← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13301

شرح المفصل لابن يعيش

ابن يعيش

Полный текст (2 502 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

والغرضُ بذلك طلبُ التخفيف, لأنّه ثقُل عليهم التكريرُ والعودُ إلى حرف بعد النطق به، وصار ذلك ضِيقًا في الكلام بمنزلة الضيق في الخَطْو على المقيَّد, لأنّه إذا منعه القيدُ من توسيع الخَطْو، صار كأنّه إنّما يُقيَّد قَدَمُه إلى موضعها الذي نقلها منه، فثقُل ذلك عليه، فلمّا كان تكريرُ الحرف كذلك في الثقل، حاولوا تخفيفَه بأن يدّغموا أحدهما في الآخر، فيضعوا ألسنتهم على مَخْرج الحرف المكرَّر وضعةً واحدةً، ويرفعوها بالحرفَيْن رفعةً واحدةً، لئلا ينطقوا بالحرف، ثمّ يعودوا إليه , وهذا المراد من قوله: "ثقل التقاء المتجانسين على ألسنتهم"، أي: المِثْلَيْن اللذَيْن من جنس واحد، فإذا أسكنوا الأوّل منهما ادّغموا، فيتّصل بالثاني، وإذا حرّكوه، لم يتّصل به لأنّ الحركة تحول بينهما, لأنّ محلّ الحركة من الحرف بعده، ولذلك يمتنع ادّغامُ المتحرّك. والمدّغَم أبدًا حرفان: الأوّل منهما ساكنٌ والثاني متحرّكٌ. وجميعُ الحروف تُدّغَم ويُدّغَم فيها إلَّا الألفَ؛ لأنّها ساكنة أبدًا، فلا يمكن ادّغامُ ما قبلها فيها ولا يمكن ادّغامُها, لأن الحرف إنّما يُدّغَم في مثله، وليس الألف مثلَ متحرّك، فيصحَّ الادّغام فيها. واعلم أن التقاء المثلين على ثلاثة أضرب: أحدها أن يسكن الأوّل ويتحرّك الثاني، وهذا شرط المدّغَم، فيحصل الادّغامُ ضرورةً سواءٌ أريد أو لم يُرَد، إذ لا حاجزَ بينهما من حركة ولا غيرها، نحو: "لم يرح حاتم"، و"لم أقل لك"، فالادّغامُ حصل فيهما ضرورةً, لأنّ الأوّل اتّصل بالثاني من غير إرادة لذلك، ألا ترى أنّ إسكان الأوّل لم يكن للادغام بل للجازم، فوُجد شرطُ الادغام بحكم الاتّفاق من غير قصد، وذلك بأن اعتمد اللسان عليهما اعتمادةً واحدةً , لأنّ المَخْرج واحدٌ ولا فَصْلَ. وأمّا الثاني وهو أن يكون المِثْل الأوّل متحرّكًا، والثاني ساكنًا، نحو: "ظلِلْت"، و"رسولُ الحسن". وما كان كذلك، فإنّ الادغام يمتنع فيه لأمرين: أحدهما تحرُّكُ الأوّل، والحرفُ الأوّلُ متى تحرّك امتنع الادغام, لأنّ حركة الحرف الأوّل قد فصلت بين المتجانسَيْن، فتَعذّر الاتّصال. والأمر الثاني، سكون الحرف الثاني، والادغامُ لا يحصل في ساكن؛ لأنّ الأوّل لا يكون إلا ساكنًا، فلو أُسكن الثاني، لاجتمع ساكنان على غير شرطه، وذلك لا يجوز. وأمّا الثالث، وهو أن يتحرّكا معًا، وهما سواء في كلمة واحدة، ولم يكن الحرف مُلْحِقًا قد جاوز الثلاثةَ، ولا البناء مخالفًا لبناء الفعل، فإنّه يجب أن يُدّغَم بأن يسكن المتحرّكُ الأولُ لِتزولَ الحركةُ الحاجزةُ، فيرتفع اللسانُ بهما ارتفاعة واحدةً، فيخفّ اللفظ، وليس فيه نقضُ معنى، ولا لبسٌ، وذلك نحو: "رَدَّ يَرُدُّ"، و"شَدَّ يَشُدَّ"، فكلُّ العرب يدغم ذلك.

стр. 2452

فإن كان المثلان من كلمتين منفصلتين، كنت مخيَّرًا في الادغام وتركِه، وذلك نحو قولك: "أنْعَتُ تَلك"، "المالُ لزيد" و"ثوبُ بّكْر". فإذا أردتَ الادغام أسكنتَ الأوّل منهما, لأنّهما مثلان، فأرادوا أن يرتفع اللسانُ بهما رفعةً واحدةً، فيكون اللفظ بهما أخف، وكلّما كثُرت الحركات، حسُن الادّغام، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُم﴾ (١) بالادغام، فإن شئت قلت: "وَجَعَلَ لَكَ" من غير الادغام. وإنّما كان تركُ الادغام جائزًا في المنفصلين، ولم يجز في المتّصلين؛ لأنّ الكلمة الثانية لا تلزم الأولى، وإنّما وجب في المتّصلين للزوم الحرفين. قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ (٢) على ما ذكرتُ لك. وأمّا "اقْتَتَلَ"، فيجوز فيه الوجهان: الادغامُ والإظهار، فالادغامُ لاجتماع المثلين في كلمة واحدة. وإذا أدغمت ففيه وجهان: فتحُ القاف، وكسرُها، فالفتحُ لأنّه لمّا كُره ظهور تائَيْن في كلمة، أُسكن الحرف الأوّل، ونُقل حركتها إلى القاف، فاستُغني عن همزة الوصل، فحذفوها، وقالوا: "قَتَّلَ" بفتح القاف وتشديد التاء. ومن كسر وقال: "قِتَّلَ"، فإنّه حذف حركةَ التاء حذفًا, ولم ينقلها إلى ما قبلها، ثمّ كسر القاف لالتقاء الساكنين. وأمّا الوجه الثاني -وهو الإظهارُ- فلأنّ التاءين في حكمِ منفصلين من جهةِ أنّ تاء الافتعال لا يلزم أن يقع بعدها مثلُها، بل قد يقع بعدها غيرُ تاء، نحو: "اقتصر"، و"اقترب"، و"ابتدع"، و"ارتوى"، فصارا لذلك كالمنفصلين. وقوله: "فهي شبيهة بتاء تلك" يريد في قوله: "أنْعَتُ تّلك" أي: هي كالمنفصلة. وهذا موضعُ جَمْل، وسيوضح ذلك مفصَّلًا. * * * قال صاحب الكتاب: وما هو ممتنعٌ فيه، وهو على ثلاثة أضرب: أحدُها أن يكون أحدُهما للإلحاق، نحو: "قَرْدَد"، و"جَلْبَبَ". والثاني أن يُؤدّيَ فيه الادّغامُ إلى لَبْس مثال بمثال، نحو: "سُرُرٍ"، و"طَلَلٍ"، و"جُدَدٍ". والثالثُ أن ينفصلا، ويكونَ ما قبل الأوّل حرفًا ساكنًا غيرَ مدّة، نحو: "قَرْمُ مالِكٍ"، و"عَدُوُّ وَلِيد". ويقع الادّغامُ في المتقاربَين كما يقع في المتماثلَين، فلا بدّ من ذكرِ مَخارج الحروف لتُعْرَفَ متقاربتُها من متباعدتها. * * * قال الشارح: قد تقدّم قولنا: إِنّ الادغام إنّما جىء به لضرب من التخفيف؛ فإذا أدّى ذلك إلى فساد، عُدل عنه إلى الأصل، وكان احتمال التثقيل أسهلَ عندهم. وذلك على ثلاثة أضرب:

стр. 2453

أحدهما: أن يكون الحرف الثاني من المثلين مزيدًا للإلحاق، نحو قولهم في الفعل: "جَلْبَبَ"، و"شَمْلَلَ"، فالحرفُ الثاني من المثلين كُرّر ليُلْحق ببناء "دَحْرَجَ"، فلو ادّغمتَ لزم أن تقول: "جَلَبَّ"، و"شَمَلَّ"، فتُسكِن المِثْل الأوُل، وتنقل حركتَه إلى الساكن قبله، فيخرج عن أن يكون مُوازِنًا لـ "دحرج"، فيبطل غرضُ الإلحاق، والأحكامُ الموضوعةُ للتخفيف إذا أدّت إلى نقصِ أغراض مقصودة تُركت. ومثله في الاسم "مَهْدَدُ"، و"قَرْدَدٌ"، و"قُعْدُدٌ"، و"رِمْدِدٌ"، فـ"مهدد": عَلَمٌ من أسماء النساء، وهو "فَعْلَلٌ". قال سيبويه (١): الميمُ فيه من نفس الكلمة، ولو كانت زائدة لادُّغمت مثلَ "مَفَرٍّ" و"مَرَدٍّ"، فثبت أنّ الدال ملحقة، والملحقُ لا يُدّغم. وكذلك "قُعْدُدٌ" ملحق بـ "برثنِ"، و"رِمْدِدٌ" ملحق بـ "زِبْرِجٍ"، وكذلك "عَفَنْجَجٌ" و"ألَنْدَدٌ" ملحقان بـ "سَفَرْجَلٍ" في الخماسيّ. والضرب الثاني أن يؤدّي الادغام إلى لبس، نحو: "سُرُرٍ"، و"طَلَلٍ"، و"جُدَدٍ"، فإنّه لا يدّغم المِثْلان هنا، وإن كانا أصلين مثلهما في "شَدَدَ" و"مَدَدَ"، من قبل أنّ الادغام فيها يُحْدِث لبسًا واشتباهَ بناء ببناء، إذ لو ادُّغمت لم يُعلم المقصود منها، ألا ترى أنّك لو ادّغمتَ فقلت: "طَلٌّ"، و"سُرٌّ" و"جُدٌّ", لم يُعلم أنّ "طَلَلاً" فَعَلٌ، وقد ادُّغم, لأنّ في الأسماء ما هو على زنةِ "فَعْلٍ" ساكنَ العين، نحو: "صَدّ"، و"جَدّ"، ولو ادُّغم نحْو: "سُرُر"، فقيل: "سُرٌّ"، لم يعلم هل هو "فُعُلٌ" مثلُ: "طُنُب" وقد ادُّغم، أو هو على "فُعْلٍ" أصلًا نحو: "جُبّ"، و"دُرّ"، وكذلك "جُدَدٌ". ولم يكن مثلُ هذا اللبس في نحو: "شَدَّ"، و"مَدَّ"؛ لأنّه ليس في زنة الأفعال الثلاثيّة ما هو على زنة "فَعْلَ" ساكنَ العين، فيلتبسَ به. وأمّا الضرب الثالث، فهو أن يلتقي المِثْلان من كلمتين، وما قبل الأوّل حرفٌ صحيحٌ ساكنٌ، نحو: "قَرْمُ مالِكٍ"، فإنّك لو ادغمتَ ههنا الميم في الميم، لاجتمع ساكنان لا على شرطه، وهو الراء والميم الأولى، وذلك لا يجوز. فأمّا ما يُحكى من الادغام الكبير لأبي عمرو من ﴿نَحْنُ نَقُصُ﴾ (٢)، فليس بادغام عندنا، وإنّما يقول به الفرَّاء، وإنّما هو عندنا على اختلاس الحركة وضُعْفِه ,لا على إذهابها بالكلّيّة. ولمّا كان الادغام إنّما هو تقريبُ صوت من صوت، فقد يقع في المتقاربين، كما قد يقع في المثلين. وإذا كانت كذلك، فلا بدّ من معرفة مخارج الحروف حتى يعرف المتقاربان من المتباينين. فصل [مخارج الحروف] قال صاحب الكتاب: ومخارجها ستة عشر, فللهمزة والهاء والألف أقصى الحلق,

стр. 2454

وللعين والحاء أوسطُه، وللغين والخاء أدناه، وللقاف أقصى اللسان وما فوقه من الحَنَك، وللكاف من اللسان والحنك ما يلي مَخْرَجَ القاف، وللجيم والشين والياء وَسَطُ اللسان، وما يُحاذيه من وسط الحنك، وللضاد أوّل حافة اللسان وما يليها من الأضراس، وللام ما دون أوّلِ حافةِ اللسان إلى منتهَى طَرَفه وما يُحاذي ذلك من الحنك الأعْلى فُوَيْقَ الضاحِكَ والناب والرَّباعِيَةِ والثَّنِيّةِ، وللنون ما بين طرف اللسان وفُوَيْقِ الثَّنايَا, وللراء ما هو أَدْخَلُ في ظَهْرِ اللسان قليلًا من مخرجِ النون، وللطاء والدال والتاء ما بين طرف اللسان وأصولِ الثَّنايَا, وللصاد والزاى والسين ما بين الثنايا وطرف اللسان، وللظاء والذال والثاء ما بين طوف اللسان وأطراف الثنايا, وللفاء باطنُ الشَّفَة السُّفْلَى وأطرافُ الثنايا العُلَى، وللباء والميم والواو ما بين الشفتَيْن. * * * قال الشارح: لمّا كان الغرض من الادغام تقريب الأصوات بعضها من بعض وتداخُلَها، والحرفُ إنّما هو صوتٌ مقروعٌ في مخرج معلوم، وجب معرفةُ مخارج الحروف ليُعْلَم المتقارب من المتباعد. وجملة مخارج الحروف ستّة عشر مخرجًا، والمخرجُ هو المَقْطَع الذي ينتهي الصوتُ عنده. فمن ذلك الحلق، وفيه ثلاثةُ مخارجَ، فأقصاها من أسفله إلى ما يلي الصدرَ مخرجُ الهمزة، ولذلك ثقُل إخراجُها لتباعُدها، ثمّ الهاء، وبعدها الألفُ، هكذا يقول سيبويه (١). وزعم أبو الحسن أنّ ترتيبها: الهمزةُ، ثمّ الهاء. ومخرجُ الهاء هو مخرجُ الألف، لا قبله، ولا بعده، والذي يدلّ على فساده أنّنا متى حرّكنا الألف، انقلبت إلى أقرب الحروف إليها، وهي الهمزة، ولو كانت الهاء من مخرجه, لكانت أقربَ إليها من الهمزة، فكان ينبغي إذا حرّكتَها أن تصير هاءً. ثمّ العين والحاء من وَسَط الحلق. وروى اللَّيْثُ عن الخليل أنّ الألف والواو والياء والهمزة جُوفٌ, لأنّها تخرج من الجَوْف، ولا تقع في مَدْرَجه من مدارج الحلق، ولا اللَّهاةِ، ولا اللسانِ، إنّما هي هَواء، وكان الخليل يقول: الألف والواو والياء هَوائيّةٌ، أي: أنّها في الهواء. وأقصى الحروف العينُ، ثمّ الحاء، ثمّ الهاء. فلولا بُحّةٌ في الحاء، لكانت كالعين. ولولا هَهَّةٌ في الهاء، لكانت كالحاء لقربها منها. فهذه الثلاثةُ في حيّز واحد، بعضُها أرفعُ من بعض. وللغين والخاء أدنى الحلق، فالخاء أقربُ إلى الفم من الغين. والقاف والكاف في حيّز واحد، فالكاف أرفعُ من القاف، وأدنى إلى مُقدَّم الفم، وهما لَهَويّتان, لأنّ مبدأهما من اللهاة، ثمّ الجيم والشين والياء، ولها حيّز واحد، وهو

