بِعْ" من الياء، وكذلك "لم يَقُلْ"، و"لم يَقُلْنَ" العين التي هي واو محذوفة لسكونها وسكون اللام بعدها، إلاّ أنّ سكون اللام في "لم يَقُلْ" للجازم، وسكون اللام في "لم يَقُلْنَ" للبناء عند اتّصال نون جماعة النساء به. وكذلك "لم يَبعْ" و"لم يَبِعْنَ"، الحذفُ لالتقاء الساكنين، لا للجزم.
وقوله: "وما كان من هذا النحو في المزيد فيه"، يريد نحو: "أَقامَ"، و"أَباعَ"، و"استقام"، فإنّك إذا أمرتَ منه، قلتَ: "أَقِمْ"، و"أَبِعْ"، و"أَقِمْنَ"، و"أَبِعْنَ"، و"اسْتَقِمْ"، و"اسْتَقِمْنَ". لا فرقَ في ذلك بين المجرّد من الزيادة والمزيد فيه، إذ العلّةُ واحدة، وهي التقاء الساكنين.
وأمّا ما حُذف لضرب من التخفيف، نحو قولهم في "سَيِّدٍ": "سَيْدٌ"، وفي "هَيِّنٍ": "هَيْنٌ"، و"كَينُونَةٌ"، و"قَيْلُولَةٌ"، و"قَيدُودَةٌ"، فالأصل: "سَيْوِدٌ" و"مَيْوِتٌ"، على زنةٍ "فَيعِلٍ" بكسر العين، هذا مذهبُ أصحابنا، وقد تقدّم الكلامُ عليه، فأعلّوها بأن قلبوا الواو ياءً. ولمّا أعلّوا العين بالقلب ههنا، أعلّوها بالحذف أيضًا تخفيفًا لاجتماع يائَيْن وكسرة، فقالوا: "سَيْدٌ"، و"مَيْتٌ"، و"هَيْنٌ". والذين قالوا: "مَيْتٌ" هم الذين قالوا: "مَيِّتٌ"، وليستا لغتَيْن لقَوْمَيْن. قال الشاعر [من الخفيف]:
١٣٢٩ - ليس مَن ماتَ فاستراحَ بمَيْتٍ ... إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأَحْياءِ
стр. 2377
ومن ذلك "كَيِّنُونَةٌ" و"قَيِّلُولَةٌ"، فخُفّف بالحذف، فصار: "كَيْنُونَةً"، و"قَيْلُولةً"، وليس ذلك بـ "فَعْلُولَةَ"؛ لأنّه كان يلزم أنّ يقولوا: "كَوْنونَةٌ"، وَ"قَوْلُولَةٌ"؛ لأنّه من ذوات الواو، مع أنّ "فَعْلُولَة" ليس من أبنيتهم إلاّ أنّ الحذف في نحو: "كَيْنُونَة" و"قَيْدُودَة" لازمٌ، لكثرة حروف الكلمة. ولمّا كان الحذف والتخفيف في مثل/ "ميت"، و"هين" جائزًا مع قلّة الحروف، كان فيما ذكرناه واجبًا لكثرة الحروف وطُولِها.
وقد استغرب البغداديون بناء "مَيْتٍ" و"هَيْنٍ"، فذهب بعضهم إلى أنّه "فَيْعَل" بفتح العين نُقل إلى "فُيْعِل"، بكسرها. وذهب الفرّاء منهم إلى أنّه "فَعِيلٌ"، والأصل: "سَوِيدٌ". وإنما أعلّوه لاعتلال فعله في "سادَ يَسُودُ"، و"ماتَ يَمُوتُ"، فأخّرت الواو، وتقدّمت الياء، فصار "سَيود"، وقُلبت الواو ياء. قالوا: ليس في الكلام "فَيعِلٌ"، وإنّ "فعِيلًا" الذي يعتل عينُه إنّما يجيء على هذا المثال، وإنّ "طويلًا" شاذّ لم يجىءْ على قياس "طالَ يَطُولُ". ولو جاء، لقالوا: "طَيِّلٌ" كـ"سَيِّدٍ". وإذا لم يكن جاريًا على فعلٍ معتلٌّ، صحّ كـ"سَوِيقٍ"، و"حَوِيل"، ونحوهما. والمذهبُ الأوّل، فإنّه قد يأتي في المعتل أبنيةٌ ليست في الصحيح، وقد تقدّم الكلامُ على ذلك.
