← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13301

شرح المفصل لابن يعيش

ابن يعيش

Полный текст (2 502 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وقوله: "أي اتّقِ نفسَك أن تتعرّض للأسد، والأسدَ أن يُهْلِككَ"، فهو تفسيرُ المعنى، والإعراب على ما ذكرتُه. ومن ذلك قولهم: "رأسَك والحائطَ"، فينتصب "الرأس" هاهنا بفعل مضمر، و"الحائطَ" مفعول معه، والتقدير: دَعْ رأسَك والحائطَ، أي: مع الحائط، كقولك: "استوى الماءُ والخَشَبَة". ويجوز أن يكون التقدير: اتّقِ رأسَك والحائطَ، وهو تحذير، كأنّه على تقديرَيْن: أي اتّق رأسَك أن يدُقّ الحائطَ، واتّق الحائطَ أن يُصيب رأسَك، فينتصب كلُّ واحد منهما بفعل مقدَّر. فإذا كُرّرت هذه الأسماء، ازداد إظهارُ الفعل قُبْحًا، لأن أحد الاسمَيْن كالعوض من الفعل، فلم يُجمع بينهما. ومن ذلك قولهم: "مازِ رأسَك والسيفَ"، فهذا كقولهم: "رأسَك والحائطَ"، وهو تحذير. والمرادُ بقوله: "مازِ": "مازنُ"، ثمّ رخّم، ولم يكن اسمُ الذي خُوطِبَ بهذا "مازنًا"، ولكنّه من بني مازن بن العَنْبَر بن عمرو بن تميم، وكان اسمُه كِرامًا أسَرَ بُجَيْرًا القُشَيْريَّ، فجاءه قَعْنَبٌ اليَرْبُوعيُّ ليقتلَه، فمَنَعَه المازنيّ منه، فقال للمازني: "مازِ رأسَك والسيفَ"، سمّاه مازنًا إذ كان من بني مازن. ويحتمل أن يكون أراد: مازنيُّ، ولمّا غلبت عليه هذه النسبةُ صارت كاللَّقَب، فرخّم بحذف ياءَي النسبة كما تقول: "يا طائِفِ" في "يا طائفيُّ"، فبقي "مازن"، ثمّ رخمه ثانيًا. ومثلُه في الترخيم كثير. وقالوا: "إيايَ والشرَّ"، وليس الخطابُ لنفسه، ولا يأمرها، وإنّما يخاطب رجلًا، يقول له: "إيايَ باعِدْ عن الشرّ"، ويوقِع الفعلَ المقدّرَ عليه، فيجيء بالواو ليجمَع بينهما في عمل الفعل، إذ كان الفعل عاملًا في الأوّل. ومثله: "إيايَ وأن يحذف أحدُكم الأرنبَ" يعني يَرْمِيَه بسيف، أو ما أشبهَه، فـ "أَنْ" في موضع نصب، كأنّه قال: "إيايَ وحَذْفَ أحدِكم الأرنبَ". وقال الزجّاج: إِنّ معناه: إيايَ وإيّاكم، ودلّ عليه قوله: "وأن يحذف أحدكم الأرنب". ولو حُذف الواو هنا، لجاز مع "أَنْ"، فيقال: "أن يحذف أحدكم الأرنب". ولو صرّح بالمصدر، لم يجز حذفُ الواو ولا "مِنْ". والفرقُ بينهما أن "أَنْ" وما بعدها من الفعل وما يعمل فيه مصدرٌ، فلمّا طال جوّزوا فيه من الحذف ما لم يجز في المصدر الصريح، فاعرفْه.

стр. 387

ونفسه" أي: دعه مع نفسه, و"أهلك والليل" (١)، أي بادرهم قبل الليل. ومنه "عذيرك" أي: أحضر عذرك أو عاذرك, ومنه: "هذا ولا زعماتك"أي: ولا أتوهم زعامتك, وقولهم: "كليهما وتمرًا" (٢) , أي إعطني, و"كل شيء ولا شتيمة حر" (٣) ,أي: إيت كل شيء, ولا ترتكب شيتمة حر". * * * قال الشارح: اعلم أن قولهم: "شأنَك والحَجَّ" هو بمنزلةِ "رأسَك والحائطَ" في تقدير العامل، أي: خَلّ رأسَك مع الحائط، ودَعْ شأنَك مع الحج. وكذلك "امرَأ ونفسَه" كأنّك قلت: "دعْ امرأ ونفسَه"، فيكون انتصابُه انتصابَ المفعول معه على حَد "ما صنعتَ وزيدًا؟ " وأمّا قولهم: "أهلَك والليلَ"، فمعناه: بادِرْ أهلَك قبل الليل؛ وأمّا تقديرُ الإعراب، فكأنّه قال: "بادِرْ أهلَك، وسابِق الليلَ"، فيكون كل واحد من الاسمَيْن منصوبًا بفعل مقدّر، وقد عطف جملةً على جملةٍ. ويجوز أن يكون التقدير: بادِرْ أهلَك والليلَ، فيكون الليلُ معطوفًا على الأهل عطفَ مفرد على مفرد وجعلهما مبادَرَيْن، لأن معنى المبادَرة مسابَقتُك الشيءَ إلى الشيء، فكأنه أمر المخاطَبَ أن يسابقَ الليلَ إلى أهله ليكون عندهم قبل الليل، ومعناه تحذيرُه أن يُدْرِكه كتحذيره من الأسد. وأمّا قولهم: "عذيرَك"، فهو مصدرٌ كـ "العُذْر"، يقال لمن جَنَى جِنايةً واحتُملت منه: "عذيرَك من فلان"، قال الشاعر [من الوافر]: ٢٤٠ - أُرِيدُ حِباءَه وُيرِيدُ قَتْلِي ... عَذِيرُكَ من خَلِيلكَ من مُرادِ

стр. 388

وهو مصدرٌ بمعنى "العُذْر" وقد ورد منصوبًا ومرفوعًا، فالنصبُ بفعل مقدّر، كأنه قال: "هاتِ عذيرَك، أو أَحْضِرْه" ونحوَ ذلك، وُوضع موضعَ الفعل، فصار كالعوض من اللفظ به، ولذلك قُبح إظهارُ الفعل، لأنّه أُقيم مُقامَ الفعل، ودخولُ فعل على فعل محالٌ. والرفع بالابتداء، والخبرُ ما في الجارّ والمجرور بعده، ومعناه مَن يعذرني في احتمالي إيّاه. وقال بعضهم: ليس العذير مصدرًا، وإنّما هو بمعنَى عاذرٍ، يقال: عاذرٌ، وعذيرٌ كـ "شاهد"، و"شهيد"، و"قادر"، و"قدير". وضعُف أن يكون مصدرًا بمعنى العُذْر، قال: لأن "فَعِيلًا" لم يأت في المصادر إلّا في الأصوات، نحو: "الصهِيل"، و"الصرير". فإذا قال: "عذيرَك" على معنَى "عاذَرك"، فكأنّه قال: "هاتِ عاذرَك، أو أحضِرْ عاذَرك". وهو مذهب سيبويه، وهو الصواب، لأنّه وُضع موضعَ الفعل، والمصدرُ يطّرِد وضعُه موضعَ الفعل، نحو: "رُوَيْدَكَ"، و"حَذَرَكَ"، ولا يطّرِد ذلك في اسم الفاعل، على أنّهم قد قالوا: "وَجَبَ القَلْبُ وَجِيبًا"، فجاء المصدرُ على "فَعِيلٍ" في غير الأصوات، فجاز أن يكون هذا منه. وأمّا قولهم: "هذا ولا زَعَماتِك" قال ذو الرُّمَّة [من الطويل]: ٢٤١ - لَقَدْ خَط رُومِىٌّ ولا زَعَماتِه ... لعُتْبَةَ خَطَّا لم تُطَبُّقْ مَفاصِلُهْ

стр. 389

فهذا مَثَلٌ، يقال لمن يزعم زَعَماتٍ، ويصحّ غيرُها، فلمّا صحّ خِلافُ قوله قيل: "هذا ولا زعماتِك" أي: هذا هو الحقُّ، ولا أتوهّمُ زعماتِك، أي: ما زعمتَه. والزعْمُ قولٌ عن اعتقاد، ولا يجوز ظهورُ هذا العامل الذي هو"أتوهّم" وشِبْهُه، لأنّه جرى مَثَلًا، والأمثالُ لا تُغيَّر، وظهورُ عامله ضربٌ من التغيير. وقالوا: "كِلَيْهما وتَمْرًا"، ويُروى: كلاهما وتمرًا، وكثُر ذلك في كلامهم حتى جرى مَثَلًا، وأصله أنّ إنسانَا خُيّر بين شيئَيْن، فطَلَبَهما المخيَّرُ جميعًا وزيادةً عليهما. فمَن نصب فبإضمارِ فعل، كأنّه قال: "أعطني كليهما وتمرًا" ومَن رفع كليهما فبالابتداء، والخبرُ محذوف كأنّه قال: "كلاهما لي ثابتٌ وزِدْني تمرًا" والنصبُ أكثر. وقالوا في مَثَل: "كل شيء ولا شَتِيمَةَ حُرّ"، ويُروى بنصبهما جميعًا، وبرفعِ الأول ونصب الثاني. فَمن نصبهما فبإضمارِ فعلَيْن، كأنّه قال: "إِيتِ كلَّ شيء، ولا ترتكِبْ شتيمة حرّ". ومَن رفع الأولَ فبالابتداء، كأنّه قال: "كلُّ شيء أَمَمٌ، ولا تَشْتِمَنْ حُرًّا"، أي: كلُّ شيء محتَملٌ، ولا تشتمن حرًّا، ومثلُه "كلَّ شيء ولا هذا"، أي: إِيتِ كلَّ شيء ولا هذا. ولم تظهر الأفعالُ في هذه الأشياء كلها لأنّها أمثال. * * * قال صاحب الكتاب: "ومنه قولهم انته أمراً قاصداً لأنه لما قال انته علم أنه محمول على أمر يخالف المنهي عنه قال الله تعالى: ﴿انتهوا خيراً لكم﴾ (١). ويقولون حسبك خيراً لك، و"وراءك أوسع لك" (٢) , ومنه "من أنت زيدًا"؟ أي: تذكر زيدًا, أو ذاكرًا زيدًا"؟ * * * قال الشارح: أمّا قولهم: "انتهِ أمرًا قاصدًا"، فإنّ "أمرًا" منصوبٌ بفعل مضمر تقديرُه: انته، وائْتِ أمرًا قاصدًا. فلمّا قال: "انته"، عُلم أنّه محمولٌ على أمر يخالف المنهي عنه, لأن النهْي عن الشيء أمرٌ بضِدّه، إلّا أنّه ها هنا يجوز لك إظهارُ الفعل العامل، لأنّه لم يكثُر استعمالُه كثرةَ الأول.

стр. 390

فأمّا قوله تعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ (١)، وما كان مثلَه، نحو قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ (٢)، فإنّه يجوز فيه ثلاثةُ أوجه: أحدُها: أن يكون كالمسألة التي قبلها، فيكون التقديرُ- والله أعلمُ- انتهوا، وائْتُوا خيرًا لكم. وآمِنوا وائتوا خيرًا لكم، هذا مذهبُ سيبويه، والخليلِ. قال سيبويه (٣): لأنّك حين قلت: "انته" فأنتَ تريد أن تُخْرِجه من أمر، وتُدْخِله في أمر آخر، فكأنّه أمرٌ أن يكُفّ عن الشرّ والباطلِ ويأتي الخيرَ. الثاني: وهو مذهبُ الكسائي، أنّه منصوبٌ، لأنه خبرُ "كان" محذوفة، والتقدير: انتهوا يكن الانتهاءُ خيرًا لكم. الثالث: وهو مذهبُ الفرّاء، أن يكون "خَيْرًا" متّصِلًا بالأول ومن جملته، ويكون صفة لمصدر محذوف، كأنّه قال: "انتهوا انتهاءً خيرًا لكم، وآمنوا إيمانًا خيرًا لكم". ومن ذلك "حَسْبُك خيرًا لك"، و"وراءَك أوسعَ لك"، فهذان المثلان من قبيل الأوّل، فقولُك: "حسبك" أمرٌ، كأنّك قلت: "اكْفُفْ عن هذا الأمر، واقْطَعْ، وائتِ خيرًا لك". وقولُهم: "وراءك أوسعَ لك" معناه: خَلِّ هذا المكانَ الذي هو وراءك، وائْتِ مكانًا أوسعَ لك. فالأوّل منهيٌّ عنه والثاني مأمورٌ به، إلاّ أنّ أفعالَ هذه الأشياء لا تظهر، لأنّه كثُر استعمالها، وعلِم المخاطَبُ أنّه محمول على أمرِ غيرِ ما كان فيه، فصارت هذه الأسماءُ عِوَضًا من اللفظ بالفعل. وممّا جاء منصوبًا بإضمار فعل لم يُستعمل إظهارُه قولُهم: "من أنتَ زيدًا"؟ وأصلُه: أنّ رجلًا غيرَ معروف بفضل تسمَّى بـ "زيد"، وكان زيدٌ مشهورًا بالفضل والشجاعة، فلمّا تسمَّى الرجل المجهول باسم ذي الفضل، دُفع عن ذلك، فقيل له: "من أنت زيدًا"؟ على جهةِ الإنكار، كأنّه قال: "من أنت تذكر زيدًا، أو ذاكرًا"، لكنه لا يظهر ذلك الناصبُ, لأنّه كثُر في كلامهم حتى صار مَثَلاَ، ولأنّه قد عُلم أنّ "زيدًا" ليس خبرًا، فلم يكن بُدٌّ من حَمْله على فعلٍ، ولا يقال ذلك إلّا جَوابًا، كأنّه لما قال: "أنا زيدٌ" قيل: "من أنت تذكر زيدًا، أو ذاكرًا زيدًا؟ ". وبعضُ العرب يرفع ذلك، فيقول: "من أنت زيدٌ"؟ فيكون خبرًا عن مصدر محذوف، كأنّه قال: "من أنت، كلامُك زيدٌ؟ " فإن قيل: كيف يجوز أن يكون خبرَ المصدر، والخبرُ إذا كان مفردًا يكون هو المبتدأَ في المعنى، وليس الخبرُ ها هنا المبتدأَ؟ قيل: ثمّ مضافٌ محذوفُ، والتقديرُ: من أنت كلامُك كلامُ زيد، أو ذكرُك ذكرُ زيد، ثمّ حُذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مُقامَه توسُّعًا على حدِّ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٤).

