فاَعْمَل "العَطاء" في "المائة" وقال الآخر [من الطويل]:
٢٧ - أَلا هَلْ إلى رَيَّا سَبِيلٌ وساعةٍ ... تُكلِّمُني فيها من الدهْر خالِيا
فأَشْفِيَ نفسي من تَبارِيحِ ما بها ... فإنّ كَلامِيها شِفاةٌ لِمَا بِيَا
وذهب الأكثرون إلى أنّه اسمٌ للمصدر، وذلك أنّ فِعْلَه الجاري عليه لا يخلو من أن يكون "كلَّمَ" مضاعَفَ العين، مثلَ "سلَّمَ" أو"تَكَلَّمَ"؛ فـ "كَلَّمَ": فعلٌ يأتي مصدرُه على "التَّفْعِيل". و"تَكَلَّمَ" مثلُ "تَفَعَّلَ"، يأتي مصدرُه على "التَّفَعُّل". فثبت أنّ الكلام اسمٌ للمصدر، والمصدرُ الحقيقيُّ "التكليمُ" و"التسليمُ"، قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (١) وقال: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢). والكلامُ والسلامُ اسمٌ للمصدر، ولا يمتنع أن يُفيد اسمُ الشيء ما يفيده مسمّاه. قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ
стр. 72
رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا﴾ (١)، وقد يُطْلَق الكلام بإزاء المعنى القائِم بالنفس. قال الشاعر [من الكامل]:
٢٨ - إِنّ الكلامَ لَفِي الفُؤادِ وإنّما ... جُعل اللِّسانُ عن الفُؤادِ دَليلا
فإذا كان اسمَ المعنى، كان عبارةَ عمّا يتكلّم به من المعنى؛ وإذا كان مصدرًا، كان عبارةً عن فعلِ جارحة اللسان، وهو المحصِّلُ المعنى المتكَّمَ به؛ وإذا كان اسمًا للمصدر، كان عبارةً عن التكليم، الذي هو عبارةٌ عن فعلِ جارحةِ اللسان. وممّا يُسْأَل عنه هنا الفرقُ بين الكلام، والقول، والكَلِمِ. والجوابُ: أنّ الكلام عبارةٌ عن الجُمَل المفيدةِ، وهو جنسٌ لها؛ فكلُّ واحدة من الجملِ الفعليّةِ والاسميّةِ نوعٌ له، يصدق إطلاقُه عليها، كما أنّ الكلمة جنسٌ للمفردات، فيصح أن يقال: كلُّ "زيدٌ قائمٌ" كلامٌ، ولا يقال: كلُّ كلامٍ "زيدٌ قائمٌ". وكذلك مع الجملة الفعليّة. وأمّا الكَلِمُ فجماعةُ "كلمةٍ"، كـ "لَبِنَةٍ"، و"لَبِنٍ"، و"ثَفِنَةٍ" (٢) و"ثَفِنٍ". فهو يقع على ما كان جَمْعًا، مفيدًا كان أو غيرَ مفيدٍ. فإذا قلت: "قام زيدٌ" أو"زيدٌ قائمٌ"، فهو كلامٌ، لحُصولِ الفائدة منه. ولا يقال له: كَلِمٌ. لأنّه ليس بجمعٍ، إذ كان من جُزْأَيْن، وأَقلُّ الجمع ثلاثةٌ. ولو قلت: "إنّ زيدًا قائمٌ"، و"ما زيدٌ قائمٌ"، كان كلامًا من جهة إفادته، وتسمَّى كَلِمَا لأنّه جمعٌ.
وأما "القولُ " فهو أعمُّ منهما، لأنّه عبارةٌ عن جميع ما ينطق به اللسانُ، تامًّا كان
стр. 73
وناقصًا، والكلامُ والكَلِمُ أخصُّ منه. والذي قضى بذلك الاشتقاقُ مع السماع؛ ألا ترى أنّ اشتقاق "الكلام" من "الكَلْم"، وهو الجرحُ، كأنّه لشدّة تأثيره ونُفوذِه في الأنفس كالجَرْح، لأنّه إنْ كان حَسَنًا أثّر سرورًا في الأنفس، وإن كان قبيحًا أثّر حُزْنًا. مع أنَّه في غالب الأمر يَنْزع إلى الشرّ، ويدعو إليه. قال الشاعر [من المتقارب]:
٢٩ - [ولو عَنْ نثا غيرهِ جاءَني] ... وَجَرْحُ اللِّسانِ كجَرْحِ الَيدِ
وقال الآخر [من الطويل]:
٣٠ - قَوارِصُ تَأْتِيني وتحتقِرونها ... وقد يَمْلأُ القَطْرُ الإِناءَ فيَفْعُمُ
стр. 74
وغيرُ المفيد لا تأثيرَ له في النفس. وأمّا القَوْل فهو من معنى الإسراع والخِفَّة، ولذلك قيل لكلِّ ما مذَلَ به اللسانُ، وأسرع إليه، تامًّا كان أو ناقصًا: قَوْلٌ.
* * *
فصل [تعريف الاسم وخصائصه]
قال صاحب الكتاب: "الاسم ما دلّ علي معني في نفسه, دلالة مجرَّدة عن الاقتران, وله خصائص, منها: جواز الإسناد إليه, ودخول حرف التعريف, والجرُّ, والتنوين, والإضافة".
* * *
قال الشارح: قد أكثر الناسُ في حدّ الاسم؛ فأمّا سيبويه فإنّه لم يحدّه بحدٍّ ينفصِل به من غيره، بل ذَكَر منه مَثَلًا، اكتفى به عن الحدّ، فقال: "الاسمُ: رجلٌ، وفرسٌ" (١)، وكأنّه لمّا حدّ الفعلَ والحرفَ تميَّز عنده الاسمُ. ونحا أبو العبّاس (٢) قريبًا من ذلك، فقال: "فأمّا الأسماء فما كان واقعًا على معانٍ، نحو: رجل، وفرس، وزيد" (٣). وقد حدّه أبو بكر محمّد بن السَّريّ، فقال: "الاسمُ ما دلّ على معنّى مفردٍ"، كأنّه قصد الانفصال من الفعل، إذ كان الفعل يدلّ على شيئين: الحَدَثِ والزمانِ.
فإن قيل: "اليوم" و"الليلة" قد دلّت على أَزمنةٍ، فما الفرقُ بينهما وبين الفعل؟ قيل: "اليومُ" مفردٌ للزمان، ولم يُوضَعْ مع ذلك لمعنى آخرَ، والفعلُ ليس زمانًا فقط.
فإن قيل: فـ "أَيْنَ" و"كَيْفَ" و"مَنْ" أسماءٌ دلّت على شيئين الاسميّةِ والاستفهامِ، وهذا قادحٌ في الحدّ. فالجوابُ: أنّ هذا إنمّا يكون كاسرًا للحدّ إن لو كان الاسمُ على بابه من الاستعمال، فأمّا وقد نُقل عن بابه، واستُعمل مكانَ غيره على طريق النيابة، فلا؛ وذلك أنّ "مَن" يدلّ على معنى الاسميّة بمجرَّدها، واستفادة الاستفهام إنمّا هو من خارج، من تقدير همزة الاستفهام معها، فكأنّك إذا قلت: "مَنْ عندَك؟ " أصلُه "أَمَنْ عندك؟ " فهما في الحقيقة كلمتان: الهمزةُ، إذ كانت حرف معنًى، و"من" الدالّةُ على المسمّى. لكنّه لمّا كانت "مَنْ" لا تُسْتعمل إلّا مع الاستفهام، استغني عن همزة الاستفهام للزومها إيّاها، وصارت "مَنْ" نائبةً عنها، ولذلك بُنيت؛ فدلالتُها على الاسميّة دلالةٌ لفظيّةٌ، ودلالتُها على الاستفهام من خارجٍ.
стр. 77
ولو وُجد اسمٌ مُعْرَبٌ نحو "زيد" و"عمرو"، وهو يدلّ على ما دلّ عليه "مَنْ" من غير نيابةٍ، لكان قادحًا في الحدّ. وقد حدّه السيرافيّ بحدٍّ آخَرَ، فقال: "الاسم كلُّ كلمةٍ دلّت على معنّى في نفسها، من غير اقتران بزمان محصَّل"؛ فقولُه: "كلمة" جنسٌ للاسم، يشترك فيه الأضربُ الثلاثُ: الاسم، والفعل، والحرف. وقولُه: "تدلّ على معنى في نفسها" فصلٌ احترز به من الحرف، لأن الحرف يدّل على معنًى في غيره. وقولُه: "من غير اقتران بزمان محصَّل "فصلٌ ثانٍ جُمع بها المصادر إلى الأسماء، ومُنع الأفعال أن تدخل في حدّ الأسماء، لأن الأحداث تدل على أزمنة مُبْهَمة، إذ لا يكون حَدَثٌ إلّا في زمانٍ، ودلالةُ الفعل على زمان معلوم: إمّا ماض، وإمّا غير ماض.
وقد اعترضوا على هذا الحدّ بـ "مَضْرِب الشُّوَّل" (١) و"خُفُوق النَّجْم" (٢)، وزعموا أن "مضرب الشوّل" يدل على الضراب وزمنه، وذلك وقتٌ معلومٌ، وكذلك "خفوق النجم". وقد أُجيب عنه بأنّ "المضرب" وَضْعٌ للزمان الذي يقع فيه الضرابُ دون الضراب، فقولُنا: "مضرب الشوّل" كقولنا: "مَشْتًى" و"مَصِيفٌ". وقولُهم: "أتى مضربُ الشوّل"، و"انقضى مضربُ الشوّل"، كقولهم: "أتى وقتُه" و"ذهب وقتُه". و"الضرابُ" إنمّا فُهم من كونه مشتقًّا من لفظه. والحدودُ يراعَى فيها الأَوضَاعُ، لا ما يُفْهَم من طريق الاشتقاق، أو غيره، ممّا هو من لوازمه. ألا ترى أنّ "ضاربًا" يُفهَم منه "الضربُ"، لأنّه من لفظه؛ والمفعولُ، لأنّه يقتضيه، ولم يُوضَع لواحدٍ منهما، بل وُضع للفاعل لا غيرُ.