وأمّا الثالث، فهو الحذف الذي اضطرّنا إليه الإعلالُ، فنحو: "الإقامة"، و"الاستقامة"، والأصل: "إقْوامة"، و"اسْتِقْوامة"، وكذلك "إخافةٌ" و"إبانةٌ"، فأرادوا أن يُعِلّوا المصدرَ لاعتلال فعله - وهو"أقام" و"استقام" - فنقلوا الفتحة من الواو إلى ما قبلها، ثمّ قلبوها ألفًا، وبعدها ألفُ "إفعالة"، فصار "إقامة" و"استقامة"، فدعت الضرورةُ إلى حذف إحداهما. فذهب أبو الحسن إلى أنّ المحذوف الألفُ الأولى التي هي العين، وزعم الخليل وسيبويه (١) أنّ المحذوف الثانيةُ، وهي الزائدة على ما تقدّم من مذهبهما في "مَقُول" و"مَبِيع".
وقوله: "ممّا التقى فيه ساكنان"، يريد نحو: "قُلْ"، و"قُلْتَ"، و"لم يَقُلْ"، وأضرابَ ذلك ممّا التقى فيه ساكنان.
وقوله "أو طُلب تخفيف"، يريد نحو: "هَيْنٍ"، و"لَيْنٍ".
وقوله: "أو اضطرّ إعلالٌ"، يريد "الإقامة" و"الاستقامة".
стр. 2378
وقوله: "والسلامة فيما وراء ذلك"، يريد ما لم يُوجَد فيه سببٌ من أسباب الإعلال، نحو: "القَوْل"، و"البَيْع"، وما أشبههما.
وقوله: "أو وُجدت"، يريد العلّة المقتضية للقلب، إلاّ أنّه لا يثبت الحكمُ لمانعٍ، أو مُعارِضٍ، نحو: "صَوَرَى"، وهو موضع، و"حَيَدَى" للكثير الحَيَدان، و"الجَوَلان"، و"الحَيَكان"، و"القُوَباء"، و"الخُيَلاء". يريد أن "صورى" و"حيدى" قد وُجد فيهما علّةُ القلب، وُيخاف القلب لمانع، وهو أن هذا الإعلال إنّما يكون فيما هو على مثال الأفعال، نحو: "بابٍ"، و"دارٍ". وهذه الأسماء قد تباعدت عن الأفعال بما في آخِرها من علامة التأنيث التي لا تكون في الأفعال، فصحّت لذلك.
وأمّا "الجَوَلان"، و"الحَيَكان"، وهما مصدران، فـ"الحيكان" مصدرُ "حاكَ يَحيك" إذا مشى، وحرّك كتفَيْه، و"الجولان" مصدرُ جالَ يَجُول إذا طاف، فإنّهما تباعدا عن الأفعال بزيادة الألف والنون في آخِرهما، وذلك لا يكون في الأفعال مع أن "الجَوَلان" و"الحَيَكان" علي بناء "النَزَوان" و"الغَيلان"، وقد صحّ حرف العلّة فيهما، وهو لامٌ، واللام ضعيفةٌ قابلةٌ للتغيير، فكان صحّتُه في العين، وهو أقوى منه، أَوْلى وأَحْرَى، إذ كان العين أقوى من اللام لتحصُّنه.
وكذلك "القوباء"، و"الخيلاء" لم يُعَلاّ لتباعُدهما عن أبنية الأفعال بما في آخرهما من ألفَي التأنيث مع أنّه لو لم يجىء في آخِره ألفُ التأنيث، لكان بناؤه يُوجِب له التصحيحَ لبُعْده عن أبنية الفعل، كما صحّ نحو: "العُيَبة"، و"رجلٌ سُوَلَةٌ"، فاعرفه.
