← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1330

حدائق الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أولها: حديث أبي مالك الحارثي الأشعري الطويل، وفيه: "والصبر ضياء" (١) أخرجه مسلم. إذا وجد حصل الفرج والوضأة، وإثابة سبل السلامة، واندار مهاوي الردى. ثانيها: حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "ومن يتصبر يصبره اللَّه، وما أعطى أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر" (٢) متفق عليه. وإذا حصل الوسع، فأي ضيق أو ضيم يوجد معه؟!! ثالثها: حديث أبي يحيى صهيب بن سنان مرفوعا: "عجبًا لأمر المؤمن؛ إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيرًا له" (٣) رواه مسلم. فكأنه يقلب ضرَها ونفعها، وأعظم بذلك وصفًا ووضعًا. رابعها: حديث أنس: "لما ثقل رسول اللَّه ﷺ جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة: واكرب أباه، فقال: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم" (٤) رواه البخاري.

стр. 72

وهو دال على بدء الشدائد، وإفضال العوائد. خامسها: حديث أسامة: "أرسلت بنت رسول اللَّه ﷺ إن ابني قد احتضر، فأرسل إليها فلتصبر ولتحتسب (١) متفق عليه. فليس للعبد سوى الصبر، لينال الرحمة والثواب في المحيا والممات. سادسها: حديث صهيب في قصة الغلام مع الساحر والراهب. (٢) أخرجه مسلم بطوله. وهو دال على أن من كان على الحق لا يضره نبال ولا منشار ولا نار بقدرة الجبار. سابعها: حديث أنس: "مر ﷺ بامرأة تبكي عند قبر، وفي لفظ على صبي لها، فقال: "اتقي اللَّه واصبري" فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمثل مصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه رسول اللَّه، فأتت بابه فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى". (٣) متفق عليه. وهو دال على بيان أهم أوقات الاعتناء به، والشارع أقرَّها على قولها: إليك عني، وما أقواه من تجني. ثامنها: حديث أبي هريرة مرفوعا: "يقول اللَّه -تعالى- ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفته من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة" (٤) رواه البخاري.

стр. 73

والصفي: هو الابن أو الحميم، أو الحبيب. تاسعها: حديث عائشة مرفوعًا في الطاعون: "إنه كان عذابًا يبعثه اللَّه -تعالى- على من يشاء، فجعله اللَّه رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع في بلدة الطاعون، فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا يعلم أنه ما يصيبه إلا ما كتب اللَّه له إلا كان له مثل أجر الشهيد" (١) رواه البخاري. عاشرها: حديث أنس مرفوعًا: "إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر، عوضته منهما في الجنة" (٢) يريد عينيه. رواه البخاري. الحادي عشر: حديث ابن عباس في المرأة التي تُصرع وتنكشف، وأنها سألت الدعاء من رسول اللَّه ﷺ فقال: "إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت اللَّه أن يعافيك" فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف، فادع اللَّه أن لا أنكشف، فدعا لها. (٣) الثاني عشر: حديث ابن مسعود: "كأني أنظر إلى رسول اللَّه ﷺ يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" (٤). الثالث عشر: حديث أبي سعيد وأبي هريرة مرفوعا: "ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر اللَّه بها من خطاياه" (٥).

стр. 74

الرابع عشر: حديث ابن مسعود: "دخلت على رسول اللَّه ﷺ وهو يوعك، فقلت: يا رسول اللَّه، إنك توعك وعكًا شديدا، قال: "أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم" قلت: ذلك أن لك أجرين؟ قال: "أجل، ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى، شوكة فما فوقها إلا كفر اللَّه بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها"" (١) متفق عليهن - أعني الأربعة. شعر: قد ينعم اللَّه بالبلوى وإن عظمت … ويبتلي اللَّه بعض القوم بالنعم الخامس عشر: حديث أنس مرفوعًا: "لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي" (٢) متفق عليه أيضًا. ووجه النهي أنه مناف للصبر الذي تركه محبط للأجر. السادس عشر: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من يرد اللَّه به خيرًا يصب منه" (٣) رواه البخاري. وهو من تسهيل التخلق بالصبر. السابع عشر: حديث خباب بن الأرت (٤) مرفوعًا: "قد كان من قبلكم يؤخذ

