← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13301

شرح المفصل لابن يعيش

ابن يعيش

Полный текст (2 502 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فالوجهُ الأوَّل: "يا ابنَ أُمّي"، و"يا ابنَ عَمّي" بإثبات الياء، قال الشاعر [من الخفيف]: ٢١٨ - يا ابنَ أُمِّي ويا شُقَيِّقَ نَفْسِي ... أنتَ خلَّفتَني لدَهْرٍ شَدِيدِ ولذلك وجهان من المعنى: أحدُهما أن تكون أثبتَّها كما أثبتها في "يا غلامي". وإذا ساغ ثبوتُها في المنادى، كان ثبوتُها في المضاف إلى المنادى أسوغَ. والثاني، وهو أجودُهما، أن تُثْبِتها كما أثبتَها في "يا ابنَ أخي"، وفي "يا غلامَ غلامي". والوجه الثاني: من الأوجه الأربعة أن تقول: "يا ابنَ أُمَّ" و"يا ابنَ عَمَّ" بالفتح. وقد قرأ به ابنُ كَثِير، ونافعٌ، وأبو عمرو. ويحتمل ذلك أمرَيْن: أحدُهما أن يكون الأصلُ: "يا ابنَ أُمَّا" بالألف، ثمّ حُذفت الألف تخفيفًا. وساغ ذلك لأنهّا بدلٌ من الياء، فحُذفت كما تُحذف الياء في "يا غلامي" في قولك "يا غلامِ". وحُذفت الياء من المضاف إليه، وإن كانت لا تُحذف من المضاف إليه إذا قلت: "يا غلامَ غلامِي" كما تُحذف من المضاف إذا قلت: "يا غلامِ", لأنّ هذا الاسم أعنِي "يا ابنَ أُمِّ"، و"يا ابنَ عَمِّ" قد كثُر استعمالُه، فجاز فيه ما لم يجز في نظائره. والفتحة في "ابنَ" على هذا فتحةُ إعراب كما أنها في "يا غلامَ غلامي" كذلك. والثاني أن تجعل "ابنًا" و"أُمًّا" جميعًا بمنزلةِ اسم واحد فتبني الاسمَ الآخِرَ على الفتح، وتبني الاسمَ الذي هو الصدرُ لأنّه كالبعض للثاني. فالفتحةُ في الأوّل ليست نصبةً كما كانت في الوجه الأوّل وإنّما هي بمنزلةِ الفتحة من "خمسةَ عشرَ"، وهما في موضعِ

стр. 352

مضموم من حيث كانا بمنزلةِ اسم واحد كـ"خمسةَ عشرَ"، وهو مقصود، ويجوز أن يكون فتح الثاني إتباعًا لفتحةِ النون في "ابن"، وموضغ "أُمَّ"، و"عَمَّ" خفضٌ بالإضافة. والوجه الثالث: الكسر، فتقول: "يا ابنَ أُمِّ"، و"يا ابنَ عمِّ" وقرأ ابنُ عامر، وحمزةُ، والكسائى: ﴿قَالَ (١) ابْنَ أُمِّ﴾ (٢) بالكسر. ويحتمل أمرَيْن: أحدُهما أن يكون أضاف "ابنَا" إلى "أُمّ"، وحذف من الثاني، وكان الوجهُ إثباتَها مثلَ "يا غلامَ غلامي". والوجه الثاني أنّهما لما جُعلا كاسم واحد، وأضافهما إلى نفسه، حذف الياءَ، وبقيت الكسرةُ دليلاً كما يُفْعَل بالاسم الواحد، نحو: "يا غلام" و"يا قوم"، ومثلُه "يا أحدَ عشرِ أقبلوا". الوجه الرابع: أن تقول: "يا ابنَ أمَّا" و"يا ابنَ عمَّا"، فتجعل مكانَ الياء ألفًا كما قال [من الرجز]: يا بِنْتَ عَمَّا لا تَلُومِي واهْجَعِي (٣) كما تقول: "يا غلامَا"، فتفتح ما قبل الياء تخفيفًا وهي متحرّكةٌ، فتنقلِب ألفًا، فاعرفه.

стр. 353

المندوب فصل قال صاحب الكتاب: "ولا بد لك في المندوب من أن تلحق قبله "يا" أو "وا", وأنت في إلحاق الألف في آخره مخيرٌ, فتقول: "وا زيداه". أو "وا زيدُ". والهاء اللاحقة بعد الألف للوقف خاصة دون الدرج. ويلحق ذلك المضاف إليه, فيقال: "وا أمير المؤمنيناه", ولا يلحق الصفة عند الخليل (١) ,فلا يقال "وازيد الظريفاه", ويلحقها عند يونس (٢). ولا يندب إلا الاسم المعروف, فلا يقال: "وارجلاه", ولم يستقبح: وامن حفر بئر زمزماه", لأنه بمنزلة "وا (٣) عبد المطلباه"". * * * قال الشارح: اعلم أن المندوب مدعوٌّ، ولذلك ذُكر مع فُصول النداء، لكنّه على سبيل التفجّع، فأنتَ تدعوه، وإن كنتَ تعلم أنّه لا يستجيب كما تدعوالمستغاثَ به وإن كان بحَيْثُ لا يسمع، كأنّه تعُدّه حاضرًا. وأكثرُ ما يقع في كلام النساء لضُعْفِ احتمالهنّ، وقلةِ صَبْرهنّ. ولمّا كان مدعوًّا بحيث لا يسمع أتوا في أوّله بـ "يَا" أو "وَا" لمَدِّ الصوت، ولمّا كان يُسْلَك في الندبة والنوْحِ مذهبُ التطريب، زادوا الألفَ آخِرًا للترنّم؛ كما يأتون بها في القَوافي المطلَقةِ. وخصّوها بالألف دون الواو والياء، لأنّ المَدّ فيها أمكنُ من أُخْتَيْها. واعلم أنّ الألف تفتح كلَّ حركة قبلها ضمةً كانت أو كسرةً, لأنّ الألف لا يكون ما قبلها إلّا مفتوحًا، اللَّهُمَّ إلا أن يُخاف لَبْسٌ، فحينئذ لا تُغيَّر الحركة، فتقول: "وا زيدَا". وإذا وقفتَ على الألف، ألحقتَ الهاءَ في الوقف محافظة عليها لخَفائها، فتقول: "وا زيداهْ"، و"يا عمراهْ". فإن وصلتَ، أسقطتَ الهاءَ؛ لأن خَفاءَ الألف قد زال بما اتّصل بها، فتقول: "وا زيدًا، وعمراهْ"، تُسْقِط الهاءَ من الأوّل لاتّصاله بالثاني، وتُثْبِتها في الثاني لأنّك وقفتَ عليه، ويجوز أن لا تأتي بألف الندبة، وتُجْرِيَ لفظَه مُجْرَى لفظ المنادي، نحوِ: "وا زيدُ"، و"يا عمرُو"، ولا يُلْبِس بالمنادى، إذ قرينةُ الحال تدل عليه.

стр. 354

وتلحَق علامةُ الندبة المضافَ إليه، فيقال: "وا أميرَ المؤمنيناهْ"، و"وا غلامَ زيداهْ"؛ لأنّ المضاف والمضاف إليه كالاسم الواحد من حيث كان ينزِل منزلةَ التنوين من المضاف، فإن كان المضافُ إليه اسمًا ظاهرًا، فتحتَ آخِرَه لأجلِ ألف الندبة، وتحذف التنوينَ من المضاف إليه في الندبة، لأنه لا يجتمع ساكنان: التنوينُ والألفُ، ولم تُحرِّك التنوينَ لأن أداةَ الندبة زيادةٌ غيرُ منفصلة كما أن التنوين كذلك، فلم يجتمع في آخِرِ الاسم زيادتان على هذه القضيّة، فعاقبوا بينهما لذلك. هذا إذا كان المضافُ إليه ظاهرًا، فإن كان مضمرًا؛ فإن كان المضمرُ متكلمًا، فلا تخلو ياؤُه من أن تكون محذوفةً وقد اجتُزىء بالكسرة منها، نحوَ: "يا غلامِ"، أو تكون ثابتة، وفيها لغتان السكونُ والحركةُ. فإن كانت الأوُلى، فإنّك تُبْدِل من الكسرة فتحةً لأجلِ الألف بعدها، وتقول: "وا غلاماهْ"، وإن كانت ثابتةً، وهي ساكنةٌ، كان لك فيها وجهان: أحدهما: حذفُ الياء لسكونها وسكونِ الألف بعدها، ويستوي في ذلك لغةُ مَن أثبتَها ومَن حذفها. والوجهُ الثاني: أن لا تحذفها، بل تفتحها لأجل الألف بعدها، وإذا كانوا قد فتحوا ما ليس أصلُه الفتحَ، كان فتحُ ما أصلُه الفتحُ أجدرَ وأوْلى. وإن كانت الياء مفتوحةً، نحوَ: "وا غلامِيَ"، فليس فيه إلّا وجهٌ واحدٌ. وهو إثباتُها وتحريكُها. وإن كان المضاف إليه مضمرًا غيرَ ياءِ النفس، أثبتَّه بالألف، وفتحتَ ما قبلها إذا لم يلتبِس، نحوَ قولك في المضاف إلى المخاطب: "وا غلامَكاهْ". فإن كان ممّا يلتبِس، قلبتَ الألفَ إلى جنسِ الحركة قبلها، نحوَ: "يا غلامَكِيهْ"، إذا كان المخاطبُ مؤنّثًا، إذ لو قلت: "وا غلامكاهْ"، التبس بالمذكّر. وكذلك تقول: "وا غلامَهُوهْ" إذا كان المضمر غائبًا، إذ لو قلت: "وا غلامَهَاهْ" التبس بالمؤنّث، وعلى هذا فقِسْ كلَّ ما يأتي منه. ولا تلحَق ألفُ الندبة الصفةَ، لا تقول: "وا زيدُ الظريفاهْ" عند سيبويه والخليلِ (١)؛ لأن الصفة ليست المقصودَ بالندبة، وإنّما المندوبُ الموصوفُ، وذهب الكوفيون، ويونسُ من البصريين إلى جَوازه (٢). وقالوا: إن الصفة والموصوف كالشيء الواحد. والمذهبُ الأوّلُ، إذ ليست الصفةُ كالمضاف إليه، لأنّ المضاف إليه داخلٌ في المضاف، ولذلك يلزَمه، وأنتَ في الصفة بالخِيار، إن شئتَ تصف، وإن شئت لا تصف. واعلم أنّ الندبة لما كانت بُكاءً ونَوْحًا بتَعْدادِ مَآثِرِ المندوب وفضائِله، وإظهارُ ذلك

