القاف في "قُلْتُ" مضمومةً، وفي "بِعْتُ" مكسورةً بعد أن كانتا مفتوحتين في "قالَ" و"باعَ"، دل ذلك أنّ الفعل متصرّفٌ، وأنه قد حدث فيه لأجل التصرّف حَدَثٌ، وليس كالحرف الذي يلزم طريقًا واحدًا كـ"لَيتَ", ولا كـ"لَيْسَ" الذي لا يراد فيه التصرّفُ. ألا ترى أنْك لو قلت: "قَلْتُ" و"بَعْتُ"، يجري مجرَى "لَسْتُ"، لم تعلم هل الفتحة هى الأصلية، أم المنقولةُ من العين. وأمّا "خِفْتُ"، و"هِبْتُ"، و"طُلْتُ"، فلم يحتاجوا إلى أن ينقلوا بناءها إلى بناء آخر؛ لأنّ حركة العين جاءت مخالفةً لحركة الفاء في أصل الوضع، لأنّ أصلَ "خِفْتُ": "خَوِفْتُ"، وأصل "هِبْتُ": "هَيِبْتُ"، وأصل "طُلْتُ": "طَوُلْتُ"، فنُقلت الضمّة والكسرة الأصلّيتان من العين إلى فاء الفعل، فلم تحتج إلى تغيير البناء.
وزعم أبو عثمان المازنيّ أنهم ينقلون "باعَ" و"قامَ" إلى "بِيعَ" و"قُومَ"، كما ينقلونه في "بِعْتُ" و"قُمْتُ"، إلاّ أنّهم لا ينقلون حركة العين إلى الفاء، كما ينقلونها في "بِعْت" و"قُمْت"، وذلك من قبل أنهم لو نقلوا حركتَها إلى الفاء، لانضمّت في "قامَ"، وانكسرت في "باعَ" وبعدها العينُ ساكنةً، فكان يُلْبس بفعلِ ما لم يسمّ فاعلُه في "بِيعَ زيدٌ" وفي "قُولَ القولُ" على لغةِ من يقول ذلك؛ لأنّ هذا النقل إنّما يريدونه عند حذف العين للدلالة على المحذوف، والفرقِ بين ذوات الواو والياء. فأما إذا أُسند إلى ظاهرٍ فالعينُ ثابتة، ولا محذوف هناك يحتاج إلى الدلالة.
وبعض العرب لا يبالي الالتباسَ، فيقول: "وقد كِيدَ زيدٌ يفعل كذا وكذا"، و"ما زِيلَ يفعل زيدٌ"، يريدون: "كَادَ"، و"زَالَ". قال الأصمعىّ سمعتُ من ينشد [من الطويل]:
١٣٣٠ - وكِيدَ ضِباعُ القُفِّ يَأكُلْنَ جُثَّتِي ... وكِيدَ خِراشٌ بعد ذلك يَيْتَمُ
стр. 2382
فـ "كاد" "فَعِلَ"، وكذلك "زال". يدلّ على ذلك قولهم في المضارع: "يَكادُ" و"يَزالُ"، فنقلوا الكسرة من العين إلى الفاء بعد حذف حركة الفاء، فصار "كِيدَ" و"زِيلَ"، ولم يخافوا التباسَه بـ "فُعِلَ"، لأنّهما لازمان، و"فُعِلَ" لا يكون من اللازم، والذي يدلّ أنّ "زال" من الياء قولهم: "زيّلتُه فتزيّل".
وأمّا "كادَ"، ففيها مذهبان للعرب: قومٌ يجعلونها من الواو، وقومٌ من الياء، فقالوا: "كِدْتُ أكاد"، وقالوا: "كُدْتُ" بالضمّ، فمن قال: "كُدْتُ"، فهو من الواو لا محالةَ، وإن لم يُستعمل. قال الأصمعي: سمعتُ من العرب من قال: "لا أفعلُ ذلك ولا كَوْدًا". ومن قال: "كِدْتُ أكادُ"، فيحتمل أن يكون من الواو، مثلَ: "خِفْتُ أخافُ"، ويحتمل أن يكون من الياء، مثلَ: "هِبْتُ أهابَ". ويؤيّده قولُهم في المصدر: "كَيدًا". فإن قلت: فهلّا زعمتَ أنّ أصلَ "قامَ" و"قالَ": "فَعُلَ" بضمّ العين، وتستغنى عن كُلْفة التغيير؟ قيل: لا يصحّ ذلك؛ لأنّ "فَعُلَ" لا يجيء متعدّيًا، وأنت تقول: "عُدْتُ المريضَ"، و"زُرتُ الصديقَ"، فتجِده متعدّيًا، فاعرفه.
فصل [الإعلال في صيغة المجهول]
قال صاحب الكتاب: وتقول فيما لم يسم فاعله: "قِيلَ" و"بِيعَ" بالكسر، و"قُيِلَ" و"بُيعَ" بالإشمام، و"قُولَ" و"بُوعَ" بالواو، وكذلك اختير وانقيد له تكسر وتشم وتقول اختوِرَ وانقود له، وفي فُعِلْتَ من ذلك "عُدِتَ يا مريض" و"اختُرْتَ يا رجلُ" بالكسر والضم الخالصين والإشمام، وليس فيما قبل ياء "أُقِيمَ" و"استُقِيم" إلا الكسر الصريح.
* * *
قال الشارح: إذا بنيت "فُعِلَ" ممّا اعتلّت عينُه كسرت الفاء، لتحويلك حركةَ العين إليها، كما فعلت ذلك في "فعِلْتُ"، وذلك قولك: "خِيفَ" و"بِيعَ"، والأصلُ: "خُوِفَ"، و"بُيعَ", لأنّهما بوزنِ "ضُرِبَ"، فأرادوا أنّ يُعِلّوا العين كما أعلّوها في "خافَ" و"باعَ"، فسلبوها الكسرةَ، ونقلوها إلى الفاء بعد إسكانها؛ لاستحالة اجتماع الحركتين فيها، فانقلبت العينُ في ذوات الواو ياءً، نحو: "خِيفَ" و"قِيلَ"، لسكون العين وانكسار الفاء قبلها، وبقي ما كان من الياء بحاله ياءً، فصار كلُّه: "خِيفَ"، و"بِيعَ"، و"قِيلَ". هذه اللغة الجيّدة.
стр. 2383
ومنهم من يُشِمّ الفاء شيئًا من الضمّة، فيقول: "قُيِلَ"، و"بُيعَ"، وقرأ الكسائي ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ (١)، ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ (٢)، ﴿وحُيِلَ﴾ (٣)، ﴿وسُيِقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٤). وذلك أنهم أرادوا نقل حركة العين إلى الفاء لِما ذكرناه من إرادة إعلال الفعل والمحافَظةِ على حركة الفاء الأصلية، فلم يمكن الجمعُ بينهما، فأشربوا ضمّةَ الفاء شيئًا من الكسرة، فصارت حركةً بين حركتين بين الضمّة والكسرة، نحو حركة الإمالة في "جائرٍ" و"كافرٍ"؛ لأنّها بين الفتحة والكسرة.
ومنهم من يُبْقِي الضمّة الأصلية على حالها مبالغةً في البيان، ويحذف حركة العين حذفًا للإعلال، ويُنقِي الواو ساكنةً لانضمام ما قبلها, نحو: "قُولَ القولُ"، فإن كان الفعل من ذوات الياء، انقلبت ياؤه واوًا، لسكونها وانضمام ما قبلها، نحو: "بُوعَ المتاعُ"، و"عُوبَ زيدٌ"، فهذه اللغةُ في مقابَلة اللغة الأولى؛ لأن في الأولى ترجع ذواتُ الواو إلى الياء، وفي هذه اللغة ترجع ذوات الياء إلى الواو. ومثله "انْقِيدَ"، و"اخْتِيرَ" بمنزلةِ "قِيلَ" و"بِيعَ". ويجوز فيه الأوجهُ الثلاثةُ، فتقول: "انُقِيدَ" بالكسر، و"انقُيِدَ" بالإشمام، و"اتقُودَ" بالإخلاص واوًا، وكذلك تقول: "اختِيرَ"، و"اخْتُيِرَ" بالإشمام، و"اختورَ" بالإخلاص.
واعلم أنّ الجماعة قد عبّروا عن هذه الحركة بالإشمام، وهي في الحقيقة رَوْمٌ, لأنّ الروم حركةٌ خفيفةٌ، والإشمام تَهْيِئَة العُضْو للنطق بالحركة من غير صوت.
وأمّا "أُقِيمَ" و"اسْتُقِيمَ" ونحوهما، فإنّه ليس فيما قبل الياء منه إلاّ الكسرُ الخالصُ؛ لأنّ الأصل في القاف السكون، فنُقلت إليه الكسرة، ولم يكن لها أصلٌ في الحركة، فيُحافَظَ عليها بالإشمام والإخلاص، فاعرفه.
فصل [تصحيح العين شذوذًا]
قال صاحب الكتاب: وقالوا: "عَوِرَ", و"صَيِدَ" و"ازْدَوَجُوا" و"اجْتَوَرُوا"،
стр. 2384
فصححوا العين لأنها في معنى ما يجب فيه تصحيحها، وهو افْعَالَّ وتفاعلوا، ومنهم من لم يلمح الأصل فقال: "عارَ يَعارُ" قال [من الوافر]:
١٣٣١ - [تُسائِلُ بابنِ أحمَرَ من رآه] ... أعارت عينه أم لم تَعارا
وما لحقته الزيادة من نحو عَوِرَ ,في حكمه، تقول "أَعْوَرَ الله عينه" و"أَصْيَدَ بعيره"، ولو بنيت منه استفعلت لقلت استعورت، وليس مسكنه من لَيِسَ كصَيِدَ، كما قالوا عَلْمَ في عَلِمَ، ولكنهم ألزموها الإسكان, لأنها لما لم تصرَّفْ تصرُّفَ أخواتها لم تجعل على لفظ صيد ولا هاب، ولكن على لفظ ما ليس من الفعل؛ نحو: "ليت"، ولذلك لم ينقلوا حركة العين إلى الفاء في "لَسْتُ". وقالوا في التعجب "ما أقوله" و"ما أبيعه". وقد شذ عن القياس؛ نحو أجودت واستروح واستحوذ واستصوب وأطيبت وأغيلت وأخيلت وأغيمت واستفيل.
* * *
قال الشارح: قد ذكر في هذا الفصل أشياء شذّتْ عن القياس، فصحّت، فمن ذلك قولهم: "عَوِرَ"، و"صَيِدَ البعيرُ" جاؤوا بهما على الأصل, لأنهما في معنى ما لا بد من صحة الواو والياء فيه, لأنّ "عَوِرَ" في معنى "اعْوَرَّ" فلمّا كان "اعورّ" لا بد له من الصحّة
стр. 2385
لسكونِ ما قبل الواو صحّت العينُ في "عَوِرَ"، و"حَوِلَ"، و"صَيِدَ"، فصارت صحّةُ العين في "عَوِرَ" أمارةً على أنّه في معنى "اعْوَرَّ" ولو لم تُرِد هذا المعنى لأعللتَه، وقلتَ: "عارت عينُه"، و"صاد البعيرُ"، وقد قالوا: "عارت عينُه تَعارُ", وهو قليل مسموع ولا يقال في "حَوِلَت عينُه" حالت قال الشاعر [من الوافر]:
تْسائِل بابْنِ أَحْمَرَ مَن رَآهُ ... أَعارَت عينُه أم لم تَعارا
كأنَّه "تَعارَنْ" بالنون الخفيفة المؤكّدة، وإنّما أبدل منها ألف الوقف. ومن ذلك: "اعْتَوَنُوا"، و"ازْدَوَجُوا"، و"اجْتَوَرُوا"، والمراد: تَعاونوا، وتَزاوجوا، وتَجاوروا، فلمّا صحّت فيما ذكرناه لوقوع الألف قبلها، فلم يمكن نقلُ حركة العين إليها مع أنّك لو قلبتَ الواو لالتقت مع الألف قبلها فكان يؤدّي إلى حذف إحداهما فيؤول اللفظ إلى "تَعانوا"، و"تَزاجوا" فيزول بناء "تَفاعلوا" وهم يريدون معناه، ثمّ صحّحوا ما كان في معناه ليكون أمارة على ذلك كما قلنا في "عَوِرَ"، و"حَوِلَ". وكذلك إذا لحقته الزيادة؛ نحو: الهمزة، للنقل في قوِلهم: "أَعْوَرَ الله عينه"، و"أَصْيَدَ بعيرَه" فإنّك لا تُعِلّه بقلبه ألفًا كما أعللتَه في "أَقام"، و"أَباع" إئما اعتلّا لاعتلالِ فَعَلَ منهما قبل النقلِ، ألا ترى أنّ الأصل قامَ، وباعَ، ثم نقلتَ الفعل بهمزة، فقلت: "أقام"، و"أباع"، و"أعْوَرَ" لم ينقل من "عارَ" فيجبَ إعلالُه لاعتلالِ "فَعِلَ" منه بغير زيادة. ولو بنيت منه "استفعلت" لقلت: "استعوَرْتُ" فكنت تُصحِّحه ولا تُعِّله كما تُعِلّ "استقمتُ" لصحّةِ "عَوِرَ" واعتلالِ "قامَ". وأمّا "لَيْسَ" فإنّها مخفّفة من "لَيِسَ" مثلَ "عَلْمَ" وإنّما قلنا ذلك، لأنّها فعلٌ إذ كان الضمير المرفوع يتّصل بها على حدّ اتّصاله بالأفعال؛ من نحو: لسْتُ، ولَسْنَا, ولَسْتُمْ، فإذا ثبت أنّها فعلٌ فلا يجوز أن تكون "فَعَلَ" بالفتح، لأنّ هذا لا يجوز إسكانه لخفّة الفتحة ألا ترى أنّ من قال في "عَلِمَ"، "عَلْمَ" بسكون اللام، وفي "عَضُدٍ": "عَضْدٌ" بسكون الضاد لم يقل في مثلِ "قَتَلَ": "قَتْلَ". ولم تكن "فَعُلَ" بالضمّ لأنّ هذا المثال لا يكون في ذوات الياء. وإذا بطل هذا تَعيّن أنّ تكون "فَعِلَ" كـ"صَيْدَ البعيرُ"، وأصله صَيِدَ بالكسر إلاّ أنّك في صيد تستعمل الأصلَ والفرعَ لأنّه متصرّف، و"لَيسَ" لمّا لم يريدوا فيها التصرّفَ ألزموها السكونَ، وأجروها مجرى ما لا تصرّفَ له وهو "لَيْتَ".
