← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13301

شرح المفصل لابن يعيش

ابن يعيش

Полный текст (2 502 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فصل [علم الجنس المختصّ بالحيوان] قال صاحب الكتاب: "وما لا يُتخذ, ولا يؤلف, فيحتاج إلى التمييز بين أفراده, كالطير, والوحوش, وأحناش, الأرض, وغير ذلك, فإن العلم فيه للجنس بأسره, ليس بعضه أولى به من بعض. فإذا قلت: "أبو براقش"، و"ابن دأية"، و"أسامة"، و"ثعالة"، و"ابن قترة"، و"بنت طبق"، فكأنك قلت: الضرب الذي من شأنه كيت وكيت. ومن هذه الأجناس ماله اسم جنسٍ, واسم علم, كـ "الأسد" و"أسامة" و"الثعلب" و"ثعالة"؛ وما لا يعرف له اسمٌ غير العلم, نحو "ابن مقرضٍ" و"حمار قبّان". وقد صنعوا في ذلك نحو صنيعهم في تسمية الأناسيّ، فوضعوا للجنس اسمًا وكنيةً، فقالوا للأسد "أسامة" و"أبو الحارث"، وللثعلب: "ثعالة" و"أبو الحصين"، وللضبع "حضاجر" و"أم عامر"، وللعقرب: "شبوة" و"أم عريط". ومنها ما له اسم ولا كينة له, كقولهم: "قثم" للضِّبعان، وما له كنيةٌ ولا اسم له, كـ "أبي براقش", و"أبي صبيرة", و"أم رباحٍ" و"أم عجلان"". * * * قال الشارح: اعلم أن العَلَم في هذا الفصل واقعٌ على الجنس، بخلاف ما تقدّم من الأعلام؛ فإنّه واقعٌ على الأشخاص كـ"زيد"، و"عمرو"، فالعلمُ فيه يختصّ شخصًا بعينه، لا يشاركه فيه غيرُه؛ وعلم الجنس يختصّ كل شخص من ذلك الجنس يقع عليه ذلك الاسم، نحو: "أُسامَةَ"، و"ثُعالَة"، فإنّ هذين الاسمَيْن يقعان على كلَّ ما يُخْبَر عنه من الأسد ومن الثعلب. وإنّما كان العلم ههنا للجنس، ولم يكن كالأناسيّ، وذلك لأنّ لكل واحد من الأناسيّ حالاً مع غيره، من معاملةٍ أو مبايعةٍ، فاحتاج إلى اسم يخصّه دون غيره، ليُخْبَر عنه بما له وعليه. وكذلك ما يتّخذه الناسُ ويثبت عندهم ويألفونه من خيلهم وإبلهم وكلابهم. وقد يجعلون لكلّ واحد (١) منها لقبًا يخصّه دون غيره، نحو: "أَعْوَجَ" و"لاحِقٍ"، وذلك أنّه قد يختصّ بزيادة حُسْنٍ، أو فَضْلِ عَدْوٍ، فاحتيج لذلك إلي لتمييز بين أفراده بالألقاب الخاصّة، ليُخْبَر عن كلّ واحد بما فيه من المعنى، أو يُؤْمَر له بزيادة نَظَرٍ. وأمّا هذه السباع التي لا تثبت عندهم، فلا يُحْتاج (٢) إلى الفصل بين أفرادها، فإذا لحقها لقبٌ كان ذلك لكلّ واحد من أشخاص ذلك الجنس أجمعَ، فإذا قلت: "أُسَامَةُ"، أو"ثُعالَةُ"،

стр. 107

أو"ابن قِترَةَ"، فكأنّك قلت هذا الضرب الذي رأيته، أو سمعت به من السباع، أو غيرها (١). وهي أعلامٌ معارفُ، لا محالةَ؛ يدلّ على أنّها معارفُ أنّ ما كان منها مضافًا فتعريفُه بيّنٌ بترك صَرْفِ ما أضيف إليه، نحو: "ابن قترةَ"، و"حمار قبّانَ". وما كان منها مفردًا فهو معرفة بامتناعه من الألف واللام اللتَيْن للتعريف، ألا ترى أنّ "ابن مَخاضٍ"، و"ابن لَبُونٍ"، و"ابن ماءٍ"، لمّا كنّ نكراتٍ دخلت فيما أضيفت إليه الألفُ واللامُ، لتعرف شيئاً من شيء، كما تفعل في الخيل والكلاب قال الشاعر [من البسيط]: ٥٧ - وابْنُ اللَّبونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ... لم يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعِيسِ وقال الآخر [من الوافر]: ٥٨ - وَجَدْنَا نَهْشَلاً فَضَلَتْ فُقَيْمًا ... كفَضْلِ ابنِ المخَاضِ على الفَصِيلِ

стр. 108

قال الآخر [من الطويل]: ٥٩ - مُفدَّمةً قَزًّا كأنّ رِقابَها ... رِقابُ بناتِ الماءِ أفْزَعَها الرَّعْدُ وممّا يدلّ على تعريف هذه الأشياء أنّه يقع بعدها النكرة حالاً، كقولك: "هذا أسامةُ مُقْبِلاً"، و"رأيت ثعالةَ مُولِّيًا". ولو كانت نكراتٍ، لم يقع الحال بعدها. واعلم أن هذه الأشياء معارفُ على ما ذكرنا، إلَّا أن تعريفها أمرٌ لفظيٌّ، وهي من جهة المعنى نكراتٌ لشياعها في كلّ واحد من الجنس، وعدمِ اختصاصها شخصًا بعينه دون غيره، إلَّا أنّ الشياع لم يكن لأنّة بإزاءِ حقيقة شاملة، بل لأجلِ أنّ هذا اللفظ موضوعٌ بإزاء كلّ شخص من هذا الجنس؛ فمن ذلك: "أبو بَراقِشَ"، وهو

стр. 109

طائرٌ ذو ألوانٍ من سَوادٍ وبَياضٍ، يتغيّر في النهار ألوانًا يُضْرَب به المثل في التلوّن (١). قال الشاعر [من مجزوء الكامل]: ٦٠ - يغدوا عليك مُرَجَّليـ ... ـن كأنّهم لم يفعلوا كأبي بَراقِشَ كُلَّ لَوْ ... نٍ في لَوْنُهُ يَتَحَوَّلُ ومن ذلك قولهم: "ابن دَأْيَةَ" للغُراب، قيل له ذلك لأنّه يقع على دأية البَعير فينقرها. و"الدأيةُ" من البعير: الموضُع الذي يقع عليه خَشَبُ الرحْلِ، فيعقره. وقالوا: "ابن قَتْرَةَ" لضرب من الحيّات أولي الصِّغَر، كأنّه سُمّي بذلك تشبيهًا بالسهْم الذي لا حديدة فيه، فيقال له: "قترةٌ"، والجمع "قَتَرٌ"، كأنّه منقول منه. وقالوا: "بنت طَبَقٍ" لضرب من الحيّات، وأصله الداهِيَة. وقيل: "بنت طبق": سُلَحْفاةٌ تزعم العرب أنّها تَبيض تسعًا وتسعين بيضة، وتبيض بيضةً تُنْقَفُ عن أَسْوَدَ.

стр. 110

وقالوا: "ابن مِقْرَضٍ"، لدُوَيِّبَة دون الفأر، ولونُها إلى الغُبْرَة. وقيل: هي "الدَّلَق" واسمها بالفارسية: "دَلَه"، تقتل الحَمامَ. وقالوا: "حِمار قَبّان"، وهو دويّبةٌ مستطيلةٌ ذاتُ أَرْجُل. والمسموع فيها تَرْكُ الصرف؛ فعلى هذا يكون "فَعْلانَ"، من "قَبَّ" في الأرض إذا ذهب فيها. وربّما صرفها بعضُهم فيجعلها "فَعّالاً"، من "قَبَنَ"، وهو مثلُ: "قَبَّ"، فيكون كـ "حَسَّان"؛ إن جُعل من "الحُسن" كانت النون أصلاً وانصرف، وإن جعلته من الحَسّ لم ينصرف. قال الشاعر [من الرجز]: ٦١ - يا عَجَبًا لَقَدْ رأيتُ عَجَبَا ... حِمارَ قَبّانِ يَسُوقُ أَرْنَبَا فتقول في الجماعة: "رأيت حُمُرَ قَبّانٍ". وقالوا: "سامٌّ أَبْرَصَ" لضرب من العِظاءِ. فـ "سامُّ" اسمُ فاعلِ من "السَّمّ"، كأنّه ذو سَمٍّ، و"أبرص": "أَفْعَلُ"، من "البَرَص"؛ قيل له ذلك لبياض لونه. وقالوا: "ابن آوَى"، وهي دابّةٌ قريبةٌ من الثعلب، وتسمّى بالفارسيّة: "شَغال". والجمعُ: "بنات آوى". و"آوى منه" لا ينصرف، لأنّه على زنةِ "أَفْعَلَ" معرفة. وقالوا: "ابن عِرس" لدابَّةٍ دون السِّنَّوْرِ، سَوْداءَ، في عنقها بياضٌ، والجمع: "بنات عرس". وحكى الأَخفش: "بنو عرس" أيضًا. و"عرس" ههنا معرفةٌ، يدل على ذلك وقوعُ النكرة بعدها حالاً، نحو قوله: "هذا ابنُ عرس مُقبِلاً". وقالوا للضَّبُع: "حَضاجِرُ"، و"قَثام"، و"جَعارِ"، و"أُمّ عامرٍ". فـ "حضاجر": جمع "حِضَجْرِ"، وهو العظيمُ البطنِ. قال الشاَعر [من الطويل]: ٦٢ - حِضَجْرٌ كأُمِّ تَوْأمَيْنِ تَوَكَّأَتْ ... على مِرْفَقَيْها مستهِلّةُ عاشرِ