стр. 2455

وسط اللسان بينه وبين وسط الحنك، وهي شَجْريّةٌ. والشَّجْرُ: مَفْرِجُ الفم, لأن مبدأها من شجر الفم، يقال: "اشتجر الرجلُ" إذا وضع يدَه تحت شَجْره على حنكه. قال الشاعر [من البسيط]: ١٣٦٤ - نام الخَلىُّ ونِمْتُ الليلَ مُشتجِرًا ... كأنّ عَينِيَ فيها الصاب مَذْبُوحُ والضاد من حيّز الجيم والشين والياء، ولها حيّزٌ واحدٌ؛ لأنّها تقرب من أوّل حافة اللسان وما يليها من الأضراس، إلَّا أنّك إن شئت تكلّفتها من الجانب الأيمن، وإن شئت من الجانب الأيسر. واللام والنون والراء من حيّز واحد، وبعضُها أرفعُ من بعض، فاللامُ من حافة اللسان من آخِرها إلى منتهى طرف اللسان من بينها وبين ما يليها من الحنك الأعلى ممّا فُوَيْقَ الضاحك والنابِ والرَّباعية والثَّنيّة. ومن خلف اللسان بينه وبين ما فويق الثنايا مخرجُ النون، ومن مخرجه، غير أنّه أدخلُ في ظهر اللسان قليلًا لانحرافه إلى اللام مخرجُ الراء، وهي ذَلْقيّةٌ، يقال: "حرفٌ أَذْلَقُ"، وذَلْقُ كل شيء: تحديدُ طرفه وكذلك ذَولَقُه. والطاء والدال والتاء من حيّز واحد، وهو ما بين طرف اللسان وأصول الثنايا، وهي

стр. 2456

نِطْعيّةٌ؛ لأنّ مبدأها من نِطْع الغار الأعلى، وهو وسطه يظهر فيه كالتحزيز، ثمّ الصاد والسين والزاي من حيّز واحد، وهو ما بين الثنايا وطرف اللسان، وهي أَسَليّةٌ؛ لأنّ مبدأها من أسَلَة اللسان، وهو مستدَقُّ طرف اللسان، وهي حروف الصفير. والظاء والذال والثاء من حيّز واحد، وهو ما بين طرف اللسان وأصول الثنايا، وبعضُها أرفعُ من بعض، وهي لِثَويّةٌ؛ لأنّ مبدأها من اللِّثَة، والفاء والباء والميم من حيّز واحد وهي الشفة، ويقال لها لذلك: "شَفَهيّةٌ"، و"شَفَويّةٌ"، فالفاء من باطن الشفة السُفلَى وأطرافِ الثنايا العُلَى. وممّا بين الشفتين مخرجُ الميم والباء؛ إلَّا أنَّ الميم ترجع إلى الخياشيم بما فيها من الغنّة، فلذلك تسمعها كالنون؛ لأنّ النون المتحرّكة مُشْرَبةٌ غنّةً، والغنّةُ من الخياشيم. والواوُ أيضًا فيها غنّةٌ، إلَّا أنّ الواو من الجَوْف؛ لأنّها تهوى من الفم لِما فيها من اللين حتى تتّصل بمخرج الألف، كما أنّ الشين تتفشّى في الفم حتى تتّصل بمخرج اللام. وهذه الاتّصالاتُ تقُرِّب بعضَ الحروف من بعض وإن تراخت مخارجُها, فاعرفه. فصل [حروف العربية] قال صاحب الكتاب: ويرتقي عدد الحروف إلى ثلاثة وأربعين, فحروف العربية الأصول تلك التسعة والعشرون, ويتفرع منها ستة مأخوذ بها في القرآن, وكل كلام فصيح، وهي: النون الساكنة التي هي غنة في الخيشوم, نحو: "عَنْكَ", وتسمى النون الخفيفة والخفية. وألفا الإمالة والتفخيم, نحو: "عالم", و"الصلاة". والشين التي هي كالجيم نحو: "أشدق". والصاد التي كالزاي, نحو: "مصدر". والهمزة بين بين, والبواقي حروف مستهجنة, وهي الكاف التي كالجيم، والجيم التي كالكاف، والجيم التي كالشين, والضاد الضعيفة، والصاد التي كالسين، والطاء التي كالتاء، والظاء التي كالثاء، والباء التي كالفاء. * * * قال الشارح: اعلم أنّ أصل حروفِ المُعْجَم عند الجماعة تسعةٌ وعشرون حرفًا على ما هو المشهور من عددها. أوّلها الهمزة، ويقال لها: "الألف"، وإنّما سمّوها ألفُا؛ لأنّها تُصوَّر بصورة الألف، فلفظُها مختلفٌ، وصورتُها وصورةُ الألف الليّنة واحدةٌ، كالباء والتاء والثاء والجيم والحاء والخاء، لفظُها كلِّها مختلفٌ، وصورتها واحدةٌ. وكان أبو العبّاس المبرّد يعدّها ثمانية وعشرين حرفًا، أوّلُها الباء، وآخرها الياء, ويدع الهمزة من أوّلها: ويقول: الهمزة لا صورةَ لها، وإنّما تُكْتَب تارةً واوًا، وتارة ياءً، وتارةً ألفًا، فلا أَعُدُّها مع التي أشكالُها محفوظةٌ معروفةٌ، فهي جاريةٌ على الألْسُن موجودةٌ في اللفظ، ويستدل عليها بالعلامات في الخطّ, لأنّه لا صورةَ لها.

стр. 2457

والصوابُ ما ذكره سيبويه (١) وأصحابُه من أنّ حروف المعجم تسعة وعشرون حرفًا، أوّلُها الهمزة، وهي الألف التي في أوّل حروف المعجم: وهذه الألفُ هي صورتُها على الحقيقة، وإنّما كُتبت تارةً واوًا وياءً أخرى على مذهب أهل الحجاز في التخفيف، ولو أريد تحقيقُها, لم تكن إلَّا ألفًا على الأصل، ألا ترى أنّها إذا وقعت موقعًا لا تكون فيه إلَّا محقّقةً، لا يمكن فيه تخفيفُها، وذلك إذا وقعت أوّلًا، لا تُكتب إلَّا ألفًا، نحو: "أَعْلَمُ"، "اِذْهَبْ"، "اخرِجُ"، وفي الأسماء "أَحْمَدُ"، "إبْرَاهِيمُ"، "أُتْرُجَّة". وذلك لمّا وقعت أوّلًا، لم يمكن تخفيفها لقربها من الساكن، فكما لا يُبتدأ بساكن، كذلك لا يُبتدأ بما قرب منه. وأمر آخرُ يدلّ أنّ صورة الهمزة صورةُ الألف أنّ كلّ حرف سمّيتَه، ففي أوّل حروف تسميته لفظُه بعينه، ألا ترى أنّك إذا قلت: "ياءٌ" ففي أوّل حروفه ياءٌ, وإذا قلت: "تاءٌ" ففي أوّل حروفه تاءٌ, وكذلك جيمٌ ودال وسائر حُروف المعجم، فكذلك إذا قلت: "أَلِفٌ" فأوّلُ الحروف التي نطقتَ بها همزةٌ، فدلّ ذلك أنّ صورتها صورةُ الألف. فأمّا الألف الليّنة التي في نحو: "قَالَ"، و"بَاعَ"، فإنّها مدّةٌ لا تكون إلَّا ساكنةً، فلم يمكن تسميتُها على منهاج إخواتها؛ لأنّه لا يمكن النطقُ بها في أوّل الاسم، كما أمكن النطقُ بالجيم والدال وغيرِهما، فنطقوا بها البتّة، ولم يمكن النطقُ بها منفردةً، فدعموها باللام؛ ليصحّ النطقُ بها، كما صحّ بسائر الحروف غيرِها. وقد يلحق هذه الحروفَ التسعة والعشرين ستّةٌ أخرى تتفرّع منها، فتصير خمسة وثلاثين حرفًا، فهذه الستّةُ فصيحةٌ يؤخَذ بها في القرآن وفصيح الكلام، وهي النون الخفيفة، ويقال: "الخفيّة"، والهمزة المخفّفة، وهي همزةُ بين بين، وألفُ التفخيم، وألفُ الإمالة، والشين التي كالجيم، والصاد التي كالزاي. وإنّما كانت هذه الحروف فروعًا؛ لأنّهن الحروفُ التي ذكرناها لا غيرُهنّ، ولكن أُزلْن عن معتمَدهنّ , فتغيّرت جروسُهنّ، والمرادُ بها ما ذكرنا. فالنونُ الخفيفة المراد بها الساكنة في نحو: "مِنْكَ" و"عَنْكَ"، فهذه النونُ مخرجُها من الخيشوم، وإنّما يكون مخرجها من الخيشوم مع خمسةَ عشرَ حرفًا من حروف الفم، وهي القاف، والكاف، والجيم، والشين، والصاد، والضاد، والسين، والزاي، والطاء، والظاء، والدال، والتاء، والذال، والثاء، والفاء، فهي متى سكنت، وكان بعدها حرفٌ من هذه الحروف، فمخرجُها من الخيشوم، لا عِلاجَ على الفم في إخراجها. ولو نطق بها الناطقُ مع أحد هذه الحروف، وأمسك أنفَه، لَبان اختلالُها. وإن كانت ساكنة، وبعدها حرفٌ من حروف الحلق الستة، فمخرجُها من الفم من موضع الراء واللام،

стр. 2458

وكانت بيّنة غيرَ خفيّة، وذلك من قبل أنّ النون الخفيّة إنّما تخرج من حرف الأنف الذي يحدث إلى داخل الفم لا من المنخر، فلذلك خفيت مع حروف الفم, لأنهنّ يُخالِطنها، وتبيّنت عند حروف الحلق لبُعْدهنّ عن الحرف الذي يخرج منه الغنّةُ. فإذا لم يكن بعدها حرفٌ البتّة، كانت من الفم، وبطلت الغنّةُ، كقولك: "مِنْ"، و"عَنْ" ونحوهما ممّا يوقَف عليه. فأمّا همزةُ بين بين فهي الهمزة التي تُجعل بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركتُها، فإذا كانت مكسورة، كانت بين الهمزة وبين الياء، وإذا كانت مضمومة فهي بين الهمزة والواو، وإذا كانت مفتوحة فهي بين الهمزة والألف. وقد تقدّم بعضُ ذلك في همزةِ بين بين. وأمّا ألف التفخيم فأن يُنْحَى بها نحو الواو، فكتبوا: "الصَّلاة" و"الزّكاة" و"الحياة" بالواو على هذه اللغة. وأمّا ألف الإمالة، فتُسمّى ألفَ الترخيم؛ لأنّ الترخيم تليينُ الصوت، ونقصانُ الجهْر فيه، وهي بالضدّ من ألف التفخيم؛ لأنّك تنحو بها نحو الياء، وألفُ التفخيم تنحو بها نحو الواو. وأمّا الشين التي كالجيم، فقولك في "أَشْدَقُ": "أَجْدَقُ", لأن الدال حرفٌ مجهورٌ شديدٌ، والجيم مجهورٌ شديدٌ، والشين مهموسٌ رِخْوٌ، فهي ضدُّ الدال بالهمس والرخاوة، فقرّبوها من لفظ الجيم؛ لأنّ الجيم قريبةٌ من مخرجها موافقةُ الدال في الشدّة والجهر. وكذلك الصاد التي كالزاي، نحو قولهم في "مصدر": "مصدر"، وفي "يصدق": "يصدق" وقد قُرىء: ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (١) بإشمام الصادَ الزايَ، وهي قراءة حمزة. وعن أبي عمرو فيها أربع قراءات، منها "الصراط" بين الصاد والزاي، رواها عُرْيان بن أبي شَيْبانَ، قال: سمعتُ أبا عمرو يقرأ: "الصراط" بين الصاد والزاي، كأنّه أشرب الصادَ صوتَ الزاي حتى تُوافِق الطاء في الجهر, لأن الصاد مهموسة، والطاء والدال مجهورتان، فبينهنّ تنافٍ وتنافرٌ، فأشربوا الصاد صوت الزاي, لأنّها أختُها في الصفير والمخرج، وموافقةٌ للطاء والدال في الجهر، فيتقارب الصوتان، ولا يختلفان. ويتفرّع منها أيضًا ثمانية أحرف غير مستحسنة وهي: الكاف التي كالجيم، والجيم التي كالكاف، والجيم التي كالشين، والضاد الضعيفة، والصاد التي كالسين، والطاء التي كالتاء، والظاء التي كالثاء، والباء التي كالفاء، فهذه حروفٌ مسترذَلةٌ غيرُ مأخوذ بها في القرآن العزيز، ولا في كلام فصيح.

стр. 2459

فأمّا الكاف التي بين الجيم والكاف، فقال ابن دُرَيْد: هي لغةٌ في اليمن، يقولون في "جَمَلٍ": "كَمَل"، وفي "رَجُلٍ": "رَكُل". وهي في عَوامِّ أهل بغداد فاشيةٌ شبيهةٌ باللُّثْغة. والجيم التي كالكاف كذلك، وهما جميعًا شيءٌ واحدٌ، إلَّا أنّ أصل إحداهما الجيم، وأصل الأخرى الكاف، ثمّ يقلبونهما إلى هذا الحرف الذي بينهما. وأمّا الجيم التي كالشين، فهي تكثر في الجيم الساكنة إذا كان بعدها دالٌ أو تاء, نحو قولهم في "اجتمعوا"، و"الأجدر": "اشتمعوا"، و"الأشدر"، فتقرب الجيم من الشين, لأنّهما من مخرج واحد، إلَّا أنّ الشين أبينُ وأفشى، فإن قيل: فما الفرق بين الشين التي كالجيم حتى جُعلت في الحروف المستحسنة، وبين الجيم التي كالشين حتى جُعلت في الحروف المستهجنة؟ قيل: إِنّ الأوّل كُره فيه الجمعُ بين الشين والدال لِما بينهما من التباين الذي ذكرناه؛ وأمّا إذا كانت الجيم مقدّمة كـ"الأجدر"، و"اجتمعوا"، فليس بين الجيم والدال من التنافي والتباعد ما بين الشين والدال؛ فلذلك حسُن الأوّل وضعُف الثاني. وأمّا الطاء التي كالتاء، فإِنَّها تُسْمَع من عَجَم أهل العراق كثيرًا، نحو قولهم في "طالب": "تالب"؛ لأنّ الطاء ليست من لغتهم، فإذا احتاجوا إلى النطق بشيء من العربيّة فيه طاءٌ، تكلّفوا ما ليس في لغتهم، فضعفُ لفظُهم بها. والضاد الضعيفة من لغةِ قوم اعتاصت عليهم، فرُبما أخرجوها طاء، وذلك أنّهم يُخْرِجونها من طرف اللسان وأطرافِ الثنايا، وربّما راموا إخراجَها من مخرجها، فلم يَتَأَتَّ لهم، فخرجت بين الضاد والظاء. ومثال الصاد كالسين قولهم في "صِبْغ": "سبغ"، وليس في حسنِ إبدالِ الصاد من السين, لأنّ الصاد أمضى في السمع من السين، وأصفرُ في الفم. ومثالُ الظاء كالثاء قولهم في "ظلم": "ثلم". ومثال الباء كالفاء قولهم في "بورٍ" "فورٌ"، وهي كثيرة في لغة الفُرْس. وكأنّ الذين تكلّموا بهذه الحروف المسترذَلة قومٌ من العرب خالطوا العجمَ، فتكلّموا بلغاتهم، فاعرفه. فصل [أقسام الحروف وصفاتها] قال صاحب الكتاب: وتنقسم إلى المجهورة والمهموسة، والشديدة والرخوة، وما بين الشديدة والرخوة، والمطبقة، والمنفتحة، والمستعلية والمنخفضة، وحروف القلقة، وحروف الصفير، وحروف الذَّلاقة، والمصمتة، واللينة، وإلى المنحرف، والمكرَّر، والهاوي، والمهتوت.

