وكل هذه الأحرف يجوز الإظهارُ فيها, لأنّها من المنفصل، وإن ثقُل الكلام لشدّتهنّ، وللزوم اللسان موضعَهنّ لا يتجافى عنه.
والادغامُ أحسنُ؛ لأنّه ليس بينهما إلّا الهمس والجهر، وليس في واحد منهما إطباقٌ، ولا استطالةٌ، ولا تكريرٌ.
وأمّا الظاء والذال والثاء، فكذلك يدغم بعضهنّ في بعض، فهي مع الذال كالطاء مع الدال، لأنّها مجهورة مثلُها, وليس بينهما إلّا الإطباق، فتقول: "احْفَظ ذّلك"، و"خُذ طالِمًا". ويحسن إذهابُ الإطباق لتكافُئهما في الجهر. والثاء مع الظاء كالطاء مع التاء، تدغم كلّ واحدة في صاحبتها، إلّا أنّ ادغام الثاء في الظاء أحسنُ، فتقول: "ابْعَث ظّالِمًا"، و"أَيقِظ ثّابِتًا" بالادغام و"ابْعَث ذّلك". فالثاء والذال منزلةُ كلّ واحدة من صاحبتها منزلةُ الدال مع التاء.
والزاي والصاد تدغم كلّ واحدة منهما في صاحبتها، ويحسن؛ لأنّ إحداهما للجهر، والأخرى للإطباق، فتقول: "أَوْجز صّابرًا"، و"افْحَص زّائدًا".
والزاي مع السين تدغم كلّ واحدة في صاحبتها، إلّا أنّ ادغام السين في الزاي أحسنُ، فتقول: "احْبِس زَّرَدَةً"، و"رُزْ سَّلَمَةَ"؛ لأنهما من الحروف المتكافئة في المنزلة. وإذا ادّغمت الصاد فيها، فتصير مع الزاي زايًا، ومع السين سينًا، كما صارت الدال والثاء ظاءً، وتدع الإطباقَ على حاله، وإن شئت أذهبته. وإذهابُه مع السين أمثلُ قليلًا، لأنّها مهموسة مثلُها.
قال سيبويه (١): وكلُّه عربيّ. وتدغم الستّة الأُوَل التي هى: الطاء. والدال، والتاء، والظاء، والثاء، والذال، في الثلاثة الأُخَر التي هي الصاد والزاى والسين؛ لأنّهنّ من حروف طرف اللسان. ولا تدغم هذه في تلك لقوّتها بما فيها من الصفير.
فصل [ادّغام الفاء]
قال صاحب الكتاب: والفاء لا تدغم إلا في مثلها, كقوله تعالى: ﴿وما اختلف فيه﴾ (٢) , وقريء: ﴿نخسف بهم﴾ (٣) , بادّغامها في الباء, وهو ضعيف, تفرد به الكسائي (٤) , وتدغم فيها الباء.
* * *
стр. 2487
قال الشارح: الفاء لا تدغم إلّا في مثلها؛ نحو قوله تعالى: ﴿وما اختلف فّيه﴾ (١)، و ﴿وَالصَّيْفِ* فَلْيَعْبُدُوا﴾ (٢)، و ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ (٣) , ونحوه. ولا تدغم في غيرها؛ لأنّها من حروف "ضمّ شُفْرٍ"، ففيها تفشٍّ يُزيله الادغامُ. فأمّا ما حُكى عن الكسائي من ادغامه لها في الباء في قوله : ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ (٤) فشاذّ. وتدغم الباء في الفاء لتقارُبهما في المخرج؛ لأنّهما من الشفة، كقولك: "اذهب فَّانظُرْ"، و ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٥)، فالفاء أقوى صوتًا لما فيها من التفشّي.
فصل [ادّغام الباء]
قال صاحب الكتاب: والباء تدغم في مثلها, قرأ أبو عمرو: ﴿لذهب بسمعهم﴾ (٦) , وفي الفاء والميم, نحو: ﴿اذهب فمن تبعك﴾ (٧) , و ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٨). ولا يدغم فيها إلا مثلها.
* * *
قال الشارح: الباء تدغم في مثلها، كقوله عر وجل: ﴿لذهب بّسمعهم﴾ (٩)، و ﴿الكِتَابَ بِّالْحَقِّ﴾ (١٠)، لاتّحاد المخرج. وتدغم في الفاء على ما ذكرناه، وفي الميم لأنّهما من الشفة، كقولك: "اصْحَب مَّطَرًا"، و"اطْلُب مُّحمّدًا". وقرأ أبو عمرو: ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاء﴾ (١١). ويفعل ذلك بـ "يعذّب من يشاء" حيث وقع، ولا يفعل ذلك في مثل "أَنْ يَضْرِبَ" مَثَلًا، و ﴿يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ (١٢)، بل يُظْهِره.
وإنما خصّ الأوّلَ بالادغام من قبل أنّه لا يكاد يقع في القرآن إلّا وقبله أو بعده مدّغمٌ، نحو: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١٣)، و ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١٤)، فادّغم للمشاكَلة، ومن
стр. 2488
أصله مراعاةُ المشاكَلة. ومثله: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ (١). ولا خلاف في جواز ذلك. وحُكي عنه: ﴿الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ (٢)، بالادغام، وهو غير جائز عندنا؛ للجمع بين ساكنين على غير شرطه وصحّةِ مَحْمَله على الإخفاء، وأجازه الكوفيون، فاعرفه.
فصل [ادّغام الميم]
قال صاحب الكتاب: والميم لا تدغم إلا في مثلها. قال الله تعالى: ﴿فتلقى آدم من ربه﴾ (٣). وتدغم فيها النون والباء.
* * *
قال الشارح: الميم تدغم في مثلها كقولك: "لم تَرُم مّا لك" وكقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤)، ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ﴾ (٥)، و ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٦). ولا تدغم في غيرها, لأنّ فيها غنّةّ يُذْهِبها الادغامُ. وقد رُوي عن أبي عمرو ادغامُ الميم في الباء إذا تَحرّك ما قبل الميم، مثلَ قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ (٧)، و ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ (٨)، و ﴿هُوَ أَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ (٩). وأصحاب أبي عمرو لا يأتون بباء مشدّدةً. ولو كان فيه ادغامٌ، لصار في اللفظ باءً مشدّدة؛ لأنّ الحرف إذا ادُّغم في مُقارِبه، قُلب إلى لفظه، ثمّ ادُّغم. قال ابن مجاهد: يُترجِمون عنه بادغام، وليس بادغام، إنّما هو إخفاءٌ، والإخفاء اختلاسُ الحركة، وتضعيفُ الصوت. وعلى هذا الأصل ينبغي أن يُحمل كلُّ موضع يذكر القرّاء أنّه مدّغمٌ، والقياسُ يمنع منه على الإخفاء، مثلُ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ (١٠)، وما أشبه ذلك من حرف مدغم قبله ساكنٌ صحيحٌ، فاعرفه.