стр. 111

أراد أنّه عظيمُ البطن، كامرأةٍ مُتْئِم، تمَّ لها تسعةُ أشْهُر، ودخلت في العاشر، واتّكأتْ على مرفقَيْها، فنَتَأَ بطنُها، وعظّم؛ فكأن الضبع سُمّيت بذلك لعظم بطنها، فجُعلت كأنّها ذات بطونٍ، وغلب عليه فصار علمًا. و"جَعارِ" و"قَثامِ" معدولان كـ"حَذامِ"، و"قَطامِ". وقالوا للذكر من الضباع: "قُثَمُ"، كـ"عُمَرَ"، و"زُفَرَ". وقيل لها: "جَعارِ"، و"قَثامِ"، لتلطّخها بجَعْرها. و"الجَعْرُ": نجْوُ كلّ ذات مِخْلَبٍ من السباع، ويقال للأَمَة: "قَثَامِ" لنَتْنها، كما يقال: "دَفارِ". وقالوا: "أمّ عَجْلانَ"، لطائرٍ أسودَ، أبيض أصلِ الذَّنَبِ من تحتٍ، وربّما كان أحمر، واسمه: "الفَتّاح". وقد أجروا هذه الأشياء مجرى الأناسيّ، فمنها ما له اسمُ جنس ولقبٌ وكنيةٌ، كالأسد والثعلب. "فأسدٌ" و"ثعلبٌ" من أسماء الأجناس؛ كـ"رجل"، و"فرس"، و"أُسامةُ"، و"ثُعالةُ": علمان كـ"طَلْحَةَ" و"حَمْزَةَ"، شبّهوهما بما سُمّي من المذكّرين وفيه تاءُ التأنيث. و"أبو الحارث" و"أبو الحُصَيْن" كـ "أبي القاسم" و"أبي الحُسَيْن". ومثلُه: "ضَبُعٌ" و"حضاجرُ" و"أمّ عامرٍ"، وكذلك: "عَقْرَبٌ" و"شَبْوَةُ" و"أمّ عِرْيَطِ"؛ ف "ضبُعٌ" و"عقربٌ": اسما (١) جنس، و"حضاجرُ" و"شبوةُ": علمان. قال الشاعر [من مجزوء الكامل]: ٦٣ - هَلَّا غَضِبْتَ لِبَيْتِ جا ... رِكَ إذ تُجَرِّدُهُ حَضاجِرْ

стр. 112

كما قالوا للمرأة: "دَنانِيرُ" و"مَصابِيحُ". و"شَبْوَةُ" كـ "مَيَّةَ" و"عَزَّةَ". و"أمّ عِرْيَطٍ" و"أمّ عامرٍ": كنيتان كـ "أمّ هانئ" و"أمّ سَلمَةَ". ومنها ما له عَلَمٌ ولا كنية له، كقولهم لـ "الضِّبْعان": "قُثَمُ"، فقولهم: "قثم"، بمنزلة "عُمَرَ"، و"زُفَرَ"، ونحوهما من المعدول. ومن ذلك: "حِمارُ قَبّانَ"، وهو بمنزلة: "عبد الله" و"امرؤ القيس"، ونحوهما من الأسماء المضافة. ومنها ما له كنيةٌ ولا عَلَمَ له؛ كقولهم: "أبو بَراقِشَ"، و"أبو صُبَيْرَةَ"، و"أمّ رَباحٍ" للقِرْد في لغة أهل اليَمَن، و"أمّ عَجْلَانَ"؛ وهذه كلّها كُنى، ولا عَلَمَ لها. و"ابنُ عِرْسٍ" يجري مجرى الكنية، وهو معرفةٌ، ألا ترى أنّه لا يدخل عليه الألف واللام، فلا يقالّ: ابن العرس. ومن الكُنَى: "أمّ حُبَيْنٍ" (١) لدابّة قَدْرِ الكفّ، ورُبّما جاء في الشعر الفصيح "أمّ الحُبين" (٢). قال الشاعر [من الوافر]: ٦٤ - تَرَى التَّيْمِىَّ يَزْحَفُ كالقَرَنْبَى ... إلى تَيْميّةٍ كعَصَا الخَلِيلِ

стр. 113

يقول المُجْتَلون عَرُوسُ تَيْمٍ ... شَوَى أُمِّ الحُبَيْنِ ورَأْسُ فِيلِ (١) فـ "أمّ حُبَيْن" تجري مجرى "أمّ زيد"، وأمّ "الحُبَيْنِ" تجري مجرى "أمّ الحارث"، و"أمّ الهَيْثَم". فصل [إجراء المعاني مجري الأعيان] قال صاحب الكتاب: " وقد أجروا المعاني في ذلك مجرى الأعيان, فسمّوا التسبيح بـ "سبحان"، والمنية بـ "شعُوب", وأم قشعمٍ، والغدر بـ "كيسانَ"، وهو في لغة بني فهم. قال: [من الطويل]: ٦٥ - إذا ما دعوا كيسان كانت كُهُولهم ... إلى الغدر أدنى من شبابهم المُردِ

стр. 114

ومنه كنوا الضربة بالرِّجْل على مؤخِّر الإنسان بـ "أمّ كيسان"، والمبرة بـ "برَّة" والفجرة بـ "فجار"، والكليّة بـ "زوبر". قال [من الطويل]: ٦٦ - [وإن قال غاوٍ من تنوخ قصيدةً ... بها جربٌ] عُدَّت علي بزوبَرَا وقالوا في الأوقات::لقيتهُ غُدوةَ, وبكرةَ, وسحر, وفينة" وقالوا في الأعداد "ستةُ ضعفُ ثلاثة" و"أربعة نصف ثمانيةَ"". * * * قال الشارح: اعلم أنّهم قد علّقوا الأعلام على المعاني أيضًا، كما علّقوها على الأعيان. إلّا أن تعليقها على المعاني أقلُّ، وذلك لأنّ الغرض منها التعريفُ، والأعيانُ أقعدُ في التعريف من المعاني؛ وذلك لأنّ العِيان يتناولها لظهورها له، وليس كذلك المعاني، لانّها تثبت بالنظر والاستدلال، وفرقٌ ما بين علم الضرورة بالمشاهدة وبين علم الاستدلال بيّنٌ. فمن ذلك قولهم: "سُبْحانَ" هو عَلَمٌ عندنا واقعٌ على معنى التسبيح، وهو مصدرٌ معناه البَراءة والتَّنْزيه، وليس منه فعلٌ، وإنما هو واقعٌ موقعَ التسبيح الذي هو المصدرُ في الحقيقة، جُعل عَلَمًا على هذا المعنى، فهو معرفةٌ لذلك، ولا ينصرف للتعريف وزيادة الألف والنون. قال الأعشى [من السريع]: ٦٧ - أقولُ لمّا جاءني فَخْرُهُ ... سُبْحَانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِر

стр. 115

فلم ينونّه لما ذكرناه من أنّه لا ينصرف، فإن أضفته فقلت: "سبحان اللَّهِ"، فيصير معرفةً بالإضافة، وابتُزّ منه تعريفُ العلميّة، كما قلنا في الإضافة، نحو: "زيدكم وعَمْركم"، فيكون معرفة بعد سَلْب العلميّة. فأمّا قوله [من البسيط]: ٦٨ - سُبْحانَهُ ثُمَّ سُبْحانًا نَعُوذُ به ... وقَبْلَنَا سَبَّح الجُودِيُّ والجُمُدُ

стр. 116

"الجُمُد": المكان المرتفع. وفي تنوين "سبحانَ" هنا وجهان: أحدُهما: أن يكون ضرورةً كما يُصْرَف ما لا ينصرف في الشعر، من نحو"أَحْمَدَ وعُمَرَ". والوجه الثاني: أن يكون أراد النكرة. وأمّا قولهم للمنِيَّةِ: "شَعُوبُ"، فهو لا ينصرف للتعريف والتأنيث؛ فإن جعلته اسمًا للموت، انصرف لأنّه مذكَّرَّ. قال أهل اللغة: سُمّيت بذلك لأنّها تَشْعَب، أي تفرّق، وقد أدخل عليها الألف واللام، فقيل: "الشَّعُوبُ". ويحتمل إدخالُ الألف واللام عليها أمرَيْن: أحدهما: أن تكون زائدة، على حد زيادتها في قوله [من الرجز]: ٦٩ - باعَدَ أُمَّ العَمْرِو من أَسِيرها ... [حرّاس أبوابٍ على قصورِها] ويحتمل -وهو الأمثل- أن يكون رُوعِيَ مذهب الوصفيّة فيها، كأنّه صفةٌ في الأصل، ألا ترى أنّها على أمْثِلة الصفات، نحو: "أَكُولٍ"، و"ضَرُوبٍ"، فإذًا اللام فيها بمنزلتها في "العبّاس"، و"الحارث". ويؤيّد هذا ما قالوه في اشتقاقها أنّها سُمّيت بذلك لأنّها تشعب، أي تفرق. ومن قال: "شَعُوبُ" بلا لام، غَلَّبَ جانب العلميّة، وعرّاها في اللفظ من مذهب الوصفيّة؛ كما فعل من قال: "عَبّاسٌ" و"حَسَنٌ"، وإن لم يَعْرَ من ذلك في المعنى. وقد كنوا عنها بـ "أمّ قَشْعَم"، على نحو صَنيعهم في الأعيان، وإنّما كنوا عن المنيّة بـ "أمّ قشعم"؛ لأنّ الرجل إذا قُتل، اجتمعت علبه القَشاعِمُ، وهي النُّسُور.

стр. 117

من ذلك "كَيْسانُ"، وهو عَلَم على الغَدْر، معرفةٌ، لإشارتك به إلى المعنى المخصوص، فهو لا ينصرف، للتعريف وزيادة الألف والنون. وقد كنوا عن الضربة بالرِّجْل على مؤخر الإنسان بـ "أمّ كَيْسانَ"، لأنّ ذلك يدلّ على تَوْلِيَةٍ وغَدْرٍ؛ مأخوذٌ من "الكيّس", لأنّ الغدر في الحرب والنُّكوصَ، إنّما يكون من الاْكياس، لأنّ الإقدام والشجاعة نوعُ تهوُّر. وأما البيت الذي أنشده، وهو قوله [من الطويل]: إذا ما دَعَوْا كَيْسانَ كانتْ كُهولُهم ... إلى الغَدْر أَدْنَى من شَبابِهِمُ (١) المُرْدِ - أَوْرده ابن الأعرابيّ في نوادره لضَمْرَة بن ضَمْرَة بن جابر. ورواه ابن دُرَيْد للنمر ابن تَوْلَب في بني سَعْد، وهم أخواله، وكانوا أغاروا على إبله، فقال [من الطويل]: إذا كنتَ في سَعْدٍ وأُمُّكَ مِنْهُمُ ... غَرِيبًا فلا يَغْرُرْك خالُك من سَعْدِ إذا ما دعوا كيسانَ ... إلخ وبعده: فإنّ ابنَ أُخْتِ القَوْمِ مُصْغًى إِناؤُه ... إذا لم يُزاحِمْ خالَهُ بِأَبٍ جَلْدِ وقيل: هي لغَسّانَ بن وَعْلَةَ- فشاهدٌ على تسمية الغدر بـ "كيسان"؛ يهجو قومًا وَصَفْهم بانهماكِ الكبير والصغير في الغدر، فالعقلاءُ منهم، وهم الكُهولُ، أَسْرَعُ إليه من ذوي الجهل، وهم المُرْدُ الشبابُ. ومن الأعلام على المعاني قولهم: "بَرَّةُ"، و"فَجارِ"؛ أمّا "برّة" فعَلَمٌ على المَبَرَّة، وأنشد سيبويه [من الكامل]: ٧٠ - إِنّا اقْتَسَمْنَا خُطَّتَيْنَا بَيْنَنَا ... فحملتُ بَرَّةَ واحتملتَ فَجارِ