стр. 2460

فالمهجورةُ ما عدا المجموعةَ في قولك: "سَتَشْحَثُكَ خصَفَةٌ"، وهي المهموسةُ. والجَهْرُ إشباعُ الاعتماد في مخرج الحرف، ومنعُ النَّفَس أن يجرى معه , والهَمْسُ بخلافه، والذي يتعرّف به تبايُنُهما أنّك إذا كرّرت القافَ، فقلتَ:"قَقَقْ"، وجدتَ النَّفَسَ محصورًا، لا تُحسّ معها بشيء منه، وتُردّد الكافَ، فتجد النَّفَسَ مِقاوِدًا لها ومُساوِقًا لصوتها. والشديدةُ ما في قولك: "أَجَدْتَ طَبَقَكَ"، أو "أَجِدُكَ قَطَبْتَ". والرِّخْوَةُ ما عداها، وعدا ما في قولك: "لِمَ يَرُوعُنَا"، أو "لَمْ يَرْعَوْنَا". وهي التي بين الشديدة والرخوة. والشِّدّةُ أن ينحصر صوتُ الحرف في مخرجه، فلا يجري. والرَّخاوةُ بخلافها، ويتعرّف تبايُنُهما بأن تَقِف على الجيم والشين، فتقول: "الحَجْ"، و"الطَّشْ"، فإنّك تجد صوت الجيم راكدًا محصورًا لا تقدر على مَدّه، وصوتَ الشين جاريًا تمُدّه إن شئتَ، والكونُ بين الشدّة والرخاوة أن لا يَتِمّ لصوته الانحصارُ ولا الجَرْيُ، كوَقْفك على العين، وإحساسِك في صوتها بِشْبهِ الانسلال من مخرجها إلى مخرج الحاء. والمُطبَقةُ: الضادُ والطاء والصاد والظاء، والمنفتحةُ ما عداها. والإطباقُ أن تُطْبِق على مخرج الحرف من اللسان ما حاذاه من الحنك، والانفتاحُ بخلافه. والمستعليةُ الأربعةُ المُطبَقةُ، والخاء والغينُ والقاف. والمنخفضةُ ما عداها. والاستعلاءُ ارتفاعُ اللسان إلى الحنك أطبقتَ أو لم تُطْبِقْ، والانخفاضُ بخلافه. وحروفُ القَلْقَلة ما في قولك: "قَدْ طَبَجَ". والقلقلةُ ما تُحِسُّ به إذا وقفتَ عليها من شدة الصوت المتصعّد من الصدر مع الحَفْز والضَّغْط. وحروفُ الصغير: الصادُ والزاي والسين, لأنّها يُصْفَر بها. وحروف الذَّلاقة ما في قولك: "مُرْ ينَفَل". والمُصمَتةُ ما عداها. والذَّلاقةُ الاعتمادُ بها على ذَلْقِ اللسان، وهو طرفُه، والإصماتُ أنّه لا يكاد يُبْنَى منها كلمةٌ رباعيةٌ أو خماسيةٌ مُعَراةٌ من حروف الذلاقة، فكأنّه قد صُمِتَ عنها. واللينةُ حروفُ اللِّين، والمنحرفُ اللامُ. قال سيبويه (١): هو حرف شديد جَرَى فيه الصوتُ، لانحراف اللسان مع الصوت. والمكرَّرُ الراء , لأنّك إذا وقفت عليه، تَعثّر طرفُ اللسان بما فيه من التكرير. والهاوِي الألفُ, لأنّ مخرجه اتّسع لهَواء الصوت أشدَّ من اتّساعِ مخوج الياء والواو. والمهتوتُ التاء لضَعْفها وخَفائها. وصاحبُ العين (٢) يسمّي القاف والكاف لَهَويّتين،

стр. 2461

لأن مَبْدَأهما من اللَّهاة. والجيمَ والشين والضاد شَجْريّةً, لأنّ مبدأها من شَجْر الفَم، وهو مَفْرِجُه، والصادَ والسين والزاي أَسَليةً, لأنّ مبدأها من أسَلة اللسان، والطاء والدال والتاء نِطْعيةً, لأنّ مبدأها من نِطَع الغار الأَعْلَى، والظاء والذال والثاء لِثَويةً, لأنّ مبدأها من اللِثة، والراء واللام والنونَ ذَوْلَقيّةً؛ لأنّ مبدأها من ذَوْلق اللسان، والواوَ والفاء والباء والميم شَفَويّةً، أو شَفَهيّةً، وحروفّ المَدّ واللّين جُوفًا. * * * قال الشارح: اعلم أنّنا قد ذكرنا عدّةَ الحروف أصولِها وفروعِها, ولها انقساماتٌ بعد ذلك، نحن نذكرها, فمن ذلك انقسامُها إلى الجهر والهمس. فالمهموسة عشرة أحرف، وهي الهاء، والحاء، والخاء، والكاف، والسين، والصاد، والتاء، والشين، والثاء، والفاء، وتجمعها في اللفظ "ستشحثك خصفه". وباقي الحروف الآخر تسمّى مجهورة؛ لأنّ الهمس الصوتُ الخفىُّ، فضعف الاعتمادُ فيها، وجرى النَّفَسُ مع ترديد الحرف لضُعْفه. وضبطنا المهموسةَ بما ذكرنا من قولنا: "ستشحثك خصفه" ليسهلَ ضبطُها لقلّةِ من يصل إليها؛ لأنّها في آخر كُتُب النحو. وللحروف أقسامٌ أُخَرُ إلى الشدّة والرخاوة وما بينهما، فالشديدة ثمانية أحرف، وهي الهمزة، والقاف، والكاف، والجيم، والطاء، والدال، والتاء، والباء، وتجمعها في اللفظ "أجدت طبقك" أو"أجدك قطبت". والحروف التي بين الشديدة والرِّخْوة ثمانيةٌ أيضًا، وهي الألف، والعين، والياء، واللام، والنون، والراء، والميم، والواو، وتجمعها في اللفظ "لم يَرُوعُنَا"، وإن شئت قلت: "لَمْ يَرْعَوْنَا". وما سوى هذه الحروف والتي قبلها هي الرخوة. ومعنى الشديدة أنّه الحرفُ الذي يمنع الصوت أن يجري فيه، وذلك أنّك لو قلت: "الحَجْ" ومددتَ صوتك لم يجز، وكذلك لو قلت: "الحَقْ"، و"الشَّطْ"، ثمّ رُمْتَ مدَّ صوتك في القاف والطاء، لكان ممتنعًا. والرِّخْوُ هو الذي يجري فيه الصوتُ، ألا ترى أنّك تقول: "هو المَسْ والرَّش والسَّحْ" ونحو ذلك، فتجد الصوت جاريًا مع السين والشين والحاء. والفرق بين المجهورة والشديدة أنّ المجهورة يقوى الاعتمادُ فيها، والشديدةُ يشتدّ الاعتمادُ فيها بلزومها موضعَها لا بشدّة الوَقْع، وهو ما ذكرناه من الضَّغْط، ألا ترى انّ الذال والظاء مجهورتان غير مضغوطتين، فتقول: "إذًا ظ" فيجري معها صوتٌ ما. والفرق بين المهموسة والرخوة أنّ المهموسة هي التي تتردّد في اللسان بنَفْسها أو بحرفِ اللين الذي معها, ولا يمتنع النَّفَسُ والصوتُ الذي يخرج معها نَفَسٌ، وليس من الصدر؛ وأمّا الرخوة فهي التي يجري النَّفَسُ فيها من غير ترديد، وهو صوتٌ من الصدر؛

стр. 2462

وأمّا التي بين الرخوة والشديدة فهي شديدة في الأصل، وإنّما يجري النَّفَسُ معها لاستعانتها بصوتِ ما جاوَرَ من الرخوة، كالعين التي يستعين المتكلّمُ عند لفظه بها بصوت الحاء، وكاللام التي يجري فيها الصوتُ لانحرافها واتصالِها بما قدّمنا ذكرَه من الحروف، كالنون التي تستعين بصوت الخياشيم لما فيها من الغنّة، وكحروف المدّ واللين التي يجري فيها الصوتُ للينها. ومن أقسامها المُطْبَقة والمنفتحة؛ فأمّا المطبقةُ فأربعةُ أحرف: الصاد، والضاد، والطاء، والظاء، وما سوى ذلك فمفتوحٌ غير مطبق. والإطباقُ أن ترفع ظهرَ لسانك إلى الحنك الأعلى مُطْبِقًا له، ولولا الإطباقُ لصارت الطاء دالًا، والصادُ سينًا، والظاء ذالًا، ولخرجت الضادُ من الكلام, لأنّه ليس من موضعها شيءٌ غيرُها، فتزول الضادُ إذا عدِمتِ الإطباقَ البتّة. وأمّا المستعلية والمنخفضة، فمعنى الاستعلاء أن تتصعّد في الحنك الأعلى، فأربعةٌ منها مع استعلائها إطباق، وقد ذكرناها، وثلاثةٌ لا إطباقَ مع استعلائها، وهي الخاء والغين والقاف، وما عداها فمنخفضٌ. وأمّا حروف القلقلة فهي خمسة: القاف، والجيم، والطاء، والدال، والباء، ويجمعها "قد طبج". وهي حروفٌ تخفى في الوقف، وتُضْغَط في مواضعها، فيُسْمَع عند الوقف على الحرف منها نَبْرَةٌ تتبعُه. وإذا شدّدتَ ذلك وجدتَه، فمنها القاف، تقول: "الحَقْ"، ومنها الكاف إلا أنّها دون القاف, لأنّ حصر القاف أشدُّ، وإنّما تظهر هذه النبرةُ في الوقف، فإن وصلتَ لم يكن ذلك الصوتُ، لأنّك أخرجت اللسان عنها إلى صوت آخر، فحُلْتَ بينه وبين الاستقرار. وهذه القلقلةُ بعضُها أشدُّ حصرًا من بعض كما ذكرنا في القاف. وسُمّيت حروفَ القلقلة، لأنّك لا تستطيع الوقوفَ عليها إلا بصوت، وذلك لشدّة الحصر والضَّغْطِ نحو: "الحقْ"، "اذهبْ"، "اخلطْ"، "اخرجْ". وبعضُ العرب أشدُّ تصويتًا من بعض. ومن ذلك حروف الصفير" وهي: الصاد، والزاي، والسين, لأنّ صوتها كالصفير، لأنّها تخرج من بين الثنايا، وطرف اللسان، فينحصر الصوتُ هناك ويُصْفَر به. ومن ذلك حروف الذلاقة، وهي ما في "مر بنفل". وقيل لها ذلك؛ لأنّها تخرج من ذَوْلَق اللسان، وهو صدرُه وطرفُه، ولا تكاد تجد اسمًا رباعيًّا أو خماسيًّا حروفُه كلُّها أصول عارِيًا من شيء من هذه الحروف الستّة. وأمّا المُصْمَتة فما عدا حروفَ الذلاقة، وقيل لها مصمتة كأنّه صُمِتَ عنها أن يبنى منها كلمةٌ رباعيّةٌ أو خماسيّةٌ معرّاةٌ من حروف الذلاقة، كأنّها أُصمتتْ عن ذلك، أي: أُسكتتْ. وقيل: إنّما قيل لها مصمتة لاعتياصها على اللسان.

стр. 2463

ومنها الحروف الليّنة، وهي الألف والياء والواو، وهي حروف المدّ واللين، وقيل لها ذلك لاتساع مخرجها. والمَقْطَعُ إذا اتّسع انتشر الصوتُ ولانَ، وإذا ضاق انضغط فيه الصوت وصُلب، إلّا أنّ الألف أشدُّ امتدادًا واستطالةً، إذ كان أوسعَ مخرجًا، وهي الحرف الهاوى، وقد ذُكرت قبلُ. ومنها المنحرف، وهو اللام؛ لأنّ اللسان ينحرف فيه مع الصوت، وتتجافى ناحِيَتَا مستدَق اللسان عن اعتراضهما على الصوت، فيخرج الصوتُ من تَيْنك الناحيتَيْن وممّا فُوَيْقَهما. قال سيبويه (١): وهو حرف شديد جرى فيه الصوتُ لانحراف اللسان مع الصوت. ومن ذلك المكرَّر، وهو الراء، وذلك إذا وقفتَ عليه، رأيتَ اللسان يتعثّر بما فيه من التكرير، ولذلك احتُسب في الإمالة بحرفَيْن. والهاوي الألف، ويقال له: "الجَرْسيّ"؛ لأنّه صوتٌ لا معتمَدَ له في الحلق. والجرسُ الصوت، وهو حرفٌ اتّسع مخرجُه لهواء الصوت أشدَّ من اتّساع مخرج الواو والياء، لأنّك تضُمّ شفتيك في الواو، وترفع لسانَك إلى الحنك في الياء؛ وأمّا الألفُ، فتجد الفم والحلق منفتحين غيرَ معترِضين على الصوت بضغطٍ ولا حصرٍ. وهذه الثلاثة أخفى الحروف لاتّساع مخرجها وأخفاهنّ، وأَوْسعُهنّ مخرجًا الألفُ. ومنها المهتوت، وهو التاء، وذلك لما فيه من الضعف والخفاء من قولهم: "رجلٌ مِهَتٌّ وهَتّاتٌ"، أي: خفيف كثيرُ الكلام. وكان الخليل يسمّي القاف والكاف لهويّتين، لأن مَبدأهما من اللَّهاة، واللهاةُ: أقصى سَقْف الفم المُطْبِق على الفم، والجمع اللَّهَا. والجيمَ والشينَ والضادَ شجريّة, لأنّ مبدأها من شَجْر الفم، والشجرُ ما بين اللَّحْيَيْن. والصادَ والسينَ والزايَ أسلية؛ لأنّ مبدأها من أَسَلة اللسان. والظاء والذالَ والثاء لثويّة, لأن مبدأها من اللِّثة. والراء والنونَ واللامَ ذولقيّة, لأنّ مبدأها من ذَوْلَق اللسان. والطاء والدالَ والتاء نطعيّة, لأن مبدأها من نطع الفم. وقد ذكرنا ذلك أوّلُ، وإنّما أعدناه ههنا ليُعرَف ما يحسن فيه الادغامُ، وما لا يحسن، وما يجوز فيه، وما لا يجوز على ما سيأتي، فاعرفه. فصل [كيفية الادغام] قال صاحب الكتاب: وإذا ريم ادّغام الحرف في مقاربة فلا بدّ من تقدمه قلبه إلى لفظه ليصير مثلاً له، لأن محاولة ادّغامه فيه كما هو محالٌ, فإذا رمت ادّغام الدال فى

стр. 2464

السين من قوله تعالى: ﴿يكاد سنا برقه﴾ (١) فاقلب الدال أولاً سينًا, ثم ادّغمها في السين, فقل: "يكا سَّنَا برقه". وكذلك التاء في الطاء من قوله تعالي: ﴿وقالت طائفة﴾ (٢). * * * قال الشارح: الحروف المتقاربة في الادغام كالأمثال؛ لأن العلة الموجِبة للادغام في المثلين موجودة في المتقاربين، إذ قربت منها، وذلك لأنّ إعادة اللسان إلى موضع قريب ممّا رفعتَه عنه، كإعادته إلى نفس الموضع الذي رُفع عنه ولذلك شُبّه بمَشْي المقيَّد؛ لأنّه يرفع رِجْله ويضعها في موضعها الذي كانت فيه، أو قريبًا منه، فيثقُل ذلك عليه. كذلك اللسانُ إذا رفعتَه عن مكان، وأعدتَه إليه، أو إلى قريب منه، ثقُل ذلك، فلذلك وجب الادغامُ، إلا أنّك إذا ادغمتَ المثلين المتحرّكين، عملتَ شيئين: أسكنتَ الأوّل وادغمتَه في الثاني مثلَ "جَعَلَ لَكَ"، و"جَعَلَ لَهُمْ". فإن كان الأوّل ساكنًا قبل الادغام عملتَ شيئًا واحدًا, وهو الادغام مثلُ: "قُلْ لَهُ"، و"اجْعَلْ لَهُ". وإذا ادغمتَ المتقاربين المتحرّكين، عملتَ ثلاثة أشياء. أسكنتَ الأوّل منهما، وقلبتَ الحرف الأول إلى لفظ الثاني، وادغمتَ، نحو "بَيْتُ طائِفَةٍ". وإن كان أحدُ المتقاربين ساكنًا في أصله مثلَ لام المعرفة؛ فليس إلّا عَمَلان: قلبُ الأوّل، وادغامُه، مثلُ: "الرّجل"، و"الذّاهب"؛ لأنّ لام المعرفة في اللفظ من لفظ الحرف الذي بعدها، وهي لامٌ في الخطّ. فإذا التقى حرفان متقاربان ادُّغم الأوّل منهما في الثاني، ولا يمكن ادغامُه حتى يُقْلَب إلى لفظ الثاني. فلو أخذتَ في ادّغام المُقارِب في مقاربه من غير قلب، استحال؛ لأنّ الادغام أن تجعلَ الحرفين كحرف واحد، ترفع اللسان بهما رفعةً واحدةً، وذلك لا يتأتّى مع اختلاف الحرفين, لأنّ الحرفين، وإن تَقارب مخرجاهما، فهما مختلفان في الحقيقة، فيستحيل أن يقع عليهما رفعةٌ واحدةٌ، فلذلك وجب قلبُه إلى لفظ الثاني. وهذا معنى قوله: "إذا ريم ادِّغام الحرف في مقاربة"، أي: إذا قُصد، وطُلب. فعلى هذا لا يصح الادغامُ على الحقيقة إلّا في المثلين. من ذلك قوله عر وجل: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ (٣)، فإذا أردتَ ادّغام الدال في السين لتقارُب مخرجيهما، أبدلتَ من الدال سينًا، ثم ادغمتَ السين في السين، وقلت: "يكا سّنا برقه". وكذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ﴾ (٤)، تبدل من التاء طاء، ثم تدّغمها حينئذ. وهذا الإبدالُ إنّما يكون في المنفصلين بسكون الحرف الأول, لأنّه لامٌ، ولا يُخِل ببناء الكلمة.