فصل [ادّغام تاء "افْتعل "]
قال صاحب الكتاب: و"افْتَعَلَ" إذا كان بعد تائها مثلُها, جاز فيه البيان والادّغامُ.
стр. 2489
والادغامُ سبيلُه أن تسكَّن التاءُ الأُولى، وتُدّغمَ في الثانية، وتُنْقَلَ حركتها إلى الفاء، فيُستغنى بالحركة عن همزة الوصل، فيقالَ: "قَتَّلُوا"، بالفتح. ومنهم من يحذف الحركة، ولا ينقلها، فيلتقي ساكنان، فيحرّك الفاء بالكسر، فيقول: "قِتَّلوا". فمَن فتح قال: "يَقَتلون"، و"مُقَتِّلون" بفتح الفاء، ومَن كسر قال: "يَقِتِّلون"، و"مُقِتِّلون" بكسرها، ويجوز "مُقُتِّلون" بالضمّ إتباعًا للميم، كما حُكي عن بعضهم: ﴿مُرُدِّفِينَ﴾ (١).
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ تاء "افْتَعَلَ" إذا وقع بعدها مثلُها، نحو: "اقتتل القومُ"، فإنّه يجوز فيه الوجهان. الادغام والبيان، وإن كانا مثلَيْن في كلمة واحدة. والادغامُ ليس لازمًا، بل أنت مخيَّرٌ في الادغام وتركه، وإن كانا الحرمان من كلمة واحدة، فإنّهما يُشْبِهان المنفصلَيْن, لأنّه لا يلزم أن يكون بعد تاءِ "افتعل" مثلُها. ألا ترى أنّهم قالوا: "يَرْتَحِل" و"يَسْتَمِع"؟ فلذلك كنت مخيَّرًا في الادغام والإظهار. فالإظهارُ لِما ذكرناه من عدم اللزوم، والادغامُ لاجتماع المثلين، وكونهما من كلمة واحدة، فلذلك تقول: "قَتَّلُوا"، والأصل: "اقْتَتَلُوا"، فأسكنتَ التاء الأولى، وادّغمتَها في الثانية بعد أن ألقيتَ حركتها على القاف. فلمّا تَحرّكت القافُ، سقطت ألفُ الوصل.
ومنهم من يقول: "قِتَّلُوا"، بكسر القاف، وفتح التاء مشدَّدةً. وذلك لأنّه حين أسكن التاء، أسقط حركتَها من غير أن يُلْقِيَها على ما قبلها، فاجتمع ساكنان: التاء الأولى والقاف، فكُسرت القاف للالتقاء الساكنين، فصار اللفظ "قِتَّلُوا".
وأمّا مستقبله، وهو "يَقْتَتِلُونَ"، فيجوز فيه مع الادغام أربعةُ ألفاظ. أحدها: "يَقَتِّلون"، بفتح القاف وكسر التاء مشدّدةً، لأنّك ألقيتَ حركة التاء على القاف، ثمّ ادّغمت في التاء الثانية، وهي مكسورة. والثاني: "يَقِتِّلون"، بكسر القاف لالتقاء الساكنين. والثالث: "يِقِتِّلون" بكسر القاف وحرف المضارعة، كما قالوا: "مِنْخِرٌ"، فكسروا الميم إتباعًا لكسرة الخاء. والرابع: - وهو أقلُّها لضُعْفه - "يَقْتِّلُونَ" بادغام التاء في التاء مع سكون القاف، فيجتمع ساكنان. وذلك أنّه لما أُسكن التاء للادغام، لم يُحرَّك القاف، وتُرك على سكونه. وهذا بالاختلاس أشبهُ منه بالادغام، ولكنّا ذكرناه كما ذكروه.
وتقول في مصدره: "قِتّالًا" والأصل: "اقْتِتالًا"، فادغمتَ التاء في التاء، وحرّكتَ القاف، وسقطت ألفُ الوصل. وهذا يجوز أن يكون بإلقاء حركة التاء على القاف، ويجوز أن تكون الحركةُ لالتقاء الساكنين، فاعرفه.
* * *
стр. 2490
قال صاحب الكتاب: وتُقلَب مع تسعة أحرف إذا كنّ قبلها: مع الطاء، والظاء، والصاد، والضاد، طاءً، ومع الدال، والذال، والزاي، دالًا، ومع الثاء والسين: ثاءً وسينًا.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ تاء الافتعال تقلب إلى غيرها مع تسعة أحرف، وذلك أنّها تقلب إلى الطاء والدال والثاء والسين.
فأمّا إبدالها طاءً، فمع حروف الإطباق. ويلزم ذلك، ويُهْجَر الأصل كما هُجر في نحو: "قام"، و"قالَ". وذلك أنّه قد يُستثقل اجتماعُ هذه الحروف المتقاربة كاستثقال اجتماع الأمثال، وإذا كانت في كلمة واحدة، ولم يكن الحرفان منفصلين، ازداد ثقلاً، كما كان المثلان، إذا لم يكونا منفصلين، أثقلَ؛ لأنّ الحرف لا يُفارِقه ما يُستثقل. وكانت هذه الحروف مخالفةً للتاء، لأنّها مستعلية مُطْبَقة، والتاء حرفٌ منفتحٌ غير مطبق، فأبدلوا من التاء طاءً؛ لأنّها من مخرجها، إذ لولا إطباقُ الطاء لكانت دالًا. ولولا جهرُ الدال، لكانت تاءً، فمخرجُهن واحد، إنّما ثمّ أحوالٌ تفترق بهنّ من الإطباق والجهر والهمس، فهي موافقةٌ لما قبلها في الإطباق، فيتجانس الصوتان، وصار العملُ فيهنّ من جهة واحدة. وقد عُلم أنّه لا لبسَ في ذلك.