стр. 75

الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه" (١) الحديث، رواه البخاري. فالتبرم مناف للصبر، مخوف لعدم كشف الضر. الثامن عشر: حديث ابن مسعود مرفوعا: لما قيل له، وقد قسم: واللَّه إن هذه قسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه اللَّه، فتغير وجهه ﵊ حين بلغه، حتى كان كالصِّرف (٢)، ثم قال: "فمن يعدل إذا لم يعدل اللَّه ورسوله، يرحم اللَّه موسى؛ لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر" (٣) متفق عليه. وهو دال على أن هذه الأمور غير منافية للصبر ولا مفوتة للأجر، والأسى يذهب الأسى، عملًا بقوله: "لقد أوذي. . . إلى آخره". التاسع عشر: حديث أنس مرفوعًا: "إذا أراد اللَّه بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد اللَّه بعبده الشرَّ أمسك عنه بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامة". وقال ﷺ عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن اللَّه -تعالى- إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط" (٤) رواه الترمذي وحسنه. فالبلاء دليل إرادة الخير، إذ عقوبة الذنب، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فمن عظم بلاؤه عظم أجره، وهو دال على محبة اللَّه لعبده إذا عجل عقوبته في الدنيا وآجره في العقبى. العشرون: حديثه أيضًا في قصة أم سليم مع أبي طلحة في موت الولد وإخفائه حتى واقعها، فبارك لهما في ليلتهما، فحصل ولد ومنه تسعة أولاد، كلهم قد قرأ القرآن. (٥) متفق عليه.

стр. 76

فكل ما عند الشخص عارية، والحق لا يشق إلا على أحمق، والخلف عند الرب -تعالى- عاجلا أعظم وأكثر مما فات، يؤتكم خيرًا مما أُخذ منكم. الحادي بعد العشرين: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (١) الثاني بعد العشرين: حديث سليمان بن صرد: أنه ﷺ قال للذي احمر وجهه عند السب: "إني أعرف كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم" فتعوذ (٢). متفق عليهما. الثالث بعد العشرين: حديث معاذ بن أنس مرفوعًا: "من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه اللَّه على رءوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور ما شاء" (٣) رواه أبو داود والترمذي وحسنه. فيا سعادة من وقع له ذلك بين الأمم، فيه يغبط ويسر، ويصرف كل ألم. الرابع بعد العشرين: حديث أبي هريرة: "أن رجلا قال لرسول اللَّه ﷺ : أوصني، قال: "لا تغضب"، فردد عليه مرارًا، قال: "لا تغضب"". (٤) رواه البخاري.

стр. 77

أي لا تعمل بمقتضاه، فيخفف مؤنة الصبر وتأباه. الخامس بعد العشرين: حديثه أيضًا مرفوعًا: "ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى اللَّه -تعالى- وما عليه خطيئة" (١) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. فهو صارف لمشقته، ومنه حديث: "مثل المؤمن كخامة الزرع" (٢) وتسهيل لتناوله. السادس بعد العشرين: حديث ابن عباس: أن عيينة بن حصن قال لعمر بن الخطاب ﵄: فواللَّه ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يقع به، فقال له: الحرُّ يا أمير المؤمنين، إن اللَّه -تعالى- قال لنبيه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وإن هذا من الجاهلين، واللَّه ما جاوزها عمر، "وكان وقَّافًا عند كتاب اللَّه". رواه البخاري (٣). وهو من صوارف المشقات، وتسهيل المعضلات. السابع بعد العشرين: حديث ابن مسعود مرفوعًا: "إنه ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها" قالوا: يا رسول اللَّه، فماذا تأمرنا؟ قال: "تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون اللَّه الذي لكم". (٤) فالأثرة من مجاري الصبر، والسؤال ليحمل الصبر وتصرف المشقة. الثامن بعد العشرين: حديث أسيد بن حضير: "أن رجلًا من الأنصار قال: يا

