← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1330

حدائق الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عليه صلاة اللَّه (١) ما لاح بارق … وما ناح طير في الغصون وما غنى شعر: بجاه النبي المصطفى أتوسل … وما لي سواه في الممات موئل ومن ذا الذي أرجو لإدراك بغية … النهاية دون الورى أتوصل إذا نابني أمرا فليس لي … على غيره دون الأنام معول إذا قيل هذا يرتجى فضل جاء منه … فجاه رسول اللَّه أعلى وأفضل ومن يرتجى في الحشر والرسل قد جُنَّت … من الخوف يرجى غيره أو يؤمل إذا زل بالآمال غيري فإنني … لغير رسول اللَّه لا (اتدنك) (٢)

стр. 37

مجلس في الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال والأقوال والأحوال البارزة والخفية فيه آيات: قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١) الآية. وقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ (٣) ومعنى الإخلاص: التصفية مما سوى الرب ﷻ ، وشغل القلب به. وأما الأحاديث فكثيرة، نذكر منها اثني عشر حديثًا، أولها: حديث: "إنما الأعمال بالنيات" (٤) وهو قاعدة الدين، وأساس السالكين، وشرعت لتمييز العبادات عن العادات، ورتب العبادات، وفرق بين النية والأمنية. رضوا بالأمانى وابتلوا بحظوظهم … وخاضوا بحار الحب دعوى فما ابتلوا وهو حديث أخرجه الشيخان، وغيرهما في صحيحيهما من حديث عمر بن الخطاب، ولم يصح إلا من طريقه (٥).

стр. 38

ثانيها: حديث عائشة مرفوعا: "يغزوا جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم، ثم يبعثون على نياتهم" (١). أخرجاه وهو دالٌّ على أن كل أحد يحفظ على قدر نيته، والخسف بالصالح ونحوه ليس خزيًا له، بل لفراغ أجله، كما في حديث البيهقي. وهذا الحديث والذي قبله لتمييز الأعمال والأشخاص. ثالثها: حديثها أيضًا مرفوعا: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" (٢) أخرجاه أيضًا، أي هجرة من مكة أو كاملة. وهو دال على ديمومية النية، وأنها قرينة الجهاد. رابعها: حديث جابر مرفوعا: "إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم؟ حبسهم المرض". (٣) أخرجه مسلم، وأخرجه البخاري من حديث أنس. خامسها: حديث أبي يزيد معن بن يزيد بن الأخنس الصحابيون قال: "كان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها، فأتيته بها فقال: واللَّه ما إياك أردت، فخاصمته إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: "لك ما

стр. 39

نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن"". (١) أخرجه البخاري. سادسها: عن أبي إسحاق سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المشهود لهم بالجنة في قصة مرضه مرفوعًا "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللَّه إلا أجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك" (٢). أخرجاه، وهو دال على قلب العادة عبادة بالنية، والمباح قربة، وناهيك بهذا الإكسير. سابعها: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إن اللَّه لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم". (٣) أخرجه مسلم. وهو دال على أن محلها القلب الذي هو محل نظر الجليل ﷻ ، فبحسنها يصير صاحبها جميلًا. وهو وما قبله دالان على قلب الأعمال أعيانًا، وعلوًا بعد تسفل، وهذا هو الإكسير. ثامنها: حديث أبي موسى الأشعري قال: "سئل رسول اللَّه ﷺ عن رجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل اللَّه؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا، فهو في سبيل اللَّه"". (٤) أخرجاه.

стр. 40

وهو بيّن لجد الأعمال ورديئها، ونافعها عند الرب ﷻ . تاسعها: حديث أبي بكرة مرفوعًا: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار" قلت: يا رسول اللَّه، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" (١) أخرجاه، وهو بيان لفساد النية وإفسادها. عاشرها: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "صلاة الرجل جماعة تزيد على صلاته في بيته وسوقه بضعًا وعشرين درجة (٢)، وذلك أن أحدكم إذا توضأ فأحسن الوضوء لا يريد إلا الصلاة لا ينهزه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه". (٣) أخرجاه، وهو دال على أن نية المقاصد تحرز جزاء وسائلها وتوابعها وتفاصيلها. ومنه حديث: "من احتبس فرسا في سبيل اللَّه. . . . الحديث". (٤)

стр. 41

الحادي عشر: حديث ابن عباس، عن رسول اللَّه ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎: "إن اللَّه كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها اللَّه عنده حسنة كاملة، فإن هم بها فعملها كتبها اللَّه عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها اللَّه عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها اللَّه سيئة واحدة" (١) أخرجاه، وهو من المبشرات. الثاني عشر: حديث ابن عمر مرفوعًا في قصة أصحاب الغار الثلاثة، وأن الصخرة انفرجت عنهم، وخرجوا يمشون" أخرجاه (٢)، وهو دال على أن من أخلص للَّه العبادة ولو عملا واحدا استجيب دعاؤه حتى في المهمات، ويكون من عباده المخلصين. وأما الحكايات: فالأولى: قال السيد محمد بن واسع: أقمت أربعين ليلة، كل ليلة أشتهي كبدًا مشويًا قلت: أخرج إلى الجهاد، فلعل يقع في سهمي شاة فآكل منها شهوتي، فخرجت إليه فقتلنا وغنمنا، وأخذت في سهمي شاة، فسألت بعض أصحابي أن