стр. 355

ضَعْفٌ وخَوَرٌ، ولذلك كانت في الأكثر من كلام النِّسْوان لضَعفهنّ عن الاحتمال، وقلّةِ صَبْرهنّ، وجب أن لا يُنْدَب إلّا بأشْهَرِ أسماء المَندوب وأعْرَفِها، لكَيْ يعرفَه السامعون، فيكونَ عُذْرًا له عندهم، ويُعْلَمَ أنّه قد وقع في أمر عظيم، لا يُمْلَك التصبرُ عند مثله. فلهذا المعنى لا تُنْدَب نكرةٌ (١)، ولا مبهمٌ، فلا يُقال: "وا رجلاهْ"، ولا "وا هذاهْ" لإبهامهما. ويستقبحون "وا مَن في الداراهْ" لعدمِ وُضوحه وإبهامِه، ولا يستقبحون: "وا مَن حَفَرَ بئْرَ زَمْزَماهْ", لأنه مَنْقَبَةٌ وفَضِيلةٌ صار ذلك عَلَمًا عليه، يُعْرَف به بعينِهِ، فجرى مَجْرَى الأَعلام، نحوِ: "وا عبدَ المُطَّلِباهْ". وذلك أنّ عبد المطلب هو الذي أظهرَ زَمْزَمَ بعدَ دُثورها من عَهْدِ إسماعيلَ ﵇، بأنْ أُتِيَ في المَنام، فأمر بحَفْرِ زمزمَ، فقال: وما زمزمُ؟ قال: لا تُنْزَف، ولا تُهْدَم، وتَسْقي الحَجِيجَ الأعظم، وهي بين الفَرْث والدم. فغدا عبدُ المطّلب، ومعه الحارثُ ابنه ليس له يومئذٍ ولدٌ غيرُه، ووجد الغُرابَ ينقُر بين إسافٍ ونائلةَ، فحَفَرَ، فلمّا بدا الطَّوِيُّ كَبَّرَ، وقِصَّتُه معروفةٌ. فالندبة نوعٌ من النداء، فكلُّ مندوب منادى، وليس كلُّ منادى مندوبًا، إذ ليس كل ما ينادَى يجوز ندبتُه، لأنّه يجوز أن ينادَى المنكورُ، والمبهمُ ولا يجوز ذلك في الندبة، فاعرفه.

стр. 356

حذف حرف النداء فصل قال صاحب الكتاب: "ويجوز حذف حرف النداء عما لا يوصف به "أيّ". قال الله تعالى: ﴿يوسف أعرض عن هذا﴾ (١) , وقال: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ (٢). وتقول: "أيها الرجل", و"أيتها المرأة" و"من لا يزال محسنًا إليّ", ولا يحذف عما يوصف به "أيّ", فلا يقال: "رجل" ولا "هذا"". * * * قال الشارح: قد تقدّم القول إن الغرض بالنداء التصويتُ بالمنادى ليُقْبِلَ. والغرضُ من حروف النداء امتدادُ الصوت وتنبيهُ المدعوّ، فإذا كان المنادَى متراخِيًا عن المنادِي، أو مُعْرِضًا عنه لا يُقْبِل إلّا بعد اجتهادٍ، أو نائمًا قد استثقل في نَوْمه، استعملوا فيه جميعَ حروف النداء ما خلا الهمزةَ، وهي "يَا" و"أيَا"، و"هَيَا"، و"أيّ" يمتدّ الصوتُ بها ويرتفع، فإن كان قريبًا، نادوه بالهمزة، نحوَ قول الشاعر [من الطويل]: أزيدُ أخا وَرْقاءَ إن كنتَ ثائرًا (٣) لأنّها تُفيد تنبيهَ المدعوّ، ولم يُرَد منها امتدادُ الصوت لقُرب المدعوّ، ولا يجوز نداءُ البعيد بالهمزة لعدمِ المَدّ فيها، ويجوز نداءُ القريب بسائرِ حروف النداء توكيدًا. وقد يجوز حذفُ حرف النداء من القريب، نحو قوله [من البسيط]: ٢١٩ - حارِ بنَ كَعْبٍ ألا أحْلامَ تَزْجُرُكم ... [عَني وأنتمْ من الجُوفِ الجماخيرِ]

стр. 357

ونحوُ قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ (١). وقد كثُر حذفُ حرف النداء في المضاف، نحو قوله تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٣)، وقال: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ (٤)، وقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ (٥). وهو كثيرٌ في الكتاب العزيز. وفي الجملة حذفُ الحروف ممّا يَأْباه القياسُ, لأن الحروف إنّما جيء بها اختصارًا ونائبةٌ عن الأفعال، فَـ "ما" النافيةُ نائبة عن "أنْفِي"، وهمزةُ الاستفهام نائبةٌ عن "استفهِمُ"، وحروفُ العطف عن "أعْطِفُ"، وحروفُ النداء نائبة عن "أُنادِي"، فإذا أخذتَ تحذفها كان اختصارَ المختصَر، وهو إجحافٌ، إلاَّ أنّه قد ورد فإما ذكرناه لقوَّة الدلالة على المحذوف، فصار القرائنُ الدالّةُ كالتلفّظ به. وقوله: "يجوز حذفُ حرف النداء ممّا لا يوصَف به "أيٌّ"، جعل ذلك شرطًا في جوازِ حذفه لا علّةً. ومنهم من جعل ذلك علّة؛ وإنّما هو اعتبارٌ وتعريفٌ للموضع الذي يُحذف منه حرف النداء، فقالوا: كلُّ ما يجوز أن يكون وصفًا لـ "أيٍّ" ودعوتَه، فإنّه لا يجوز حذفُ حرف النداء منه؛ لأنّه لا يُجمع عليه حذفُ الموصوف وحذفُ حرف النداء منه، فيكونَ إجحافًا، فلذلك لا تقول: "رجلُ أقبلْ"، و"لا غلامُ تعالَ"، و"لا هذَا هَلُمَّ"، وأنت تريد النداءَ حتى يظهر حرفُ النداء, لأنّ هذه الأشياء يجوز أن تكون نُعوتًا لـ "أيّ"، نحوَ: "يا أيّها الرجلُ"، و"يا أيّها الغلامُ"، و"يا أيّهذا", لأنّ "أيًّا" مبهمٌ، والمبهمُ يُنْعَت بما فيه الألف

стр. 358

واللام، أو بما كان مبهمًا مثلَه. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ (١). قال الشاعر [من الكامل]: ٢٢٠ - يَا أيُّهَا الرجلُ المُعلِّمُ غيرَه ... هَلَّا لنفسك كان ذا التعليمُ وقال الآخر [من الطويل]: ألا أيّهذا الباخعُ الوَجْدُ نفسَه ... [لشَيْء نَمَتْه عن يديه المقادِرُ] (٢) فوصف "أيا" باسم الإشارة كما وصفه بما فيه الألف واللام، إذ كان مبهمًا مثلَه، كما يوصَف ما فيه الألف واللام بما فيه الألف واللام. واحتجّ سيبويه بأنّ أصلَ هذا أن يُستعمل بالألف واللام، فتقول: "يا أيّها الرجلُ"، فلم يجز حذفُ ما كان يتعرّف به وتبقيتُه على التعريف إلّا بِعوَض، وكذلك المبهم يكون وصفًا على ما تقدّم لـ "أيّ"، فإذا حذفتَ "أيًّا"، صار "يَا" بدلاً في "هذَا"، كما صار بدلاً في "رجل". وقال المازنيّ في نحوِ، "هذَا أقبلْ": إنّ "هذَا" اسمٌ تُشِير به إلى غير المخاطب، فلمّا ناديتَه، ذهبتْ منه تلك الإشارةُ، فعُوّض منها التنبيه بحرف النداء. وقد أجاز قومٌ من الكوفيين: "هذا أقبلْ" على إرادةِ النداء، وتَعلَّقوا له بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٣). قالوا: والمراد "يا هؤلاء"، وقد عمِل به المتَنَبِّي في قوله [من الكامل]: ٢٢١ - هذِي بَرَزْتِ لنا فهِجْتِ رَسِيسَا ... [ثمَّ انثنيتِ وماشَفيتِ نسيسا]

стр. 359

وكان يَمِيل كثيرًا إلى مذهب الكوفيين. ولا حجّةَ في الآية لاحتمالِ أن يكون "هؤلاء" منصوبًا بإضمارِ "أعْنِي" بمعنى الاختصاص ويكون "أنتم" مبتدأ، و"تقتلون" الخبرَ. وقيل: "أنتم" مبتدأ، والخبرُ "هؤلاء" و"تقتلون أنفسكم" من صلةِ "هؤلاء". وقد يكون اسمُ الإشارة موصولاً، نحوَ قوله [من الطويل]: ٢٢٢ - عَدَسْ ما لعَبّادٍ عليكِ إمارةٌ ... أمِنْتِ وهذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ

стр. 360

أي: والذي تحملينه طليقٌ. ويُحمل قول المتنبّي على أن يكون إشارة إلى المصدر، أي: هذه البَرْزَة، أو إلى الظرف على إرادةِ المَرَّّة، فاعرفه. * * * قال صاحب الكتاب: " وقد شذ قولهم: "أصبح ليل" (١) , و"افتد مخنوق" (٢). و"أطرق كرا" (٣).و [من الرجز]: ٢٢٣ - جاري لا تستنكري عذيري ... [سيري وإشفاقي علي بعيري]

стр. 361

ولا عن المستغاث والمندوب, وقد التزم حذفه في "اللهم" لوقوع الميم خلفًا عنه". * * * قال الشارح: قد جاء عنهم حذفُ حرف النداء من النكرة المقصودة، قالوا: "أصْبحْ ليلُ"، و"افْتَدِ مخنوقُ"، و"أطْرِقْ كَرَا" يريد ترخيمَ "كَرَوانٍ" على قولِ من قال: "يا حارُ" بالضمّ. وذلك أن هذه أمثالٌ معروفةٌ، فجرت مجرى العَلَم في حذفِ حرف النداء منها. وقال أبو العبّاس المبرّد: الأمثالُ يُستجاز فيها ما يستجاز في الشعر لكثرة الاستعمال لها. فأمّا قول العَجَّاج [من الرجز]: جارِيَ لا تستنكري عذيري فإنّه يريد: يا جاريةُ، فإنّما رَخَّمَ، فحذف تاءَ التأنيث، وحذف أداةَ النداء ضرورةً. ولا يجوز حذفُ حرف النداء من المستغاث به، فلا تقول: "لَزَيْدٍ"، وأنت تريد: يا لَزيدٍ, لأن المستغِيث يبالغ في رفعِ صوته وامتداده لتوهُّمه في المستغاث به الغَفْلَةَ والتراخِيَ. وكذلك المندوب، قال سيبويه (١): لا يجوز حذفُ حرف النداء منه لأنّهم يختلِطون، ويدعون ما قد فات وبعُد عنهم. والاختلاطُ الاجتهادُ في الغَضَب، ولأنّهم يريدون به مذهبَ الترنّم ومَدَّ الصوتِ، ولذلك زادوا الألفَ أخيرًا مبالغةً في الترنّم. فأمّا قولهم: "اللَّهُمَّ"، فهو نداءٌ، والضمةُ فيه بناءٌ بمنزلتها في "يا زيدُ"، والميمُ فيه عِوَضٌ من حرف النداء، ولذلك لا يجتمع "يَا" مع الميم إلّّا في شعرٍ أنشده الكوفيون (٢)، لا يُعْرَف قائله ويكون ضرورةً، وذلك قوله [من الرجز]: ٢٢٤ - إنّي إذا ما حَدَثٌ ألَمَّا ... دَعَوْتُ يا اللَّهُمَّ يا اللهمّا