стр. 118

فـ "برّةُ": اسمٌ للخُطّة التي هي المَبَرّة، و"فَجارِ": عَلَمٌ على الفَجْرَة؛ والأصل أن يكون "فجار" معدولاً عن "فَجْرَة"، أو"فاجرةَ" علمًا، كما أنّ "حذام" و"قَطامِ" معدولان عن "حاذمةَ" و"قاطمةَ" عَلَمَيْن، ويؤيّد ذلك أنه قرنها بقوله: "بَرَّة"؟ فكمَا أنّ "برّة" عَلَمٌ بلا رَيْب، فكذلك ما عُدل عنه "فجارِ"، ولو عُدل عن "برّة" هذه، لكان القياس "بَرارِ" كـ "فَجارِ". ومن ذلك: "زَوْبَرُ"، يقال: "أخذ الشيءَ بزَوْبَرِهِ"، أي: كلَّه. قال الطرمّاح [من الطويل]: وإن قال غاوٍ من تَنُوخَ قَصِيدَةَ ... بها جَرَبٌ عُدَّتْ عَليَّ بِزَوْبَرَا (١) والمعنى: وإن قال غاو من تنوخ، أي: غيرُ رشيد، قصيدةً بها جربٌ، أي: عَيْبٌ من هجاءٍ، ونحوهِ: عُدّت عليَّ بِزَوْبَرَ، أي: نُسبت إلىَّ بكمالها. وجعل "زوبر" عَلَمًا على هذا المعنى، فلذلك لم يصرفه. ومن الأسماء المعلَّقة على المعاني: "غُدْوَةُ"، و"بُكْرَةُ"، و"سَحَرُ"، إذا أردت ذلك من يوم بعينه، فهي معارفُ، فـ "غدوةُ" و"بكرةُ" لا ينصرفان للتعريف والتأنيث، كأنّهما جُعلا عَلَمًا على هذا المعنى. وهو من قبيل التعريف اللفظيّ، ألا تركما أنّه لا فرق بين "غدوة" و"غَداةٍ" في المعنى، و"غداةٌ" نكرةٌ. وأمّا "سَحَرُ" فمعرفةٌ إذا أردت سحرَ يوم بعينه، لا ينصرف للتعريف والعدلِ عن الألف واللام؛ فإن أردت التنكير، صرفته، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ (٢). ومثله "فَيْنَةُ"، وهو اسمٌ منُ أسماء الزمان، بمعنى الحين، وهو معرفةٌ عَلَمٌ، فلذلك لا ينصرف؛ تقول: "لقيتُه فَيْنَةَ بعدَ فينةَ"، أي: الحينَ بعد الحين، تريد النَّدَرَى. وحكى أبو زيد: "الفينةَ بعد الفينة" بالألف واللام. وهذا يكون ممّا اعتقب عليه تعريفان، أحدهما بالألف واللام، والآخر بالوضع والعلميّة. وليس كـ "الحَسَنُ والعَبّاس", لأنّه ليس بصفة في الأصل. ومثلُه قولهم للشمس: "إِلاهَةُ" و"الإِلاهة" في اعتقاب تعريفَيْن عليه. ومن الأسماء المعلّقة على المعاني: أسماءُ العدد، وهي معرفةٌ, لأنها عددٌ معروفُ القَدْرِ، ألا تري أنّ "ستّة" أكثرُ من "خمسة" بواحد، وكذلك "ثمانيةُ" ضعفُ

стр. 119

"أربعةَ". وإذا كانت معروفةَ المقاديرِ، كانت معرفة أعلامًا على هذه المقادير. وقد يدخلها اللام. فيقال: "الثلاثةُ نصفُ الستة، والسبعةُ تعجز عن الثمانيةِ واحدًا"، فتكون ممّا اعتقب عليه تعريفان. فإذا قلت: "عندي ستّةٌ"، كان المراد الجنس المعدود لا نفس العدد, لأنّ العدد لا يكون عندك. واعلم أن هذه الأسماء مبنيةٌ على السكون, لأنّها لم تقع موقع الأسماء، فتكونَ فاعلة أو مفعولةً أو مبتدأةً؛ والإعرابُ في أصله إنما هو للفرق بين اسمَيْن، معنَى كلَّ واحد منهما يخالف معنى الآخر، فلمّا لم تكن هذه الأسماءُ على الحدّ الذي يُستوجب به الإعرابُ، سُكَّنَتُ، وصارت بمنزلة صوتٍ تصوته، نحو: "صَهْ"، و"مَهْ". فإن أَوْقعتها موقع الأسماء أعربتها، وذلك قولك: "ثمانيةُ ضعفُ أربعةَ، وأربعةُ نصفُ ثمانية" فأعربتَ هذه الأسماء، ولم تصرفها للتعريف والتأنيث. فصل [عَلَميَّة الأوزان الصَّرفية] قال صاحب الكتاب: "ومن الأعلام الأمثلة التي يوزن بها في قولك: "فعلان", الذي مؤنثة "فعلى"، و"أفعل" صفة لا ينصرف. ووزن "طلحة" و"إصبعٍ": "فعلة" و"إفعل"". * * * قال الشارح: اعلم أن هذه الأمثلة التي يوزَن بها الأسماء والأفعال من الأعلام الخاصة المعلَّقة على المعاني، لإشارتك بها إلى معنى معرفة. ومنزلتُها منزلةُ اسم غيرِ صفة. وإن مثّلت به الصفة، فإن أوقعته موقعَ نكرة، كان اسمًا منكورًا، وإن أوقعته موقعَ معرفة، كان اسمًا معرفة؛ ثم يُنْظَر، فإن كان فيه في حال التعريف والتنكير ما يمنع الصرفَ، مُنعِ صرفه، وإن لم يكن فيه ما يمنع الصرف، كان منصرفًا. مثالُ ذلك أنّا نقول: "كلُّ "أَفْعَلٍ" يكون صفةً لا ينصرف"، فتَصْرف "أفعل" هذا لأنّ "كلّا" تُوجب له التنكيرَ، كقولك: "كلُّ رجلٍ". وهو اسم ليس بصفة، فليس فيه إلَّا واحدةٌ، وهي وزن الفعل، فانصرف لذلك، وإن كان المُمثَّلَ به لا ينصرف, لأن الذي مثّلتَ به "أَحْمرَ" وبابه فيه علّتان: وزنُ الفعل والصفةُ، ولا يمتنع أن ينصرف المثال، ولا ينصرف الممثَّل به، لأنّ كلّ واحد منهما له حكمُ نفسه في الصرف. وتقول: ""أَفْعَلُ" إذا كان اسمًا نكِرةً فإنّه ينصرف"، فلا ينصرف "أَفْعَلُ" هذا، لأنّه في موضع معرفة، وقد اجتمع فيه التعريف ووزن الفعل، وإن كان الممثَّل منصرفًا، نحو: "أَفْكَلٍ" وَ"أَيْدَع" لأنّهما اسمان نكرتان، فليس فيهما علّةٌ سوى وزن الفعل. فإنّا إذا قلنا: ""فَعْلانُ" الذيَ مؤنّثُه "فَعْلَى" "وأَفْعَلُ" صفة لا ينصرف"، فإنّ المثال في هاتَيْن المسألتين والممثَّل به لا ينصرفان جميعًا؛ إلَّا أن المانع للصرف في المثال غيرُ المانع في الممثَّل،

стр. 120

وذلك أنّ المثال الذي هو "فعلانُ" لا ينصرف للتعريف وزيادة الألف والنون، وكذلك قولك: "أَفْعَلُ" صفةً، فالمثالُ الذي هو "أَفْعَلُ" هنا لا ينصرف للتعريف ووزن الفعل، والممثَّلُ به نحو: "سَكْرَانَ" لا ينصرف للصفة وزيادة الألف والنون، وكذلك "أَحمرُ" لا ينصرف للوزن والصفة، فكلُّ واحد من المثال والممثَّل به له حُكْمٌ في الصرف يخُصّه. وتقول: "طَلْحَةُ" و"إصْبَعٌ": "فَعْلَةُ" و"إِفْعَلُ"، ووزنُ "طلحةَ": "فَعْلَةُ" لا ينصرف للتعريف والتأنيث. و"إفْعَلُ" مثالُ "إِصْبَع" لا ينصرف للتعريف ووزن فعل الأمر، نحو "اعْلَمْ"، و"اسْلَمْ" والممَثَّل به الذي هو إِصْبَعٌ ينصرف لأنّه نكرةٌ، ليس فيه إلَّا وزن الفعل وحده، فاعرفه. فصل [العَلَم بالغَلَبة] قال صاحب الكتاب: "وقد يغلب بعضُ الأسماء الشائعة على أحد المسمنِّينَ به, فيصير علمًا له بالغلبة. وذلك نحو: "ابن عُمر", و"ابن عباس", و"ابن مسعود" غلبت على العبادلة دون من عداهم من أبناء آبائهم، وكذلك "ابن الزُّبير" غلب على "عبد الله" دون غيره من أبناء الزبير، "وابن الصعق", و"ابن كُراعَ" و"ابن رألان" غالبةٌ على "يزيد", و"سُويدٍ" و"جابرٍ" بحيث لا يذهب الوهم إلى أحد من إخوتهم". * * * قال الشارح: اعلم أن هذه الأسماء ليست أعلامًا على الحقيقة، لأنّ العَلَم كلُّ اسم علّقتَه على مسمّى بعينه، فيصير معرفةً بالوضع، ولا يدلّ على وجود معنى ذلك الاسم في مسمّاه؛ ألا ترى أنك تسمّي "جعفرًا" و"زيداً"، فـ "جعفرٌ": اسم نَهْرٍ. قال الشاعر [من الطويل]: ٧١ - إلى بَلَدٍ لا بَقَّ فيه ولا أَذَى ... ولا نَبَطِيّاتٍ يُفَجِّرْنَ جَعْفَرَا