стр. 2465

وهذا القلب والادغام على ثلاثة أضرب: ضربٌ يُقْلَب الأوّل إلي لفظ الثاني، ثمّ يُدّغم فيه، وهذا حقُّ الادغام، وضرب يقلب فيه الثاني إلى لفظ الأوّل، فيتماثل الحرفان، فيُدّغم الأوّل في الثاني، وضربٌ يُبْدَل الحرفان معًا فيه ممّا يقاربهما، ثمّ يدّغم أحدهما إلى الآخر، وسيوضَح ذلك مفضَّلًا إن شاء الله تعالى. فصل [أوجه التقاء الحرفين المتقاربين] قال صاحب الكتاب: ولا يخلو المتقاربين من أن يلتقيا في كلمة, أو كلمتين, فإن التقيا في كلمة, نُظر: فإن كان ادّغامهما يؤدي إلى لبس, لم يجز, نحو:"وتد" و"عتد" و"وتد يتد" و"كنية"، و"شاةٍ زنماء"، و"غنم زنم". ولذلك قالوا في مصدر "وطد" و"وتَدَ": "طِدَةً" و"تِدَةً". وكرهوا "وطداً", و"وتداً"؛ لأنهم من بيانه وادغامه بين ثقل ولبس، وفي "وتد يتد" مانعٌ آخر, وهو أداء الادغام إلى إعلالين, وهما حذف الفاء في المضارع والادغام، ومن ثم لم يبنوا نحو: "وددت" بالفتح؛ لأن مضارعه "كان يكون" فيه إعلالان، وهو قولك: "يَدُّ". وإن لم يلبس جاز نحو: "امَّحى", و"همرش" وأصلهما: "انمحى" و"هنمَرشٌ"، لأن "افَّعَلَ" و"فَعَّلِلاً" ليس في أبنيتهم, فأمن الإلباس. وإن التقيا في كلمتين بعد متحرك أو مدة, فالادغام جائزٌ؛ لأنه لا لبس فيه، ولا تغيير صيغة. * * * قال الشارح: اعلم أنَّ الحروف المتقاربة تجري مجرى الحروف المتماثلة في الادغام؛ لأنّ المتقاربين كالمتماثلين؛ لأنّهما من حيّز واحد، فالعلّةُ الموجِبةُ للادغام في المثلين قريبٌ منها في المتقاربين, لأنّ إعادة اللسان إلى موضع قريب ممّا رفعتَه عنه كإعادته إلى نفس الموضع الذي رفعتَه عنه، ولذلك، شبّه بمَشْي المقيَّد. فإذا التقى حرفان متقاربان، ادُّغم الأوّل منهما في الثاني، ولا يمكن ادغامُه حتى يُقلب إلى لفظ الثاني. فعلى هذا لا يصحّ الادغام إلّا في مثلين، إذ لو تركتَه على أصله من لفظه، لم يجز ادغامُه لما فيهما من الخلاف, لأنّ رفع اللسان بهما رفعةً واحدةً مع اختلاف الحرفين محالٌ؛ لأنّ لكلّ حرف منهما مخرجًا غيرَ الآخر. ولا يمتنع ذلك في المتماثلين؛ لأنّ المخرج واحد يمكن أن يجمعهما في العمل، فيقع اللسانُ عليهما وقعًا واحدًا من حيث لا يفصل بينهما زمانٌ. فالادغامُ في المتقاربة على التشبيه بالأمثال، فكلما كانت أشدَّ تقارُبًا، كان الادغامُ فيهما أقوى. وكلّما كان التقارب أقلَّ، كان الادغام أبعدَ. والحروفُ المتقاربةُ كالمتماثلة في أنّها تكون منفصلة أو متّصلة، فالمنفصلةُ ما كان

стр. 2466

من كلمتين، والمّتصلةُ ما كان في كلمة واحدة. فما كان من ذلك متّصلًا في كلمة واحدة، نُظر: فإن كان الأوّل متحرّكًا لم يُدّغم؛ لضُعف الادغام في المتقاربين؛ لأنّ الادغام لمّا كان في المتماثلين هو الأصلَ، أُسكن الأوّل منهما، وادُّغم في الثاني، كقولك: "شَدَّ"، و"مَدَّ"، و"يَشُدّ"، و"يَمُدّ". ولا يُفعل مثل ذلك في المتقاربين، إذا كان الأوّل متحرّكًا, لأنّه يصير كإعلالَيْن: الإسكانِ والقلبِ، فإن أسكنتَ الحرف الأوّل من المتقاربين تخفيفًا على حد الإسكان في "كتْفٍ"، و"فَخْذٍ" لأجل الادغام جاز حينئذ الادغامُ، فتقول في "وَتِدٍ"، و"عَتَدٍ": "وتْد" و"عَتْد"، بالإسكان للتخفيف، ثم تقول: "وَدٌّ"، "وعَدٌ" بالادغام. والأكثرُ في هذا أن لا يُدّغم للإلباس بالمضاعف، فلذلك لم يقولوا في الفعل من نحو: "وَتَدَ يَتِدُ": "ودّ يَدُّ"؛ لئلّا يتوهّم أنّه فعلٌ من تركيب "ودد"، مع أنّهم لو قالوا: "يَدُّ" في "يَتِدُ"، لتَوالى إعلالان: حذفُ الواو التي هي فاء، وَقلبُ التاء إلى الدال. وكذلك كرهوا الادغام في "كُنْيَةٍ"، و"شاةٍ زَنْماءَ"، وهي التي يتدلّى في حَلْقها شِبْهُ اللَّحْية، ولا يكون ذلك إلّا في المَعْز. وقالوا: "غَنَمٌ زُنْمٌ"، فلم يدّغموا، فيقولوا: "كُيَّةٌ"، و"زَمّاءٌ"، "وزُمُّ". ومثله: "قَنْواء"، و"قُنْيَةٌ"، أظهروا في ذلك كلّه، ولم يدّغموا كراهيةَ الإلباس، فيصير كأنّه من المضاعف؛ لأن هذه الأمثلة قد تكون في كلامهم مضاعفًا. ألا ترى أنّهم قد قالوا: "امَّحَى الشيء" فادّغموا حين أمنوا الإلباسَ, لأنّ هذا المثال لا يضاعَف فيه الميمُ؟ قال سيبويه (١): وسمعتُ الخليل يقول في "انفعل" من "وَجِلَ": "اوَّجَلَ"، كما قالوا: "امّحى"؛ لأنّها نونٌ زيدت في مثالٍ لا يضاعف فيه الواو. وقالوا:"هَمَّرِشٌ" في "هَنْمَرِشٌ"، فادّغموا حيث لم يخافوا الإلباسَ, لأنّه لم يأت من بنات الأربعة مضاعفُ العين. والهمّرشُ العجوز المُسِنّة، وهو خماسيّ مثلُ "جَحْمَرِشٍ". وقوله: ومن ثمّ لم يبنوا من نحو: "وددت" "فَعَلْت" بالفتح، يريد أنّهم قالوا: "وَدِدْت أوَدُّ" من "المَوَدَّة"، فبنوا الفعل في الماضي على "فَعِلْت" بالكسر؛ ليكون المضارع على "يَفْعَل" مثلِ "يَوْجَل". ولا يلزم فيه حذفُ الفاء التي هي الواو، ولو بُني على "فَعَلْت" بالفتح، لزم المضارعَ "يَفْعِل" بالكسر، وكنتَ تحذف الواو على حدّ حذفها في "يَعِدُ"، ثمّ تدّغم الدال في الدال بعد إسكانها، فيتوالى إعلالان، فاعرفه.

стр. 2467

فصل [موانع الادّغام في الحرفين المتقاربين, ومواضع الادّغام في الحرفين المتباعدين] قال صاحب الكتاب: وليس بمطلق أن كل متقاربين في المخرج يُدّغم أحدهما في الآخر، ولا أن كل متباعدين يمتنع ذلك فيهما, فقد يعرض للمقارب من الموانع ما يحرمه الادّغام، ويتفق للمباعد من الخواص ما يسوّغ ادّغامه, ومن ثم لم يدّغموا حروف "ضوي مشفَرٌ" فيما يقاربها, وما كان من حروف الحلق أدخل في الفم في الأدخل في الحلق. وادّغموا النون في الميم، وحروف طرف اللسان في الضاد والشين. وأنا أفصل لك شأن الحروف واحداً فواحداً، وما لبعضها مع بعض في الادّغام؛ لأقفك على حدِّ ذلك عن تحقق واستبصار بتوفيق الله تعالى وعونه. * * * قال الشارح: اعلم أنّ اجتماع المتقاربين سببٌ مقتض للادغام، كما كان كذلك في المثلين، إلّا أنّه قد يعرض مانعٌ يمنع من الادغام. فامتناع الادغام ما كان لعدم المقتضى، بل لوجود المانع. فمن ذلك الضاد، والميم، والراء، والفاء، والشين، ويجمعها "ضَمُّ شُفْر". وكذلك كلّ حرف فيه زيادةُ صوت لا يُدّغم فيما هو أنقصُ صوتًا منه، فهذه الحروفُ لا تُدّغم في مقاربها، ويُدّغم مقاربُها فيها، فلا تُدّغم الميم في الباء، نحو: "أَكرِمْ بَكْرًا"، وتُدّغم فيها الباء، نحو: "اصحَبْ مَّطَرًا". ولا تُدّغم الشين في الجيم. وتُدّغم الجيم في الشين. ولا تدّغم الفاء في الباء، نحو: "اعْرِفْ بَكرًا". وتدّغم الباء في الفاء، نحو: "اذهَبْ في ذلك". ولا تدّغم الراء في اللام، نحو: "اخْتَرْ له". وتدّغم اللام في الراء، نحو: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ﴾ (١). وذلك لأنّ هذه الحروف فيها زيادةٌ على مُقارِبها في الصوت، فادّغامُها يؤّدي إلى الإجحاف بها وإبطال ما لها من الفضل على مُقارِبها. فالميم فيها غنّةٌ ليست في الباء، فإذا ادّغمتَها في الباء، فأنت تقلبها إلى الباء، وتستهلك ما فيها من زيادة الصوت والغنّة. وفي الشين تَفَشٍّ واسترخاء في الفم ليس في الجيم، وفي الفاء تأفيفٌ. والتأفيفُ هو الصوت الذي يخرج من الفم عقيبَ النطق بالفاء ليس في الباء. وفي الراء تكريرٌ ليس في اللام، وفي الضاد استطالةٌ ليست لشيء من الحروف، فلم يدّغموها في مُقارِبها شَحًّا على أصواتها لئلّا تذهب. وادُّغم فيها مقاربُها إذ لم يكن في ذلك نقصٌ، ولا إجحافٌ. وكذلك ما كان من حروف الحلق ممّا يجوز ادغامُه لأنّ من حروف الحلق ما لا

стр. 2468

يُدّغم ولا يدغم فيه وهي الهمزة والألف. وسائرها تدّغم وتدّغم فيها. فما كان منها أدخلَ في الحلق لم يدّغم فيه الأدخلُ في الفم. فالهاء تدّغم في الحاء، نحو: "اجْبَه حَّمَلًا"؛ لأنّ الهاء أدخلُ في الحلق، والحاء أقربُ إلى الفم، فلذلك أدغمت الهاء في الحاء، ولم يدّغم الحاء في الهاء، نحوَ: "اِمْدَحْ هِلالًا". ولا تدّغم العين في الحاء؛ لأنّ العين أقربُ إلى الفم، وذلك من قبل أن الحرف إذا كان أدخلَ في الحلق، وادُّغم فيما بعده كان في ذلك تصعّدٌ في الحلق إلى الفم. وإذا عُكس ذلك، كان ذلك بمنزلة الهُوِيّ بعد الصعود والرجوع عكسًا. وأمّا ما يدّغم أحدهما في الآخر مع التباعد، فإِذ تَقاربا في الصفة، وإن تَباعدا مخرجًا، نحو الواو والياء، فهما متّفقان في صفة المدَ والاستطالة، ومخرجاهما متباعدان، فأحدُهما من الشفة، والآخر من وسط الفم. فإذا التقيا، وكان الأوّل منهما ساكنًا، قلِبَتْ الواو ياءً، وادّغمت في الياء. وكذلك النون تدّغم في الميم، نحو. "مَن مَّعك"؛ لأنّهما، وإن اختلفا من جهة اللسان والشفة، فقد اجتمعا في صفة الغنّة الحاصلة فيهما من جهة الخيشوم، وكذلك حروف طرف اللسان، وهي النون، والراء، والتاء، والدال، والصاد، والطاء، والزاي، والسين، والظاء، والذال، والثاء، تدّغم في الضاد والشين، وذلك لأنّها، وإن لم تكن من مخرجها، إلّا أنّها تُخالِطها, لأنّ الضاد استطالت لرخاوتها، والشين لِما فيها من التفشّي، فالتحقت بحروف طرف اللسان. فلمّا خالطتها، ساغ ادغامُهنّ فيها إلّا حروفَ الصفير. وسيأتي الكلام على الحروف مفصّلًا حرفًا حرفًا إن شاء الله تعالى. فصل [اِدِّغام الهمزة] قال صاحب الكتاب: فالهمزة لا تدغم في مثلها إلا في نحو قولك: "سأَّالٌ", و"رأَّاس" و"الدأَّاث" في اسم وادٍ فيمن يرى تحقيق الهمزتين. قال سيبويه (١): فأمّا الهمزتان فليس فيهما ادّغامٌ من قولك: "قرأ أبوك", و"أقرئ أباك". قال: وزعموا أن ابن أبي إسحاق كان يحقق الهمزتين, وناسٌ معه, وهي رديئة, فقد يجوز الادّغام في قول هؤلاء. ولا تدغم في غيرها, ولا غيرها فيها. * * * قال الشارح: اعلم أنّ الهمزة هي التي تُسمّى في أوّل حروف المُعْجَم ألفًا. وإنّما سمّوها ألفًا؛ لأنّها تُصوَّر بصورة الألف، وهي في الحقيقة نَبْرةٌ تخرج من أقصى الحلق،