стр. 362

فجمع لضرورة بين "يا" و"الميم". وذهب الفرّاء من الكوفيين إلى أنّ أصله "يا اللهُ أُمَّنَا بخَيْرٍ"، إلاَّ أنّه لمّا كثُر في كلامهم، واشتهر في ألسِنتهم، حذفوا بعضَ الكلام تخفيفًا كما قالوا: "هَلُمَّ". والأصلُ: هَا الْمُمْ، فحذفوا الهمزةَ تخفيفًا، وادّغموا الميم في الميم، كما قالوا: وَيْلُمِّهِ. والأصل: وَيْلٌ لأمّه، وإنما حذفوا، وخفّفوا. وهو قولٌ واهٍ جدًّا لوجوهِ: منها أنّه لو كان الأمر كما ذكروا، لَمَا حسُن أن يُقال: "اللَّهُمَّ أُمَّنَا بخير"، لأنّه يكون تكرارًا، فلمّا حسُن من غير قُبْحٍ دل على فَسادِ ما ذهب إليه. وأيضًا فإنّه لو كان الأمر على ما ظنّ، لَمَا جاز استعمالُه في المَكارِه، نحو: "اللَّهُمَّ أهْلِكْهم، ولا تُهْلِكْنا، لأنه يكون تَناقُضًا. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١)، مع أنَّه لو كانت الميمُ أصلاً من الفعل، لمٍ يحتج الشرطُ إلى جوابٍ في الآية، ولَسدّت مَسَد الجواب. فلمّا افتقرت إلى جواب، وأجيبت بالفاء، دلّتْ على أنّها زائدةٌ، وليست من الفعل. واعلم أن سيبويه (٢) لا يرى نَعْتَ "اللَّهُمَّ" لأنه لفظٌ لا يقع إلاَّ في النداء، فهو في منزلةِ "يا هَناهْ"، و"يا مَلْكَعانُ" و"فُلُ"، وليس شيءٌ من هذا يُنْعَتُ (٣). وخالَفَه أبو العبّاس في ذلك، وقال: إذا كانت

стр. 363

الميم عوضًا من "يَا" فكما تقول "يا الله الكريمُ"، كذلك تقول: "اللَّهُمَّ الكريمُ"، واستدلّ بقوله تعالى: ﴿اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١)، فسيبويه (٢) يحمل ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ﴾ على أنّه نداءٌ ثانٍ، لا أنّه نعتٌ.

стр. 364

الاختصاص فصل قال صاحب الكتاب: "وفي كلامهم ما هو على طريقةِ النداء، ويُقصد به الاختصاصُ، لا النداءُ، وذلك قولهم: "أمّا أنا فأفعلُ كذا أيُّها الرجلُ"، و"نحن نفعل كذا أيُّها القومُ"، و"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لنا أيتُها العِصابةُ". جعلوا "أيّا" مع صفته دليلاً على الاختصاص والتوضيح، ولم يعنوا بالرجل، والقوم، والعصابةِ إلاَّ أنفسَهم وما كنوا عنه بـ"أنَا" و"نحن" والضميرِ في "لَنَا"، كأنّه قيل: أمّا أنا فأفعلُ متخصّصًا بذلك من بينِ الرجال، ونحن نفعل متخصِّصين من بين الأقوام، واغفرْ لنا مخصوصين من بين العصائب". * * * قال الشارح: اعلم أنّ كلَّ منادى مختصٌّ، تختصُّه فتُناديه من بينِ مَن بحَضْرتك لأمْرك، ونَهْيك، أو خبرِك. ومعنَى اختصاصك إياه أن تقصِده، وتختصّه بذلك دونَ غيره. وقد أجرتِ العرب أشياءَ اختصّوها على طريقة النداء لاشتراكهما في الاختصاص، فاسْتعير لفظُ أحدهما للآخر من حيث شارَكَه في الاختصاص، كما أجروا التسْويةَ مُجْرَى الاستفهام، إذ كانت التسوية موجودةً في الاستفهام. وذلك قولك: "أزيدٌ عندك أم عمرٌو؟ "، و"أزيدٌ أفضلُ أم خالدٌ؟ " فالشيئان اللذان تسأل عنهما قد استوى عِلْمُك فيهما، ثمّ تقول: "ما أُبالي أقمتَ أم قعدتَ" و ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ (١). فأنت غيرُ مستفهم، وإن كان بلفظ الاستفهام لتشارُكهما في معنى التسوية، لأنّ معنى قولك: "لا أُبالي أفعلتَ أم لم تفعل"، أي: هما مستوِيان في عِلْمىِ. فكما جاءت التسويةُ بلفظ الاستفهام لاشتراكهما في معنى التسوية، كذلك جاء الاختصاصُ بلفظ النداء لاشتراكهما في معنى الاختصاص، وإن لم يكن منادى. والذي يدلّ على أنّه غير منادى أنّه لا يجوز دخولُ حرف النداء عليه، لا تقول: "أنا أفعلُ كذا يا أيُّهذا الرجلُ" إذا عنيتَ نفسك، ولا "نحن نفعل كذا يا أيُّها القومْ" إذا عنيتم أنفسَكم، لأنّك لا تُنبِّه غيرَك. وهذا الاختصاص يقع للمتكلّم، نحوِ: "نحن نفعل أيُّها العِصابةُ"، وتعني بالعصابة أنفسَكم، وللمخاطب، نحوِ: "أنتم تفعلون أيّها القومُ"، ولا يجوز للغائب، لا تقول: "إنهم كذا أيّتُها العصابةُ".

стр. 365

وقولهم: "أنا أفعل كذا أيّها الرجل"، و"نحن نفعل كذا أيّتها العصابة"، فـ "أيُّ" وصفتُها مرفوعٌ بالابتداء، وخبرُه محذوفٌ، أو خبرٌ محذوفُ المبتدأ. فإذا كان مبتدأ، فكأنّه قال: الرجلُ المذكور أو العصابةُ المذكورة مَن أُريد. وإذا كان خبرًا، فكأنّه قال: من أُريد الرجلُ المذكور أو العصابةُ المذكورة، إذ لا يقدَّر فيها حرفُ النداء، بل هي جملةٌ في موضع الحال, لأنّ الكلام قبلها تامٌّ. ولذلك مثَّلهَا صاحبُ الكتاب بقوله: "أنا أفعل كذا متخصِّصًا من بين الرجال" و"نحن نفعل متخصِّصين من بين الأقوام". وذكرُ "أيّ" هنا وصفتِه توضيحًا وتأكيدًا إذ الاختصاص حاصلٌ من "أنا"، و"نحن"، فاعرفه. * * * قال صاحب الكتاب: وممّا يجرى هذا المجرى قولُهم: "إنَا مَعشرَ العرب نفعل كذا"، و"نحن آلَ فلان كُرَماءُ"، و"إنَا معشرَ الصَّعالِيكِ لا قوَّةَ بنا على المُرُوّة"، إلّا أنّهم سوّغوا دخولَ اللام ههنا، فقالوا: "نحن العربَ أقَرَى الناس للضيف"، و"بك اللهَ نرجو الفَضْلَ"، و"سُبْحانَك الله العظيمَ". ومنه قولهم: "الحَمْدُ لله الحميدَ"، و"المُلْكُ لله أهلَ المُلْك"، و"أتاني زيدٌ الفاسقَ الخبيثَ"، وقُرىء ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ (١)، و"مررتُ به المِسْكِينَ والبائسَ"، وقد جاء نكرة في قول الهُذَليّ [من المتقارب]: ٢٢٥ - وَيأْوِي إلى نِسْوةٍ عُطَّلٍ ... وشُعْثا مَراصيعَ مِثْلَ السَّعالِي

стр. 366

وهذا الذي يُقال فيه نصبٌ على المَدْح والشتْم والترحُّم". * * * قال الشارح: اعلم أن هذا النحو من الاختصاص يجري على مذهب النداء من النصب بفعل مضمر غيرِ مستعمل إِظهارُه، وليس بنداء على الحقيقة، بدليلِ أنّ الاسم المفرد الذي يقع فيه لا يُبنى على الضمّ، كما يُبنى الاسم المفرد في النداء على الضمّ في نحوِ: "يا زْيدُ"، و"يا بكرُ". ولم يقولوا في [من الرجز]: ٢٢٦ - بِنَا تَمِيمًا يُكشَفُ الضَّبابُ "بنا تميمُ" بالضمّ، كما فعلوا في النداء، ولأنّه أيضًا يدخل عليه الألف واللام، نحوَ: "نحن العربَ أقرى الناس للضيف"، وما فيه الألف واللام لا يباشره حرفُ النداء، وإذا أرادوا ذلك، تَوَصَّلوا إليه بـ "أي" ونحوِها، كقولك: "يا أيها الرجلُ". فلمّا قلت ها هنا: "نحن العربَ" من غير وُصْلةٍ، دلّ أنّه غيرُ منادى. وقوله: "ممّا يجري هذا المجرى"، يريد مجرى الأوّل في الاختصاص، وإنّما فصله من الأوّل، وإن كانا جميعًا اختصاصًا لأنّهما مختلفان من جهة اللفظ، وذلك أنّ الفصل الأوّل مرفوعٌ، نحوُ "نحن نفعل كذا أيّتها العصابةُ"، و"أنا أفعل كذا أيّها الرجلُ"، وهذا الفصلُ منصوبٌ، نحوُ قوله [من البسيط]: ٢٢٧ - إنّا بني مِنْقَرٍ [قومٌ ذوو حَسَبٍ ... فينا سَراةُ بني سَعْدٍ وناديها]

стр. 367

وقولِ الآخر [من الرجز]: بِنَا تميمًا يُكشَف الضبابُ وذلك الفصل مختصٌّ بـ "أيّ" دون غيرها من الأسماء. وهذا الفصلُ يكون بسائر الأسماء نحوِ: بني فلان، وآلِ فلان، وغيرِها من الأسماء. واعلم أنّ هذا الضرب من الاختصاص ليس نداء على الحقيقة، وإن كان جاريًا مجراه، وذلك من قِبَل أنه منصوبٌ بفعل مضمر غيرِ مستعمل إظهارُه، ولا يكون إلّا للمتكلّم والمخاطَب، وهما حاضران، ولا يكون لغائب كما أن النداء كذلك. والذي يدلّ على أنّه ليس بنداءَ أن الاسم المفرد الذي يقع فيه لا يُبنى على الضمّ كما يُبنى الاسم المفرد في النداء على الضمّ، نحوُ: "يا زيدُ"، و"يا حَكَمُ". ولم يقولوا في قول الشاعر: "بنا تميمُ" بالضمّ كما فعلوا في النداء، ولأنّه أيضًا يدخل عليه الألفُ واللام، نحوَ قولهم: "نحن العربَ أقرى الناس للضَّيْف". ولا يجوز ذلك في النداء. والفرق بين هذا الاختصاص واختصاصِ النداء أنك في النداء تختصّ واحدًا من جَماعةٍ ليعطِف عليك عند توهُّمِ غَفْلةٍ عنك. وفي هذا الباب تختصّه بفعلٍ يعمل فيه النصبَ، تَقصِد به الاختصاص على سبيلَ الافتخار والتفضيل له. والاسم المنصوب في هذا الباب لا بدّ أن يتقدّم ذكرُه، ويكونَ من أسماء المتكلّم والمخاطَب، نحوَ قوله [من الطويل]: ٢٢٨ - أبَى الله إلّا أنّنا آلَ خِنْدِفٍ ... بنا يَسْمَعُ الصَّوْتَ الأنامُ ويُبْصِرُ