وأمّا قول صاحب الكتاب في حدّه: "ما دل على معنى في نفسه دلالةً مجرّدةً عن الاقتران"؛ فقوله: "ما دلّ" ترجمةٌ عن الحقيقة التي يشترك فيها القُبُلُ الثلاثُ، نحو: "كلمةٍ"، ولو صرّح بها لكان أَدَلَّ على الحقيقة، لأنّه أقربُ إلى المحدود، إذ ما عامٌّ يشمل كلَّ دالّ من لفظٍ وغيره، و"الكلمةُ" لفظٌ، والاسمُ المحدودُ من قبيل الألفاظ، لكنّه وضع العامّ موضعَ الخاصّ.
وقوله: "في نفسه" فصلٌ، احترز به عن الحرف، إذ الحرف يدلّ على معنًى في غيره. وقوله: "دلالةً مجرَّدةً عن الاقتران" فصلٌ ثانٍ، احترز به عن الفعل، لأنّ الفعل يدلّ على معنًى مقترنٍ بزمان. وحاصلُ هذا الحدّ راجع إلى الأوّل، وهو ما دلّ على معنى مفرد. ويُرَدّ على هذا الحدّ المصادرُ، وسائرُ الأحداثِ، لانّها تدلّ على معنًى وزمانٍ، وذلك أنّ أكثر النحويين يضيف إلى ذلك الزمانَ المحصَّلَ، لأنّ زمن المصادر مبهم.
ورُبّما أوْردوا نَقْضًا "مَقْدَمَ الحاجِّ" و"خُفوقَ النَّجْمِ". والحقُّ أنّه لا يحتاح إلى التعرُّض، لقوله: "محصَّل"، لأنّا نريد بالدلالة الدلالةَ اللفظيةَ، والمصادرُ لا تدلّ على
стр. 78
الزمن، من جهة اللفظ، وإنّما الزمان من لوازمها وضروراتِها، وهذه الدلالةُ لا اعتدادَ بها، فلا يلزم التحرُّرُ عنها، ألا ترى أن جميع الأفعال لا بدّ من وقوعها في مكان؟ ولا قائل أن الفعل دالٌّ على المكان، كما يقال أنّه دالٌّ على الزمن؟ وأمّا "خفوق النجم" فالمراد "وقت خفوق النجم"، فالزمنُ مستفادٌ من الوقت المحذوف، لا من الخفوق نفسه، على أنّا نقول: "المَضْرِبُ" و"المَقْدَمُ" زَمَنُ الضراب والُقدوم، وإنّما يُبيِّن بإضافته إلى الحاجّ والشُّوَّلِ، وذلك الزمنُ معلومٌ بالعُرْف، لا مفهوم من اللفظ ألا ترى أنّك لو أخليته من الإضافة، فقلت: "أتيتُ مَقْدَمًا"، لم يُفْهَم من ذلك زمانٌ، فعلمت أنّ هذه الألفاظ، مجرَّدةٌ عن الاقتران، أنفسُها.
وأما اشتقاق الاسم فقد اختلف العلماءُ فيه، فذهب البصريون إلى أنّه مشتقّ من "السُّمُوّ"، وذهب الكوفيون إلى أنّه مشتقُّ من "السِّمَة"، وهي العلامة (١). والقول على المذهبَيْن أنّه لما كان علامة على المسمّى، يعلوه، ويدلّ على ما تحته من المعنى، كالطابع على الدرهم والدينار، والوَسْمِ على الأموال.
وذهب البصريون إلى أنه مشتقُّ من "السُّمُوّ"، وهو العُلُوُّ، لا من "السِّمَة" التي هي العلامة. قال الزّجاج: "جُعل الاسم تنويهًا للدلالة على المعنى، لأنّ المعنى تحت الاسم". وذهب الكوفيون إلى أنَّه مشتقٌّ من "السّمَة" التي هي العلامة. وكلامُهما حسن من جهة المعنى، إلّا أنّ اللفظ يشهد معِ البصريين؛ ألا ترى أنّك تقول: "أَسْمَيْتُه"، إذا دعوتَه باسمه، أو جعلتَ له اسمًا. والأصلُ "أسْمَوْتُه"، فقلبوا الواو ياءً، لوقوعها رابعةً، على حدِّ "أَدْعَيْتُ" و"أَغْزَيْتُ"؛ ولو كان من "السمة" لقيل: "أَوْسَمْتُه"، لأنّ لام "السُّمُوّ" واوٌ تكون آخرًا، وفاء "السمة" واوٌ تكون أوّلاً. ومن ذلك قولهم في تصغيره: "سُمَيٌّ" وأصله "سَميْوٌ"، فقلبوا الواو ياءً، وادُّغمت، على حدّ "سيِّدٍ" و"مَيتٍ"، ولو كان من "الوَسْم" لقيل فيه: "وُسَيْمٌ"، فتقع الواوُ الأوُلى (٢) مضمومةً، فإن شئت أقررتَها، وإن شئت همزتَها؛ على حدِّ "وَقَّتتُ" و"أَقَّتتُ"، وفي عدم ذلك، وأنّه لم يُقَل دليلٌ على ما قلناه.
ومن ذلك قولهم في تكسيره: "أَسْماءٌ". وأصله: "أَسْماوٌ"، فوقعت الواو طرفًا وقبلها ألفٌ زائدةٌ، فقُلبت همزةً، بعد أن قُلبت ألفًا. ولو كان من الوسم لقيل فيه: "أَوْسامٌ". فليس لم يقل ذلك، دلّ على صحة مذهب البصريين، وأنّه من "السُّمُوّ". فإن ادُّعي القلبُ، فليس ذلك بالسهل، فلا يصار إليه وعنه مندوحةٌ.
وفي الاسم لغاتٌ: "اِسمٌ" بكسر الهمزة، و"اُسم" بضّم الهمزة، و"سِمٌ" بكسر السين من غير همزة، وقالوا: "سُمٌ" بضمّ السين. قال الشاعر [من الرجز]:
стр. 79
٣١ - باسمِ الّذي في كُلِّ سُورَةٍ سِمُهْ
وقال الآخر [من الرجز]:
٣٢ - وعامُنا أَعْجبَنَا مُقَدَّمُه ... يُدْعَى أَبَا السَّمْحِ وقِرْضابٌ سُمِهْ
يروى بضمّ السين وكسرِها وقد ذُكر فيه لغة خامسة، قالوا: "سُمّى"، بزِنَةِ "هُدًى" و"عُلى". وأنشدوا [من الرجز]:
٣٣ - واللهُ أَسْماك سُمًى مُبارَكا
стр. 80
ولا حجّةَ في ذلك؛ لاحتمالِ أن يكون على لغةِ من قال: "سُمٌ" ونَصَبَه، لأنّه مفعولٌ ثانٍ. فإن صحّت هذه اللغة من جهة أخرى فمجازُها أنّه تَمَّمَ الاسمَ، ولم يحذف منه شيئًا، كما تمّم الآخَرُ في "غَدًا"، فقال [من الرجز]:
٣٤ - إنّ مع اليوم أخاه غَدْوَا
[خصائص الاسم]
قال صاحب الكتاب: "وله خصائص, منها: جواز الإسناد إليه، ودخول حرف التعريف عليه, والجر, والتنوين, والإضافة".
* * *
قال الشارح: - ختم اللهُ بالصالحات أعمالَه-: "الخصائصُ" جمعُ "خَصِيصةٍ"، وهي
стр. 81
تأنيثُ "الخصيص"، بمعنى "الخاصّ"، ثمّ جُعلت اسمًا للشيء الذي يختصّ بالشيءِ، ويُلازِمه، فيكون دليلاً عليه، وأمارةً على وجوده كدلالة الحدّ، إلّا أنّ دلالة العلامةٌ دلالةٌ خاصة، ودلالة الحدّ دلالةٌ عامّةٌ؛ وذلك أنّك إذا قلت: "الرجل"، دلّت الألفُ واللامُ على خصوصِ كَوْنِ هذه الكلمة اسمًا، والحدُّ يدلّ على ضروب الأسماء كلَّها، والحدُّ يُشترط فيه الاطّرادُ والانعكاسُ، نحو قولك: "كلُّ ما دلّ على معنًى مفردٍ فهو اسمٌ، وما لم يدلّ على ذلك فليس باسم"، والعلامةُ يُشترط فيها الاطّرادُ دون الانعكاس، نحو قولك: "كلُّ ما دخل عليه الألفُ واللامُ فهو اسمٌ"، فهذا مطّردٌ في كلّ ما تدخله هذه الأداةُ؛ ولا ينعكس، فيقال: "كلُّ ما لم تدخله الألفُ واللامُ فليس باسم", لأنّ المضمرات أسماءٌ، ولا تدخلها الألف واللام، وكذلك غالبُ الأعلام والمبهماتِ، وكثيرٌ من الأسماء، نحو: "أَيْنَ"، و"كَيْفَ"، و"مَنْ"، لا تدخل الألف واللام شيئًا من ذلك، وهي مع ذلك أسماءٌ.
ومن خواصّ الاسم جواز الإسناد إليه، فالإسنادُ وصفٌ دالٌّ على أنّ المسنَد إليه اسمٌ، إذ كان ذلك مختصًّا به, لأن الفعل والحرف لا يكون منهما إسنادٌ، وذلك لأنّ الفعل خبرٌ، وإذا أسندتَ الخبر إلى مثله لم تُفِد المخاطَبَ شيئًا، إذ الفائدة إنّما تحصل بإسناد الخبر إلى مُخْبَر عنه معروفٍ، نحو: "قام زيدٌ" و"قعد بكرٌ"؛ والفعلُ نكرةٌ لأنّه موضوعٌ للخبر، وحقيقةُ الخبر أن يكون نكرةً، لأنه الجُزْءُ المستفادُ، ولو كان الفعل معرفةً لم يكن فيه للمخاطب فائدةٌ, لأنّ حَّد الكلام أن تبتدىء بالاسم الذي يعرفه المخاطبُ، كما تعرفه أنت، ثمّ تأتي بالخبر الذي لا يعلمه، ليستفيدَه.