стр. 2469

ولذلك ثقُلت عندهم. وقد تقدّم الكلام عليها في تخفيف الهمزة. وإذا كانت قد استُثقلت، فهي مع مثلها أثقلُ، فلذلك إذا التقت همزتان في غير موضع العين، فلا ادغامَ فيهما. ولهما بابٌ في التخفيف هو أَوْلى بهما من الادغام. فلا تدغم الهمزة إلّا أن تُليَّن إلى الواو، أو إلى الياء، فتُصادِف ما تدّغم الواوُ والياء فيه، فحينئذ يجوز ادغامُها على أنّها ياءٌ أو واوً، كقولنا في "رؤْيَة": "رِيَّةٌ"، إذا خفّفوا، فيجوز الادغامُ وتركُه. فمن لم يدغم، فلأنّ الواو يُنْوَى بها الهمزةُ. ومن ادغم، فلأنّه واوٌ ساكنةٌ بعدها ياءٌ، كقولهم: "طَوَيْته طَيًّا"، وأصله: طَوْيًا. فلا تدغم في مثلها، إلّا أن يكون عينًا مضاعفةً، وذلك في "فَعّالٍ"، و"فُعَّلٍ"، وما أشبههما ممّا عينه همزةٌ، نحو: "سَأّالٍ"، و"رَأّاسٍ"، و"جأّارٍ" من "الجُؤار"، وهو الصوت. ولو جمعت "سائلًا" و"جائرًا" على "فُعَّلٍ" لادغمتَ وقلت: "سُوَّلٌ"، و"جوَّرٌ". قال الهُذَليّ المُتَنَخِّل [من البسيط]: ١٣٦٥ - لو أنّه جاءني جَوْعانُ مُهْتَلِكٌ ... من بُيَّسِ الناسِ عَنْهُ الخَيْرُ مَحجُوزُ قوله: "بُيَّس" جمع "بائِسٍ"، فهذا في كلمة واحدة. فأمّا إذا التقت همزتان في غير موضع العين، فلا ادغامَ، فإذا قلت: "قَرَأَ أَبوك"، فقد اجتمع همزتان، وإن كان التخفيف لإحداهما لازمًا، غير أنّ سيبويه حكى أنّ ابن أبي إسحاق كان يحقّق الهمزتين، وأنّها لغة رديئة لناسِ من العرب. وأجاز الادغامَ على قولِ هؤلاء، لكن ضعّفه، فقال: "وقد يجوز الادغام في قول هؤلاء" (١)، يعني يجوز ادغامُ الهمزتين إذا التقتا في قول هؤلاء، وإن لم تكن مضاعفة. نحو:

стр. 2470

"قَرَأَ أبوك"، و"أَقْرِىء أباك". وقد ذكرنا أحكام الهمزتين إذا التقتا في فصل الهمزة. ولا تدّغم في غيرها, ولا غيرها فيها , لانّها لا تدغم في مثلها، فادغامُها فيما قارَبَها أبعدُ. واعلم أنّ الادغام في حروف الفم واللسان هو الأصل، لأنّها أكثرُ في الكلام، فالثقلُ فيها إذا تَجاورت وتَقاربت أظهرُ، والتخفيفُ لها ألزمُ، وحروفُ الحلق وحروفُ الشفة أبعدُ من الادغام؛ لأنّها أقلُّ في الكلام، وأشقُّ على المتكلّم، وما ادّغم منها فلمقارَبة حروف الفم واللسان، فاعرفه. فصل [عدم ادِّغام الألف] قال صاحب الكتاب: والألف لا تدغم البتة لا في مثلها, ولا في مُقاربها, ولا يُسطاع أن تكون مدغماً فيها. * * * قال الشارح: الألف لا تدغم في مثلها, ولا فيما يقاربها، إذ لو ادغمت في مثلها، لصارتا غير ألفين, لأنّ الثاني من المدّغم لا يكون إلَّا متحرّكًا، والألفُ لا تُحرَّك، فتحريكُها يؤدّي إلى قلبها همزة، والأوّلُ لا يكون إلّا كالثاني، وان كان ساكنًا. فامتنع فيها مع ما قارَبَها ما امتنع فيها مع مثلها. وإن شئت أن تقول: لا تدغم في مثلها؛ لأذنّ الادغام لا يكون إلَّا في متحرّك، ولا يصحّ تحريك الألف، ولا تدغم في مقارب؛ لئلّا يزول ما فيها من زيادة المدّ والاستطالة، فاعرفه. فصل [ادِّغام الهاء] قال صاحب الكتاب: والهاء تُدّغم في الحاء وقعت بعدها أو قبلها, كقولك في "اجبه حاتمًا", و"اذبح هذه": "اجبحاتما", و"اذبحاذه". ولا يُدّغم فيها إلا مثلها, نحو: "اجبه هلالاً". * * * قال الشارح: أمّا الهاء، فإنّها تدغم في الحاء، سواءً وقعتْ قبلها أو بعدها، مثالُ وقوعها قبلها: "اجبه حاتمًا"، ومثالُ وقوعها بعدها: "اذبح هذه"، فتقول فيها: "اجْبَحَّاتِمًا"، و"اذبَحَّاذِهِ". وذلك لأنّهما متقاربان؛ لانّ الحاء من وسط الحلق، والهاء من أوّله، ليس بينهما إلّا العين، وهما مهموستان رخوتان، فالحاء أقربُ إلى الفم، ولذلك لا تدغم الحاء في الهاء، والبيانُ في هذا أحسنُ من الادغام؛ لأنّ حروف الحلق ليست

стр. 2471

بأصلٍ للادغام؛ لبُعْدها من مخرج الحروف وقلتِها, ولكن إن شئت قلبت الهاء حاءً إذا كانت بعد الحاء، وادغمتَ ليكون الادغامُ فيما قُرب من الفم، وذلك قولك: "أَصْلِح حَّيْثَمًا" في "أصلح هيثمًا"؛ فامّا أن تدغمها بأن تقلبها هاءً, فلا. ولا يدغم فيها إلّا هاء مثلها, ولا يدغم فيها مقاربٌ؛ لأنه ليس قبلها في المخرج إلّا الهمزة والألف، وليس واحدةٌ منهما ممّا يصحّ ادغامُه، والذي بعدها ممّا يلي الفمَ لا يدغم فيها؛ لأنّها أدخلُ في الحلق، والأدخلُ في الحلق لا يدغم فيه ما كان أقرب إلى الفم، فاعرفه. فصل [ادِّغام العين] قال صاحب الكتاب: والعين تدغم في مثلها كقولك: "ارفع علياً" كقوله : ﴿من ذا الذي يشفع عنده﴾ (١) وفي الحاء وقعت بعدها أو قبلها, كقولك في "ارفع حاتماً", و"اذبح عتوداً": "ارفحاتما" و"اذبحَّتودًا". وقد روى اليزيدي عن أبي عمرو: ﴿فمن زحزح عن النار﴾ (٢) بادّغام الحاء في العين. ولا يدغم فيها إلا مثلها. وإذا اجتمع العين والهاء, جاز قلبهما حاءين وادّغامهما؛ في نحو قولك في "معهم", و"اجبه عتبة": "محُّم"، و"اجبحتبة". * * * قال الشارح: أمّا العين فإنّها تدغم في مثلها، نحو قولك: "ارفع عليًّا"، وقرىء: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ (٣)، وكذلك قوله : ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ﴾ (٤). وقد تدغم في الحاء سواء وقعت قبلها أو بعدها. مثالُ كونها قبل الحاء: "ارفحّاتمًا"، ومثال وقوعها بعدها: "أَصْلِحّامِرًا" في "أصلح عامرًا"؛ فأمّا قلبُها حاء إذا وقعت قبل الحاء، فهو حسنٌ؛ لأنّ باب الادغام أن تدغم إلى الثاني وتُحوَّل على لفظه؛ وأمّا قلب العين إلى الحاء إذا كانت بعدها فهو جائز، وليس في حُسْن الأول. ولا يدغم في العين إلّا مثلها, ولا يدغم فيها مقاربٌ؛ فأمّا ما رُوي عن أبي عمرو في قوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ (٥) بإدغام الحاء في العين فهو ضعيف عند

стр. 2472

سيبويه (١)؛ لأنّ الحاء أقربُ إلى الفم، ولا تدغم إلّا في الأدخل في الحلق. ووجهُه أنّه راعى التقاربَ في المخرج، والقياسُ ما قدّمناه. ولا يدغم فيها ما قبلها, لأنّه ليس قبلها في المخرج ما يصحّ ادغامُه إلا الهاء، والهاء لا تدغم في العين، ولا العين في الهاء، فأمّا تركُ ادغامها في الهاء، فلقُرْب العين من الفم، وبُعْد الهاء عنه. وأمّا تركُ ادِّغام الهاء فيها فأنّ العين، وإن قاربتها في المخرج، فقد خالفتها من جهة التجنيس، فالعينُ مجهورة، والهاء مهموسة، والهاء رخوة، والعين ليست كذلك. فلمّا تَباعد ما بينهما من جهة تجنيس الحروف، وإن تَقاربا في المخرج، امتنعا من الادغام إلّا بمُعدِّلٍ يتوسّط بينهما، وهو الحاء لأنّها موافقةُ الهاء بالهمس والرخاوة، والعين بالمخرج، فلذلك لا يجوز في "اقْطَعْ هِلالًا" ادِّغام العين في الهاء؛ لهذه العلّة التي بينهما, ولكن يجوز قلبُهما إلى الحاء، فتقول: "اقْطَحِّلالًا"، و"اجبحّتبة". وحُكي عن بني تميم: "مَحُّمْ" في "معهم"، و"مَحِّاؤُلَاءِ" في "مَعَ هؤلاء" وذلك لقرب العين من الهاء، وهي كثيرةٌ في كلام بنى تميم، وذلك لأنّ اجتماع الحائين أخفُّ عندهم من اجتماع العينين والهائين، وأدنى إلى الفم فاعرفه. فصل [ادِّغام الحاء] قال صاحب الكتاب: والحاء تُدغم في مثلها, نحو: "اذبح حملاً" وقوله تعالى: ﴿لا أبرح حتى﴾ (٢). وتدغم فيها الهاء والعين. * * * قال الشارح: الحاء تدغم في مثلها، نحو: "اذبح حّملًا" وقوله تعالى: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى﴾ (٣) وقوله: ﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى﴾ (٤) ولا إشكالَ في ذلك, لأنّ ادِّغام الحاء في الحاء كادغام العين؛ في العين نحو: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ (٥) وتُدّغم فيها الهاء والعين، إذا لا مانعَ من ذلك, لأنّهما أدخل في الحلق، والعين أقربُ إلى الفم، فلذلك تُدّغمان فيها, ولا تُدّغم فيهما, لأنّ الأبعد لا يُدغم في الأقرب، فاعرفه. فصل [ادّغام الغين والخاء] قال صاحب الكتاب: والغين والخاء تُدّغم كل واحدة منهما في مثلها, وفي أُختها,

стр. 2473

كقراءة أبي عمرو: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً﴾ (١) , وقولك: "لا تمسخ خلقك", و"ادمغ خلقاً"، و"اسلخ غنمك". * * * قال الشارح: الخاء والغين من المخرج الثالث من مخارج الحلق، وهو أدنى المخارج إلى اللسان، ولذلك يقول بعض العرب: "مُنْخُلٌ"، و"مُنْغلٌ" فيُخْفِي النون عندها كما يخفيها مع حروف اللسان والفم؛ لقُرْب هذا المخرج من اللسان، فيجوز ادغامُ كلّ واحدة منهما في مثلها, ولا إشكالَ في ذلك لاتّحاد المخرج، وعدمِ المانع، فمثالُ ادغام الغين في الغين قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ (٢)، ولم يلتق في القرآن غينان غيرهما. ومثالُ ادغام الخاء في الخاء "لا تمسخ خْلقك"، و"لم يُصِخ خالِدٌ" ولم يلتق في القرآن خاءان. وتدغم كلُّ واحدة منهما في صاحبتها للتقارب، فإنّه ليس بينهما إلّا الشدّة والرخاوةُ، فتقول في ادغام الغين في الخاء: "أدمغ خّلقًا"، تدغم الغين في الخاء. قال سيبويه (٣): البيان أحسنُ، والادغامُ حسنٌ ويدلّ على حسن البيان عزّتهُما في باب "رَدَدْت"؛ لأنّهم لا يكادون يُضعِّفون ما يستثقلون. قال أبو العبّاس المبرّد: الادغامُ أحمقُّ من البيان، والبيانُ حسنٌ. وفي الجملة هو أحسنُ من ادغام الخاء في الغين، نحو: "اسلخ غّنمك"؛ لأنّ الخاء أقربُ إلى الفم، وعلى كلّ حال هو جائرٌ, لأنّ هذين الحرفين آخِرُ مخارج الحلق، والبيانُ أحسنُ لأمرين: أحدُهما أنّ الغين قبل الخاء في المخرج، والبابُ في الادغام أن يدغم الأقربُ في الأبعد، والثاني أنّ الغين مجهورة، والخاء مهموسة، والتقاء المهموسين أخفُّ من التقاء المجهورين، والجميعُ جائزٌ حسنٌ. وقد أجاز بعضُهم ادغامَ العين والحاء فيه ما لقربهما من الفم، والذي عليه الأكثرُ المنعُ من ذلك؛ لأنّ الغين والخاء وقد قربا من الفم قربًا شديدًا، فبعدت عن الحاء والعين، فاعرفه. فصل [ادِّغام القاف والكاف] قال صاحب الكتاب: القاف والكاف كالغين والخاء قال الله تعالى: ﴿فلما أفاق

стр. 2474

قال﴾ (١) , وقال تعالى: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ (٢) , وقال تعالى: ﴿خلق كل دابةٍ﴾ (٣) , وقال تعالى: ﴿فإذا خرجوا من عندك قالوا﴾ (٤). * * * قال الشارح: لمّا انتهى الكلام على حروف الحلق، أخذ في الكلام على حروف الفم, لأنّها تَلِيها، وهي حيّزٌ على حِدَةٍ، فأوّلُ مخارج الفم ممّا يلي حروفَ الحلق مخرجُ القاف والكاف، فالقافُ أدنى حروف الفم إلى الحلق، والكافُ تليها، وكلُّ واحدة منهما تدغم في مثلها، وفي صاحبتها, ولا تدغم في غير صاحبتها؛ فأمّا ادغامُهما في مثلهما، فلا إشكالَ فيه، نحو قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ﴾ (٥)، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ﴾ (٦) ,وقوله: ﴿وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ﴾ (٧). ومثال ادغام الكاف في الكاف: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ (٨)، و ﴿إِنَّكِ كُنْتِ﴾ (٩). ومثالُ ادغام القاف في الكاف "أطْلَق كَّوْثَرًا"، و"الْحِق كَّلَدَة"، وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾ (١٠)، فتدغم لقرب المخرجين، وهما شديدتان، ومن حروف اللسان؛ ولأنّ الكاف أدنى إلى حروف الفم من القاف، وهي مهموسة. والادغامُ حسنٌ؛ لإخراج القاف إلى الأقرب إلى حروف الفم التي هي أقوى في الادغام، والبيانُ أحسنُ؛ لأنّ مخرجهما أقربُ مخارج الحلق إلى الفم، إلّا أنّ ادغام القاف في الكاف أقيسُ من عكسه؛ لأنّ القاف أقربُ إلى حرف الحلق، والكاف أبعدُ منها، فاعرفه. فصل [ادِّغام الجيم] قال صاحب الكتاب: والجيم تدغم في مثلها, نحو: "أخرج جابراً"، وفي الشين, نحو: "أخرج شَّبَثًا". قال الله تعالى: ﴿أخرج شطأه﴾ (١١). وروى اليزيدي عن أبي عمرو ادّغامها في التاء في قوله تعالى: ﴿ذي المعارج تعرج﴾ (١٢) وتدغم فيها الطاء, والدال, والتاء, والظاء, والذال, والثاء, نحو: "اربط جملاً"، و"احمَد جابراً"، و ﴿وجبت جنوبها﴾ (١٣)، و"احفظ جارك"، و ﴿إذ جاؤوكم﴾ (١٤)، و"لم يلبث جالسًا". * * *