стр. 121

و"زَيْدٌ": مصدرُ "زَادَ يَزِيدُ زَيْدًا وزِيادَةً". وأنت إذا سمّيت رجلاً بأحدهما فلم تسمّه لأنّه نهرٌ، أو زائدٌ على غيره. وهذه الأسماء -أعني "ابن عمر" و"ابن عَبّاس" و"ابن مسعود"- وغيرها ممّا ذكره في الأصل، شاملةٌ كل مولود لهم، والاسمُ إذا غلب واشتهر، صار كالمتواضَع عليه، وجرى مجرى العلم في إفادة التعريف، وذَهابِ الوهم إلى شخص بعينه، حتى لا يقال لكلّ من كان ابنًا لعمر وعباس: ابنُ عمر وابن عبّاس، حتى يقيَّد باسمه أو صفتِه. فـ "ابنُ عمر" غلب على "عبد الله بن عمر بن الخطّاب"، ﵁. و"ابن عبّاس" غلب على "عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب" ﵁. و"ابن مسعود" غلب على "عبد الله بن مسعود". و"ابن الزُّبَيْر" غلب على "عبد الله بن الزُّبَيْر ابن العَوام"، وذلك لشُهْرتهم بالعِلمْ، كان يضرب بهم المثل في الفِقْه؛ يقال: فقهُ العَبادِلَة. وقوله: "العبادلة" تكسيرُ "عبد الله"، كأنّه رُكّب من المضاف والمضاف إليه اسم رباعيٌّ، نحو: "عَبْدَلٍ"، ثم جمعوا على "عبادلة" كـ "صَيارِفَةٍ"، و"صَياقِلَةٍ"، وقد يفعلون مثلَ ذلك في النسب. قالوا: "عَبْدَريّ"، "وعَبْشَميّ"، في النسب إلى "عبد الدار"، و"عبد شَمْسٍ"، كأنّهم نسبوا إلى "عَبْدَرٍ"، و"عَبْشَمٍ"؛ فعلى هذا قياس تكسيره "عَبادِرَةٌ"؛ و"عَباشِمَةٌ"، وليس ذلك بقياس. وقالوا: "ابن الصَّعِق". و"الصعقُ": رجل هت كِلابٍ مُعاصرُ النُّعْمان بن المُنْدِر، واسمه "خُوَيْلِدُ بن نُفَيْل بن عمرو بن كِلابٍ"، كان يطعم الطعامَ بتهامَةَ، فهَبَّتْ ريحٌ، فسفت التُّرابَ في جِفانه، فشَتَمَها، فرُمي بصاعقةٍ قتلته، فقال بعض أهله [من الوافر]: ٧٢ - وإن خُوَيْلِدًا فابْكِي عليه ... قتيلُ الرِّيحِ في البَلَد التِّهامِي

стр. 122

فعُرف خويلدٌ بـ"الصعق"، وغلب عليه حتى إذا قيل: "الصعق"، لا يُفْهَم سِواه، ولا يسبق الوهمُ إلى غيره ممّن أصابته صاعقةٌ. وعُرف ابنُه "يزيد" بـ "ابن الصعق" لشُهْرته، وكان أفضلَ وُلْده مالاً، وأغزرهم جُودًا، وأكثرَهم حُروبًا ووَقائعَ، فلذلك إذا قيل: "ابنُ الصعق" لا يذهب الذهاب إلى غيره من بني أبيه إلَّا بقَيدٍ أو قرينةٍ. وكذلك إذا قالوا: "ابن رَأْلانَ". هو"ابن رألان الطائيُّ السِّنْبِسىُّ"، لا يسبق الوهم إلى غيره من إخوته. ومن ذلك: "ابن كُراعَ العُكْلِيُّ"، لا ينصرف الوهم إلى غيره من بني كراع، وذلك لغلبة الاستعمال. فجرت هذه الأسماء مجرى الأعلام في التعريف، وإن لم تكنها لِما ذكرناه. فصل [دخول لام التعريف علي الأعلام] قال صاحب الكتاب: "وبعض الأعلام يدخله لام التعريف وذلك على نوعين: لازمٌ, وغير لازم. فاللازم في نحو: "النَّجم" للثُّرَيَّا, و"الصَّعِق", وغير ذلك مما غلب من الشائعة, ألا ترى إنهما, هكذا معرَّفين باللام, اسمان لكل نجم عهده المخاطِبُ والمخاطَبُ, ولكل معهود ممن أصيب بالصاعقة, ثم غلب "النجم" على الثريا, و"الصعقُ" على خويلد بن نفيل بن عمرو بن كلاب". * * * قال الشارح: اعلم أن هذه الأسماء التي ذكرها بالألف واللام من قبيل الأعلام في الشهرة وإفادة التعريف. وهي على ضربَيْن، منها ما يلزمه الألفُ واللامُ، ولا يفارقانه، ومنها ما لا يلزمه، بل أنت مخيَّرٌ في إثباتها وإسقاطها. فالأوّل نحو قولهم: "النَّجْمُ " للثُّرَيَّا، و"الصَّعِقُ" لخُوَيْلِدٍ. و"النجم" أصله نجم لواحد النجوم، ثمْ أُدخل عليه الألف واللام، فقالوا: "النجم" لأيِّ نجم كان بين المخاطِبين فيه عهدٌ، ثم غلب على الثريّا لكثرة الاستعمال. قال الهُذَليّ [من الكَامل]: ٧٣ - فَوَرَدْنَ والعيُّوقُ مَقْعَدَ رَابِىءِ ... الضُّرَباءِ خَلْفَ النَّجْمِ لايَتَتَلّعُ

стр. 123

فـ "النجم". ها هنا: الثريّا. وقال الأصمعيّ: "هو الجَوْزاء"، وأنكره الرِّياشيُّ. يصف حُمُرًا وردن الماءَ بلَيل. و"العَيّوق" كوكبٌ يطلع بحِيال الثريّا، و"الرابىءُ": الأمين الحافظُ، يقعد خَلْفَ ضارب القِداح، كلّما نهد قِدْحٌ حفظه كيلا يُبْدَل. و"الضُّرَباء": جمعُ ضاربٍ أو ضريبٍ. يقول: فوردن - يعني الحُمُرَ- والعيّوقُ من النجم مَقْعَدَ رابىء الضرباء؛ ومقعدُه خَلْفَهم، وهذا في زمن الحَرّ, لأن العيّوق لا يكون من النجم بهذه الحال إلَّا في زمن الصيف. فالنجمُ علمٌ على الثُّريا كما ترى؛ فإذا أُطلق النجم، فلا ينصرف إلّا إليها (١)، إلّا بقرينة. وأمّا "الثريّا" فتصغيرُ "الثرْوَى"؛ "فَعْلَى" من "الثرْوَة"؛ قيل لها ذلك لكثرة كواكبها، وهي سبعةٌ أو نحوُها. قال الشاعر [من الطويل]: ٧٤ - خَلِيلىَّ إني للثريا لَحاسِدٌ ... وإنّي على رَيْب الزمان لَواجدُ تَجمّعَ منها شَملُها وَهْيَ سِتَّةٌ ... وأَفْقِدُ مَن أَحْبَبْتُهُ وهو واحِدُ

стр. 124

وأصلها "ثُرَيْوَا"، فاجتمعت الياء والواو، وقد سبق الأوّل منهما بالسكون، فقُلبت الواو ياءً، وادُّغمت الياء، في الياء، على حدّ "سَيِّدٍ" و"مَيِّتٍ"، ثم دخلت عليها الألف واللام للعَهْد، ثمّ غلب اللفظ على هذه الكواكب دون سائرِ ما يوصف بالثَّرْوة والكثرة. وكذلك "الصَّعِق"، أصله "صَعِقٌ"؛ من قولهم: "صَعِقَ الرجلُ فهو صَعِقٌ"، على حدّ "حَذِرَ فهو حَذِرٌ"، و"فَهِمَ فهو فَهِمٌ"، فهو وصفٌ عامٌّ لكلِّ من أصابته صاعِقةٌ، ثمّ دخلته الألف واللام لتعريف العَهْد، لِيَخُصَّه دون غيره مِمّن أُصيب بالصاعقة، على حدّ دخولها في "النجم" و"الثريّا"، ثمّ غلب على "خُوَيْلِدٍ" حتّى صار علمًا، وإن كان تعريفها في الأصل بالألف واللام، لا بالتسمية، فاعرفه. * * * قال صاحب الكتاب: "فاللام فيهما, والإضافة في "ابن رألانَ", و"ابن كراع", مثلان في أنهما لا تُنزعان". قال الشارح: يُشير إلى أنّ التعريف في "ابن عمر" و"ابن عبّاس"، ونحوهما، بالإضافة. ألا ترى أنّك لو نزعت الألف واللام من هذه الأسماء لَزال التعريف، كما لو حذفت المضاف إليه من "ابن كراع"، و"ابن رألان"، ونحوهما، بطل التعريفُ؛ لأنّ تعريف "ابن كراع" بالإضافة، كما كان التعريف في "النجم" و"الثريا" ونحوهما بالألف واللام، فلذلك قال: فاللام فيهما، والإضافة في "ابن رألان"، و"ابن كراع" مثلان يعني من حيث إنّ التعريف في الموضعَيْن بهما لا بالوضع. * * * قال صاحب الكتاب: "وكذلك "الدَّبرانُ", و"العيوقُ" و"السِّماكُ", و"الثُّريَّا", لأنها غلبت على الكواكب المخصوصة, من بين ما يوصف بالدُّبور والعوق والسُّموك والثروة". * * *