стр. 78

رسول اللَّه، ألا تستعملني كما استعملت فلانًا؟ قال: "إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض"". (١) وهو مسهل للصبر على الأثرة، وصارف للمشقة، كما قيل: كلما فات في الليالي المواضي … فهو في ذمة الليل البواقي التاسع بعد العشرين: حديث ابن أبي أوفى مرفوعًا: "يا أيها الناس: لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا اللَّه العافية" (٢) الحديث، متفق عليهن - أعني الثلاثة. فتمني ذلك قد يحمل على تمني البلايا والنوازل، فالصبر أجمل طريق؛ إذ به يحصل الجزاء على التحقيق. ونذكر من الحكايات الائقة بذلك ما حضر: فالحكاية الأولى: ما حكي عن بعضهم أنه رأى مبتلى يقول: الحمد للَّه الذي أنعمت عليَّ وفضلتني على كثير من خلقك تفضيلًا (٣)، فقيل: على أي نعمة تحمده؟ أم على أي فضل تشكره؟ فواللَّه ما أرى شيئًا من البلاء إلا هو بك!! فقال: ألا ترى ما قد صنع اللَّه بي، فواللَّه لو أرسل السماء على نار فأحرقتني، وأمر الجبال فدكتني، والبحار فأغرقتني، ما ازددت له إلا حمدًا وشكرًا؛ فإن لي إليك حاجة، كانت لي بنت تخدمني وتتعاهدني عند إفطاري، فانظر هل هي موجودة فتطلبها بين تلك الرمال، فإذا السبع قد أكلها، فأخبرته بذلك، فقال: الحمد للَّه الذي لم يخرجني من الدنيا وفي قلبي منها شيء، ثم شهق شهقة ومات، فجهزته ودفنته، فرأيته في المنام

стр. 79

في روضة خضراء عليه حلتان خضراوتان، وهو قائم يتلو القرآن، فقلت: ألست صاحبي بالأمس؟ قال: بلى، قلت: فما صيرك إلى ما أرى؟!! قال: وردت مع الصابرين على درجة لم ينالوها إلا بالصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء. الثانية: عن معروف الكرخي (١) أنه توفي له ولد فلم يحزن عليه، فقيل له في ذلك، فقال: رأيت جوار اللَّه وثوابه خيرًا له مني. الثالثة: عن أبي علي الرازي قال: صحبت الفضيل بن عياض ثلاثين سنة، فما رأيته ضاحكًا إلا يوم أن مات ولده، فقيل له في ذلك، فقال: إن اللَّه أحب أمرًا فأحببته. الرابعة: عن المعافي بن عمران قال: دخلت على فتح الموصلي فرأيته قاعدًا في الشمس، وصبية له عريانة، وابن له مريض، فقلت: ائذن لي حتى أكسو هذه الصبية، قال: لا، قلت: ولم؟ قال: دعها حتى يرى اللَّه صبرها وصبري عليها فيرحمني، قال: فجاوزت إلى الصبي، وقعدت عند رأسه فقلت: أتشتهي شيئًا؟ قال: ومن أنت؟ قلت: المعافي، فرفع رأسه إلى السماء، فقال مني الصبر، ومنك البلاء. الخامسة: عن ذي النون المصري قال: رأيت بعض أصحابي في المنام، فقلت: ما فعل بك؟ قال: غفر لي ببركتك، ومحبتي فيك، فأدخلني الجنة، وعرض على منازلي فيها، قال ذلك ووجهه حزين، قلت: مالي أراك حزينًا؟ فتنفس الصعداء، ثم قال: لا أزال حزينًا إلى يوم القيامة، قلت: ولم؟ قال: لما رأيت منازلي في الجنة رفعت لي مقامات في عليين، فلما رأيتها فرحت وهممت بدخولها، فناداني مناد من فوقها: اصرفوه عنها، فليس هذه له، إنما هي لمن أمضى في سبيل اللَّه - يعني كلما أصابه شيء من أمور الدنيا، قال: في سبيل اللَّه، ثم لا يرجع فيه، فلو كنت أمضيت