стр. 42

يشوي لي كبدها، فأخذتني هجعة فنمت، فرأيت ملائكة نزلوا من السماء فكتبوا: فلان خرج للجهاد، وفلان للغنيمة، وفلان للمفاخرة، ثم وقفوا عليَّ وقالوا شهواني مسكين؛ اشتهى كبدًا مشويًا، فقلت: باللَّه لا تفعلوا، فأنا تائب إلى اللَّه، ثم قلت: يا رب لا أعود، يا رب لا أعود، أنا تائب إليك من سائر الشهوات. (١) الثانية: عن الشيخ أبي الحسن المعاوري قال كنت عدة سنين معاورًا بالحرب، وعدة أخرى بالسياحة أدخل بلاد الكفار لأُمور أُؤمر بالدخول لأجلها، وحجابي بحكمي إن أردت رأوني، وإلا فلا. فورد عليَّ أمر من جهة الرب -تعالى- بأن أدخل إلى بلادهم لأجتمع فيها برجل صديق، فدخلتها وأريتهم نفسي، فأخذوني أسيرًا، وخرج بي من أخذني، وكتفني وجاء بي إلى السوق ليبيعني، وكان هذا هو الطريق المقصود الذي أُمرت به. فاشتراني رجل معتبر منهم، ووقفني على الكنيسة لأكون خادما فيها، فباشرت خدمتها أياما، وإذا بهم قد أحضروا بسطًا كثيرة ومباخر وطيبا كثيرا. فقلت لهم: ما الخبر؟ قالوا: الملك عادته زيارة الكنيسة يومًا في السنة، فقد جاء وقت زيارته، فنحن نهيئها له ونحليها، ولا يبقى فيها أحد حتى يدخل وحده يتعبد فيها، فلما أغلقوها وبقيت أنا فيها احتجبت عنهم فلم يروني، وإذ بالملك قد جاء ففتحوها له ودخلها وحده، وأغلقوا عليه الباب، فدار بالكنيسة يفتشها، وأنا أنظر إليه، وهو لا يراني إلى أن اطمأن، فدخل المذبح الذي فيها وتوجه إلى القبلة، وكبَّر بالصلاة، فقيل لي هذا الذي أردنا لك الاجتماع به فتطهرت ووقفت وراءه حتى سلم من الصلاة، ثم التفت فرآني فقال: ما تكون؟ فقلت: مسلم مثلك. قال: وما جاء بك هنا؟ قلت: أنت، فأقبل عليَّ وسألني عن أمري، فأخبرته بما أمرت به من الاجتماع، ولم يكن لي طريق إلى ذلك إلا بصورة ما جرى من الأسر والبيع، واتخاذهم لي خادمًا للكنيسة، وتمكيني لهم من نفسي، جميع ذلك ليقع الاجتماع. ففرح بي وكاشفني وكاشفته، ووجدته من كبار الصديقين، فقلت له: كيف حالك بين هؤلاء الكفار في باطن الأمر؟ فقال: يا أبا الحجاج لي فؤاد بينهم لا أبلغ مثلها لو كنت بين المسلمين، قلت له: صف لي، قال: توحيدي وإسلامي وأعمالي خالصة للَّه، ما لأحد اطلاع عليها، وآكل حلالًا (فيساو) (٢) ما فيه شبهة، وأنفع المسلمين

стр. 43

نفعًا، لو كنت أكبر ملوكهم ما بلغته من الدفع عنهم، وأدفع عنهم أذى الكفار، وأفعل في الكفار من القتل وشبهه ما لو كنت أعظم ملوك الإسلام ما فعلت، وسأريك بعض تصرفي فيهم، ثم ودعني وودعته، وقال لي: ارجع إلى حالتك، وأخفيت نفسي واحتجبت، فخرج الملك وقعد على باب الكنيسة، وقال: ائتوني بكل من يختص بالكنيسة، فأحضروا له جماعة وعرضوهم عليه، وقالوا هذا بطريقها (١)، وهذا شمَّاسها (٢)، وهذا راهبها (٣)، وهذا مشارف أوقافها، وهذا جابي ريعها، قال: فمن يخدمها؟ قالوا فلان اشترى أسيرًا، ووقفه على خدمتها، فأظهر غضبًا عظيمًا، وقال: تكبرتم الجميع على خدمة بيت الرب، وجعلتم رجلا من غير الملة نجسًا يخدم بيت الرب، فاستدعى بالسيف، وجعل يضرب رقاب الجميع في حجة الغيرة على بيت الرب، وأمر بإحضاري فقال: هذا يستحق في مقابلة الخدمة الإكرام والتعظيم والخلع والمركوب وإطلاقه إلى وطنه وأهله، ففعلوا بي ذلك، وانصرفت عنه. الثالثة: عن محمد بن يعقوب الخراساني قال: خرجت من بلدي على نية السياحة (٤) والتوكل، فلم أزل على ذلك إلى أن أتيت بيت المقدس، ثم وقفت في مغارة (بنية) (٥) بني إسرائيل، فمكثت أياما لم أطعم طعامًا، ولم أشرب شرابًا حتى أشرفت على الموت، فبينا أنا كذلك إذ رأيت راهبين يسيران أشعثان أغبران، فملت إليهما، وسلمت عليهما، وقلت لهما: أين تريدان؟ فقالا: لا ندري، قلت: أتدريان أين أنتما؟ قالا: نعم؛ نحن في مملكته وبين يديه، قال: فأقبلت على نفسي بالملامة وحالهما مع كفرهما، ثم استأذنتهما في الصحبة وسرنا، فلما أمسينا قاما إلى صلاتهما ومعبودهما، وقمت إلى صلاتي ومعبودي، فصليت المغرب بالتيمم، فنظرا إليَّ متبسمين ضاحكين، وبحث أحدهما الأرض وإذا بالماء قد ظهر كأنه اللؤلؤ على الصفا، فبُهت، ثم إذا بطعام موضوع عن يمينه، فتعجبت، فقال مم تعجبك، تقدم وتناول من الطعام الحلال، واشرب من بارد هذا الزلال، واعبد ربك الكريم ذا الجلال، فأكلت وشربت وتوضأت، وأعدت الصلاة، ثم غار الماء كأنه لم يكن، ثم صلينا إلى الصباح، ثم سرنا إلى الليل، فتقدم الراهب الثاني، وصلى ودعا بدعوات

стр. 44

خفية ثم بحث الأرض، فإذا الماء والطعام موضوع عن يمينه، فأكلنا وشربنا، فلما كانت الليلة الثالثة قالا لي: يا محمدي الليلة ليلتك، والنوبة نوبتك، فاستحييت، وقلت: يكون خيرًا إن شاء اللَّه -تعالى- ثم عدلت عنهما إلى جانب آخر وقلت بعد صلاة ركعتين: اللهم سيدي ومولاي إنك تعلم أن ذنوبي كثيرة بذي الجاه الجسيم محمد عليه أفضل صلاة وأعظم تسليم أن لا تخجلني بينهما (١) ثم التفتُّ فإذا بعين ماء جارية، وطعام عن يميني موضوع، فأكلنا وشربنا وحمدنا اللَّه، فلم نزل على ذلك إلى النوبة الثانية فدعوت بمثل ذلك فحصل مثل ذلك، فلما كان في الثالثة إذا طعام اثنين وشراب اثنين، فانكسر قلبي، فقالا: يا محمدي من أين دخل عليك؟ أما ترى هذا التقصير؟ فقلت لهما: الحكم حكمة عسر ويسر، وشدة ورخاء، ومنع وعطاء ليبلونا فقالا: صدقت يا محمدي، إن هذا رب عظيم، ودين سليم، فأسلما، وأقاما ببيت المقدس، وأنا معهما نرزق من حيث لا نحتسب إلى أن قضيا نحبهما. الرابعة: عن إبراهيم الخواص أنه كان إذا أراد سفرًا لم يُعلم أحدًا، وإنما يأخذ ركوته ويمشي، ففعل ذلك يوما، قال أبو حامد الأسود: فتبعته، فقال لي: إلى أين؟ قلت: معك، قال: أنا أريد مكة، قلت: وأنا أريد ذلك، ثم انضم إلينا شاب نصراني فسأله فقال: ادعت نفسي أنها أحكمت حال التوكل فلم أصدقها فيما ادعت حتى أخرجها إلى هذه الفلاة التي ليس فيها موجود غير المعبود؛ أُثير ساكني، وأمتحن خاطري، فقام إبراهيم ومشى وقال: دعه يكون معك، فأتينا بطن بئر، فخلع إبراهيم خلقانه فطهرها بالماء، ثم جلس وقال له: ما اسمك؟ قال: عبد المسيح، فقال: يا عبد المسيح هذا دهليز مكة، ولا يدخله كافر (٢) فإياك أن تدخلها، فينكر عليك، فتركناه ودخلنا مكة، فبينا نحن بالموقف إذ به أقبل علينا وهو محرم، فقبل رأس