وقوله: لم يجعلوها على لفظَ "صَيِدَ" ولا "هَابَ" يعني لمّا لم يَرِدْ في "لَيْسَ" التصرّفُ لغَلَبة شَبَه حرف النفي عليه سلبوه ما للأفعال من التصرّف، ونَقْلِ حركة العين إلى الفاء كما فعلوا ذلك في نحو: هِبْتُ، وكِدْتُ، حتّى سلبوه لفظَ الفعل مبالغةً في الإيذان بقوّة معنى الحرفيّة عليه، فلم يجعلوه كـ"صَيِدَ" ونحوه ممّا صحّ، ولا كـ"هَابَ" ونحوه ممّا اعتلّ بل على لفظ الحرف المحض كلَيْتَ. وقد بالغ في ذلك من منعه العملَ، وقال: "ليس الطِيبُ إلاّ المِسْكُ" وقد صحّحوا "أَفْعَلَ" التعجّبِ أيضًا في نحو قولهم: "ما أَقْوَمَهُ"، و"ما أَبْيَعَهُ" وذلك حين أرادوا جمودَه، وعدمَ تصرُّفه، ولذلك لم يأتوا له
стр. 2386
بمضارع، ولم يؤكّدوه بمصدر حين تَضمّن ما لم يكن له في الأصل من معنى التعجّب، فلمّا جمد هذا الجمودَ، ومُنع التصرّفَ أشبه الأسماء، فصُحّح كالأسماء، وغلب عليه شَبَهُ الأسماء، فلزم طريقةً واحدةً، ولذلك من المعنى صُغّر، وإن كانت الأفعالُ لا يدخلها التصغيرُ، فقالوا: "ما أَقْوَمَهُ"، و"ما أَبْيَعَهُ" كما يقولون: "هو أَقْوَمُ، وأَبْيَعُ من فلان". وقد قالوا: "أَغْيَلَتِ المرأةُ"، و"أغْيَمَتِ السماءُ"، و"اسْتَنْوَقَ الجَمَلُ"، و"اسْتَحْوَذَ يَسْتَحْوِذ" قال الله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ (١) وقرأ الحسن البصري: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ (٢) على وزن "أفعلت". وقالوا: "اسْتَصْوَبَ الأمرَ"، و"أَجْوَدْتُ"، و"أَطيَبْتُ"، و"أَطوَلْتُ" ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
صَدَدتِ فأَطوَلْتِ الصُدودَ وقَلَّما ... وِصالٌ على طُولِ الصُدودِ يَدُومُ (٣)
فهذه الألفاظ وإن كانت متعدّدة فهي شاذّةٌ في القياس قليلةٌ بالنسبة إلى ما يُعَلّ، جاءت تنبيهًا على أصل الباب.
فصل [إعلال اسم الفاعل]
قال صاحب الكتاب: وإعلال اسم الفاعل من نحو قال وباع أن تقلب عينه همزة كقولك قائل وبائع، وربما حذفت كقولهم شاكٌ. ومنهم من يقلب فيقول: "شاكي". وفي "جاءٍ" قولان: أحدهما أنه مقلوب كالشاكي والهمزة لام الفعل, وهو الخليل، والثاني أن الأصل: جائيءٌ فقلبت الثانية ياء والباقية هي نحو همزة قائم, وقالوا في عَوِرَ وصَيِدَ: عاوِرَ و"صايِدٌ كمقاوم ومباين.
* * *
قال الشارح: اسم الفاعل يعتلّ باعتلال فعله، تقول في "قامَ": "قَائِمٌ"، وفي "باعَ": "بائِعٌ" فتهمز العينَ، وقد تقدّم ذكرُ ذلك والعلّةِ فيه؛ وأمّا "شاك" ففيه ثلاثةُ أوجه: أحدها "شائِكٌ" بالهمز على مقتضى القياس كـ"قائِم"، و"بائِع" الثاني "شاكٍ" على تأخير العين إلى موضع اللام، فيصير من قبيل المنقوص كـ"قاضٍ"، و"غازٍ"، فتقول: "هذا شاكٍ"، و"مررت بشاكٍ"، و"رأيت شاكِيًا" كما تقول: "رأيت قاضِيًا" تُدْخِله النصبَ وحده، ومثلُه: "لاثَ العِمامةَ على رأسه يَلُوثها فهو لاثٍ"، و"هارٍ" من "جُرُفٍ هَارٍ" أي: هائِرٌ. والوجه
стр. 2387
الثالث: أن تحذف العين حذفًا، فتقول: "هذا شاكٌ" و"لاثٌ"، بالرفع، و"رأيت شاكًا، ولاثًا" و"مررت بشاكٍ، ولاثٍ"، ووجهُ ذلك أنّ الماضي منه: "شاكَ"، و"لاثَ"، فسكنت العينُ منهما بانقلابها ألفًا، وجاءت ألفُ "فاعِلٍ" فالتقت ألفان، فحُذفت الثانية لأنّه أبلغُ في الإعلال والتخفيفِ، وتقول في مستقبله: "يشاكُ فهو شائِكٌ، وشاكٍ" بالقلب، فتحذف العين، وهو من الشَوْكَة يقال: "شجرةٌ، شائِكَةٌ، وشاكَةٌ" أي: كثيرةُ الشَوْكِ، والشَوْكةُ: شِدّةُ البَأس، والحَدُّ والسِلاحُ.
وأمّا "جاء" ففيه قولان أحدهما أنه مقلوب، وهو قول الخليل، والأصلُ: "جَاءَ" معتل العين مهموز اللام، فإذا جئت منه باسم فاعل همزتَ عين الفعل على حدّ همزها في "قائلٌ"، و"بائعٌ"، فاجتمع همزتان، فالخليلُ كره اجتماعَ الهمزتين، فقدم الهمزةَ إلى موضع العين، وأخّر اللام، فصار منقوصًا كـ"شاكٍ" و"لاثٍ" إلاّ أنّ القلب في "شاكٍ" غيرُ مطّرد لأنّه لم يجتمع فيه همزتان، بل أنت مخيَّر بين الأصل والقلب، وهو مطّرد في "جاءٍ" لاجتماع الهمزتين. وسيبويه يذهب إلى أنّه لمّا اجتمع همزتان قُلبت الثانية ياء لانكسار ما قبلها، وكذلك يعتمد في كل همزتين التقتا في كلمة واحدة. وكان الخليل إنّما فرّ إلى القول بالقلب كراهيةَ تَوالي إعلالَيْن، وهما إعلالُ العين بقلبها همزةً، وإعلالُ اللام بقلبها ياءً لانكسار ما قبلها، وعلى قوله إعلالٌ واحدٌ وهو تقديمُ اللام لا غير.
وأمّا قولهم: "عاوِرٌ"، و"صايِدٌ" ونحوهما فإن العين صحيحةٌ غير منقلبة همزةً، وذلك لصحّتها في الفعل في نحو "عَوِرَ" فهو "عاوِرٌ"، و"صَيِدَ" فهو "صايِدٌ" لأن اسم الفاعل جارٍ على فعله في الصحّة والاعتلال، فأنت إنّما أعللت "قائِمًا"، و"بائِعًا" لاعتلاله في "قامَ"، و"باعَ" ولذلك صحّ "مُقاوِمٌ"، و"مُبايِنٌ" ونحوهما لصحّة العين في "قاوَمَ"، و"بايَنَ" فاعرفه.
فصل [إعلال اسم المفعول]
قال صاحب الكتاب: وإعلال اسم المفعول منهما أن تُسكَّن عينه, ثم إن المحذوف منها ومن واو مفعول عند سيبويه، وعند الأخفش العين، ويزعم أن الياء في "مخيطٍ" منقلبةٌ عن واو مفعول، وقالوا: "مشيبٌ" بناءً على "شِيبَ" بالكسر، و"مَهُوبٌ" بناءً على لغة من يقول: "هُوبَ". وقد شذ؛ نحو: "مَخْيُوط", و"مَزْيُوت", و"مبيوع", و"تفاحة مطيوبة" وقال [من البسيط]:
١٣٣٢ - [حتي تذَكَّر بيضاتٍ وهيَّجَه] ... يوم رذاذٍ عليه الدَّجن مغيوم
* * *
стр. 2388
قال الشارح: ويعتلّ اسم المفعول إذا كان فعله معتلًّا، وإنّما وجب إعلالُه من حيث وجب إعلالُ اسم الفاعل، إذ كان جاريًا على الفعل جَرَيانَ اسم الفاعل، والفعلُ معتلّ، فأرادوا إعلالَه ليكون العمل من وجه واحد، فألزموا ما تَصرّف مَن الفعل الاعتلالَ، واسم المفعول إنّما يُبنى من "فُعِلَ" كما أنّ اسم الفاعل إنّما يبنى من "فَعَلَ" فكما تقول: "قِيلَ"، و"بِيعَ" كذلك تقول: "مَقُولٌ"، و"مَبِيعٌ" وكما تقول: "قالَ"، و"باعَ" بالاعتلال كذلك تقول: "قائِمٌ"، و"بائِعٌ" وقد تقدّم ذكرُ الحذف من مفعول من المعتلّ والخلافِ فيه بما أغني عن إعادته.
وقالوا: "ماءٌ مَشِيبٌ" أي: مخلوطٌ، قال الشاعر [من الطويل]:
١٣٣٣ - سَيَكْفِيكَ صَرْبُ القَوْمِ لَحْمٌ مُعَرَّصٌ ... وماءُ قُدُورٍ في القِصاع مَشِيبُ
стр. 2389
فجاء به على "شِيبَ" فكما اعتل حين قلب العين ها هنا ياء كذلك قلبها في المفعول ياءً، وفي ذلك تقويةٌ لمذهب الخليل وسيبويه في أنّ المحذوف الواو الزائدة، ألا ترى أنّه لو كانت الباقية الواوَ الزائدةَ لم يجز قلبُها ياءً، إلاّ أنّ يكون معها لامُ الفعل معتلّةً من، نحو. "رمِيَ فهو مَرْمَيٍّ"، و"قُضِيَ فهو مَقضِيٌّ" لكنّها لمّا كانت في "شُوبَ" عينًا قلبها كما قُلبت في قوله [من الرجز]:
حَوْراءُ عَيناءُ مِن العِينِ الحِيرْ (١)
والأصل: الحُور، لأنّه جمعُ حَوْراءَ كـ "حُمْرٍ"، و"شُقْرٍ"؛ وأمّا مَهُوبٌ من قول حُمَيد [من الطويل]:
١٣٣٤ - وتَأوِي إلى زُغْبٍ مَساكِينَ دُونَهم ... فَلا لا تَخطّاه الرِّفاقُ مَهُوبُ
فإنّه جاء به على لغةِ من يقول في ما لم يسمّ فاعله: "قُولَ القَولُ"، و"بُوعَ المتاعُ" فكأنّه قال: "هُوبَ زيدٌ، فهو مَهُوبٌ". وقيل في لغة بني تميم: "مَبْيُوعٌ"، و"ثَوْبٌ مَخْيُوطٌ"، و"مَزْيُوتٌ"، ولا يقولونه مع الواو لأنّ الضمّة لا تثقل على الياء ثِقَلَها على الواو، ألا ترى أنهم يفرّون من الواو المضمومة إلى الهمزة، فيقولون: "أَدْؤُرٌ"، و"أَثْؤبٌ" قال الراجز [من الرجز]:
لكل دَهْرٍ قد لَبِسْتُ أَثْؤُبَا (٢)
стр. 2390
فهمز، وهو مطّرد في الواو إذا انضمّت، فإذا انضاف إلى ذلك أنّ يكون بعدها واو كان أشدَّ، والياء إذا انضمّت لم تُهْمَز، فدلّ أنها أخفُّ من الواو,. وقال الأصمعيّ: سمعتُ أبا عمرو بن العَلاء ينشد [من الكامل]:
١٣٣٥ - وكأنّها تُفّاحة مَطْيُوبَةٌ
وقال عَلْقَمَة [من البسيط]:
يوم رذاذ عليه الدَّجْنُ مَغْيومُ (١)
وقالوا: "طَعامٌ مَزِيتٌ، ومَزْيُوتٌ"، و"رجلٌ مَدِينٌ ومَدْيُونٌ"، وهو كثير.
* * *
قال صاحب الكتاب: قال سيبويه (٢): ولا نعلمهم أتموا في الواو لأن الواوات أثقل عليهم من الياءات وقد روى بعضهم: "ثوبٌ مصوونٌ".
* * *
قال الشارح: قد ذكرنا أنّ الضمّة على الواو تُستثقل لا سيما وبعدها واوٌ أخرى، فلذلك لا يُتِمّون مفعولًا من الواو فلا يقولون: "مَقْوُولٌ"، هذا هو الأشهر. وحكى سيبويه (٢) أنّهم يقولون: "ثوبٌ مَصْوُونٌ"، وأنشدوا [من الرجز]:
١٣٣٦ - والمِسْكُ في عَنْبَرِه المَدْوُوفِ
стр. 2391
والأشهر، المَصُون والمَدُوف، وأجاز أبو العبّاس إتمامَ مفعول من الواو، وحكوا: "مَرِيضٌ مَعْوُودٌ"، و"فَرَسٌ مَقْوُودٌ"، و"قَوْل مَقْوُولٌ" قال: وليس ذلك بأثقلَ من "سُرْتُ سُوُورًا"، و"غار غُوُورًا" لأنّ في "سُوُور"، و"غُوُور" واوَيْن وضمّتَيْن، وليس في "مَصْوُون" مع الواوَيْن إلّا ضمّةٌ واحدةٌ. والوجه الأوّل لأنّه إذا كان القياس في نحو: "مَغْيُوب"، و"مَزيُوت" الإعلالَ مع أنّ الياء دون الواو في الثقل, لأنّه لم يجتمع فيه إلاّ ياءٌ وواوٌ وضمّةٌ، فمفعولٌ من الواو أَحْرَى أن لا يجوز فيه التصحيحُ لثقله، إذ كان فيه ضمّةٌ وواوٌ، وبعدهما واوُ مفْعول، فيجتمع فيه واوان وضمّةٌ، وهذا ظاهرٌ في العربيّة أنّ يُحتمل أمرٌ واحدٌ، فإذا انضمّ إليه أمرٌ آخرُ لم يلزم احتمالُه، ألا ترى أنّه إذا وُجد في الاسم سببٌ واحدٌ من الأسباب المانعة للصرف احتُمل ذلك القدرُ من الثقل، ولم يُؤثِّر في منع الصرف، فإذا انضمّ إليه سببٌ آخرُ تفاقم الثقلُ، ولم يُحتمل، وأَثّرَ في منع الصرف فاعرفه.