ولا يصحُّ أن يُسْنَد إلى الحرف أيضًا شيءٌ، لأنّ الحرف لا معنَى له في نفسه، فلم يُفِد الإسنادُ إليه، ولا إسنادُه إلى غيره، فلذلك اختص الإسنادُ إليه بالاسم وحده. ومن خواص الاسم دخول حرف التعريف، وإنّما قال: "حرف التعريف"، ولم يقل: "الألف واللام"، على عادة النحويين لوجهَيْن:
أحدُهما: أنّ الحرف عند سيبويه اللام وحدها، والهمزةُ دخلت توصُّلًا إلى النطق بالساكن، وعند الخليل أن التعريف بالألف والسلام جميعًا (١)، وهما حرفٌ واحدٌ مركَّبٌ من حرفَيْن، نحو: "هَلْ"، و"بَلْ"؛ فقال: "حرف التعريف"، ليشملَ المذهبَيْن.
والوجه الثاني: أنَّه احترز به من اللغة الطائيّة، لأنّ لغتهم إبدالُ لام التعريف ميمًا، نحو قوله ﵇: "ليس مِن امْبِرّ امْصِيامُ في امْسَفَر" (٢)، فعبَّرَ بحرف التعريف ليعُمّ اللغة الطائيةَ، وغيرَها.
стр. 82
وإنما كان التعريف مختصًّا بالاسم، لأنّ الاسم يُحدَّث عنه، والمحدَّث عنه لا يكون إلّا معرفةً، والفعلُ خبرٌ، وقد ذكرنا أنّ حقيقة الخبر أن يكون نكرةً. ولا يصحّ أيضًا تعريفُ الحرف، لأنّه لمّا كان معناه في الاسم والفعل، صار كالجزء منهما، وجُزءُ الشيء لا يُوصَف بكونه معرفة ولا نكرةً، فلذلك كانت أداةُ التعريف مختصّة بالاسم، فأمّا ما رَواهُ أبو زيدٍ من قول الشاعر [من الطويل]:
٣٥ - وَيستخرجُ (١) اليَرْبُوعَ من نافِقائه ... ومن جُحْرِهِ ذو الشيْخَةِ اليَتَقَصَّعُ
فشاذٌّ في القياس والاستعمال. والذي شجّعه على ذلك أنّه قد رأى الألف واللام بمعنى "الّذي" في الصفات، فاستعملها في الفعل على ذلك المعنى.
ومن خواصّ الاسم الجرّ، وذلك أنّه لا يكون في الفعل، ولا الحرفِ؛ أمّا الحروف فلأنّها مبنيّةٌ لا يدخلها الجرُّ، ولا شيءٌ من أنواع الإعراب، ولا ينعقد منها كلام مع غيرها
стр. 83
فتحكم على محلّها بإعراب ذلك الموضع؛ وأمّا الفعل فَمِنْهُ ما هو مُعْرَبٌ، وهو المضارعُ، إلّا أنّه لا يدخله الجرُّ، وسنُوضِح (١) علّةَ امتناعه منه في موضعه من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.
ومن خواصّ الاسم التنوين، والمراد بالتنوين ههنا تنوينُ التمكين، نحو: "رجلٍ"، و"فرسٍ"، و"زيدٍ"، و"عمرٍو"، ولا يكون ذلك إلّا في الأسماء، فهو من خواصّها، لأنه دخل للفرق بين ما ينصرف من الأسماء، فلذلك كان خصيصًا بها، ولم يُرِد مُطْلَقَ التنوين؛ ألا ترى أنّ من جملة التنوين تنوينَ الترَنُّمِ؛ ولا تمتنع الأفعالُ منه، نحو قوله [من الوافر]:
٣٦ - [أقِلّي اللَّومَ عاذِلَ والعتابَنْ] ... وقُولِي إِنْ أَصَبْتُ لَقَدْ أَصابَنْ
стр. 84
ونحو قوله [من الرجز]:
٣٧ - دايَنْت أَرْوَى والدُّيُونُ تُقْضَن ... [فمَطَلَتْ بَعْضًا وأَدّتْ بَغضَنْ]
فبَيَّنَ بذلك أنّه ليس المراد مُطلَقَ التنوين.
ومن خواصّ الاسم الإضافة. والمراد بالإضافة هنا أن يكون الاسم مضافًا، لا مضافًا إليه. وذلك مختصٌّ بالأسماء، إذ الغرضُ من الإضافة الحقيقيِّة التعريفُ، ولا معنى لتعريف الأفعال، ولا الحروفِ.
فأمّا المضاف إليه فقد يكونْ فعلاً، نحو قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ (١)، وقولِ الشاعر [من الطويل]:
٣٨ - على حِينِ عَاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبَا ... [وقلتُ ألَمَّا تَصْحُ والشَّيْبُ وازعُ]
стр. 85
فلذلك لم يكن من خواصّ الاسم؛ فهذه الأشياءُ من غالب خصائص الأسماء، فكلُّ كلمة دخلها شيءٌ من هذه العَلامات، فهي اسمٌ ولا ينعكس ذلك.
стр. 86
ومن أصناف الاسم
اسمُ الجِنْس
فصل [تعريفه وقسماه]
قال صاحب الكتاب: "وهو ما علق على شيء وعلى كل من أشبهه. وينقسم إلى اسم عين، واسم معنى؛ وكلاهما ينقسم إلى اسم غير صفة، واسم هو صفةٌ. فالاسم غير الصفة نحو: "رجل", و"فرس", و"علم", و"جهل"؛ والصفة نحو: "راكب", و"جالس", و"مفهوم", و"مضمر".
قال الشارح: اعلم أن اسم الجنس ما كان دالا علي حقيقةٍ موجودةٍ, وذواتٍ كثيرةٍ. وتحقيقُ ذلك أنّ الاسم المفرد إذا دلّ على أشياء كثيرة، ودلّ مع ذلك على الأمر الذي وقع به تشابُهُ تلك الأشياءِ تشابُهًا تامًّا، حتى يكون ذلك الاسمُ اسمًا لذلك الأمر الذي وقع به التشابُهُ، فإنّ ذلك الاسم يسمّى اسم الجنس، وهو المتواطىء كـ "الحيوان"، الواقع على الإنسان والفرس والثور والأسد، فالتشابُه بين هذه الأشياء وقع بالحياة الموجودة في الجميع. وكذلك إذا قلت: "إنسانٌ"، وقع على كلّ إنسان، باعتبار الأَدَميّة. وكذلك إذا قلت: "رجلٌ"، وقع على كلّ رجل، باعتبار الرجليّة، وهي الذُّكوريّةُ والأدميّةُ، وهذا معنى قوله: "ما عُلّق على شيء، وعلى كلِّ ما أشبهه". فإنْ دلّ الاسمُ المفردُ على أشياء كثيرة، ولم يدلّ على الأمر الذي تشابهت تلك الأشياءُ به، فإنّه يسمّى "المشترك"، مثل اسم "العَيْن" الواقع على العُضْو الذي يُبْصَر به، وعلى يَنْبُوع الماءِ، وعلى الذهَب وعلى عين الرُّكْبَةِ.
واعلم أن الشمول تارةً يكون بالوجود نحو: "الإنسان"، و"الفرس"، و"الثور"، و"الأسد"، وتارةً يكون بالاستعداد والقوّة، نحو: "الشمس" و"القمر"، فإنّهما - وإن لم يكن لهما في الوجود مشارِكٌ - فهما شاملان بالقوّة. فإنّا لو قدّرنا خَلْقَ نِيرانِ تُماثِل الشمسَ والقمر، لأطلِقَ عليها اسم الشمس والقمر، باعتبار النور.
* * *
стр. 87
قال: "وينقسم إلى اسم عين، واسم معنى".
* * *
قال الشارح: المراد باسم العين ما كان شَخْصًا يُدْرِكه البصرُ، كـ"رجلٍ"، و"فرسٍ"، ونحوهما من المَرئيّات.
والمعاني عبارةٌ عن المصادر، كـ"العِلْم"، و"القُدْرَة"، مصدرَيْ "علم" و"قدر". وذلك ممّا يُدْرَك بالعقل دون حاسّة البصر.
وكلاهما ينقسم إلى اسم هو صفة، وغير صفة. فالاسمُ غير الصفة ما كان جنسًا غيرَ مأخوذٍ من فعلٍ، نحو: "رجل"، و"فرس"، و"عِلْم"، و"جَهْل". والصفةُ ما كان مأخوذًا من الفعل، نحو: اسم الفاعل، واسم المفعول، كـ"ضارب"، و"مضروب"، وما أشبههما من الصفات الفعليّة؛ و"أَحْمَرَ" و"أَصْفَرَ"، وما أشبههما من صفات الحِلْية؛ و"بَصْريّ"، و"مَغْرِبيّ"، ونحوهما من صفات النسبة، كلُّ هذه صفاتٌ تعرفها بأنّها جاريةٌ على الموصوفين، ومثالُ جَرَيانها قولك: "هذا رجلٌ ضارب، ومضروبٌ"، وكذلك الباقي.
فإن قيل: اشترطتم في الصفة أن تكون مأخوذةً من فعل، فما بالُك حكمت على "بصريّ"، و"مغربيّ" بأنّهما صفتان، وليسا من فعل؟ قيل: لمّا أضفتهما حَدَثَ فيهما معنى: الفعل، لأنهما صارا في معنى: منسوب أو مَعْزُوِّ.