стр. 45

إبراهيم، فقال له: ما وراءك يا عبد المسيح؟ فقال: هيهات أنا اليوم عبد من المسيح عبده، فقال: كيف حالك؟ قال: تنكرت ودخلت، فلما رأيت الكعبة اضمحل عندي كل دين إلا الإسلام، فأسلمت واغتسلت وأحرمت، فالتفت إليَّ إبراهيم وقال: يا أبا حامد انظر إلى صدق نيته في النصرانية كيف هداه إلى الإسلام؟ إ! ثم صحبنا حتى مات. شعر: سلام على السادات من كل صادق … له مسرح في معزل ومراح صفاء ثم صفى فهو صوفي مخيم … على باب سعدي ليس عنه براح يلاقي صغار النفس في نيل وصلها … ومن دونها بيض حمت ورماح على حد سيف الصدق يسعون للعلا … لتجلي لهم بيض هناك صباح سقتهم حميا الوصل من كرم … إذا سمها أهل الصبابة صاحوا وناحوا وساحوا ثم باحو بنشرها … عبيرا ومكتوم المحبة باحوا الخامسة: عن إبراهيم الخواص أيضا قال: دخلت البادية مرة، فرأيت نصرانيًا على وسطه زنار (١) فسألني الصحبة، فمشينا سبعة أيام، ثم قال لي: يا راهب الحنفية هات ما عندك فقد جعنا، فقلت: إلهي لا تفضحني مع هذا الكافر، فرأيت طبقًا عليه خبز وشواء ورطب وماء، فأكلنا وشربنا، ومشينا سبعة أيام، ثم بادرت وقلت: يا راهب النصرانية هات ما عندك فقد انتهت النوبة إليك، قال: فأعلى عصاه ودعا، وإذا بطبقين عليهما أضعاف ما كان على طبقي، فتحيرت وتغيرت وأبيت أن آكل، فألحَّ عليَّ فلم أجب. فقال: كل فإني أبشرك ببشارتين: أحدها: إسلامي وحل الذمة، والأخرى: قلت: اللهم إن كان لهذا العبد خاطر عندك فافتح عليَّ، فأكلنا ومشينا، وحج وأقمنا سنة ومات، فدفن بالبطحاء. السادسة: حكي أن ثلاثة نفر خرجوا يستسقون في زمن داود ﷺ فقال أحدهم: اللهم إنك أمرتنا أن نعفو عمن ظلمنا (٢)، وقد ظلمنا أنفسنا فاعف عنا: تعاليت ربي أنت ذا قد أمرتنا … بعفو وصفح عن مسي لنا ظلم

стр. 46

وها نحن ربي قد ظلمنا نفوسنا … وأنت الذي بالعفو أولى وبالكرم وقال الثاني: اللهم إنك قد أمرتنا أن نعتق عبيدنا إذا شابوا في خدمتنا، وقد شبنا في خدمتك، فتفضل علينا بعتفنا: إن الملوك إذا شابت عبيدهم … في رقهم عتقوهم عتق أبرار فأنت أولى بذا يا سيدي كرمًا … قد شبت في رقك اعتقني من النار وقال الثالث: اللهم إنك أمرتنا أن لا نرد المساكين إذا وقفوا ببابنا وها نحن مساكين قد وقفنا ببابك، فجد علينا بفضلك وإحسانك وعظيم امتنانك. أتيناك نرجوا الفضل فامنن … علينا وجد يا ذا المكارم والعلا فأنت الذي ترجى ويكثر فضله … إذا انسدت الأبواب وانقطع الرجا السابعة: عن محمد بن الصباح قال: خرجنا نستسقي بالبصرة، فلما أصحرنا إذا نحن بسعدون المجنون قاعدًا على الطريق، فلما رآني قام وقال لي: إلى أين؟ قلت: نستسقي، قال: بقلوب سماوية أم بقلوب خاوية؟ قلت: سماوية، قال: اجلسوا ها هنا، فجلسنا حتى ارتفع النهار، وما تزداد السماء إلا صحوًا، ولا الشمس إلا حرًا، فنظر إلينا وقال: يا بطالون لو كانت قلوبكم سماوية لسقيتم، ثم توضأ وصلى ركعتين، ولحظ السماء بطرفه، وتكلم بكلام لم أفهمه، فواللَّه ما استتم كلامه حتى رعدت وبرقت ومطرت مطرًا جيدًا. (١) فسألناه عن الكلام الذي تكلم به، فقال: إليكم عني، إنما هي قلوب حنَّت، فرنت، فعاينت، فعلمت، فعملت، وعلى ربها توكلت، ثم أنشأ يقول: أعرض عن الهجران والتمادي … وارحل لمولى منعم جوادي ما العيش إلا فى جوار قوم … قد شربوا من صافي الوداد

стр. 47

مجلس في التوبة وهي الرجوع إلى الرب ﷻ عن الاسترسال في القطيعة، وهو واجبة من كل ذنب، وشرطها الإقلاع والندم والعزم على عدم العود، ورد ظلامة الآدمي واستحلالها. وفيها آيات: قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ (١) الآية. وقال: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ (٢). وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (٣) أي خالصة. وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (٤). وقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (٥). وقال: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (٦). وقال: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ (٧) الآية. وقال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٨). وقال: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٩). وقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ (١٠). وقال: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ (١١) الآية. وقال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (١٢).