стр. 391

والنصب أجودُ، لأنه أقل إضمارًا، وتجوُّزا, لأنّك تُضْمِر فعلًا لا غيرُ، وفي الرفع تضمر مبتدأً، وتحذف مضافًا، فكان مرجوحًا لذلك. ويجوز أن تقول: "من أنت زيدًا"؟ لِمن ليس اسمُه زيدًا على سبيل المَثَل، أي: أنت بمنزلةِ الذي يقال له ذلك، كما قالوا: "أَطِرِّي فإنّكِ ناعِلةٌ" (١)، و"الصَّيْفَ ضَيَّعْتِ اللَّبَنَ " (٢)، فتخاطِب الرجلَ بهذا، وإن كان اللفظُ للمؤنّث، وإنّما يقال للرجل ذلك على معنَى: أنتَ عندي بمنزلةِ التي قيل لها هذا. وربّما صُرّح باسمه، فقيل: من أنت عمرًا؟ على التشبيه بالمَثَلَ. * * * قال صاحب الكتاب: "ومنه مرحباً وأهلاً وسهلاً، أي أصبت رحباً ضيقاً، وأتيت أهلاً لا أجانب، ووطئت سهلاً من البلاد لا حزناً. وأن تأتني فأهل الليل وأهل النهار أي فإنك تأتي أهلاً لك بالليل والنهار. * * * قال الشارح: وقالوا: "مرحبًا وأهلًا وسهلًا" فانتصابُ هذه الأسماء بأفعال مقدّرةٌ. فقدّرها سيبويه (٣)، فقال: تقديرُها: رحُبتْ بلادُك وأُهِلَتْ. وإنّما قدّرها بالفعل، لأنّ الدعاء إنّما يكون بفعل، فرَدَّه إلى فعل من لفظ المدعوّ به، كما يقدّرون "تُرْبًا وجَنْدَلًا" بـ "تَرِبَت يداك وجُنْدِلَتْ". وإنّما الناصب له "أصبتَ تربًا وجندلًا" على حسبِ المعنى المقصود، وهذا إنّما يُستعمل فيما لا يُستعمل الفعل فيه، ولا يحسن إلا في موضع الدعاء به. ألا ترى أنّ الإنسان الزائر إذا قال له المزورُ: "مرحبًا وأهلًا"، فليس يريد رحبتْ بلادُك، وأهلتْ، وإنّما يريد أصبتَ رُحْبًا، وسَعَةً، وأُنْسًا عندنا، لأنّ الإنسان إنّما يأنَس بأهله. وإذا قال: "سهلًا" كأنّه قال: أصبتَ سهلًا: أي: مكانًا سهلًا لا حَزْنًا وخُشُونَةً. ونظير ذلك أنّك إذا رأيت رجلًا يُسدد سَهْمًا، فتقول: "القِرطاسَ واللهِ"، أي:

стр. 392

أصبتَ القرطاسَ على طريق التفاؤُل والحَدْسِ لصحّةِ التسديد. فكذلك إذا رأيت رجلًا قاصدًا مكانًا وطالبًا أمرًا، قلت: "مرحبًا وأهلًا وسهلًا"، أي: أدركتَ ذلك، وأصبتَه، فحذفوا الفعل لكثرة الاستعمال، ودلالةِ الحال عليه. ويقول الرادّ: "وبِكَ وأهلًا وسهلًا"، فإذا قال: "وبك وأهلًا وسهلًا"، فكأنّه لَفَظَ بـ "مرحبًا بك وأهلًا وسهلًا"، ولذلك عطف. وإذا قال: "وبك أهلًا"، فإنّما اقتصر في الدعاء على الأهل فقط من غيرِ أن يعطِفه على شيء قبله، كأنَّ الرُّحْب والسَّعة قد استقّرا استقرارًا يغْنِيه عن الدعاء. فإذا رددتَ، فإنّما تعني أنّك لو جئتني لكنتَ بمنزلةِ من يقال له هذا، إذ لا يحسن أن يقول الزائر للمزور: "أهلًا"، لأن الحال لا تقتضي من الزائر أن يصادِف عنده المزورُ ذلك، وإنّما جئتَ بـ "بك" في قولك: "وبك وأهلًا" لِيتبيّن أنّه المعنيُّ بالدعاء لا لأنّه متّصل بالفعل المقدّر كما كان في قولك: "سَقْيًا لك" كذلك، وتقديرُه: سقاك اللهُ سَقْيًا ولَكَ، كأنّه قال: "هذا الدعاءُ لك"، فيجيء "لَكَ" على تقدير آخَر لا على تقديرِ: سقاك الله. ومن العرب من يرفع، فيقول: "مرحبٌ وأهلٌ"، أي: هذا مرحبٌ، فيكون "هَذَا" مبتدأً محذوفًا، و"مرحب" الخبرَ. قال طُفَيْلٌ الغَنَويّ [من الطويل]: ٢٤٢ - وبالسَّهْب مَيْمُونُ النقِيبَةِ قولُه ... لمُلْتَمِسِ المعروفِ أَهْلٌ ومَرْحَبُ قال سيبويه (١): ومنهم من يرفع، فيجعل ما يُضْمَر هو ما يُظْهَر. يريد أنّه إذا رفع أضمر مبتدأً، فيكون ذلك المبتدأ هو الخبرَ المظهَر في المعنى بخلافِ ما إذا نصبتَ، لأنّك في حال النصب تُضْمِر فعلًا، والفعلُ ليس بالاسم الظاهر. وقالوا: "إن تأتِني فأهلَ الليل، وأهلَ النهار" على معنَى "فإنّك تأتي أهلَ

стр. 393

الليل، وأهلَ النهار"، أي: تأتي من يكون لك كالأهل بالليل والنهار، فاعرفه. فصل قال صاحب الكتاب: "ويقولون الأسد الأسد والجدار الجدار والصبي الصبي, إذا حذروه الأسد والجدار المتداعي, وإبطاء الصبي. ومنه أخاك أخاك أي: الزمه، والطريق الطريق أي: خله, وهذا إذ ثني لزم إضمار عامله, وإذا أفرد لم يلزم". * * * قال الشارح: اعلم أنّ هذا الضرب ممّا ينتصب على إضمارِ الفعل المتروكِ إظهاره، وذلك قولك في التحذير: "الأسدَ الأسدَ"، و"الجِدارَ الجدارَ"، و"الصبيَّ الصبيَّ" و"الطريقَ الطريقَ"، إذا كنتَ تُحذَّره من الأسد أن يُصادِفه، ومن الجدار المتداعِي أن يقرُب منه لئلا يقع عليه، أو ينالَه، ومن الصبيّ أن يَطَأَه إذا كان في طريقه وهو غافلٌ عنه، ومن الطريق المخوف أن يمُرّ فيه. وكذلك قالوا في الإغراء: "أخاك أخاك"، وانتصابُ هذه الأسماء بفعل مضمر تقديرُه: اتَّقِ الأسدَ أن يصادفك، واتّقِ الجدارَ أن ينالك، وجانِبِ الصبيَّ لئلاّ تطأَه، وخَلِّ الطريقَ، والْزَمْ أخاك. فحُذفت هذه الأفعال لكثرتها في كلامهم ودلالةِ الحال، وما جرى من الذكر عليها. فإذا كرّروا هذه الأسماءَ، لم يجز ظهورُ هذه الأفعال العوامِل فيها، لأنّ المفعول الأول لمّا كُرّر شُبّه بالفعل فأَغنى عنه، وصار بمنزلةِ "إيّاك" النائب عن الفعل، كما كانت المصادرُ كذلك في قولهم: "الحَذَرَ الحذَرَ"، و"النَّجاءَ النجاءَ". جعلوا الأولَ بمنزلةِ "الْزَمْ" و"عَلَيْكَ" ونحوِه من تقدير الفعل، ويقبحُ دخولُ فعل على فعل. فلو أفردتَ جاز ظهورُ العامل، فإذا قلت: "الأسدَ الأسدَ" لم يجز أن تقول: "اتّقِ الأسدَ الأسدَ"، أو"جانِبْ". ولو أفردتَ، فقلت: "الأسدَ" جاز ظهورُ الفعل، فتقول: "حاذِرِ الأسدَ" أو "اتّقِ الأسدَ". وكذلك إذا قالوا "الصبيَّ الصبيَّ"، لم يجز أن تقول: "باعِدِ الصبيَّ الصبيَّ"، أو"جانِبِ الصبيَّ الصبيَّ". وإذا أفردتَ جاز أن تقول ذلك، ولا تقول: "خَلِّ الطريقَ الطريقَ"، وإذا قلتَه مفردًا، حسُن أن تقول: "خلّ الطريقَ". قال الشاعر [من البسيط]: ٢٤٣ - خَلّ الطريقَ لِمَن يَبْنِي المَنارَ به ... وابْرُزْ ببَرْزَةَ حَيْثُ اضطَّرَّكَ القَدَرُ

стр. 394

واعلم أنّ هذه الأسماء المنصوبة على إضمار الفعل إن كان الفعل فيها ممّا يجوز أن يظهر؛ كان الاسمُ خاليًا من الضمير، وكان خالِصَ الإفراد. وإن كان ممّا لا يجوز أن يظهر عاملُه؛ كان فيه ضميرٌ، وكان فيه شائبةٌ لِنيابته عن الفعل، وتضمُّنه ضميرَه، الذي كان فيه. وكان أبو الحسن يذهب إلى أنّ في نحو"سَقْيًا"، و"رَعْيًا"، وشِبْهِهما ضميرَيْن، لأنّهما في معنَى "سقاك اللهُ سقيًا"، و"رعاك الله رعيًا". وهو وإن كان كذلك، فهو على كل حال مفردٌ، وليس كـ "صَهْ"، و"مَهْ" و"دَراكِ" و"تَراكِ"؛ لأن هذه الأشياء تجري مجرى الجُمَل لاستقلالها بما فيها من الضمير، وهي مع ذلك مبنيَّةٌ، و"سقيًا" و"رعيًا" معربةٌ مُبقاةٌ على ما كانت عليه من الإعراب، فاعرفْ ذلك وقِسْ عليه ما كان مثله في قولك: "الليلَ الليلَ"، وَ "اللهَ اللهَ في أمري" ونحوِ ذلك، تُصِبْ إن شاء الله.

стр. 395

ما أُضمِرَ عامله على شريطة التفسير فصل قال صاحب الكتاب: "ومن المنصوب باللازم إضماره ما أُضمر عامله على شريطة التفسير في قولك: "زيدًا ضربته"، كأنك قلت "ضربت زيداً ضربته". إلا أنك لا تبرزه استغناء عنه بتفسيره. قال ذو الرمة [من الطويل]: ٢٤٤ - إذا ابن أبي موسى بلالاً بلغته ... فقام بفأسٍ بين وصليك جازر

стр. 396

ومنه زيداً مررت به، وعمراً لقيت أخاه، وبشراً ضربت غلامه، بإضمار جعلت على طريقي ولا بست وأهنت قال سيبويه (١): النصب عربي كثير والرفع أجود". * * * قال الشارح: اعلم أنّ هذا الضرب يتجاذبُه الابتداءُ والخبر والفعلُ والفاعل، فإذا قلت: "زيدًا ضربتُه"، فإنّه يجوز في "زيد" وما كان مثلَه أبدًا وجهان: الرفعُ والنصبُ. فالرفع بالابتداء، والجملةُ بعده الخبرُ. وجاز رفعُه لاشتغال الفعل عنه بضميره، وهو الهاء في "ضربتُه"، ولولا الهاءُ لم يجز رفعُه لوقوع الفعل عليه. فإن حذفتَ الهاء وأنت تريدها، فقلت: "زيدٌ ضربتُ" جاز عند البصريين على ضُعْفٍ، لأن الهاء، وإن كانت محذوفة، فهي في حكم المنطوق بها. قال الشاعر [من الرجز]: ٢٤٥ - قد أصبحتْ أمُّ الخِيار تَدَّعِي ... عليَّ ذَنْبًاكلُّه لم أَصْنَعِ والنصب بإضمارِ فعل تفسيرُه هذا الظاهرُ، وتقديرُه: ضربتُ زيدًا ضربتُه، وذلك أنَّ هذا الاسم، وإن كان الفعل بعده واقعًا عليه من جهة المعنى، فإنّه لا يجوز أن يعمل فيه من جهة اللفظ من قِبَل أنّه قد اشتغل عنه بضميره، فاستوفى ما يقتضيه من التعدّي، فلم يجز أن يتعدّى إلى "زيد"؛ لأن هذا الفعل إنّما يتعدّى إلى مفعول واحد لا إلى مفعولَيْن. ولمّا لم يجز أن يعمل فيه، أُضمر له فعلٌ من جنسه، وجُعل هذا الظاهر تفسيرًا له. ولا يجوز ظهورُ ذلك الفعل العامِل، لأنّه قد فسّره هذا الظاهرُ، فلم يجز أن يُجْمَع