والفرق بين الصفة وغير الصفة من جهة المعنى؛ وذلك أنّ الصفة تدلّ على ذاتٍ وصفةٍ، نحو: "أَسْوَدَ"، مَثَلًا؛ فهذه الكلمةُ تدل على شيئين؛ أحدُهما الذاتُ، والآخرُ السوادُ، إلّا أنّ دلالتها على الذات دلالةُ تسميةٍ، ودلالتها على السواد من جهةِ أنّه مشتقٌّ من لفظه، فهو من خارج؛ وغيرُ الصفة لا يدل إلّا على شيءٍ واحد، وهو ذات المسمى. ولمّا قسم الأعيان والمعاني إلى صفاتٍ، وغير صفات، مثَّلَ بالأمْرَيْن؛ فـ "رجلَّ"، و"فرسٌ" من أسماء الأعيان غير الصفات، و"عِلْمٌ" و"جَهْلٌ" من أسماء المعاني، و"راكبٌ" و"جالسٌ" من صفات الأعيان؛ ألا ترى أنّها تجري صفاتٍ على أسماء الأعيان، نحو قولك: "رجلٌ راكبٌ"، و"غلامٌ جالسٌ"، و"مفهومٌ"، و"مُضْمَرٌ"، من صفات المعاني؛ ألا تراك تقول: "هذا معنَى مفهومٌ"، و"حديثٌ مضمرٌ"، أي: غيرُ بادٍ للأفهام، والمرادُ أنّ المعاني توصَف كما توصَف الأعيانُ، فاعرفه.
стр. 88
ومن أصناف الاسم العَلَمُ
فصل [تعريف العلم وأقسامه]
قال صاحب الكتاب: "وهو ما علق شيء بعينه, غير متناولٍ ما أشبهه, ولا يخلو من أن يكون اسمًا , كـ"زيد" و"جعفر"، أو كنية كـ "أبي عمرو" و"أم كلثوم"؛ أو لقباً كـ "بطة" و"فقة"".
* * *
قال الشارح: اعلم أن العَلَم هو الاسمُ الخاصُّ الذي لا أَخَصَّ منه. ويركَّب على المسمّى لتخليصه من الجنس بالاسميّة، فيُفرَّق بينه وبين مسمّياتٍ كثيرة بذلك الاسم، ولا يتناول مماثله في الحقيقة والصورة، لأنّه تسميةُ شيءٍ باسم، ليس له في الأصل أن يسمّى به على وجه التشبيه، وذلك أنّه لم يوضَع بإزاء حقيقةٍ شاملةٍ، ولا لمعنّى في الاسم، ولذلك قال أصحابنا: إنّ الأعلام لا تفيد معنًى، ألا ترى أنّها تقع على الشيء ومخالفِه وقُوعًا واحدًا؟ نحو: "زيد"، فإنّه يقع على الأسود كما يقع على الأبيض، وعلى القصير كما قد يقع على الطويل، وليست أسماءُ الأجناس كذلك؛ لأنها مفيدةٌ، ألا ترى أنّ"رجلًا" يفيد صيغةً مخصوصةٌ، ولا يقع على المرأة، من حيث كان مفيدًا؟ و"زيدٌ" يصلح أن يكون عَلَمًا على الرجل والمرأةِ، ولذلك قال النحويون: العَلَمُ ما يجوز تبديلُه وتغييرُه، ولا يلزم من ذلك تغيير اللغة، فإنّه يجوز أن تنقل اسمَ وَلدك وعبدِك من "خالدٍ" إلى "جعفرٍ"، ومن "بكرٍ" إلى "محمّدٍ"، ولا يلزم من ذلك تغييرُ اللغة؛ وليس كذلك اسمُ الجنس، فإنّك لو سمّيت الرجل فرسًا، أو الفرسَ جَملاً، كان ذلك تغييرًا للغة، وإنّما أُتي بالأعلام للاختصار، وترك التطويل، بتعداد الصفات، ألا ترى أنّة لولا العَلَمُ لاحتَجْتَ، إذا أردت الإخبار عن واحدٍ من الرجال بعينه، أن تُعدِّد صفاته، حتّى يعرفه المخاطَبُ، فأغنى الأعلامُ عن ذلك أجمعَ.
стр. 89
والعَلَمُ مأخوذٌ من عَلَم الأمير، أو عَلَم الثَّوْب، كأنه علامةٌ عليه يُعْرَف به.
وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: اسمٍ، نحو: "زيد" و"عمرو"؛ وكُنْيَةٍ كـ "أبي عمرٍو"، و"أُمّ كُلْثُومٍ"؛ ولقب، كـ"بَطَّةَ" و"قُفَّةَ".
والكنيةُ لم تكن علمًا في الأصل، وإنّما كانت عادتهم أن يدعوا الإنسان باسمه، وإذا وُلد له ولدٌ دُعي باسم ولده توقيرًا له، وتفخيمًا لشأنه، فيقال له: أبو فلانٍ، وأمّ فلانٍ، ولذلك استقبحوا أن يكني الإنسانُ نفسَه. وقد يكنون الوليد، فيقولون: أبو فلان، على سبيل التفاؤل بالسلامة، وبُلوغِ سِنِّ الإيلاد. يقال منه: كنَوْت الرجل، وكنَيْته. وهو من الكِناية، وهي التَّوْرية. والكنية من الأعلام، وهي جاريةٌ مجرى الأسماء المضافة، نحو: عبد الله، وعبد الواحد. والذي يدلّ على أنّها أعلامٌ قولُ الشاعر [من البسيط]:
٣٩ - ما زِلْتُ أَفْتَحُ أَبْوابًا وأُغْلِقُها ... حتّى أتيتُ أَبَا عمرِو بنَ عَمّارِ
فحذف التنوين من "أبي عمرو", لأنّه لو لم يكن علمًا لما حُذف، بمنزلة حذفه من جعفرِ بن عمّار.
وأمّا اللَّقَبُ فهو النَّبَزُ، كقولهم: "قُفَّةُ" و"بَطَّةُ"، لقبَيْن، فـ "قفّةُ" لقبٌ، و"بطّةُ" لقبٌ. و"القفّةُ": كاليَقْطِينَة، تُتّخَذ من الخُوص، يُشبَّه بها الكبيرُ، يقال: شيخ كالقفّة، وقيل للشجر البالية.
стр. 90
وهذه الأقسام الثلاثة كلُّها ترجع إلى معنى واحد، وهو العَلَم، ولذلك لا يجوز تغييرها وتبديلها، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: "وينقسم إلى مفرد, ومركب, ومنقول, ومرتجل. فالمفرد نحو: زيد وعمرو. والمركب إما جملة نحو برق نحره, تأبط شرًا وذري حباً وشاب قرناها ويزيد في مثل قوله:
نُبّئْتُ أخوالي بني يَزيدُ ... ظُلماً علينا لهمُ فَديدُ
وأما غيرُ جملة اسمان جعلا إسماً واحداً نحو: معد يكرب وبعلبك وعمرويه ونفطويه. أو مضاف ومضاف إليه كـ "عبد مناف" وامرئ القيس والكني.
* * *
قال الشارح: الاسم العَلَم يكون مفردًا، أو مركّبًا. فالمفرد هو الأصل، لأنّ التركيب بعد الإفراد، وذلك نحو: "زيد"، و"عمرو". والمرادُ بالإفراد أنّه يدلّ على حقيقة واحدة، قبل النقل وبعده. والمركَّبُ من الأعلام هو الذي يدلّ على حقيقة واحدة بعد النقل، وقبل النقل كان يدلّ على أكثر من ذلك.
والمركّب على ثلاثة أضرب: جملةٌ، وهو كلُّ كلام عمِل بعضُه في بعضٍ، نحو: "ذرّى حَبًّا"، من قوله [من الرجز]:
стр. 91
٤١ - إنّ لها مُرَكَّنّا إِرْزَبَّا ... كأنّه جَبْهَةُ ذَرَّى حَبَّا (١)
ومثلُه "تَأَبَّطَ شرًّا" (٢)، سمّي بذلك لانّه تأبّط حَيَّةً، فسمّي بذلك (٣)؛ وهي جملةٌ من فعلٍ وفاعلٍ ومفعولٍ.
ومن الجُمَل المسمَّى بها "شابَ قَرْناها"، قال الشاعر [من الطويل]:
٤٢ - كَذَبْتُم وَبَيْتِ اللَّهِ لا تَنْكِحونها ... بني "شابَ قَرْناها" تَصُرُّ وتَحْلُبُ
стр. 92
ومنه "بَرَقَ نخرُهُ"، وهو اسم رجل، وهو فعلٌ وفاعلٌ. ومثلُه "يَزِيدُ" في قوله [من الرجز]:
نُبّئْتُ أَخْوالي بني يَزِيدُ ... ظُلْمًا علينا لَهُمُ فَدِيدُ
وهو فعلٌ سمّي به، وفيه ضميرُ فاعلٍ، ولذلك حكاه مرفوعًا؛ ولو كانت التسميةُ بالفعل وحده، لكان من قبيل ما لا ينصرف، نحو: "تَغْلبَ" و"يَشْكُرَ". و"الفديد": الصوت، يقال: فَدُّ الرجلُ يَفِدُّ فَدِيدًا؛ إذا صَوَّتَ. ورجلٌ فَدّادٌ: شديدُ الصوت. و"بني يزيدُ" منصوبٌ على البدل من "أخوالي". و"لهم فديدٌ": جملةٌ من مبتدأ وخبر، في موضع المفعول الثالث. و"لهم": يتعلّق بمحذوفٍ. و"علينا": يتعلق بـ "لَهُم"، ولا يمتنع تقديمُه عليه، وإن كان العامل معنًى، كما قالوا: "كل يومٍ لك ثَوْبٌ"؛ ولا يعمل فيه "فديدٌ"، لأنّه مصدرٌ كـ "النَّهِيق"، و"النَّذِير"، فلا يتقدّم عليه ما كان من تمامه. و"ظُلْمًا": مصدرٌ في موضع الحال، أو مفعولٌ له، والعاملُ فيه فعلٌ محذوفٌ دلٌ عليه "لهُم فَدِيدٌ"؛ والتقديرُ: "حملوا علينا، أو شدّوا علينا ظُلْمًا"؛ ويجوز أن يكون "ظلمًا" نصبًا على أنَّه مفعول ثالث، أي: "ذوي ظُلْم"، ويكون "لَهُم فَدِيدُ" في موضع الحال، كالتفسير لقوله: "ظُلْمًا". وفي نُسَخ المفصّل: "يَزِيدُ" بالياء، وصوابُه "تَزِيدُ" بالتاء المعجمة بثنتَيْن من فوقها؛ وهو: "تَزِيد بن حُلْوان"، أبو قبيلةٍ معروفةٍ، إليه تُنْسَب البُرود التَّزِيدية. قال عَلْقَمَةُ [من البسيط]:
٤٣ - رَدَّ القِيانُ جِمالَ الحَيّ فاحْتَمَلُوا ... فكلُّهم بالتَّزِيديَّاتِ مَعْكُومُ
стр. 93
وإنّما سمّوا بالجُمَل ليُشبِّهوا حالَ المسمَّى بها بحالِ من يوصَف بالجملة، وهذا يقتضي الحكاية لأنّة يجرى مجرى المَثَل، فحكوا الكلامَ كما كان في أوّل حال.