стр. 48

وقال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١). وقال: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢). وقال: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ (٣). وقال: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (٤) الآية. وقال: ﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ﴾ (٥). وقال: ﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ (٦). وقال: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ (٧). وقال: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ (٨). وقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾ (٩). وقال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ (١٠). وقال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ (١١). وقال: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ (١٢). وقال: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١٣). وقال: ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ (١٤). وقال: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ (١٥). وقال: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (١٦). وقال: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ (١٧) وقال: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ (١٨) الآية. وأما الأحاديث: فكثيرة نذكر منها اثني عشر حديثًا. أحدها: حديث أبي

стр. 49

هريرة: "واللَّه إني لأستغفر اللَّه وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة" (١) رواه البخاري. وهو دال على أنها من سنن الأكابر، وشيم المآثر. ثانيها: حديث الأغر بن يسار (٢): "يا أيها الناس توبوا إلى اللَّه، فإني أتوب إلى اللَّه في اليوم مائة مرة" (٣) رواه مسلم. وهو دال على الأمر بها مع الحمل على الاقتداء والتأسي. ثالثها: حديث أنس: "للَّه أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في الأرض فلاة" (٤) أخرجاه. وفي مسلم: "وعليها طعامه وشرابه، فآيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح" (٥) وهو دال على أنها

стр. 50

أفرح إلى الرب من جميع المفرحات، وإن تعاظم حتى أدهش الألباب، وطيش الأحلام. رابعها: حديث أبي موسى: "إن اللَّه تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها" (١) أخرجه مسلم أيضًا. خامسها: حديث أبي هريرة: "من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب اللَّه عليه" (٢) أخرجه مسلم أيضًا. سادسها: حديث ابن عمر: "إن اللَّه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" (٣) رواه الترمذي وحسنه. سابعها: حديث زر بن حبيش (٤)، عن صفوان: "المرء مع من أحب يوم القيامة، وإن باب التوبة مفتوح لا يغلق حتى تطلع الشمس منه، والباب يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين عاما" رواه الترمذي (٥) وقال حسن صحيح. ثامنها: حديث أبي سعيد الخدري: "كان في من كان قبلكم رجل قتل تسعة

стр. 51

وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا، فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله، فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل، فقال إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة (١) انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها ناسًا يعبدون اللَّه -تعالى- فاعبد اللَّه معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء. فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه ملك الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلا بقلبه إلى اللَّه تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط. فأتاهم ملك في صورة آدمي فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيهما كان أدنى، فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة" (٢) أخرجاه. وفي رواية في الصحيحين: "فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها". وفي أخرى فيه: " فأوحى اللَّه -تعالى- إلى هذه أن تباعدي، وإلى هذه أن تقربي أقرب". وفي أخرى: "فنأى بصدره نحوها". وهو دال على العناية بالتائب حتى تخرق العادة بالتقريب. تاسعها: حديث كعب (٣) في الثلاثة المتخلفين، ونزلت فيهم الآية (٤) أخرجاه مطولا.

стр. 52

وهو دال على أن الصادق في الإيمان يحرص على التوبة، ولو يجد فيها أشد الشدائد، وأن ضيق النفس والأرض بما رحبت مفتاح التوبة والفرج. عاشرها: حديث عمران بن حصين في قصة الزانية المرجومة: "لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جاءت بنفسها للَّه" (١) أخرجه مسلم. حادي عشر: حديث ابن عباس: "لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب اللَّه على من تاب" (٢) أخرجاه. الثاني عشر: حديث أبي هريرة: "يضحك اللَّه إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل اللَّه فيقتل، ثم يتوب اللَّه على القاتل فيسلم فيستشهد" (٣) أخرجاه أيضًا.

стр. 53

وهو دال على أن الرب -تعالى- يقبل التوبة ولو كانت السيئة الكفر، وقتل النفس الصالحة، ويضحك لها، وهو توكيد لعموم من تاب اللَّه عليه. لا عذر لي قد أتى الشيب … فليت شعري بني أتوب ومن رأى هول قبر … ساكنه مفرد غريب ولست أدري إذا أتاني … رسول ربي بما أجيب هل أنا عند الجواب مني … أُخطئ في القول أم أُصيب أم أنا يوم الحساب ناج … أم لي في ناره نصيب يا رب جد لي على رجائي … بمثله منك لا أجيب وأما الحكايات فست: الأولى: عن بعضهم أنه قال في آخر مجلس: اللهم اغفر لفتانًا قلبا، وأجمدنا عينا، وأقربنا بالمعصية عهدًا، فقام رجل (مونث) (١) فقال: ها أنا ذا أعده عليَّ، فادع اللَّه كي يتوب عليَّ، فرأيت في الليلة الثانية، كأني واقف بين يدي الرب ﷻ ، وهو يقول لي: سرني حين أوقعت الصلح بيني وبين عبدي، وقد غفرت لك وله ولأهل المجلس أجمعين من أخطأ ومن ندما. يا رب قد تبت فاغفر زلتي كرمًا … وارحم بعفوك يا خير من رحما لا عدت أفعل ما قد كنت أفعله … عمري فخذ بيدي يا خير من رحما هذا مقام ظلوم خائف وجل … لم يظلم الناس لكن نفسه ظلما واصفح بفضلك عمن جاء معتذرًا … واغفر ذنوب مسيء طالما اجترما إبليس قد غواني … ومسني منهما الذنوب إذا انقضى للشقاء ذنب … تجدد من بعده ذنوب الثانية: عن ذي النون (٢) قال: بينما أنا أمشي على شاطئ النيل إذ رأيت عقربًا