стр. 2475

قال الشارح: وأمّا الجيم، فإنّها تدغم في مثلها, نحو: "أَخْرِج جَّمَلَك"، ولا إشكالَ في ذلك لاتّحاد المخرج , وعدمِ ما يمنع من ذلك , ولم يلتق في القرآن جيمان. وتدغم في الشين، نحو: "أخرج شّبثًا". قال الله تعالى: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ (١)، وذلك لقرب مخرجيهما, ولم يذكر سيبويه (٢) ادغامَها في غير هذين الحرفين. وروى اليزيديّ عن أبي عمرو ادغامها في التاء في قوله تعالى: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ تعرج﴾ (٣)؛ لأنّها وإن لم تُقارِب الجيمُ التاء، فإنّ الجيم أختُ الشين في المخرج. والشينُ فيها تَفَشٍّ يصل إلى مخرج التاء؛ فلذلك ساغ ادغامُها فيها. ولا يجوز ادغامُ الشين في الجيم، لأنّها أفضلُ منها بالتفشّي. وتدغم فيها ستّة أحرف من غير مخرجها، وهي: الطاء، والدال، والتاء، والظاء، والذال، والثاء، وإنّما جاز ادغامُ هذه الحروف في الجيم وإن لم تُقاربِها, لأنّ هذه الحروف من طرف اللسان والثنايا، ومخرج الجيم من وسط اللسان، فكان بينهما تباعدٌ، وأُجريت في ذلك مجرى أختها، وهي الشين، وذلك أنّ الشين وإن كانت من مخرج الجيم، فإنّ فيها تفشّيًا يتّصل بهذه الحروف، فلذلك من الاتّصال جاز أن يدغمن في الجيم، ولا يدغم الجيمُ فيها كما لا تدغم الشينُ، لأنّها أُجريت مجراها، فاعرفه. فصل [ادِّغام الشين] قال صاحب الكتاب: والشين لا تدغم إلا في مثلها, كقولك: "اقمش شيحًا". ويدغم فيها ما يدغم في الجيم، والجيم، واللام، كقولك: "لا تخالط شراً"، و"لم يرد شيئاً"، و"أصابت شرباً"، و"لم يحفظ شعراً"، و"لم يتخذ شريكاً"، و"لم ترث شسعاً"، و"دنا الشاسع". * * * قال الشارح: الشين تدغم في مثلها، وذلك نحو: "اقمش شّيحًا"، و"اخْمُش شَّيْبَةَ". ولم يلتق في القرآن شينان، ولا تدغم في شىء ممّا يقاربها لما فيها من زيادة التفشّي، وقد رُوي عن أبي عمرو ادغامُها في السين مْن قوله تعالى: ﴿إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ (٤)، كما رُوي عنه ادغامُ السين فيها من نحو: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (٥)؛ لأنّهما

стр. 2476

متواخيتان في الهمس والرخاوة والصوت. وليس هذا مذهبَ البصريين لأنّ للشين فضلَ استطالة في التفشّي، وزيادةَ صوتَ على السين فاعرفه. فصل [ادّغام الياء] قال صاحب الكتاب: والياء تدغم في مثلها متصلة كقولك "حيَّ", و"عيَّ"، وشبيهةً بالمتصلة كقولك: قاضيَّ وراميَّ، ومنفصلة إذا انفتح ما قبلها كقولك: اخشي ياسِراً، وإن كانت حركة ما قبلها من جنسها, كقولك: "اظلمي ياسراً" لم تُدّغم. ويُدغم فيها مثلها، والواو, نحو: "طيٍّ",، والنون, نحو: "من يَّعْلَم". * * * قال الشارح: اعلم أنّ الياء، وإن كانت من مخرج الجيم والشين، فإنّها من حروف المدّ، ولها فضيلةٌ على غيرها بما فيها من المدّ واللين، فهي تُبايِن سائرَ الحروف اللاّتي من مخرجها المقاربة لها في المخرج، فلذلك لا تدغم في الجيم، وإن كانت من مخرجها؛ لِما فيها من المدّ واللين؛ لئلّا تخرج إلى ما ليس فيه مدٌّ ولا لينٌ من الحروف الصِحاح. والياء تدغم في مثلها إذا كانت متّصلة بأن كانتا في كلمة واحدة، فمثالُها في الكلمة الواحدة قولك: "حَيَّ"،"عَيَّ" في "حَيِيَ"، و"عَيِيَ". وكذلك تقول فيما هو في حكم الكلمة الواحدة، نحو: "قاضِىَّ"، و"رامِيَّ". وأمّا المنفصل وهو الذي يكون المثلان فيه من كلمتين، فإن كانت الياء الأولى قبلها فتحةٌ، جاز الادغامُ، نحو: "اخْشَى ياسِرًا"، و"ارْضَى يَّسارًا"، فإن انكسر ما قبلها, لم تدغم، كقولك: "اظْلِمِي ياسِرًا". والفرقُ بينهما أنّ الكسرة إذا كانت قبلها، كمل المدُّ فيها، فتصير بمنزلة الألف؛ لأنّ الألف لا يكون ما قبلها إلّا منها، فلا يدغم، كما أنّ الألف لا تدغم؛ لأنّك لو ادغمتَها مع انكسارِ ما قبلها لذهب المدُّ الذي فيها بالادغام، فيجتمع سَبَبان: أحدهما ذهابُ المدّ، والآخرُ ضُعْفُ الادغام في المنفصل: وإنّما ضعُف الادغامُ في المنفصل؛ لأنّ المنفصل لا يُلْزِم الحرفَ أن يكون بعد مثله، ويصلح أن يُوقَف عليه، وليس كذلك المتّصلُ في كلمة واحدة. وتدّغم فيها ثلاث أحرف: مثلُها والواو والنون. فأمّا ادغامُ مثلها فيها فلا إشكالَ فيه؛ لاجتماعهما في المخرج والمدِّ، وكذلك الواو من "طوَيْته طَيًّا"، و"شوَيْته شَيًّا". وذلك أنّ الواو والياء، وإن تَباعد مخرجاهما، فقد اجتمعا في المدّ، فصارا كالمثلين، فادُّغمت الواو فيها بعد قلبها ياءً، مع أنّ الواو تخرج من الشفة، ثمّ تهوي إلى الفم حتى تنقطع عند مخرج الألف والياء، فهما على هذا متجاورتان، فإذا التقتا في كلمة

стр. 2477

والأولى منهما ساكنةٌ، ادُّغمت إحداهما في الأخرى، وذلك نحو: "لَيَّةٌ"، من "لوَيْت يَدَه"، و"شيُّ" من " شوَيْته"، وأصله: "لَوْيَةٌ", و"شَوْيٌ". وكذلك لو كانت الثانية واوًا قلبتَها ياءً، ثمّ ادغمتَ الياء فيها؛ لأنّ الواو تُقلب إلى الياء، ولا تقلب الياء إليها؛ لأنّ الياء أخفُّ، والادغامُ إنّما هو نقلُ الأثقل إلى الأخفّ. من ذلك "أَيّامٌ" في جمع "يَوْمٍ"، والأصلُ: "أَيْوامٌ"، ومثلُه "سَيِّدٌ"، و"مَيِّتٌ" وأصله: "سَيْوِدٌ"، و"مَيْوِتٌ". وقد تقدّم الكلام على ذلك قبلُ. وأمّا النون، فإنّما جاز ادغامها في الياء، وإن لم يكن فيها لِينٌ، من قبل أنّ فيها غنّة، ولها مخرجٌ من الخيشوم، ولذلك أُجريت مجرى حروف المدّ واللين في الإعراب بها كما، يُعْرَب بحروف المدّ واللين في نحو: "يذهبان"، و"تذهبان"، و"يذهبون"، و"تذهبين"، ويُبْدَل من التنوين التابع للإعراب ألفٌ في حال النصب في نحو: "رأيت زيدًا"، فاعرفه. فصل [ادّغام الضاد] قال صاحب الكتاب: الضاد لا تدغم إلا في مثلها كقولك: "اقبض ضِّعفها"؛ وأما ما رواه أبو شعيب السوسي عن اليزيدي أن أبا عمرو كان يدغمها في الشين في قوله تعالى: ﴿لبعض شأنهم﴾ (١) , فما برئت من عيب رواية أبي شعيب. ويدغم فيها ما يدغم في الشين إلا الجيم, كقولك: "حُط ضَّمانَك"، و"زِد ضِّحكاً"، و"شدَّت ضفائرها"، و"احفظ ضأنك"، و"لم يلبث ضارباً"، و"هو الضاحك". * * * قال الشارح: الضاد تدغم في مثلها فقط، كقولك: "أَدْحِض ضَّرْمَةَ". ولا تدغم في غيرها لما فيها من الاستطالة التي يُذْهِبها الادغامُ، وقد رُوي عن أبي عمرو ادغامُ الضاد في الشين في قوله تعالى: ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ (٢). قال ابن مُجاهِدٍ لم يرو عنه هذا إلّا أبو شُعَيْب السُوسىّ. وهو خلافُ قول سيبويه (٣). ووجهُه أنّ الشين أشدُّ استطالةً من الضاد، وفيه تَفَشٍّ ليس في الضاد، فقد صارت الضاد أنقصَ منها، وادغامُ الأنقص في الأزيد جائرٌ. ويؤيّد ذلك أنّ سيبويه (٤) حكى أنّ بعض العرب قال: "اطَّجَعَ" في "اضْطَجَعَ". وإذا جاز إدغامُها في الطاء فادغامُها في الشين أَولى، وليس في القرآن ضادٌ بعدها شينٌ إلا ثلاثةُ مواضع: واحدةٌ يدغمها أبو عمرو، وهي: ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ (٥)، واثنتان لا

стр. 2478

يدغمهما اتّباعًا للرواية" وهما: ﴿رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا﴾ (١)، والآخر: ﴿شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ (٢). والذي أراه أنّه ضعيفٌ على ما قاله سيبويه، لأمرين: أحدهما ذهابُ ما في الضاد من الاستطالة، والآخرُ سكونُ ما قبل الضاد، فيؤدّي الادغامُ إلى اجتماع ساكنين على غير شرطه. وإلى ذلك أشار صاحب الكتاب بقوله: "ما برئت من عيب". والحقُّ أنّ ذلك إخفاءٌ واختلاسٌ للحركة، فظنّها الراوي ادغامًا. ونحوٌ من ذلك ما رواه ابن صَقْر عن اليزيديّ من ادغامها في الذال من قوله : ﴿لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ (٣)، فحمل ذلك على الإخفاء واختلاس الحركة لا على الادغام. قال: ويدغم فيها ما يدغم في الشين إلّا الجيم. والذي يدغم في الشين ثمانيةُ أحرف، وهي: الطاء، والدال، والتاء، والظاء، والذال، والثاء، واللام، والجيم. وقد استثنى ههنا الجيمَ؛ لأنّ هذه الحروف من طرف اللسان والثنايا، والضاد من حافة اللسان وجانب الأضراس. وفيها إطباقٌ واستطالةٌ تمتدّ حتى تتّصل بهذه الحروف، فصارت مُجاوِرةً لها، فجاز ادغامُهن فيها، وهي أقوى منهنّ، وأوفرُ صوتًا. والادغامُ إنّما هو في الأقوى. وأمّا الجيم فإنّها لا تدغم؛ لأنّها أخت الشين، وحكمُها حكمُ الشين، فكما لا تدغم فيها الشينُ كذلك الجيم، فعلى هذا تقول "حط ضّمانك"، و"زد ضّحكًا"، و"شدّت ضّفائرها"، فهذه الثلاثةُ من جنس واحد، أعني الطاء والدال والتاء، وتقول: "احفظ ضأنك"، و"انْبِذ ضّاربَك"، ولم يذكر الشيخ هذا المثال، وتقول: "لم يلبث ضاربًا"، و"الضَّاربُ"، فتدغم اللامَ في الضاد، فاعرفه. فصل [ادّغام اللام] قال صاحب الكتاب: واللام إن كانت المعرفة فهي لازم ادّغامها في مثلها, وفي الطاء والدال والتاء والظاء والذال والثاء والصاد والسين والزاي والشين والضاد والنون والراء, وإن كانت غيرها نحو لام "هل" و"بل" فادّغامها فيها جائزٌ. ويتفاوت جوازه إلى حسن, وهو ادّغامها في الراء, كقولك: "هل رأيت"، وإلى قبيح وهو ادّغامها في النون, كقولك: هل نخرج، وإلى وسط وهو ادّغامها في البواقي, وقرئ: ﴿هثوب الكفار﴾ (٤). وأنشد سيبويه [من الطويل]: ١٣٦٦ - فذر ذا ولكن هتعين متيماً ... على ضوء برق آخر الليل ناضب

стр. 2479

وأنشد [من الطويل]: ١٣٦٧ - تقول إذا أهلكت مالاً للذةٍ ... فكيهة هشيءٌ بكفَّيك لائقُ ولا يدغم فيها إلا مثلها والنون كقولك: "من لك". وادّغام الراء لحنٌ. * * * قال الشارح: اعلم أنّ هذه اللام المُعرِّفة تدغم في حروف طرف اللسان، وما اتّصل بطرف اللسان، وإن كان مخرجُها من غير طرف اللسان، وهي ثلاثةَ عشرَ حرفًا. منها أحد عشر حرفًا، من طرف اللسان، وحرفان اتّصلا بطرف اللسان، وهما

стр. 2480

الشين والضاد, لأنّ الضاد استطالت برخاوتها في نفسها حتى خالطت طرفَ اللسان. وكذلك الشينُ للتفشّي الذي فيها خالطت طرفَ اللسان، فالأحدَ عشرَ حرفًا منها متناسبةٌ، وهي الطاء، والتاء، والدال، والصاد، والسين، والزاي، والظاء، والثاء، والذال. وأمّا الرّاء والنون، فهما أقربُ إلى اللام، وقد بيّنّا حالَ الشين والضاد. فهذه ثلاثة عشر حرفًا تدغم لامُ المعرفة فيها, ولا يجوز تركُ الادغام معها؛ لاجتماع ثلاثة أسباب تدعو إلى الادغام، منها المقاربةُ في المخرج؛ لأنّها من حروف طرف اللسان، ومنها كثرة لام المعرفة في الكلام. ومنها أنّها تتّصل بالاسم اتصالَ بعض حروف، لأنّه لا يوقَف عليها، فلهذا لزم الادغامُ فيها. وأمّا ما عدا لامَ المعرفة، فيجوز ادغامُها في هذه الأحرف، ولا يلزم. وبعضُها أقوى من بعض في الادغام، والحروفُ التي يكون الادغامُ فيها أقوى هي الأقربُ إلى اللام، وأقواها الراء في نحو: "هل رأيت" ونحوه؛ لأنّها أقربُ إليها من سائر أخواتها، وأشبهُها بها، فضارعتا الحرفين اللذين يكونان من مخرج واحد، إذ هي من طرف اللسان لا عملَ الثنايا فيها. فإن لم تدّغم، جاز، وهي لغةٌ لأهل الحجاز عربيةٌ جيدةٌ، هكذا قال سيبويه (١). وهو مع الطاء والدال والتاء والصاد والزاي والشين جائزٌ، وليس ككثرته مع الراء؛ لأنَّهنّ قد تراخين عنها. وهنّ من الثنايا. وجوازُ الادغام على أن آخِر مخرج اللام قريبٌ من مخرجها، وهي حروف طرف اللسان، وهو مع الظاء والثاء والذال جائزٌ، وليس كحُسْنه مع هؤلاء؛ لأنّ هذه الحروف من أطراف الثنايا متصعّدةٌ إلى أصول الثنايا العُلْيا حتى قاربت مخرجَ الفاء واللامُ مستفِلةٌ، فبعُدت منها بهذا الوجه. ويجوز الادغامُ؛ لأنّهنّ من الثنايا كما أنّ الطاء غير المعجمة وأخواتها من الثنايا، وطرف اللسان. وهي مع الضاد والشين أضعفُ؛ لأنّ الضاد مخرجُها من أوّل حافة اللسان، والشين من وسطه، ولكنّه يجوز ادغامُ اللام فيهما لما ذكرتُ لك من اتّصال محرجَيْهما، فأجودُ أحوالها في الادغام أن تدغم في الراء لما ذكرناه من تقارُبهما في المخرج؛ وأمّا اللام مع النون فهو أضعف من جميع ما ادُّغمت فيه اللام، وذلك أنّ النون تدغم في أحرفِ ليس شىء منها يدغم في النون إلّا اللامُ وحدَها، فاستوحشوا من إخراجها عن نظائرها. قال سيبويه (٢): وادغامُ اللام في النون أقبحُ من جمع هذه الحروف؛ لأنّها تدغم في اللام كما تدغم في الياء والواو والراء والميم، فلم يجترئوا على أن يُخْرِجوها من هذه الحروف التي شركتْها في ادغام النون، وصارت كإحداها.