فأما إبدالُها دالاً، فإذا كان قبلها دالٌ أو ذالٌ أو زايٌ، وذلك من قبل أنّ هذه الحروف مجهورة، والتاء حرف مهموس، فأرادوا التقريب بين جَرْسيهما، فأبدلوا من التاء دالًا، إذ كانت من مخرج التاء، وتُوافِق ما قبلها في الجهر، وليس فيها إطباقٌ، كما أنّ ما قبلها ليس فيه إطباقٌ، فكانت الدال أشبهَ بما قبلها، فلذلك أبدلوها دالًا، ولم يبدلوها طاء.
وأمّا إبدالُها ثاءً، فقد قالوا: "مُثَّرِدٌ"، وهو "مُفْتَعِل" من "الثَّرْد". ولك فيه ثلاثةُ أوجه: أحدها: البيان وهو الأصل. والثاني: "مُتَّرِدٌ"، بالتاء المدغمة والمعجمة بثِنْتين. والثالث: "مُثَّرِدٌ"، بالثاء المعجمة بثلاتٍ. فأمّا الأول - وهو البيان - فلأنّهما ليسا حرفين متجانسين. فإذا أُسكن الأول، اضطُرّ الناطق إلى الادغام. وأمّا ادغامُ الثاء في التاء فلتقارُبهما، وهما مع التقارب مهموسان، وذلك مما يقوّي ادغامَ أحدهما في الآخر. قال سيبويه (١): والبيانُ أحسنُ، وهو القياس؛ لأنّ الأوّل إنّما يدغم في الثاني. وأمّا الثالث فهو"مُثَّرِد"، بقلب التاء إلى جنس الأوّل، وادغامِ الثاني في الأوّل، وعلى هذا قالوا: "يَظَّلِم"، وسيأتي ذلك بعدُ. قال سيبويه (٢): وهي عربيّة جيدة.
وأمّا إبدالُها سينًا فمع السين، نحو: "اسَّمَعَ فهو مُسَّمِعٌ"، ويجوز الأصلُ. ولا
стр. 2491
يجوز ادغام السين في التاء، فيقالَ: "اتَّمَعَ"، وإن كانا مهموسين، وذلك لمَزِيّة السين على التاء بالصفير، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: فأما مع الطاء فتُدّغم ليس إلّا، كقولك: "اطَّلَبَ"، و"اطَّعَنوا".
* * *
قال الشارح: أمّا مع الطاء، فقد قالوا: "اطَّلَبَ"، و"اطَّعَنُوا"، و"اطَّلَعُوا"، والمراد: "اطْتَلب"، و"اطْتَعنوا"، و"اطْتَلعوا"، فثقُل اجتماعُ المتقاربين على ما ذكرنا, لأنهما من حروف طرف اللسان. وكرهوا الادغامَ في التاء، فلم يقولوا: "اتَّلَعَ"، و"اتَّلَمَ"، في "اطّلع"، و"اطّلم"؛ لئلّا يُلْبِس بـ "اتَّعَدَ" و"اتَّزَنَ". هكذا قاله الفرّاء، فأبدلوا من التاء طاء، لأنّها من مخرجها على ما ذكرناه، فادغموا الطاء في الطاء، وصار الادغامُ ههنا لازمًا لسكونه. ومثلُه "اطَّرَدَ"، وكذلك ما تَصرّف منه من نحو: "يَطَّلِع"، و"يَطَّرِد"؛ لأنّ العلّة الموجبة للقلب في الماضي موجودةٌ في المضارع، وما تَصرّف منه.
* * *
قال صاحب الكتاب: ومع الظاء تُبيَّن، وتُدّغم بقلب الظاء طاء، أو الطاء ظاء، كقولك: "اظْطَلَمَ"، و"اطَّلم"، و"اظَّلم". ورُويت الثلاثة في بيت زهَير [من البسيط]:
[هُوَ الجَوادُ الذي يُعطِيكَ نائِلَهُ ... عَفْوًا] ويُظْلَمُ أَحْيانًا فيَظَّلِمُ (١)
* * *
قال الشارح: وأمّا مع الظاء، فيجوز وجهان: البيان والادغام بقلب الظاء طاءً، أو الطاء ظاءً، فتقول: "اظْطَلَم" من "الظُلم"، و"اظْطَنَّ" من "الظنّ". وقد يبدلون من الطاء المبدلة من التاء ظاءً، ثمّ يدغمون الظاء الأولى فيها، فيقولون: "اظَّلَمَ". وذلك لمّا أرادوا تجانُسَ الصوت وتشاكُلَه، قلبوا الحرف الثاني إلى لفظ الأوّل، وأدغموه فيه؛ لأنّه أبلغُ في الموافقة والمشاكلة. ومن العرب من إذا بني ممّا فاؤه ظاءٌ معجمةٌ "افْتَعَلَ"، أبدل التاء طاءً غيرَ معجمة، ثم أبدل من الظاء التي هي فاءٌ طاءً؛ لما بينهما من المقاربة، ثمّ يدّغمها في الطاء المبدلة من تاء "افتعل"، فيقول: "اطَّهَرَ حاجتي"، و"اطَّلَمَ". والأصل: "اظتهر"، و"اظتلم".
والصحيح المذهب الأوّل؛ لأنّ القياس في الادغام قلب الحرف الأوّل إلى لفظ الثاني، ولذلك ضعُف الوجه الثاني، وإذًا الوجه الثالث أقيسُ من الوجه الثاني، وإن كان الوجه الثاني أكثرَ في الاستعمال. فأمّا بيت زُهَيْر [من البسيط]:
هو الجَوادُ الذي يُعْطِيك نائِلَهُ ... عَفْوًا ويُظْلَمُ أَحْيانًا فَيَظَّلِمُ
стр. 2492
فقد رُوي بالأوجه الثلاثة. "فيَظْطَلم" على الأصل بعد قلب التاء طاءً، ويروى: و"يَظَّلِم" بالظاء المعجمة على الوجه الثاني، وهو قلبُ الثاني إلى لفظ الأوّل، وهو شاذّ في القياس كثيرٌ في الاستعمال. ويروى: "فيَطَّلِمُ" بالطاء غير المعجمة على الوجه الثالث، قد رُوي: "فيَنْظَلِم" بنون المطاوعة على حد "كسرته فانكسر".