فصل [أبنية الأفعال الثلاثية المعتلة العين]
قال صاحب الكتاب: وأبينة الفعل في الواو على فَعَلَ يَفْعُلُ نحو قالَ يَقُولُ، وفَعِل يفعَل نحو خافَ يَخافُ، وفعُل يفعُل نحو طالَ يَطُولُ وجادَ يَجُودُ إذا صار طويلاً وجواداً, وفي الياء على فعَل يفعِل نحو باعَ يَبِيعُ، وفعِل يفعَل نحو هابَ يَهابُ، ولم يجيء في الواو يفعِل بالكسر، ولا في الياء يفعُل بالضم، وزعم الخليل (١) في طاح يطيح وتاه يتيه أنهما فعِل يفعِل كحسب يحسب وهما من الواو لقولهم طوّحت وتوّهتُ، وهو أطوح منه وأتوَهُ، ومن قال طيّحت وتيّهت فهما على باع يبيع.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ الأفعال الثلاثيّة المعتلّة العينات تأتي على ثلاثة أضرب:
стр. 2379
"فَعَلَ"، و"فَعِلَ"، و"فَعُلَ"، كما كان الصحيح كذلك، فما كان من ذوات الواو فإنّه يأتي على الأضرب الثلاثة:
الأوَّلُ: "فَعَلَ"، نحو: "قال يَقُول"، و"طاف يَطُوف", ولم يأت من ذلك على "يَفْعِل" بالكسر كما جاء في الصحيح، لئلّا يصير الواو ياء، فتلتبس ذواتُ الواو بذوات الياء.
الثاني: وهو "فَعِلَ" بالكسر، نحو: "خاف يَخاف"، و"راح يومُنا يَراح"، لأنّهما من "الخَوْف"، و"الرَّوْح"، ولم يأت من هذا "يَفْعِل" بالكسر إلاّ حرفان، وهما "طاح يَطِيح"، و"تاهَ يَتِيه"، فإن الخليل زعم أنّهما من قبيل "حَسِبَ يَحْسِب"، وهو من الواو لقولك: "طوّحت"، و"توّهت"، و"هو أطْوَح منه وأَتْوَه"، فظهورُ الواو يدلّ أنّهما من الواو، وإذا كانا من الواو كان ماضيه "فَعِلَ" مكسورَ العين، لقولك. "طِحْتُ" و"تِهْتُ"، بكسر فائهما، إذ لو كان ماضيه "فَعَلَ"، لقيل: "طُحْتُ"، و"تُهْتُ" بالضمّ، فلمّا لم يُقل ذلك، دلّ أنّهما من قبيلِ "خِفْتُ". وأيضًا فإن "فَعَلَ" من ذوات الواو لا يكون مضارعه إلّا "يَفْعُل" بالضمّ، فلمّا قالوا "يَطِيحُ" و"يَتِيهُ"، دلّ على ما قلناه.
وأصلُ "يَطِيحُ"، و"يَتِيهُ": "يَطْوِحُ"، و"يَتوِهُ"، فنُقلت الكسرة من الواو إلى ما قبلها، فسكنت، فكان ما قبلها مكسورًا، فانقلبت الواو ياءً. ومن قال. "طيّحتُ" و"تيّهتُ"، كانا من الياء، وكانا "فعَلَ يَفْعِل" مثلَ "بَاعَ يَبِيعُ".
وأمّا الثالث: هو "فَعُلَ"، فقد قالوا: "طال يَطُول"، وهو غيرُ متعدّ كما أنّ "قَصُرَ" كذلك، فهذا في المعتل نظيرُ "ظَرُفَ" في الصحيح، ألا ترى أتهم قالوا في الاسم منه: "طَوِيلٌ"، كما قالوا: ظَرِيفٌ.
فإن كان العين ياءً، فإنّه يجيء على ضربَيْن: "فَعَلَ"، و"فَعِلَ"، ولم يجيء منه "فَعلَ"، فالأول يكون متعدّيًا، وغير متعدّ، نحو: "باعَهُ"، و"عابَهُ"، و"عَالَ"، و"صَارَ". والذي يدل أنّه "فَعَلَ" مَجِيءُ مضارعه على "يَفعِل" بالكسر، نحو: "يَبِيع"، و"يَعِيب"، و"يَعِيل"، و"يَصِير"، فإن قيل: فهلّا قلتم: إِنّه "فَعِلَ"، ويكون من قبيل "حَسِبَ يَحْسِب"؟ قيل: إِنّ بابَ "فَعِلَ" يأتي مضارعُه على "يَفْعَل" بفتح العين. هذا هو القياس؛ وأمّا "حَسِبَ يَحْسِب" فهو قليل، والعملُ إنّما هو على الأكثر مع أنّ جميعَ ما جاء من "فَعِلَ يَفْعِل" بالكسر جاء فيه الأمران، نحو: "حَسِبَ يَحْسِب ويَحْسَب"، و"نعِمَ يَنْعِم ويَنْعَم"، و"يَئِسَ يَيئِس ويَيْأَس"، فلقا اقتُصر علي مضارع هذا على "يَفْعِل" بالكسر دون الفتح، دل أنه ليس منه.