стр. 397

بينهما، لأن أحدهما كافٍ. فلذلك لزم إضمارُ عامله، وصار ذلك بمنزلة قولك: "نِعْمَ زيدٌ". أُضمر "الرجل" في "نِعْمَ" وجُعلت النكرةِ، تفسيرًا له، ولم يجز إظهارُ ذلك المضمر اكتفاءً بالتفسير بالنكرة، فكذلك ها هنا. وذهب الكوفيون (١) إلى أنّه منصوب بالفعل الظاهر، وإن كان قد اشتغل بضميره، لأنّ ضميره ليس غيرَه، وإذا تعدّى إلى ضميره كان متعدّيًا إليه. وهو قول فاسد، لأنّ ما ذكروه، وإن كان من جهة المعنى صحيحًا، فإنّه فاسدٌ من جهة اللفظ. وكما تجِب مُراعاةُ المعنى كذلك تلزَم مراعاةُ اللفظ. وذلك أنّ الظاهر والمضمر ها هنا غيران من جهة اللفظ، وهذه صِناعةٌ لفظيةٌ، وفي اللفظ قد استوفى مفعولَه بتعدّيه إلى ضميره، واشتغالِه به، فلم يجز أن يتعدّى إلى آخَرَ. والذي يدلّ أنَّه منصوبٌ بفعل مضمر غيرِ هذا الظاهر أنّك قد تقول: "زيدًا مررتُ به"، فتنصب "زيدًا"، ولو لم يكن ثمَّ فعلٌ مضمرٌ يعمل فيه النصبَ، لمَا جاز نصبه بهذا الفعل, لأن مررت لا يتعدّى إلّا بحرفِ جرّ، فأما قوله [من الطويل]: إذا ابنَ أبي موسى بلالًا ... إلخ فالبيت لذي الرُّمّة وقبله [من الطويل]: أقولُ لها إذ شَمَّرَ اللّيلُ واستوتْ ... بها البِيدُ واشتدّتْ عليها الحَرائرُ وبلالٌ هذا ابنُ أبي بُرْدَةَ قاضي البصرة، وأبو موسى جَدُّه، واسمُ أبي بردة عامرٌ، واسمُ أبي موسى عبدُ الله بن قيس الأَشْعَريّ. والشاهد فيه نصبُ "ابن أبي موسى" بفعل مضمر تفسيرُه: بلغتِه، كأنّه قال: "إذا بلغتِ ابنَ أبي موسى بلالًا بلغتِه". وربّما رُفع على تقديرِ فعل ما لم يسمَّ فاعلُه، كأنّه قال: "إذا بُلغ ابنُ أبي موسى" لأنّ "إِذَا" فيها معنى الشرط، فلا يَلِيها إلّا فعلٌ هذا هو الوجه. والمعنى أنّه يخاطب ناقتَه، يقول: إذا أوصلتِني إلى بلال استغنيتُ عنك، لأنّي أستغنى به عن الرحِيل إلى غيره. وقوله: "فقام بفأس بين وصليك جازرُ" دعاءٌ، ولولا ذلك لم يجز دخولُ الفاء. ألا ترى أنك تقول: "إن أتاني زيدٌ أتيتُه" ولا يجوز: "فأتيتُه"؟ وتقول: "إن أتاني زيد فأَحْسَنَ اللهُ جَزاءَه" لأنّ فيه دعاءً. والوِصْل بالكسر: واحدُ الأوَصال، وقد عيبَ عليه ذلك. قالوا كان سبيلُه إذا أوصلْته إلى مقصوده ومطلوبه أن يُعامِلها بالحُسْنَى، وينظُرَ إليها، لا أن ينحَرها، فهو إِذًا

стр. 398

إلى الهِجاء أقربُ. والحقُّ أنّه مَدِيحٌ، والمراد ما ذكرناه من أنّه تقع الغُنْيَةُ عنكِ، ومثله قولُ الشَّمّاخ [من الوافر]: ٢٤٦ - إذا بلّغتِني وحملتِ رَحْلِي ... عَرابَةَ فاشْرَقِي بدَمِ الوَتِينِ وليس ذلك بهجاء، ألا ترى أنّه يقول في أثناء القصيدة [من الوافر]: إذا ما رَايَةٌ رُفعتْ لمَجْدٍ ... تَلَقّاها عَرابةُ باليَمِين فأمّا قولهم: "زيدًا مررتُ به"، فهو منصوبٌ بفعل مضمر يفسّره هذا الظاهرُ، إلّا أنّ النصب ها هنا أضعفُ منه في قولك: "زيدًا ضربتُه"؛ لأنّك إذا قلت: "زيدًا مررت به"، أضمرتَ فعلًا على غير لفظِ الأول، كأنّك قلت: "لَقِيت زيدًا" أو"جُزْتُ زيدًا"، أو "جعلتُ زيدًا على طريقي"؛ لأنّك إذا جزتَه وجعلتَه على طريقك، فقد مررتَ به. وإذا قلت: "زيدًا ضربتُه" أضمرتَ فعلاً من لفظه، فكأنّك قلت: "ضربتُ زيدًا ضربتُه"، فيكون الظاهرُ دالآ على مثلِ لفظه ومعناه. وفي قولك: "زيدًا مررت به" يكون الظاهر دالآ على مثلِ معناه. دون لفظه، وما اجتمع فيه اللفظُ والمعنى كان أقوى في الدلالة، وإذا ضعُف النصبُ قوِي الرفعُ. ومثله قولك: "عمرًا لقيتُ أخاه"، و"بشرًا ضربتُ غلامَه" في جَوازِ النصب، لأنّ الفعل إذا وقع بشيء من سَبَبه، فكأنّه قد وقع به. والدليلُ على ذلك أن الرجل يقول:

стр. 399

"أَهَنتَ زيدًا" بإهانتك أخاه، و"أكرمت عمرًا" إذا أوصلتَ الإكرامَ إلى غيره بسَبَبه. فإذا قلت: "زيدًا ضربتُ أخاه"، فنصبت "الأخ"، جاز أن تضمر فعلاً ينصب "زيدًا"، تقديره: "لابستُ زيدًا ضربتُ أخاه"، أو "أهنتُ زيدًا ضربتُ أخاه"، ولا تُضْمِر "ضربت" لأنّ "ضربت" الثاني ليس واقعًا على ضميره، وإنّما هو واقع على "الأخ". والنصبُ ها هنا أضعفُ منه في "مررت بزيد". وإذا ضعُف النصب قوِي الرفعُ، فإذًا الرفعُ في "زيدٌ لقيتُ أخاه" أقوى من الرفع في قولك "زيدٌ مورتُ به" والرفعُ في قولك: "زيد مررت به" أقوى من الرفع في قولك: "زيد ضربته". قال سيبويه (١): النصبُ عَرَبىٌّ جيّدٌ، والرفعُ أجودُ منه. يعني أنّ النصب في "زيدًا ضربته" عربيّ فصيح في كلام العرب، والرفع أجود لأنّ الرفع لا يفتقر إلى إضمارٍ، ولا تقدير محذوف، والنصبُ يفتقر إلى إضمارِ فعلٍ، وفاعلٍ، فاعرفه. فصل قال صاحب الكتاب: "ثم إنك ترى النصب مختاراً ولازماً. فالمختار في موضعين: أحدهما أن تعطف هذه الجملة على جملةٍ فعلية, كقولك: "لقيت القوم حتى عبد الله لقيته"، و"رأيت عبد الله وزيداً مررت به". وفي التنزيل: ﴿يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذاباً أليماً﴾ (٢). ومثله: ﴿فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة﴾ (٣) ". * * * قال الشارح: يريد أنّ المسائل التي تقدّمت، وهي "زيدٌ ضربته"، و"عمرٌو مررت به"، و"زيدٌ ضربت أخاه"، المختارُ فيها الرفعُ، ثم يعرِض في هذا الباب أمورٌ يصير النصبُ بها مختارًا ولازمًا لا يجوز غيره. قال: فالمختار في موضعين: أحدهما أن تعطف هذه الجملة على جملة فعليّة الخ، وذلك لأن العرب تختار مطابَقةَ الألفاظ ما لم تُفْسِد عليهم المعاني، فإذا جئت بجملةٍ صدّرتَها بفعل، ثمّ جئت بجملة أُخرى معطوفةٍ على الجملة الأولى، وفيها فعلٌ، كان الاختيارُ تقدير الفعل في الجملة الثانية، وبناءَ الاسم عليه، سواءَ ذكرتَ في الجملة الأولى منصوبًا أو لم تذكره، نحو: "قام زيدٌ وعمرًا كلَّمتُه"، إذ الغرضُ توافُق الجُمَل وتطابُقُها لا تختلف، وليس الغرضُ أن يكون فيها منصوبٌ. قال الله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ (٤)، فرفع "القمر" ها هنا؛ لأن قبلة ﴿وَآيَةٌ

стр. 400

لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ (١)، وهو مرفوع بالابتداء، وقال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ (٢)، فنصب "كلاَّ", لأنّ قبله فعلاً وهو ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ (٣)، وأضمر له فعلاً نَصَبَه به، ثمّ عطفها على الأولى لتشاكُلهما في الفعلية. وإذا كان النصبُ من غير تقدُّم فعلٍ جائزًا، كان مع تقدُّمه مختارًا، إذ فيه تشاكُلُ الجملتَيْن من غير نقضٍ للمعنى. قال الله تعالى ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٤). لمّا كان قد تقدّم ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ (٥). نصب "الظالمين" بإضمار "يُعذِّب الظالمين" أو "يُهِين". وقال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ (٦). نصب "فريقًا"، لأنّ قبله "فريقًا هدى". ونظائرُه في القرآن كثيرة. ويجوز الرفع في الجملة الثانية، وإن كان قبلها جملةٌ فعليّةٌ، فتكون الجملةُ الثانيةُ كجملةٍ مبتدأةٍ، وليس قبلها فعلٌ، وذلك قولك: "لقيتُ زيدًا، ومحمّدٌ أكرمتُه" لم تحتفِل بتقدُّم الفعل الذي هو"لقيت زيدًا" إذ كانت جملة قائمة بنفسها، فصار كأنك قلت: "محمَّد أكرمته" ابتداءً، فعطفت جملة على جملة، كقولك: "قام زيدٌ، ومحمّدٌ أفضلُ منه"، فهذا لا يجوز فيه إلّا الرفعُ. * * * قال صاحب الكتاب: "فأما إذا قلت: "زيدٌ لقيت أباه, وعمرًا مررت به", فذهب التفاضل بين رفع "عمرو" ونصبه, لأن الجملة الأولى ذات وجهين". * * * قال الشارح: قد تقدّم من قولنا أنّه إذا كان الكلام مبتدأً وخبرًا، وعطفتَ عليه جملةً، في أوّلها اسمٌ، وبعده فعل واقعٌ على ضميره، كان الاختيارُ رفعَ الاسم الثاني بالابتداء، نحوَ قولك: "زيدٌ أخوك، وعمرٌو كلّمتُه"، لأنّه لم يتقدّم الجملةَ الثانيةَ ما يصرفه إلى النصب، فجرى كحاله لو لم تتقدّمه جملةٌ أصلًا. فأمّا إذا كان الكلام مصدَّرًا بفعلٍ، كان الاختيارُ في الاسم الذي في الجملة الثانية النصبَ على إضمار فعل على ما أصّلناه. فإذا قلت: "زيدٌ لقيتُه"، ففيه جملتان: إحداهما اسميّةٌ، وهي الجملة الكبْرَى التي هي المبتدأ والخبر، وهي "زيدٌ لقيته" بكمالها. والثانيةُ فعليّةٌ، وهي الخبر الذي هو "لقيته" وهي الجملة الصُّغْرَى. فالجملةُ الأوُلى لا موضع لها من الإعراب لأنها لم تقع موقع المفرد. والجملة الثانية لها موضع من الإعراب لأنها وقعت موقع المفرد الذي هو الخبر في "زيدٌ قائمٌ" وشِبْهِه. وإذ قد تقرَّر ذلك، فأنت إذا