والثاني: من المركّبات: اسمان، رُكّب أحدهما مع الآخر، حتّى صارا كالاسم الواحد، نحو: "حَضْرَمَوْتَ" و"بَعْلَبَكَّ" و"مَعْدِيكرِبَ"، ويُشبَّه بما فيه تاءُ التأنيث، ولذلك لا ينصرف. ومن هذا النوع: "سِيبَوَيْهِ" و"نِفْطَوَيْهِ" و"عَمْرَوَيْهِ" إلّا أنّه مركَّبٌ من اسم وصوتٍ أَعْجمىٍّ، فانحطّ عن درجة "إسماعيلَ" و"إبراهيمَ"، فبُني على الكسر لذلك.
الثالث: من المركّبات: المضاف، وهو ضربان: اسمٌ غيرُ كُنْيَةٍ، نحو: "ذي النُون" و"عبد الله" و"امرئ القَيْسِ"؛ وكنيةٌ، نحو: "أبي زيدٍ" و"أبي جَعْفَرٍ"، وقد مضى الكلامُ عليه قَبْلُ.
* * *
[العلم المنقول]
قال صاحب الكتاب: "والمنقول على ستة أنواع: منقولٌ عن اسم عين كـ "ثور" و"أسد"؛ ومنقول عن اسم معنى: كفضل وإياس، ومنقول عن صفة كحاتم ونائلة؛ ومنقول عن فعل إما ماضٍ كشمر وكعسب، وإما مضارع كتغلب ويشكر، وإما أمر كـ "إصمت" في قول الراعي [من البسيط]:
٤٤ - أَشْلَى سَلُوقيَةً باتتْ وباتَ بها ... بوَحْشِ إِصْمِتَ في أصْلابِها أَوَدُ
стр. 94
وأطرقا في قول الهذلي [من المتقارب]:
٤٥ - على أطْرِقا بالياتُ (١) الخيامِ ... إلا الثمام وإلا العصي
ومنقول عن صوت كـ "ببة"، وهو نبز "عبد الله بن الحارث بن نوفل"؛ ومنقول عن مركب وقد ذكرناه".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ الأعلام على ضربَيْن: منقولٌ ومرتجلٌ، والغالبُ عليها النقل. ومعنى النقل أن يكون الاسمُ بإزاء حقيقةٍ شاملةٍ، فتنقله إلى حقيقةٍ أخرى خاصّةٍ، وليس لها أن تُسَمَّى به (٢) في الأصل. وهو على ثلاثة أضرب: منقولٌ عن اسم، ومنقولٌ عن فِعْل، ومنقولٌ عن صوت.
فامّا الأوّل: وهو النقل عن الأسماء، فضربان: عَينٌ ومعنى. فالعينُ يكون اسمًا وصفةً؛ فالمنقولُ عن الاسم غيرِ الصفة نحو رجل سُمّي بـ "أسدٍ" أو"ثَورٍ" أو"حَجَرٍ"، هي في الأصل أسماءُ الأجناس لأنّها بإزاء حقَيقهٍ شاملةٍ، وإنّما نقلتَها إلى العلميّة، فصارت لذلك تدلّ على مخصوصٍ بعد أن كانت تدلّ على شائعٍ.
والمنقول عن الصفة نحو"مالكٍ" و"فاطِمةَ"؛ فهذان الاسمان وَصْفان في الأصل لأنّهما اسما فاعلَين (٣)، تقول: "هذا رجلٌ مالكٌ"، فهو "فاعلٌ" من المُلْكِ، قال الله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ (٥). و"فاطمةُ": "فاعلَةُ" من: "فطمتِ الأُمُّ وَلَدَها، فهي فاطمةٌ". وكذلك "حاتِمٌ" و"نائِلَةُ": "حاتمٌ": "فاعلٌ" من: "حتمتُ الأمر إذا أحكمتَه"، أو من "الحَتْم"، وهو القضاء. و"نائلةُ": "فاعلةُ" من: "نُلْته نَوْلًا، ونَوَّلْتُه"، أي أَعْطَيْتُه، فهذه في الأصل
стр. 95
أوصافٌ لأنّها أسماءُ فاعلين، ثمّ نقلت فصارت أعلامًا، كما صار أسَدٌ وثَوْرٌ كذلك.
وما نُقل عن الصفة وفيه اللامُ المُعرَّفة، فإنّها تقرّ فيه بعد النقل، نحو: "الحارث"، و"العبّاس".
وما نُقل منها مجرَّدًا من الألف واللام، لم يجز دخولُهما عليه بعد النقل نحو: "سعيدٍ" و" مُكْرَمٍ" و"حاتم" و"نائلةَ".
وما فيه الألفُ واللامُ بعد النقل، فإشعارٌ فيه بتَبْقية معنى الصفة، ولذلك يجرى عليه أحكامُ الصفة، كما قال الأعشى [من الطويل]:
٤٦ - أتاني وَعِيدُ الحُوصِ من آلِ جَعْفَرٍ ... [فَيَا عَبْدَ عَمْرٍو لو نَهَيْتَ الأحَاوِصَا]
فجمعه جمعَ الصفة كما تجمعه قبل النقل، على حدّ "أَحْمَرَ"، و"حُمْرٍ". قال الخليل "كأنّهم جعلوه الشيء بعينه" (١)؛ يريد أنّهم لمحوا اتّصافَه بمعنى ذلك الاسم.
وأمّا ما نقل من الأسماء، وهو معنى، نحو: "فَضْل" و"إياس" و"زيد" و"عمرو"، فهذه كلها معانٍ لأنّها مصادرُ في الأصل فـ "فَضْلٌ" مصدرُ "فَضَلَ يَفْضُلُ فَضْلًا"، و"إِيَاسٌ" مصدرُ "آسَه يَؤُوسُه إِيَاسًا وأَوْسًا" إذا أَعْطاه، و"زَيْدُ" مصدرُ "زادَ يَزِيدُ زَيْدًا وزِيادةً". فأمّا قوله [من البسيط]:
٤٧ - وأَنْتُمُ مَعْشَرٌ زَيْدٌ على مائةٍ ... فأَجْمِعُوا أَمْرَكُم طُرًّا فكِيدُونِي
стр. 96
فإنه مصدرٌ وُصف به على حدّ قولك: "رَجُلٌ عَدْلٌ"، و"ماءٌ غَوْرٌ".
وأمّا الثاني: وهو ما نقل عن الفعل، فقد نُقل من ثلاثة أفعالٍ: الماضي، والمضارع، والأمرِ. فالماضي نحو: "شَمَّرَ"، اسمِ رجلٍ، وهو منقولٌ من "شمّر إزارَه" إذا رفعه، و"شمّر في الأمر" إذا خَفَّ، ومنه: "ناقةٌ شِمِّيرٌ" أي: سريعةٌ، ومثلُه: "خَضَّمُ بن عمرو بن تميم". قال الشاعر [من الرجز]:
٤٨ - لولا الإِلهُ ما سَكَنَّا خَضَّمَا ... ولا ظَلِلْنا بالمَشائِي قُيَّمَا
أي بِلادَ "خَصّمَ"، يعني بلاد بني تميم.
стр. 97
ومن المسمّين بالماضي "كَعْسَبُ"، وهو من "الكعسبة"، وهو: العَدْو السريع، وهو رُباعيٌّ. ومثلُه "تَرْجَمُ"، من قولهم: "تَرْجَمَ عن الشيء".
وأمّا "دُئِلُ" فقبيلةُ أبي الأسود، فإنّ سيبويه لم يذكره في أبنية الأسماء. وذكر الأخفش أنّه قد جاء في المعارف؛ والمعارفُ غيرُ معوَّلٍ عليها في الأبنية، لأنّه يجوز أن يسمّى الرجل بما لا نظير له في الكلام. وذكر الأخفش أنّه اسمُ دُوَيْبَّهٍ تُشْبِه ابنَ عِرْسٍ. وأنشد [من المنسرح]:
٤٩ - جاؤوا بجَيْشٍ لو قِيسَ مُعْرَسُهُ ... ما كان إلّا كَمُعْرَسِ الدُّئلِ
فعلى ذلك تَحتمل قبيلةُ أبي الأسود أن تكون من هذا، فتكون كـ"أَسَد"، و"ثَوْرٍ"؛ والآخر أن يكون منقولاً من الفعل، مثل "شَمَّر"، و"خَضَّمَ"؛ من قولك: "دَأَلَ يَدْأَلُ"، وهو مَشْىٌ فيه بَغْىٌ ونشاطٌ، كأنّه قيل: "دُئلَ في هذا المكان"، كما يقال: "سِيرَ فيه"، و"عُدِيَ فيه"، ثمّ سُمّي به مفردًا.
وأمّا المضارع، فنحو "يَشْكُرَ"، و"تَغْلِبَ"، و"يَزِيدَ"؛ وهو كثيرٌ.