فصل [رأي سيبويه والأخفش في المعتلّ العين بالياء الساكنة التي قبلها ضمة]
قال صاحب الكتاب: ورأي صاحب الكتاب (١) في كل ياء هي عين ساكنة مضمومٌ ما قبلها أن تقلب الضمة كسرة لتسلم الياء، فإذا بني؛ نحو: "بُرْدٍ" من البياض قال: "بيضٌ"، والأخفش يقول: "بُوضٌ" ويقصر القلب على الجمع نحو: "بِيضٍ" في جمع "أبيض"، ومعيشة عنده يجوز أن يكون "مَفْعُلَةَ", و"مَفْعِلَةَ" وعند الأخفش هي "مَفْعِلَةُ"، ولو كانت "مَفْعُلَةَ": لقلت "مَعُوشةٌ" وإذا بني من البيع مثل "ترتبٍ" قال: "تُبِيعٌ, وقال الأخفش: "تُبُوعٌ" والمضوفة في قوله [من الطويل]:
١٣٣٧ - وكنت إذا جاري دعا لمضوفةٍ ... [أُشمِّرُ حتى يبلغ الساق مئزري]
стр. 2392
كالقود والقصوى عنده وعند الأخفش قياسٌ.
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول في أنّ مذهب سيبويه إذا كان عين الكلمة ياءً ساكنةً، وقبلها ضمّةٌ؛ فإنّه يبدل من الضمّة كسرةً لتصحّ الياء، يقول في نحو "فُعْلٍ" من البيع والبياض: "بِيعٌ"، و"بِيضٌ"، فيبدل من ضمّة العين كسرةً لتصحّ الياء وكان أبو الحسن الأخفش يخالفه في هذا الأصل، ويبدل من الياء الواوَ، ويقول في "مَفْعُلَةَ" من العَيْش: "معُوشَةٌ"، وفي نحو: "بِيضٍ" من البياض: "بُوضٌ"، ويقول في "بِيضٍ": إنّه فُعْلٌ، لكنّه جمعٌ، والجمعُ أثقل من الواحد، فأبدل من الضمّة كسرةً فيه لئلا يزداد ثِقَلًا، و"مَعِيشةٌ" عند سيبويه يجوز أنّ تكون "مَفْعِلَةَ"، و"مَفْعُلَةَ" فإذا كانت "مَفْعِلَة" نقلت حركة العين إلى الفاء لا غير، وإذا كانت "مَفْعُلَة" ففيه نَقْلٌ، وقَلْبٌ؛ نقلُ الضمّة إلى الفاء، وقلبُها كسرةً لتصحّ الياء، وعند الأخفش لا تكون إلاّ "مَفْعِلَة" بالكسر، إذ لو كانت "مَفْعُلَة" لقيل: "مَعُوشَةٌ". وقد خالف هذا الأصلَ في نحو: "مَعِيبٍ"، و"مَبِيع" فإن المحذوف عنده عين الكلمة, لأنّه أسبقُ الساكنين، والأصل فيه "مَبْيُوع"، فنُقلت الضمّة إلى الباء للإعلال، ثمّ أُبدل منها كسرةٌ لتصحّ الياء، ثم حُذفت الياء لالتقاء الساكنين، فوَلِيَت الواو كسرةَ الياء، فانقلبت الواو ياءً، فصار اللفظ وزنُه عنده "مَفِيل" وهذا يهدم ما أصّله.
ولو بنيت من البَيْع مثلَ "تُرْتُبٍ" لقلت على أصل سيبويه: "تُبِيعٌ"، كأنّك تقلب ضمّة الياء إلى ما قبلها، ثمّ أبدلتَ من الضمّة كسرةً لتصحّ الياء، وعلى قياس قول الأخفش لا تقول: إلّا "تُبُوعٌ" تبدل الياء واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها على حدّ قلبها في "مُوسِرٍ"، و"مُوقِنٍ" لأنه لا يُبْدَل من الضمّة كسرةٌ فيما كان واحدًا, ولولا قولُ العرب: "مَعِيبٌ"، و"مَبِيعٌ" لكان قياسُه صحيحًا شديدًا لكنّه أورد السماعُ ما أرغب عن قياسه؛ وأمّا قول الشاعر [من الطويل]:
وكنت إذا جارِي دَعَا لمَضُوفَةٍ ... أُشَمِّرُ حتى يَبلُغَ الساقَ مِئْزَرِي
стр. 2393
ففيه تقويةٌ لمذهب أبي الحسن, لأنه جارٍ على قياسه، و"مَضوفَةٌ" هنا من "ضِفتُ" إذا نزلتَ عنده، والمراد هنا ما ينزل به من حوادث الدهر، ونوائِب الزمان، أي: إذا جاري دعاني لهذا الأمر شمّرتُ عن ساقي، وقمتُ في نُصرته. وهذا البيت عند سيبويه شاذ في القياس والاستعمال، وهو في الشذوذ كـ"القَوَد"، و"القُصْوَى" لأنّ القَوَد شاذ والقياس قادٌ، كـ"بابٍ"، و"القُصْوَى" أيضًا شاذ، القياس القُصْيَا كـ"الدُنْيَا"، وكان القياس في "المَضُوفة" "المَضَيفة" فاعرفه.
فصل [إعلال الاسم الثلاثي المجرد]
قال صاحب الكتاب: والأسماء الثلاثية المجردة إنما يُعَلّ منها ما كان على مثال الفعل؛ نحو: "بابٍ" ودار وشجرة شاكة ورجلٍ مالٍ" لأنها على فَعَلٍ أو فَعِلٍ. وربما صح ذلك نحو القود والحركة والخونة والجورة ورجل روع وحول. وما ليس على مثاله ففيه التصحيح كالنوَمَة واللُوَمَة والعُيَبَة والعِوَض والعِوَدة. وإنما أعلوا قيماً لأنه مصدر بمعنى القيام وصف به في قوله تعالى: ﴿دينًا قيمًا﴾ (١).
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول: إِن الإعلال والتغيير إنّما هو للأفعال لتصرّفها باختلاف صِيَغها للدلالة على الزمان وغيرِه من المعاني المفادة منها من نحو: الأمر، والنهى، وإعلالُ الأسماء إنما كان بالحمل عليها، فـ "بابٌ" ونحوه من قولك: "دارٌ"، و"ساق" وما أشببهما مما هو علي بناء الفعل فإتما انقلبت عينُه, لأنها متحركة قبلها فتحةٌ، فصارت في الأسماء بمنزلةِ "قالَ"، و"باعَ" في الأفعال، والذي أوجب القلبَ فيها اجتماعُ المتشابهات, لأنّ حروف اللين مضارعة للحركات، فكرهوا اجتماعَها، فلذلك قلبوا, نحو: "قالَ"، و"باعَ"، و"بابٍ"، و"دارٍ" إلى حرف يُؤْمَن معه الحركةُ ألبتّة، وهو الألف، ولذلك كانت الألف عندهم بمنزلةِ حرف متحرّك لأنها غيرُ قابلة للحركة كما أنّ الحرف المتحزك غير قابل لغير حركته. فإن قال قائل: لِمَ لم يجز؛ نحو: "باب"، و"دار" على أصولها من التصحيح ليكون ذلك فَرْقًا بينها وبين الأفعال كما فُعل فيما لحقته الزوائدُ؟ قيل: الفرق بينهما أنّ ما لحقته زائدةٌ من الأسماء يُبْلَغ به زنةُ الأفعال، فإذا سُمّي به لم ينصرف، فيلتبس بالفعل لأنَّه لا يدخله خفضٌ، ولا تنوينٌ، وما كان على ثلاثة مجرَّدًا من الزيادة فالتنوينُ والخفضُ يفصل بينه، وبين الفعل.
وقوله: "لأنّها على فَعَلٍ، أو فَعِلٍ" فالمراد أنّ "بابًا"، و"دارًا" على "فَعَل" و"شجرةٌ
стр. 2394
شاكَةٌ"، و"رجلٌ مالٌ" على "فَعِل" بكسر العين. فإن قيل: ولِمَ قلت: إِنّ "بابًا"، و"دارًا" أصلُهما "فَعَلٌ"، و"شجرةٌ شاكةٌ"، و"رجلٌ مالٌ"، "فَعِلٌ"؟ قيل: فَعَلٌ بفتح العين؛ نحو: "قَلَم"، و"جَبَل" أكثرُ في الكلام من "فَعِل", و"فَعُل"؛ نحو: "كَتِف"، و"عَضُد" فحُمل على الأكثر، وهو الفتح إذ لم تقم دلالةٌ على خلافه. وأمّا قولهم: "شجرةٌ شاكَةٌ" فإنّه يقال: "شاكَ الرجلُ، يَشاكُ شَوْكًا" إذا ظهرت شوكتُه وحِدّتُه، وكذلك يقال: "مالَ الرجلُ يَمالُ" إذا كثر مالُه، فهما من بابِ "فَعِلَ يَفْعَل"، من نحو: "خافَ يَخافُ" فالاسم منهما فَعِلٌ من نحو: "حَذِرَ يَحْذَرُ فهو حَذِرٌ"، و"وَجِلَ يَوْجَلُ، فهو وَجِلٌ" فلذلك قلنا: إِنّ نحو. "شجرة شاكة"، و"رجل مال" من قبيل "حَذِرٍ"، و"وَجِلٍ".
وقد شذّت من ذلك ألفاط، فُصحّحت، ولم تُعَلّ كأنّهم أخرجوها مُنبِّهةً على أصل الباب؛ نحو: "القَوَد"، و"الحَوَكَة"، و"الحوَنَة"، و"الجَوَرَة" فهذه الأشياء من باب "مال"، و"دار"، وقالوا: "رجلٌ رَوعٌ، وحَوِلٌ"، فهما من باب "شاكةٍ"، و"مالٍ". وقوله: "وما ليس على مثاله ففيه التصحيح" يريد أنّهم لم يُعلّوه لأنّه ليس على وِزان الفعل كـ "اللُوَمَة"، وهو الكثيرُ اللَوم، و"النُوَمَة" وهو الكثير النَوْم، و"العُيَبَة" الذي يعيب الناسَ كثيرًا، فصحّت هذه الألفاظُ، وما كان نحوها لمبايَنتها الأفعالَ باختلاف بنائهما، فصار البناء فيما ذكرناه كالزيادة في "الجَوَلان"، و"صَوَرَى" في امتيازهما من الفعل بما لحِقه في آخِره من الألف والنون، والتنوين، وألف التأنيث، وهذه زوائدُ ممّا يختصّ به الأسماء دون الأفعال، فجرى ما خالف الفعلَ في البنية مجرَى ما خالفه بالزيادة، فكان بناؤُه موجبًا لتصحيحه لبُعْده عن شَبَه الفعل، كما كانت الزيادةُ كذلك في آخِره، فصُحّح لمخالَفته الفعلَ. ومن ذلك "العِوَض"، و"العِوَدَة"، و"الحِوَل"، و"الطِّوَل". كلُّ ذلك صحّ لمخالفة بنائها أبنيةَ الأفعال، ومع ذلك لو أعللنا نحوَها, لم نَصِرْ إلى حرف يُؤمَن معه الحركةُ، لأنّا إنّما نصير إلى الواو في نحو: "العُيبة"، و"اللُّوَمة" لانضمام ما قبلها، وإلى الياء في نحو: "الحِوَل"، و"الطِّوَل" لانكسار ما قبلها خِلافَ نحو: "بابٍ"، و"دارٍ"، لأنّا صِرْنا فيهما إلى الألف، وهو حرف يؤمن معه الحركةُ.
وأمّا "قِيَمًا" من قوله تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ (١) فقد قُرىء "قَيِّمًا" (٢)، وهو "فَيعِلٌ" من القيام، نحو: "سَيِّدٍ"، و"مَيِّتٍ" ولا إشكالَ في الوصف بذلك، وقد تكرّر في الكتاب
стр. 2395
العزيز في عدّة مواضع، نحو. ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (١) و ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٢) و ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ (٣) وهو المستقيم. وقُرىء: ﴿قِيَمًا﴾ بكسر القاف، وتخفيفِ الياء وفتحِها ووجهُه أن يكون مصدرًا كـ"الصغَر" و"الكِبَر"، فأعلّوه لاعتلال فعله، ولولا ذلك لصحّ كما في قوله تعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ (٤)، لأنّهم لم يُجروه على فعلٍ. ومثل ذلك لو بنيت من "البيع" و"القول" ونحوِهما من المعتلّ على مثالِ لا يكون عليه الفعلُ، نحو: "فِعَل"، لقلتَ: "بِيَعٌ"، و"قِوَلٌ". وعليه قوله تعالى: ﴿حِوَلًا﴾، ولو كان جاريًا على الفعل من نحو: "حالَ يَحُول"، لقلت: "حِيلًا" باعتلال فعله، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: والمصدر يُعَلّ بإعلال الفعل, وقولهم: "حال حولاً" كالقود. و"فُعُلٌ" إن كان من الواو سكنت عينه لاجتماع الضمتين الواو، فيقال نُورٌ وعُونٌ في جمع نَوارٍ وعَوان. ويثقل في الشعر, قال عدي بن زيد [من الكامل]:
[عن مبرقات بالبرين فيبدو] ... وفي الأكف اللامعات سور (٥)
وإن كان من الياء فهو كالصحيح. من قال: "كُتُبٌ" و"رُسُل", قال: "غُيُرٌ" و"بُيُضٌ" في جمع "غَيُورٍ" و"بَيُوض" ومن قال: "كُتْبٌ" و"رُسْل" قال: "غِيْرٌ" و"بِيْض".
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول إن المصادر تُعَلّ باعتلال أفعالها، وتصحّ بصحّتها، ألا تراك تقول: "قام قيامًا"، و"لاذَ لياذًا"، وتقول: "قاوَمَ قِوامًا"، و"لاوَذَ لِواذًا" لِما بينهما من العُلْقة؟ فأرادوا أن يكون العمل فيهما من وجه واحد. وقد جعل صاحب الكتاب "حِوَلًا" جاريًا على الفعل، وأخرج صحّتَه على الشذوذ من نحو: "القَوَد"، و"الحَوَكَة". والوجهُ ما بدأنا به، لأنّه على القياس.