وأمّا الضرب الثاني -وهو "فَعِلَ" بكسر العين- فيكون متعدّيًا، وغير متعدّ، نحو: "هِبتُه"، و"نِلْتُه"، و"زالَ يَزالُ"، و"حارَ طَرْفُه"، فهذه الأفعالُ عينُها ياء، ووزنُها "فَعِلَ"
стр. 2380
بكسر العين. والذي يدلّ أنّها من الياء قولهم: "الهَيْبَة"، و"النَّيْل"، فظهورُ الياء دليلٌ على ما قلناه. وقالوا: "زيّلتُه فزالَ"، فظهرت الياء، وأصله أن يكون لازمًا، لكنّ "زيّلتُه" كـ"خَرَّجته" من "خرج"، و"زايلتُه" كـ"جالسته" من "جلس". وإنّما نُقل إلى حيّز الأفعال التي لا تستغني بفاعلها كـ "كَان"، ويدلّ أنّها "فَعِلَ" بالكسر قولُهم في المضارع منها: "يَفْعَلُ" بالفتح، نحو: "يَهابُ"، و"يَنالُ"، و"لا يَزالُ"، و"يَحارُ طَرْفُه". ولم يأت من هذا "فَعُلَ" بالضمّ، كأنّهم رفضوا هذا البناء في هذا الباب لِما يلزم من قلب الياء في المضارع واوًا.
فصل [التحويل عند اتصال ضمير الفاعل]
قال صاحب الكتاب: وقد حوّلوا عند اتصال ضمير الفاعل "فَعَلَ" من الواو إلى "فَعُلَ"، ومن الياء إلى "فَعِلَ"، ثم نقلت الضمة والكسرة إلى الفاء, فقيل: "قُلْتُ" و"قُلْنَ"، و"بِعْتُ", و"بِعْنَ". ولم يحوّلوا في غير الضمير إلا ما جاء من قول ناسٍ من العرب "كيد يفعل كذا" و"ما زيل يفعل ذاك".
* * *
قال الشارح: الأصل في كلّ كلمة تبتنى على حركة أن تقرّ على حركتها من غير تغيير، ولا تزال عن حركتها التي بُنيت عليها؛ فأمّا "فَعَلْتُ" ممّا عينُه واوٌ أو ياءٌ، فإنّه في الأصل "فَعَلَ"، نحو: "قامَ"، و"باعَ"، فإذا اتصل به تاء المتكلم أو المخاطب ونحوهما من ضميرِ فاعل، يسكن له آخِرُ الفعل من نحو: "قُمْنَا"، و"بِعْنَا"، فإنّك تنقل ما كان من ذوات الواو إلى "فَعُلْتُ"، وما كان من ذوات الياء إلى "فَعِلْت"، ثمّ تُحول حركة العين إلى الفاء بعد زوال الحركة التي لها في الأصل, فقلت: "قُمتُ"، و"بِعْتُ"، وكان الأصل: "قَوُمْتُ"، و"بَيِعْتُ". فلمّا نُقلت عن العين حركتُها إلى الفاء، سكنت، وسكنت اللامُ من أجل التاء التي هي الفاعلةُ، فصار: "قُمْتُ"، و"بِعْتُ". نقلوا "فَعُلَ" من الواو إلى "فُعْلَ"؛ لأنّ الضمّة من الواو، ونقلوا "فَعِلَ" من الياء إلى "فِعْلَ" بالكسر؛ لأنّ الكسرة من الياء، وشبّهوا ما اعتلّت عينُه بما اعتلّت لامُه, لأنّ محلّ العين من الفاء كمحلّ اللام من العين، فقالوا: "يَغْزُو". ألزموه الضمّ كما قالوا: "يَرْمِي"، ألزموه الكسرة. وكان ما قبل حرف العلّة في كل واحد من "يغزو" و"يرمي" حركةً من جنسه، فلذلك قالوا: "قُمتُ" و"بِعْتُ"، فجعلوا ما قبل العين حركةً من جنسها.