стр. 54

تدب، فأخذت حجرًا فأردت قتلها، فهربت مسرعة، فوقفت على شاطئ النيل، فوثبت العقرب عليها، فغدت بها إلى ذلك فتبعتها، ونزلت عن ظهرها وإذا بنائم سكران أقبل عليه ثعبان ليلدغه، فلدغتها العقرب فتقطع الثعبان قطعًا، فأيقظت الرجل فقام فزعًا، فلما رأى الثعبان ولى هاربًا. فقلت له: لا تخف كفيت أمره، وقصصت عليه القصة، فأطرق برأسه ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: يا رب هكذا تفعل بمن عصاك، فكيف تفعل بمن أطاعك، وعزتك وجلالك لا أعصيك بعدها أبدًا، ثم ولى باكيًا وهو يقول: يا راقدًا والجليل يحرسه … من كل سوء يدن في الظلم كيف تنام العيون عن ملك … تأتيك منه فوائد النعم سبحان من خلق الأشياء وقدرها … ومن يجود على العاصي ويستره يخفي القبيح ويبدي كل صالحة … ويغمد العبد إحسانا ويشكره ويغفر الذنب للعاصي ويقبله … إذا أناب وبالغفران يجبره ومن يلوذ به في دفع نائبة … يعطيه من فضله عزًا وينصره ولا يضيع مثقالًا لمجتهد … في ماله بل يربيه ويؤخره ومن يكن قلبه من ذنبه دنسًا … فبالمدافع والتقوى يطهره وليس للعبد تصريف وأن له … مولى يغنيه أو إن شاء يفقره فلا الحذار ينجي العبد من قدر … يريده اللَّه أو أمر يدبره ونسأل اللَّه حقًا حسن خاتمة … عند الممات وصفوًا لا يكدره الثالثة: حكي أن إبراهيم بن أدهم (١) مر بسكران مطروح على قارعة الطريق، وقد طفح سكره من فمه، فنظر إليه إبراهيم وقال: أي لسان أصابته هذه الآفة وقد ذكر اللَّه به، فدنا منه وغسل فمه فلما أفاق أُخبر بفعل إبراهيم فخجل، فتاب فحسنت توبته، فرأى إبراهيم فيما يرى النائم كان قائلا يقول له: طهرت لأجلنا فمه، فطهرنا لأجلك قلبه.

стр. 55

الرابعة: حكي أن بشرًا كان في زمن لهوه في دار، وعنده ندماء يطيبون، فاجتاز منهم رجل صالح فدق الباب، فخرجت إليه جارية، فقال لها: صاحب هذه الدار حر أم عبد؟ قالت: بل حر قال: صدقت؛ لو كان عبدًا لاستعمل أدب العبودية، وترك اللهو والطرب، فسمع بشر (١) محاورته لها، فسارع إلى الباب حافيًا حاسرًا، وقد ولى الرجل، فقال لها: ويحك من كلمك، فأخبرته بما قال، فتبعه بشر حتى لحقه، وقال له: يا سيدي أعد على كلامك، فأعاده، فمرغ بشر خده في الأرض، وقال: بل عبد، عبد، عبد، ثم هام على وجهه حافيًا حاسرًا حتى عُرف بالحافي، فقيل له: لم لا تلبس نعلين؟ فقال: لأني ما صالحت مولاي إلا وأنا حاف، فلا أزال عليها حتى أموت، وحكي عنه أنه سئل عن بدء أمره، وشهرة اسمه بين الناس فقال: هذا من فضل اللَّه، كنت رجلًا عبارًا صاحب عصبية، فوجدت قرطاسًا في الطريق فرفعته، فإذا فيه البسملة، فمسحته وجعلته في جيبي، وكان عندي درهمان لا أملك غيرهما، فشريت بهما غالية، وطيبت بها القرطاس، فرأيت في المنام تلك الليلة كأن قائلًا يقول: يا بشر لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة: (٢) تتوب من الذنوب إذا مرضت … وترجع للذنوب إذا برئتا إذا ما الضر مسك أنت باك … وأخبث ما تكون إذا قويتا فكم من كربة نجاك منها … وكم كشفت البلاء إذا بليتا

стр. 56

وكم غطاك في ذنب وعنه … مدى الأيام جهرًا قد نهيتا أما تخشى بأن تأتي المنايا … وأنت على الخطايا قد ذهبتا وتنسى فضل رب جاد لطفا … عليك ولا ارعويت ولا خثئتا وكم عاهدت ثم نقضت عهدا … وأنت لكل معروف نسيتا فدارك قبل نقلك عن ديارك … إلى قبر إليه قد نعيتا الخامسة: حكي عن بعضهم أنه رؤي بعد موته في المنام فقيل له: ما فعل اللَّه بك؟ قال: أعطاني كتابي بيميني، فمررت بزلة فاستحييت أن أذكرها، فقلت: إلهي لا تفضحني، فقال: حين عملتها ولم تستحي مني لم أفضحك، أفأفضحك وأنت تستحي مني، قد غفرت لك زلتك، وأدخلتك الجنة برحمتي وكرمي. فسبحان من أبدى جميل جماله … على عبده لطفًا وجود جواد وأخفى المساوئ والعيوب تكرمًا … وحلما تعالى ساتر العباد السادسة: مر عليّ ﵄ ببعض شوارع البصرة، فإذا هو بحلقة كبيرة، والناس حولها يمدون الأعناق ويشخصون إليها بالأحداق، فمضى إليهم لينظر ما سبب اجتماعهم، وإذا فيهم شاب حسن الشباب نقي الثياب، عليه هيئة الوقار، وسكينة الأخيار، وهو جالس على كرسي، والناس يأتونه بقوارير من الماء، وهو ينظرها ويصف لهم ما يوافق من أنواع الدواء، فتقدم إليه وقال: السلام عليك أيها الطبيب (١) ورحمة اللَّه وبركاته، هل عندك شيء من أدوية الذنوب، فقد أعيا الناس دواءها فأطرق برأسه ولم يتكلم، فناداه ثانية وثالثة كذلك، فرفع الطبيب رأسه بعد ما رد السلام وقال: أوتعرف أدوية الذنوب، بارك اللَّه فيك؟ قال: صف وباللَّه التوفيق، قال: تعمد إلى بستان الإيمان، فتأخذ منه عروق النية، وحب الندامة، وورق التدبير، وبذر الورع، وثمر العفة، وأغصان اليقين، ولب الإخلاص، وقشور الاجتهاد، وعروق التوكل، وأكمام الاعتبار، وسيسبان الإنابة، وترياف التواضع، تأخذ هذه الأدوية بقلب حاضر، وفهم واقد، بأنامل التصريف، وكف التوفيق، ثم تضعها في طبق التحقيق، ثم تغسلها بماء الدموع، ثم تصفيها في قدر الرجاء، ثم توقد عليها