* * *
قال صاحب الكتاب: ومع الضاد تُبيَّن وتُدّغم بقلب الطاء ضادًا، كقولك: "اضْطَرَبَ"، و"اضَّرب". ولا يجوز "اطَّرب"، وقد حُكي: "اطّجع" في "اضطجع"، وهو في الغَرابة كـ "الطَجَعَ".
* * *
قال الشارح: وأمّا الضاد فيجوز فيه وجهان: البيان والادغام. فالبيان نحو قولك: "اضْطَرَبَ"، و"اضْطَجَعَ"، أبدل من التاء طاءٌ لما ذكرناه لا غيرُ، وقالوا: "اضَّرَبَ" واضَّجَعَ، ويَضَّرِبُ، ويَضَّجِعُ، فهو مُضَّربٌ، و"مُضَّجِعٌ"، ولا يجوز إدغامُها في الطاء، فلا تقول: "اطَّرَبَ"، ولا "اطَّجَعَ"؛ لئلّا يذهب تَفَشِّي الضاد بالادغام. وقد حكى سيبويه (١) "اطّجع"، وهو قليل غريب، وقد شبّهه بـ "الطَجَعَ" في الغَرابة. يريد أنّ إبدال الضاد هنا لامًا غريبٌ كادغام الضاد في الطاء. وذلك أنّهم كرهوا اجتماع الضاد والطاء، وهما مطبقتان، فمنهم من أبدل من الضاد لامًا؛ لأنّها مثلها في الجهر، وتُخالِف ما بعدها بعدم الإطباق، ومنهم من لم يَرَ الإبدال، فادّغم؛ لينبو اللسانُ بهما دفعهً واحدةً، فيكونا كالحرف الواحد.
* * *
قال صاحب الكتاب: ومع الصاد تُبيَّن، وتُدّغم بقلب الطاء صادًا، كقولك: "مُصْطَبِرٌ"، و"مُصَّبِر"، و"اصْطَفَى"، و"اصْطَلى"، و"اصَّفى"، و"اصَّلى"، وقرىء: ﴿إلّا أَنْ يَصَّلِحَا﴾ (٢) ولا بجوز "مُطِّبِرٌ".
* * *
قال الشارح: وأمّا الصاد فكذلك، تقول: "اصْطَبَرَ يَصْطَبِرُ فهو مُصْطَبِرٌ"، و"اصَّبر يَصَّبِرُ فهو مُصَّبِرٌ"، على قلب الثاني إلى لفظ الأوّل. وقد قُرىء: ﴿إلاّ أن يصّلحا﴾ (٣)، على ما حكاه سيبويه (٤) عن هارُون. ومثله قولهم: "اصْطَفَى"، و"اصَّفَى"، و"اصْطَلَى"،
стр. 2493
و"اصَّلَى". ولا يجوز ادغام الصاد في الطاء، فلا يقال: "اطَّبَرَ"، ولا "مُطَّبِرٌ"، ولا "اطَّلَحَ"، ولا "مُطَّلِحٌ"؛ لئلّا يذهب صفيرُ الصاد.
* * *
قال صاحب الكتاب: وتُقَلب مع الدال والذال والزاي دالًا، فمع الدال والذال تدّغم، كقولك: "ادّانَ", و"ادَّكَرَ"، و"اذَّكَرَ". وحكى أبو عمرو عنهم: "اذْدَكر"، وهو "مُذْدَكِرٌ" قال الشاعر [من الرجز]:
تَنْحِي على الشَّوْكِ جُرازًا مِقْضَبَا ... والهَرْمَ تَذْرِيهِ اذْدِراءً عَجَبَا (١)
ومع الزاي تُبيَّن، وتُدّغم بقلب الدال إلى الزاي، كقولك: "ازْدانَ"، و"ازّان". ومع الثاء تدّغم ليس إلّا، بقلب كلّ واحدة منهما إلى صاحبتها، فتقول. "مُثَّرِدٌ"، و"متَّرد". ومنه "اثَّأَرَ"، و"اتَّأر". ومع السين تُبيَّن وتُدّغم بقلب التاء إليها، كقولك: "مُسْتَمِعٌ"، و"مُسَّمِع".
* * *
قال الشارح: وأمّا قلب التاء مع الدال والذال والزاي دالًا، فنحو قولهم في "افتعل" من "الدَّيْن"، و"الذَّكْر"، و"الزَّيْن": "ادّانَ"، "وادَّكَرَ"، و"ازْدانَ". وإنّما وجب إبدالُها دالًا هنا؛ لأنّهم كرهوا اجتماعَهما للتقارب ولاختلاف أجناسهما. وذلك أنّ الدال والذال والزاي مجهورة، والتاء مهموسة، فأرادوا تجانُس الصوت، فأبدلوا من التاء الدال؛ لأنّها من مخرجها، وهي مجهورة، فتُوافِق بجهرها جهرَ الدال والذال، فيقع العملُ من جهة واحدة، ثم ادغموا الدال والذال فيها. ولم يجز الادغام في الزاي؛ لأنّ الزاي حرفٌ من حروف الصغير, فلو ادغموها, لذهب الصفيرُ.
ويجوز فيه بعد قلب التاء قلبان. أحدُهما: أن تُقلب الذال دالًا، وتدغم في الدال التي بعدها، فتصيران في اللفظ دالًا واحدة شديدة. وهذا شرطُ الادغام, لأنّهم يقلبون الحرف الأوّل إلى جنس الثاني، ثمّ يدغمونه فيه. والوجه الثاني: أن تقلب الدال ذالًا، وتدّغم، فيكون اللفظ به ذالًا معجمةً، وهو قولُ من يقول في "اصطبر": "اصَّبَرَ"، وفي "اضطرب": "اضَّرَبَ". فعلى هذا تقول: "اذَّكَرَ" و"ازّانَ". وإنّما جاز قلبُ الأول إلى جنس الثاني, لأنّ الأوّل أصلىٌّ، والثاني زائدٌ، فكرهوا إدغامَ الأصليّ في الزائد، فقلبوا الزائد إلى جنس الأصليّ، وأدغموه لما ذكرناه.