وأمّا "فُعُلٌ" فيما اعتلّت عينُه، فما كان منه من ذوات الواو، فإنّ الواو تسكَّن فيه لاجتماع ضمَّتَيْن والواوِ، فجعلوا الإسكان فيه بمنزلة الهمزة في الواو المضمومة في نحو: "أَذؤُر"، و"أَثْؤُب"، فقالوا: "عَوانٌ عُونٌ"، وهي التي بين الصِّغَر والكِبَر، و"نَوارٌ، ونُورٌ"
стр. 2396
وهي النافرة. عدلوا إلى التخفيف بالإسكان كما عدلوا إلى التماس التخفيف بقَلْبهم الواوَ المضمومةَ همزةً. قال سيبويه (١): وألزموا هذا الإسكانَ إذ كانوا يُسكنون عين الصحيح من نحو: "رُسُلٍ"، و"عَضُدٍ" لثقل الضمّة عليها، يريد أنّهم حملوا تخفيفَهم "نُورًا"، و"غونًا" على تخفيفهم في الصحيح.
وإذا كان ذلك جائزًا مع غير المعتلّ الذي لا يثقل عليه الحركاتُ، كان مع الواو لازمًا. وقد جاء على الأصل في الشعر. قال عَدِيُّ بن زيد [من الكامل]:
عن مُبرِقاتٍ بالبُرِينَ فيَبْـ ... ـدو بالأَكُفِّ اللامِعاتِ سُوُرْ (٢)
يُعنّف نفسَه على الوَلوع بالنساء بعد المَشِيب والكِبَر، وقبله:
قد حَان لو صحوت أَنْ تقصرا ... وقد أتى لما عَهِدْتَّ عُصُرْ
الشاهد فيه تحريك الواو من "سُوُرٍ" بالضم، وهو جمعُ "سِوارٍ". والمعنى: قد حان أنّ تقصر عن طِلْبةِ مُبْرِقات بالبرين. والمُبْرِقاتُ من النساء التي تُظْهِر حَلْيَها لينظرَ إليها الرجلُ، فيميلوا إليها. والبُرُون: الخَلاخِلُ، وأصله البُرَةُ في أنف البعير، وهي حَلْقةٌ من صُفْرٍ، وكلُّ حلقة من سِوار وقُرْط وخَلْخال وما أشبهها فهي بُرَةٌ. والمراد بالأكفّ اللامعات أي أَذْرُعُ الأكفّ, لأنّ السوار لا يكون إلّا في الذراع، لا في الكفّ. وقال الآخر - أنشده أبو زيد عن الخليل [من المتقارب]:
١٣٣٨ - اغَرُّ الثنايَا أَحَمُّ اللِّثاتِ ... يُحسِّنُه سُوُكُ الإِسْحِلِ
واستعمالُ الأصل الذي هو الضمّ ههنا من ضرورات الشعر عند سيبويه (٣)، وهو
стр. 2397
عند أبي العبّاس جائزٌ في غير الشعر. قال: فإن جئتَ به على الأصل، فأردتَ أن تبدل من الواو همزةً، كان ذلك جائزًا لانضمامها، وقَلَّما يُبْلغ به الأصلُ، وهو جائز.
وأمّا "فُعُلٌ" من ذوات الياء، فإنّ الياء تسلم فيه، نحو قولك: "رجلٌ صَيُود"، و"قومٌ صُيُدٌ"، و"رجل غَيُورٌ"، و"جالٌ غُيُرٌ"، و"دَجاجةٌ بَيُوضٌ"، و"دَجاجٌ بُيُضٌ"، لأنّه "فُعُلٌ". ومن قال في "رُسُلٌ": "رُسْلٌ"، قال في "صُيُد": "صِيد", وفي "بُيُض": "بِيض"؛ لأنّه "فُعْلٌ"، فيلزم فيه ما يلزم في جمع "أَبْيَضَ", لأنّه يصير "فُعْلاً" مئلَه. وقد ذكرنا الخلافَ في ذلك مع أبي الحسن.
فصل [إعلال الاسم الثلاثي المزيد]
قال صاحب الكتاب: وأما الأسماء المزيد فيها فإنما يعل منها ما وافق الفعل في وزنه وفارقه إما بزيادة لا تكون في الفعل كقولك مقالٌ ومسير ومعونة وقد شذ نحو مكوزة ومزيد ومريم ومدين ومشورة ومصيدة والفكاهة مقودةٌ إلى الأذى وقرئ: ﴿لمثوبة من عند الله﴾ (١). وقولهم مقول محذوف من مقوال كمخيط من مخياط؛ وإما بمثال لا يكون فيه كبنائك مثال تخلىء (٢) من باع يبيع تقول تبيعٌ بالإعلال لأن تفعلا بكسر التاء ليس في أمثلة الفعل. وما كان منها مماثلاً للفعل صحح فرقاً بينه وبينه كقولك أبيض وأسود وأدور وأعين وأخونة وأعينة. وكذلك لو بنيت تَفْعِلُ أو تُفْعَلُ من زاد يزيد لقلت تَزْيِدُ وتُزْيَدُ على التصحيح.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ كلّ اسم كان على مثال الفعل، وفيه زيادةٌ ينفصل بها من الفعل إمّا بان لا تكون من زوائد الأفعال، وإمّا أن تكون من زوائد الأفعال، إلاّ أنّه ينفصل من الفعل بالبِنْية، فإنّه يُعَلّ بقلب حرف اللين، كما كان ذلك في الأفعال، إذ كان على وزنها، فكانت زيادتُه في موضع زيادتها. وهذا مستمرٌّ في كلّ ما كان على هذا الوزن.
مثالُ الأوّل قولك في "مَفْعَل" من "القَوْل"، و"البيع": "مَقالٌ"، و"مَباعٌ", لأنّه في وزن "أَقالَ" و"أَباعَ"، والميْمُ في أَوّله كالهمزة في أوّل الفعل، ولم تَخَف التباسًا؛ لأنّ
стр. 2398
الميم لا تكون من زوائد الأفعال. وكذلك لو بنيتَ منه شيئًا على "مُفْعَلٍ"، وهو بناء المفعول، لقلت: "مُقالٌ"، و"مُرادٌ"، و"مُباعٌ"، كما كنت تقول: "يُقال"، و"يُراد"، و"يُباع".
والمصادرُ وأسماء الزمان والمكان بزيادة الميم في أوائلها يكون لفظُها كلفظ المفعول إذا جاوزت الثلاثةَ، لأنّها مفعولاتٌ، نحو قوله تعالى: ﴿أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ (١)، و ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ (٢). وكذلك لو بنيت منهما "مَفعِلًا"، لقلت: "مَقِيلًا"، و"مَبِيعًا" ومثلُه "المَسِيرُ". وأصلُ "مَقِيل": "مَقوِل" بكسر الواو، لأنّها بإزاء العين في "مَفْعِلٍ"، فأرادوا إعلالَه لكونه علي بنية الفعل ومنه، فنقلوا كسرة الواو إلى القاف قبلها، فسكنت الواو وانكسر ما قبلها، فقُلبت ياءً، فصار "مَقِيلًا" كما ترى. وأمّا "مَبِيع" و"مَسِير"، فأصلهما الياء، فليس فيهما إلّا نقلُ الكسرة من العين إلى ما قبلها. وأمّا "مَعُونَةٌ" فهو "مَفْعُلَةُ" من "العَوْن"، وأصله: "مَعْوُنَةٌ" بضمّ الواو، فنُقلت الضمّة إلى العين لِما أرادوا من إعلالها, لأنه على وزن الفعل من نحو: "يَخرُجُ" و"يَقتُلُ"، والميم في مقابَلة الياء، والهاء زائدة للتأنيث بمنزلةِ اسم ضُمّ إلى اسم، فلا اعتدادَ بها في البناء.
وقد شذّ نحو: "مَكْوَزَةَ"، و"مَزيَدٍ"، و"مَرْيَمَ"، و"مَدْيَنَ"، والقياس نحو: "مكازة"، و"مزاد"، و"مرام"، و"مدان"، كما قالوا: "مَقالٌ"، و"مَقامٌ"، وذلك أنها أعلامٌ. فـ "مَكوَزَةُ" من لفظ "كُوزٍ"، وقد سمّوا بكُوز من بني ضَبَّة. و"مَزْيَدٌ" من "زادَ يَزِيد"، و"مَرْيَمُ" مَفعَلٌ من "رَامَ يَرِيمُ"، فمَزيَدٌ ومَرْيَمُ أعلامٌ للأناسيّ، و"مَدْيَنُ" اسمُ مكان، والأعلامُ قد كثُر فيها التغيير، نحو: "مَحْبَبٍ"، و"مَوْهَبٍ"، ونظائرِهما.
وقالوا في غير العَلَم: "مَشْوَرَةٌ"، وهي "مَفْعَلَةُ" من "الشُّورَى"، ومنه "شاوَرْتُهم في الأمر". يقال: "مَشورَةٌ" و"مَشوَرَةٌ"، فـ "مَشُورَةٌ" على القياس في الإعلال بنقل الضمّة إلى الشين، و"مَشوَرَةٌ" شاذّ، والقياس: "مَشارَةٌ" كـ"مَقالَةٍ" و"مَعانَةٍ". وقالوا: "وقع الصَّيْدُ في مِصْيَدَتنا". وقرأ قَتادةُ وأبو السِّمال ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (٣) وهي "مَفْعَلَةُ" من الثواب، يقال: "مَثْوَبَةٌ" كما قلنا في "مَشْوَرَةٍ"، والقياس: "مَثابَةٌ".
وحكى أبو زيد: "هذا شيءٌ مَطيَبَةٌ للنفس"، و"هذا شرابٌ مَبوَلَةٌ". وهذا في الاسم كـ"اسْتحوذ" و"أَغيَلَتِ المرأةُ" في الفعل، كأنَّهم أخرجوا بعض المعتلّ على أصله تنبيهًا عليه، ومحافظةً على الأصول المُغيَّرة.
стр. 2399
وكان أبو العبّاس محمّد بن يزيد المبرّد لا يجعل ذلك من الشاذّ, لأنّه كان لا يُعِلّ إلّا ما كان مصدرًا جاريًا على الفعل، أو اسمًا لأزمنة الفعل، والأمكنةِ الدالّةِ على الفعل؛ فأمّا ما صيغ منها اسمًا لا تريد به مكانًا من الفعل، ولا زمانًا, ولا مصدرًا كـ"مَكْوَزَة"، و"مَزْيَد"، و"مَقْوَدَة"، وجميع ما كان من ذلك، فإنّك تُخْرِجه على الأصل لبُعْده من الفعل، ولو كان "مَرْيَم" مصدرًا، لقلت: "رُمْتُه مَرامًا" و"هذا مَرامُك"، إذا أردت الموضعَ الذي تَرُوم. والوجهُ الأوّل لأنّهم قد أعلّوا نحو: "بابٍ"، و"دارٍ"، فلا عُلْقةَ بينه وبين الفعل.
وقالوا: "مِقْوَلٌ"، و"مَخيَطٌ"، و"مِخوَلٌ" فلم يُعِلّوه، لأنّه منقوص من "مِقْوالٍ"، و"مِخياطٍ"، و"مِخوالٍ"، فكما لا تُعِلّه في الأصل لوقوع الألف بعد حرف العلّة التي هي العين كذلك لم يعلّوا "مِقْوَلًا"، و"مِخْيَطًا", لأنّهما في معناه. ونظيرُ ذلك قولهم: "عَوِرَ"، و"حَوِلَ"، و"اجْتَوَرُوا"، إذ كان في معنى "اعْوَرَّ"، و"احْوَلَّ"، و"تَجاوروا".
وأمّا الثاني، وهو ما خالف الفعلَ في البناء والمثالِ، نحو بنائك على مثال
"تِحْلِيٍ"، وهو ما يُفْسده السكّين من الجِلْد عند القشر من قولك: "بَاعَ"، فإنّك تقول: "تِبِيعٌ" بالإعلال، وهو أنّك تنقل الكسرةَ إلى الباء, لأنّ "تِفْعِلًا" بكسر التاء ليس في أمثلة الفعل، وقيل: إنّ نحو: "مِقْوَلٍ"، و"مِخيَطٍ" إنّما صحّ لأنّه ليس من أبنية الفعل، فهو مخالفٌ للأفعال في البنية، فكان حكمهما حكمَ "تِحْلِىءٍ".
فأمّا ما كان مُماثِلًا للفعل بالزيادة في أوّله، فإن كانت الزيادة في أوّله زيادةً الفعل، والبناء كبناء الفعل، فإنّ ذلك الاسم يُصحَّح، ولا يُعَلّ. وذلك لو بنيت من "القَوْل" و"البَيْع" مثلَ "يَفْعَلُ". بفتح العين، نحوَ: "يَعْلَمُ"، أو "يَفْعُلُ" بالضمّ، نحو: "يَقتُلُ"، أو "يَفعِلُ" بالكسر، نحوَ: "يَضْرِبُ"، لكنت تقول: "يَقوَلُ"، و"يَقوُلُ"، و"يَقْوِلُ"، و"يَبْيَعُ"، و"يَبيُعُ"، و"يَبْيعُ" من غير إعلال. وذلك من قِبَل أنّ الزوائد زوائد الأفعال، والبناء بناء الأفعال، فلو أعلّوه كإعلال الفعل، لم يُعْلَم أاسمٌ هو أم فعلٌ، فصحّحوه فَرْقًا بينه وبين الفعل.
فإن قيل فأنتم تقولون: "بابٌ" و"دارٌ"، فتُعِلّون هذه الأسماء، وإن كانت على وزن الفعل، ولا تُبالون التباسَها بالفعل، قيل: إنّما أُعلّ "بابٌ" و"دارٌ"، ولم يصحّ للفرق بينه وبين الفعل, لأنه ثلاثيٌّ منصرفٌ، والتوينُ يدخله، ففرق التنوينُ بينه وبين الفعل وغيرُه من ذوات الأربعة بالزيادة في أوّله إذا سُمّي به يُفارِقه التنوينُ, لأنّه يمتنع من الصرف، فيُشْبِه الفعلَ، فصحّح للفرق، فـ "بابٌ" و"دارٌ" التنوينُ لازمٌ له معرفةً ونكرةً، وليس كذلك "يَفْعَلُ" إذا سمّيتَ به رجلًا، فإنك لو أعللتَه، ثمّ سمّيتَ به، وجعلتَه عَلَمًا، لَزال التنوينُ والجرُّ، فكان يُشبِه الفعلَ بالإعلال وسقوطِ التنوين والجرّ، فلذلك وجب تصحيحُ "يَفْعَلُ" اسمًا مِن "قَامَ" ونحوه، فاعرفه.