стр. 2481

فأمّا ما أنشده من قول الشاعر [من الطويل]: فذر ذا ولكن ... إلخ فالبيت لمُزاحِم العُقَيْليّ، والشاهد فيه ادغامُ اللام في التاء من قوله: "هتّعين"، والمراد: هَلْ تُعِين. والبرقُ الناصبُ: الذي يُرَى من بعيد. والمُتَيَّمُ: الذي قد تَيَّمَه الحُبُّ، أي: استعبده. والمعنى: ذَرْ ذا الحديثَ والأمرَ الذي ذكرتَه، ثمّ استدرك وقال: "ولكن هل تُعِين مُتَيَّمًا"، يعني نفسه، وإعانتُه له أن يسهَر معه، ويحادثَه ليَخفّ عنه ما يجده من الوَجْد عند لَمْع البرق؛ لأنّ ذلك البرق يلمَع من جهة محبوبه فيذكّره، ويأرَق لذلك. واتّفق حمزةُ والكسائىُّ على ادغام لام "بَلْ"، و"هَلْ" في التاء والثاء والسين في جميع القرآن، فقرآ: ﴿تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (١) في "بَلْ تؤثرون" و ﴿هَثُّوِّبَ﴾ (٢) في "هَلْ ثُوّب"، و ﴿بسَّوَّلَتْ﴾ (٣) في "بَلْ سوّلت". ويقرأ الكسائيّ وحده بادغام لام "بَلْ"، و"هَلْ" في الطاء والضاد والزاي والظاء والنون، وقرأ ﴿بل طَّبَعَ﴾ (٤)، و ﴿بَل ضَلّوا﴾ (٥) , و ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٦)، و ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ﴾ (٧)، و ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا﴾ (٨)، و ﴿مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ﴾ (٩). وأمّا قول الآخر [من الطويل]: تقول إذا أهلكت ... إلخ البيت لتَمِيم بن طُرَيف العَنْبَريّ (١٠)، والشاهد فيه ادغامُ اللام في الشين. والمراد: "هَلْ شيءٌ"، والمعنى واضحٌ. ولا تدغم فيها إلّا مثلُها، نحو: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾ (١١)، والنونُ، كقولك:"مَن لكَ"، و ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ (١٢). وذلك لقرب مخرج النوَن من اللام؛ وأمّا ادغامُ الراء فيها، فسيوضَح أمره بعد هذا الفصل، فاعرفه. فصل [ادّغام الراء] قال صاحب الكتاب: والراء لا تُدّغم إلا في مثلها, كقوله تعالى: ﴿واذكر ربك﴾ (١٣). وتدغم فيها اللام والنون, كقوله تعالى: ﴿كيف فعل ربك﴾ (١٤) , و ﴿إذ تأذن ربكم﴾ (١٥). * * *

стр. 2482

قال الشارح: اعلم أنّ الراء تدغم في مثلها؛ لأنّ مَعْدِنهما واحد، وجَرُسهما واحد، كقولك: "اذْكُر رَّاشِدًا" ولا تدغم الراء إلّا فى مثلها, ولا تدغم في غيرها؛ لئلّا يذهب التكريرُ الذي فيها بالادغام. ألا ترى أنّك تقول في الوقف: "هذا عَمْرو"، فينبو اللسانُ نَبْوَةً، ثمّ يعود إلى موضعه. فلو ادُّغم في غيره ممّا ليس فيه ذلك التكريرُ، لذهب تكريرُه بالادغام. واختلف النحويون في ادغام الراء في اللام، فقال سيبويه وأصحابه (١): لا تدغم الراء في اللام، ولا في النون، وإن كنّ متقارباتٍ؛ لما في الراء من التكرير، ولتكريرها تُشبَّه بحرفين. ولم يخالف سيبويه أحدٌ من البصرين في ذلك، إلّا ما رُوي عن يعقوب الحَضْرَمىّ أنّه كان يدغم الراء في اللام في قوله : ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (٢). وحكى أبو بكر بن مجاهِد عن أبي عمرو أنّه كان يدغم الراء في اللام ساكنةً كانت الراء أو متحركةً، فالساكنةُ نحو قوله تعالى: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ (٣)، و ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ (٤)، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٥)، وما كان مثله. والمتحركةُ قوله: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ﴾ (٦)، و ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ (٧). وأجاز الكسائيّ والفرّاء ادغامَ الراء في اللام. والحجّة في ذلك أنّ الراء إذا ادُّغمت في اللام، صارت لامًا. ولفظُ اللام أسهلُ وأخفُّ من أن تأتى براءٍ فيها تكريرٌ وبعدها لامٌ، وهي مقاربةٌ للفظ الراء، فيصير كالنطق بثلاثة أحرف من موضع واحد. قال أبو بكر بن مجاهد لم يقرأ بذلك أحدٌ عَلِمْناه بعد أبي عمرو سواه، فاعرفه. فصل [ادّغام النون] قال صاحب الكتاب: والنون تدغم في حروف "يَرْمُلُونَ", كقولك: "من يَّقول"، و"من راشدٍ", و"من محمدٍ"، و"من لَّكَ"، و"مَن وَّاقِدٌ", و"من نُّكرمُ". وادّغامها على ضربين: ادّغامٌ بغنةٍ, وبغير غنة. * * * قال الشارح: النون تدغم في هذه الحروف الستة التي يجمعها "يرملون". فأمّا ادغامها في مثلها، فلا إشكال فيه؛ وأمّا الخمسة الباقية - وهي الراء، واللام، والميم، والياء، والواو- فلأنّها مقاربةٌ لها في المنزلة الدُّنْيَا من غير إخلال بها. وادغامُها في الراء واللام أحسنُ من البيان لفرط الجوار، وذلك نحو: "مَن لَّكَ"، و"مِن رَّاشِدٍ"، والبيانُ

стр. 2483

جائز. وادغامُها في الميم نحو: "من مُّحَمَّد"، و"مِمَّنْ أَنْتَ". وذلك أنّ الميم، وإن كان مخرجُها من الشفة، فإنّها تُشارِك النونَ في الخياشيم لِما فيها من الغنّة، والغنّةُ تُسمع كالميم، فلذلك تقعان في القوافي المُكْفَأة، نحو قوله [من الرجز]: بُنَيَّ إنَّ البرَّ شيءٌ هَيِّنْ ... ألمَنْطِقُ اللَّيِّنُ والطُعَيِّمُ (١) والبيان جائرٌ حسنٌ. وأمّا ادغامها في الياء والواو في نحو:"من يَّأْتِيكَ"، و"مَن وَّالٍ" فذلك من قبل أنّ النون بمنزلة حروف المدّ نحو الواو والياء؛ لأنّ فيها غنّة، كما أنّ فيهما لِينًا ,ولأنّ النون من مخرج الراء، والراء قريبةٌ من الياء، ولذلك تفسير الراء ياءً في اللُثْعْة. وهي تدغم بغنّة وبغير غنّة، فإذا ادُّغمت بغير غنّة؛ فلأنّها إذا ادغمت في هذه الحروف صارت من جنسها، فتصير مع الراء راءً، ومع اللام لامًا، ومع الياء ياءً، ومع الواو واوًا، وهذه الحروفُ ليست لها غنّةٌ. وأمّا إذا ادغمت بغنّة؛ فلأنّ النون لها غنّةٌ في نفسها، والغنّةُ صوت من الخيشوم يتبع الحرف، وإذا كان للنون قبل الادغام غنّةٌ، فلا يُبْطِلونها بالادغام حتى لا يكون لها أثرٌ من صوتها. * * * قال صاحب الكتاب: ولها أربعُ أحوالٍ: إحداها الادّغامُ مع هذه الحروف. والثانيةُ البيانُ مع الهمزة، والهاء، والعين، والحاء، والغين، والخاء، كقولك: "من أَجْلك"، و"منْ هانىء"، و"من عِنْدِك"، و"مَنْ حَمَلَك"، و"مَنْ غَبَرَ"، و"مَن خانَك"، إلّا في لغة قومٍ أَخفَوْها مع الغين والخاء، فقالوا: "مُنْخُلٌ"، و"مُنْغَلٌ". * * * قال الشارح: يريد أنّ النون لها أربعُ أحوال: حالٌ تكون فيها مدّغمة، وهي مع حروفِ "يرملون"، وقد تقدمت علّةُ ذلك، إلّا أنّه قد يعرض في بعضها ما يوجب تركَ الادغام فيه، وهي الميم والياء والواو، وذلك نحو قولك: "شاةٌ زَنماء"، و"غَنَمٌ زُنْمٌ"، فإنّ هذا لا يسوغ فيه الادغامُ، والبيان هو الوجةُ. وذلك لئلّا يُتوهّم أنّه من المضاعف لو قالوا: "زَمّاءٌ"، "وزُمٌّ". وكذلك "قُنوَةٌ"، و"قُنْيَة"، و"كنْيَةٌ" لا يسوغ الادغام في ذلك كلّه؛ لئلّا يصير بمنزلةٍ ما عينه ولامه واوان من نحو: "القُوَّة"، و"الحُوَّة"، أو ياءان، كقولك: "حَيَّةٌ"، وقد تقدّم ذلك قبلُ. وأمّا الحال الثانية، وهو أن تُبيَّن، ولا تُدّغم، ولا تُخْفَى، وذلك مع حروف الحلق الستّة، وهي الهمزة، والهاء، والعين، والحاء، والخاء، والغين، كقولك: "من أبوك"،

стр. 2484

و"من هِلال"، و"مِن عندك"، و"مَن حملك"، و"مِن غيرك"، و"من خالَفَك". وإنّما وجب البيان عند هذه الحروف؛ لتباعُدها منها في المرتبة القُصْوَى، فليست من قبيلها، فلم تدغِم لذلك في هذا الموضع، كما أنّ حروف اللسان لا تدغم في حروف الحلق، ولم تُخف عندها كما لم تدغم, لأنّ الإخفاء نوعٌ من الادغام. وبعضُ العرب يُجْرِي الغين والخاء مجرى حروف الفم لقربهما منها، فيُخْفيها عندهما، كما يفعل ذلك عند الكاف والقاف، فيقول: "مُنخُلٌ"، و"منْغَلٌ". والأوّل أجودُ وأكثرُ, لأنّهما من حروف الحلق، فكانتا كأخواتها، فاعرفه. * * * قال صاحب الكتاب: والثالثةُ القلبُ إلى الميم قبل الباء، كقولك:"شَمْباءُ"، و"عَمْبَرٌ". والرابعةُ الإخفاء مع سائر الحروف، وهي خمسةَ عشرَ حرفًا، كقولك: "مَنْ جابِرٌ"، و"مَن كَفَرَ"، و"مَن قَتَلَ"، وما أشبه ذلك. قال أبو عثمان: وبيانُها مع حروف الفم لحنٌ. * * * قال الشارح: الحال الثالثة أن تنقلب ميمًا، وذلك إذا كانت ساكنة قبل الباء، نحو: "عمبر"، و"شمباء". وإنّما قلبوها ميمًا هنا؛ لأنّه موضعٌ تُقْلَب فيه النون. ومعنى قولنا: "تقلب فيه" أي تُدّغم؛ لأنّها تدغم مع الواو والميم اللذين هما من مخرجها، فلمّا اجتمعت مع الباء، وكانت النون الساكنة بعيدةً من الباء في المخرج ومُبايِنةً لها في الخواصّ التي تُوجِب الشرْكةَ بينهما، لم يكن سبيلٌ إلى الادغام، ففرّوا إلى حرف من مخرج الباء، وهو الميم، فجرى ذلك مجرى الادغام. وليس في الكلام كلمةٌ فيها ميمٌ قبل الباء، فيقعَ فيه لبسٌ، فأمنوا اللبسَ. وأمّا الرابع، وهو الإخفاء مع سائر الحروف، وهي الخمسةَ عشرَ حرفًا التي ذكرها، وإنّما أُخفيت عندها؛ لأنّها تخرج من حرف الألف الذي يحدث إلى داخل الفم، لا من المَنْخَر، فكان بين النون وحروف الفم اختلاطٌ، فلم تَقْوَ قوَّةَ حروف الفم، فتُدّغمَ فيها، ولم تبعد بُعْدَ حروف الحلق، فتظهرَ معها. وإنّما كانت متوسّطة بين القرب والبعد، فتَوّسط أمرُها بين الإظهار والإدغام، فأُخفيت عندها لذلك. فلها ثلاثةُ أحوال: الادغامُ، والإخفاء، والإظهارُ. فالادغام للتقارب بالحدّ الأدنى، والإظهار للتباعد بالحدّ الأقصى، والإخفاء للمناسبة بالحدّ الأوسط. قال أبو عثمان المازنيّ: وبيانها مع حروف الفم لحن لما ذكرناه، فاعرفه. فصل [ادّغام الطاء, والدال, والتاء, والظاء, والذال, والثاء] قال صاحب الكتاب: والطاء والدال والتاء والظاء والذال والثاء ستّتُها يدغم بعضها في بعض، وفي الصاد والزاي والسين. وهذه لا تُدّغم في تلك, إلا أن بعضها

стр. 2485

يدغم في بعض, والأقيس في المطبقة إذا ادّغمت تبقية الإطباق, كقراءة أبي عمرو: ﴿فرَّط في جنب الله﴾ (١). * * * قال الشارح: هذه الحروف يجمعها كونُها من طرف اللسان وأُصولِ الثنايا، فلذلك لا يمتنع ادغامُ بعضها في بعض، إلّا حروف الصفير خاصّةً، فإنّها يدغم فيها, ولا تدغم هي في غيرها لما فيها من الصفير. وحروفُ طرف اللسان تسعةٌ كلُّ ثلاثة متواخيةٌ بالمخرج، وقد تقدّم ذكرُها. فحكمُ الدال مع الطاء أن يدغم كلُّ واحدة منهما في صاحبتها؛ لأنّهما من مَعْدِن واحد، وهما مجهورتان شديدتان. وإنّما جاز ادغامُ الطاء في الدال مع الإطباق الذي في الطاء؛ لأنّه يمكن إذهابُه وتبقيتُه. فلمّا كان المتكلّم مخيَّرًا فيه، لم يمتنع من الادغام، وذلك "اضْبِط دَّلَمًا"، بادغام الطاء في الدال مع ترك الإطباق على حاله، فلا يُذْهِبه؛ لأنّ الدال ليس فيها إطباقٌ. وهو الأقيسُ، كما أبقيت الغنّة في النون. إنّما كان أقيس؛ لأنّ المطبق أفشى في السمع، فكان تغليبُ الدال على الإطباق كالإجحاف، إذ ليست كالإطباق في السمع. وإن شئتَ أذهبتَه حتى تجعلها كالدال سواء، كما أذهبتَها، أعني الغنّة، عند من يفعل ذلك. وليس كلُّ العرب يفعله، وذلك أنّهم آثروا أن لا تُخالِفها حيث أرادوا أن يقلبوها دالًا مثلَها. وكذلك الطاء في التاء، نحو: "اثْبُط تَّوْءَمًا" تجعلها تاء، وقرأ أبو عمرو: ﴿فرّطّ في جنب الله﴾ (٢)، بالادغام والإطباق. ويجوز إذهابه، إلّا أنّ إذهاب الإطباق مع الدال أمثل قليلًا؛ لأنّ الدال كالطاء في الجهر، والتاء مهموسةٌ. قال سيبويه (٣): وكلُّ عربيّ جيّد. وتدغم الدال في الطاء، فتصير طاءً مع الطاء، نحو: "أَبْعِد طَّالِبًا"، وكذلك التاء، نحو: "انْعَت طَّالِبًا"؛ لأنّك لا تُجْحِف بهما في الإطباق، ولا غيره، إلّا أنّ ادغام التاء في الطاء أحسن؛ لأنّها مهموسة، والطاء مجهورة. وليس يمنع الجهرُ ادغامَ المهموس، ولكن يكون ادغامُ المهموس أحسن. وإنّما لم يمنع الجهرُ؛ لأنّ للمهموس حالًا يُقارِب حالَ المجهور بسُهولة المخرج، وقلّةِ الكُلْفة في الاعتماد، إذ الاعتمادُ في المجهور أقوى. والتاء مع الدال يدغم كل واحدة منهما في صاحبتها، إلّا أنّ ادغام التاء في الدال أمثلُ؛ لأنّ الدال مجهورة، فتقول: "انْعَت دُّلامَةَ"، بالادغام على ما بيّنّا.