стр. 368

فآل خندف هم النون والألف في "أنّنا". وكذلك قولهم: "نحن العربَ أقرى الناس للضيف" فالعربُ هم "نحن". ونصبُ هذه الأسماء كنَصْبِ ما ينتصب على التعظيم والشتْم بإضمارِ "أُريد" أو"أعنِي" أو"أختصّ". فالاختصاصُ نوعٌ من التعظيم والشتم، فهو أخصُّ منهما، لأنّه يكون للحاضر، نحو: المتكلّم، والمخاطب، وسائرُ التعظيم والشتم يكون للحاضر، والغائب. وهذا الضربُ من الاختصاص يُراد به تخصيصُ المذكور بالفعل، وتخليصُه من غيره على سبيل الفَخْر، والتعظيم. وسائر التعظيم والشتمِ ليس المرادُ منه التخصيصَ والتخليصَ من موصوف آخَر، وإنما المرادُ المدح أو الذمّ. فمن ذلك: "الحمد لله الحميدَ"، و"المُلْكُ لله أهْلَ المُلْك"، وكلُّ ذلك نصبٌ على المدح، ولم تُرِد أن تفصِله من غيره، وتقول: "أتاني زيدٌ الخبيثَ الفاسقَ". ومنه قِراءةُ من قرأ ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ (١) بالنصب على الذمّ والشتم. ومن ذلك "مررت به البائسَ المسكينَ" فيجوز خفضُ "البائس"، و"المسكين" على البدل، ولا يجوز أن يكون نَعْتًا، لأنّ المضمرات لا تُنْعَت، ويجوز نصبُه على الترحّم بإضمارِ "أعنِي"، وهو من قبيل المدح والذمّ، فاعرفه.

стр. 369

الترخيم فصل [شرائطه] قال صاحب الكتاب: "ومن خصائصِ النداء الترخيمُ إلّا إذا اضطرّ الشاعر، فرخَّم في غير النداء. وله شرائطُ: إحداها أن يكون الاسمُ عَلَمًا. والثانيةُ أن يكون غيرَ مضاف. والثالثة أن لا يكون مندوبًا ولا مستغاثًا. والرابعةُ أن تزيد عِدّتُه على ثلاثةِ أحرف إلّا ما كان في آخره تاءُ تأنيث، فإنّ العَلَمية، والزيادةَ على الثلاثة فيه غيرُ مشروطتَيْن، يقولون: "يا عاذِلَ"، و"يا جارِيَ لا تستنكِرِي"، و"يا ثُبَ أقْبِلِي" و"يا شَا ارْجُنِي"، وأما قولهم: "يا صاحِ" و"أطْرِقْ كَرَا" فمن الشواذّ". * * * قال الشارح: إنّما قال: "ومن خصائص النداء الترخيم"، لأنّ الترخيم المطّرِد إنّما يكون في النداء، وفي غير النداء إنّما يكون على سبيل الندْرة، وهو من قبيل الضرورة على ما سيأتي بيانُه. ولذلك قال: إلّا إذا اضطُرّ الشاعر، فرخّم في غير النداء، جعله خاصّةً للنداء، والترخيم مأخوذ من قولهم: "صوتٌ رخيمٌ" إذا كان ليّنا ضعيفًا، والترخيمُ ضُعْفٌ في الاسم، ونَقْصٌ له عن تَمام الصوت. قال الشاعر [من الطويل]: لها بَشَر مِثْلُ الحَرِير ومَنْطِقٌ ... رخيمُ الحَواشِي لاهُراءٌ ولانَزْرُ (١) يصف امرأة بعُذوبةِ المنطق ولِينِ الكلام، وذلك مستحَبّ في النساء. والترخيم له شروطٌ: منها أن يكون منادى، وذلك لكثرة النداء في كلامهم، وسعةِ استعماله. والكلمةُ إذا كثُر استعمالُها، جاز فيها من التخفيف ما لم يجز في غيرها، فلذلك رخّموا المنادى، وحذفوا آخِرَه، كما حذفوا منه التنوينَ، وكما حذفوا الياء في "يا قومِ" على ما سبق. ومنها أن يكون عَلَمًا، لأنّ الأعلام يدخلها من التغيير ما لم يوجَد في غيرها، ألا ترى أنّهم قالوا: "حَيْوَةُ"، والقياس: حَيَّةُ. وقالوا: "مَزْيَدٌ"، و"مَوْهَبٌ"، و"مَحْبَبٌ"، وقد تقدّم عِلّةُ ذلك في فصل الأعلام.

стр. 370

ومنها أن يكون مفردًا غير مضاف، لأنّ الاسم المفرد قد أثّر فيه النداءُ، وأوجب له البناءَ بعدَ أن كان معربًا. والمضافُ، والمضاف إليه لم يؤثّر فيه النداءُ، بل حالُهما بعد النداء في الإعراب كحالهما قبل النداء. فلمّا كان حكمُ المفرد في النداء مخالِفَ حكمِه في غير النداء، وكان الترخيمُ إنّما يُسوِّغه النداءُ، جاز. ولمّا كان المضافُ والمضاف إليه جارِيَيْن على الإعراب في النداء كجَرْيهما في غير النداء، وكان غيرُ النداء لا يجوز فيه الترخيمُ، لم يجز فيهما هذا مع عدم السَّماع. والذي ورد من الترخيم عن العرب إنّما هو في المفرد، نحو: "يا حارِ"، و"يا عامِ". وذهب الكِسائيّ والفَرّاء إلى جواز الترخيم في المضاف، ويوقِعون الحذفَ على آخِرِ الاسم الثاني، فيقولون: "يا أبا عُرْو"، و"يا آلَ عِكْرِمَ" وأنشدوا بيتًا لم يُعرف قائله [من الطويل]: ٢٢٩ - أبَا عُرْوَ لا تُبْعِدْ فكُل ابنِ حُرَّةٍ ... سَيَدْعُوه داعِي مِيتَةٍ فيُجِيبُ وقال زُهَيْرٌ [من الطويل]: ٢٣٠ - خُذُوا حِذْرَكم يا آلَ عِكْرِمَ واذْكُروا ... أواصِرنَا والرَّحْمُ بالغَيْب يُذْكَرُ

стр. 371

فرخّم المضاف إليه فيهما، وهذا محمولٌ عندنا على الضرورة، وحالُه حالُ ما رُخّم في غير النداء للضرورة، لأن المضاف إليه غيرُ منادى. ومنها أن تكون عِدّتُه زائدة على ثلاثةِ أحرف، وذلك لأنّ أقلَّ الأُصول ما كان على ثلاثهٍ، فإذا حذفتَ من الخمسة حرفاً، ألحقتَه بالأربعة، وقرَّبتَه من الثلاثة تخفيفًا له بقُرْبه من الثلاثة الذي هو أقلُّ الأبنية، وإذا حذفتَ من الأربعة بلغتَ الثلاثةَ، وإذا بلغت الثلاثةَ، لم يجز أن تحذف منه شيئًا، لأنّه لم يكن دونها شيءٌ من الأُصول، فتَبْلُغَه لأنّها هي الغايةُ. فأمّا ما كان فيه هاءُ التأنيث، فيجوز ترخيمُه، وإن كان على ثلاثة أحرف، لأنّه بمنزلةِ اسم ضُمَّ إلى اسم كَـ "حَضْرَمَوْتَ" و"رَامَهُرْمُزَ"، فجازحذفُ الثاني منه كما جاز في "حضرموت"، وبقي عَلى حرفَيْن معتلاً "يَدٍ" و"دَمٍ"، لأنّه كان كذلك، والهاءُ فيه، إذ الهاءُ بمنزلةِ المنفصلة، ولا يُشترط فيما كان فيه هاءُ التأنيث العَلَميةُ، بل يجوز في الشائع كما يجوز في الخاص. وإنّما ساغ الترخيمُ فيما كان فيه تاءُ التأنيث، وإن لم يكن عَلَمًا، نحوِ: "يا ثُب"، و"يا عِضَ"، في "ثُبَةٍ" و"عِضَةٍ" لكثرةِ ترخيمِ ما فيه هاءُ التأنيث، فإنّه لم يكثر في شيء

стр. 372

ككثرته لِما تقدّم من أنّه كاسمٍ ضُمَّ إلى اسم، ولأنّ تاءَ التأنيث تُبْدَل هاءً في الوقف أبدًا مطّرِدًا، ودخولُها الكلامَ أكثرُ من دخولِ ألفَي التأنيث، لأنّها قد تدخل في الأفعال الماضية للتأنيث، نحوِ: "قامتْ هندُ". وتدخل المذكرَ توكيدًا، ومبالغةً نحوَ: "عَلامةٍ"، و"نَسّابةٍ". فلمّا كانت الهاء كذلك، ساغ حذفُها، وكان أوْلى لِما يحصُل بذلك من الخفّة مع عدم الإخلالِ ببنيةِ الكلمة، لأن التغيير اللازم لها من نَقْلها من التاء إلى الهاء يُسهّل تغييرَها بالحذف، لأنّ التغيير مُؤنسٌ بالتغيير. فإذا كانت في الكلمة لم يحذفوا غيرَها، قلّت حروفُها أو كثُرت، شائعًا كان، أو خاصًّا. تقول في الخاص: "يا سَلَمَ أقبلْ"، وفي "مَرْجانَةَ": "يا مرجانَ أقبلي"، وفي النكرة قالوا: "يا عاذِلَ أقبلىِ"، يريدون: عاذلةُ، وقالوا: "يا جاريَ"، يريدون "يا جارِيةُ"، قال العَجَّاج [من الرجز]: جارِيَ لا تستنكري عَذِيري (١) أراد: يا جاريةُ. وقالوا: "يا ثبَ" في "يا ثُبَةُ"، وهي الجماعةُ. وقالوا: "يا شَا ارْجُنِي"، وهو زَجْرٌ لها عن السرْح والانبعاثِ، ومعناه: أقيمي في البيت. وقولهم هُنَا "يا شَا" إنّما هو على لغةِ من قال "يا حارِ" بالكسر، فأمّا من قال: "يا حارُ" بالضم، فقياسُه "يا شاهُ"، برَدّ الهاء التي هي لامٌ بعد حذفِ تاء التأنيث، لئلا يبقى الاسمُ على حرفَين، الثاني منهما حرفُ مَدّ، وهو عديمُ النظير. واعلم أنّهم قد قالوا "يا صاح"، وهم يريدون: "يا صاحبا". وقالوا: "أطْرِقْ كَرَا"، وهم يريدون: "كَرَوانًا"، فرُخّم على لغةِ من قال: "يا حارُ" بالضمّ، كأنه حذف الألفَ والنونَ، وبقيت الواوُ، وحقُّها الضمّ، فقُلبت ألفّا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها. ولو كان على لغةِ من قال: "يا حارِ" بالكسر لَقال: "يا كَرَوَ" بفتح الواو، لأنّ المحذوف مرادٌ، وفي الجملة ترخيمُ هذَيْن الاسمَيْن شاذٌّ قياسًا واستعمالاً. فالقياسُ لِما ذكرناه من أنّ الترخيم بابُه الأعلامُ، وأمّا الاستعمال فظاهرٌ لقلّةِ المستعملين له، ففي قولهم: "يا صاح" شذوذٌ واحدٌ، وهو ترخيمُ النكرة، وليس فيها تاءُ التأنيث. وفي قولهم: "أطرقْ كَرًا" شَذوذٌ من جهتَيْن: أحدُهما: حذفُ حرف النداء منه، وهو ممّا يجوز أن يكون وصفًا لـ "أيّ"، نحوَ: يا أيها الكروانُ. والوجهُ الثاني: أنّه رخّمه وهو نكرةٌ ليس فيه تاءُ تأنيث، وذلك معدومٌ، فاعرفه. * * *