стр. 125

قال الشارح: وممّا جرى بالغلبة مجرى الأعلام، ولزمته اللامُ، قولهم: "الدَّبَرانُ"، و"العَيُّوقُ" و "السَّماكُ" للنجوم المعروفة، فإنها أوصافٌ في الحقيقة مشتقّةٌ بمعنى الفاعل، ولزمتها اللام, لأنهم أرادوا فيها معنى الصفة؛ فـ "الدبران" مأخوذ من "دَبَرَ" إذا تَأَخَّرَ، بمعنى "الدابر" وهم يزعمون أنّ "الدبران" يتبع "الثريّا" خاطبًا لها. ونظيره من الصفات "الصَّلَتانُ"، وهو النشيط، مأخوذ من السيف الصَّلْت. و"العَيّوق" مأخوذ من "عَاقَ يَعُوق"، بمعنى "العائق". قالوا: عاقَ "الدبرانَ" عن الوصول إلى "الثريا"؛ زعموا أنّ الدبران جاء خاطبًا، وساق مَهْرَها كواكبَ صغارًا معه، تسمّى القِلاصَ. قال الشاعر [من البسيط]: ٧٥ - أمّا ابنُ طَوْقٍ فقدْ أَوْفَى بذِمَّتِهِ ... كما وَفَى بِقلاصِ النَّجْمِ حادِيها والعيّوق بينهما في العُرْض إلى ناحية السماك، فكأنّه يعوقه عنها. ونظيرُ "العَيُّوق" من الصفات "القَيُّومُ". و"السِّماك" من "سَمَكَ" إذا ارتفع، والسماءُ سامكةٌ، أي: مرتفعهٌ، ومنه النُّجومُ السوامكُ. ومعنى "السِّماك": السامكُ. فهذه الأسماءُ، وإن كانت بمعنى "فاعلٍ"- فالدبرانُ بمعنى الدابر، والعيوقُ بمعنى العائق، والسماكُ بمعنى السامك- فلا يجوز إطلاقه على كلَّ ما يُطْلَق عليه "فاعلٌ"، فلا يقال: "الدبران"، لكلّ ما يقال فيه: "الدابر". وكذلك العيّوق والسماك، وذلك لأن الاسمَيْن قد يكونان مشتقَّين من شيء، والمعنى فيهما واحدٌ، وبناؤهما مختلفٌ، فيختصّ أحدُ البناءين شيئًا دون شيء للفرق؛ ألا ترى أنهم قالوا: "عِدْلٌ" لِما يعادِل من المتاع، و"عَدِيلٌ" لِما يعادل من الأناسيّ، والأصل واحدٌ، وهو (ع د ل)، والمعنى واحدٌ، ولكنّهم خصّوا كلَّ بناءٍ بمعنى لا يشاركه فيه الآخرُ للفرق.

стр. 126

ومثله "بِناءٌ حَصِينٌ"، و"امرأةٌ حَصانٌ"، والأصل واحدٌ، والمعنى واحدٌ، وهو "الحَرْزُ"؛ فالبناءُ يحرزُ من يكون فيه، ويلجَأ إليه؛ والمرأةُ تحرز فَرْجَها. فكذلك هذه النجومُ، اختصّت بهذه الأبنية التي هي "الدبران"، و"السماك"، و"العيّوق"، ولا يُطْلَق عليها (١) الدابر والعائق والسامك، وإن كانت بمعناها للفرق. وممّا يجري هذا المجرى في لزوم الألف واللام أسماءُ الأيّام، نحو: "الثلاثاء"، و"الأربعاء"، بمعنى الثالث والرابع: واختصّا (٢) بهذا الزمان، كما اختصّ العيوقُ، وبابُه، فلا يقال لكل ثالثٍ ورابعٍ: "ثلاثاء" و"أربعاء"، فاعرفه. * * * قال صاحب الكتاب: "وما لم يُعرف باشتقاقٍ من هذا النوع فملحقٌ بما عُرف". * * * قال الشارح: يريد أنك لا تجد اسمًا يغلب على أُمَّته، وفيه اللامُ لازمة، إلَّا وهو مشتقٌ صفةً. فإن جاء اسمٌ عربىٌّ قد لزمته اللام، ولا يُعْرَف أصله الذي اشتُقّ منه، حكمت عليه بأنّه مشتقٌّ، حَمْلاً على ما ظهر من ذلك, لأنّ عدم اطّلاعنا على ذلك جهلٌ بما علِم غيرُنا. * * * قال صاحب الكتاب: "وغيرُ اللازم في نحو "الحارث", و"العباس" و"المظفَّر", و"الفضل", و"العلاء", وما كان صفة في أصله أو مصدرًا". * * * قال الشارح: هذه الأسماء، أعني "الحارث"، و"العبّاس"، وما كان مثلهما، تدخلهما اللامُ، ولا تلزم لزومَها في نحو "الدَّبَران" و"العَيّوق" والسِّماك" و"الصَّعِق"، وذلك أنّ تعريف نحوِ "الدبران" و"الصعق" وأخواتِهما، في الحقيمَة، باللام، فلو نُزعت منها، لتنكّرتْ، ولذلك لم يجز نَزْعُها منها. وأمّا "الحارث"، و"العَبّاس"، ونحوهما، فإنّ تعريفهما بالوضع والعلمية دون اللام؛ والذي يدل على ذلك قولُهم: "أبو عمرو بنُ العَلاء"، و"محمّدُ بنُ الحَسَنُ"، بطَرْح التنوين من "عمرٍو"، و"محمّدٍ"؛ وذلك لأنّ "ابْنًا" مضافٌ إلى العلم، فجرى مجرى "أبي عمرو بنِ بكرٍ"، ولو كان "العلاءُ" معرَّفًا باللام، لوجب إثباتُ التنوين، كما يثبت مع ما يُعرَّف باللام، نحوَ: "جاءني أبو عمرٍو ابنُ العَلاء". وإذا ثبت أنّها أعلامٌ، فهي غيرُ محتاجة في تعريفها إلى اللام، إلَّا أنّها لمّا كانت

стр. 127

منقولة من الصفة، من نحو "حارث" و"عباس"، من قولك: "مررتُ برجل حارثٍ، بمعنى الكاسب، كأنه يحرث لدُنْياه؛ وكذلك "عَباسٌ"، و"العبّاسُ": المُحْرِب الذي يعبِس في الحَرْب. وكذلك تقول: رجلٌ مُظَفَّرٌ. وهو "مُفَعَّلٌ" من "ظَفرَهُ الله". وأمّا "الفَضْل"، و"العَلاء"، فهما، وإن كانا مصدرَيْن في الحقيقة، فقد يوصَف بالمصادر مبالغةً، كما قالوا: "ماءٌ غَوْرٌ"، و"رجلٌ عَدْلٌ"، فجرى لذلك عندهم مجرى الأوصاف الغالبة. وهذه الصفات المنقولة ضَرْبان؛ أحدهما: ما نُقل وفيه الألف واللام، من نحو: "الحسن" و"العبّاس"، وما أشبههما؛ والآخَرُ: ما نُقل ولا لام فيه، من نحو: "سَعِيد" و"مُكَرَّم". فأمّا ما نُقل ولا لام فيه، فلا تدخله اللام بعد النقل، فلا يقال: "السعيد" ولا: "المكرّم"، لأنّ العلمية تحظر الزيادةَ، كما تحظر النقصَ. وأمّا ما نُقل وفيه اللام فيقرّ بعد النقل عليه؛ وما أدخل فيه الألف واللام بعد النقل فمُراعاةً لمذهب الوصفيّة؛ قال الخليل: "جعلها الشيء بعينه" (١)، أي لم يجعلها كأنّه سُمي بها، وإنّما جعلها أوصافًا مفيدةً معنى الاسم في المسمّى، كما تكون الصفةُ؛ فإقرارُ اللام للإيذان ببَقايا أحكام الصفة. ومن لم يُثْبِت اللام وقال: "حارث" و"عبّاس" و"مظفَّر"، خلّصها أسماء (٢)، وعرّاها من مذهب الوصفيّة في اللفظ، وإن لم تَعْرَ من روائح الصفة، على كل حال، ألا ترى أنهم سمّوا الخُبْز "جابرًا"، قالوا: لأنّه يجبِر الجائعَ! وقالوا للبَلَد: "واسِطٌ"؛ قال سيبويه: "سمّوه بذلك لأنّه وَسَطُ ما بين العِراق والبصرة" (٣). فقد ترى معنى الصفة فيه، وإن لم تدخله اللام. وقوله: "ما كان صفة في أصله، أو مصدرًا". يعني ما كان صفة قبل النقل تدخله لام التعريف، أو مصدرًا موصوفًا به على سبيل المبالغة، نحوَ: "الفضل"، و"العلاء"، من نحوِ: "هذا رجل فَضْلٌ وعَلاءٌ" ولا يريد كلّ مصدر. ألا ترى أنّ نحو: "زيد" و"عمرو" أصلهما المصدر، ولا تدخلهما اللام. فصل [تأويل العلم] قال صاحب الكتاب: "وقد يُتأوّل العلم بواحد من الأمة المسماة به, فلذلك من التأول يجري مجرى "رجل" و"فرس" فيُجترأ على إضافته, وإدخال اللام عليه,

стр. 128

قالوا: "مُضَرُ الحَمْراءِ" و"رَبيعةُ الفَرَسِ"، و"أنمارُ الشاةِ". قال [من الطويل]: ٧٦ - عَلَا زَيْدُنا يومَ النَّقَا رأسَ زيدِكم ... بأبْيَضَ ماضِي الشَفْرَتَين يَمانِ وقال أبو النَّجْم [من الرجز]: باعَدَ أُمَّ العَمْرو من أسِيرها ... حُرّاسُ أَبْوابٍ على قُصُورِها (١) وقال الآخر [من الطويل]: ٧٧ - رأيتُ الوَلِيدَ بنَ اليَزِبد مبارَكًا ... شديدًا بأحْناءِ الخِلافةِ كاهِلُهْ

стр. 129

وقال الأخْطَل [من الطويل]: ٧٨ - وقد كان منهم حاجبٌ وابنُ أمِّهِ ... أبو جَنْدَلٍ والزيْدُ زيدُ المَعارِكِ وعن أبي العبّاس: إذا ذكر الرجلُ جماعةً، اسمُ كلّ واحد منهم "زيدٌ"، قيل له: فما بين الزيد الأول والزبد الآخِرِ؟ وهذا الزيدُ أشرفُ من ذلك المزيد وهو قليلٌ". * * * قال الشارح: اعلم أن العَلَم الخاص لا يجوز إضافته، ولا إدخال لام التعريف فيه، لاستغنائه بتعريف العَلَميّة عن تعريف آخَر، إلَّا أنّه ربّما شُورِكَ في اسمه، أو اعتُقد ذلك، فيخرج عن أن يكون معرفةً، ويصير من أُمّةٍ، كلُّ واحد له مثلُ اسمه، ويجري حينئذ