وإنّما فعلوا ما ذكرناه من النقل والتحويل, لأنهم أرادوا أنّ يُغيِّروا حركةَ الفاء عما كانت عليه، ليكون ذلك دلالةً على حذف العين، وأمارةً على التصرّف، ألا ترى أنّ "لَيْسَ" لمّا لم يريدوا فيها التصرف، لم يغيّروا حركة الفاء، وقالوا: "لَسْتُ". فإذا رأيتَ
стр. 2381
القاف في "قُلْتُ" مضمومةً، وفي "بِعْتُ" مكسورةً بعد أن كانتا مفتوحتين في "قالَ" و"باعَ"، دل ذلك أنّ الفعل متصرّفٌ، وأنه قد حدث فيه لأجل التصرّف حَدَثٌ، وليس كالحرف الذي يلزم طريقًا واحدًا كـ"لَيتَ", ولا كـ"لَيْسَ" الذي لا يراد فيه التصرّفُ. ألا ترى أنْك لو قلت: "قَلْتُ" و"بَعْتُ"، يجري مجرَى "لَسْتُ"، لم تعلم هل الفتحة هى الأصلية، أم المنقولةُ من العين. وأمّا "خِفْتُ"، و"هِبْتُ"، و"طُلْتُ"، فلم يحتاجوا إلى أن ينقلوا بناءها إلى بناء آخر؛ لأنّ حركة العين جاءت مخالفةً لحركة الفاء في أصل الوضع، لأنّ أصلَ "خِفْتُ": "خَوِفْتُ"، وأصل "هِبْتُ": "هَيِبْتُ"، وأصل "طُلْتُ": "طَوُلْتُ"، فنُقلت الضمّة والكسرة الأصلّيتان من العين إلى فاء الفعل، فلم تحتج إلى تغيير البناء.
وزعم أبو عثمان المازنيّ أنهم ينقلون "باعَ" و"قامَ" إلى "بِيعَ" و"قُومَ"، كما ينقلونه في "بِعْتُ" و"قُمْتُ"، إلاّ أنّهم لا ينقلون حركة العين إلى الفاء، كما ينقلونها في "بِعْت" و"قُمْت"، وذلك من قبل أنهم لو نقلوا حركتَها إلى الفاء، لانضمّت في "قامَ"، وانكسرت في "باعَ" وبعدها العينُ ساكنةً، فكان يُلْبس بفعلِ ما لم يسمّ فاعلُه في "بِيعَ زيدٌ" وفي "قُولَ القولُ" على لغةِ من يقول ذلك؛ لأنّ هذا النقل إنّما يريدونه عند حذف العين للدلالة على المحذوف، والفرقِ بين ذوات الواو والياء. فأما إذا أُسند إلى ظاهرٍ فالعينُ ثابتة، ولا محذوف هناك يحتاج إلى الدلالة.
وبعض العرب لا يبالي الالتباسَ، فيقول: "وقد كِيدَ زيدٌ يفعل كذا وكذا"، و"ما زِيلَ يفعل زيدٌ"، يريدون: "كَادَ"، و"زَالَ". قال الأصمعىّ سمعتُ من ينشد [من الطويل]:
١٣٣٠ - وكِيدَ ضِباعُ القُفِّ يَأكُلْنَ جُثَّتِي ... وكِيدَ خِراشٌ بعد ذلك يَيْتَمُ
стр. 2382
فـ "كاد" "فَعِلَ"، وكذلك "زال". يدلّ على ذلك قولهم في المضارع: "يَكادُ" و"يَزالُ"، فنقلوا الكسرة من العين إلى الفاء بعد حذف حركة الفاء، فصار "كِيدَ" و"زِيلَ"، ولم يخافوا التباسَه بـ "فُعِلَ"، لأنّهما لازمان، و"فُعِلَ" لا يكون من اللازم، والذي يدلّ أنّ "زال" من الياء قولهم: "زيّلتُه فتزيّل".