стр. 401

قلت: "زيدٌ لقيتُه، وعمرٌو كلّمتُه"، كنتَ في "عمرو" بالخِيار، إن شئت رفعتَه، وإن شئت نصبتَه، لأنّه قد تقدّمه جملتان: إحداهما اسميةٌ، وهي قولك: "زيد لقيته". بكمالها، والثانيةُ قولك: "لقيته". فإن عطفتَ على الجملة الاسمية، رفعتَ "عمرًا", لأنّ صَدْرَ الجملة اسمٌ، وإن عطفت على الجملة التي هي "لقيته"، نصبتَ لأنّ صدرَ الجملة فعلٌ. وليس إحداهما أَوْلى من الأخرى. فهذا معنى قوله: "ذهب التفاضُل بين رفعِ عمرو ونصبه"، يعني ليس النصب أَوْلى من الرفع، ولا الرفعُ أولى من النصب. قال: "لأن الجملة الأولى ذاتُ وجهَيْن" يعني أنّها مشتمِلةٌ على جملة اسمية وجملة فعلية، فهي ذات وجهين لذلك. وهذا فيه إشكالٌ، وذلك أنّك إذا قلت: "زيد لقيته، وعمرو كلّمته"، لم يجز حَمْلُ "عمرو كلّمته" على "لقيته"، وذلك، لأنّ "لقيته" جملةٌ لها موضعٌ من الإعراب، ألا ترى أنك تقول: "زيد قائمٌ"، فيقع موقعها اسمٌ واحدٌ، وهو خبرُ "زيد"، فكلُّ شيء عُطف عليها صار في حكمها خبرًا لـ "زيد". وأنت لو جعلت "عمرًا ضربته" خبرًا عن "زيد"، لم يجز لخُلُوّه من العائد إلى "زيد"، إذ الهاء في "ضربته" إنّما تعود إلى "عمرو". فإن جئت بعائد فيها فقلت: "زيدٌ عمرًا ضربتُه عنده"، جازت المسألةُ، فالهاءُ في "ضربته" تعود إلى "عمرو"، والهاءُ في "عنده" تعود إلى "زيد"، ولا شك أنه إنّما لم يذكر ذلك لأنّه معلوم، فلم يحتج إلى التعرّض له، فأجاز الوجهين بشرطِ وُجودِ شرائطه من الضمير وغيرِه، فاعرفه. * * * قال صاحب الكتاب: "فإن اعترض بعد الواوما يصرف الكلام إلى الإبتداء, كقولك: "لقيت زيدًا, وأما عمرٌو فقد مررت به"، و"لقيت زيدًا, وإذا عبد الله يضربه عمرٌو"، وعادت الحال الأولى جذعة. وفي التنزيل: ﴿وأما ثمود فهديناهم﴾ (١). وقرئ بالنصب (٢) ". * * * قال الشارح: يعني بعد وجودِ ما يُختار معه النصب نحو تقدُّم جملة فعليّة، أو غيرِ ذلك، إذا وُجد في الجملة المعطوفة ما يصرف الكلامَ إلى الابتداء، صار الاختيار فيه الرفعَ، ويصير المعترِضُ من قبيل المانع. وذلك قولك: "لقيت زيدًا، وأمّا عمرو فقد مررت به"، و"رأيتُ زيدًا، وإذَا عبدُ الله يشتِمه عمرٌو". فالرفعُ ها هنا هو الوجه المختار، وإن كان قد تقدّمت جملة فعليةٌ، لأنّ "أمَّا"، و"إذَا" ليسا من حروف العطف كالفاء والواو فتحمِلَ بهما

стр. 402

الثاني على الأوّل، وإنّما هما حرفا ابتداءٍ يقطعان ما بعدهما عمّا قبلهما، فيكون ما بعدهما بمنزلة جملةٍ ليس قبلها شيءٌ، فكما أنّك إذا قلت: "زيدٌ ضربتُه" ابتداءً، وليس قبله كلامٌ، كان المختارُ الرفع. فكذلك بعد "أما"، و"إذَا" التي للمفاجأة؛ لأنّهما بمنزلةِ كلام مبتدإ. ومن قال: "زيدًا ضربتُه"، وإن لم يتقدّمه كلامٌ، فينصِب، وإن كان المختار الرفع، قال ها هنا: "لقيتُ زيدًا، وأمّا عمرًا فأكرمتُه" فينصب، وليس بالاختيار. وهذا معنى قوله: "عادت الحال الأولى جذعة"، أي: شابَّةً طَرِيّة، كأن لم يتقدّمها كلامٌ. فأمّا قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ (١)، فالقراءة بالرفع على الابتداء وإن كان قبله ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ (٢) لِما ذكرناه من حالِ "إِمَّا". وقد قرأ بعضُهم: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ (٣) بالنصب. وليس ذلك على حدِّ "زيدًا ضربته", لأن ذلك ليس بالمختار، والكتابُ العزيزُ يُختار له. والذي حسّنه عند هذا القارئ ما في "أَمَّا" من معنى الشرط، والشرطُ يقتضي الفعلَ، فاعرفه. * * * قال صاحب الكتاب: "والثاني أن يقع موقعًا هو بالفعل أولى, وذلك أن يقع بعد حرف الإستفهام, كقولك: "أعبد الله ضربته"، ومثله: "السوط ضرب به زيدٌ؟ "، و"الخوان أُكل عليه اللحم؟ " و"أزيدًا أنت محبوس عليه؟ "، و"أزيدًا أنت مكابرٌ عليه؟ "، و"أزيدًا سميت به؟ "". * * * قال الشارح: والموضع الآخر الذي يختار فيه النصب وليس الاسم فيه معطوفًا على فعل، وذلك إذا وَلِيَ الاسمُ حرفًا (٤) هو بالفعل أَوْلى، وجاء بعده فعلٌ واقعٌ على ضميره، فالاختيارُ نصبُ الاسم بإضمار فعلٍ. وذلك إذا وقع بعد حرف الاستفهام، نحو قولك: "أعبدَ الله ضربتَه؟ "، و"أعمرًا مررتَ به؟ "، و"أزيدًا ضربتَ أخاه؟ "، النصبُ في ذلك كلّه هو الوجه المختار، والرفعُ جائزٌ. فالنصبُ بإضمار فعل يكون الظاهرُ تفسيره، وتقديرُه: أضربتَ عبدَ الله ضربتَه، وألقَيتَ زيدًا مررتَ به، وأَهَنْتَ زيدًا ضربتَ أخاه، فالنصبُ مع الاستفهام بالعامل الذي يقدَّر بعد الاستفهام، وهو في الاستفهام مختارٌ كما كان الرفع مع الابتداء مختارًا. وأمّا الرفع مع الاستفهام، فجائرٌ بالابتداء، وما بعده الخبرُ، إلّا أنّه مرجوحٌ. وإنّما كان النصبُ هو المختارَ من قِبَل أن الاستفهام في الحقيقة إنّما هو عن الفعل لا عن

стр. 403

الاسم. لأنّ السؤال إنّما يكون عمّا وقع الشكُّ فيه، وأنتَ إنّما تشُكّ في الفعل لا في الاسم، ألا ترى أنّك إذا قلت: "أزيدًا ضربتَه"، فإنّما تشكّك في الضرب الواقع بزِيد، ولستَ تشك في ذاته، فلمّا كان حرفُ الاستفهام إنّما دخل الفعلَ لا الاسمَ، كان الأوْلى أن يَلِيه الفعلُ الذي دخل من أجله. وإنّما دخل على الاسم، ورُفع الاسم بعده بالابتداء، لأنّ المبتدأ والخبر قبل دخول الاستفهام يُوجِب فائدةً، فإذا استفهمتَ، فإنّما تستفهِم عن تلك الفائدة، فاعرفه. وأمّا "السوطَ ضُرب به زيدٌ؟ "، و"الخِوانَ أُكل عليه اللحمُ؟ "، و"أزيدًا سُمّيت به؟ "، فإنّ الاختيار في "السوط" و"الخوان" و"أزيدًا" النصبُ، وذلك أنّك إذا قلت: "ضُرب زيد بالسوط"، و"أكل اللحم على الخِوان"، و"سُمّيت بزيدٍ"، فهذه الحروفُ الجارّةُ مع ما يَلِيها من المجرورات في موضع نصب. وذلك أنّك أقمتَ الاسم مقامَ الفاعل، فصار الجارُّ والمجرور في موضع نصب، وحلَّ محلّ قولك: "مَرَّ زيدٌ بعمرٍو"، و"نزل زيدٌ على خالدٍ". فلمّا اتّصلت حروفُ الجرّ بكناياتِ هذه الأسماء، وقد تقدّمتِ الأسماءُ، وجب أن تنصبها، لأن الحروف التي اتّصلت بكناياتها في موضع نصب، فصار بمنزلةِ "أزيدًا مررتَ به". والذي يدلّ على أن موضع هذه الحروف نصبٌ أنّك لو حذفتها، وكان الفعلُ ممّا يتعدّى بنفسه، لم تكن الأسماءُ الأوُلى إلّا منصوبةً، وذلك نحو"السوطَ ضُرب؟ "، و"الخوانَ أُكل؟ "، و"أزيدًا سُمّيتَ؟ " لو كان يُتكلّم به، لم يكن إلّا كذلك؛ لأنّ الفعل الواحد لا يرفع اسمَين، فإذا رفعتَ أحدَهما، فلا بدّ من نصب الآخر. وأمّا قولهم: "أزيدًا أنتَ محبوسٌ عليه؟ "، و"أزيدًا أنت مكابرٌ عليه؟ " فيختار فيهما النصب لمكانِ همزة الاستفهام. وذلك لمّا كان اسمُ الفاعل واسمُ المفعول يجريان مجرى الفعل في عَمَله، فقولُك: "أزيدًا أنت ضاربُه؟ " بمنزلة قولك: "أزيدًا أنت تضربه؟ "، و"أزيدًا أنت مضروبٌ به؟ " بمنزلةِ "أزيدًا أنت تُضْرَب به؟ "، فكما تفسِّر قولك: "أزيدًا أنت تضربه؟ " بالفعل الناصب، فكذلك تفسّر باسم الفاعل في قولك: "أزيدًا أنت ضاربُه؟ ", لأنه في معناه. والنيّةُ التنوين والانفصال، فالضميرُ، وإن كان مجرورًا في اللفظ، فهو منصوب في الحكم كما كان "أزيدًا مررت به؟ ". كذلك "كيف" وأبو الحسن يذهب إلى أن الضمير في موضع منصوب ألبتّة. وكذلك إذا قلت: "أزيدًا أنت محبوسٌ عليه؟ "، و"أزيدًا أنت مكابرٌ عليه؟ "، فـ "محبوسٌ"، و"مكابرٌ" من أسماء المفعولين الجارية مجرى الفعل. فـ "محبوسٌ" في معنى "تُحْبَس"، و"مكابرٌ" في معنى "تُكابَر"، فلذلك جاز نصبُ "زيد" فيهما بفعلٍ يفسِّره "محبوس"، و"مكابر". كأنّك قلت: " أتنتظِر زيدًا أنت محبوسٌ عليه؟ "، و"أشَكَيْتَ زيدًا

стр. 404

أنت مكابَرٌ عليه؟ ". واختير النصبُ لمكانِ حرف الاستفهام، وفي كلّ واحد من "محبوس"، و"مكابر" ضميرٌ مستترٌ يرجع إلى "أنتَ"، يقوم مقامَ الفاعل، إذ كان في معنَى "تكابَر"، و"تُحبَس". فإن لم يَجْرِ الفاعل واسمُ المفعول مجرى الفعل، كانا كـ "غُلام" و"أخَ"، ووجب رفعُ الاسم نحو"أزيدٌ أنت ضارِبُه؟ "، و"أزيدٌ أنت محبوسٌ به؟ " و"أزيدٌ أنت مكابَرٌ عليه؟ " كأنّك قلت: "أزيدٌ أخوه، أو غلامُه" وما أشبههما من الأسماء. * * * قال صاحب الكتاب: "ومنه أزيدًا ضربت عمرًا وأخاه؟ "، و"أزيدًا ضربت رجلاً يحبه؟ ", لأن الآخر ملتبسٌ بالأول بالعطف, أو بالصفة". * * * قال الشارح: ومن ذلك: "أزيدًا ضربتَ عمرًا وأخاه؟ "، و"أزيدًا ضربتَ رجلًا يحبّه؟ "، فيختار فيه النصبُ أيضًا، لأنّ الفعل واقعٌ على ما هو من سَبَبه، وقد وَلِيَه حرفُ الاستفهام، فكان كقولك: "أزيدًا ضربتَ أخاه؟ " وذلك أنّ الجملة، إذا كان فيها ضميرُ اسم قد تقدّم ذكرُه، فهي من سبب ذلك الاسم، وإن كان في الجملة اسمٌ ليس فيه ضميرٌ، ولا تُبالِي في أيِّ موقع من الجملة وقع ذلك الضميرُ. فإذا قلت: "أزيدًا ضربتَ عمرًا وأخاه؟ " فـ "عمرٌو" و"الأخُ" منصوبان متّصِلان به داخلان في الجملة، فصار بمنزلةِ "أزيدًا ضرب أخاه" لاتحادِ المعطوف والمعطوف عليه. وكذلك لو قلت: "أعمرًا ضربتَ زيدًا في داره؟ "، لكان الوجه أيضًا النصبَ، لأنّ قولك: "في داره" ظرفٌ وقع فيه الضربُ، فهو من جملةِ "ضربتَ". وكذلك لو قلت: "أزيدًا ضربتَ رجلًا يُحبه؟ " فـ "يُحِبّه" نَعْتٌ لـ "رجل"، والنعتُ والمنعوتُ يتسلّط عليهما العاملُ تسلُّطًا واحدًا، فكان "يحبّه" من جملةِ "ضربت"، فصار الاسمُ المنصوبُ بـ "ضربت" من سببِ الاسم الأوّل، إذ كان في جملته عائدٌ إليه. ولو كان الذي يَلِي الاسم جملةً ليس فيها ذكرٌ، ثم جئتَ بجملة أخرى، فعطفتَها على الجملة الأولى، وفيها ذكر للاسم، لم يجز، وذلك قولك: "أزيدًا ضربتَ عمرًا، وضربتَ أباه؟ " لأنّ قولك: "وضربت أباه" جملةٌ أخرى قائمةٌ بنفسها، والجملةُ الأولى قد مضت بلا ذكرٍ، فلم تلتبِس بها. * * * قال صاحب الكتاب: "فإن قلت: "أزيدٌ ذهب به" فليس إلا بالرفع". * * * قال الشارح: وأمّا قوله: "أزيدٌ ذُهب به فليس فيه إلّا الرفع", لأنّك إذا قلت:

стр. 405

"ذُهب يزيد"، فالباءُ وما عمِلت فيه في موضع رفع اسم ما لم يُسمَّ فاعله, لأنّه لا بدّ للفعل من فاعل، أو ما يقوم مقامَ الفاعل، وليس معك ما يقوم مقامَ الفاعل إلّا الباءُ وما اتّصلت به، فأُقيمت مُقامَ الفاعل، فكانت في موضع رفع لذلك، فوجب أن يكون الاسم مرفوعًا، لأنّ الذي اتّصلت به كنايتُه مرفوعٌ، وصار بمنزلةِ "أزيدٌ ذهب أخوه" لأنّ كنايته قد اتّصلت بمرفوع، وهو الأخ. وارتفاعُ "زيد" في قولك "أزيدٌ ذُهب به" على وجهَيْن: أحدُهما بالابتداء، والآخرُ بأنّه فاعلُ فعلٍ محذوفٍ. وإن أسندتَ الفعل في قولك: "أزيدٌ ذُهب به" إلى مصدره، كان الجارّ والمجرور في محلِّ منصوب، وتقديرُه "ذُهب الذهابُ به". وجاز نصبُ الاسم الذي هو "زيدٌ"، وكان مختارًا، لأن ضميره في محلِّ نصب، وهذا لاختلافٍ فيه بين أصحابنا. * * * قال صاحب الكتاب: "وأن يقع بعد "إذا", كقولك: "إذا عبد الله تلقاه فأكرمه", و"حيث زيدًا تجده فأكرمه"". * * * قال صاحب الكتاب: ومن ذلك "إِذَا" الزمانيةُ و"حيْثُ" إذا وقع بعدهما اسمٌ، وبعده فعلٌ واقعٌ على ضميره، فيختار فيه النصب، وذلك نحو قولك: "إذا زيدًا تلقاه فأكرمه"، و"حيث زيدًا تجده فأعْطِه" لأنّ فيهما معنى المجازاة. والمجازاةُ إنّما تكون بالفعل، فلمّا كان الموضعُ موضعَ فعل، اختير نصبُ الاسم بعدهما بإضمارِ فعل يفسّره الظاهرُ. فإذا قلت: "إذا زيدًا تلقاه"، فتقديرُه: إذا تلقى زيدًا تلقاه، وكذلك "حَيْثُ" تقول: "حيث زيدًا تجدُه فأكرمه"، وتقديرُه: حيث تجد زيدًا تجده فأكرمه، لِما ذكرناه من أنّ فيهما معنى المجازاة. وذلك لأن قولنا: "إذا عبدَ الله تلقاه" يوجِب الأوقاتَ المستقبلةَ كلَّها، ولا يخُصّ وقتًا من وقت، فهي بمنزلةِ "مَتَى"، و"حَيْثُ" توجب الأماكنَ كلَّها، ولا تخصّ مكانًا دون مكان، فهي بمنزلةِ "أَيْنَ"، غيرَ أنّ "متى" و"أين" تجزِمان، و"إذا" و"حيث" لا تجزمان عند البصريين إلّا في ضرورة الشعر. وقد أجاز سيبويه رفعَ الاسم بعدهما بالابتداء (١). والذي أراه أنّ ذلك جائزٌ في "حيث" لأنّها قد تخرج من معنى الجزاء إلى أن يكون بعدها المبتدأُ والخبرُ، تقول: "لقيتُه حيثُ زيدٌ جالسٌ"، فتكون نظيرةَ "إذْ" في الزمان في وقوعِ الابتداء والخبر بعدها، نحو قولك: "لقيتُه إذ زيدٌ جالسٌ". وأمّا "إِذَا"، فلا تنفكّ من معنى المجازاة، لأنّها لا تقع إلّا للمستقبل، فإذا وَلِيَها الاسمُ،

стр. 406

فلا بدّ من أن يكون الفعلُ بعدها مقدّرًا مرفوعًا كان أو منصوبًا. تقول: "إذا زيدٌ جلسَ أجلس" تقديرُه: إذا جلس زيد جلس. ويدلّ على ذلك أنّه لا بدّ من وقوعِ فعل بعد ذلك الاسم. ألا تراك لو قلت: "أجلس إذا زيدٌ جالسٌ " لم يجز، ويجوز ذلك مع "حيث". * * * قال صاحب الكتاب: وبعد حرف النفي, كقولك: "ما زيدًا ضربته". وقال جرير [من الوافر]: فلا حسبًا فخرت به لتيمٍ ... ولا جدًّا إذا ازدحم الجدود (١) * * * قال الشارح: ومن ذلك النفيُ إذا وقع الاسمُ بعد حرف نفي، وكان بعده فعلٌ واقعٌ على ضميره، أو على ما هو متّصِلٌ بضميره، فالاختيارُ فيه النصبُ، نحو: "ما زيدًا لقيتُه، ولا زيدًا قتلتُه"، و"ما زيدًا لقيت أباه، ولا عمرًا مررت به". وإنّما صار النصبُ هنا مختارًا لشبه حروف النفي بحروف الاستفهام، وحروفِ الجزاء، وحروفِ الأمر والنهي. ووجهُ الشبه أن ما بعد النفي غيرُ واجب كما أن ما بعد كل واحد من هذه الأشياء كذلك. فالحال بين النصب والرفع متقارِبٌ، فقولُك: "ما زيدًا ضربتُه" أقوى من قولك: "ما زيدٌ ضربته" بالرفع. والنصبُ فيه أضعفُ من النصب بعد حروف الاستفهام، وحروفِ الجزاء. والرفعُ فيه أقوى من الرفع في قولك: "أزيدٌ ضربتَه؟ " لشَبَهِ النفي بالابتداء، ولذلك كان فَرْعًا ومحمولًا على غيره في النصب. وشَبَهُه بالابتداء أنّه نقيضُ المبتدأ ونفيٌ له. والنفيُ يجري مجرى الإيجاب، ألا ترى أنّك إذا قلت: "قام زيدٌ" فنفيُ هذا أن تقول: "ما قام زيدٌ" فترُدّ الكلامَ على لفظه، فشَبَهُه بالمبتدأ أنّك ترُدّ فيه لفظَ المبتدأ؟ قال الشاعر [من الوافر]: فلا حسبًا فخرت به ................................... إلخ فنَصَبَه بإضمارِ فعل تقديرُه: فلا ذكرتُ حسبًا فخرتَ به. وأجاز يونسُ أن تكون الفتحةُ في قوله: "فلا حسبًا" فتحة بناءٍ بمنزلةِ "لا رجلَ في الدار"، ونَوَّنَه للضرورة. البيت لجَرِير يهجو عمر بن لَجأٍ، وهو من تَيْمِ عَدِيّ، يقول: لم تكتسِب لهم حَسَبًا يفخَرون به، ولا لك جَدٌّ تُعوَّل عليه عند ازدحام الناس للمفاخرة، أي: ليس لك قديمٌ ولا حديثٌ. ومثلُه [من الطويل]: ٢٤٧ - فلا ذا جَلالٍ هِبْنَه لجَلالِه ... ولا ذا ضَياعٍ هُنَّ يَتْرُكْنَ للفَقْر

стр. 407

نصب "ذا جلال" بفعل محذوف دلّ عليه "هبنه" فكأنّه قال: "فلا هِبنَ ذا جلال هبنه". * * * قال صاحب الكتاب: "وأن تقع في الأمر والنهي, كقولك: "زيداً أضربه"، و"خالداً أضرب أباه"، و"بشراً لا تشتم أخاه"، و"زيداً ليضربه عمرٌو، و"بشراً ليقتل أباه عمرٌو". ومثله: "أما زيداً فاقتله، وأما خالداً فلا تشتم أباه". * * * قال الشارح: ومن ذلك إذا كان بعد الاسم فعلُ أمرٍ، أو نهي واقعٌ على ضميره، أو ما اتّصل بضميره، فإنّه مختارٌ فيه النصبُ، نحو قولك: "زيدًا اضربه"، و"خالدًا اضربْ أباه"، و"زيدًا ليضربْه عمرٌو"، و"بشرًا ليضربْ أخاه جعفرٌ"، و"زيدًا لا تشْتمْه"، و"خالدًا لا تضرب أباه". النصبُ في ذلك كلّه الوجهُ المختارُ، والرفع جائزٌ، وإنّما كان النصبُ مختارًا لأجلِ الأمر والنهي، إذ الأمرُ والنهيُ لا يكونان إلّا بالأفعال، لأنّك إنّما تأمره بإيقاع فعل وتَنْهاه عن إيقاعِ فعل. وذلك أنّك حين تأمره فأنت تطلب منه إيقاعَ ما ليس بموجودٍ، وإذا نَهَيْتَه، فأنت تمنَعه من الإتيان به. فأمّا الذوات، فإنّها موجودةٌ ثابتةٌ لا يصحّ الأمرُ بها، ولا النهيُ عنها. وإذا كان

стр. 408

الأمرُ كذلك، ثم أتيتَ باسم قد وقع الفعلُ الذي بعده على ضميره، نصبتَه بإضمارِ فعل على نحوِ ما ذكرناه في الاستفهام، وكان النصبُ في الأمر والنهي أقوى منه في الاستفهام، من قِبَل أن الأمر والنهي لا يكونان إلّا بالأفعال، وقد يكون الاستفهامُ بغيرِ فعل، نحو قولك: "أزيدٌ أخوك؟ "، و"أعبدُ الله عندك؟ " وإنّما قال في التمثيل: "زيدًا اضربْه"، و"زيدًا ليضربْه عمرٌو" ليُرِيك أنَّه لا فَرْق في ذلك بين الأمر للحاضر والأمرِ للغائب، فقولُه: "زيدًا اضربْه"، أمرٌ للحاضر، و"زيدًا ليضربْه عمرٌو" أمرٌ للغائب، فمَثَّلَ بهما. والرفع جائزٌ على الابتداء، والجملةُ بعده سدّتْ مسدَّ الخبر. وإنّما قلنا: سدّت مسدّ الخبر؛ ولم نقل: الخبرُ؛ لأن حقيقةَ الخبر ما احتمل الصدْقَ والكذْبَ، وذلك معدوم في الأمر والنهي. ومثله "أَمَّا" في قولك: "أَمّا زيدًا فاقتله"، و"أمّا خالدًا فلا تشتِمْ أباه" في اختيار النصب. وذلك من قِبَل أنّ "أمّا" تقطع ما بعدها عما قبلها، ويصير ما بعدها كالكلام المستأنَف، فنُصب لِما ذكرناه في الأمر والنهي، غيرَ أنّك لا تقدِّر الفعلَ بعد "أمّا"؛ لأنّ "أمّا" لا يَلِيها فعلٌ لتضمُّنها معنى الفعل، ولكن تقدّر الفعلَ بعد الاسم بلا ضمير، وتُعدّيه إلى الاسم، ثمّ تحذفه، ثمّ تأتي بالفعل المفسَّر، وتقديرُه: أمّا زيدًا فاقتلْ، فاقتلْه، وأمّا خالدًا فلا تُهِنْ فلا تشتمْ أباه". ولا بدّ من الفاء بعد "أمّا"؛ لأنّها جواب لِما تضمَّنته من معنى الشرط. * * * قال صاحب الكتاب: "والدعاء بمنزلة الأمر والنهي، تقول: "اللهم زيداً اغفر له ذنبه"، و"زيداً أمر الله عليه العيش". قال أبو الأسود [من الطويل]: ٢٤٨ - [أميران كانا صاحبيَّ كلاهما] ... فكلا جزاه الله عني بما فعل

стр. 409

و"أما زيداً فجدعا له، وأما عمراً فسقياً له". * * * قال الشارح: والدعاء بمنزلة الأمر والنهي في اختيار النصب، لأنّ سبيله سبيلُ الأمر والنهي في الإعراب من كلّ وجهٍ، وهو في المعنى مثلُ الأمر، وكذلك أن الداعي ملتمِسٌ من المدعوّ إيقاعَ ما يدعوه به، إلّا أنّ الجُمْهُور لا يسمّون مسألةَ من هو فوقَك أمرًا، وربّما سماه بعضُهم أمرًا، واحتجّ عليه بقول الشاعر [من الطويل]: ٢٤٩ - أمرْتُك أَمْرًا جازِمًا فَعَصَيْتَني ... وكان من التَّوْفِيق قَتْلُ ابنِ هاشِمِ البيت لعمرو بن العاص يخاطب مُعاوِيَةَ، وكان فوقه. والأعمُّ الأكثرُ ما قدّمناه، ويجوز أن يكون عمرٌو رأى نفسَه من طريقِ المَشْوَرَةِ والرأي وحاجةِ معاوية إليه فوقه، فسمّى سؤالَه أمرًا لذلك، وقال أبو الأسْوَد [من الطويل]: أمِيرانِ كانا صاحِبَيَّ كِلاهما ... فكُلا جَزاه اللهُ عنّي بما فَعَلْ