وحكى أبو عمرو عنهم: "اذدكر فهو مذدكر"، وأنشد [من الرجز]:
تنحى على الشوك ... إلخ
стр. 2494
الشاهد فيه قوله: "اذدراء"، بإظهار التضعيف، وهو "افتعال" من "ذَرَتْه الريحُ تَذْرُوه" وهو مصدر جرى على غير فعله على حدٍّ ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ (١). فإن قيل: فلِمَ ساغ "ازْدانَ، فهو مُزدانٌ"، ولم يقولوا: "اذدكر، فهو مذدكر" إلّا على ندرة وقلّة؟ قيل: لأنّ الدال والذال كلّ واحد منهما يدغم في صاحبه، فإذا اجتمعا في كلمة، لزم الادغامُ. وليس كذلك مع الزاي، فإنّها لا تدغم مع الدال لما فيها من الصفير، فجاز لذلك الإظهار والادغام في الزاي، فيقال: "مُزْدانٌ"، و"مُزّانٌ"، فلذلك قال: ومع الزاى تبيّن وتدّغم، ومع الثاء تدغم لا غير، بقلب كل واحدة منهما إلى صاحبتها، تقول: "مُثَّرد"، و"متّرد"، ولا يجوز الإظهار على ما ذكرنا في "مذدكرٌ". ومثله "اتأر"، و"اثّأر".
ومع السين تبيّن وتدّغم بقلب التاء سينًا، فيقال: "مستمع"، و"مُسَّمِعٌ". فالبيانُ لاختلاف المخرجين، وهو عربيّ جيّد، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (٢). والادغامُ جائز للتقارب في المخرج، واتّحادهما في الهمس، فقرأ بعضهم (٣): ﴿من يَسَّمع﴾. ولا يجوز إدغامُ السين في التاء؛ لئلّا يذهب صفيرُها على ما ذكرنا في الزاي، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: وقد شبّهوا تاء الضمير بتاء الافتعال، فقالوا: "خَبَطُّه". قال [من الطويل]:
وفي كلِّ حَيٍّ قَدْ خَبَطَّ بنِعْمَةٍ ... [فحُقَّ لِشأس مِنْ نَداك ذَنُوبُ] (٤)
و"فُزْدُ"، و"حُصْطُ عينَه"، و"عُدُّه"، و"نَقَدُّه". يريدون: خَبطتُ، وفُزتُ، وحُصْتُ، وعُدْتُ، ونَقَدْتُ. قال سيبويه (٥): وأَعْرَبُ اللغتين وأَجْوَدُهما أن لا تُقلَب.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّه قد شبه بعضُ العرب ممن تُرْضَى عربيّته تاء الضمير، إذا وقع قبلها أحدُ هذه الحروف الصاد والضاد والطاء والظاء، بتاء الافتعال, لأن التاء لما اتصلت بما قبلها من الفعل، ولم يمكن فصلُها من الفعل، صارت ككلمة واحدة، فأشبهت تاء "افْتَعَل"، وأُسْكِنت كما أسكنت التاء في "افْتَعَل"، وذلك قولك: "حُصْطُ عَيْنَ البازي". يريد: "حُصْتُ"، و"خَبَطُّهُ" يريد:"خبطته"، و"حَفِطُّ" يريد: "حفظت". وقد أنشدوا لعَلْقَمَة [من الطويل]:
وفي كلّ حَيّ قد خَبَطَّ بنِعْمَهٍ ... فَحُقَّ لشَأْسٍ من نَداكَ ذنُوبُ (٦)
стр. 2495
قال سيبويه: وأعرب اللغتين وأجودهما أن لا تقلب التاء طاءً؛ لأنّ التاء ههنا علامةُ إضمار، وليست تلزم الفعلَ. ألا ترى أنّك إذا أضمرتَ غائبًا، قلت: "فَعَلَ"، ولم تكن فيه تاءٌ، وهي في "افتعل" لم تدخل على أنّها لمعنًى، ثمّ تخرج، لكنّه بناءٌ دخلته زيادةٌ لا تُفارِقه. وليست كذلك تاء الإضمار؛ لأنّها بمنزلة المنفصل.
وقالوا: "فزد"، و"عدّه"، و"نقدّه"، كأنّهم شبّهوها بحالها في "ادَّانَ"، كما شُبّه الصاد وأخواتُها بهنّ في "افتعل". ولم يحك سيبويه (١) عنهم إلّا: "ادّان"، والقياس أن تقلب تاء المتكلم مع الدال والذال والزاي كما كان ذلك في "ادّان"، و"اذَّكَرَ"، و"ازّانَ".
قال صاحب الكتاب: قال (٢). وإذا كانت التاء متحرّكة وبعدها هذه الحروفُ ساكنة، لم يكن الادّغامُ. يريد نحو: "اسْتَطْعَمَ"، و"استَضْعف"، و"استَدْرك"؛ لأن الأوّل متحرّكٌ، والثاني ساكنٌ، فلا سبيلَ إلى الادّغام. و"اسْتَدانَ"، و"استَضاء"، و"استَطال" بتلك المنزلة, لأن فاءَها في نِيّة السكون.
* * *
قال الشارح: وإذا كانت متحرّكة وبعدها هذه الحروف ساكنة، لم يكن ادغام، نحو: "استعظم"، و"استضعف"؛ لأنّ أصل الادغام أن يكون الأوّل ساكنًا؛ لما ذكرناه في المنفصلين. فلمّا لم يكن سبيلٌ إلى الادغام، لم يجز التغيير، إنّما هو من توابع الادغام. قال: وأمّا "استدان"، و"استضاء"، و"استطال"، فهي بتلك المنزلة، لأنّ فاءها في نيّة السكون، إذا الأصل: "اسْتَدْيَنَ"، و"اسْتَضْوَأَ"، و"اسْتَطوَلَ"، فاعرفه.
فصل [ادّغام تاء "تفعَّل" و"تفاعَلَ "]
قال صاحب الكتاب: وادّغموا تاء "تَفَعَّلَ", و"تَفاعَلَ" فيما بعدها, فقالوا: "اطَّيَّرُوا", و"ازّينوا", و"اثّاقلوا", و"ادّارأووا", مجتلبين همزة الوصل للسكون الواقع بالادّغام. لم يدّغموا نحو: "تذكَّرون"؛ لئلا يجمعوا بين حذف التاء وادّغام الثانية.