стр. 2400
فصل [أحكام أخري في الإعلال]
قال صاحب الكتاب: وقد أعلوا نحو قيام وعياذ واحتياز وانقياد لإعلال أفعالها مع قوع الكسرة قبل الواو والحرف المشبه للياء بعدها وهو الألف ونحو ديار ورياح وجياد تشبيهاً لإعلال وحدانها بإعلال الفعل مع الكسرة والألف ونحو سياط وثياب ورياض لشبه الإعلال في الواحد وهو كون الواو ميتة ساكنة فيه بألف دار وياء ريح مع الكسرة والألف. وقالوا تير وديم لإعلال الواحد والكسرة. وقالوا: ثيرةٌ لسكون الواو في الواحد والكسرة, وهذا قليل والكثير عودة وكوزة وزوجة. وقالوا طوال لتحرك الواو في الواحد. وقوله [من الطويل]:
[تبين لي أن القماءة ذلةٌ] ... وأنَّ أعزاء الرجال طيالها (١)
ليس بالأعرف. وأما قولهم رواء مع سكونها في ربان وانقلابها فلئلا يجمعوا بين إعلالين: قلب الواو التي هي عين ياء وقلب الياء التي هي لام همزة. ونواء ليس بنظيره لأن الواو في واحده صحيح وهو قولك ناو.
* * *
قال الشارح: أمّا ما كان من المصادر معتلَّ العين بالواو من نحو: "حالَ حِيالًا"، و"عاذَ عِياذًا"، و"قامَ قِيامًا"، فإن الواو تُقْلَب فيه ياءً وذلك لمجموعِ أمور ثلاثة:
أحدُها أنّا قد اعتلّت في الفعل، والمصدرُ يعتلّ باعتلال فعله, لأنّ كلّ واحد منهما يؤول إلى صاحبه.
والثاني: كونُ الكسرة قبلها، والكسرةُ بعضُ الياء.
والثالثُ: كونُ ما بعدها ألفًا، والألفُ تُشْبِه الياء من جهة المدّ واللين، وأنّها تُقْلَب في مواضعَ. فاجتماعُ هذه الأمور مُوجِبٌ لقَلْبها ياءً. وشبّهوها هنا بواوِ قبلها ياءٌ ساكنةٌ، نحو: "سَيِّدٍ"، و"مَيِّتٍ"، فقلبوها كقَلْبها، وكان ذلك أخفّ عليهم، إذ كان العملُ من وجه واحد.
والمرادُ من قولنا: "وجه واحد" أنّ الخروج من الكسرة إلى الياء ثم إلى الألف التي تُشْبِه الياء أخفُّ عليهم من الخروج من الكسرة إلى الواو، ولذلك لم يأت في أبنيتهم خروجٌ من كسرة إلى ضمّة لازمًا, وقَلَّ في كلامهم نحو: "يَوْمٍ" و"يُوح"، لخروجهم من الياء إلى الواو. فاجتماعُ هذه الأسباب علّة لقلب هذه الواوَ ياءً، ألا ترى أنّه إذا صحّ
стр. 2401
الفعلُ، لم يجب القلبُ، نحو: "قاوَمَ قِوامًا"، و"حاوَرَ حِوارًا"؟ وكذلك لو كان في الواحد، ولم يكن مصدرًا، نحو: "حِوالٍ"، و"سِواكٍ"، لم يجز الإعلالُ. وقيل: إنّما وجب الإعلالُ هنا لأنّ الفتحة في الواو عارضةٌ لأجل الألف، إذ الألفُ لا يكون ما قبلها إلّا مفتوحًا، فكانت الواوُ في حكم الساكنة، فقُلبت ياءً على حدّ قلبها في "مِيزانٍ"، و"مِيعادٍ"، لأنّها في الحكم مثلُها.
وأمّا "حَوْضٌ", و"حِياضٌ"، و"سَوْطٌ"، و"سِياطٌ", فإنّما قُلبت واوه ياءً حملًا له على "دارٍ"، و"دِيارٍ"، و"رِيحٍ"، و"رِياحٍ". وذلك لأنه جمعٌ، والجمع أثقلُ من الواحد، وأنّ واوَ واحدة ضعيفةٌ ميّتةٌ لسكونها، فَكانت كالمعتلّة في "دار" و"ريح"، وأنّ قبل الواو كسرةً كالكسرة في "رِياحٍ"، و"دِيارٍ"، وأنّ بعد الواو ألفًا، والألفُ تُشْبِه الياء، وأنّ اللام منه صحيحة كصحّة لام "دار" و"ريح"، إذ لو كانت اللام معتلّة، لم تعتلّ العينُ, لأنّه لا يَتوالى عندهم إعلالان في كلمة واحدة، فلا بدّ من اجتماع هذه الأسباب حتى يصحّ الإلحاقُ والحملُ، ألا ترى أنّه لمّا تحرّكت الواوُ في "طَويل" لم تُقلب الواو في جمعه بل صحّت، نحو: "طِوال"؟
وقد قالوا: "عَوْدٌ عِوَدَةٌ"، و"زَوْجٌ زِوَجَةٌ"، فهذا قد اجتمع فيه سكونٌ في الواحد والكسرةُ التي قبل الواو، وأنّه جمعٌ، وصحّةُ اللام، إلّا أنّه لم يقع بعدها ألفٌ، ومع ذلك قد صحّت، ولم تعتلّ.
وقالوا: "تِيَرٌ"، و"دِيَمٌ" فأعلوهما لاعتلال الواحد منهما، فـ "تِيَرٌ" جمعُ "تارَةٍ"، و"دِيَمٌ" جمعُ "دِيمَةٍ"، فلمّا اعتلّ الواحدُ، أعلّوا الجمعَ. فأمّا قولهم: "ثِيَرَةٌ" في جمع "ثَوْرٍ" لهذا الحيوان، فهو شاذّ. قال أبو العبّاس، المبرّد: أرادوا الفرق بين الثور من الحيوان، والثور الذي هو الأَقِطُ. وقد تقدّم ذكرُ ذلك في مواضعَ، وقيل: إنّهم شبّهوا واوَ "حَوْضٍ", و"ثَوْبٍ" لسكونها بالواو في "يَقُومُ" لسكونها، فكما أعلّوا مصدرَ هذا الفعل لاعتلال فعله، أعلّوا جمعَ هذا. وقالوا: "طوالٌ"، فصحّحوا العين حين كانت متحرّكة في "طَوِيل", وربما قلبوها ياءً، قال الشاعر [من الطويل]:
تَبيَّنَ لِي أنّ القَماءةَ ذِلَّةٌ ... وأنَّ أعِزَّاءَ الرِّجالِ طِيالُها (١)
وهو قليل.
وأمّا قولهم: "روآء" في جمع "رَيّانَ"، و"طوآءٌ" في جمع "طَيّانَ"، فإنّما صحّت الواو فيهما مع سكونها في الواحد، لئلاّ يجمعوا بين إعلال اللام والعين، إذ كانت اللام معتلّة بقَلْبها همزةً. وأمّا "نِوآءٌ" في جمع "ناوٍ"، فليس من قبيل "طِوآءٍ", لأنّ الواو لم تكن ساكنةً في الواحد، ولا معتلّة، فصحّت في الجمع، فاعرفه.
стр. 2402
فصل [امتناع الاسم من الإعلال]
قال صاحب الكتاب: ويمتنع الإسم من الإعلال بأن يسكن ما قبل واوه ويائه, أو ما بعدهما إذا لم يكن نحو الإقامة والاستقامة مما يعتل باعتلال فعله وذلك قولهم حول وعوار ومشوار وتقوال وسووق وغوور وطويل ومقاوم وأهوناء وشيوخ وهيام وخيار ومعايش وأبيناء.
* * *
قال الشارح: لما كانت هذه الأسماء معتلّةَ العينات، وهي صفاتٌ مشتقّةٌ من الأفعال، والأفعال بابُها التغيير والإعلال، فكانه وُجد في هذه الأسماء سببٌ الإعلال، إلّا أنّه تَخلْف إعلالُها، فتنَبَّهَ على المانع، وهو سكونُ ما قبلها، أو ما بعدها. فلو أسكنت هذه الحروف، لالتقى ساكنان، وكان يجب الحذفُ أو الحركةُ، فكان يزول البناء.
وجملة الأمر أنّها على ثلاثة أضرب، منها ما صحّ لسكون ما قبله، نحو: "حُوَّلٍ"، و"مَقاوِمَ", و"مَعايِشَ"، و"أَبْيِناءَ". ومنها ما صحّ لسكون ما بعده، نحو: "غُوُور", و"شُيُوخ"، و"هُيام"، و"خِيار". ومنها ما صحّ لسكون ما قبله، وما بعده، نحو: "عُوّار"، و"مِشْوار"، و"تَقْوال"، وهو أبلغ في منع الإعلال، مع أنّ هذه الأسماء لم تكن على أبنية الأفعال، وإنّما يُعَلّ ما كان على زنة الفعل، فصحّت هذه الأسماء لعدم شَبَهها بالأفعال، إذ لم تكن على زنتها, ولا جاريةً عليها، فـ "حُوَّلٌ" المانع فيه ما قبله من الساكن، يقال: "رجلٌ حُوَّلٌ قُلَّبٌ" إذا كان ذا حُنْكة مُجرَّبًا، قال مُعاوِيَةُ لابنته هندٍ وهي تمرّضه: "إنّك لتقَلَّبين حُوَّلًا قُلَّبًا أنّ يُخامِر هَوْلَ المَطْلَعِ" مع أنه ليس على زنة الفعل كـ"بابٍ"، و"دارٍ".
و"عُوّارٌ" المانع لاعتلاله اكتنافُ الساكنين بحرف العلّة، فلو قُلبتَ ألفًا، لاجتمع ثلاثُ سواكنَ، وذلك بمكانٍ من الإحالة. والعُوّارُ: الرَمَدُ في العين، قالت الخَنْساء [من البسيط]:
١٣٣٩ - قَذى (١) بعَيْنِك أم بالعَينِ عُوّارُ ... [أم ذَرَّفَتْ إذ خلت من أهلها الدارُ]
стр. 2403
وقيل: هو طائرٌ بعينه، وقيل: هو ضربٌ من الخَطاطِيف أسودُ طويلُ الجناحَيْن.
ومِشْوارٌ: ممّا صُحّح لسكون ما قبل حرف العلّة وما بعده. والمِشْوارُ: المكان تُعرَض فيه الدوابُّ, والمكان الذي يكون فيه العسلُ ويُشار. ومثلُه "مِقْوالٌ"، وهو الكثيرُ القول الجيّدُه، يقال: "رجلٌ مِقْوالٌ".
وكذلك "تَجْوالٌ"، و"تَقْوالٌ": " تَفْعالٌ" من "جَوَّلْتُ"، و"قَوَّلْتُ" بمنزلة "التَّسْيار" للتكثير. وسبيلُ ذلك كسبيل "عُوّار" في تأكيد الأسباب المُوجِبة للتصحيح، وهو فوق السبب في "حُوّلٍ". ومثله "صُوّامٌ"، و"قُوّامٌ"، و"بَيّاعٌ". و"سُوُوقٌ" جمع "ساق"، وقرأ ابن كثير ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ (١). و"غُوُورٌ" مصدرُ "غارَ الماء في الأرض غُوُورًا وغَوْرًا": سَفَلَ في الأرض، ونحوه: "حالَ عن العهد حُوُولًا".
و"شُيُوخٌ" جمعُ "شَيْخ". كل ذلك سببُ تصحيحه سكونُ ما بعد حرف العلّة. ومثله "الهُيامُ"، وهو شبيهٌ بالجُنون من شدّة العِشْق، يقال: "هامَ بها يَهِيمُ هَيْمًا وهَيَمانًا". والخِيارُ: الناقة الفارهة، ورجلٌ خِيارٌ من قومِ خِيارٍ وأَخْيارٍ؛ وأمّا "مَعايِشُ" فجمعُ "مَعِيشَةٍ" من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (٢) و"مقاوم" من قول الأَخطَل [من الطويل]:
١٣٤٠ - : وإنّي لَقَوّامٌ مقاوِمَ لم يكن ... جَرِيرٌ ولا مَوْلَى جَرِيرٍ يَقُومُها
стр. 2404
فإن الواو والياء تصحّان لوقوعهما بعد ساكن، فلم يجز قلبُهما ألفَيْن؛ وأمّا امتناعُ همزة "صَحائِفَ" و"عجائِزَ"، فقد تقدّم ذكرُه.
فأمّا "أَهْوِناء" جمعُ "هَيِّنٍ"، و"أَبْيِناء" جمعُ "بَيِّنٍ"، فإنّما صحّت العينان فيهما، لأنّهما علي بناء الفعل، والزيادةُ في أوّلهما كالزيادة في الفعل، فـ "أَهون" كـ"أَضْرِبُ"، فصحّحوه كما يُصحِّحون إذا بنوا من "قامَ" مثلَ "أَضْرِبُ"، فإنك تقول: "أَقوِمُ"، ولا يعتدّون بألف التأنيث فارقة، لأنّها كالمنفصلة، ألا ترى أنّك لو صغّرتَ ما فيه ألفُ التأنيث، لصغّرتَ الصدر، وجئتَ بالألف من بعدُ، كقولك في "حَمْراءَ": "حُمَيْراء"، وفي "خُنْفَساءَ": "خُنَيفِساء"، على أنّهم قد قالوا: "أَعِيّاءُ" في "أَعْيِيَاء"، و"أَبْيِنَاء" في "أَبْيِناء"، فتُلْقَى كسرةُ الياء على ما قبلها، وتُعَلُّ كأنّهم كرهوا الكسرة على الياء، كما كرهوا الضمّة في "فُعُلٍ" فتُسكِنها، نحو قوله [من الكامل]:
بالأكُفِّ اللامِعاتِ سُورْ (١)
وسَهَّلَ ذلك أنّ الفصل بينه وبين الفعل، قد حصل باتّصال ألف التأنيث. فأمّا "الإقامة" و"الاستقامة"، فإنّما أعللناهما كما أعللنا أفعالَهما, لأنّ لزوم "الإفعال" و"الاستفعال" لـ"أفْعَلَ" و"اسْتَقعَلَ" كلزوم "يفعل"، و"يَسْتَفْعل" لمضارعيهما. ولو كانتا تفارقان كما تفارق بناتُ الثلاثة التي لا زيادةَ فيها مصادرَها، فتأتي على ضروبٍ، لتمّت كما يتمّ "فُعُولٌ" منها، نحو: "الغُوور"، و"الحُوُول"، فاعرفه.