стр. 373

قال صاحب الكتاب: "والترخيم حذف في آخر الاسم على سبيل الاعتباط, ثم إما أن يكون المحذوف كالثابت في التقدير, وهو الكثير، أو يجعل ما بقي كأنه اسم برأسه, فيعامل بما يُعامل به سائر الأسماء, فيقال على الأول: "يا حار"، و"يا هرق"، و"يا ثمو"، و"يا بنو" في المسمى بـ "بنون", وعلى الثاني:"يا حار"، و"يا هرق", و"يا ثمى"، و"يا بني"". * * * قال الشارح: اعلم أنّ الترخيم في كلام العرب على ضربَيْن: ترخيمٌ يكون في باب التحقير، وهو حذفُ زوائدِ الاسم إن كانت فيه، نحوُ قولك في "أسْوَدَ": "سُوَيْدٌ"، وفي "أزْهَرَ": "زُهَيْرٌ"، وفي "كِتاب": "كُتَيْبٌ"، وفي "حَمْراءَ"، و"صَحْراءَ": "حُمَيْرٌ" و"صُحَيْرٌ"، وهذا يوضَّح في فصله من هذا الكتاب. وترخيمٌ يختصّ بابَ النداء، وهو ما نحن بصَدَدِ فسرِه وشرحِه، وهو حذفُ آخِرِ الاسم المفرد المعرفةِ في النداء. وقوله: "على سبيل الاعتباط" يعني من غير علّةٍ موجِبةٍ، وإنّما ذلك لنوع من التخفيف، من قولهم: "اعتُبط البعيرُ" إذا مات من غير علّةٍ. قال أُمَيَّةُ [من المنسرح]: ٢٣١ - مَن لم يَمُتْ عَبْطَة يَمُتْ هَرَمًا ... للمَوْت كأْسٌ والمَرْءُ ذائقُها يقول: من لم يمت شابًّا طَرِيًّا يمت لعلّةِ الكبر والهَرَمِ، لا بد من ذلك.

стр. 374

ثمّ هذا الترخيم على وجهَيْن: أحدهما: وهو الأكثر، أن يحذف آخِرُ الاسم، ويكون المحذوفُ مرادًا في الحكم كالثابت المنطوقِ به، تَدَعُ ما قبله على حاله، في حركته وسكونه، إيذانًا وإشعارًا بإرادته. والثاني: أن يُحذف ما يُحذف من آخِره، ويبقى الاسمُ كأنّه قائمٌ برأسه غيرُ منقوص منه، فيعامَل معامَلةَ الأسماء التامةِ من البناء على الضمّ، فيقال على الوجه الأوّل في "حارِثٍ": "يا حارِ"، وفي "أُمامَةَ": "يا أُمامَ"، وفي "بُرْثُنَ": "يا بُرْثُ"، وفي "هِرَقْلَ": "يا هِرَقْ"، وفي "ثَمُودَ": "يا ثَمُو"، وفي "بَنُونَ" اسمَ رجل: "يا بَنُو"، لا يُغيَّر الاسم بعد الحذف. وقد خالَفَ الفرّاءُ في الاسم الذي قبل آخرِه ساكنٌ، فزعم أنّ ترخيمَ نحوِ "هرقلَ"، و"سِبَطْرٍ" وما كان مثلَهما بحَذْفِ حرفَيْن، نحوَ: "يا هِرَ"، و"يَا سِبَ". قال: وإنّما كان كذلك لئلاّ يُشْبِه الأدواتِ يعني الحروفَ، نحوَ "نَعَمْ" و"أجَلْ"، والأسماءَ غيرَ المتمكَّنة نحوَ "كَمْ" و"مَنْ". وهو قول واهٍ، لأنّا اتّفقنا على أن المرخَّم الذي قبل آخِره متحرِّكٌ تبقى حركتُه على ما هي عليه من ضمٍّ وفتحٍ وكسرٍ. وإنّما فعلنا ذلك، لأنّا قدّرنا ثبوتَ المحذوف، وكمالَ الاسم، فصارت هذه الحركاتُ كأنَّها حَشْوٌ. وضمّةُ البناء التي يُحْدِثها النداءُ مقدّرةٌ على حرفِ الإعراب المحذوفِ، وما قبل المحذوف فليس بحرِف إعراب، فلذلك بقي على حاله من الحركة، كما أنّ الزاي من "زيد"، والباء من "بَكْر" على حال واحدة، منصوبًا كان الاسمُ، أو مرفوعًا، أو مجرورًا، كذلك هنا. ولولا ذلك، لحُرّك المرخَّم بحركة واحدة كلُّه، وإذا كان ذلك كذلك، فينبغي أن يبقى السكونُ أيضًا كما لو كان المحذوف باقيًا، لأن الثابت حُكمًا كالثابت لفطًا، ولو اعتُبر إلباسه بالأدوات في حالِ سكونه، لَوجب أن يُعتبر إلباسُه بالمضاف في حالِ كسره، وهذا واضحٌ. ويُقال على الوجه الثاني في "حارثٍ": "يا حارُ"، وفي "أُمامَةَ": "يا أُمامُ"، وفي "بُرْثُنَ": "يا بُرْثُ"، كلُّه بالضمّ، إلّا أنّ الضمّة في "بُرْثُ" غيرُ الضمّة الأصليّة إنّما هي ضمّةُ النداء. وقد انحذفت الضمّةُ الأصليّةُ كما حذفتَ الكسرة من "يا حارِثُ" وأتيتَ بالضمّة. وتقول في ترخيم "ثَمُودَ"، و"بَنُونَ" عَلَمًا: "يا ثَمِي"، و"يا بَنِي"، لئلاّ يبقى الاسم آخِرُه واوٌ قبلها ضمّةٌ، وذلَك معدومٌ في الأسماء المتمكّنةِ، فأُبدل من الضمّة كسرةٌ ومن الواو ياءٌ، كما فُعل بـ "أدْلٍ"، و"أجْرٍ" جمعِ "دَلْوٍ"، و"جِرْوٍ". وحجّةُ هذا الوجه أنّك لمّا رخّمته وحذفتَ آخِرَه، صارت المعاملةُ مع ما بقي، وصار ما قبل المحذوف حرفَ إعراب، كما كان ذلك في "يَدٍ"، و"دَمٍ"، فضُمّ كسائر الأسماء المناداة المفردة، فاعرفه. * * * قال صاحب الكتاب: "ولا يخلو المرخم من أن يكون مفرداً أو مركباً فإن كان

стр. 375

مفرداً, فهو على وجهين: أحدهما أن يحذف منه حرف واحد كما ذكرت. والثاني أن يحذف منه حرفان, وهما على نوعين إما زيادتان في حكم زيادة واحدة كاللتين في أعجاز "أسماء" و"مروان", و"عثمان" و"طائفي". وإما حرف صحيح ومدة قبله. وذلك في نحو منصور وعمار ومسكين. وإن كان مركباً حذف آخر الأسمين بكماله فقيل يا بخت ويا عمرو ويا سيب ويا خمسة في بخت نصر وعمرويه وسيبويه، والمسمى بـ "خمسة عشر"؛ وأما نحو تأبط شراً وبرق نحره فلا يرخم. * * * قال الشارح: اعلم أنّ المرخّم يكون مفردًا، أو مركبًا. والمفردُ على ضربَيْن: أحدُهما: مالا يُحذف منه في النداء إلّا حرفٌ واحدٌ، نحوُ قولك في "عامرٍ"، و"حارثٍ"، وشِبْههما: "يا عامِ "، و"يا حارِ". ويجوز فيه الضمُّ والكسرُ قال مُهَلْهِلٌ [من الكامل]: ٢٣٢ - يا حارُِ لا تَجْهَلْ على أشْياخِنا ... إنّا ذَوُوالسَّوْراتِ والأحْلامِ وقال زُهَيْرٌ [من البسيط]: ٢٣٣ - يا حارُِ لا أُرْمَيَنْ منكم بِداهِيَةٍ ... لم يَلْقَها سُوقَةٌ قَبْلي ولامَلِكُ

стр. 376

يُنْشَدان بكسر الراء وضمِّها. وسمع بعضهم قارئًا يقرأ: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ (١) فقال: ما أشغل أهلَ النار عن الترخيم!! فقال: ذلك لأنّهم لا يقدِرون على التلفّظ بتَمامِ الكلمة، لضُعْفِ قُواهم. والثاني: ما يُحذف منه في الترخيم حرفان، وذلك شيئان: أحدُهما ما كان في آخِره زائدتان زيدا معًا، فمن ذلك ما كان في آخره ألفٌ ونونٌ، نحو: "مَرْوانَ"، و"سَعْدانَ"، ورجل سمّيتَه "مُسْلِمانَ"، وكذلك ما كان في آخره ألفا التأنيث، نحوُ "حَمْراءَ"، و"صَحْراءَ" إذا سمّيتَ بهما، و"أسْماءَ" اسمَ امرأةٍ، وكذلك حكمُ يائي النسَب، نحوِ "بَصْريّ"، و"طائفيّ" إذا سمّيت بهما. وتقول في ترخيمِ ما في آخره ألفٌ ونونٌ: "يا مَرْوَ"، و"يا سَعْدَ"، و"يا مُسْلِمَ" قال الشاعر [من الكامل]: ٢٣٤ - يا مَرْوَ إن مَطِيَّتِي محبوسةٌ ... تَرْجُو الحِباءَ ورَبُّها لم يَيأَسِ

стр. 377

وتقول فيما كان في آخره ألفا التأنيث: "يا حَمْرَ أقْبِلي"، و"يا صَحْرَ" في "حَمْراءَ"، و"صحراء" عَلَمَيْن، و"يا أسْمَ" في "أسماءَ" اسمَ امرأة. قال الشاعر [من الطويل]: ٢٣٥ - قِفِي فانْظُري يا أسْمَ هل تَعْرِفينه ... أهذا المُغيريُّ الذي كان يُذْكَرُ فـ "أَسْماءُ" اسمُ امرأة يحتمل أن يكون من باب "حمراء"، و"صحراء" ويكون وزنُه فَعْلاء، وأصلُه وَسْماء من الوَسامة، وهي المَلاحةُ، فقلبوا الواوَ المفتوحة همزةً على حدّ قولهم: "أَحَدٌ"، وأصلُه "وَحَدٌ"، و"امرأةٌ أَناةٌ"، وهي "وَناةٌ". ويحتمل أن يكون من قبيل "منصورٍ" و"عمّارٍ"، وهو أَفْعالٌ جمعُ "اسم"، وأصلُه "أَسْماوٌ"، فقُلبت الواو الأخيرة همزةً بعد قَلْبها ألفًا على حد "كِساءٍ"، و"شَقاءٍ". وسُمّي به مؤنَّثًا فامتنع من الصرف للتأنيث والتعريف، ورُخّم، فُحذف الحرف الأخير الذي هو أصلٌ، وما قبله من حرف المدّ كما فُعل في "منصور"، و"عمّار" إذا رُخّما.