وأمّا الأمر، فنحو قولهم في الفَلاة: "إِصْمتُ"، و"إِصْمِتَةُ". قال الشاعر [من البسيط]:
أَشْلَى سَلُوقِيَّةً باتَتْ وباتَ بها ... بوَحْشِ إِصْمِتَ في أصْلابِها أَوَدُ (١)
قوله: "أشلى"، أي: دعا، يقال: أَشْلَى الكَلْبَ إذا دعاه، وآسَدهُ إذا أغراه بالصَّيْد. والضميرُ في "أشلى" يعود إلى الصائد. و"سلوقيّةٌ": منسوبةٌ إلى "سَلُوقَ"، وهي قريةٌ
стр. 98
باليَمَن، يُنْسَب إليها السيوف والكِلاب. والضميرُ في "باتت" يعود إلى "سلوقيّة"، والضمير في "بات" يعود إلى الصائد. و"إِصْمِتُ": فلاةٌ بعينها، كأنه في الأصل فعلُ أمرٍ من "صَمَتَ يَصْمُت إذا سكت"، كأنّ إنسانًا قال لصاحبه "اصْمِتْ"، يُسْكِته ليسمع حِسَّا؛ أو يكون في فَلاةٍ يُسْكِت المرء فيها صاحبَه خَوفًا، فسُمّي المكان بالفعل خاليّا من الضمير، ولذلك أعربه، ولم يصرفه للتعريف والتأنيث.
والمسموعُ في مضارع "صَمَتَ يَصْمُتُ" بالضمّ؛ والكسرُ هنا إمّا أن يكون لغة، أو من تغيير الأسماء، كما قُطَعت الهمزة في التسمية. وذلك أنّ همزة الوصل إنّما حقُّها الدخولُ على الأفعال، وعلى الأسماء الجارية على تلك الأفعال؛ نحو: "انطلق انطلاقًا"، و"اقتدر اقتدارًا". فأمّا الأسماء التي ليست بجارية على أفعالها فألفُ الوصل غيرُ داخلة عليها، إنّما دخلت على أسماء قليلة، نحو: "ابْنٍ"، و"ابْنَةٍ"، و"اثْنَيْنِ"، و"اثنَتَيْنِ"، و"امْرِىءِ"، و"امْرأَةٍ"، و"اسْم"، و"اسْتٍ"، وليس هذا منها؛ وإذا نُقل الفعل إلى الاسم، لزمته أحكامُ الأسماء، فقُطعت الألف لذلك.
ورُبّما أنّثوا فقالوا: "إِصْمِتَةُ"، إيذانًا بغَلَبَة الاسميّة بعد التسمية، وشجّعهم على ذلك تأنيثُ المسمّى وهو المَفازة. و"الأصلاب": جمع "صُلْبٍ"، وهو الظهْر. و"الأوَدُ": الاعوجاج؛ والمراد أنها ذات هُبوطٍ وصُعودٍ وهي مُوحِشَةٌ.
فأمّا "أَطْرِقَا" في قول الهُذَليّ [من المتقارب]:
على أَطْرقَا بِالياتُ الخِيا ... مِ إلاَّ الثُّمامَ وإلا العِصِي (١)
فإنّ البيت لأبي ذُؤَيْبٍ الهذليّ من قصيدةٍ أوّلُها:
عرفتُ الدِيارَ كرَقْمِ الذُّوِي ... يُذَبِّرُها الكاتبُ الحِمْيَرِي
وهذه القصيدة تُرْوَى مطلقةً مرفوعةً، وتروى مقيَّدةً ساكنةً، وهي من المتقارب. فمن أطلقها كانت من الضرب الأوّل، ووزنُه "فعولن": "عِصِيْ يو"، ومن قيّدها كانت من الضرب الثالث، وهو المحذوف، ووزنه "فعلْ": "عِصِيْ".
و"أَطْرِقَا": اسم بلدٍ؛ قال الأصمعيّ: "سُمّي بقوله: أَطْرِقْ، أي اسْكُتْ، كأنّ ثلاثةً قال أحدهم لصاحبَيْه: أَطْرِقَا، أي: اسْكُتَا لنسمع، فسُمّي المكان أطرقا". وموضعُ "عَلَى أَطْرِقَا" نصبٌ على الحال من الديار، وكذلك "بِالياتِ الخِيام" نصبٌ على الحال، أيضًا والمراد: عرفت الديار على "أطرقا"، أي في هذه الحال.
وقوله: "إلَّا الثُّمامَ وإلّا العصي" يروى "الشام" بالرفع والنصب؛ فمن نصب، فلا إشكال فيه لأنّه استثناءٌ من موجَب، ومَن رفع فبالابتداء، والخبر محذوفٌ، والتقدير: "إلَّا
стр. 99
الثمامُ وإلاّ العصي لم تَبْلَ"، ومَن نصب "الثمام" ورفع "العصيّ" فإنّه حمله على المعنى، وذلك أنّه لمّا قال: "بَلِيَتْ إلَّا الثمامَ"، كان معناه "بقي الثمامُ"، فعطف على هذا المعنى وتوهُّم اللفظ. ومثله قول الآخر [من الطويل]:
٥٠ - وعَضُّ زمانٍ يا ابنَ مَرْوانَ لم يَدَعْ ... من المال إلَّا مُسْحَتًا أو مُجَلَّفُ
ألا ترى أنّه رفع "أو مجلّف" على معنَى: "بقِي من المال مُسْحَتٌ". ونحوٌ منه قوله [من الطويل]:
٥١ - غَداةَ أَحَلَّتْ لابن أَصْرَمَ طَعْنَةٌ ... حُصَيْنٍ عَبِيطاتِ السَّدائفِ والخَمْرُ
стр. 100
وذلك أنّه رفع "الخمر" على توهُّم رفع "العبيطات", لأنّه إذا أحَلَّتْها الطعنةُ، فقد حلَّتْ هي.
ومَنْ قيّد القافية، جاز أن يكون "العصي" مرفوعًا كالمطلقة، على ما ذكرناه، وجاز أن يكون منصوبًا بالعطف على "الثمام"، إلا أنّه أسكن للوقف، وما فيه الألف واللام يكون الوقف عليه كالمرفوع والمجرور.
وفي "أطرقا" ضميرٌ، وهو الألف التي هي ضمير التثنية. فإن قيل: فإذا سُمّي به وفيه ضميرٌ فإنّه يكون جملةً، فينبغي أن يُذْكَر مع الجُمَل المَحْكِيّة في المركَّبات، نحو: "تَأَبَّطَ شَرَّا" و"شَابَ قَرْنَاهَا"، فالجواب أنّ "أطرقا" له جِهتان: جهةُ كَوْنِه أمرًا، وجهةُ كونه جملةً، فأورده ههنا من حيث إنّه أمرٌ، ولو أورده في المركَّبات من حيث هو جملةٌ، لجاز. وقد روى بعضهم: "عَلَا أَطْرُقًا" بضمّ الراء، كأنّه جعله جمعَ "طرِيقٍ"، وجَعَل (١) "عَلَا" فعلاً من "العُلُوّ"، وفيه ضميرٌ، كأنّه قال: "السبيلُ عَلَا أطْرُقًا"، وعلى هذا يكون قد أنَّثَ "الطريق", لأنّ "فَعِيلاً" و"فُعالاً"، إنّما يجمعان على "أفعُل" إذا كان مؤنثًا، نحو"عَناقٍ وأعنُقٍ"، و"عُقابٍ وأعْقُبٍ"، ويكون "باليات الخيام" صفةَ "أطرُقٍ".
وقيل: "أَطْرِقا" بالكسر: جمع طريق في لغة هُذَيْل؛ تقوّي هذه المقالةَ روايةُ مَن قال: "أَطْرُقا" بالضمّ؛ ومجازُ ذلك أن يكون مقصوًا من "أَطْرِقاءَ"، كأنّه جمَعَ "فَعِيلاً" على "أَفْعِلاء" كـ "صَدِيق وأَصْدِقاءَ"، ثمّ حُذفت الألف الأولى التي للمدّ، فعادت ألف التأنيث إلى أصلها، وهو القصر، وينبغي أن تُكْتَب الألف بالياء على حدّ كَتْبها في "حُبارَى" و"سُمانَى"، ولا شاهد فيه على هذَيْن الوجهَيْن.
والثالث: الصوت قد نُقل الصوت إلى العَلَم، كما نقل الاسم والفعل. من ذلك تسميةُ عبد الله بن الحارث بـ "بَبَّة"؛ فيه صوتٌ كانت أُمُّه تُرْقِصه به وهو صبيٌّ، وذلك قولها [من الرجز]:
٥٢ - لأُنْكِحَنَّ بَبَّهْ ... جاريةً خِدَّبَّهْ
стр. 101
مُكْرَمَةً مُحَبَّهْ ... تَجُبُّ (١) أَهْلَ الكَعْبَهْ
فغلب عليه، فسُمّي به.
[العلم المرتجل]
قال صاحب الكتاب: "والمرتجل علي ضربين: قياسيّ, وشاذٌّ. فالقياسيّ نحو:"غَطَفانَ, وعمران, وحمدان, وفَقعسِ, وحنتفِ". والشاذّ نحو: "محبب, وموهب, وموظب, ومكوزة, وحيوة"".
* * *
قال الشارح: اعلم أنَّ المرتجَل في الأعلام ما ارتُجل للتسمية به، أي اختُرع ولم يُنْقَل إليه من غيره؛ من قولهم: "ارتجل القصيدة والخُطْبَةَ"، إذا أتى بها عن غير فكْرةٍ وسابقةِ رويَّةٍ. واشتقاقُه من "الرَّجْل"، كأن الشاعر والخطيب أنشأهما وهو على رِجْله في حال الإنشاء.