стр. 410

فإنّ نَصْبَ "كُلاَّ" بإضمارِ فعل لِما بعده من الدعاء، والتقديرُ: فجَزَا اللهُ كلاَّ جزاه اللهُ. ومن الدعاء: "أمّا زيدًا فجَدْعًا له، وأمّا عمرًا فسَقْيًا له"، فالاختيارُ النصب، لأنّك تريد: جَدَعَهُ الله جَدْعَا، وسَقاه الله سَقْيًا. ولو كان الدعاء بغير فعلٍ، ولا في تقدير فعلٍ؛ لم يُنصَب الاسم الأول، نحوَ: "أمّا زيدٌ فسلامٌ عليه، وأمّا الكافرُ فوَيْلٌ له"، لعدم ما يفسِّر الفعلُ. * * * قال صاحب الكتاب: "واللازم أن تقع الجملة بعد حرف لا يليه إلا الفعل, كقولك: "إن زيدًا تره تضربه". قال [من الكامل]: لا تجزعي أن منفساً أهلكته ... [وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي] (١) وهلا وألاً ولولا ولوما بمنزلة "إن", لأنهن يطلبن الفعل ولا تُبتدأ بعدها الأسماء. * * * قال الشارح: اعلم أنّ الاسم إذا وقع بعد حرف الجزاء، وكان بعده فعلٌ واقعٌ على ضميره، نصبتَه بإضمار فعل يفسِّره الظاهرُ، كما قلنا في الاستفهام؛ إلّا أنّ النصب ههنا يقع لازمًا، وفي الاستفهام مختارًا، وذلك لأن الشرط لا يكون إلّا فعلًا ولا يَلِيه مبتدأُ وخبرٌ. فلا تقول: "إنْ زيدٌ قائمٌ أَقُمْ"، وقد يجوز في الاستفهام أن تقول: "أزيدٌ قائمٌ". فقد علمتَ أن حروف الجزاء أَلْزَمُ للفعل من حروف الاستفهام. ولذلك كان نصبُ الاسم في الاستفهام، إذا وقع الفعلُ على ضميره، مختارًا مع جَوازِ الرفع على الابتداء، وكان نصبُه مع حروف الجزاء لازمًا، ولا يجوز رفعُه على الابتداء لِما ذكرنا من أنّ الشرط لا يكون إلّا فعلًا. فإذا قلتَ: "إنْ زيدًا تَرَه تضربْه"، نصبتَ "زيدًا" بإضمار فعلٍ، لأنّك شغلتَ الفعلَ الذي بعده بضميره، وتقديرُه "إن تَرَ زيدًا تَرَه". ومنه قول الشاعر [من الكامل]: لا تَجْزَعِي إِنْ مُنْفِسًا أهلكتُه ... وإذا هلكتُ فعِنْدَ ذلك فاجْزَعِي البيت للنمر بن تَوْلَب، والشاهدُ فيه نصبُ منفسًا بفعل مقدَّر محذوف، وتقديرُه: لا تجزعي إن أهلكتُ منفسًا أهلكتُه، ولو رفع على تقدير إن هَلَكَ منفسٌ لَجاز، لأنّه إذا أهلكَه فقد هلك، كأنّه يصف نفسَه بالكَرَم، وأنه لا يُصْغِي إلى من يلومه في ذلك، فهو يقول: إنّ امرأته لامته على إتلاف ماله جَزَعًا من الفَقْر، فقال لها: لا تجزعي لإتلافي نفِيسَ المال، فإني قادرٌ على إخلافه، وإنّما إذا هلكتُ فاجْزعي، فإنّه لا خَلَفَ لك عنّي.

стр. 411

ولو قدمتَ الاسم على حرف الجزاء، فقلت: "زيدًا إن تره تضربه"، لم يجز؛ لأنّ الشرط والجزاء لا يعملان فيما قبل حرف الجزاء، وإذا لم يعملا فيه، لم يجز أن يُفسِّراه. ومن ذلك "هَلاَّ" و"لَوْلَا" و"ألَّا"، و"لَوْمَا" إذا وقع الاسمُ بعدها وكان بعدها فعلٌ واقعٌ على ضميره، لم يكن بُدٌّ من نصبِ ذلك الاسم بفعل مضمر يفسّره الظاهرُ، فحكمُها حكمُ "إِن" الشرطيّةِ. وذلك من قِبَل أن معاني هذه الحروف التحضيضُ والتوبيخُ. إذا وَلِيَها المستقبَلُ كنّ تحضيضًا، وإذا وليها الماضي كنّ توبيخًا. وهذه المعاني واقعةٌ على الأفعال، لا حظَّ للأسماء فيها، فلذلك لا يقع بعدها المبتدأُ والخبرُ، فإذا وقع بعدها اسمٌ، فلا يكون إلّا على تقديرِ فعل. قال جَرِيرٌ [من الطويل]: ٢٥٠ - تَعُدُّونَ عَقْرَ النُيبِ أفضلَ مَجْدِكُم ... بَنِي ضَوْطَرَى لولا الكَمِيَّ المقنَّعا

стр. 412

فمعناه: لولا تعدّون الكميَّ المقنَّعَا، فنصب الكميَّ المقنّعَا بإضمارِ فعل لدلالةِ ما تقدّم من قوله: "تعدّون عقر النيب" عليه. وجملةُ الأمر أنّ الحروف حين كانت لمعانٍ في الأسماء والأفعال، وليس لها في أنفسها معنًى، فمنها ما يختصّ بالاسم، ولا يدخل الفعلَ نحو "إِنَّ" وأخواتِها، وحروفِ الجرّ وغيرِها، ومنها ما يختصّ بالفعل، ولا يَلِي الاسمَ نحو حروفِ الجزاء، وحروفِ الجزم وغيرِها، ومنها ما يدخل على القبيلَيْن الاسمِ والفعلِ، نحو حروفِ النفي، وحروفِ الاستفهام. فأمّا ما يختصّ بالفعل، وهو ما نحن بصَدَده، فذلك ضربان: ضربٌ يحسُن أن يُحذف الفعل منه، ويَلِيه الاسمُ في الظاهر نحو ما ذكرناه من حرف الجزاء، وهو"إِنْ" وحروفِ التحضيض المذكورةِ، وهي "هَلَّا" وأخواتُها، وضربٌ لا يحسن حذفُ الفعل منه، وإيلاءُه الاسمَ، وذلك نحو قولك: "قَدْ"، والسينِ وسَوْفَ، فهذه لا يحسن حذفُ أفعالها، ولا الفصلُ بينها وبين أفعالها بمعمولها، فلا تقول: "سوف زيدًا أضربه"، ولا "سوف زيدًا أضرب". وذلك لأنّ هذه الحروف تتنزّل منزلةَ الجُزْء من الفعل، فهي من الفعل بمنزلة الألف واللام من الاسم، وذلك لأنّ السين وسوف تقصِران الفعلَ لوقتٍ بعينه، وهو المستقبلُ، بعد أن كان شائعًا في الاستقبال والحالِ، كما تقصر الألفُ واللام الاسمَ على واحد بعينه بعد شِياعه. وكذلك "قَدْ" تُقرِّب الماضي من الحال، وهو نوعُ تخصيص. ولهذا المعنى لم تكن عاملةً في الفعل، وإنّما جارّ إضمارُ الفعل بعد "لَوْلَا" وأخواتِها. والفصلُ بينها وبين الفعل الواقِع بعدها بمعموله من قِبَل أنّ معانيها الحَضَّ في المستقبل وهو استدعاءٌ، واللَّوْمَ والتوبيخَ في الماضي، أشبهتِ الأفعالَ، فجاز أن يليها الاسمُ كما يلي الفعلُ.

стр. 413

حذف المفعول به فصل قال صاحب الكتاب: "وحذف المفعول به به كثير, وهو في ذلك على نوعين: أحدهما أن يحذف لفظاً ويراد معنى وتقديراً. والثاني أن يجعل بعد الحذف نسياً منسياً كأن فعله من جنس الأفعال غير المتعدية كما ينسى الفاعل عند بناء الفعل به. فمن الأول قوله تعالي: ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾ (١) , وقوله تعالى: ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾ (٢)؛ لأنه لا بد لهذا الموصول من أن يرجع إليه من صلته مثل ما ترى في قوله تعالى: ﴿الذي يتخبطه الشيطان﴾ (٣). وقرئ قوله تعالى: ﴿وما عملته أيديهم﴾ (٤) وما عملت" (٥). من الثاني قولهم: "فلان يعطي ويمنع ويصل ويقطع". ومنه قوله : ﴿وأصلح لي في ذريتي﴾ (٦). وقول ذي الرمة [من الطويل]: ٢٥١ - وأن تعتذر بالمحل من ذي ضُروعها ... إلى الضيف يجرح في عراقيبها نصلي" * * *

стр. 414

قال الشارح: اعلم أن المفعول لمّا كان فضلةً تستقلّ الجملةُ دونه، وينعقِد الكلامُ من الفعل، والفاعل بلا مفعول، جاز حذفُه وسقوطُه، وإن كان الفعلُ يقتضيه، وحذفُه على ضربين: أحدهما: أن يُحذف وهو مرادٌ ملحوظٌ، فيكون سقوطُه لضرب من التخفيف، وهو في حكم المنطوق به. والثاني: أن تحذفه مُعرِضًا عنه ألبتّةَ، وذلك أن يكون الغرضُ الإخبارَ بوقوع الفعل من الفاعل من غير تعرُّضِ لمن وقع به الفعلُ، فيصير من قبيلِ الأفعال اللازمة، نحو: ظَرُفَ، وشَرِقَ، وقَامَ، وقَعَدَ. فالأوّل نحو قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ (١)، وقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ (٣)، ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ﴾ (٤)، و ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (٥). فكلُّ هذا على إرادة الهاء، وحذفُها تخفيفًا لطُول الكلام بالصلة. ألا ترى أنَّه لولا إرادةُ الهاء، بقي الموصولُ بلا عائد، فكان في حكم المنطوق به، لأنّ الدلالة عليه من جهتَيْن: من جهةِ اقتضاء الفعل له، ومن جهةِ اقتضاءِ الصلة إذ كان العائدَ. ومنه قوله تعالى: ﴿وما عملتْ أيديهم﴾ (٦) قرأ عاصمٌ في رواية أبي بَكْر، وحَمْزَةُ،

стр. 415

والكسائي (١)؛ ﴿وما عملت﴾ بغير هاءٍ، وقرأ الباقون: "وما عملته" بالهاء، فمن أثبتها فهو الأصلُ، ومَن حذفها فلطُولِ الأمر بالصلة حُذفت الهاء تخفيفًا، ويكون التقديرُ: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ (٢) " فـ "ما" في موضع خفضٍ بالعطف على ثمره، ويجوز أن تكون "ما" نافيةً، ويكون المعنى: ليأكلوا من ثمره، ولم تعمله أيديهم، فيكون أبلغَ في الامتنان. ويقوِّي ذلك قولهُ تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (٣). وإذا قدّرتَه هذا التقديرَ، لم تكن الهاءُ مرادةً كإرادتها لو كانت موصولةً. والثاني: قولهم: "فلان يُعطِي ويمنع، ويضُرّ وينفَع، ويصِل ويقطع"، والمراد: يعطي ذَوِي الاستحقاق، ويمنع غيرَ ذَوِي الاستحقاق، وينفع الأَودّاءَ، ويضرّ الأعداءَ، إلّا أنّه حُذف، ولم يكن ثمَّ موصولٌ يقتضى راجعًا، ولم يكن المرادُ إلّا الإخبارَ بوقوعِ الفعل من الفاعل لا غيرُ، فصار كالفعل اللازم في الإخبار بوقوع الفعل من الفاعل. وشَبَهُه بالفعل، إذا بُني للمفعول من حيث لم يكن الغرضُ الإخبارَ عن الفاعل، وإنّما كان الغرضُ بَيانَ مَن وقع به الفعلُ، فصار الفاعلُ نِسْيًا مَنْسِيًا، واشتغل الفعلُ بالمفعول، وارتفع، وتمَّ الكلامُ به من غير تشوُّفٍ إلى سِواه. فكذلك قد يكون الغرض الإخبار عن الفاعل لا غيرُ من غير تعرُّضٍ لذِكْر المفعول. فأما قول ذي الرمّة [من الطويل]: وإنْ تعتذرْ بالمحل ................................... الخ فالشاهد فيه قوله: "يَجْرَحْ"، والمراد: يجرحْها، فحذف المفعول لِما ذكرنا. يصف نفسَه بالكَرمَ وقِرَى الضيْف، والتاءُ للتأنيث، والضميرُ يعود إلى النُّوق، يقول: إن اعتذرتِ النُّوقُ بقلّةِ اللَّبَن لأجلِ المَحْل، عقرتُها للأضياف. والمرادُ بذي ضروعها اللَّبَنُ، كما يقال: ذو بُطونها، والمراد الوَلَدُ. * * * قال صاحب الكتاب: "ومن حذف المفعول به حذف المنادي, وقد تقدم الكلام عليه". * * * قال الشارح: اعلم أنّ المنادى، وإن كان مفعولًا في الحقيقة، فإنّ حذفه لا يحسُن كما حسُن حذفُ المفعول فيما تقدّم. وذلك لأنّ الفعل العامل فيه وفاعلَه قد حُذفا، وناب حرفُ النداء عنهما، وبقي المنادى من الجملة المحذوفة، يدلّ أنّه هو المدعوُّ، فإذا حذفتَه، لم يبقَ من الجملة المحذوفة شيءٌ، ولا يُعْرَف المدعوّ، إذ حرفُ النداء إنّما يدلّ

стр. 416

على مدعوٍّ مخصوصٍ, لأنّ حرفَ النداء إنّما ناب مَنابَ الفعل، والفاعِل، نحو: أَدْعُو، وأُنادِي، ولم يَنُبْ عن المفعول. فإن وقع بعد حرفِ النداء جملةٌ، أو أمرٌ يدلّ على المدعوّ؛ ساغ حذفُه، ومن ذلك قولهم: "يا بُؤْسٌ لزيدٍ"، والمراد: يا قومُ بؤسٌ لزيد، ومنه بيتُ الكتاب [من البسيط]: يا لَعْنَةُ الله والأَقْوَامُ كُلُّهُم ... والصالحين على سِمْعانَ مِن جارِ (١) ويُروى: و"الصالحون". وكذلك قوله تعالى: ﴿ألا يا اسجدوا لله﴾ (٢). وقد تقدّم الكلام على ذلك بما أغْنَى عن إعادته.