стр. 378

وتقول فيما كان في آخره ياءَا النسبة: "يا طائِفِ"، و"يا بَصْرِ"، ترخيمَ "طائفيّ"، و"بصريّ" عَلَمَيْن. تحذف الحرفَيْن معًا، لأنّهما زائدان زَيْدًا معًا، لمعنًى واحد، فنزلا منزلةَ الزيادة الواحدة، فلمّا زِيدَا معًا حُذفَا معًا. وأمّا الثاني: ممّا يُحذف منه حرفان في الترخيم، وذلك ما كان آخِرُ الاسم منه حرفًا أصليًّا، وقبله حرفُ مَدٍّ زائدٌ، فإنّك تحذف الأصل، وما قبله من الزائد معًا، وتُجريهما معًا مُجْرَى الزائدَيْن، إذا بقي بعد حَذْفهما ثلاثةُ أحرف، نحوَ "عَمّار"، و"منصور"، و"مسْكِين"، وتقول: "يا مَنْصُ"، و"يا عَمَّ"، و"يا مِسْكِ". وذلك لأنّهما جريا مجرَى الزائدَيْن. وذلك من حيثُ أن الأصل يُحذف للترخيم، لأنّه طَرَفٌ كما يُحذف الزائد الثاني من "مروان" ونحوه، وقبلَه حرفُ مدّ كما كان قبل النون في "مروان" كذلك، فقد سَاوَى الأصلُ والزائدُ قبله الزائدَيْن من الجهة المذكورة، فجريا في الحذف مجراهما. ولو كان قبل الحرف الأصليّ زائدٌ غيرُ مَدّة، لم يُحذف لمفارقته الزائدَ الأوّلَ في "مَروانَ"، و"حَمْراء". وذلك لو سمّيت بـ "سِنوْرٍ"، و"بِرْذَوْنٍ"، لقلت فيمن قال: "يا حارِ" بالكسر: "يا سِنَّوْ أقبلْ" و"يا بِرْذَوْ أقبلْ" وعلى قولِ من قال: "يا حارُ" بالضمّ: "يا سِنا"، و"يا بِرْذَا"، فقلبتَ الواوَ ألفًا لتحرُّكها وانفتاحِ ما قبلها. وأمّا المركّب فأمرُه في الترخيم كأمرِ تاء التأنيث: تحذف الكلمة التي ضُمّت إلى الصدر رأسًا، كما تحذف تاءَ التأنيث، فتقول في "بُخْتَ نَصَّرَ" اسمِ رجل: "يا بُخْتَ"، بحذفِ الاسم الأخير لا غيرُ، كما تقول في "مَرْجانَةَ" اسمِ امرأة: يا "مَرْجانَ"، فلا تزيد على حذفِ التاء، وفي "حَضْرَمَوْتَ": "يا حَضْرَ"، وفي "مَار سَرْجِسَ": "يا مارَ"، وفي "عَمْرَوَيْهِ": "يا عَمْرَ"، وفي "سِيبَوَيْهِ": "يا سِيبَ"، وفي المسمّى بـ "خَمْسَةَ عَشَرَ": "يا خمسةَ". جعلوا الاسمَ الآخِرَ بمنزلة الهاء في نحوِ "تَمْرَةٍ"، إذ كان حكمُ الاسم الآخر كحكم الهاء في كثير من كلامهم. ومن ذلك التصغير، فإنّه إذا جُعل الاسمان اسمًا واحداً، ولحقه التصغيرُ، فإنّه إنّما يصغَّر الصدر منهما، ثمّ يُؤْتَى بالاسم الثاني بعد تصغير الصدر كما يصغَّر ما قبل هاء التأنيث، فتقول: "حُضَيْرَمَوْتُ"، و"بُعَيْلَبَكُّ"، و"عُمَيْرَوَيْهِ" كما تقول "تُمَيْرَة" و"طُرَيْقَةٌ". ومن ذلك النسَبُ، فإنّك تقول في النسب إلى "حضرموت": "حَضْرِيٌّ"، وإلى "مَعْدِيكَرِبَ": "مَعْديّ"، كما تقول في النسب إلى "البَصْرَة": "بَصْريّ"، وإلى "مَكَّةَ": "مَكىٌّ"، فيقع النسبُ إلى الصدر لا غيرُ، كما يكون كذلك فيما فيه الهاء. وممّا يؤيد عندك ما ذكرناه أنّ هاءَ التأنيث لا تُلْحِق بناتِ الثلاثة بالأربعة، ولا بناتِ

стр. 379

الأربعة بالخمسة، كما أنّ الاسم الثاني لا يُلْحِق الاسم الأوّل بشيء من الأبنية. وأيضًا فإنّ الاسم الثاني إذا دخل على الأول، ورُكب معه، لم يُغيّرِ بنيتَه، كما أنّ التاء كذلك: إذا دخلتِ الاسمَ المؤنّثَ، لم تُغيِّر بناءَه كـ "تَمْرٍ"، و"تَمْرَةٍ"، و"قائمٍ"، و"قائمةٍ". فلمّا كان بينهما من التقاربُ ما ذكرناه، حذفوا الآخِرَ من المركّب في الترخيم كما يحذفون منه تاءَ التأنيث. وكان الحذفُ في الترخيمِ أجدرَ، إذ كان يُحذف في الترخيم ما لا يُحذف في الإضافة. ألا ترى أنّك تقول في "جَعْفَرٍ": "يا جَعْفَ"، فتحذف الراء في الترخيم، وتقول في النسب: "جَعْفَريّ"، فتُثْبِتها، وإذا ساغ حذفُ ما يثبُت في الإضافة في الترخيم، كان حذفُ ما لا يثبت فيها أَوْلى. ولو رخمتَ "اثْنَا عشَرَ" عَلَمًا، لقلت: "يا اثْنَ"، فتفتح النونَ على قولِ من يقول: "يا حارِ" بالكسر. ومن يقول: "يا حارُ" بالضمّ قال: "يا اثنُ"، لأنّ "عشر" ها هنا بمنزلة النون من "اثنين"، وأنت لو رخّمت "اثنان" لقلت: "يا اثنُ". وأمّا ما يُحكى من نحو"تأبّط شرَّا"، و"بَرَقَ نَخرُه"، ونحوِهما، فإنّه لا يرخَّم، لأنّ النداء لم يؤثًر فيه، وإنّما هي جُمَلٌ مَحكيّةٌ، والترخيمُ إنّما يكون فيما أثر فيه النداءُ بناءَ على ما قال سيبويه، ولو رخمتَ هذا، لرخمت رجلاً يسمَّى "يقول عَنْتَرَةُ يا دارَ عَبْلَةَ بالجِواء تَكَلَّمِي" (١) ومع ذلك فإنّه لا يجوز, لأنّها جُمَلٌ محكيّةُ الإعراب، لا حَظَّ للبناء فيها، فاعرفه.

стр. 380

حذف المنادي فصل قال صاحب الكتاب: "وقد يحذف المنادي فيقال: "يا بؤسٌ لزيدٍ" بمعنى: "يا قوم بؤسٌ لزيد". ومن أبيات الكتاب [من البسيط]: ٢٣٦ - يا لعنة الله والأقوام كلهم ... والصالحون على سمعان من جار وفي التنزيل ﴿ألا يا اسجدوا﴾ (١) ". * * * قال الشارح: اعلم أنّهم كما حذفوا حرفَ النداء لدلالة المنادى عليه، كذلك أيضًا

стр. 381

قد يحذفون المنادى لدلالةِ حرف النداء عليه. فمن ذلك قولُهم: "يا بؤسٌ لزيد"، والمراد: يا قوم بؤسٌ لزيد. فـ "بؤسٌ" رفعٌ بالابتداء، والجارُّ والمجرورُ بعده خبرُه. وساغ الابتداءُ به وهو نكرةٌ، لأنّه دعاءٌ. ومثلُه قولهم: "يا وَيْلٌ لزيد"، و"يا وَيْحٌ لك" فيما حكاه أبو عمرو، وكأنّه نبّه إنسانًا، ثمّ جعل الويلَ له، وليس كقوله: "يا بُؤْسَ للحرب" لأنه هناك مدعوٌّ، ولذلك نصبه إذ كان مضافًا. والمراد: يا بؤسَ الحرب، واللامُ دخلتْ زائدة مؤكِّدة لمعنَى الإضافة على حدِّ زيادتها في "لا أَبَا لك". ولا تُزاد هذه اللام إلّا في هذَيْن الموضعَين. ويجوز أن يكون "يَا" هنا تنبيهًا لا للنداء، فلا يكون ثمّ مدعوٌّ محذوفٌ، وما بعدها كلامٌ مبتدأٌ، كأنك قلت: "بؤسٌ لزيد"، و"ويلٌ له ووَيْحٌ". وأمّا بيت الكتاب الذي أنشده، فيحتمل الوجهَيْن المذكورَيْن؛ وهو أن يكون ثمّ منادّى محذوفٌ، والمراد: يا قومُ، أو يا هؤلاء لعنةُ الله على سِمْعانَ. والآخرُ أن يكون "يَا" لمجرَّدِ التنبيه كأنّه نبّه الحاضرين على سبيل الاستعطاف لاستماع دُعائه، و"اللعنةُ" رفعٌ بالابتداء، و"على سمعان" الخبرُ. ولو كانت "اللعنةُ" مناداةً لنَصبها, لأنَها مضافة. قال سيبويه: فـ "يَا" لغير اللعنة (١)، يُشير إلى أن المنادى محذوفٌ، وهو غيرُ اللعنة. ويُروى: "والصالحون"، و"الصالحين"، مرفوعًا، ومخفوضًا. فالخفضُ أمره ظاهرٌ، وهو العطف على لفظِ اسم "الله"، فخُفض المعطوف الثاني كما خُفض المعطوف الأوّل، ومَن رفع فعلى وجهَيْن: أحدُهما: أن يكون محمولًا على معنّى اسمِ "الله" تعالى، إذ كان فاعلًا في المعنى، والفاعلُ مرفوعٌ، ومثله قوله [من الكامل]: ٢٣٧ - [حتّى تَهَجَّرَ في الرواحِ وهاجَها] ... طَلَبَ المُعَقِّبِ حَقَّهُ المظلومُ