* * *
قال الشارح. اعلم أن "تَفَعَّلَ"، و"تَفَاعَلَ" إذا كان فاء الفعل فيه حرفًا يدغم فيه التاء، جاز إدغامُها وإظهارُها. والحروف التي تدغم فيها التاء: التاء، والطاء، والدال، والظاء، والذال، والثاء، والصاد، والزاي، والسين، والضاد، والشين، والجيم، فاذا وقع شيءٌ من هذه الحروف بعد التاء، وآثرتَ الادغامَ، أدغمتَ التاء فيما بعدها. ولمّا
стр. 2496
ادُّغم، أدخلتَ ألف الوصل ضرورةَ الابتداء بالساكن، فقلت: "اطَّيَّرَ زيدٌ"، وكان الأصل: "تَطَيَّرَ"، فأسكنتَ التاء. ولم يجز أن تبتدىء بساكنٍ، فأدخلتَ ألفَ الوصل.
وكذلك "ازَّيَّنَ زيدٌ"، إذا أردت: "تَزَيَّنَ". فدخولُ الألف كسقوطها من "اقْتَتَلُوا" إذا قلت: "قَتَّلُوا"، بالتحريك. تُسْقِطها من "اقتتلوا" كما أنّ الإسكان يجلبُها ههنا.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ (١). إنّما كان "تَدارَأْتُمْ"، فادّغمتَ التاء في الدال؛ فاحتجتَ إلى همزة الوصل لاستحالة الابتداء بساكن. قال الله تعالى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ (٢)، وقال: ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (٣). والأصلُ: "تَثاقلتم". وتقول في المستقبل: "تَدارَأُ"، و"تَطَيَّرُ". قال الله تعالى: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ (٤) و ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى﴾ (٥).
ولا تدغم تاء المضارعة في هذه الحروف، فلا تقول في "تَذَكَّرُونَ": "اِذَّكَّرُونَ"، ولا في "تَدَّعُونَ": "ادَّعُونَ"؛ لأن ألف الوصل لا تدخل الأفعالَ المضارعةَ، لأنّها في معنى أسماء الفاعلين، فكما لا تدخل ألفُ الوصل أسماء الفاعلين، كذلك لا تدخل المضارع؛ لأنّه بمنزلتها؛ لأنّ ألف الوصل بابُها الأفعالُ الماضيةُ، نحو: "انْطلق"، و"اقْتدر"، و"اسْتخرج". ولم تدخل إلا في أسماء معدودة، وذلك بالحمل على الأفعال، ولأنّك لو ادّغمت في الفعل المضارع، لزال لفظُ الاستقبال، فكان يختلّ. فإن اجتمع إلى تاء "تَفعَّل"، و"تَفاعل" تاء أخرى إمّا للمذكّر المخاطَب، أو للمؤنّثة الغائبة، نحو قولك: "تَتَكَلَّمُ"، و"تَتَغافَلُ"، فإنّك تحذف إحدى التائَيْن، فتقول: "يا زيدُ لا تَكَلَّمْ"، و"يا عمرو لا تَغافَلْ"؛ لأنّه لمّا اجتمع المثلان، ثقُل عليهم اجتماعُ المثلين، ولم يكن سبيلٌ إلى الادغام؛ لِما يؤدّي إليه من سكون الأوّل. ولم يمكن الإتيانُ بالألف للوصل لما ذكرناه، فوجب حذفُ أحدهما على ما قدّمناه. قال الله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ (٦)، وقال عزّ وعلا: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾ (٧)، وقال: ﴿وَلَا تَوَلَواْ عَنْهُ﴾ (٨). والمراد: "تتنزّل"، و"تتمنّون". و"تتولّوا".
وقد اختلف العلماء في المحذوفة، فذهب سيبويه (٩) والبصريون إلى أنّ المحذوفة هي الثانية، وقال بعض الأصحاب: المحذوفة الأُولى، قالوا: ويجوز أن تكون الثانية.
والحجّةُ لسيبويه أن الثانية هي التي تسكن، وتدغم في "ازَّيَّنْت"، و"ادَّارَأْتُمْ".
стр. 2497
وقول صاحب الكتاب: و"لم يدغموا نحو: "تَذكرون" لئلّا يجمعوا بين حذف التاء وادغام الثانية" إشارةٌ منه بأنه كان يسوغ الادغامُ لولا الحذفُ. وليس ذلك صحيحًا؛ لأنّ هذا النوع من الادغام لا يسوغ في المضارع؛ لما ذكرناه من سكون الأول ودخولِ ألف الوصل، وذلك لا يجوز، فاعرفه.
فصل [الادّغام الشاذ]
قال صاحب الكتاب: ومن الادّغام الشاذ قولهم: "سِتٌّ", أصله: "سدسٌ"، فأبدلوا السين تاءً, وادّغموا فيها الدال. ومنه "وَدٌّ" في لغة بني تميم, وأصلها "وَتِدٌ", وهي الحجازية الجيدة, ومثله "عدانٌ" في "عتدانٍ". وقال بعضهم: "عُتُدٌ" فرارًا من هذا.
* * *
قال الشارح: قد نبه في هذا الفصل على أسماءٍ قد وقع فيها الادغامُ على غير قياس، وكثُر ذلك عنهم، فصار شاذًّا في القياس مطّردًا في الاستعمال. فمن ذلك قولهم: "سِتٌّ"، أصله: "سِدْسٌ": فكثرت الكلمةُ على ألسنتهم، والسين مضاعفة ليس بينهما حاجزٌ قويٌّ لسكونه، فكان مخرجُ الحاجز أيضًا أقرَب المخارج إلى السين، فصارت كأنّها ثلاث سينات. وقد تقدّم أن الدال تدّغم في السين، والسين لا تدّغم في الدال. فلو ادُّغم على القياس، لوجب أن يقال: "سِسٌّ" فيجتمع ثلاث سينات، فكرهوا ذلك؛ لأنّهم إذ كرهوا السين بينهما دالٌ كانوا لاجتماع ثلاث سينات ليس بينها حاجزٌ أكرهَ. وكرهوا أن يقلبوا السينَيْن دالًا، ويدغموا الدال الدال كما يُعمَل في الادغام مَن قلب الثاني إلى جنس الأوّل، فيقولوا: "سِدٌّ"، فيصير كأنّهم ادغموا السين في الدال، وذلك لا يجوز، فقلبوا السين إلى أشبه الحروف بها من مخرج الدال، وهو التاء؛ لأن التاء والسين مهموستان، فصار "سِدْتًا". ثمّ ادغموا الدال في التاء؛ لأنّهما من مخرج واحد، وقد سبقت القال التاء، وهي ساكنة، فثقُل إظهارُها. ولم يقلبوها صادًا، ولا زايًا, لأنّهما كالسين، إذ ليس بينهما، إلَّا أن الزاي مجهورة، والسين مهموسة، والصاد مطبقة، والسين منفتحة. فلو قلبوها صادًا أو زايًا، لصارتا كالسينَيْن، فاستُثقل.