стр. 80

السبيل لأمضينا لك الدخول فيها. السادسة: عن عبد الواحد بن زيد قال: خرجت إلى ناحية (الخريبة) (١) فإذا أن بشاب أسود مجذوم قد تقطعت أوصاله، وعمي، وأقعد، وإذا صبيان يرجمونه حتى أدموا وجهه، فرأيته يحرك شفتيه، فدنوت منه فإذا به يقول: يا سيدي إنك تعلم أنك لو قرضت لحمي بالمقاريض، ونشرت عظامي بالمناشير، ما ازددت لك إلا حبا، واصنع بي ما شئت. السابعة: روي أن يونس (٢) ﷺ قال لجبريل "دلني على أعبد أهل الأرض، فأتى به إلى رجل قد قطع الجذام يديه ورجليه، وهو يقول: متعتني بهما حيث شئت، وسلبتهما حيث شئت، وأبقيت لي فيك الأمل يا بار يا غفور، فقال يونس: يا جبريل سألتك أن تريني صواما قواما، فقال قد كان قبل البلاء هكذا، وقد أمرت أن أسلبه بصره، فأشار إلى عينيه فسالتا، فقال: متعتني بهما حيث شئت، وسلبتهما حيث شئت، وأبقيت لي فيك الأمل يا بار يا غفور، فقال جبريل: هل تدعو وندعوا معك، ويرد اللَّه عليك يديك ورجليك وبصرك، وتعود إلى العبادة التي كنت عليها؟ فقال: ما أحب ذلك، قال: ولم؟!! قال: إذا كانت محبته في هذا، فمحبته أحب إليَّ، فقال يونس: ما رأيت أحدًا أعبد من هذا، فقال جبريل: هذا طريق لا يوصل إلى اللَّه بأفضل منه، وأنشدوا: قالت لطيف الخيال زارها ومضى … باللَّه صفة ولا تنقص ولا تزد فقال خلقته لو مات من ظمإ … وقلت قف عن ورود الماء لم يرد قالت صدقت الوفا في الحب عادته … يا برد ذاك الذي قالت على كبدي الثامنة: عن أبي الحسن السراج قال: حججت فبينا أنا أطوف فإذا أنا بامرأة قد أضاء حسن وجهها، فما رأيت مثل ذلك، وما ذاك إلا لقلة الهم والحزن، فسمعت ذلك القول مني فقالت: أعده فواللَّه إني لوثيقة بالأحزان، مكلومة الفؤاد بالهموم

стр. 81

والأشجان، ما يشركني فيها أحد، قلت: وكيف ذاك؟ قالت: ذبح زوجي شاة وضحى بها، ولي ولدان صغيران يلعبان، وعلى ثديي طفل يرضع، فقمت لأصنع لهم طعاما، إذ قال ابني الكبير للصغير: ألا أريك كيف صنع أبي الشاة؟ قال: بلى، فأضجعه وذبحه، وخرج هاربًا نحو الجبل، فأكله ذئب، فانطلق أبوه في طلبه، فأدركه العطش فمات، فوضعت الطفل وخرجت إلى الباب أنظر ما فعل أبوهم، فدب الطفل إلى البرمة، وهي على النار، فألقى يده فيها وصبها على نفسه، وهي تغلي، فانتثر لحمه عن عظمه، فبلغ ذلك ابنة لي كانت عند زوجها، فرمت بنفسها إلى الأرض، فوافت أجلها، فأفردني الدهر من بينهم، فقلت لها: كيف صبرك على هذه المصائب العظيمة؟ فقالت: ما من أحد (يبر) (١) الصبر والجزع إلا وجد منهاجًا متفاوتًا، فأما الصبر فحسن العلانية، محمود العاقبة، وأما الجزع فصاحبه غير مفوض، ثم أعرضت وهي تقول: صبرت فكان الصبر خير معول … وهل جزع يجدي إليَّ فأجزع صبرت على ما لو تحمل بعضه … جبال غرورًا أصبحت تتصدع ملكت دموع العين حتى رددتها … إلى ناظري فالعين في القلب تدفع

стр. 82

مجلس في المراقبة وهي مراقبة العبد الرب ﷻ والحذر من السخط منه، وشهود دوام جلاله واطلاعه، وذوق قربه. ويترتب عليه التحفظ والاعتبار وانتظار ما تقتضيه الأوقات والأحوال، لينتهز فرصة البدار، وينجو من دار البوار، وما أحسن من فسرها بمراعاة السرّ، وملاحظة الحق مع كل خطرة. قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾ (٢). وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ (٣) أي يترقب كل قول وفعل. وقال: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ (٤). وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٥). والآيات فيه كثيرة معلومة. ولنذكر من الأحاديث تسعة: أحدهما: حديث عمر الثابت في الصحيح في حديث جبريل، وفيه: "أن تعبد اللَّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (٦).

стр. 83

ثانيها: حديث أبي ذر ومعاذ مرفوعًا: "اتق اللَّه حيث ما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن". رواه الترمذي (١) وحسنه. ثالثها: حديث ابن عباس مرفوعًا: "يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ اللَّه يحفظك، احفظ اللَّه تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل اللَّه، وإذا استعنت فاستعن باللَّه، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللَّه لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللَّه عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف" (٢) رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح. وفي رواية غير الترمذي، بعد "احفظ اللَّه تجده أمامك": "تعرف إلى اللَّه في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكبن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا". ومعنى تجده تجاهك: أي يرفع لك أعلام التوحيد، فتستقبله كما تستقبل الأعلام، والنفع الضر بيده، والسؤال إليه، والاستعانة به. الحديث الرابع: عن أنس قال: "إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا نعدها على عهد النبي ﷺ من الموبقات". (٣) وهي من باب تحسبونه هينًا وهو عند اللَّه عظيم. الخامس: عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن اللَّه -تعالى- يغار، وغيرة اللَّه أن يأتي المرء ما حرم اللَّه عليه" (٤) متفق عليه.