стр. 57

بنار الشوق حتى ترعى زبد الحكمة، ثم تفرغها في صحاف الرضا، ثم تروح عليها بمرواح الاستغفار (١)، ينعقد لك من ذلك شربة جدة، ثم تشربها في مكان لا يراك فيه أحد إلا مولاك، فإن ذلك يزيل عنك الذنوب، فلا يبقى عليك ذنب، ثم أنشأ يقول: يا طالب الحوراء في حسنها … شمر فتقوى اللَّه من مهرها وكن مجدًا وانيا … وجاهد النفس على صبرها ثم شهق شهقة فارق الدنيا، فقال عليّ: واللَّه إنك لطبيب الدنيا والآخرة. قال ذو النون: إن للَّه عبادا نصبوا أشجار الخطايا نصب أعينهم، وسقوها بماء التوبة، فأثمرت ندما وحزنا، فجنوا من غير جنون، وإنهم لهم العارفون (٢) باللَّه ورسوله، ثم شربوا بكأس الصفا، فوزنوا الصبر على طول البلاء، ثم تولهت قلوبهم في الملكوت، وجالت فكرتهم بين سرايا حجب الجبروت، واستظلوا تحت رواق الندم، فقرأوا صحيفة الخطايا، فأورثوا أنفسهم الجزع حتى وصلوا إلى علو الزهد بسلم الورع، فاستعذبوا مرارة الترك للدنيا، واستلانوا خشونة المضجع حتى ظفروا بجبل النجاة، وعروة السلامة وسرحت أرواحهم في العلا حتى أناخوا في رياض النعيم، وخاضوا في بحر الحياة، وردموا خنادق الجزع، وعبروا جسور الهوى حتى نزلوا بفناء العلم، واستقوا من غدير الحكمة، وركبوا في سفينة العصمة، وأقلعوا بريح النجاة في بحر السلامة حتى وصلوا إلى رياض الرَّاحة، ومعدن العز والكرامة. ركب المحب إلى الحبيب سفينة … تجري من الخطرات في أمواج في (سرسر) (٣) الشر سرا أقلعت … في لج بحر زاخر عجَّاج يا حسنها تجري به متفردا … بعلومه في جنح ليل داج فالقلب مشكاة وفيه زجاجة … قد علقت بسلاسل المنهاج

стр. 58

متوقد بالنور من زيتونة … تسقي سراجًا فاق كل سراج غيره: واخجلة العبد من إحسان سيده … يا حيرة القلب من ألطاف (١) معناه واحسرة الطرف (٢) لم ينظر لجانبه … من المعاصي ولا يرضى بها اللَّه وكم أسأت وبالإحسان عاملني … وأخجلني وأحناي حين ألقاه وكم له من أياد غير واحدة … وافت إليّ لعلمي أنه اللَّه بلطفه وبفضل منه عرفتني … في حبه كيف أرجوه وأخشاه يا نفس كم بخفي اللطف عاملني … وقد رآني على ما ليس يرضاه يا نفس توبي من العصيان وانزجري (٣) … فقد كفى ما جرى لي حسبي اللَّه غيره: يا نفس توبي فإن الموت قد حانا … واعصي الهوى فالهوى ما زال فتانا أما ترى للمنايا (٤) كيف تلقطنا … لقطا وتلحق أخرانا بأولانا في كل يوم لنا ميت نشيعه … نفسي مصرعة آثار موتانا يا نفس ما لي والأموال أتركها … خلفي وأخرج من دنياي عريانا ما بالنا نتعامى عن مصائرنا … ننسى بغفلتنا من ليس ينسانا كم قد رأينا أناسا صالحين مضوا … موتى وقد سلبوا دينا وإيمانا فاستبدلوا الكفر بالإيمان (٥) وانقلبوا … بسوء خاتمة في الموت إعلانا

стр. 59

أبعد خمسين قد قضيتها لعبًا … قد آن تقصيرها قد آن قد آنا أين الملوك وأبناء الملوك ومن … كانت تخر له الأذقان إذعانا صاحت بهم حادثات الدهر فانقلبوا … مستبدلين من الأوطان أوطانا اخلوا منازل كان العز مفرشها … واستفرشوا حفرًا غرًّا وقيعانا يا راكضا في ميادين الهوى مرحًا … ورافلا (١) في ثياب الغي نشوانا مضى الزمان وولى العمر في لعب … يكفيك ما قد مضى قد كان ما كانا

стр. 60

مجلس في الصدق وهو حصول الحقيقة على التمام والكمال والفرق بينه وبين الإخلاص لائح للرجال، فكم من (مصفى) (١) لا قوة فيه، وهو عماد الأمر، وبه تمامه، وفيه نظامه، وهو ثاني درجة النبوة، في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ (٢) الآية. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ (٥). وقال: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ﴾ (٦). وقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ (٧). وقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ (٨). وقال: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ (٩). وقال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ (١٠). وقال: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (١١). وقال: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ (١٢). وقال: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ﴾ (١٣). وقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (١٤). وقال: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ (١٥).

стр. 61

وأما الأحاديث الواردة في الباب فنذكر منها ستة: أولها: حديث ابن مسعود مرفوعًا: "إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند اللَّه كذابًا" (١) متفق عليه. ثانيها: حديث الحسن بن علي مرفوعًا: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة" (٢) رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح. ومعناه اترك ما تشك في حله إلى ما لا تشك. ثالثها: حديث أبي سفيان صخر (٣) في حديثه الطويل في قصة هرقل، قال هرقل: فماذا يأمركم؟ -ويعني رسول اللَّه ﷺ قال: يقول اعبدوا اللَّه وحده لا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. (٤) متفق عليه، فجعله ربع الدين وبه قوام الباقي.

стр. 62

رابعها: حديث سهل بن حنيف مرفوعًا: "من سأل اللَّه -تعالى- الشهادة بصدق بلغه اللَّه -تعالى- منازل الشهداء، وإن مات على فراشه" (١) رواه مسلم. خامسها: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "غزا نبي من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها، ولمَّا يبن بها، ولا أحد بنى بيوتًا لم يرفع سقفها، ولا أحد اشترى غنمًا أو خَلِفاتٍ وهو ينتظر ولادها، فغزا، فدنا من القرية صلاة العصر، أو قريبًا من ذلك، فقال للشمس إنك مأمورة، وأنا مأمور، اللهم احبسها لنا، فحبست حتى فتح اللَّه عليه (٢) فجمع الغنائم، فجاءت -يعني النار- لتأكلها، فلم تطعمها، فقال: إن فيكم غلولًا فليبايعني من كل قبيلة رجل، فلزقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول فليبايعني قبيلتك، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاءوا برأس مثل رأس البقرة من ذهب، فوضعوها فجاءت النار فأكلتها (٣) فلم تحل الغنائم لأحد قبلنا، ثم أحل اللَّه لنا الغنائم؛ رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا" (٤) متفق عليه، وهو ظاهر في أن الغازي بصدق يفتح اللَّه على يديه،

стр. 63

ولذلك لم يستفد من له (لفتة يشعث) (١) صدقه كذبه، وأن الداعي بصدق يحبس اللَّه له الشمس، فالعمل الصادق هو النافع، وما سواه باطل غير نافع. سادسها: حديث حكيم بن حزام مرفوعًا: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما" (٢) متفق عليه أيضًا.