стр. 130

مجرى الأسماء الشائعة، نحو: "رجل" و"فرس"، فحينئذ يُجترأ على إضافته، وإدخالِ الألف واللام عليه، كما يفعل ذلك في الأسماء الشائعة. فالإضافةُ نحو قولك: "زيدكم"، و"عمركم". وقد أنشدوا أبياتًا تشهد بصحّة الاستعمال، ومن ذلك قول الشاعر: علا زيدنا يوم النقا ... إلخ فالشاهد فيه أنّه أضاف "زيدًا" إلى المضمر، فجرى في تعريفه بالإضافة مجرى "أخيك" و"صاحبك". و"النَّقا": الكَثيب من الرمل، وكتبه بالألف لأنّه من الواو، بدليل ظهورها في التثنية، نحو: "نَقَوانِ"؛ ومن قال: "نَقَيانِ"، كتبه بالياء. يذكرهم بوَقْعَةٍ جرتْ في ذلك المكان، وكانت الغَلَبَةُ لهم. ومن ذلك قول أبي النَّجْم: باعد أمَّ العمرو من أسيرها ... إلخ الشاهد فيه إدخال اللام على "العمرو"، يريد بـ "أسيرها" نفسه، كأنّه في أسْرها، لعِشْقه إياها. ومن ذلك قول ابن مَيّادة: رأيت الوليد بن اليزيد مباركًا ... إلخ الشاهد فيه قوله: "اليزيد"، والمراد به "يزيد"؛ وأمّا "الوليد" فهو من باب "الحَسَنُ"، و"العبّاس". ومن ذلك قول الأخطل: وقد كان منهم حاجب ... إلخ الشاهد فيه إدخال الألف واللام على "زيد". ومن ذلك أنشد ابن الأعرابيّ [من الرجز]: ٧٩ - يا لَيْتَ أمَّ العَمْرِو كانت صاحبي ... مكانَ مَن أَنْشَا (١) على الركائب

стр. 131

فأدخل اللام على "عمرو". ومن ذلك قول الآخر [من الطويل]: ٨٠ - يَزِيدُ سُلَيْمِ سالِمُ المالِ والفَتَى ... فَتَى الأَزْدِ للأموال غيرُ مُسالِمِ فقال: "يزيدُ سليم"، فأضافه لمّا كان ثمَّ شريكٌ في الاسم تَوهّم (١) تنكيرَه، وأضافه للتعريف. وقولُه: "سالم المال" يهجوه بذلك، وينسبه إلى البُخْل. ومثله في الإضافة قوله [من الرجز]: ٨١ - يا عُمرَ الخَيْرِ جُزِيتَ الجَنهْ ... اُكْسُ بُنَيّاتِي وأُمَّهُنَّهْ

стр. 132

ومن ذلك "مضر الحمراء" و"ربيعة الفرس" و"أنمار الشاة"؛ هؤلاء بنو نِزار، وكان أبوهم مات، وخلف لهم تُراثًا ناطقًا وصامتًا، فأتوا أَفْعَى نَجْرانَ، حكيمَ الزمان، فجعل القُبَّةَ الحمراء والذهبَ لمضر، والأفراسَ لربيعة، والشاةَ لأنمار؛ وأضيف كلّ واحد إلى ما حكم له به، تعريفًا له بذلك. واعلم أن هذه الأعلام متى أضفتَها، سلبتَها ما كان فيها من تعريف العَلَميّة، وكسوتَها بعدُ تعريفًا إضافيًّا، وجرت مجرى "أخيك"، و"غلامك"، في تعريفها بالإضافة. فعلى هذا لو سُئلت عن "زيدِ عمرٍو" في قولِ من قال: "رأيت زيد عمرو"، و"مررت بزيدِ عمرو"، لقلت: مَن زيدُ عمرو؟ بالرفع لا غيرُ. ولم يجز الحِكاية، فلا تقولَ: من زيدَ عمرو؟ بالنصب، ولا مَن زيدِ عمرو؟ بالجّر. كما لو سئلت عن صاحب عمرو، لقلت: مَن صاحبُ عمرو؟ بالرفع. والذي يدلّ على أن الاسم لا يضاف إلَّا وهو نكرةٌ أن ما لا يمكن تنكيرُه من الأسماء لا يجوز إضافته، نحوَ الأسماء المضمرة، وأسماء الإشارة؛ لا تقول: "هُوَ بكرٍ"، ولا: "هؤلاء زيدِ"؛ كما تقول: "غلامُ زيدٍ"، و"أصحابُ بكرٍ"؛ لأن تعريف هذه الأسماء لا يفارقها، ولا يمكن اعتقادُ التنكير فيها. وإذ قد علمت أن العَلَم متى أضفته ابتززتَه تعريفَه، وكسوتَه تعريفًا إضافيًّا، فتعلم إنّه إذا أضيف إلى نكرة، فهو نكرةٌ، نحو: "مررت بزيدِ رجلٍ وعمرو امرأةٍ". إلَّا أنّه يحدث فيه نوعُ تخصيص، إذ جعلتَه "زيدَ رجل"، ولم تجعله "زيدًا" شائعًا في الزيدين، كما أنّك إذا قلت: "غلامُ رجل" استُفيد منه أنّه ليس لامرأة. وأمّا إدخال اللام عليه، فقليل جدًّا في الاستعمال، وإن كان القياسُ لا يأباه كلَّ الإباء, لأنّك إذا قدّرت فيه التنكيرَ، وأنّه ليس له مَزِيَّةٌ على غيره من المسمَّين به، جرى مجرى "رجل" و"فرس" ولا تستنكر أن تُدْخِل عليه لام التعريف، وقد جاء في الشعر، وما أَقَلَّهُ! نحو ما تقدّم من الأبيات، وذلك أنه لمّا اعتقد فيه التنكيرَ لمشاركٍ له في الاسم، إمّا توهُّمًا أو وُجودًا، عرّفه باللام. ومن ذلك الحكاية عن أبي العبّاس أنه "إذا ذُكر جماعةٌ، اسمُ كل واحد منهم: زيد، فيقول المُجيب: فما بين المزيد الأوّل والزيد الآخر؟ وهذا الزيدُ أشرفُ من ذلك الزيد"؛ فمُجازُها ما ذكرنا من اعتقاد التنكير مع قلّته

стр. 133

في الكلام، وما ورد من ذلك في الشعر فضرورة. وقد استبعد بعضُهم دخول اللام على العلم، فحمل ما جاء منه على أنّها زيادةٌ، على حدّ زيادتها في "اللات"، و"العُزَّى"، و"الذِي"، و"الَّتِي" و"الآنَ"، وأمّا قول الشاعر [من البسيط]: ٨٢ - [أخو رغائبَ يُعطيها وُيسْأَلُها] ... يَأْبَى الظُّلامةَ منه النَّوْفَلُ الزُّفَرُ فإنّ "الزفر" هنا صفةٌ، وليس بعَلَم، ومعناه: السيّد. و"النوفلُ": الكثير العَطاءِ، فلو سمّيت رجلاً بـ "زفر"، هذا بعد خَلْعك منه اللامَ، لوجب صرفُه حينئذ كـ "صُرَدٍ"، "ونُغَرٍ"، و"جُعَل". وما لا ينصرف معدولًا عن "فاعِلٍ" لا يجوز دخول اللام عليه، كـ"زُحَلَ"، و"قُثَمَ"، و"جُشَمَ". وإنمّا كثرت الإضافة في الأعلام، ولم يستقبحوا ذلك فيها استقباحَهم تعريفها باللام، لوجهَيْن: أحدهما: أن الإضافة قد تجِدها في أنفس الأعلام كثيرًا واسعًا، نحو: "عبد الله" و"عبد الصَّمَد"، و"ذي الرُّمَّة"، و"أبي محمَّد" وسائرِ الكُنَى، فلم يتناف اللفظان، أعني العَلَم والإضافة. والوجهُ الثاني: أن الإضافة قد تكون منفصلة في كثير من كلامهم، فلا تفيد التعريفَ، نحوَ قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (١)، و ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ (٢)، وعامّةِ أسماء

стр. 134

الفاعلين إذا أريد بها الحال والاستقبال، وكذلك باب "الحَسَنِ الوَجْهِ". وليست اللام كذلك؛ لأنه لا يُنْوَى فيها الانفصال، ولا تجد اللامَ معرِّفة في الأعلام، كما تعرِّفها الإضافةُ. فأمّا "الصَّعِق" و"الدَّبرَان"، فإنّهما ليست أعلامًا في الحقيقة، على ما تقدّم، وإنمّا تعريفُها باللام. وأمّا "الحارث" و"العباس" ونظائرهما، فإنّ تعريفهما بالعَلَميّة، وإنّما دخلت اللام لأنّها كانت ثابتة فيها قبل النقل، فأُقِرَّتْ بعده إيذانًا بمعنى الوصفيّة، وقد تقدّم ذلك. فصل [تعريف المثني والمجموع] قال صاحب الكتاب: "وكل مثنى أو مجموع من الأعلام فتعريفه باللام, إلا نحو "أبانين" و"عمايتين" و"عرفات" و"أذرعات". قال [من الطويل]: ٨٣ - وقَبْلِيَ مات الخالِدانِ كِلاهما ... عَمِيدُ بني جَحْوانَ وابنُ المُضَلَّلِ أراد "خالدَ بن نَضْلَةَ"، و"خالدَ بن قَيسِ بنِ المضلّل"، وقالوا لكَعْبِ بن كلاب، وكعبِ بن رَبِيعَةَ، وعامر بن مالك بن جعفر، وعامر بن الطُّفَيل"، وقيسِ بن عَنّاب، وقبسِ بن هَزَمَةَ: "الكَعْبانِ"، و"العامران"، و"القبسان". قال [من الرجز]: ٨٤ - أنا ابنُ سَعْدٍ أكْرَمَ السعْدِينا