стр. 84

السادس: عن أبي هريرة مرفوعًا: في قصة الأبرص والأقرع والأعمى: الطويل في الصحيحين. (١) فمراقبته في كل حال متعينة. السابع: عن شداد بن أوس مرفوعًا: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على اللَّه الأماني" (٢) رواه الترمذي وقال: حسن. ومعنى دان: حاسب، وفعل غير ذلك صارف عن المراقبة. الثامن: عن أبي هريرة مرفوعًا: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (٣) رواه الترمذي، وهو حسن؛ ففيه تنفير عن الشواغل بما لا يفيد، فالفضول من أكبر الصوارف عن المراقبة: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ (٤). التاسع: عن عمر ﵄ مرفوعًا: "لا يسأل الرجل فيما ضرب امرأته" (٥) رواه أبو داود وسره دوام حسن الظن والمراقبة بالإعراض عن الاعتراض. ولنذكر من الحكايات ما يليق بذلك فنقول: سُئل حاتم الأصم، فيما أفنيت عمرك؟ فقال: في أربعة أشياء: علمت أني لا أخلو من نظر اللَّه طرفة عين فاستحييت أن أعصيه، وعلمت أن لي رزقًا لا يجاوزني

стр. 85

وقد ضمنه اللَّه لي فوثقت به وقعدت عن طلبه، وعلمت أن لي فرضًا لا يؤديه غيري فاشتغلت به، وعلمت أن لي أجلا يبادرني فبادرته. وقال ابن عباس: يا صاحب الذنب لا تأمن سوء عافبتك، وضحكك أعظم من ذنبك، وكذا فرحك به وحزنك عليه إذا فات، وكذا خوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت مقبل عليه. وروي أن عمر ﵄ كان يعسّ (١) المدينة، فمشى حتى أعيي، فاتكأ إلى جدار، فإذا امرأة تقول لابنة لها صغيرة: قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء، فقالت: يا أماه أوما علمت ما كان من عزمة أمير المؤمنين اليوم؟ قالت: وما كان من عزمته؟ قالت: إنه أمر مناديه فنادى أن لا يشاب اللبن، فقالت: امذقيه، فإنك بمكان لا يراك فيه عمر، ولا مناديه، فقالت: فإن اللَّه -تعالى- يراني، واللَّه ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء، فزوجها عمر أحد أولاده (٢)، ومن ذريتها عمر بن عبد العزيز (٣). وعن ذي النون قال: حججت سنة فضللت عن الطريق، ولم يكن معي ماء ولا زاد، فأشرفت على الهلكة، فلاحت لي أشجار كثيرة ومحراب، فطرحت نفسي في فيء شجرة، فلما غربت الشمس إذا شاب متغير اللون، نحيل الجسم يؤم ذلك المحراب، فوكز برجله ربوة من الأرض، فظهرت عين تنض ماء عذبًا، فشرب وتوضأ وقام إلى محرابه، فقمت إلى العين فشربت ماء عذبا، وتوضأت وقمت أصلي بصلاته حتى برق عمود الفجر، فلما رأى الصبح وثب قائمًا على قدميه، ونادى بأعلى صوته: ذهب الليل بما فيه، وأقبل النهار بدواميه، ولم أقض من خدمتك وطرأ، خسر من أتعب لغيرك بدنه، وألجأ إلى سواك همه، فلما أراد أن ينصرف ناديته بالذي منجك لذيذ الرغب، وأذهب عنك ملال التعب إلا خفضت لي جناح الرحمة، فإني غريب أريد بيت اللَّه الحرام، وقد ضللت عن الطريق، فقال: يا بطال تحت أرجلنا، حتى رأيت المحجة، وسمعت ضجة، فقال: هؤلاء رفقتك، ثم أنشأ يقول: من عامل اللَّه بتقواه … وكان في الخلوة يرعاه