стр. 64

مجلس في العلم قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (١). وكفى به شرفًا أن يكرم الجليل تعالى أكرم خلقه وأحبهم إليه وأقربهم لديه، أن يطلب الاستزادة منه، قال الأئمة: لم يأمر اللَّه نبيه أن يطلب المزيد في شيء إلا فيه. وقال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٤) والآيات فيه كثيرة. وروينا في الصحيحين من حديث معاوية مرفوعًا: "من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين" (٥) والفقه فهم ما يدق ويغمض ويخفيه الإنسان حتى يفقه عنه، وتفتح به الأذهان، وقد قال تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٥]. وقال: ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٩٨]. فالفقه في الدين (٦) فهم وحكم كل شيء منه مع لطائفه وأسراره وحكمته وغايته وشروطه وأركانه وسننه وآدابه ومكملاته وسوابقه ولواحقه، وكل مفسد له، ومحبط

стр. 65

لأجله من موانع قبوله وغير ذلك من أسبابه وأهله ومحله كما يحرفه أهله، وافهم قوله: "من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه" ضد عكسه، وأنه لا يراد به خير، وكفى به حسرة وشقاء. وروينا من حديث ابن مسعود ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين؛ رجل آتاه اللَّه مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه اللَّه الحكمة، فهو يقضي بها ويعلمها" (١) أخرجاه. والمراد بالحسد الغبطة (٢)، وهو أن يتمنى مثله، والمراد بالحكمة هنا الفقه في الدين كما فسرها به، والقضاء والتعليم هو فائدة الحكمة واليقين والفقه في الدين. وروينا فيها من حديث أبي موسى قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مثل ما بعثني اللَّه به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء (٣) وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع اللَّه بها الناس؛ فشربوا منا وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين اللَّه، ونفعه ما بعثني اللَّه به فلعم وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدي اللَّه الذي أرسلت به" (٤). قلت: فالأول: العالم علم الدراية. والثاني: رواية كالأجداب. والثالث: من لا علم له.

стр. 66

وروينا من حديث سهل بن ساعد الساعدي، أن النبي ﷺ قال لعلي: "فواللَّه لأن يهدي اللَّه بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم" (١) أخرجاه. وروينا من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ قال: "بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (٢) أخرجه البخاري. وهو إذن كريم لمن علم شيئًا، وإن قلّ أن يبلغه، ففيه بشرى كونه وارث النبي ﷺ وقائمًا مقامه في بعض التبليغات. وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل اللَّه له طريقًا إلى الجنة" (٣) أخرجه مسلم. ويحتمل أن يكون المراد الطريق الحسية والمعنوية، وهو الطرق الموصلة من تكرير وحفظ، ومطالعة ومراجعة، ومذاكرة ومدارسة، ونحو ذلك. وروينا من حديثه أيضًا مرفوعًا: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا" (٤) أخرجه مسلم. وفيه بشرى بالنجاة

стр. 67

لمن هذا حاله. وروينا من حديثه أيضًا مرفوعًا: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (١) أخرجه مسلم، والعلم المنتفع به يشمل المؤلفات وغيرها. وروينا من حديثه أيضا مرفوعا: "الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر اللَّه وما والاه، وعالمًا ومتعلما" (٢) رواه الترمذي وحسنه. وقوله: وما والاه: أي طاعة اللَّه؛ إذ السلامة من اللعن، أي الإبعاد من الرحمة خير كثير، وهو أحد الفضلين: الغنيمة والسلامة. وروينا من حديث أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من خرج في طلب العلم، فهو في سبيل اللَّه حتى يرجع" (٣) رواه الترمذي وحسنه. يعني أن رجوعه طاعة مكتوبة، ومن كان هذا حاله فهو مرضي عنه. وروينا من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "لن يشبع مؤمن من خير حتى يكون منتهاه الجنة" (٤) رواه الترمذي وحسنه. فمن شبع فليس بمؤمن، وناهيك به منقذًا من القناعة في العلم، وسره. ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. وروينا من حديث أبي أمامة (٥) مرفوعًا: "فضل العالم على العابد كفضلي على

стр. 68

أدناكم" ثم قال الرسول ﷺ : "إن اللَّه وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير" رواه الترمذي وحسنه. وروينا من حديث أبي الدرداء مرفوعًا (١): "من سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا سهل اللَّه له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاء لطالب العلم، وإن العام ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر" رواه أبو داود والترمذي وصححه وابن حبان. والجليل وملائكته يعظم طالب العلم، فكيف العالم، ونور العلم يزيد على نور العبادة، كما مثله بالقمر بالنسبة إلى باقي الكواكب. وروينا من حديث ابن مسعود مرفوعًا (٢): "نضر اللَّه امرأ سمع منا شيئًا فبلَّغه كما سمعه، فرب مبلِّغ أوعى من سامع". رواه الترمذي وقال حسن صحيح. فنضرة النعيم فضل عميم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]. وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من سئل عن علم فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار" (٣) رواه الترمذي وحسنه. فليحذر العالم من ذلك، والمراد ما يجب بذله. ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾ (٤).

стр. 69

قال بعضهم: من نهر السائل رده بلا جوب. وروينا عنه مرفوعًا: "من تعلم علمًا مما يبتغي به وجه اللَّه لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة - يعني ريحها" (١) رواه أبو داود بإسناد صحيح. وهو أبلغ زجر وردع عن نية غير صالحة. وروينا من حديث ابن عمر مرفوعًا: "إن اللَّه لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" (٢) أخرجاه. وهو محذر من الرياسة والإفتاء بغير علم، وفيه غير ذلك من الأحاديث، وقد أفردت بالتأليف، وهذا القدر كاف منها.