стр. 382

برفع "المظلوم" على الصفة لـ "المعقّب" على المعنى. والوجه الآخر: أن يكون معطوفًا على المبتدأ الذي هو"لعنةُ الله"، أي: ولعنةُ الصالحين، ثمّ حذف المضاف، وأعرب المضاف إليه بإعرابه على حدّ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١) أي: أهلَ القرية. و"سِمْعَانُ" هذا قد روى بكسر السين، وفتحها، والفتحُ أكثرُ. وكلاهما قياسٌ، فَمن كسر كان كـ "عِمْرانَ"، و"حِطّانَ"، ومَن فتح كان كـ "قَحْطانَ"، و"مَرْوان". وقوله تعالى: ﴿ألاَ يَا اسْجُدُوا﴾ (٢) فقد قرأها الكسائي "أَلاَ" خفيفةٌ، وقرأها الباقون بالتشديد. فمَن خفّف جعلها تنبيهًا، و"يَا" نداءً. والتقديرُ: ألا يا هؤلاء اسجدوا له. ويجوز أن يكون "يَا" تنبيهًا، ولا منادَى هناك، وجَمَعَ بين تنبيهَيْن تأكيدًا، لأن الأمر قد يحتاج إلى استطعافِ المأمور واستدعاءِ إقباله على الأمر. ومثلُه قوله الشاعر [من الطويل]: ٢٣٨ - ألا يا اسْلَمِي يا هِنْدُ هِنْدَ بني بَدْر ... وإن كان حَيُّ قاعدًا آخِرَ الدهْرِ

стр. 383

وأمّا قراءة الجماعة، فعلى أن "أَنِ" الناصبةَ للفعل دخلت عليها "لا" النافيةُ، والفعلُ المضارعُ بعدها منصوبٌ، وحذفُ النون علامةُ النصب، فالفعلُ هنا معربٌ، وفي تلك القراءة مبنيّ، فاعرفه.

стр. 384

التحذير قال صاحب الكتاب: "ومن المنصوب باللازم إضماره قولك في التحذير: "إياك والأسد"، أي إتق نفسك أن تتعرض للأسد, والأسد أن يهلكك, ونحوه: "رأسك والحائط"، و"ماز رأسك والسيف". ويقال "إياي والشر"، و"إياي وأن يحذف أحدكم الأرنب" (١)، أي: نحني عن الشر، ونحّ الشر عني، ونحني عن مشاهدة حذف الأرنب، ونح حذفها عن حضرتي ومشاهدتي، والمعنى النهي عن حذف الأرنب". * * * قال الشارح: قد اشتمل هذا الفصلُ على ضروب من الأمر والتحذير. تقول إذا كنت تُحذِّر: "إيَّاكَ". ومثلُه أن تقول: "نفسَك"، وهو منصوب بفعل مضمر، كأنك قلت: إياك باعِدْ، وِإياك نحّ واتق نفسك، فحذف الفعل، واكتفى بـ "إِياك" عنه. وكذلك "نفسَك" لدلالة الحال عليه، وظهورِ معناه. وكثُر ذلك محذوفًا حتى لزم الحذفُ، وصار ظهورُ العامل فيه من الأصول المرفوضة. فمن ذلك قولهم: "إياك والأسدَ"، فـ "إيّاك" اسمٌ مضمر منصوبُ الموضع، والناصبُ له فعلٌ مضمرٌ، وتقديره: إياك باعِدْ وإيّاك نَحّ، وما أشبهَ ذلك، و"الأسدَ" معطوف على "إياك" كما تقول: "زيدًا اضرب وعمرًا". فإن قيل: كيف جاز أن يكون "الأسد" معطوفًا على "إيّاك" والعطفُ بالواو يقتضي الشركة في الفعل والمعنى؟ ألا تراك تقول: "ضربتُ زيدًا وعمرًا" فالضربُ واقعٌ بهما جميعًا، وأنتَ ها هنا لا تأمُر بمباعَدةِ الأسد على سبيل التحذير كما أمرتَه بمباعدة نفسه على سبيل التحذير، فيكون المخاطَبُ محذورًا مخوفًا كما كان الأسدُ محذورًا مخوفًا؟ فالجوابُ أنّ البُعد والقُرب بالإضافة، فقد يكون الشيء بعيدًا بالإضافة إلى شيء، وقريبًا بالإضافة إلى شيء آخر غيرِه، وههنا إذا تَباعدَ عن الأسد، فقد تباعد الأسدُ عنه. فاشتركا في البُعد. وأمّا اختلافُ معنيَيْهما، فلا يمنع من عطفِ الأسد عليه، لأنّ العامل قد يعمل في المفعولَيْن، وإن اختلف معناهما، ألا تراك تقول: "أعطيتُ زيدًا درهمًا"، فيتعدّى الفعلُ

стр. 385

إليهما تعدَّيًا واحدًا، وإن كان زيد آخذًا، والدرهم مأخوذًا، فهما مختلفان من جهة المعنى. فكذلك ها هنا، إذا عطفتَ "الأسد" على "إيَّاك"، شَارَكَه في عمل الفعل المحذوف، وإن اختلف معناهما. فالمخاطبُ حَذِرٌ خائفٌ، والأسدُ محذورٌ منه مخوفٌ، وإن كان الفعل قد تعدَّى إليهما، إلّا أنّ تعدِّيه إلى الأول بنفسه، وإلى الثاني بحرفٍ. فإن قيل: هل يجوز حذفُ الواو من "الأسد"، فتقولَ: "إيّاك الأسدَ"؟ قيل: لا يجوز ذلك لأن الفعل المقدَر لا يتعدّى إلى مفعولَيْن، ملم يكن بدٌّ من حرف العطف، أو حرفِ الجرّ، نحو: "إيّاك والأسدَ"، و"إياك من الأسد"، فتكون قد عدّيتَه إلى الأوّل بنفسه، ثمّ عدّيته إلى الثاني بحرفِ جرّ. فإن قيل: فهلاّ جاز حذفُ حرف الجرّ، فقلتَ: "إيّاك الأسدَ"؟ قيل: ليس ذلك بالسهْل، ولا يقدم عليه السماعُ من العرب، وربّما جاء مثل ذلك بغير واو في ضرورة الشعر، نحو قوله [من الطويل]: ٢٣٩ - فإيّاك إيّاك المِراءَ فإنّه ... إلى الشَرّ دَعّاءٌ وللشَّرّ جالِبُ والمراد: والمِراءَ بحرف العطف، أو مِن المراء، بحذف حرف الجرّ، وسيبويه (١) ينصب "المراء" بفعلٍ غيرِ الفعل الذي نصب "إيّاك" كأنّه لمّا قال: "إيّاكَ إيّاكَ"، اكتفى، ثمّ قال: "اتَّقِ المراءَ"، أو"جانِبِ المراءَ".

стр. 386

وقوله: "أي اتّقِ نفسَك أن تتعرّض للأسد، والأسدَ أن يُهْلِككَ"، فهو تفسيرُ المعنى، والإعراب على ما ذكرتُه. ومن ذلك قولهم: "رأسَك والحائطَ"، فينتصب "الرأس" هاهنا بفعل مضمر، و"الحائطَ" مفعول معه، والتقدير: دَعْ رأسَك والحائطَ، أي: مع الحائط، كقولك: "استوى الماءُ والخَشَبَة". ويجوز أن يكون التقدير: اتّقِ رأسَك والحائطَ، وهو تحذير، كأنّه على تقديرَيْن: أي اتّق رأسَك أن يدُقّ الحائطَ، واتّق الحائطَ أن يُصيب رأسَك، فينتصب كلُّ واحد منهما بفعل مقدَّر. فإذا كُرّرت هذه الأسماء، ازداد إظهارُ الفعل قُبْحًا، لأن أحد الاسمَيْن كالعوض من الفعل، فلم يُجمع بينهما. ومن ذلك قولهم: "مازِ رأسَك والسيفَ"، فهذا كقولهم: "رأسَك والحائطَ"، وهو تحذير. والمرادُ بقوله: "مازِ": "مازنُ"، ثمّ رخّم، ولم يكن اسمُ الذي خُوطِبَ بهذا "مازنًا"، ولكنّه من بني مازن بن العَنْبَر بن عمرو بن تميم، وكان اسمُه كِرامًا أسَرَ بُجَيْرًا القُشَيْريَّ، فجاءه قَعْنَبٌ اليَرْبُوعيُّ ليقتلَه، فمَنَعَه المازنيّ منه، فقال للمازني: "مازِ رأسَك والسيفَ"، سمّاه مازنًا إذ كان من بني مازن. ويحتمل أن يكون أراد: مازنيُّ، ولمّا غلبت عليه هذه النسبةُ صارت كاللَّقَب، فرخّم بحذف ياءَي النسبة كما تقول: "يا طائِفِ" في "يا طائفيُّ"، فبقي "مازن"، ثمّ رخمه ثانيًا. ومثلُه في الترخيم كثير. وقالوا: "إيايَ والشرَّ"، وليس الخطابُ لنفسه، ولا يأمرها، وإنّما يخاطب رجلًا، يقول له: "إيايَ باعِدْ عن الشرّ"، ويوقِع الفعلَ المقدّرَ عليه، فيجيء بالواو ليجمَع بينهما في عمل الفعل، إذ كان الفعل عاملًا في الأوّل. ومثله: "إيايَ وأن يحذف أحدُكم الأرنبَ" يعني يَرْمِيَه بسيف، أو ما أشبهَه، فـ "أَنْ" في موضع نصب، كأنّه قال: "إيايَ وحَذْفَ أحدِكم الأرنبَ". وقال الزجّاج: إِنّ معناه: إيايَ وإيّاكم، ودلّ عليه قوله: "وأن يحذف أحدكم الأرنب". ولو حُذف الواو هنا، لجاز مع "أَنْ"، فيقال: "أن يحذف أحدكم الأرنب". ولو صرّح بالمصدر، لم يجز حذفُ الواو ولا "مِنْ". والفرقُ بينهما أن "أَنْ" وما بعدها من الفعل وما يعمل فيه مصدرٌ، فلمّا طال جوّزوا فيه من الحذف ما لم يجز في المصدر الصريح، فاعرفْه.