وهو على ضربَيْن، كما ذكر، قياسيّ وشاذّ. والمراد بالقياسيّ أن يكون القياس قابلاً له غير دافعه، وذلك نحو: "حَمْدانَ"، و"عِمْرانَ"، و"غَطَفانَ"، و"فَقْعَسٍ"، و"حَنْتَفٍ"، فهذه الأسماء مرتجلةٌ للعَلَميّة، لأنّها لم تكن موضوعة بإزاء شيءٍ من الأجناس، ثمّ نُقلت منه إلى العلميّة، وإنّما بُنيت صيغها من أوّلِ مرّة للعلميّة. وكونُ القياس قابلاً لها من حيث إنّ لها نظيرًا في كلامهم، فـ "حمدان" في العلم كـ"سَعْدانٍ" اسم نَبْتٍ، و"صفْوانٍ" للحَجَر الأَمْلَس؛ و"عِمران" كـ"سِرْحانٍ" وهو الذئْب، و"حِرْمانٍ وعِصْيانٍ"
стр. 102
مصدرَيْن، و"فقعس" مثل "سَلْهَبٍ"، وهو الطويل، اسم رجل من بني أَسَدٍ، وهو"فَقْعَسُ ابن طريف"؛ و"حنتف" اسم رجل أيضًا، وهما حنتفان: "حَنْتَفٌ" وأخوه "سَيْفٌ" ابنا "أَوْس بن جُرَيّ اليَرْبُوعيّ"، وليس فيهما خروجٌ عن مقتضى القياس من إظهار تضعيفٍ أو تصحيح مُعْتَلٍّ، نحو: "حَيْوَةَ"، و"مَكْوَزَةَ".
ومن المرتجل المعدول نحو: "عُمَرَ"، و"زُفَرَ" و"زُحَلَ" كلُّه مرتجلٌ، لأنّه لا يُعْدَل إلَّا في حال التعريف. وأمّا الشاذّ فما كان بالضدّ ممّا ذُكر، ممّا يدفعه القياسُ؛ فمن ذلك "مَحْبَبٌ" اسمُ رجل؛ القياسُ فيه "مَحَبٌّ" بالإدغام، نحو "مَقَرٍّ" و"مَرَدٍّ"؛ لأنّه "مَفْعَلٌ" من "المَحَبَّةِ" والميمُ زائدةٌ، لقولك: "أحببت"، و"حببت"، ولو كان أصلاً، لجاز أن يكون من قبيل "مَهْدَدٍ" مُلْحَقًا بـ "جَعْفَرٍ"، وإظهارُ التضعيف لذلك، إلَّا أنّه ليس في كلام العرب تركيبُ "م ح ب"، فلذلك كان من الشاذّ.
ومن ذلك "مَوْهَبٌ" في اسم رجل، و"مَوْظَبٌ" في اسم مكان. وكلاهما شاذّ، لأن ما فاؤُه واوٌ لا يأتي منه "مَفْعَلٌ" بفتح العين، إنّما هو "مَفْعِلٌ" بكسرها، نحو: "مَوْضِعٍ"، و"مَوْقِعٍ"، و"مَوْرِدٍ"، و"مَوْجِلٍ"، و"مَوْعِدٍ". ومن الشاذّ "مَكْوَزَةُ"، و"مَزْيَدٌ"، قياسُهما "مَكازَة"، و"مَزاد"، كـ "مَفازَةٍ" و"مَعاشٍ"؛ تُقْلَب الواو والياء فيهما ألفًا بعد نقل حركتهما إلى ما قبلهما، ومثله في الشذوذ "مَرْيَمُ"، و"مَدْيَنُ"، لا فَرْقَ بين الأعجميّ والعربيّ في هذا الحكم. ومن الشاذّ "حَيْوَةُ" اسم رجل، وأصله "حَيَّةُ" مضاعفَ الياء، لأنّه ليس في الكلام "حَيْوَةُ"، فقلبوا الياء واوًا، وهذا ضدّ مقتضى القياس؛ لأنّ القياس يقتضي إذا اجتمعت الياء والواوُ، وقد سبقت الأوُلى منهما بالسكون، أن تُقْلَب الواو ياءً على حدّ "سَيَّدٍ ومَيِّتٍ"، وأمّا أن تجتمع اليَاءانِ فتُقْلَب الياءُ واوًا، فلا.
فصل [اجتماع الاسم واللقب]
قال صاحب الكتاب: "وإذا اجتمع للرجل اسمٌ غيرُ مضاف, ولقبٌ, أضيف اسمه إلي لقبه, فقيل: هذا "سعيدُ كُرْزٍ", و"قيسُ قفّة", و "زيدُ بطَّةَ". وإذا كان مضافًا, أو كنية, أُجري اللقب علي الاسم, فقيل: هذا "عبدُ الله بطةُ" وهذا "أبو زيد قفةُ".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّك إذا لقّبتَ مفردًا بمفرد، وأضفته إليه، نحو: "سعيد كُرْزٍ"، كان اسمُه "سعيدًا"، ولقبُه "كرزًا"؛ فلمّا جُمع بينهما، أُضيف العَلَم إلى اللقب، وكذلك "قَيْسُ قُفَّةَ"، و"زيدُ بَطَّةَ"؛ وإنّما فعلوا ذلك لئلّا يخرجوا عن منهاج أسمائهم، ألا ترى أنّ
стр. 103
أصل أسمائهم إمّا مفردٌ كـ"زيد"، وإمّا مضافٌ كـ"عبد الله"، و"امرئ القيس"، و"أبي بكرٍ"، و"أُمّ جَعْفَرٍ". وليس في كلامهم اسمان مفردان لمسمًّى واحدٍ يُستعمل كلّ واحد منهما مفردًا. فلو جمعوا بين الاسم واللقب مفردَيْن، لا على سبيل الإضافة، لخَرجوا عن منهاج استعمالهم، ولم يكن له نظيرٌ؛ فأضافوا العَلَم إلى اللقب ليجروا على عادتهم في ذلك، ويكون له نظيرٌ في كلامهم، نحو: "عبد الله"، وشِبهِه. فإذا أضفت الاسم إلى اللقب، صار كالاسم الواحد، وسُلب ما فيه من تعريف العلميّة، كما إذا أضفته إلى غير اللقب، نحو: "زيدكم"، فصار التعريفُ بالإضافة.
وجُعلت الألقاب معارف، لأنّها قد جرت مجرى الأعلام، وخرجت عن التعريف الذي كان لها بالألف واللام قبل التلقيب؛ كما أنّا إذا قلنا: "الشمس"، كان معرفةً بالألف واللام، وإذا قلنا: "عَبْدُ شَمْس"، كان من قبيل الأعلام.
فإن قيل كيف جازت إضافة الاسم إلى اللقب، وهما كشيء واحد؟ وهل هو إلَّا إضافة الشيء إلى نفسه؟ فالجوابُ أن العلم إذا أُضيف إلى اللقب، وابتزّوا ما فيه من تعريف العلميّة، صار للمسمّى لا غير؛ والمسمّى يضاف إلى الاسم، نحو: "ذاتَ مرّةٍ"، و"ذا صباح"، ونحو قوله [من الطويل]:
٥٣ - إِلَيْكُمْ ذَوِي آلِ النَّبِيِّ تَطَلَّعَتْ ... [نوازعُ منْ قلبي ظِماءٌ وألْبُبُ]
والإضافة على هذا حقيقيةٌ بمعنى لام المِلْك والاختصاص، فقولك: "قيسُ قُفَّةَ" أي: المختصّ بهذا اللقب، أو كأن هذه اللفظةَ ملَكتِ اللقبَ.
стр. 104
فإن كان العلم مضافًا، أفردوا اللقب، كقولهم: "عبدُ الله بَطَّةُ"، ليصير بمنزلة "أبي بكر زيدٍ"، فيكون من قبيل عطف البيان. فـ "عبدُ الله" كـ "أبي بكرٍ" و"بَطَّةُ" كـ "زيد"، فلم يخرج عن حدّ استعمالهم.
فصل [العلم المختصّ بالحيوان]
قال صاحب الكتاب: "وقد سمّوا ما يتخذونه, ويألفونه, من خيلهم وإبلهم وغنمهم وكلابهم, وغير ذلك, بأعلام, كلُّ واحد منها مختصّ بشخص بعينه, يعرفونه به؛ كالأعلام في الأناسيّ, وذلك نحو: أعوج, ولاحق, وشدقم, وعليانَ, وخطَّة, وهيلةَ, وضمرانَ, وكسابِ".
* * *
قال الشارح: اعلم أن الأعلام وُضعت على الأشخاص، ليتميّز بعضُها من بعض. والأشخاصُ على ضربَيْن: أدميّةٌ وغيرُ أدميّة.
فالأدميّةُ قد تقدّم شرحُها. وغيرُ الأدميّة على ضربَيْن: منه ما يُتّخذ ويؤلَف كالخيل والإبل والغنم والكلاب، فيحتاجون إلى التمييز بين أفراد ذلك الجنس، فوضعوا لها أعلامًا، ليمتازَ كلُّ شخص باسم ينفرد به كالأناسيّ. وذلك نحو: "أَعْوَجَ" وهو فرسٌ مشهورٌ للعرب، كان في الجاهليّة سابقًا يُنسَب إليه الخيل الأعوجيّة. قال الشاعر [من الطويل]:
٥٤ - نَجَوْت ولم يَمْنُنْ عليك طلاقةً (١) ... سِوَى جَيّدِ التقريبِ مِن آلِ أعْوَجا
стр. 105
و"لاحقٌ" وهو فَرَسٌ، كان لمعاوية بن أبي سُفيان ﵀ مشهورٌ، واسمُ فَحْلٍ كان لـ"غنيّ" أيضًا. و"شَدْقَمٌ" وهو فَحْلٌ من الإبل كان للنّعمان. و"عُلَيّانُ": جملٌ كان لكليب بن وائل. قال [من المتقارب]:
٥٥ - وَدُونَ عُلَيّانَ خَرْطُ القَتادِ
و"خُطَّةُ"، و"هَيْلةُ"، وهما عَنْزا سَوْءٍ. وقيل "هَيْلَةُ": شاةٌ كانت لقوم من العرب، مَنْ أساء إليها درّتْ له بلبَنها، ومن أحسن إليها وعلّفها نطحته، فكانت العرب تضرب بها المثل. وفي المثل: "لَعَنَ الله مِعْزى خَيْرُها خُطَّةُ" (١). وقال الكُمَيْت يخاطب الأبْرَش الكَلْبيّ [من الوافر]:
٥٦ - فإِنّك والتَّحَوُّلَ عن مَعَدّ ... كَهَيْلَةَ قبلنا والحالِبينا
و"ضُمْرانُ": وهو كَلْبٌ. و"كَسابِ": وهي كَلْبةٌ.