فصل [الإعلال في الجمع]
قال صاحب الكتاب: وإذا اكتنفت ألف الجمع الذي بعده حرفان واوان، أو ياءان، أو واو وياء قلبت الثانية همزة كقولك في "أوَّلٍ": "أوائلُ"، وفي "خيرٍ", "خيائرُ"، وفي
стр. 2405
سيقة سيائق، وفي فوعلة من البيع بوائع، وقولهم ضياون شاذ كالقود. وإذا كان الجمع بعد ألفه ثلاثة أحرف, فلا قلب كقولك: "عواوير" و"طواويس". وقوله [من الرجز]:
وكحَّل العينين بالعواور (١)
إنما صح لأن الياء مرادة وعكسه قوله [من الرجز]:
فيها عيائيل أسود ونُمُر (٢)
لأن الياء مزيدة للإشباع كياء الصَّياريف. ومن ذلك إعلال صُيَّم وقُيَّم للقرب من الطرف مع تصحيح صُوّام وقُوّام. وقولهم: "فلانٌ من صيابة قومه", وقوله [من الطويل]:
١٣٤١ - [ألا طرقتنا مية ابنة منذرٍ] ... فما أرق النيام إلا سلامها
شاذّ.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ ألف الجمع في "مَفاعِلَ" و"فَواعِلَ"، متى اكتنفتها واوان، كانت الثانية مُجاوِرةَ للطرف، ليس بينه وبين الطرف حاجر، فإنّهم يقلبون الواو الثانية همزة، نحو قولهم: "أوائِلُ"، والأصل: "أواوِلُ", لأنّ الواحد "أَوَّلُ" "أَفْعَلُ" ممّا فاؤه وعينُه واوٌ. وهم يكرهون اجتماعَ الواوين والألفُ من جنسهما، فشبّهوا اجتماعَهما هنا
стр. 2406
باجتماعهما في أوّل الكلمة، فكما يقلبون في "واصِلةٍ"، و"وَاصِلَ"، كذلك يقلبون ههنا، إلّا أنّ القلب ها هنا وقع ثابتًا لقربه من الطرف. وهم كثيرًا ما يُعطون الجارَ حكمَ مُجاوِره، فلذلك قدّروا الواو في "أَواوِلَ" طرفًا، إذ كانت مجاورةً للطرف، فهمزوها كما همزوا في "كِساءٍ"، و"رِداءٍ".
وإن اكتنفها ياءان، أو ياءٌ وواوٌ، فالخليلُ وسيبويه (١) يريان هَمْزَها، ويقلبان ذلك على الواوين لمشابَهة الواو والياء، والأصلُ الواوان. وأبو الحسن لا يرى الهمز إلّا في الواوين لثقلهما, ولا يهمز في اليائين، ولا مع الواو والياء. وقياسُ قوله أنّ اجتماع اليائين في أوّل الكلمة، أو الواوِ والياء، لا يُوجِب همزَ أحدهما، فاجتماعُ اليائين في قولهم: "يَيْن" اسمِ موضع، والياء والواو في قولهم: "يَوْمٌ"، فكما لا يهمز هناك، كذلك لا يهمز ههنا، واحتجّ بقول العرب في جمع "ضَيْوَنٍ" وهو ذَكَر السَّنانير: "ضَياوِنُ" من غير همز. والمدْهب الأوّل لما ذكرناه من أنّ الهمز ميه بالحمل على "كِساء"، و"رِداءٍ" وشَبهِه به من جهة قُرْبه من الطرف ووقوعِه بعد الألف الزائدة لا فَرْقَ بين الواو والياء، فكذلك ههنا وإن كان في الواو أظهرَ.
وأمّا "ضَياوِنُ" فشاذّ كـ"القَوَد"، و"الحَوَكَة"، مع أنّه لمّا صحّ في الواحد، صحّ في الجمع. يقال: "ضَياوِنُ" كما قالوا: "ضَيوَنٌ"، والقياس: "ضَيَّنٌ"، وعكسُ ذلك قولهم: "دِيمَةٌ"، و"دِيَمٌ". أعلّوا الجمع لاعتلال الواحد، ولولا اعتلالُه في الواحد، لم يعتلّ في الجمع. قال أبو عثمان. سألتُ الأصمعي: كيف تكسّر العرب "عَيِّلًا"؟ فقال: يهمزون كما يهمزون في الواوين، وهذا نصُّ الخليل وسيبويه (٢).
فإن بُعدت هذه الحروف عن الطرف بأن فصل بينها وبينه ياء أو غيرُه، لم تُهْمَز، نحوَ: "طاوُوسٍ"، و"طَواوِيسَ"، و"ناؤوسٍ"، و"نَواوِيسَ", لأنّ الموجب للقلب الثقلُ مع القرب من الطرف، فلمّا فُقد أحدُ وصفَيِ العلّة، وهو مجاورَةُ الطرف، لم يثبت الحكمُ. فأمّا قوله [من الرجز]:
وكحّل العينين بالعواور (٣)
فإنّ الواو لم تهمز، وإن جاورت الطرفَ في اللفظ، وذلك من قبل أنها في الحكم والتقدير متباعدة, لأنّ ثمّ ياءً مقدّرةً فاصلة بينها وبين الطرف، والتقديرُ: "عَواوِير" كـ"طَواوِيس"؛ لأنّه جمعُ "عُوّارِ". وحرفُ العلّة إذا وقع رابعًا في المفرد, لم يحذف في الجمع، بل يقلب ياءٌ إن كان غيرَها، نحو: "حِمْلاقٍ" و"حَمالِيقَ"، و"جُرْمُوقٍ"
стр. 2407
و"جَرامِيقُ"، فإن كان ياءً، بقي على حاله كـ"قِنْدِيل" و"قَنادِيلَ". وإنّما حذف الشاعر للضرورة. وما حُذف للضرورة فهو كالمنطوق به في الحكم، فلذلك لم تهمز. وأمّا قول الآخر [من الرجز]:
فيها عيائيل أسود ونمر (١)
فهو عكسُ "عَواوِرَ", لأنّ في "عواور" نقصَ حرف، وهو الياء، وهو مراد في الحكم، و"عيَائِيلُ" فيه زيادةُ ياء وليس بمراد. وإنّما هو إشباعٌ حدث عن كسرة الهمزة، تَشبَّه بالياء في "الصَّيارِيف"، و"الدَّراهِيم" فلم يكن به اعتدادٌ، وصارت الياء في الحكم مجاوِرةً للطرف، فهُمزت لذلك.
ومن ذلك قولهم: "صُيَّمٌ" و"قُيَّمٌ" في جمع "صائمٍ" و"قائمٍ". وفي هذا الجمع وجهان: أجودُهما: "صُوَّمٌ" و"قُوَّمٌ" بإثبات الواو على الأصل، والَوجه الآخر: "صُيَّمٌ" و"قُيَّمٌ" بقلب الواو ياءٌ. والعلّةُ في جواز القلب في هذا الجمع أنّ واحده قد أُعلّت عينه، نحو: "صائمٍ" و"قائمٍ"، والجمع أثقلُ من الواحد، وجاورت الواو الطرفَ، فقلبوا الواو ياء، كما قلبوها في "عُصِيّ" و"عُتِيّ"، وربّما قالوا: "صِيَّمٌ"، و"قِيَّمٌ" بكسر أوّله، كما قالوا: "عِصِيٌّ"، و"حِقِيٌّ". قال الشاعر [من الطويل]:
١٣٤٢ - فبَاتَ عَذوبًا للسَّماءِ كأنَّما ... يُوائِمُ رَهْطًا للعَرُوبَةِ صِيَّمَا
فهذا الإبدال في "صيّم" و"قيّم" نظيرُ الهمز في "أوائِلَ" و"عَيائِلَ" في كون الإعلال فيهما للقرب من الطرف. والذي يدلّ أنّ القلب في "صُيَّم" للمجاورة أنّ حرف العلّة إذا تَباعد عن الطرف، لم يجز القلبُ، نحو: "صُوّامٍ". وربما قلبوا مع تباعُده من الطرف. قال ذو الرّمة [من الطويل]:
ألا طَرَقتْنا مَيَّةُ ابْنَةُ مُنذِرٍ ... فما أَرَّقَ النُيّامَ إلا سَلامُها
стр. 2408
هكذا أنشده ابن الأعرابيّ: "النُّيَام". وقالوا: "فلانٌ من صُيّابة قومه". حكاه الفرّاء، أي: من صميم قومه. والصيّابةُ: الخيارُ من كلّ شيء، والأصلُ: "صُوّابة", لأنّه من "صابَ يصوب" إذا نزل، كأنّ عِرْقه قد ساخ فيهم، فقلبوا الواو ياءً، وكلاهما شاذّ من جهة القياس والاستمال؛ أمّا الاستعمال فظاهرُ القلّةِ؛ وأمّا القياس فلأنّه إذا ضعُف القلبُ مع المجاورة في نحو: "صيّم" و"قيّم"، كان مع التباعد أضعفَ.
فصل [قلب الواو ياءً في بعض الأبنية]
قال صاحب الكتاب: ونحو سيِّدٍ وميِّت وديّار وقيّام وقيُّوم قلبت فيها الواو ياء، ولم يُفعل ذلك في سوير وبويع وتسوير وتبويع لئلا يختلطا بـ "فُعَّلَ" و"تُفُعِّلَ".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ الواو والياء يجريان مجرى المِثْلَيْن لاجتماعهما في المدّ، ولذلك اجتمعا في القافية المُرْدَفة، نحو قوله [من الوافر]:
١٣٤٣ - تَرَكْنَا الخَيْلَ عاكِفَةً عليه ... مُقلَّدة أَعِنَّتُها صُفُونَا
بعد قوله:
وسَيِّدِ مَعْشَرٍ قد تَوَّجُوهُ ... بتاجِ المُلْكِ يَحْمِي المُجْحَرِينا
стр. 2409
فلمّا كان بينهما من المماثَلة والمقارَبة ما ذُكر، وإن تَباعد مَخْرجاهما، قلبوا الواو ياءً، وادّغموها في الثانية, ليكون العملُ من وجه واحد, ويتجانس الأصواتُ. واشتُرط سكونُ الأوّل, لأنّ من شرط الادّغام سكونَ الأول, لأنه إذا كان الأوّل متحرّكًا، فصل الحركة بين الحرفين.
وإنّما جُعل الانقلابُ إلى الياء لوجهين: أحدهما: أنّ الياء من حروف الفم، والادّغامُ في حروف الفم أكثرُ منه في حروف الطَرَفَيْن. الثاني: أنّ الياء أخف من الواو، فهربوا إليها لخفّتها، فقالوا: "سَيِّدٌ"، و"مَيِّتٌ"، و"جَيّدٌ"، والأصلُ: "سَيْوِدٌ", لأنّه من "ساد يسود"، و"الموت" و"الجودة".
فإن قيل: اجتماعُ المتقاربَيْن ممّا يُسوِّغ الادّغامَ من نحو قولك: "قد سَّمع اللهُ"، و"وَدٌّ" في "وَتْدٌ"، فما بالُكم أَوْجَبْتموه في "سيّد"، و"ميّت"، قيل عنه جَوابان: أحدهما أنّ الواو والياء ليس تناسبُهما من جهة القرب في المخرج، لكن من وصفٍ فيهما أنفسِهما، وهو المدُّ، وسعةُ المخرج، فجريا لذلك مجرى المِثْلَيْن، والثاني: أنّه اجتمع فيهما المقاربةُ، كمقاربة الدال والسين والتاء والدال، وثِقَلُ اجتماع الواو والياء، وليس في اجتماع المتقاربين من الصحيح ذلك الثقلُ، فافترق حالاهما لاجتماع سببَيْن يجوز بانفراد كلّ واحد منهما الحكمُ، فلمّا اجتمعا لزم.
وقد اختلف العلماء في وزن "سَيِّدٍ" و"مَيِّتٍ" ونحوِهما، فذهب المحقّقون من أهل البصرة" إلى أنّ أصله "سَيْوِدٌ" و"مَيْوِتٌ" على زنة "فَيْعِلٍ" بكسر العين, وأنّ ذلك بناءٌ اختصّ به المعتلُّ كاختصاص جمع "فاعِلٍ" منه بـ "فُعَلَةَ"، كـ"قُضاةٍ"، و"رُماةٍ", و"غُزاةٍ"، و"دُعاةٍ" في جمع "قاضٍ"، و"رامٍ"، و"غازٍ"، و"داعٍ"، واختصاصِه أيضًا بـ "فَعْلُولَةَ"، نحو: "كَيْنُونَةٍ"، و"قَيْدُودَةٍ"، والأصل: "كَوْنُونَةٌ"، و"قَوْدُودَةٌ".
وذهب البغداديون إلى أنّه "فَيْعَلٌ" بفتح العين، ئقل إلى "فَيْعِل" بكسرها، قالوا: وذلك لأنّا لم نَرَ في الصحيح ما هو على "فَيْعِل" إنّما هو "فَيْعَل"، كـ"صَيْقَمٍ"، و"صَيْرَفٍ". وهذا لا يلزم, لأنّ المعتل قد يأتي فيه ما لا يأتي في الصحيح, لأنّه نوعٌ على انفراده، ولو أرادوا بـ "ميّت" "فَيْعَل" بالفتح، لقالوا: "مَيِّتٌ" بالفتح، كما قالوا: "هَيَّبانٌ"، و"تَيَّحانٌ" حين أرادوا "فَيْعَلان". وقال بعضهم [من الرجز]:
١٣٤٤ - ما بالُ عَيْني كالشَّعِيب العَيَّنِ
стр. 2410
فأبقاه على الفتح حين أرادوا الفتح.