стр. 387

ونفسه" أي: دعه مع نفسه, و"أهلك والليل" (١)، أي بادرهم قبل الليل. ومنه "عذيرك" أي: أحضر عذرك أو عاذرك, ومنه: "هذا ولا زعماتك"أي: ولا أتوهم زعامتك, وقولهم: "كليهما وتمرًا" (٢) , أي إعطني, و"كل شيء ولا شتيمة حر" (٣) ,أي: إيت كل شيء, ولا ترتكب شيتمة حر". * * * قال الشارح: اعلم أن قولهم: "شأنَك والحَجَّ" هو بمنزلةِ "رأسَك والحائطَ" في تقدير العامل، أي: خَلّ رأسَك مع الحائط، ودَعْ شأنَك مع الحج. وكذلك "امرَأ ونفسَه" كأنّك قلت: "دعْ امرأ ونفسَه"، فيكون انتصابُه انتصابَ المفعول معه على حَد "ما صنعتَ وزيدًا؟ " وأمّا قولهم: "أهلَك والليلَ"، فمعناه: بادِرْ أهلَك قبل الليل؛ وأمّا تقديرُ الإعراب، فكأنّه قال: "بادِرْ أهلَك، وسابِق الليلَ"، فيكون كل واحد من الاسمَيْن منصوبًا بفعل مقدّر، وقد عطف جملةً على جملةٍ. ويجوز أن يكون التقدير: بادِرْ أهلَك والليلَ، فيكون الليلُ معطوفًا على الأهل عطفَ مفرد على مفرد وجعلهما مبادَرَيْن، لأن معنى المبادَرة مسابَقتُك الشيءَ إلى الشيء، فكأنه أمر المخاطَبَ أن يسابقَ الليلَ إلى أهله ليكون عندهم قبل الليل، ومعناه تحذيرُه أن يُدْرِكه كتحذيره من الأسد. وأمّا قولهم: "عذيرَك"، فهو مصدرٌ كـ "العُذْر"، يقال لمن جَنَى جِنايةً واحتُملت منه: "عذيرَك من فلان"، قال الشاعر [من الوافر]: ٢٤٠ - أُرِيدُ حِباءَه وُيرِيدُ قَتْلِي ... عَذِيرُكَ من خَلِيلكَ من مُرادِ

стр. 388

وهو مصدرٌ بمعنى "العُذْر" وقد ورد منصوبًا ومرفوعًا، فالنصبُ بفعل مقدّر، كأنه قال: "هاتِ عذيرَك، أو أَحْضِرْه" ونحوَ ذلك، وُوضع موضعَ الفعل، فصار كالعوض من اللفظ به، ولذلك قُبح إظهارُ الفعل، لأنّه أُقيم مُقامَ الفعل، ودخولُ فعل على فعل محالٌ. والرفع بالابتداء، والخبرُ ما في الجارّ والمجرور بعده، ومعناه مَن يعذرني في احتمالي إيّاه. وقال بعضهم: ليس العذير مصدرًا، وإنّما هو بمعنَى عاذرٍ، يقال: عاذرٌ، وعذيرٌ كـ "شاهد"، و"شهيد"، و"قادر"، و"قدير". وضعُف أن يكون مصدرًا بمعنى العُذْر، قال: لأن "فَعِيلًا" لم يأت في المصادر إلّا في الأصوات، نحو: "الصهِيل"، و"الصرير". فإذا قال: "عذيرَك" على معنَى "عاذَرك"، فكأنّه قال: "هاتِ عاذرَك، أو أحضِرْ عاذَرك". وهو مذهب سيبويه، وهو الصواب، لأنّه وُضع موضعَ الفعل، والمصدرُ يطّرِد وضعُه موضعَ الفعل، نحو: "رُوَيْدَكَ"، و"حَذَرَكَ"، ولا يطّرِد ذلك في اسم الفاعل، على أنّهم قد قالوا: "وَجَبَ القَلْبُ وَجِيبًا"، فجاء المصدرُ على "فَعِيلٍ" في غير الأصوات، فجاز أن يكون هذا منه. وأمّا قولهم: "هذا ولا زَعَماتِك" قال ذو الرُّمَّة [من الطويل]: ٢٤١ - لَقَدْ خَط رُومِىٌّ ولا زَعَماتِه ... لعُتْبَةَ خَطَّا لم تُطَبُّقْ مَفاصِلُهْ

стр. 389

فهذا مَثَلٌ، يقال لمن يزعم زَعَماتٍ، ويصحّ غيرُها، فلمّا صحّ خِلافُ قوله قيل: "هذا ولا زعماتِك" أي: هذا هو الحقُّ، ولا أتوهّمُ زعماتِك، أي: ما زعمتَه. والزعْمُ قولٌ عن اعتقاد، ولا يجوز ظهورُ هذا العامل الذي هو"أتوهّم" وشِبْهُه، لأنّه جرى مَثَلًا، والأمثالُ لا تُغيَّر، وظهورُ عامله ضربٌ من التغيير. وقالوا: "كِلَيْهما وتَمْرًا"، ويُروى: كلاهما وتمرًا، وكثُر ذلك في كلامهم حتى جرى مَثَلًا، وأصله أنّ إنسانَا خُيّر بين شيئَيْن، فطَلَبَهما المخيَّرُ جميعًا وزيادةً عليهما. فمَن نصب فبإضمارِ فعل، كأنّه قال: "أعطني كليهما وتمرًا" ومَن رفع كليهما فبالابتداء، والخبرُ محذوف كأنّه قال: "كلاهما لي ثابتٌ وزِدْني تمرًا" والنصبُ أكثر. وقالوا في مَثَل: "كل شيء ولا شَتِيمَةَ حُرّ"، ويُروى بنصبهما جميعًا، وبرفعِ الأول ونصب الثاني. فَمن نصبهما فبإضمارِ فعلَيْن، كأنّه قال: "إِيتِ كلَّ شيء، ولا ترتكِبْ شتيمة حرّ". ومَن رفع الأولَ فبالابتداء، كأنّه قال: "كلُّ شيء أَمَمٌ، ولا تَشْتِمَنْ حُرًّا"، أي: كلُّ شيء محتَملٌ، ولا تشتمن حرًّا، ومثلُه "كلَّ شيء ولا هذا"، أي: إِيتِ كلَّ شيء ولا هذا. ولم تظهر الأفعالُ في هذه الأشياء كلها لأنّها أمثال. * * * قال صاحب الكتاب: "ومنه قولهم انته أمراً قاصداً لأنه لما قال انته علم أنه محمول على أمر يخالف المنهي عنه قال الله تعالى: ﴿انتهوا خيراً لكم﴾ (١). ويقولون حسبك خيراً لك، و"وراءك أوسع لك" (٢) , ومنه "من أنت زيدًا"؟ أي: تذكر زيدًا, أو ذاكرًا زيدًا"؟ * * * قال الشارح: أمّا قولهم: "انتهِ أمرًا قاصدًا"، فإنّ "أمرًا" منصوبٌ بفعل مضمر تقديرُه: انته، وائْتِ أمرًا قاصدًا. فلمّا قال: "انته"، عُلم أنّه محمولٌ على أمر يخالف المنهي عنه, لأن النهْي عن الشيء أمرٌ بضِدّه، إلّا أنّه ها هنا يجوز لك إظهارُ الفعل العامل، لأنّه لم يكثُر استعمالُه كثرةَ الأول.

стр. 390

فأمّا قوله تعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ (١)، وما كان مثلَه، نحو قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ (٢)، فإنّه يجوز فيه ثلاثةُ أوجه: أحدُها: أن يكون كالمسألة التي قبلها، فيكون التقديرُ- والله أعلمُ- انتهوا، وائْتُوا خيرًا لكم. وآمِنوا وائتوا خيرًا لكم، هذا مذهبُ سيبويه، والخليلِ. قال سيبويه (٣): لأنّك حين قلت: "انته" فأنتَ تريد أن تُخْرِجه من أمر، وتُدْخِله في أمر آخر، فكأنّه أمرٌ أن يكُفّ عن الشرّ والباطلِ ويأتي الخيرَ. الثاني: وهو مذهبُ الكسائي، أنّه منصوبٌ، لأنه خبرُ "كان" محذوفة، والتقدير: انتهوا يكن الانتهاءُ خيرًا لكم. الثالث: وهو مذهبُ الفرّاء، أن يكون "خَيْرًا" متّصِلًا بالأول ومن جملته، ويكون صفة لمصدر محذوف، كأنّه قال: "انتهوا انتهاءً خيرًا لكم، وآمنوا إيمانًا خيرًا لكم". ومن ذلك "حَسْبُك خيرًا لك"، و"وراءَك أوسعَ لك"، فهذان المثلان من قبيل الأوّل، فقولُك: "حسبك" أمرٌ، كأنّك قلت: "اكْفُفْ عن هذا الأمر، واقْطَعْ، وائتِ خيرًا لك". وقولُهم: "وراءك أوسعَ لك" معناه: خَلِّ هذا المكانَ الذي هو وراءك، وائْتِ مكانًا أوسعَ لك. فالأوّل منهيٌّ عنه والثاني مأمورٌ به، إلاّ أنّ أفعالَ هذه الأشياء لا تظهر، لأنّه كثُر استعمالها، وعلِم المخاطَبُ أنّه محمول على أمرِ غيرِ ما كان فيه، فصارت هذه الأسماءُ عِوَضًا من اللفظ بالفعل. وممّا جاء منصوبًا بإضمار فعل لم يُستعمل إظهارُه قولُهم: "من أنتَ زيدًا"؟ وأصلُه: أنّ رجلًا غيرَ معروف بفضل تسمَّى بـ "زيد"، وكان زيدٌ مشهورًا بالفضل والشجاعة، فلمّا تسمَّى الرجل المجهول باسم ذي الفضل، دُفع عن ذلك، فقيل له: "من أنت زيدًا"؟ على جهةِ الإنكار، كأنّه قال: "من أنت تذكر زيدًا، أو ذاكرًا"، لكنه لا يظهر ذلك الناصبُ, لأنّه كثُر في كلامهم حتى صار مَثَلاَ، ولأنّه قد عُلم أنّ "زيدًا" ليس خبرًا، فلم يكن بُدٌّ من حَمْله على فعلٍ، ولا يقال ذلك إلّا جَوابًا، كأنّه لما قال: "أنا زيدٌ" قيل: "من أنت تذكر زيدًا، أو ذاكرًا زيدًا؟ ". وبعضُ العرب يرفع ذلك، فيقول: "من أنت زيدٌ"؟ فيكون خبرًا عن مصدر محذوف، كأنّه قال: "من أنت، كلامُك زيدٌ؟ " فإن قيل: كيف يجوز أن يكون خبرَ المصدر، والخبرُ إذا كان مفردًا يكون هو المبتدأَ في المعنى، وليس الخبرُ ها هنا المبتدأَ؟ قيل: ثمّ مضافٌ محذوفُ، والتقديرُ: من أنت كلامُك كلامُ زيد، أو ذكرُك ذكرُ زيد، ثمّ حُذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مُقامَه توسُّعًا على حدِّ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٤).
следующие страницы →