стр. 106
فصل [علم الجنس المختصّ بالحيوان]
قال صاحب الكتاب: "وما لا يُتخذ, ولا يؤلف, فيحتاج إلى التمييز بين أفراده, كالطير, والوحوش, وأحناش, الأرض, وغير ذلك, فإن العلم فيه للجنس بأسره, ليس بعضه أولى به من بعض. فإذا قلت: "أبو براقش"، و"ابن دأية"، و"أسامة"، و"ثعالة"، و"ابن قترة"، و"بنت طبق"، فكأنك قلت: الضرب الذي من شأنه كيت وكيت.
ومن هذه الأجناس ماله اسم جنسٍ, واسم علم, كـ "الأسد" و"أسامة" و"الثعلب" و"ثعالة"؛ وما لا يعرف له اسمٌ غير العلم, نحو "ابن مقرضٍ" و"حمار قبّان". وقد صنعوا في ذلك نحو صنيعهم في تسمية الأناسيّ، فوضعوا للجنس اسمًا وكنيةً، فقالوا للأسد "أسامة" و"أبو الحارث"، وللثعلب: "ثعالة" و"أبو الحصين"، وللضبع "حضاجر" و"أم عامر"، وللعقرب: "شبوة" و"أم عريط".
ومنها ما له اسم ولا كينة له, كقولهم: "قثم" للضِّبعان، وما له كنيةٌ ولا اسم له, كـ "أبي براقش", و"أبي صبيرة", و"أم رباحٍ" و"أم عجلان"".
* * *
قال الشارح: اعلم أن العَلَم في هذا الفصل واقعٌ على الجنس، بخلاف ما تقدّم من الأعلام؛ فإنّه واقعٌ على الأشخاص كـ"زيد"، و"عمرو"، فالعلمُ فيه يختصّ شخصًا بعينه، لا يشاركه فيه غيرُه؛ وعلم الجنس يختصّ كل شخص من ذلك الجنس يقع عليه ذلك الاسم، نحو: "أُسامَةَ"، و"ثُعالَة"، فإنّ هذين الاسمَيْن يقعان على كلَّ ما يُخْبَر عنه من الأسد ومن الثعلب. وإنّما كان العلم ههنا للجنس، ولم يكن كالأناسيّ، وذلك لأنّ لكل واحد من الأناسيّ حالاً مع غيره، من معاملةٍ أو مبايعةٍ، فاحتاج إلى اسم يخصّه دون غيره، ليُخْبَر عنه بما له وعليه. وكذلك ما يتّخذه الناسُ ويثبت عندهم ويألفونه من خيلهم وإبلهم وكلابهم.
وقد يجعلون لكلّ واحد (١) منها لقبًا يخصّه دون غيره، نحو: "أَعْوَجَ" و"لاحِقٍ"، وذلك أنّه قد يختصّ بزيادة حُسْنٍ، أو فَضْلِ عَدْوٍ، فاحتيج لذلك إلي لتمييز بين أفراده بالألقاب الخاصّة، ليُخْبَر عن كلّ واحد بما فيه من المعنى، أو يُؤْمَر له بزيادة نَظَرٍ. وأمّا هذه السباع التي لا تثبت عندهم، فلا يُحْتاج (٢) إلى الفصل بين أفرادها، فإذا لحقها لقبٌ كان ذلك لكلّ واحد من أشخاص ذلك الجنس أجمعَ، فإذا قلت: "أُسَامَةُ"، أو"ثُعالَةُ"،
стр. 107
أو"ابن قِترَةَ"، فكأنّك قلت هذا الضرب الذي رأيته، أو سمعت به من السباع، أو غيرها (١). وهي أعلامٌ معارفُ، لا محالةَ؛ يدلّ على أنّها معارفُ أنّ ما كان منها مضافًا فتعريفُه بيّنٌ بترك صَرْفِ ما أضيف إليه، نحو: "ابن قترةَ"، و"حمار قبّانَ". وما كان منها مفردًا فهو معرفة بامتناعه من الألف واللام اللتَيْن للتعريف، ألا ترى أنّ "ابن مَخاضٍ"، و"ابن لَبُونٍ"، و"ابن ماءٍ"، لمّا كنّ نكراتٍ دخلت فيما أضيفت إليه الألفُ واللامُ، لتعرف شيئاً من شيء، كما تفعل في الخيل والكلاب قال الشاعر [من البسيط]:
٥٧ - وابْنُ اللَّبونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ... لم يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعِيسِ
وقال الآخر [من الوافر]:
٥٨ - وَجَدْنَا نَهْشَلاً فَضَلَتْ فُقَيْمًا ... كفَضْلِ ابنِ المخَاضِ على الفَصِيلِ
стр. 108
قال الآخر [من الطويل]:
٥٩ - مُفدَّمةً قَزًّا كأنّ رِقابَها ... رِقابُ بناتِ الماءِ أفْزَعَها الرَّعْدُ
وممّا يدلّ على تعريف هذه الأشياء أنّه يقع بعدها النكرة حالاً، كقولك: "هذا أسامةُ مُقْبِلاً"، و"رأيت ثعالةَ مُولِّيًا". ولو كانت نكراتٍ، لم يقع الحال بعدها.
واعلم أن هذه الأشياء معارفُ على ما ذكرنا، إلَّا أن تعريفها أمرٌ لفظيٌّ، وهي من جهة المعنى نكراتٌ لشياعها في كلّ واحد من الجنس، وعدمِ اختصاصها شخصًا بعينه دون غيره، إلَّا أنّ الشياع لم يكن لأنّة بإزاءِ حقيقة شاملة، بل لأجلِ أنّ هذا اللفظ موضوعٌ بإزاء كلّ شخص من هذا الجنس؛ فمن ذلك: "أبو بَراقِشَ"، وهو
стр. 109
طائرٌ ذو ألوانٍ من سَوادٍ وبَياضٍ، يتغيّر في النهار ألوانًا يُضْرَب به المثل في التلوّن (١). قال الشاعر [من مجزوء الكامل]:
٦٠ - يغدوا عليك مُرَجَّليـ ... ـن كأنّهم لم يفعلوا
كأبي بَراقِشَ كُلَّ لَوْ ... نٍ في لَوْنُهُ يَتَحَوَّلُ
ومن ذلك قولهم: "ابن دَأْيَةَ" للغُراب، قيل له ذلك لأنّه يقع على دأية البَعير فينقرها. و"الدأيةُ" من البعير: الموضُع الذي يقع عليه خَشَبُ الرحْلِ، فيعقره.
وقالوا: "ابن قَتْرَةَ" لضرب من الحيّات أولي الصِّغَر، كأنّه سُمّي بذلك تشبيهًا بالسهْم الذي لا حديدة فيه، فيقال له: "قترةٌ"، والجمع "قَتَرٌ"، كأنّه منقول منه.
وقالوا: "بنت طَبَقٍ" لضرب من الحيّات، وأصله الداهِيَة. وقيل: "بنت طبق": سُلَحْفاةٌ تزعم العرب أنّها تَبيض تسعًا وتسعين بيضة، وتبيض بيضةً تُنْقَفُ عن أَسْوَدَ.
стр. 110
وقالوا: "ابن مِقْرَضٍ"، لدُوَيِّبَة دون الفأر، ولونُها إلى الغُبْرَة. وقيل: هي "الدَّلَق" واسمها بالفارسية: "دَلَه"، تقتل الحَمامَ.
وقالوا: "حِمار قَبّان"، وهو دويّبةٌ مستطيلةٌ ذاتُ أَرْجُل. والمسموع فيها تَرْكُ الصرف؛ فعلى هذا يكون "فَعْلانَ"، من "قَبَّ" في الأرض إذا ذهب فيها. وربّما صرفها بعضُهم فيجعلها "فَعّالاً"، من "قَبَنَ"، وهو مثلُ: "قَبَّ"، فيكون كـ "حَسَّان"؛ إن جُعل من "الحُسن" كانت النون أصلاً وانصرف، وإن جعلته من الحَسّ لم ينصرف. قال الشاعر [من الرجز]:
٦١ - يا عَجَبًا لَقَدْ رأيتُ عَجَبَا ... حِمارَ قَبّانِ يَسُوقُ أَرْنَبَا
فتقول في الجماعة: "رأيت حُمُرَ قَبّانٍ".
وقالوا: "سامٌّ أَبْرَصَ" لضرب من العِظاءِ. فـ "سامُّ" اسمُ فاعلِ من "السَّمّ"، كأنّه ذو سَمٍّ، و"أبرص": "أَفْعَلُ"، من "البَرَص"؛ قيل له ذلك لبياض لونه.
وقالوا: "ابن آوَى"، وهي دابّةٌ قريبةٌ من الثعلب، وتسمّى بالفارسيّة: "شَغال". والجمعُ: "بنات آوى". و"آوى منه" لا ينصرف، لأنّه على زنةِ "أَفْعَلَ" معرفة. وقالوا: "ابن عِرس" لدابَّةٍ دون السِّنَّوْرِ، سَوْداءَ، في عنقها بياضٌ، والجمع: "بنات عرس". وحكى الأَخفش: "بنو عرس" أيضًا. و"عرس" ههنا معرفةٌ، يدل على ذلك وقوعُ النكرة بعدها حالاً، نحو قوله: "هذا ابنُ عرس مُقبِلاً".
وقالوا للضَّبُع: "حَضاجِرُ"، و"قَثام"، و"جَعارِ"، و"أُمّ عامرٍ". فـ "حضاجر": جمع "حِضَجْرِ"، وهو العظيمُ البطنِ. قال الشاَعر [من الطويل]:
٦٢ - حِضَجْرٌ كأُمِّ تَوْأمَيْنِ تَوَكَّأَتْ ... على مِرْفَقَيْها مستهِلّةُ عاشرِ