وذهب الفراء إلى أنّه "فَعِيلٌ"، أُعلّت عينُ الفعل منه في "مات يموت" و"صاب يصوب" بأن قدّموا الياء الزائدة، وأُخّرت العين، فصار "فَيعِل" كما قلتم، إلّا أنّه منقولٌ محوَّلٌ من "فَعِيل"، ثمّ قُلبت الواو ياءً كما ذُكِر، وذلك لقرابة البناء، وأنّه ليس في الصحيح ما هو على "فَيْعِل". وزعم أنّ "فَعِيلًا" الذي يعتلّ عينُه إنّما يأتي على هذا البناء، وأن "طَوِيلًا شاذّ لم يجىء على قياسِ "طالَ يطول"، وكان ينبغي لو جاء على قياس "طال يطول"، أنّ يقال: "طَيِّل" كـ"سَيِّد". وإذا لم يكن "فَعِيلًا" معتلاًّ، صحّ، نحو: "سَوِيقٍ"، و"عِوِيل"، و"حَوِيل".
وأمّا "قُضاةٌ" ونحوه عنده، فاصله: "قُضًّى" على "فُعَّل" مضاعَفَ العين كـ"شاهدٍ" و"شُهَّدٍ"، و"جاثمٍ" و"جُثَّم" فاستثقلوا التشديد على عين الفعل، فخفّفوه بحذف إحدى العينين، وعوّضوا عنها الهاء، كما قالوا: "عِدَةٌ"، و"زِنَةٌ"، فحذفوا الفاء، وعوّضوا الهاء أخيرًا.
فأمّا "كَينُونَةٌ" فأصلها عنده "كُونُونة" بالضمّ على زنة "بُهْلُولٍ" و"صُنْدُوقٍ"، ففتحوه لأنّ أكثرَ ما يجيء من هذه المصادر مصادرُ ذواتُ الياء، نحو: "صَيْرورة"، و"سَيْرورة". فلو أبقوا الضمّة قبل الياء، لصارت واوًا، ففتحوه لتسلم الياء، ثمّ حملوا عليه ذواتِ الواو.
والصوابُ ما بدأنا به، وهو مذهب سيبويه (١).
وقالوا: "ما بالدار دَيّارٌ" (٢)، أي: أحدٌ، وأصله: "دَيْوارٌ" "فَيعالٌ" من "الدار"، وأصلُ "قَيام": "قَيْوامٌ" من "قام يقوم"، قلبوا الواو ياءً لوقوع الياء قبلها ساكنه على حَدّ
стр. 2411
"سَيِّد" و"مَيِّت". ولو كان "ديار" و"قيّام" على زنة "فَعّالٍ"، لقالوا: "قَوّام" و"دَوّار", لأنّه من الواو، ويجوز أن يكون من لفظ "الدَّيْر"، فإنّه يقال: "تَدَيَّرْتُ دَيْرًا"، ويمكن أن يكون "الدَّيْر" من الواو، وأصله: "دَيِّرٌ" مثل "سَيِّد"، وإنّما خُفّف.
وقالوا: "قَيُّومٌ"، وهو "فَيعُول" من "القيام"، وأصله: "قَيْوُوم"، فأُبدل من الواو ياءٌ، وادُّغمت الياء في الياء، وليس على زنة "فَعُّولٍ"؛ لأنه كان يلزم أن يقال: "قَوُّوم"؛ لأنّ عين الفعل واوٌ.
قال: ولم يفعل ذلك بـ "سُويِرَ", و"بُويعَ"، و"تُسُويرَ"، و"تُبُويعَ"، يعني لم يقلبوا الواو ياءً، وادّغموها فيما بعدها من الياء، وذلك لأَمرين: أحدهما: أنّ هذه الواو، لا تثبت واوًا وإنّما هي ألفُ "سايَرَ"، و"تَسايَرَ"، و"بايع"، و"تبايع"، لكن لمّا بُني لما لم يسمّ فاعله، وجب ضمُّ أوّله علامةً لما لم يسمّ فاعله، فانقلبت الألف واوًا للضمّة قبلها اتباعًا، وجُعلت على حكم الألف مدّةً، فلم تُدْغم في الياء بعدها، كما كانت الألفُ كذلك.
وكذلك "تُسوير" و"تُبويع"، الأصلُ: "تَساير"، و"تَبايع"، فلمّا بُني لما لم يسمّ فاعله، ضُمّ أوّله وثانيه علامةً، كما قيل: "تُدُحرج". فلمّا ضممتَ الحرف الثاني، انقلبت الألف واوًا، وجُعلت أيضًا مدّةً على حكم الألف، كما كانت في "سُوير" كذلك، وصارت الواو في "تُبويع" كالألف في "تَبايع".
ومثلُ ذلك قولهم: "رُؤْيَةٌ" و"نُؤْيٌ"، إذا خفّفت الهمزة، قلبتها واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها، فتقول: "رُويَةٌ" و"نُويٌ" بواو خالصة، ولا تَدّغِمها في الياء التي بعدها؛ لأنّها همزة في النية. وكذلك "سُوير"، لما كانت الواو ألفًا في النية، لم تُدّغم بما بعدها. وربما قالوا: "رِيَّةٌ"، فادّغموا في الواو المنقلبة عن الهمزة، ويُنزِّلها منزلةَ ما هو أصل. ومن قال كذلك، لم يقل في "سُويِرَ": "سُيِّرَ", ولا في "تُسُويِرَ": "تُسُيِّرَ"، محافظةً على مدّ الألف، لئلاّ يذهب بالادّغام.
والوجهُ الثاني: أنّهم لو قلبوا في "سُوير" الواو ياءً وادّغموها، التبس بناء "فُوعِلَ" ببناء "فُعِّلَ"، فلذلك لم تُدّغم.
فصل [التصحيح في "مفاعِل" المعتل العين]
قال صاحب الكتاب: وتقول في جمع مقامة ومعونة ومعيشة مقاوم ومعاون ومعايش مصرحاً بالواو والياء، ولا تهمز كما همزت رسائل وعجائز وصحائف ونحوها مما الألف والواو والياء في وحدانه مدّاتٌ لا أصل لهن في الحركة.
* * *
стр. 2412
قال الشارح: إذا جمعتَ نحو: "مَقامة"، و"مَباعة"، و"مَقام", و"مَباع"، وكذلك "مَعاش" و"مَعُونة"، لم تُعِل الواو والياء بقلبهما همزة كما قلبت ألفَ "رِسالة"، وواوَ "عَجُوز"، وياء "صحيفة"، فقلت: "رَسائِلُ"، و"عَجائِزُ"، و"صَحائِفُ" بالهمزة، فتقول في جمع "مَقامة": "مَقاوِمُ"، وفي جمع "مَباعة": "مَبايعُ"، وفي جمع "مَعِيشة": "مَعايِشُ". كل ذلك بغير همزة وإن كان الواحد معتلاًّ. قال الشاعر [من الطويل]:
وإنى لَقَوَّامٌ مَقاوِمَ لم يكن ... جَرِيرٌ ولا مَوْلَى جَرِيرٍ يَقُومُها (١)
وذلك لأنّهم إنّما أعلّوا الواحد, لأنّهم شبّهوه بـ "يَفْعَلُ". فلمّا جمعوه، ذهب شَبَهُه، فردّوه إلى أصله. ووجهُ شبه "مَقام" و"مَباع" بـ "يَفعَل" أَنَّ أصلهما: "مَقْوَم"، و"مَبْيَع"، فجريا مجرى "يَخاف" و"يَهاب" اللذين أصلُهما "يَخْوَف"، و"يَهْيَب"، فأعلّوهما، لأنّهما جاريان على الفعل، وهما بزنته، وقد تقدّم بيان ذلك. فلمّا جُمعا بَعُدَا عن الفعل، لأنّ الفعل لا يُجمع، وزال البناء الذي ضارَعَ به الفعلَ، فصَحَّ، فظهرت ياؤُه وواوُه، فقيل: "مَقاوِم"، و"مَبايع".
وقوله: "إنّما الألف والواو والياء في وحدانه مدّات لا أصل لهنّ في الحركة" يريد أنّ ألف "رسالة"، وواو"عجوز"، وياء "صحيفة" زوائد للمدّ لا حظّ لهنّ في الحركة بخلافِ ما تقدّم من "مَقامة"، و"مَعُونة"، و"معيشة"، فإنّ حروف العلّة فيهنّ عيناتٌ، وأصلهن الحركةُ، فلمّا احتيج إلى تحريكهنّ في الجمع، رُدّت إلى أصلها، واحتملت الحركةَ؛ لأنّها كانت قويّة في الواحد بالحركة؛ فأمّا قراءة أهل المدينة ﴿مَعائِشُ﴾ (٢) بالهمز، فهي ضعيفة، وإنّما أُخذت عن نافع، ولم يكن قَبًّا (٣) في العربيّة.
وقالت العرب: "مَصائِبُ" بالهمزة. قال الجوهريّ: كل العرب تهمزه، لأنّهم تَوهّموا أنّ "مُصِيبَةٌ" "فَعِيلَةُ"، فهمزوها حين جمعوها، كما همزوا جمع "سَفِينَةٍ"، فقالوا: "سَفائِنُ"، أو يكونون شبّهوا الياء في "مصيبة" بياء "صَحِيفة"، إذ كانت مبدلةً من الواو، وهي غير أصل، كما أنّ ياء "صحيفة" غير أصل، والقياسُ: "مَصاوِبُ"، لأنّ أصلها الحركةُ.
وكان أبو إسحاق الزجّاج يذهب إلى أنّ الهمزة في "مصائب" منقلبةٌ عن الواو
стр. 2413
المكسورة في "مَصاوِب" على حد قلبها في "وِشاحٍ" و"إشاحٍ". ولا ينفكّ من ضُعّف, لأنّ الواو المكسورة لا تصير همزةً إذا كانت حشوًا، وإنّما جاز ذلك فيها إذا كانت أوّلًا.
فصل [الإعلال في الاسم الذي علي وزن "فُعلي" من الياء]
قال صاحب الكتاب: و"فعلي" من الياء إذا كانت اسماً قلبت ياؤها واواً كالطوبي والكوسي من الطيب والكيس، ولا تقلب في الصفة كقولك: مشية حيكى و ﴿قسمة ضيزى﴾ (١).
* * *
قال الشارح: هذا الفصل اعتمدوا فيه الفصلَ بين الاسم والصفة، وذلك أنّ "فُعْلَى" إذا كان اسمًا، وهو معتلّ العين بالياء، فإنّهم يقلبون الياء واوًا لانضمامِ ما قبلها، نحو: "طُوبَى"، و"كُوسَى"، فهذه وإن كان أصلها الصفةَ، إلّا أنّها جارية مجرى الأسماء، لأنّها لا تكون وصفًا بغير ألف ولام، فأُجريت مجرى الأسماء التى لا تكون صفاتٍ، فـ "طُوْبى" أصلُها: "طُيْبَى", لأنّها من "الطيبة". وكذلك "الكوسَى" أصلها: "الكُيْسَى"، لأنّها من "الكَيْس"، فقلبوا الياء فيهما واوًا لضمّة قبلها. شبّهوا الاسم هنا في قلب الياء فيه واوًا لسكونها وانضمامِ ما قبلها بـ"مُوْسِرٍ" و"مُوقِنٍ".
وقالوا في الصفة: "امرأةٌ حِيكَى" وهي التي تحيك في مشيها، أي: تحرّك منكبَيْها، يقال: "حاك في مشيه يَحِيكُ حَيَكانًا". وقالوا: ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ (١) أي: جائرةٌ، من قولهم: "ضازَهُ حَقَّهُ يَضِيزه" إذا بخسه، وجار عليه فيه. والأصلُ: "حُيْكَى"، و"ضُيْزَى" بالضمّ, لأنّه ليس في الصفات "فِعْلَى" بالكسر، وفيها "فُعْلَى" بالضمّ، نحو: "حُبْلَى"، فأبدلوا من الضمّة كسرة لتصحّ الياء على حدّ فَعْلهم في "بِيضٍ"، وأصله: "بُيْضٌ" مثلُ "حُمْرٍ"، ولم يقلبوا الياء هنا واوًا، كما فعلوا في "الكُوسَى" و"الطوبَى"، للفرق بين الاسم والصفة. وخصّوا الاسمَ بالقلب للفرق, لأنّ الاسم أخفُّ من الصفة، والصفةُ أثقلُ, لأنّها في معنى الفعل، والأفعالُ أثقلُ من الأسماء، والواو أثقل من الياء، فجعلوها في الاسم الذي هو خفيف، ولم تُجعل في الصفة، لئلاّ تزداد ثقلًا.
وقد اعتمدوا الفرقَ بين الاسم والصفة في "فَعْلَى" مفتوحَ الفاء ممّا اعتلّت لامه بالياء، قالوا في الاسم: "شَرْوَى"، و"تَقْوَى"، وأصلهما الياء, لأنّ "شروى" بمعنى "مِثْل" من "شَرَيْت"، و"تَقْوَى" من "وَقَيْت"، وقالوا في الصفة: "صَدْيَا"، و"خَزْيَا"، فصار "فُعْلَى" مضموم الفاء كـ"فَعْلَى" مفتوح الفاء ممّا اعتلّت لامه بالياء.
قال سيبويه (٢) عقيبَ ذكر الفرق بين الاسم والصفة في "الكوسى" و"الحيكى":
стр. 2414
فإنّما فرقوا بين الاسم والنعت في هذا، كما فرقوا بين "فَعْلَى" اسمًا، وبين "فَعْلَى" صفةً في بنات الياء التي الياء فيهنّ لام، فشُبّهت تَفْرِقتُهم بين الاسم والنعت، والعينُ ياء في "فُعْلَى"، بتفرقتهم بين الاسم والنعت واللامُ ياء في "فَعْلَى"، وصار "فُعْلَى" إذا كانت عينه ياء كـ"فَعلَى" إذا كانت لامه ياء في القلب والتغيير. فعلوا ذلك تعويضًا للياء من كثرة دخول الواو عليها في مواضعَ متعدّدة.
وقد كان أبو عثمان يستطرف هذا الموضع ويَقصره على السماع، ولا يَقيسه، فإن كانت "فَعْلى" بفتح الفاء عينُ الفعل منها ياء لم يغيّروا إيّاها في اسم، ولا صفة, لأنّ الفتحة إذا كانت بعدها ياء ساكنةٌ، لم يجب قلبُها, ولا تغييرُها بخلاف الضمّة، فاعرفه.