وأمّا "كادَ"، ففيها مذهبان للعرب: قومٌ يجعلونها من الواو، وقومٌ من الياء، فقالوا: "كِدْتُ أكاد"، وقالوا: "كُدْتُ" بالضمّ، فمن قال: "كُدْتُ"، فهو من الواو لا محالةَ، وإن لم يُستعمل. قال الأصمعي: سمعتُ من العرب من قال: "لا أفعلُ ذلك ولا كَوْدًا". ومن قال: "كِدْتُ أكادُ"، فيحتمل أن يكون من الواو، مثلَ: "خِفْتُ أخافُ"، ويحتمل أن يكون من الياء، مثلَ: "هِبْتُ أهابَ". ويؤيّده قولُهم في المصدر: "كَيدًا". فإن قلت: فهلّا زعمتَ أنّ أصلَ "قامَ" و"قالَ": "فَعُلَ" بضمّ العين، وتستغنى عن كُلْفة التغيير؟ قيل: لا يصحّ ذلك؛ لأنّ "فَعُلَ" لا يجيء متعدّيًا، وأنت تقول: "عُدْتُ المريضَ"، و"زُرتُ الصديقَ"، فتجِده متعدّيًا، فاعرفه.
فصل [الإعلال في صيغة المجهول]
قال صاحب الكتاب: وتقول فيما لم يسم فاعله: "قِيلَ" و"بِيعَ" بالكسر، و"قُيِلَ" و"بُيعَ" بالإشمام، و"قُولَ" و"بُوعَ" بالواو، وكذلك اختير وانقيد له تكسر وتشم وتقول اختوِرَ وانقود له، وفي فُعِلْتَ من ذلك "عُدِتَ يا مريض" و"اختُرْتَ يا رجلُ" بالكسر والضم الخالصين والإشمام، وليس فيما قبل ياء "أُقِيمَ" و"استُقِيم" إلا الكسر الصريح.
* * *
قال الشارح: إذا بنيت "فُعِلَ" ممّا اعتلّت عينُه كسرت الفاء، لتحويلك حركةَ العين إليها، كما فعلت ذلك في "فعِلْتُ"، وذلك قولك: "خِيفَ" و"بِيعَ"، والأصلُ: "خُوِفَ"، و"بُيعَ", لأنّهما بوزنِ "ضُرِبَ"، فأرادوا أنّ يُعِلّوا العين كما أعلّوها في "خافَ" و"باعَ"، فسلبوها الكسرةَ، ونقلوها إلى الفاء بعد إسكانها؛ لاستحالة اجتماع الحركتين فيها، فانقلبت العينُ في ذوات الواو ياءً، نحو: "خِيفَ" و"قِيلَ"، لسكون العين وانكسار الفاء قبلها، وبقي ما كان من الياء بحاله ياءً، فصار كلُّه: "خِيفَ"، و"بِيعَ"، و"قِيلَ". هذه اللغة الجيّدة.
стр. 2383
ومنهم من يُشِمّ الفاء شيئًا من الضمّة، فيقول: "قُيِلَ"، و"بُيعَ"، وقرأ الكسائي ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ (١)، ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ (٢)، ﴿وحُيِلَ﴾ (٣)، ﴿وسُيِقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٤). وذلك أنهم أرادوا نقل حركة العين إلى الفاء لِما ذكرناه من إرادة إعلال الفعل والمحافَظةِ على حركة الفاء الأصلية، فلم يمكن الجمعُ بينهما، فأشربوا ضمّةَ الفاء شيئًا من الكسرة، فصارت حركةً بين حركتين بين الضمّة والكسرة، نحو حركة الإمالة في "جائرٍ" و"كافرٍ"؛ لأنّها بين الفتحة والكسرة.