стр. 70

مجلس في الصبر وهو مسك النفس وحبسها عما يكره الرب -تعالى- وتنشأ من تعظيم أمره، وإيثار رضوانه، والحذر من مقته. ويترتب عليه الثبات -إن شاء اللَّه- إلى الممات. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ (١) والصبر شامل، والمصابرة فرد من أفراده. والعطف للعناية، لينال بها في الجهاد إلى أشرف غاية. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢). وقال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ (٣) أي المهمات منها. وقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. (٤) فالالتجاء بهما عند حلول البليات يجزل الصلات. وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ (٥) فيعز المرء إذ ذاك أو يهان، فبالاختبار تظهر الرجال. والآيات في الأمر بالصبر كثيرة مشهورة غزيرة، ولنذكر جملة من الأحاديث الثابتة في فوائده، ومستهلات منازله، وبيان وقته وأهله وما ينافيه، وتنوع حكمته، والزجر عن تمني موجبه، فإنما هو للضرورة في شكر العافية أغنى عنه، وصبر السَّراء أفضل من صبر الضَّراء (٦)، ويحضرنا منها تسعة وعشرون حديثًا.

стр. 71

أولها: حديث أبي مالك الحارثي الأشعري الطويل، وفيه: "والصبر ضياء" (١) أخرجه مسلم. إذا وجد حصل الفرج والوضأة، وإثابة سبل السلامة، واندار مهاوي الردى. ثانيها: حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "ومن يتصبر يصبره اللَّه، وما أعطى أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر" (٢) متفق عليه. وإذا حصل الوسع، فأي ضيق أو ضيم يوجد معه؟!! ثالثها: حديث أبي يحيى صهيب بن سنان مرفوعا: "عجبًا لأمر المؤمن؛ إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيرًا له" (٣) رواه مسلم. فكأنه يقلب ضرَها ونفعها، وأعظم بذلك وصفًا ووضعًا. رابعها: حديث أنس: "لما ثقل رسول اللَّه ﷺ جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة: واكرب أباه، فقال: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم" (٤) رواه البخاري.

стр. 72

وهو دال على بدء الشدائد، وإفضال العوائد. خامسها: حديث أسامة: "أرسلت بنت رسول اللَّه ﷺ إن ابني قد احتضر، فأرسل إليها فلتصبر ولتحتسب (١) متفق عليه. فليس للعبد سوى الصبر، لينال الرحمة والثواب في المحيا والممات. سادسها: حديث صهيب في قصة الغلام مع الساحر والراهب. (٢) أخرجه مسلم بطوله. وهو دال على أن من كان على الحق لا يضره نبال ولا منشار ولا نار بقدرة الجبار. سابعها: حديث أنس: "مر ﷺ بامرأة تبكي عند قبر، وفي لفظ على صبي لها، فقال: "اتقي اللَّه واصبري" فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمثل مصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه رسول اللَّه، فأتت بابه فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى". (٣) متفق عليه. وهو دال على بيان أهم أوقات الاعتناء به، والشارع أقرَّها على قولها: إليك عني، وما أقواه من تجني. ثامنها: حديث أبي هريرة مرفوعا: "يقول اللَّه -تعالى- ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفته من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة" (٤) رواه البخاري.

стр. 73

والصفي: هو الابن أو الحميم، أو الحبيب. تاسعها: حديث عائشة مرفوعًا في الطاعون: "إنه كان عذابًا يبعثه اللَّه -تعالى- على من يشاء، فجعله اللَّه رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع في بلدة الطاعون، فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا يعلم أنه ما يصيبه إلا ما كتب اللَّه له إلا كان له مثل أجر الشهيد" (١) رواه البخاري. عاشرها: حديث أنس مرفوعًا: "إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر، عوضته منهما في الجنة" (٢) يريد عينيه. رواه البخاري. الحادي عشر: حديث ابن عباس في المرأة التي تُصرع وتنكشف، وأنها سألت الدعاء من رسول اللَّه ﷺ فقال: "إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت اللَّه أن يعافيك" فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف، فادع اللَّه أن لا أنكشف، فدعا لها. (٣) الثاني عشر: حديث ابن مسعود: "كأني أنظر إلى رسول اللَّه ﷺ يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" (٤). الثالث عشر: حديث أبي سعيد وأبي هريرة مرفوعا: "ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر اللَّه بها من خطاياه" (٥).

стр. 74

الرابع عشر: حديث ابن مسعود: "دخلت على رسول اللَّه ﷺ وهو يوعك، فقلت: يا رسول اللَّه، إنك توعك وعكًا شديدا، قال: "أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم" قلت: ذلك أن لك أجرين؟ قال: "أجل، ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى، شوكة فما فوقها إلا كفر اللَّه بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها"" (١) متفق عليهن - أعني الأربعة. شعر: قد ينعم اللَّه بالبلوى وإن عظمت … ويبتلي اللَّه بعض القوم بالنعم الخامس عشر: حديث أنس مرفوعًا: "لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي" (٢) متفق عليه أيضًا. ووجه النهي أنه مناف للصبر الذي تركه محبط للأجر. السادس عشر: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من يرد اللَّه به خيرًا يصب منه" (٣) رواه البخاري. وهو من تسهيل التخلق بالصبر. السابع عشر: حديث خباب بن الأرت (٤) مرفوعًا: "قد كان من قبلكم يؤخذ

стр. 75

الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه" (١) الحديث، رواه البخاري. فالتبرم مناف للصبر، مخوف لعدم كشف الضر. الثامن عشر: حديث ابن مسعود مرفوعا: لما قيل له، وقد قسم: واللَّه إن هذه قسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه اللَّه، فتغير وجهه ﵊ حين بلغه، حتى كان كالصِّرف (٢)، ثم قال: "فمن يعدل إذا لم يعدل اللَّه ورسوله، يرحم اللَّه موسى؛ لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر" (٣) متفق عليه. وهو دال على أن هذه الأمور غير منافية للصبر ولا مفوتة للأجر، والأسى يذهب الأسى، عملًا بقوله: "لقد أوذي. . . إلى آخره". التاسع عشر: حديث أنس مرفوعًا: "إذا أراد اللَّه بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد اللَّه بعبده الشرَّ أمسك عنه بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامة". وقال ﷺ عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن اللَّه -تعالى- إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط" (٤) رواه الترمذي وحسنه. فالبلاء دليل إرادة الخير، إذ عقوبة الذنب، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فمن عظم بلاؤه عظم أجره، وهو دال على محبة اللَّه لعبده إذا عجل عقوبته في الدنيا وآجره في العقبى. العشرون: حديثه أيضًا في قصة أم سليم مع أبي طلحة في موت الولد وإخفائه حتى واقعها، فبارك لهما في ليلتهما، فحصل ولد ومنه تسعة أولاد، كلهم قد قرأ القرآن. (٥) متفق عليه.
следующие страницы →