والذي يدلّ على شذوذه أنّه لو كان يلزم الادغامُ في "سدس"، لوقوع الدال الساكنة بين السينين، للزم أن يقال في "سُدْس الشيء": "سِتٌّ" وفي "سدس" من أَظماء الإبل: "سِتٌّ". وذلك ممّا لا يقوله أحدٌّ، فعُلم أن ادغام "سِتّ" إنما هو على سبيل الشذوذ.
ويدل أن أصلَ "سِتَّةٍ": "سِدْسَةٌ" بالدال، أنّك تقول في التصغير: "سُدَيْسَةٌ"، وفي الجمع: "أَسْداسٌ". والتصغيرُ والتكسيرُ ممّا يُرَدّ فيه الأشياء إلى أصولها.
ومن ذلك "وَدٌّ"، اْصله: "وَتِدٌ". وهي اللغة الحجازية، ولكنّ بني تميم أسكنوا التاء
стр. 2498
كما أسكنوا في "فَخذٌ"، ثمّ ادغموا؛ لأنّ المتقاربين إذا كان الأول منهما متحرّكًا لا يدغم. ولم يكن مطردًا؛ لأنّه ربما التبس بالمضاعف حتى إنهم كرهوا "وَطدًا" و"وَتْدًا" في مصدر "وَطَدَ" "يَطِدُ"، و"وَتَدَ" "يَتِدُ". وكان الجيّد عندهم "طِدَةً"، و"تِدَةً".
وأمّا "عِتدانٌ" فهو جمعُ "عَتُودٍ"، وهو التَّيْس، وفيه لغتان: "عِتْدانٌ"، و"عِدّانٌ"؛ فأمّا "عِدّانٌ"، فشاذٌ كشذوذ "ودٍّ" في "وَتِدٍ"، فيلتبس بالمضاعف؛ لأنهما في كلمة واحدة، وقال بعضهم: "عُتُدٌ" في جمع "عَتُودٍ" على حد "رَسُولٍ" و"رُسُلٍ"، فِرارًا من الادغام في "عِدّان".
فصل [الحذف بدل الادّغام]
قال صاحب الكتاب: وقد عدلوا في بعض ملاقي المثلين أو المتقاربين لإعواز الادّغام إلى الحذف, فقالوا في "ظللت", و"مسست", و"أحسست": "ظَلْتُ", و"مَسْت", و"أحَسْت" قال: [من الوافر]:
١٣٦٨ - [سوي أنَّ العِتاقَ مِن المطايا] ... أحسن به فهن إليه شُوسُ
* * *
стр. 2499
قال الشارح: اعلم أنّ النحويين قد نظموا هذا النوع من التغيير في سِلْك الادغام، وسمّوه به، وإن لم يكن فيه ادغامٌ. إنما هو ضربٌ من الإعلال للتخفيف كراهيةَ اجتماع المتجانسَيْن كالادغام. وذلك قولهم: "ظلت" في "ظللت"، و"مست" في "مسست"، و"أحست" في "أحسست". وإنّما فعلوا ذلك؛ لأنّه لما اجتمع المثلان في كلمة واحدة، وتَعذّر الادغامُ لسكون الثاني منهما، ولم يمكن تحريكُه لاتّصال الضمير به، فحذفوا الأوّل منهما حذفًا على غير قياس، وهو الحرف المتحرّك. وإنما حذفوا المتحرّك، دون الساكن، لأنّهم لو حذفوا الثاني، لاحتاجوا إلى تسكين الأوّل، إذ كانت التاء التي هي للفاعل تُسكِن ما قبلها، فكان يؤدي ذلك إلى تكثير التغييرات.
قال أبو العبّاس: شبّهوا المضاعف ها هنا بالمعتلّ، فحُذف في موضع حذفه، فقالوا: "أَحَسْت" و"أَمَسْت"، كما قالوا: "أَقَمْت"، و"أَرَدْت"، وقالوا: "مِسْت"، و"ظِلْت"، كما قالوا: "كِلْت"، و"بِعْت"، كأنّهما استويا في باب "رَدَّ"، و"قامَ". وإنّما يُفعل ذلك في موضع لا يصل إليه الحركةُ بوجهٍ من الوجوه، وذلَك في "فَعَلْت"، و"فَعَلْنَ". فأمّا إذا لم يتصل به هذا الضميرُ، لا يُحذف منه شيءٌ؛ لأنّه قد تدخله الحركةُ إذا ثنّيتَ أو جمعتَ، نحو: "أَحَسَّا"، و"أمسّا"، و"أَحَسُّوا"، و"أَمَسُّوا"، و"أَحِسِّي"، و"أَمِسِّي". وإنّما جاز في ذلك الموضع للزوم السكون. وليس ذلك بجيّد ولا حسنٍ، وإنّما هو تشبيهٌ.
فأما "ظِلْتُ"، ففيه لغتان: كسرُ الأول وفتحُه. فمَن فتح حذف اللامَ، وترك الفاء مفتوحة على حالها. ومن كسر الفاء ألقى عليها كسرةَ العين، ثمّ حذفها ساكنةً، وكذلك "مَستُ".
وأمّا "أَحَسْت"، فليس فيه إلَّا وجهٌ واحدٌ، وهو فتحُ الحاء لإلقاء حركة العين عليها، إذ لو حذفوا السين الأوُلى مع حركتها، جتمع ساكنان: الفاء والسين الأخيرة، فكان يؤدّي إلى تغييرٍ ثانٍ، فلذلك قالوا: "أَحَسْت" لا غير. وعليه أنشدوا [من الوافر]:
سِوَى أنّ العِتاقَ مِن المَطايا ... أَحَسْنَ به فَهُنَّ إليه شُوسُ
وربّما قالوا: "أَحْسَيْنَ"، كأنّه أُعلّ الحرف الثاني بقلبه ياءً على حدٍّ "قَصَّيْتُ أَظفاري".