ومنهم من يُبْقِي الضمّة الأصلية على حالها مبالغةً في البيان، ويحذف حركة العين حذفًا للإعلال، ويُنقِي الواو ساكنةً لانضمام ما قبلها, نحو: "قُولَ القولُ"، فإن كان الفعل من ذوات الياء، انقلبت ياؤه واوًا، لسكونها وانضمام ما قبلها، نحو: "بُوعَ المتاعُ"، و"عُوبَ زيدٌ"، فهذه اللغةُ في مقابَلة اللغة الأولى؛ لأن في الأولى ترجع ذواتُ الواو إلى الياء، وفي هذه اللغة ترجع ذوات الياء إلى الواو. ومثله "انْقِيدَ"، و"اخْتِيرَ" بمنزلةِ "قِيلَ" و"بِيعَ". ويجوز فيه الأوجهُ الثلاثةُ، فتقول: "انُقِيدَ" بالكسر، و"انقُيِدَ" بالإشمام، و"اتقُودَ" بالإخلاص واوًا، وكذلك تقول: "اختِيرَ"، و"اخْتُيِرَ" بالإشمام، و"اختورَ" بالإخلاص.
واعلم أنّ الجماعة قد عبّروا عن هذه الحركة بالإشمام، وهي في الحقيقة رَوْمٌ, لأنّ الروم حركةٌ خفيفةٌ، والإشمام تَهْيِئَة العُضْو للنطق بالحركة من غير صوت.
وأمّا "أُقِيمَ" و"اسْتُقِيمَ" ونحوهما، فإنّه ليس فيما قبل الياء منه إلاّ الكسرُ الخالصُ؛ لأنّ الأصل في القاف السكون، فنُقلت إليه الكسرة، ولم يكن لها أصلٌ في الحركة، فيُحافَظَ عليها بالإشمام والإخلاص، فاعرفه.
فصل [تصحيح العين شذوذًا]
قال صاحب الكتاب: وقالوا: "عَوِرَ", و"صَيِدَ" و"ازْدَوَجُوا" و"اجْتَوَرُوا"،
стр. 2384
فصححوا العين لأنها في معنى ما يجب فيه تصحيحها، وهو افْعَالَّ وتفاعلوا، ومنهم من لم يلمح الأصل فقال: "عارَ يَعارُ" قال [من الوافر]:
١٣٣١ - [تُسائِلُ بابنِ أحمَرَ من رآه] ... أعارت عينه أم لم تَعارا
وما لحقته الزيادة من نحو عَوِرَ ,في حكمه، تقول "أَعْوَرَ الله عينه" و"أَصْيَدَ بعيره"، ولو بنيت منه استفعلت لقلت استعورت، وليس مسكنه من لَيِسَ كصَيِدَ، كما قالوا عَلْمَ في عَلِمَ، ولكنهم ألزموها الإسكان, لأنها لما لم تصرَّفْ تصرُّفَ أخواتها لم تجعل على لفظ صيد ولا هاب، ولكن على لفظ ما ليس من الفعل؛ نحو: "ليت"، ولذلك لم ينقلوا حركة العين إلى الفاء في "لَسْتُ". وقالوا في التعجب "ما أقوله" و"ما أبيعه". وقد شذ عن القياس؛ نحو أجودت واستروح واستحوذ واستصوب وأطيبت وأغيلت وأخيلت وأغيمت واستفيل.
* * *
قال الشارح: قد ذكر في هذا الفصل أشياء شذّتْ عن القياس، فصحّت، فمن ذلك قولهم: "عَوِرَ"، و"صَيِدَ البعيرُ" جاؤوا بهما على الأصل, لأنهما في معنى ما لا بد من صحة الواو والياء فيه, لأنّ "عَوِرَ" في معنى "اعْوَرَّ" فلمّا كان "اعورّ" لا بد له من الصحّة
стр. 2385
لسكونِ ما قبل الواو صحّت العينُ في "عَوِرَ"، و"حَوِلَ"، و"صَيِدَ"، فصارت صحّةُ العين في "عَوِرَ" أمارةً على أنّه في معنى "اعْوَرَّ" ولو لم تُرِد هذا المعنى لأعللتَه، وقلتَ: "عارت عينُه"، و"صاد البعيرُ"، وقد قالوا: "عارت عينُه تَعارُ", وهو قليل مسموع ولا يقال في "حَوِلَت عينُه" حالت قال الشاعر [من الوافر]:
تْسائِل بابْنِ أَحْمَرَ مَن رَآهُ ... أَعارَت عينُه أم لم تَعارا
كأنَّه "تَعارَنْ" بالنون الخفيفة المؤكّدة، وإنّما أبدل منها ألف الوقف. ومن ذلك: "اعْتَوَنُوا"، و"ازْدَوَجُوا"، و"اجْتَوَرُوا"، والمراد: تَعاونوا، وتَزاوجوا، وتَجاوروا، فلمّا صحّت فيما ذكرناه لوقوع الألف قبلها، فلم يمكن نقلُ حركة العين إليها مع أنّك لو قلبتَ الواو لالتقت مع الألف قبلها فكان يؤدّي إلى حذف إحداهما فيؤول اللفظ إلى "تَعانوا"، و"تَزاجوا" فيزول بناء "تَفاعلوا" وهم يريدون معناه، ثمّ صحّحوا ما كان في معناه ليكون أمارة على ذلك كما قلنا في "عَوِرَ"، و"حَوِلَ". وكذلك إذا لحقته الزيادة؛ نحو: الهمزة، للنقل في قوِلهم: "أَعْوَرَ الله عينه"، و"أَصْيَدَ بعيرَه" فإنّك لا تُعِلّه بقلبه ألفًا كما أعللتَه في "أَقام"، و"أَباع" إئما اعتلّا لاعتلالِ فَعَلَ منهما قبل النقلِ، ألا ترى أنّ الأصل قامَ، وباعَ، ثم نقلتَ الفعل بهمزة، فقلت: "أقام"، و"أباع"، و"أعْوَرَ" لم ينقل من "عارَ" فيجبَ إعلالُه لاعتلالِ "فَعِلَ" منه بغير زيادة. ولو بنيت منه "استفعلت" لقلت: "استعوَرْتُ" فكنت تُصحِّحه ولا تُعِّله كما تُعِلّ "استقمتُ" لصحّةِ "عَوِرَ" واعتلالِ "قامَ". وأمّا "لَيْسَ" فإنّها مخفّفة من "لَيِسَ" مثلَ "عَلْمَ" وإنّما قلنا ذلك، لأنّها فعلٌ إذ كان الضمير المرفوع يتّصل بها على حدّ اتّصاله بالأفعال؛ من نحو: لسْتُ، ولَسْنَا, ولَسْتُمْ، فإذا ثبت أنّها فعلٌ فلا يجوز أن تكون "فَعَلَ" بالفتح، لأنّ هذا لا يجوز إسكانه لخفّة الفتحة ألا ترى أنّ من قال في "عَلِمَ"، "عَلْمَ" بسكون اللام، وفي "عَضُدٍ": "عَضْدٌ" بسكون الضاد لم يقل في مثلِ "قَتَلَ": "قَتْلَ". ولم تكن "فَعُلَ" بالضمّ لأنّ هذا المثال لا يكون في ذوات الياء. وإذا بطل هذا تَعيّن أنّ تكون "فَعِلَ" كـ"صَيْدَ البعيرُ"، وأصله صَيِدَ بالكسر إلاّ أنّك في صيد تستعمل الأصلَ والفرعَ لأنّه متصرّف، و"لَيسَ" لمّا لم يريدوا فيها التصرّفَ ألزموها السكونَ، وأجروها مجرى ما لا تصرّفَ له وهو "لَيْتَ".
وقوله: لم يجعلوها على لفظَ "صَيِدَ" ولا "هَابَ" يعني لمّا لم يَرِدْ في "لَيْسَ" التصرّفُ لغَلَبة شَبَه حرف النفي عليه سلبوه ما للأفعال من التصرّف، ونَقْلِ حركة العين إلى الفاء كما فعلوا ذلك في نحو: هِبْتُ، وكِدْتُ، حتّى سلبوه لفظَ الفعل مبالغةً في الإيذان بقوّة معنى الحرفيّة عليه، فلم يجعلوه كـ"صَيِدَ" ونحوه ممّا صحّ، ولا كـ"هَابَ" ونحوه ممّا اعتلّ بل على لفظ الحرف المحض كلَيْتَ. وقد بالغ في ذلك من منعه العملَ، وقال: "ليس الطِيبُ إلاّ المِسْكُ" وقد صحّحوا "أَفْعَلَ" التعجّبِ أيضًا في نحو قولهم: "ما أَقْوَمَهُ"، و"ما أَبْيَعَهُ" وذلك حين أرادوا جمودَه، وعدمَ تصرُّفه، ولذلك لم يأتوا له