стр. 135

وفي حديث زيد بن ثابتٍ- ﵁: هؤلاء المُحَمَّدون بالباب". وقالوا: "طَلْحَة الطَلَحات"، و"ابن قيسِ الرُّقَيّات"، وكذلك: "الأسُامتان"، و"الأساماتُ"، ونحوُ ذلك". * * * قال الشارح: اعلم إنّك إذا ثنّيتَ الاسم العَلَم تَنكَّر (١)، وزال عنه تعريف العلميّة، لمشاركةِ غيره له في اسمه، وصَيْرورتِه بلفظٍ لم يقع به التسميةُ في الأصل، فيجري مجرى "رجل" و"فرس"، فقيل: "زيدان" و"عمران"، كما قيل: "رجلان" و"فرسان"؛ والفرقُ بينهما أنّ "الزيدين" و"العمرين" مشترِكان في التسمية بـ "زيد" و"عمرو"، و"الرجلان" و"الفرسان" مشتركان في الحقيقة، وهي الذُّكوريّة والأدَميّة. ألا ترى أنك لو سمّيت امرأةً أو فرسًا بـ "زيد"، وجمعتَ بينه وبين رجل اسمُه "زيد"، لقلت: "الزيدان" في التثنية لاشتراكهما في اللقب، مع اختلاف الحقيقتَيْن. ويؤيِّد عندك أنّه نكرةٌ أنّك تصفه بالنكرة، فتقول: "جاءني زيدان كريمان"، و"رأيت زيدَيْن كريمَيْن"، و"مررت بزيدَيْن كريمَيْن" فكريمان نكرةٌ لا محالةَ، وقد جرى وصْفًا عليه؛ فعلمتَ بذلك أنّه نكرة. فإذا أردت التعريف كان بالألف واللام، والإضافة، نحوَ: "الزيدان"، و"العمران"، و"زيداك"، و"عمراك". فتعريفُه بعد التثنية من غير وجه تعريفه قبل، فإذًا لا تكون التثنية إلَّا فيما يصح تنكيرة، فأمّا المضمرات من نحو: "هُما"، و"أنتُما"، والموصولاتُ من نحو قولك: "اللَّذَانِ"، و"اللَّتَانِ"، والمبهماتُ من نحو: "هاتان" و"هَذَانِ"، فكلُّها صيَغٌ صيغت للتثنية، وليست بتثنية صِناعيّة، على ما سنذكر في موضعه. وقد جاءت أعلامٌ معارفُ بلفظ التثنية والجمع. وذلك إنّما جاء في الأماكن من الجبال والبقاع التي لا يفارق بعضُها بعضًا، نحو: "أبانَيْن"، و"عَمايَتَيْن"، و"عَرَفاتٍ"، و"أَذْرِعاتٍ"؛ فـ "أبانان" جبلان متقابلان، متصلٌ أحدهما بالآخر، فلمّا كانا (٢) متّصلَين لا يفارق واحد منهما صاحبه، وحالُ كل واحد منهما في الخِصْب والقَحْط واحدٌ، لا يشار

стр. 136

إلى واحد منهما بتعريف دون الآخر، جريا مجرى الشيء الواحد، نح و"يَثْرِبَ"، و"يَذْبُلَ" فخصّا باسمٍ علمٍ؛ كما خُص "يثربُ"، و"يذبلُ" بذلك. قال الشاعر [من المنسرح]: ٨٥ - لو بأبانَيْن جاء يَخْطُبُها ... رُمِّلَ ما أَنْفُ خاطبٍ بِدَمِ وحالُ "عمايَتَيْن"، وهما جبلان متناوِحان، حالُ "أبانَيْن" قال الشاعر [من الكامل]: ٨٦ - لو أن عُصْمَ عَمايَتَيْن ويَذْبُلٍ ... سَمِعَا حديثَك أَنْزَلَا الأَوْعالَا

стр. 137

ومثل ذلك من الجمع "عَرَفاتٌ"؛ وهي معرفة لأنّها اسمٌ لبِقاع معلومة، غيرِ متفرّقة، ولا موجودةِ بعضُها دون بعض. ويدلّ على أنّها معارف ما حكاه سيبويه عنهم من قولهم: "هذه عرفاتٌ مباركًا فيها" (١)؛ فانتصابُ الحال بعدها يدلّ على أنّها معرفة. وفيها لغتان: الصرفُ وتركُه. والصرفُ أفصح من حيث كان جَمْعًا لمواضع مجتمعة؛ كأنّ كلّ موضع منهم عَرَفَةُ، فجُعلت مكانًا واحدًا، ووُضح لها اسم خاصّ. وتنوينُها في الحقيقة تنوينُ مقابلةٍ. والتاء للجمع لا لمجرَّدِ التأنيث. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ (٢) بالتنوين. وحالُ "أَذْرِعاتٍ" كحال "عرفات". قال امرؤ القيس [من الطويل]: ٨٧ - تَنَوَّرْتُها من أَذْرِعاتٍ وأَهْلُها ... بِيَثْرِبَ أَدْنَى دارِها نَظَرٌ عالِي يروى بالصرف وتَرْكه، على ما ذكر.

стр. 138

وكذلك يقولون: "هذان أبانان بيّنَيْن"، فيقع بعدها الحال؛ كما تقول- "هذا زيدٌ واقفًا". وربّما قيل لكل واحد منهما: "أبانُ". وما عدا ما ذُكر من التثنية والجمع، فتعريفه باللام، نحوَ قولك: "الزيدان"، و"العمران". فأمّا الأسماء التي ذكرها وهي "الخالدان"، و"الكَعْبان"، وسائرُ ما مثّل به، فشاهدٌ على ما ادّعاه مِن أنهّم إذا ثنّوا الاسمَ، أو جمعوه، تَنكَّر (١)، فإذا أرادوا تعريفَه فباللام، فمن ذلك الخالدان. وأنشد: وقبلي مات الخالدان ... إلخ والصواب: "فقبلي"، بالفاء؛ وهو للأَسْوَد بن يَعْفُرَ وقبله [من الطويل]: فإنْ يَكُ يَوْمِي قد دَنَا وِإخالُه ... كوارِدةٍ يومًا إلى ظِمءِ مَنْهَلِ والشاهد فيه قوله: "والخالدان"؛ والمراد: خالد بن قيس من بني جَحْوان من بني أسَد؛ وخالد بن قيس بن نَضْلَة بن المضلّل؛ وهو من بني أسد أيضًا. وقال ابن السِّكَّيت في إصلاحه: الخالدان: خالد بن نضلة بن جحوان بن فَقْعَس، وخالد بن قيس بن المضلَّل بن مالك الأصغر بن مُنْقِذ بن طَريف بن عمرو (٢) بن قُعَيْن (٣). ووجه الشاهد فيه أنَّه لمّا ثنّى "الخالدان" تنكّرا (٤)، وإذا أريد تعريفُهما عرّفهما باللام، وصار تعريفهما بعد التثنية تعريفَ عَهْد، بعد أن كان تعريف علميّة. يقول: إن كان قد دنا يومي، فلستُ بأوّل، المَوْتَى؛ قد مات قبلي الخالدان، وكانا سيّدين. و"إخال": أظُنُّ أنّه قد قرِب، وبقي منه كما بقي من مَسِير الإبل إلى الماء للشُّرْب. و"المَناهِل": المواضع التي يجتمع فيها الماء، الواحدُ "مَنْهَل". ومثله "الكَعْبان"؛ وهما: كعب بن كِلاب، وكعب بن رَبِيعة بن عُقَيْل بن كعب بن ربيعة بن عامر من بني صَعْصَعَةَ؛ و"العامران": عامر بن الطُّفَيْل بن مالك بن جعفر بن

стр. 139

كلاب، وهو أبو عليّ؛ وعامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة، من بني مُلاعِب الأسِنَّة، وهو أبو بَراء. وقالوا: "القَيسان"؛ وهما من طَيّىء: قيسُ بن عنّاب بن أبي حارثة، من بني عَتُود، وقيس بن هَزَمَةَ بن عنّاب. وقد رُوي "عنّاب" بالنون، و"عتّاب" بالتاء؛ وهو المشهور ابن أبي حارثة. وأمَّا قول الآخر، وهو رُؤْبَة: أنا ابن سعد أكرم السعدينا (١) فالرواية بنصب "أكرم" على الفخر والمدح. ولو خفضت على النعت لجاز. وقال: "السعدينا"، لأن السُّعُود في العرب كثيرٌ؛ منهم: سعد بن مالك في ربيعة، وسعد بن ذُبْيان في غَطَفان؛ وسعد بن بكر في هَوازِنَ، وسعد بن هُذَيْم في قُضاعة. ورؤبةُ من بني سعد بن زيدِ مَناة بن تميم، وفيهم الشَّرَفُ والعددُ. وأمَّا "المحمدون" في حديث زيد بن ثابت، فهم: محمّد بن أبي بكر، ومحمّد بن حاطب، ومحمّد بن طَلْحَة بن عُبَيْد الله، ومحمّد بن جعفر بن أبي طالب. وأمَّا "طلحةُ الطَّلَحات"، فهو (٢): طلحة بن عبد الله بن خَلَف الخُزاعيّ. وفيه يقول عبيد الله بن قيس الرُّقَيات [من الخفيف]: ٨٨ - رَحِمَ اللهُ أَعْظُمًا دفنوها ... بسِجِسْتانَ طَلْحَةَ الطَّلَحاتِ

стр. 140

قيل: إنما قيل له ذلك، لأنّه كان في أجداده جماعةٌ يسمّون بطلحة، فأُضيف إليهم، لأنّه كان أكرمهم. وقيل: كان في زمانه جماعةٌ، اسمُ كلِّ واحد منهم طلحة، فعَلَاهم بالكرم؛ والطلحاتُ المعروفون بالكرم هم: طلحة بن عمر بن عُبَيْد الله بن عمرو بن يَعْمَرَ بن عثمان التَّيْميّ، وهو طلحةُ الجُودِ؛ وطلحة بن عبد الله بن عَوْف بن أبي عبد الرَّحمن بن عوف الزُّبَيْريّ، وهو طلحةُ النَّدَى؛ وطلحة بن الحسن بن عليّ، وهو طلحة الخير؛ وطلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وهو طلحة الدراهم. وأمَّا "ابن قيس الرُّقَيَّاتِ" فهو: عُبَيْد الله بن قيس الرقيّات بن شُرَيْح بن مالك بن ربيعة، وهو النُّوَيْعِمُ؛ وإنّما نُسب قيس إلى الرقَيّاتِ؛ لأنه تَزوَّج عدةَ نسوة وافق أسماؤُهُن كلّهن رقيّةَ. وقال غيره: كانت له عدة جَدّات أسماؤهن كلّهن رقيّة. وقيل: إنّما أُضيف إليهن, لأنّه كان يُشبِّب بعذَة نساء تسمّين رقيّة، وهو قول السُّكَّريّ. وقيل: سمي "رقيّات" كما يسمّى الرجل بـ "مَساجِدَ". ومنه قوله: وقد يُقال: ابن قيسٍ الرقيّاتُ بتنوين "قيس"، ورفع "الرقيّات" على عطف البيان، كأنّه لقبٌ له، كقولك: عبد الله بطّةُ. و"أسامةُ": علم للأسد، لا يدخله الألف واللام. والتثنية: "الأسامتان"، إذا أُريد التعريف، و"الأسامات" للجمع، كـ "الطلحات"؛ كل ذلك معرَّف باللام حين تَنكَّر تثنيته وجمعه. فاعرفه. فصل [أسماء الكناية] قال صاحب الكتاب: "وفلان", و"فلانة" و"أبو فلان", و"أمُّ فلانة": كناياتٌ عن أسامي الأناسي وكناهم. وقد ذكروا أنهم إذ كنوا عن أعلام البهائم أدخلوا اللام, فقالوا: "الفلان", و"الفلانة", وأمَّا "هن" و"هنة" فللكناية (١) عن أسماء الأجناس". * * * قال الشارح: اعلم أن المراد بالكناية التعبيرُ عن المراد بلفظ غير الموضوع له، لضرب من الاستحسان والإيجاز. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ (٢)، كنى بذلك عن قَضاء الحاجة, لأنّ كلَّ من يأكل الطعامَ يحتاج إلى قضاء الحاجة. ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ (٣) وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤)، كنى عن تكذيبهم