стр. 2486

وكل هذه الأحرف يجوز الإظهارُ فيها, لأنّها من المنفصل، وإن ثقُل الكلام لشدّتهنّ، وللزوم اللسان موضعَهنّ لا يتجافى عنه. والادغامُ أحسنُ؛ لأنّه ليس بينهما إلّا الهمس والجهر، وليس في واحد منهما إطباقٌ، ولا استطالةٌ، ولا تكريرٌ. وأمّا الظاء والذال والثاء، فكذلك يدغم بعضهنّ في بعض، فهي مع الذال كالطاء مع الدال، لأنّها مجهورة مثلُها, وليس بينهما إلّا الإطباق، فتقول: "احْفَظ ذّلك"، و"خُذ طالِمًا". ويحسن إذهابُ الإطباق لتكافُئهما في الجهر. والثاء مع الظاء كالطاء مع التاء، تدغم كلّ واحدة في صاحبتها، إلّا أنّ ادغام الثاء في الظاء أحسنُ، فتقول: "ابْعَث ظّالِمًا"، و"أَيقِظ ثّابِتًا" بالادغام و"ابْعَث ذّلك". فالثاء والذال منزلةُ كلّ واحدة من صاحبتها منزلةُ الدال مع التاء. والزاي والصاد تدغم كلّ واحدة منهما في صاحبتها، ويحسن؛ لأنّ إحداهما للجهر، والأخرى للإطباق، فتقول: "أَوْجز صّابرًا"، و"افْحَص زّائدًا". والزاي مع السين تدغم كلّ واحدة في صاحبتها، إلّا أنّ ادغام السين في الزاي أحسنُ، فتقول: "احْبِس زَّرَدَةً"، و"رُزْ سَّلَمَةَ"؛ لأنهما من الحروف المتكافئة في المنزلة. وإذا ادّغمت الصاد فيها، فتصير مع الزاي زايًا، ومع السين سينًا، كما صارت الدال والثاء ظاءً، وتدع الإطباقَ على حاله، وإن شئت أذهبته. وإذهابُه مع السين أمثلُ قليلًا، لأنّها مهموسة مثلُها. قال سيبويه (١): وكلُّه عربيّ. وتدغم الستّة الأُوَل التي هى: الطاء. والدال، والتاء، والظاء، والثاء، والذال، في الثلاثة الأُخَر التي هي الصاد والزاى والسين؛ لأنّهنّ من حروف طرف اللسان. ولا تدغم هذه في تلك لقوّتها بما فيها من الصفير. فصل [ادّغام الفاء] قال صاحب الكتاب: والفاء لا تدغم إلا في مثلها, كقوله تعالى: ﴿وما اختلف فيه﴾ (٢) , وقريء: ﴿نخسف بهم﴾ (٣) , بادّغامها في الباء, وهو ضعيف, تفرد به الكسائي (٤) , وتدغم فيها الباء. * * *

стр. 2487

قال الشارح: الفاء لا تدغم إلّا في مثلها؛ نحو قوله تعالى: ﴿وما اختلف فّيه﴾ (١)، و ﴿وَالصَّيْفِ* فَلْيَعْبُدُوا﴾ (٢)، و ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ (٣) , ونحوه. ولا تدغم في غيرها؛ لأنّها من حروف "ضمّ شُفْرٍ"، ففيها تفشٍّ يُزيله الادغامُ. فأمّا ما حُكى عن الكسائي من ادغامه لها في الباء في قوله : ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ (٤) فشاذّ. وتدغم الباء في الفاء لتقارُبهما في المخرج؛ لأنّهما من الشفة، كقولك: "اذهب فَّانظُرْ"، و ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٥)، فالفاء أقوى صوتًا لما فيها من التفشّي. فصل [ادّغام الباء] قال صاحب الكتاب: والباء تدغم في مثلها, قرأ أبو عمرو: ﴿لذهب بسمعهم﴾ (٦) , وفي الفاء والميم, نحو: ﴿اذهب فمن تبعك﴾ (٧) , و ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٨). ولا يدغم فيها إلا مثلها. * * * قال الشارح: الباء تدغم في مثلها، كقوله عر وجل: ﴿لذهب بّسمعهم﴾ (٩)، و ﴿الكِتَابَ بِّالْحَقِّ﴾ (١٠)، لاتّحاد المخرج. وتدغم في الفاء على ما ذكرناه، وفي الميم لأنّهما من الشفة، كقولك: "اصْحَب مَّطَرًا"، و"اطْلُب مُّحمّدًا". وقرأ أبو عمرو: ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاء﴾ (١١). ويفعل ذلك بـ "يعذّب من يشاء" حيث وقع، ولا يفعل ذلك في مثل "أَنْ يَضْرِبَ" مَثَلًا، و ﴿يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ (١٢)، بل يُظْهِره. وإنما خصّ الأوّلَ بالادغام من قبل أنّه لا يكاد يقع في القرآن إلّا وقبله أو بعده مدّغمٌ، نحو: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١٣)، و ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١٤)، فادّغم للمشاكَلة، ومن

стр. 2488

أصله مراعاةُ المشاكَلة. ومثله: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ (١). ولا خلاف في جواز ذلك. وحُكي عنه: ﴿الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ (٢)، بالادغام، وهو غير جائز عندنا؛ للجمع بين ساكنين على غير شرطه وصحّةِ مَحْمَله على الإخفاء، وأجازه الكوفيون، فاعرفه. فصل [ادّغام الميم] قال صاحب الكتاب: والميم لا تدغم إلا في مثلها. قال الله تعالى: ﴿فتلقى آدم من ربه﴾ (٣). وتدغم فيها النون والباء. * * * قال الشارح: الميم تدغم في مثلها كقولك: "لم تَرُم مّا لك" وكقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤)، ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ﴾ (٥)، و ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٦). ولا تدغم في غيرها, لأنّ فيها غنّةّ يُذْهِبها الادغامُ. وقد رُوي عن أبي عمرو ادغامُ الميم في الباء إذا تَحرّك ما قبل الميم، مثلَ قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ (٧)، و ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ (٨)، و ﴿هُوَ أَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ (٩). وأصحاب أبي عمرو لا يأتون بباء مشدّدةً. ولو كان فيه ادغامٌ، لصار في اللفظ باءً مشدّدة؛ لأنّ الحرف إذا ادُّغم في مُقارِبه، قُلب إلى لفظه، ثمّ ادُّغم. قال ابن مجاهد: يُترجِمون عنه بادغام، وليس بادغام، إنّما هو إخفاءٌ، والإخفاء اختلاسُ الحركة، وتضعيفُ الصوت. وعلى هذا الأصل ينبغي أن يُحمل كلُّ موضع يذكر القرّاء أنّه مدّغمٌ، والقياسُ يمنع منه على الإخفاء، مثلُ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ (١٠)، وما أشبه ذلك من حرف مدغم قبله ساكنٌ صحيحٌ، فاعرفه. فصل [ادّغام تاء "افْتعل "] قال صاحب الكتاب: و"افْتَعَلَ" إذا كان بعد تائها مثلُها, جاز فيه البيان والادّغامُ.

стр. 2489

والادغامُ سبيلُه أن تسكَّن التاءُ الأُولى، وتُدّغمَ في الثانية، وتُنْقَلَ حركتها إلى الفاء، فيُستغنى بالحركة عن همزة الوصل، فيقالَ: "قَتَّلُوا"، بالفتح. ومنهم من يحذف الحركة، ولا ينقلها، فيلتقي ساكنان، فيحرّك الفاء بالكسر، فيقول: "قِتَّلوا". فمَن فتح قال: "يَقَتلون"، و"مُقَتِّلون" بفتح الفاء، ومَن كسر قال: "يَقِتِّلون"، و"مُقِتِّلون" بكسرها، ويجوز "مُقُتِّلون" بالضمّ إتباعًا للميم، كما حُكي عن بعضهم: ﴿مُرُدِّفِينَ﴾ (١). * * * قال الشارح: اعلم أنّ تاء "افْتَعَلَ" إذا وقع بعدها مثلُها، نحو: "اقتتل القومُ"، فإنّه يجوز فيه الوجهان. الادغام والبيان، وإن كانا مثلَيْن في كلمة واحدة. والادغامُ ليس لازمًا، بل أنت مخيَّرٌ في الادغام وتركه، وإن كانا الحرمان من كلمة واحدة، فإنّهما يُشْبِهان المنفصلَيْن, لأنّه لا يلزم أن يكون بعد تاءِ "افتعل" مثلُها. ألا ترى أنّهم قالوا: "يَرْتَحِل" و"يَسْتَمِع"؟ فلذلك كنت مخيَّرًا في الادغام والإظهار. فالإظهارُ لِما ذكرناه من عدم اللزوم، والادغامُ لاجتماع المثلين، وكونهما من كلمة واحدة، فلذلك تقول: "قَتَّلُوا"، والأصل: "اقْتَتَلُوا"، فأسكنتَ التاء الأولى، وادّغمتَها في الثانية بعد أن ألقيتَ حركتها على القاف. فلمّا تَحرّكت القافُ، سقطت ألفُ الوصل. ومنهم من يقول: "قِتَّلُوا"، بكسر القاف، وفتح التاء مشدَّدةً. وذلك لأنّه حين أسكن التاء، أسقط حركتَها من غير أن يُلْقِيَها على ما قبلها، فاجتمع ساكنان: التاء الأولى والقاف، فكُسرت القاف للالتقاء الساكنين، فصار اللفظ "قِتَّلُوا". وأمّا مستقبله، وهو "يَقْتَتِلُونَ"، فيجوز فيه مع الادغام أربعةُ ألفاظ. أحدها: "يَقَتِّلون"، بفتح القاف وكسر التاء مشدّدةً، لأنّك ألقيتَ حركة التاء على القاف، ثمّ ادّغمت في التاء الثانية، وهي مكسورة. والثاني: "يَقِتِّلون"، بكسر القاف لالتقاء الساكنين. والثالث: "يِقِتِّلون" بكسر القاف وحرف المضارعة، كما قالوا: "مِنْخِرٌ"، فكسروا الميم إتباعًا لكسرة الخاء. والرابع: - وهو أقلُّها لضُعْفه - "يَقْتِّلُونَ" بادغام التاء في التاء مع سكون القاف، فيجتمع ساكنان. وذلك أنّه لما أُسكن التاء للادغام، لم يُحرَّك القاف، وتُرك على سكونه. وهذا بالاختلاس أشبهُ منه بالادغام، ولكنّا ذكرناه كما ذكروه. وتقول في مصدره: "قِتّالًا" والأصل: "اقْتِتالًا"، فادغمتَ التاء في التاء، وحرّكتَ القاف، وسقطت ألفُ الوصل. وهذا يجوز أن يكون بإلقاء حركة التاء على القاف، ويجوز أن تكون الحركةُ لالتقاء الساكنين، فاعرفه. * * *

стр. 2490

قال صاحب الكتاب: وتُقلَب مع تسعة أحرف إذا كنّ قبلها: مع الطاء، والظاء، والصاد، والضاد، طاءً، ومع الدال، والذال، والزاي، دالًا، ومع الثاء والسين: ثاءً وسينًا. * * * قال الشارح: اعلم أنّ تاء الافتعال تقلب إلى غيرها مع تسعة أحرف، وذلك أنّها تقلب إلى الطاء والدال والثاء والسين. فأمّا إبدالها طاءً، فمع حروف الإطباق. ويلزم ذلك، ويُهْجَر الأصل كما هُجر في نحو: "قام"، و"قالَ". وذلك أنّه قد يُستثقل اجتماعُ هذه الحروف المتقاربة كاستثقال اجتماع الأمثال، وإذا كانت في كلمة واحدة، ولم يكن الحرفان منفصلين، ازداد ثقلاً، كما كان المثلان، إذا لم يكونا منفصلين، أثقلَ؛ لأنّ الحرف لا يُفارِقه ما يُستثقل. وكانت هذه الحروف مخالفةً للتاء، لأنّها مستعلية مُطْبَقة، والتاء حرفٌ منفتحٌ غير مطبق، فأبدلوا من التاء طاءً؛ لأنّها من مخرجها، إذ لولا إطباقُ الطاء لكانت دالًا. ولولا جهرُ الدال، لكانت تاءً، فمخرجُهن واحد، إنّما ثمّ أحوالٌ تفترق بهنّ من الإطباق والجهر والهمس، فهي موافقةٌ لما قبلها في الإطباق، فيتجانس الصوتان، وصار العملُ فيهنّ من جهة واحدة. وقد عُلم أنّه لا لبسَ في ذلك. فأما إبدالُها دالاً، فإذا كان قبلها دالٌ أو ذالٌ أو زايٌ، وذلك من قبل أنّ هذه الحروف مجهورة، والتاء حرف مهموس، فأرادوا التقريب بين جَرْسيهما، فأبدلوا من التاء دالًا، إذ كانت من مخرج التاء، وتُوافِق ما قبلها في الجهر، وليس فيها إطباقٌ، كما أنّ ما قبلها ليس فيه إطباقٌ، فكانت الدال أشبهَ بما قبلها، فلذلك أبدلوها دالًا، ولم يبدلوها طاء. وأمّا إبدالُها ثاءً، فقد قالوا: "مُثَّرِدٌ"، وهو "مُفْتَعِل" من "الثَّرْد". ولك فيه ثلاثةُ أوجه: أحدها: البيان وهو الأصل. والثاني: "مُتَّرِدٌ"، بالتاء المدغمة والمعجمة بثِنْتين. والثالث: "مُثَّرِدٌ"، بالثاء المعجمة بثلاتٍ. فأمّا الأول - وهو البيان - فلأنّهما ليسا حرفين متجانسين. فإذا أُسكن الأول، اضطُرّ الناطق إلى الادغام. وأمّا ادغامُ الثاء في التاء فلتقارُبهما، وهما مع التقارب مهموسان، وذلك مما يقوّي ادغامَ أحدهما في الآخر. قال سيبويه (١): والبيانُ أحسنُ، وهو القياس؛ لأنّ الأوّل إنّما يدغم في الثاني. وأمّا الثالث فهو"مُثَّرِد"، بقلب التاء إلى جنس الأوّل، وادغامِ الثاني في الأوّل، وعلى هذا قالوا: "يَظَّلِم"، وسيأتي ذلك بعدُ. قال سيبويه (٢): وهي عربيّة جيدة. وأمّا إبدالُها سينًا فمع السين، نحو: "اسَّمَعَ فهو مُسَّمِعٌ"، ويجوز الأصلُ. ولا
следующие страницы →