стр. 417

المفعول فيه فصل قال صاحب الكتاب: "هو ظرفا الزمان والمكان. وكلاهما منقسمٌ إلى مبهمٍ وموقت، ومستعمل إسمًا وظرفًا، ومستعمل ظرفًا لا غير. فالمبهم نحو: الحين والوقت والجهات الست. والموقت نحو اليوم والليلة والسوق والدار. والمستعمل إسمًا وظرفًا ما جاز ان تعتقب عليه العوامل. والمستعمل ظرفًا لا غير ما لزم النصب, نحو قولك: وسرنا ذات مرةٍ, وبكرة, وسحر, وسحيرًا, وضحى, وعشاء, وعشية, وعتمة, ومساء إذا أردت سحرًا بعينه, وضحى يومك, وعشيته, وعشاءه, وعتمة ليلتك, ومساءها, ومثله عند, وسوى, وسواء. ومما يختار فيه أن يلزم الظرفية صفة الأحيان، تقول سير عليه طويلًا, وكثيرًا, وقليلًا, وقديمًا, وحديثًا". * * * قال الشارح: اعلم أنّ الظرف ما كان وِعاءً لشيء، وتُسمَّى الأواني ظروفًا، لأنّها أَوْعِيَةٌ لِما يُجعل فيها، وقيل للأزمِنة والأمكنةِ: ظروفٌ، لأن الأفعال توجَد فيها، فصارت كالأوعية لها، والظرف على ضربَيْن: زمان ومكان. فالزمانُ عبارةٌ عن الليالي والأيّام. قال الشاعر [من الطويل]: ٢٥٢ - هَلِ الدَهْرُ إلا ليلةٌ ونَهارُها ... وإلا طُلوعُ الشمْسِ ثُمَّ غِيارُها

стр. 418

وذلك نحو: قمتُ يومًا، وساعةً، وليلةً، وعِشاءً، ومساءً، وما أشبهَ ذلك من أسماء الزمان، نحو: السنَة، والشهْر، والدهْر. واعلم أنّ الظرف في عُرْفِ أهلِ هذه الصِّناعة ليس كلَّ اسم من أسماء الزمان والمكان على الإطلاق، بل الظرفُ منها ما كان منتصبًا على تقديرِ "في" واعتبارُه بجَوازِ ظهورها معه، فتقول: "قمتُ اليومَ"، و"قمت في اليوم". فـ "في" مرادةٌ، وإن لم تذكرها. والذي يدلّ على ذلك أنّك إذا قلت: "اكْنِ عن اليومَ"، قيل: "قمت فيه". وكذلك سائرُ الظروف، وليس الظرفُ متضمِّنًا معنى "في" فيَجِبَ بناءُه لذلك، كما وجب بناءُ نحو"مَنْ"، و"كَمْ" في الاستفهام. وإنّما "في" محذوفةٌ من اللفظ لضرب من التخفيف، فهي في حكم المنطوق به. ألا ترى أنّه يجوز ظهورُ "في" معه، ولا يجوز ظهورُ الهمزة مع "مَنْ" و"كَمْ" في الاستفهام، فلا يقال: "أَمَنْ"، ولا: "أَكَمْ" وذلك من قِبَل أن "مَن" و"كَم"؟ لمّا تَضمَّنا معنى الهمزة، صارا كالمشتمِلَيْن عليها، فظُهورُ الهمزة حينئذ كالتكرار، وليس كذلك الظرفُ، فإن الظرفيّة مفهومةٌ من تقدير "في"، ولذلك يصحّ ظهورُها، فاعرِف الفرقَ بين المتضمّنِ للحرف، وغير المتضمِّن له بما ذكرتُه. والظرف ينقسم إلى مبهَم وموقَّت، والمراد بالمبهم النكرةُ التي لا تدّل على وقت بعينه، نحو: حينٍ، ووَقْتٍ، وزَمانٍ، ونحو ذلك. والمرادُ بالموقّت ما دلّ على زمانٍ بعينه مخصوصٍ، نحو: اليوم، والليلة، ويومِ الجُمْعة، وشهرِ رَمَضانَ، وشهرِ المحرَّم. وهو ينقسم قسمَيْن: قسمٌ يُستعمل اسمًا وظرفًا، وقسمٌ لا يُستعمل إلّا ظرفًا لا غيرُ. فالأوّلُ كلُّ متمكِّن من الظروف من أسماءِ السنين، والشهورِ، والأيامِ، والليالي ممّا يتعاقب عليه الألفُ واللام، والإضافةُ من نحو: سَنَة، وشَهْر، ويوم، وليلة. فهذا يجوز أن تستعمِله اسمًا غيرَ ظرف، فترفعَه، وتَجُرَّه، ولا تقدِّرَ معه "في"، نحوَ: "اليومُ طَيبٌ" و"السنةُ مباركَةٌ"، و"أَعْجبني اليومُ"، و"عجبتُ من يومِك"، فتُجريها مُجرى سائرِ الأسماء ويجوز أن تنصبها على الظرف، فتقول: "صُمْتُ اليومَ" و"قدِمتُ السنةَ". فهذا مقدَّرٌ بـ "فِي"، والتقديرُ: "صمتُ في اليوم"، و"قدمتُ في السنة"، فكلُّ اسم من أسماء الزمان لك أن تجعله اسمًا وظرفًا، إلّا ما خَصَّتْه العربُ بالظرفية، ولم تستعمله مجرورًا، ولا مرفوعًا، وذلك يؤخَذ سَماعًا عنهم. والقسم الثاني هو ما لا يُستعمل إلّا ظرفًا، وذلك ما لزم النصبَ لخُروجه عن التمكّن بتضمُّنه ما ليس له في الأصل، فمن ذلك "سَحَرَ"، و"سُحَيرًا" إذا أردت به سحرَ يومك، فإنّه غيرُ متصرِّفٍ، ولا منصرفٍ، والذي مَنَعَه من الصرف أنّه معدولٌ عن الألف والسلام معرفةً. ومعنى ذلك أنّه إذا أردت به سحر يومك الذي أنت فيه، فتَزِيد فيه الألف واللام للتعريف، ثمّ غُيّر عن لفظِ ما فيه الألفُ واللام مع إرادةِ معناهما، كما عُدل

стр. 419

"جُمَعُ" في قولك: "جاءت النسْوَةُ جُمَعُ"، وهو معرفةٌ، فاجتمع فيه العدلُ والتعريفُ، فلم ينصرف لذلك. فإن قيل: العدل إنّما هو أن تلفِظ ببناءٍ، وأنت تريد بناءً آخَرَ لضربٍ من التوسّع في اللغة، كعَدْلِ "عُمَرَ" عن "عامرٍ" و"جُمَعَ" عن "جُمْع" ساكنَ الحَشْو، وأنت تدّعِي أن "سَحَرَ" معدولٌ عن "السَّحَرَ"، والصورتان واحدةٌ قبلَ العدل، وبعده، فالجوابُ: أن "سَحَرَ" وإن كان "فَعَلًا" كما أنّ السَّحَرَ كذلك، فإنّه لما اتّصلت به لامُ التعريف، صارت لامتزاجِها بما عرّفته، كأنّها منه، فجَرَتِ اللامُ في "السحر" مجرَى همزةِ "أَحْمَرَ"، و"إِجْفِيلٍ" (١)، و"إِخْرِيطٍ" (٢) وتاءِ "تِجْفافٍ" (٣)، وياء "يَرْمَعٍ" (٤). فلمّا عدلتَ "سَحَرَ" كأنّك عدلتَ مثلًا من هذه الأمثلة إلى "فَعَلٍ"، فإن نُكر انصرف، نحو قوله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ (٥) لأنّه قد زال السبَبان معًا بالتنكير، لأنّه كان معدولًا في حال التعريف. وكذلك إذا أدخلتَه الألف واللامَ، صرفتَه، نحو: "السَّحَرِ", لأنّك قد رددتَه إلى الأصل، فزال العدلُ. ومعنى قولنا: "غير متصرّف" أنّه لا يدخله رفعٌ ولا جرٌّ، ولا يكون إلّا منصوبًا على الظرف، وكذلك كلُّ ظرف غيرِ متصرّف. والذي منع "سَحَرَ" من التصرّف أنّه يعرَّف من غيرِ جهة التعريف، لأنّ وُجوهَ التعريف خمسةٌ: تعريفُ الإضمار، وتعريفُ العَلَميّة، وتعريفُ الإشارة، وتعريفُ الألف واللام، وتعريفُ الإضافة إلى واحدة من هذه المعارف، وليس التعريف في "سَحَرَ" واحدًا منها، فلمّا تَعرَّف من غير جهة التعريف المعهودِ، خرج عن نظائره، فمُنع التصرّف لذلك. فإن صغّرته، وأنت تريد "سَحَرَ" يوم بعينه، انصرف، ودخله التنوينُ، ولم يتصرّف، فلا يدخله الرفعُ والجرُّ، ولا يكون منصوبًا، أمّا التنوينُ فلتِنكُره بزَوالِ العدل، وذلك أنّهم لم يضَعوا المصغَّرَ مكانَ ما فيه الألفُ واللامُ، فيكونَ معرفة معدولًا. وإنّما هو نكرةٌ كـ "ضَحْوَةً"، و"غُدْوَةَ"، و"عَتَمَةً"، و"عِشاءٌ" إلّا أنّه فُهم منه ما يُفهَم من المعارف، فلم يتمكّن، وكذلك "ضُحَى"، و"ضَحْوَةَ" و"عِشاءَ" و"عَشِيَّةَ" و"مَساءَ" إذا أردت ذلك من يومك، لم تكن إلّا ظروفًا، وذلك أنّك إذا قلت: "أنا أتيتُك عشاء" لم يذهب الوَهْمُ إلّا إلى عشاء يومك. وكذلك "عَتَمَة"، فلمّا كان يُفهَم بها ما يفهم بالمعارف من حَصْرِ وقت

стр. 420

بعينه، لم تَتمكَّن عندهم، فتُرْفَعَ، وتُجَرَّ، لا تقول: "غَداءُ ضُحَى"، ولا "مَوْعِدُك مساءٌ". ومن ذلك "ذاتَ مرَّةٍ" تقول: "سِيرَ عليه ذاتَ مرّةِ"، فتُقيم الجارّ والمجرورَ مُقامَ الفاعل، ولا تُقيم الظرفَ، لأنّه غيرُ متصرّف، فلا يكون إلّا نصبًا. وإنّما امتنع من التصرّف لأنّها قد استُعملت في ظرف الزمان، وليست من أسماء الدهر، ولا من أسماء ساعاته، وإنّما المرّةُ في الأصل مصدرٌ. ألا ترى أنّك تقول: "ضربتُ مَرَّةً ومرّتَيْن، والمرادُ بذلك ضَرْبَة، وضربتَيْن؟ فلمّا استُعمل في الدهر ما لسِ من أسمائِه ضعُف، ولم يتمكّن في الزمان تَمَكُّنَ أسمائه، نحو: اليوم، والليلة. فإن قيل: فأنتم تقولون: "سير عليه مَقْدَمُ الحاجّ، وخُفوقُ النجْم"، فترفعونه، وهي مصادرُ استُعيرت للزمان، فما الفرقُ بينها وبين "ذاتَ مرّة"؟ قيل: إنّ "مقدمَ الحاجّ"، و"خُفوق النجم"، و"خِلافةَ فلان" وما أشبهَها استُعيرت للزمان على تقدير حذفِ مضاف، كأنّه قال: "وقتُ خفوقِ النجم"، و"وقتُ خلافةِ فلان"، ثمّ حذف المضافَ، وهو مرادٌ، فتَصرَّفتْ بالرفع والجرّ حَسْبَ تصرُّف المضاف المحذوف. وليس كذلك "ذات مرّةٍ"، استُعير للزمان لا على تقديرِ حذف مضاف، بل كأنّه اسمٌ من أسماء الزمان. ألا ترى أنّه لا يجوز إظهارُ الوقت معه، فلا تقول: "وقت ذات مرّةٍ"، ولا "وقتَ مرّةٍ"؟، فافترقا. ومثله في منع التصرّف "ذاتَ يوم"، و"ذاتَ ليلة". لا تقول: "سِيَر عليه ذاتُ يوم"، أو "ذاتُ ليلة" بالرفع، بل هو نصبٌ على الظرف لا غيرُ، لأن نفسَ ذات ليست من أسماء الزمان، فجرى مجرى "ذاتَ مرّةٍ". ومن ذلك "بُعَيْداتِ بَيْنٍ" فهو جمعُ "بَعْدَ" مصغَّرًا، و"بَعْدَ" و"قَبْلَ" لا يتمكّنان، فلا يجوز أن يقال: "سير عليه قَبْلُكَ"، ولا "بَعْدُكَ" بالرفع. والذي منعهما من التصرّف والتمكنِ أنّهما ليسا اسمَيْن لشيء من الأوقات كالليل، والنهار، والساعة، والظُّهْر، والعَصْر، وإنّما استُعملا في الوقت للدلالة على التقدّم والتأخّر، فلم يتمكّنا تمكُّنَ أسماء الزمان. وأمّا قولهم: "فعلتُ ذلك بَكَرَةَ" فهو كـ "ضَحْوَةَ"، و"عَتَمَةَ" إذا أردتَهما من يومٍ بعينه، فلا يتصرّف لأنّه نكرةٌ، فُهم منها ما يُفهم من المعارف، فخرج عن أصله، فلم يتمكّن. وقد تقدّم شرحُ ذلك. وممّا يُختار فيه الظرفيّةُ، ولا يتمكّن تمكُّنَ أسماء الزمان صفاتُ الأحيان، نحو: طويل، وقليل، وحديث، تقول: "سِيَر عليه طويلًا"، و"سير عليه حديثًا"، و"سير عليه قليلًا"، فلا يحسُن ها هنا إلّا النصب على الظرف، وهو المختار، وذلك لأنّك إذا جئت بالنعت، ولم تَجِىء بالمنعوت، ضعف، وكان الاختيارُ فيه أن لا تخرج عن الظرفيّة، لأنّك إذا قلت: "سير عليه طويلًا"، فـ "الطويلُ" يقع على كلّ شيء طَالَ من زمان، وغيره، فإذا أردتَ به الزمان، فكأنّك استعملتَ غير لفظ الزمان، فصار بمنزلة قولك:

стр. 421

"ذات مرّةٍ"، و"بُعَيْداتِ بَيْنٍ"، فلم يقع موقعَ الأسماء، واختير نصبُها على الظرف إلا أن يتقدّمها موصوفٌ، فحينئذٍ تقول: "سير عليه زمنٌ طويلٌ"، و"سير عليه وقتٌ حديثٌ". ويؤيِّد عندك ضُعْفَ الصفة أنّه لا يحسُن أن تقول: "أتيتُك بجَيدٍ"، وأنت تريد: "بدرهمٍ جيِّدٍ". وتقول: "أتيتُك به جيّدًا"، لما لم تَقْوَ الصفةُ إلّا أن يتقدّم الموصوفُ، جعلوه حالًا. واعلم اْنّ جميع الأفعال يتعدّى إلى كل ضرب من الأزمنة مُبْهَمًا كان أو مُخْتَصًّا، كما يتعدّى إلى كلّ ضرب من ضروب المصادر، لأنّ دلالته عليهما واحدةٌ، وهي دلالةُ مطابقة، ودلالتُه على كلّ واحد منهما تضمُّنٌ, لأنّ الأفعال صِيغت من المصادر بأقسامِ الزمان، فلمّا استويا في دلالة الفعل عليهما، استويا في تعدّيه إليهما، فتقول: "قمتُ اليومَ"، و"قمت يومًا"، كما تقول: "ضربت ضربًا"، و"ضربت الضربَ الذي تَعْلَمُ". وأمّا المكان، فكل ما تُصرّف عليه، واستُقرّ فيه من أسماء الأرضين، وهي على ضربَيْن: مُبْهَمٌ، ومُختَصٌّ. فالمبهمُ ما لم يكن له نِهايةٌ، ولا أقطارٌ تحصره، نحو: الجهات الستّ، كخَلْفٍ، وقُدّام، وفَوْقٍ، وتَحْتٍ، ويَمْنَةٍ، ويَسْرَةٍ، ووَراءٍ، ومكانٍ، ونحو ذلك. والمختصُّ ما كان له حَدٌّ، ونِهايةٌ، نحو: الدار، والمَسْجِد، والجامع، والسوق، ونحو ذلك. وليست الأمكنةُ كالأزمنة التي يُعمَل فيها كل فعل، فتُنصبَ نصبَ الظروف، وذلك لأنّ الفعل يدلّ على زمان مخصوص، إمّا ماضٍ، وإمّا حاضرٍ، وإمّا مستقبَلٍ. وإذا دلّ على الخاصّ كان دالآ على المبهم العامّ، لأنّ الخاصّ يدلّ على العامّ وزيادة، إذ العامُّ داخل في الخاص، فكلُّ يوم جُمْعَةٍ زمانٌ، وليس كلُّ زمان يوم جمعة. والفعلُ إنّما يتعدّى بما فيه من الدلالة، فلذلك يتعدّى كل فعل إلى كل زمان مبهمًا كان أو مختصًا، وليست الأمكنةُ كذلك، لأنّ دلالة الفعل على المكان ليست لفظيّةً، وإنّما هي التزامُ ضرورة أنّ الحَدَثَ لا يكون إلّا في مكان، ولا يدل على أن ذلك المكان الجامعُ، أو مَكةُ، أو السوقُ، ولذلك يتعدّى إلى ما كان مبهمًا منه لدلالته عليه. تقول: "جلستُ مجلِسًا، ومكانًا حسنًا"، و "وقفتُ قُدّامَك، ووَراءك"، فتنصب ذلك كلَّه على الظرف. فإن قيل: فأنت تزعم أنّ الفعل يعمل بحَسْبِ دلالته، وليس في الفعل دلالةٌ على مكان حسن، ولا على قُدّامِ زيد، ولا على وَرائه، فالجوابُ أنّ الفعل غيرَ المتعدّي إنّما يتعدّى إلى المكان المبهمَ. وقد ذكرنا أنّ المبهم ما ليس له نِهايةٌ ولا أقطارٌ تحصُره. وأنت إذا قلت: "قمتُ مكانًا حسنًا"، لم ينحصر بالنهاية والحدودِ. وكذلك إذا قلت: "قمت خَلْفَ زيد"، لم يكن لذلك الخلف نهايةٌ تَقِفُ عليها. وكذلك إذا قلت: "قُدّامَ زيد" لم يكن لذلك حَدٌّ ينتهي إليه، فكان مبهمًا من هذه الجهة، فانتصب على الظرف بلا خلاف. وقال أبو العباس: إذا قلتَ: "جلستُ مكانًا حسنًا"، و"قمت خلفَ زيد"، فالفعلُ إنّما تعدى إلى مكان مبهم، وإنّما نَعَتَّهُ بعد أن عمل فيه الفعلُ. وكذلك "جلست خلفَك"، و"وراءَك" لأن "خلفًا" لا ينفكّ منه شيءٌ أن يكون خلفَ واحد، وإنّما أضافه بعد أن كان

стр. 422

مُطْلقًا وعمِل فيه الفعلُ، فإن كان المكانُ مخصوصًا، لم يتعدّ إليه إلّا كما يتعدّى إلى "زيد" و"عمرو". فكما أنّ الفعل اللازم لا يتعدّى إلى مفعول يه إلّا بحرف جرّ، كذلك لا يتعدّى إلى ظرفٍ من الأمكنة مخصوصٍ إلّا بحرف جرّ، نحو و"قفتُ في الدار"، و"قمتُ في المسجد"، و"جلستُ في مكة"، لأنّ الفعل لا يدلّ على أنّه في الدار. والمسجد أو مكّة، فلم يجز أن يتعدّى إليه بنفسه. فأمّا قولهم: "دخلتُ البيتَ"، و"ذهبتُ الشّامَ" فهو شاذٌّ، وجوازه على إرادة حرف الجرّ نحو قوله [من البسيط]: ٢٥٣ - أمرتُك الخْيْرَ فافَعَلْ ما أُمِرْتَ به ... [فقَدْ تركْتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ] والمراد: أمرتُك بالخير، إلّا أن "دَخَلْتُ" مختلَفٌ في كونه متعدّيًا بنفسه أو غيرَ متعدّ، فقال قَوْمٌ هو غيرُ متعدّ لأُمور، منها أنّ مصدره على "فُعُولٍ" نحو"الدُّخول". و"فُعُولٌ" غالبٌ في الأفعال غير المتعدّية، نحو: "الخُروج"، و"القُعود"، ولأن نظيره

стр. 423

ونقيضَه كذلك، فنظير "دخلتُ": "عَبَرْتُ"، ونقيضُه "خرجت"، وكِلاهما لازمٌ غيرُ متعدّ، فحُكم عليه باللُّزوم، لذلك قالوا: وإنّما قيل: "دخلت البيت" على تقدير حرف الجرّ، ثمّ حذف لكثرة الاستعمال. وقال أبو العباس: هو من الأفعال التي تتعدّى تارةً بأنفسها، وتارةً بحرف الجرّ، نحو: "نصحتُ زيدًا"، و"نصحت لزيد"، و"شكرتُه"، و"شكرت له". فكذلك قلتَ: "دخلتُ الدارَ"، و"دَخَلْتُ فيها" وهو الصواب، لأنّه لو كان على تقدير حرف الجرّ لاختصّ مكانًا واحدًا كثُر استعمالُه فيه، كما كان "ذهبتُ" مقصورةً على الشام، فلمّا كان "دخلت" شائعًا في سائر الأمكِنة، دلّ على صحةِ مذهبِ أبي العبّاس، وأمّا "ذهبت" فمتّفَقٌ على كونه غيرَ متعدّ بنفسه، وقد حُذف منه حرفُ الجرّ. واعلم أنّ ظرف المكان على ضربَيْن أيضًا: متصرِّفٌ، وغيرُ متصرّف، فالمتصرّفُ منه ما جاز رفعُه وخفضُه، ودخلته الألفُ واللام، نحو: خَلْفٍ، وقُدّامٍ، وفَوْقٍ، وتَحْتٍ، ومكانٍ، وموضع، فهذه كلُّها متصرّفةٌ. تقول: "قدّامُك فضاءٌ"، و"خَلْفُك واسعٌ"، قال الشاعر [من الكامل]: ٢٥٤ - فَغَدَتْ كِلا الفَرْجَيْن تَحْسَبُ أنّه ... مَوْلَى المَخافَةِ خَلْفُها وأَمامُها

стр. 424

فرفع "خَلْفُها"، و"أمامُها" لأنّه بَدَلٌ من مولى المخافة. وغيرُ المتصرّف نحو: "عِنْدَ"، و"سِوَى" إذا كان بمعنى "غَيْرَ"، فهذه لا تدخلها لامُ المعرفة، ولا يجوز رفعُها، فأمّا "عِنْدَ" فلا يدخلها من حروف الجرّ سوى "مِنْ" وحدها، وذلك لكثرة دَوْرِ "مِنْ"، وسَعَةِ مواضعها، وعُمومِ تصرُّفها. فتقول: "جئتُ من عِنْدِه"، ولا تقول "جئتُ إلى عنده" لعَدَمِ تصرُّفِ "إلى". وأمّا "سِوَى" فلا يجوز فيها إلّا النصبُ على الظرف، والذي يدلّ على أنّها ظرفٌ أنّها تقع صلةً للموصول، فتقول: "جاءني مَنْ سِواك"، ولا يحسن: "جاءني من غيرك"، وأيضًا فإنّ العامل قد يتخطّاها ويعمل فيما بعدها، نحو قوله [من مجزوء الكامل]: ٢٥٥ - [وابذلْ سوامَ المال] إنْـ ... نَ سِواءَها دُهْمًا وجُونا وهذا المعنى لا يكون إلّا في الظرف، وقد دخلها حرفُ الجرُ شاذًّا. قال [من الطويل]: ٢٥٦ - [تجانَفُ عن جَوِّ اليمامةِ ناقتي] ... وما قَصَدْت من أَهْلِها لسوائكَا

стр. 425

كأنّه حملها للضرورة على "غَيْرٍ"، ومعناها المكانُ، فاعرفه. فصل [مجيء الظرف مصدرًا] قال صاحب الكتاب: "وقد يجعل المصدر حيناً لسعة الكلام, فيقال: "كان ذلك مقدم الحاج، وخفوق النجم، وخلافة فلان، وصلاة العصر", ومنه "سير عليه ترويحتين"، و"انتظر به نحر جزورين"، وقوله تعالى: ﴿وإدبار النجوم﴾ (١). * * * قال الشارح: اعلم أنّهم قد جعلوا المصادر أحيانًا أوقاتًا توسُّعًا، وذلك نحو: "خُفوقَ النجم"، بمعنى مَغِيبه، و"خلافةَ فلان"، و"صلاة العصر". فالخلافةُ، والصلاةُ مصدران في الحقيقة، جُعلا حينًا توسُّعًا وإيجازًا. فالتوسُّعُ بجَعْلِ المصدر حينًا، وليس من أسماء الزمان، والإيجازُ الاختصارُ بحذفِ المضاف، إذ التقدير في قولك: "فعلتُه خُفوقَ النجم، وصلاة العصر": وقتَ خفوق النجم، ووقتَ صلاة العصر، فحُذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مُقامَه، واختصّ هذا التوسّعُ بالأحداث، لأنّها منقضِيةٌ كالأزمنة، وليست ثابتةً كالأعيان. فجاز جعلُ وُجودها وانقضائها أوقاتًا للأفعال، وظروفًا لها كأسماء الزمان. قال سيبويه (٢): وليس ذلك بأبْعَدَ من قولهم: "وُلد له سِتّون عامًا". يعني أنّ حذفَ الوقت من "مقدم الحاجّ" و"خفوق النجم"، وإقامةَ المضاف إليه مقامَه ليس بأبعد من قولهم: "وُلد له سِتّون عامًا"، إذ التقديرُ: وُلد له الأوْلادُ في ستّين عامًا، فحُذفت "الأولاد"، و"في"، فالمحذوفُ شيئان. والمحذوفُ في قولك: "خفوق النجم" شيءٌ واحدٌ، وهو زمانٌ أو وَقْتٌ، إلّا أنّ الصيغة تقتضي في "وُلد له ستّون عامًا" أن يكون التقدير: وُلد له أولادُ ستّين عامًا، ثمّ حُذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مقامه، وجُعل "الأولاد" للأَعْوام مجازًا، إذ كانت فيها، كما يقال: "لَيْلٌ نائمٌ، ونهارٌ صائمٌ" لأنّ النَّوْمَ في الليل، والصَّوْم في النهار. ومن ذلك: "سِيَر عليه تَرْوِيحتَيْن"، و"انْتُظر به نَحْرَ جَزُورَيْن"، يريد زَمَنَ
следующие страницы →