стр. 141

في قولهم لهُودٍ ﵇ (١): ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ (٢)، وهو مأخوذ من "كنَوْت" عن الشيء، و"كنَيْت"، بالواو والياء، إذا عبّرتَ عنه بعبارةٍ أُخرى تَوْرِيَةً. والمضمراتُ كلّها كنايات عمّا تقدّمها من الظَّواهر. و"فلانٌ" و"فلانةُ": كناياتٌ عن أعلام الأناسيّ خاصةً، ولا يدخلها اللام، إيذانًا بأن المَكْنيّ عنه كذلك. قال الشاعر [من الرجز]: ٨٩ - في لَجَّةٍ أَمْسِكْ فُلَانًا عن فُلِ أراد: فلانًا عن فلان، وإنّما حذف تخفيفًا، وهذا الحذفُ من تغييرات النداء، واستعمالُه ها هنا، في غير النداء، ضرورة. و"أبو فلانٍ"، و"أُمُّ فلانٍ": كنايةٌ عن الكُنَى، نحو: "أبي محمّدٍ"، و"أبي القاسم"، و"أُمُّ هانِيء". وإذا كنوا عن أعلام البهائم أدخلوا اللام، فقالوا: "الفلان"، و"الفلانة". وذلك لنُقْصانهن عن درجة الأناسيّ في التعريف؛ إذ العلميةُ فيها إنّما كان على التشبيه بالأناسيّ. فأمّا "هَنٌ"، وَ"هَنَةٌ" فكنايات عن الأجناس. فَـ "هَنٌ": كنايةٌ عن المذكّر، و"هنةٌ" كنايةٌ عن المؤنّث؛ تقول: "عندي هَنُو زيدٍ"، وإذا سُئِلت عنه قلت: كنايةٌ أو توريةٌ بَيانًا له وإيضاحًا. فإن نكرتَ وقلت: "هنٌ"، و"هنةٌ"، كان كناية عن النكرات، كما كان "فلانٌ"

стр. 142

كناية عن المعارف والأعلام. فإن أضفت كانت كناية عن المعارف المضافةِ؛ وأكثرُ ما يُستعمل في المُنْكَرات والشدائد. قال الشاعر [من المتقارب]: ٩٠ - وقد رَابَني قولُها يا هَنا ... هُ وَيْحَكَ أَلْحَقْتَ شَرًّا بِشَرْ فمعنَى "يا هناهُ": يا رجلُ. و"هناه" لا يستعمل إلَّا في النداء. وقال الآخر [من السريع]: ٩١ - رُحْتِ وفي رِجْلَيْكِ ما فيهما .... وقد بَدَا هَنْكِ من المِئْزَرِ

стр. 143

أراد "هَنُك" بالرفع؛ أعربه بالحركة في حال الإضافة، وهي لغةٌ، وسكّنه تشبيهًا بـ"عَضْدٍ". وليس بأبعدَ من قول امرئ القيسْ [من السريع]: ٩٢ - فاليَوْمَ أَشْرَبْ غيرَ مُستَحْقبٍ ... إثْمًا من اللهِ ولا واغِلِ لأنه في البيت منفصلٌ، وههنا متصلٌ.

стр. 144

ومن أصناف الاسم " المُعْرَبُ " فصل قال صاحب الكتاب: "الكلام في المُعْرَب، وإن كان خليقاً, من قِبَلِ اشتراك الاسم والفعل في الإعراب, بأن يقع في القسم الرابع، إلا أن اعتراض موجبين صوّب إيراده في هذا القسم. أحدهما: أن حق الإعراب للاسم في أصله, والفعل إنما تطفل عليه فيه بسبب المضارعة. الثاني أنه لا بد من تقدم معرفة الإعراب للخصائص في سائر الأبواب". * * * قال الشارح: اعلم أن المُعْرَب يفيد الكلمةَ والإعرابَ؛ فالكلمةُ ذات المعرَب التي وقع بها الإعرابُ، اسمًا كان أو فعلًا، إلَّا أن دلالته على الكلمة دلالةُ تسميةٍ ومطابَقةٍ، ودلالتَه على الإعراب دلالةُ التزامٍ؛ فهو من خارجٍ من جهة الاشتقاق، إذ كان من لفظه. والمراد بالمعرَب ما كان فيه إعرابٌ، أو قابلًا للإعراب. وليس المراد منه أن يكون فيه إعرابٌ لا محالةَ. ألا ترى أنك تقول في "زيد" و"رجل": إنّهما معربان، وإن لم يكن فيهما في الحال إعرابٌ, لأن الاسم إذا كان وحدَه مفردًا من غير ضميمةٍ إليه، لم يستحقّ الإعرابَ, لأن الإعراب إنّما يؤتَى به للفرق بين المعاني، فإذا كان وحده، كان كصَوْتٍ تصوت به، فإن ركّبته مع غيره تركيبًا تحصل به الفائدةُ، نحوَ قولك: "زيدٌ منطلقٌ، وقام بكرٌ"، فحينئذ يستحق الإعرابَ لإخبارك عنه. وقدّم الكلامَ على المعرب قبل الاعراب، وإن كان المعرب مشتقًّا من الإعراب، والمشتقُّ منه قبل المشتقّ؛ وذلك من قِبَلِ أنّه لمّا كان المعربُ يقوم بنفسه من غير إعرابٍ، والإعرابُ لا يقوم بنفسه، صار المعربُ كالمَحلّ له، والإعراب كالعَرَض فيه، فكما يلزم تقديمُ المَحلّ على الحال، كذلك يلزم تقدمُ المعرب على الإعراب. واعلم أنّه لمّا رتّب كتابَه أربعةَ أقسام: قِسْمًا في الأسماء، وقسمًا في الأفعال، وقسمًا في الحروف، وقسمًا في المشترَك، قَضَتِ القسمةُ بإيراد الكلام على المعرب في قسم المشترك، من حيث كان يشترِك فيه الاسمُ والفعلُ، فاعتذر عن الوَفاء بذلك بأمرَيْن:

стр. 145

أحدهما: أن أصل الإعراب أن يكون للأسماء دون الأفعال، والأفعالُ محمولة في الإعراب على الأسماء على ما سيوضَح أمرُه في موضعه، فقدّم ذِكْرَه في قسم الأسماء، باعتبارِ أنّه الأصلُ في ذلك؛ والأمرُ الثاني: أنّه لما كانت الحاجةُ ماسّةً إلى تقديمه, لأن إدراك المعاني مرتبِطٌ به، قدّمه لذلك. فصل [تعريف الاسم المعرب] قال صاحب الكتاب: "والاسم المعرب ما اختلف آخره باختلاف العوامل, لفظًا أو محلّاً, بحركةٍ أو حرفٍ. فاختلافه لفظًا بحركة في كلِّ ما كان حرف إعرابه صحيحًا أو جاريًا مجراه, كقولك: "جاء الرجلُ", و"رأيت الرجل", و"مررت بالرجل"". * * * قال الشارح: "قوله ما اختلف آخِرُه"؛ يريد من الأسماء، لكنّه تركه ثِقَةً بعلم المخاطَب به، ولولا ذلك التقديرُ، لكان اللفظ عامًا يشمَل الاسمَ والفعلَ المعرَبَيْن، وإنمَّا مرادُه تفسيرُ الاسم المُعْرَب لا غيرُ. ويجوز أن يكون أطلق العامَّ، وأراد به الخاصَّ، واحترز بذلك من المبنيّ, لأن المبنّي لا يختلف آخِرُه، وإنّما يلزم طريقةً واحدةً من سكونٍ أو حركةٍ؛ فحركةُ آخره كحركة أوّلِه وحَشوِه في اللزوم والثبات. والمرادُ باختلاف الآخِر اختلافُ الحركات عليه، لا أنّ الحرف في نفسه يختلف ويتغيّر. وقوله: "باختلاف العوامل"؛ يحترز ممّا قد يتحرّك من المبنيّات على السكون، بغير حركةٍ لالتقاء الساكنَيْن، أو لإلقاء حركةِ غيره عليه. فالأوّلُ نحوُ: "شُدُّ"، و"شُدَّ"، و"شُدِّ"، و"مُدُّ"، و"مُدَّ"، و"مُدِّ"؛ فهذا وأشباهُه يجوز فيه ثلاثة أوجه: الضمّ والفتح والكسر. فالضمُّ للإتباع، والفتحُ للتخفيف، والكسرُ لالتقاء الساكنَيْن. ومن ذلك قولك: "أخذت مِنَ الرجُل"؛ فتفتح النون لالتقاء الساكنَيْن بسكونها وسكون اللام بعدها، وتقول: "أخذت مِنِ ابْنِكَ"، فتكسرها لسكون النون وما بعدها. وأمّا ما حُرّك لإلقاء حركة غيره عليه، فنحو قولك: "كَمَ خَذْتَ"؟ في: "كَمْ أخذت"؟ "وكَمِ بِلِكَ"؛ في: "كَمْ إبِلِكَ"؟ و"كَمُ خْتًا لك"؟ في: "كَمْ أُخْتًا لك"؟ ألقيتَ حركاتِ الهمزات على الميم تخفيفًا للهمزة، وقد قُرىء ﴿قَدَ فْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ (١). وهذا يأتي في موضعه مستوفىً. وهذا اختلافٌ كائنٌ في المبنيّات، وليس بإعراب, لأنّه لم يَحْدُث بعامل، فلذلك قيّد الاختلافَ أن يكون بعامل، ولم يُطْلِقْهُ.
следующие страницы →