стр. 2415
القول في الواو والياء لامين
فصل
قال صاحب الكتاب: حكمهما أن تعلا أو تحذفا أو تسلما. فإعلا لهما: إما قلبا لهما إلى الألف إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما, ولم يقع بعدهما ساكن, نحو غزا ورمى وعصا ورحى، أو لإحداهما إلى صاحبتها كأغزيت والغازي ودعي ورضي.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ اللام إذا كانت واوًا أو ياء كانت أشدَّ اعتلالًا منهما إذا كانتا عيناتٍ، وأضعفَ حالًا، لأنّهما حروفُ إعراب تتغير بحركات الإعراب، وتلحقها ياء الإضافة، وهي تكسر ما قبلها، وتدخلها ياء النسب وعلامةُ التثنية، وكلُّ ذلك يوجب تغييرَها، فهي إذا كانت لامًا أضعفُ منها إذا كانت عينًا، وإذا كانت عينًا فهي أضعف منها إذا كانت فاء، فكلّما بعدت عن الطرف كان أقوى لها، وكلّما قربت من الطرف كان الإعلال لها ألزمَ، وفي الإعلال ضربٌ من التخفيف. ولذلك كان أخفّ عليهم من استعمال الأصل، وإذا وقعت الواو والياء طرفًا آخرًا، فلا يخلو أمرُهما من أحوال ثلاث: إمّا الإعلالِ، وذلك يكون بتغيير الحركات، أو بقَلْبها إلى لفظ آخر، وإمّا بحذفِها لساكنٍ يلقاها، أو لضرب من التخفيف. الثالثُ أنّ تسلم وتصحّ.
فالأوّلُ: وهو القلب، نحو قولك في الفعل: "غَزَا"، و"رَمَى"، والأصل: "غَزَوَ"، و"رَمَيَ"، ونظيرُ ذلك في الاسم "عَصًا"، و"رَحًى"، والأصلُ: "عَصَوٌ"، و"رَحَيٌ"، لقولك: "عصوان"، و"رحيان". وقد تقدّم الكلام في علّة قلب الواو والياء ألفًا إذا تحرّكتا وانفتح ما قبلهما بما أغنى عن إعادته هنا.
وقوله: "إنْ لم يقع بعدهما ساكنٌ"، كأنّه تحرّزٌ من مثل "الغَلَيان"، و"النَزَوان"، و"غَزَوَا"، و"رَمَيَا"، لأنّه لو أُعِلاّ والحالةُ هذه لأَدَّى إلى إسقاط أحدهما، فكان يُلْبِس، وقد تقدّم ذلك أجمعُ.
وقوله: "أو لإحداهما إلى صاحبتها كـ"أَغزَيتُ"، و"الغازِي"، و"دُعِيَ"، و"رَضِيَ"،
стр. 2416
فأمّا أغزيت فأصلها: "أَغزَوْت"، وإنّما قلبوها ياء لوقوعها رابعةً، والواوُ إذا وقعت رابعةً فصاعدًا, قُلبت ياءً، وإنّما قلبوها ياءً حملًا لها على مضارعها في "يُغْزِي". وإنّما قُلبت في المضارع لوقوعها طرفًا بعد مكسور، وكذلك فيما ذُكر من نحو: "الغازى"، و"الداعي"، و"دُعِيَ"، و"رَضِيَ". كلُّ ذلك لوقوعها طرفًا بعد كسرة, لأنّ الطرف ضعيف، يتطرّق إليه التغييرُ مع أنّه بعُرْضيّةِ أنّ يُوقَف عليه، فيسكن، والواوُ متى سكنت وانكسر ما قبلها، قُلبت ياء، نحو: "مِيزانٍ"، و"مِيعادٍ".
* * *
قال صاحب الكتاب: وكالبقوي والشروي والجباوة أو إسكانًا كيغزو ويرمي وهذا الغازي وراميك. وحذفهما في نحو لا ترم ولا تغز واغز وارم وفي يد ودم. وسلامتهما في نحو الغزو والرمي ويغزوان ويرميان وغزوا ورميا.
* * *
قال الشارح: أمّا "البَقْوَى" و"الشَّرْوَى"، فقد تقدّم الكلام عليه، وسيوضح أمره فيما بعدُ؛ وأمّا الواو والياء في "الغَزْو" و"الرَّمْي"، فإنّما صحّتا, ولم تُعَلاّ، لأنّه لم يوجد فيهما ما يوجب التغييرَ والإعلال، فبقيت صحيحةً على الأصل. وأمّا "يَغْزُوان"، و"يَرْمِيان"، و"غَزَوَا"، و"رَمَيَا"، فإنّما صحّت الواو والياء لوقوع الألف الساكنة بعدهما، فلو أخذتَ تقلب الواو والياء ألفًا، لاجتمع ألفان، وكان يلزم حذفُ إحداهما أو تحريكُها، فقُلبت همزةً، ويؤدّي إلى تَوالي إعلالَيْن، وذلك مكروه عندهم، أو يُلْبس، ألا ترى أنّك لو قلبتَ الواو في "غَزَوَا" والياء في "رَمَيَا"، ثم حذفتَ إحداهما، لالتبس التثنيةُ بالواحد مع أنّ في "يغزوان" و"يرميان" قبل الواو مضمومٌ، وقبل الياء مكسورٌ، ولا يلزم من ذلك قلبُهما ألفًا، فأُقرّا لذلك على حالهما.
فصل [جريهما في تحمل حركات الإعراب]
قال صاحب الكتاب: وتجريان في تحمل حركات الإعراب مجرى الحروف الصحاح إذا سكن ما قبلهما في نحو دلو وظبي وعدو وعدي وواو وزاي وآي. وإذا تحرك ما قبلهما لم تتحملا إلا النصب نحو لن يغزو ولن يرمي وأريد أن تستقي وتستدعي ورأيت الرامي والعمى والمضوضي.
* * *
قال الشارح: إنما أجروهما مجرى الحروف الصِحاح من قبل أنّ أصل الاعتلال فيهما إنما هو شَبَههما بالألف، وإنّما تكونان كذلك إذا سكنتا، وكان قبل الياء كسرةٌ،
стр. 2417
وقبل الواو ضمّةٌ، فتصيران كالألف لسكونهما، وكونِ ما قبل كلّ واحدة منهما حركةً من جنسهما، كما أنّ الألف كذلك، فهي ساكنة، وقبلها فتحةٌ، والفتحةُ من جنس الألف، فإذا سكن ما قبلهما، خرجتا من شَبَه الألف, لأنّ الألف لا يكون ما قبلها إلّا مفتوحًا، فلذلك يقولون: "ظَبْيٌ"، و"عزْوٌ". ومثلُ ذلك "عَدُوٌّ"، و"عَدِيٌّ" من جهةِ أنّ الحرف المشدّد أبدًا حرفان من جنس واحد، الأوَّلُ منهما ساكنٌ، فالواو الأولى والياء الأولى ساكنتان فيهما بمنزلة الباء من "ظَبْيٍ" والحاء من "نَحْيٍ".
وكذلك "واوٌ"، و"زايٌ" و"آيٌ" الواو والياء في هذه الكِلَم صحيحةٌ غيرُ معتلّة, لأنّ الواو والياء إذا وقعتا طرفًا، فإنّهما لا تعتلاّن إلّا إذا وقعتا بعد ألف زائدة، نحو: "كِساءٍ"، و"رِداءٍ"؛ فأمّا إذا وقعتا بعد ألف منقلبة عن حرف أصلي، فإنّهما لا تعتلاّن، لئلّا يتوالى في الكلمة إعلالان: إعلالُ العين واللامِ.
فأمّا الألف في "وَاوٍ"، فذهب أبو الحسن إلى أنّها منقلبة من واو. واستدلّ على ذلك بتفخيم العرب إيّاها، وأنه لم يُسمع فيها الإمالةُ، فقضي لذلك أنّها من الواو، وجعل حروفَ الكلمة كلها واواتٍ. وذهب غيره إلى أنّ الألف فيها منقلبة من ياء، واحتجّ بأنّه إن جعلها من الواو، كانت الفاء والعين والسلام كلُّها لفظًا واحدًا. قال: وهذا غيرُ موجود، فعدل إلى القضاء بأنّها من ياء.
والوجهُ الأوّل، وذلك أنّ انقلاب العين عن الواو أكثرُ من انقلابها عن الياء، والعملُ إنّما هو على الأكثر، وبذلك وصّى سيبويه.
وأمّا "زاي"، فللعرب فيها مذهبان، منهم من يجعلها ثُلاثيةً، ويقول: "زاي"، ومنهم من يجعلها ثُنائيةً، ويقول: "زَيْ". فمَن جعلها ثلاثية، فينبغي أنّ يكون ألفها منقلبة عن واو، ويكون لامها ياء، فهو من لفظ "زَوَيتُ"، إلّا أنّ عينه اعتلّت، وسلمت لامُه. والقياسُ أن يعتلّ اللام، ويصح العين، كقولك: "هَوَى"، و"نَوًى"، و"شَوَى"، و"لَوَى"، لكنه أُلحق بباب "ثايَةٍ" و"غايَةٍ" في الشذوذ. والثايةُ. مأوى الإبل والغنم. والغايةُ: مَدَى الشيء، والعَلَمُ أيضًا، فهذه متى جُعلت اسمًا للحرف، أُعربت، فقلتَ: "هذه زايٌ حسنة"، و"كتبتُ زايًا حسنةً"، فإن هذه الألف ملحقة في الإعلال بـ "ثاي"، و"غاي"، وألفُه منقلبة عن واو على ما تقدّم.
وإذا كانت حرفَ هِجاء، فألفُه غير منقلبة, لأنه ما دام حرفًا، فهو غير متصرّف، وألفُه غيرُ مقضيّ عليها بالانقلاب؛ وأمّا من قال: "زَي" وأجراها مجرى "كَيْ"، فإنّه إذا سمّى بها، زاد عليها ياءً ثانيةً، وقال: "هذا زَيٌّ"، كما أنه إذا سمي بـ "كَيْ" زاد عليها ياءً أخرى، وقال: "هذا كَيٌّ"، و"رأيت كَيًّا".
وأمّا من قال: "زاء" فهمز، فهو ضعيف، وهي لغة قليلة جدًّا، ووجهُها أنّه يَشبّه هاهنا الألف بالزائدة إذ لم تكن منقلبة.
стр. 2418
وأمّا "آيٌ"، فهو جمعُ "آيةٍ" على حدّ "تَمْرَةٍ" و"تَمْرٍ"، ولم يُعِلّوا الياء، وإن وقعت طرفًا بعد ألف, لأنّ الألف عينُ الكلمة، وهي منقلبة عن ياء، فلو أعلّوها لَوالَوْا على الكلمة إعلالَيْن، وذلك مكروه عندهم.
ووزنُ "آيَةٍ": "فَعَلَةُ" كـ"شَجَرَةٍ"، فقلبوا العين ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، وذهب آخرون إلى أنّها "فَعْلَةُ" بسكون العين، فقلبوا الياء الأولى ألفًا لانفتاح ما قبلها على حدّ قولهم في "طَيِّىء": "طائِيٌّ"، وفي النسب إلى "الحِيرة": "حارِيٌّ". حكى ذلك سيبويه (١) عن غير الخليل، وهو مذهب الفراء، كأنّه نظر إلى كثرة "فَعْلَةَ"، فحمل على الأكثر. وإنّما قلبوا الياء ألفا مع سكونها لاجتماع اليائيْن، لأنّهما تُكْرَهان كما تُكْرَه الواوان، فأبدلوا من الأولى الألفَ، كما قالوا: "الحَيَوان"، وكما قالوا: "أَواصِلُ" في جمع "واصلةٍ"، والوجهُ الأول أنّه على "فَعَلَة".
وقوله: "إذا تحرّك ما قبلهما" يريد بالحركة التي يسوغ أنّ يُحرَّك بها، وذلك بأن يكون قبل الواو ضمّةٌ، وذلك إنّما يكون في الأفعال، نحو: "يَغزُو"، و"يَدْعُو"، ولا يكون مثلُه في الأسماء، ويكون قبل الياء كسرة، وذلك يقع في الأسماء والأفعال، فالأسماء نحو: "القاضي"، و"الرامي"، والأفعالُ نحو: "يَرْمِي"، و"يَسْقِي"، وذلك أنّه إذا انفتح ما قبلهما قُلبتا ألفَيْن، نحو: "عَصًا"، و"رَحًى". وإذا انضمّ ما قبل الياء، انقلبت واوًا على حد "مُوسِرٍ"، و"مُوقِنٍ". وإذا انكسر ما قبل الواو قُلبت ياءً.
ولا يقع قبل الواو إلّا الضمّة، ولا يقع قبل الياء إلّا الكسرةُ، فإذا كانت الواو والياء على الشرط المذكور، لم تتحمّلا من حركات الإعراب إلّا الفتحَ لخفّة الفتحة، وتسكنان في موضع الرفع، وذلك استثقالًا للضمّة عليهما، فتقول: "هو يَغزُو ويَرْمِي"، و"لن يَغْزُوَ"، و"لن يَرْمِيَ"، فتُثبِت الفتحةَ، لخقتها، وتُسقِط الضمّةَ لثقلها. وتقول في الاسم: "هذا الرامي، والعَمِي، والمُضَوْضِي": وإنّما حذفوا الضمّة لثقلها على الياء المكسورِ ما قبلها. وتقول في النصب: "رأيت الرامِيَ، والعَمِيَ والمُضَوْضِيَ" بالنصب. وقد تقدّم الكلام على ذلك، وإنّما كُرّر الكلام على حسبِ ما اقتضاه الشرحُ.
* * *
قال صاحب الكتاب: وقد جاء الإسكان في قوله [من الطويل]:
١٣٤٥ - [فما سوَّدتني عامرٌ عن وراثةٍ] ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب
стр. 2419
وقول الأعشى [من الطويل]:
١٣٤٦ - فآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حفى حتى تلاقي محمَّدا
وقوله [من البسيط]:
١٣٤٧ - يا دار هند عفت إلا أثافيها ... [بين الطويِّ فصاراتٍ فواديها]
стр. 2420
وفي المثل أعط القوس باريها (١). وهما في حال الرفع ساكنان, وقد شذ التحريك في قوله [من البسيط]:
١٣٤٨ - [تكاد تذهب بالدنيا وبهجتها] ... موالي ككباش العوس سحاح