* * *
قال صاحب الكتاب: وقول بعض العرب: "استخذ فلان أرضاً"، لسيبويه فيه مذهبان (١): أحدهما: أن يكون أصله: "استتخذ", فتحذف التاء الثانية، والثاني: أن يكون "اتخذ", فتبدل السين مكان الأولى. ومنه قولهم: "يسطيع" بحذف التاء، وقولهم:
стр. 2500
"يَسْتِيعُ". إن شئت قلت: خذفت الطاء، وتُركت تاء الاستفعال، وإن شئت قلت: حُذفت التاء المزيدةُ، وأُبدلت التاء مكانَ الطاء. وقالوا "بَلْعَنْبَرِ"، و"بَلْعَجْلان" في "بَنِي العَنْبَرِ"، و"بني العَجْلانِ"، و"عَلْماءِ بنو فلانٍ"، أي: على الماء، قال [من الطويل]:
١٣٦٩ - غَداةَ طَفَتْ عَلْماءِ بَكرٌ بْنُ وائِلٍ ... وعاجَتْ صُدورُ الخَيلِ شَطرَ تَميمِ
وإذا كانوا ممن يحذفون مع إمكان الادّغام في "يَتَسَعُ" و"يَتَقِي"، فهم مع عَدَم إمكانه أَحْذَفُ.
* * *
قال الشارح: اعلم أن قولهم: "اسْتَخَذَ فلان أرضًا"، لسيبويه فيه قولان: أحدهما: أنّ أصله "اتَّخَذَ" على زنةِ "افْتَعَلَ" من قوله تعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (١)، فأبدلوا من التاء الأولى، وهي فاء الفعل سينًا، كما أبدلوا التاء من السين في "سِتٍّ"، وأصلها "سِدْسٌ". وليس إبدالُ السين على ما بينهما من الاشتراك في الهمس وتقارُب المخرجين بأشذَّ من حذفها في "تَقَيْت". وذلك لاستثقال التشديد، وفي الجملة الحذفُ شاذّ.
والوجه الثاني: أن يكون المراد: "استفعل"، وأصله: "اسْتَتْخَذَ"، فحذفوا التاء الثانية الساكنة؛ لأنّهم لو حذفوا الأولى اجتمع ساكنان، فكان يؤدّي إلى تغيير ثان. وليس ذلك في الحذف بأبعد منه في "ظَِلْت"، و"مَِسْت".
ومن ذلك "أَسْطَاعَ"، "يَسْطِيع"،قالوا: الأصل في "أسطاع": "اسْتَطاعَ" وإنّ
стр. 2501
التاء حُذفت تخفيفًا، وفُتحت همزة الوصل، وقُطعت، وهو قول الفرّاء.
وفي "استطاع" أربعُ لغات: "أسطاعَ يُسْطِيع"، بفتح الهمزة في الماضي، وضمّ حرف المضارعة، فهو من "أَطاعَ، يُطِيع"، وأصله: "أَطْوَعَ، يُطْوع" بقلب الفتحة من الواو إلى الطاء في "أَطْوَعَ" إعلالًا له حملًا على الماضي، فصار "أطاعَ"، ثمّ دخلت السين كالعوض من عين الفعل. هذا مذهب سيبويه (١).
واللغة الثانية: "اسْتَطاعَ، يَسْتَطِيع" بكسر الهمزة في الماضي، وفتح حرف المضارعة، وهو "استفعل"، نحو: "استقام"، و"استعان".
واللغة الثالثة: "اسْطاعَ يَسْطِيع" بكسر الهمزة في الماضي ووصلِها وفتح حرف المضارعة، والمراد: "استطاع"، فحذفت التاء تخفيفًا لاجتماعها مع الطاء، وهما من معدن واحد.
واللغة الرابعة: "اسْتاعَ"، بحذف الطاء؛ لأنّها كالتاء في الشدّة، وتَفْضُلها بالإطباق، وقيل المحذوف التاء؛ لأنّها زائدة. وإنّما أبدلوا من الطاء بعدُ تاء لأنَّها من مخرجها، وهي أخفٌّ، وهو حذفٌ على غير قياس، فلذلك ذكره هنا.
وممّا حُذف استخفافًا على غير قياس؛ لأنّ ما ظهر دليلٌ عليه قولُهم في قبيلةٍ تظهر فيها لامُ المعرفة، ولا تدّغم، نحو: "بني العَنْبَر"، و"بني العَجْلان"، و"بني الحارث"، و"بني الهُجَيْم": "هؤلاء بَلعَنْبَرِ، وبَلْعَجْلانِ، وبَلْحْارثِ، وبَلهُجَيْمِ"، فحذفوا النون لقربها من اللام. وهم يكرهون التضعيف، إذ الياء الفاصلة تسقط لالتقاء الساكنين. ولا يفعلون ذلك في بني النَّجّار، وبني النَّمِر، وبني التَّيْم؛ لئلّا يجمعوا عليه إعلالين: الادغامَ والحذفَ.
وقالوا: "عَلْماء بنو فلان"، يريدون: "على الماء"، فهمزة الوصل تسقط للدرج، وألفُ "عَلَى" تُحذف لالتقائها مع لام المعرفة، فصار اللفظ "عللماء". فكرهوا اجتماع المثلين، فحذفوا لامَ "عَلَى" كما حذفوا اللام في "ظلت"؛ لاجتماع المثلين. وإذا كانوا قد حذفوا النون في "بلحارث"، و"بلعجلان"؛ لاجتماعها مع اللام إذ كانت مُقارِبةً، فلأن يحذفوا اللام مع أختها بطريق الأَوْلى. وأنشدوا [من الطويل]:
١٣٧٠ - فما سبق القَيْسِيُّ من سُوءِ سِيرَةٍ ... ولكن طَفَتْ عَلْماء غُزْلَةُ خالِدِ
стр. 2502
ويُروى:
وما غلب القيسيّ من ضُعْفِ قُوَّةٍ
قال أبو العبّاس محمد بن يزيد: قال أبو عثمان المازنيّ: رأيتُ في كتاب سيبويه هذا البيت في باب الادغام (١). قال أبو عمرو: وهو للفرزدق قاله في رَجُلَيْن أحدُهما من قَيس، والآخر من عَنبَر، فسبق العنبريُّ، وكان اسمُه خالدًا. ومثله قوله [من الوافر]:
غداة طفت علماء ... إلخ
الشاهد فيه قوله: "علماء"، والمراد: "على الماء"، فحذفوا، فاعرفه.
تمّ شرح كتاب المفصّل للزمخشريّ، والحمدُ لله ربّ العالمين، وصلى الله على سيّدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين وأصحابه أجمعين