стр. 86

سقاه كأسا من صفاء حبه … سلبه عن لذة مرآه وأبعد الخلق وأقصا منهم … وانفرد العبد بمولاه وعن العباس بن أحمد قال: قال لي أبو سعيد: كان لي معلم يختلف إليّ يعلمني الخوف، ثم ينصرف، فقال لي يومًا: إني معلمك خوفًا يجمع لك كل شيء، قلت: ما هو؟ قال: مراقبة اللَّه. (١) وعن عبد اللَّه بن الأحنف قال: خرجت من مصر أريد الرملة لزيارة الروزباري، فرآني عيسى بن يونس المصري، فقال لي: هل أدلك؟ قلت: نعم، قال: عليك بصور فإن بها شيخًا وشابًا قد اجتمعا على حال المراقبة للَّه، فلو نظرت إليهما نظرة لأغنتك باقي عمرك، قال: فدخلت عليهما، وأنا جائع عطشان، وليس عليّ ما يسترني من الشمس، فوجدتهما مستقبلي القبلة، فسلمت عليهما، وكلمتهما، فلم يكلماني، فقلت: أقسمت عليكما باللَّه إلا كلمتماني، فرفع الشيخ رأسه وقال: يا ابن الأحنف، ما أقل شغلك، حتى تفرغ لنا، فأقمت بين يديهما حتى صليا الظهر والعصر فذهب عني الجوع والعطش، فقلت للشاب: عظني بشيء أنتفع به، فقال: تحب المصائب ليس لنا لسان العظة، فاْقمت عندهما ثلاثة أيام بلياليها لم نأكل فيها ولم نشرب، فلما كان في الثالثة قلت: لا بد من سؤالهما في وصية أنتفع باقي عمري بها، فرفع الشاب رأسه وقال: عليك بصحبة من يذكر اللَّه، تنظره يعطك بلسان فعله لا بلسان قوله، ثم التفت فلم أرهما. وعن الجنيد قال: رأيت إبليس في المنام وهو عريان، فقلت له: أما تستحي من الناس؟!! فقال: أهؤلاء عندك من الناس؟ قلت: نعم، قال: لو كانوا منهم ما تلاعبت بهم تلاعب الأكرة، ولكن الناس قوم في مسجد (الشونيرية) (٢) قد أضنوا جسدي وأحرقوا كبدي، كلما هممت بهم أشاروا إليَّ، فأكاد أحترق، فلما استيقظت، أتيت ذلك المسجد، فإذا أنا بثلاثة رجال رؤوسهم في مرقعاتهم، فلما أحسوا بي أخرج أحدهم رأسه وقال: يا أبا القاسم لا يغرنك حديث الخبيث، وأنشدوا:

стр. 87

عبيد لمولاهم تعالى وغرهم … عبيد الهوى بين الفريقين كالثرى وعلو الثرايا في ارتفاع مقامهم … بهم يرفع اللَّه البلايا عن الورى وعن بعضهم قال: كنت في جبل (لكام) (١) أطلب الزهاد والعباد، فرأيت رجلا عليه مرقعة جالسًا على حجر مطرفًا إلى الأرض، فقلت له: يا شيخ، ما تصنع هاهنا؟ قال: أنظر وأرعى، فقلت له: ما أرى بين يديك إلا الحجارة، فتغير لونه، ثم نظر إليّ مغضبًا وفال: أنظر خواطر قلبي، وأرعى أوامر ربي، فبحق الذي أظهرك عليّ إلا رحت عني، فقلت له: كلمني بشيء أنتفع به حتى أمضي، فقال: من لزم الباب أثبت من الخدم، ومن أكثر الذنوب أعقبه الندم، ومن استعنى باللَّه أمن من العدم، ثم تركني ومضى. وعن بعضهم قال: خرجت في بعض حوائجي، فبينما أنا في فلاة من الأرض، إذا برجل يدور بشجرة شوك، ويأكل من رطبها، فسلمت عليه، فقال: وعليكم السلام، تقدم وكل، فنزلت عن ناقتي، وتقدمت إلى الشجرة، فكلما أخذت منها رطبًا عاد شوكا، فتبسم الرجل وقال: هيهات، لو أطعت اللَّه في الخلوات، أطعمك الرطب في الفلوات. وعن إبراهيم بن أدهم (٢) قال: أتيت بعض البلاد فنزلت في مسجد، فلما كان العشاء الآخرة وصلينا، أتى إمام المسجد بعد انصراف الناس وقال: قم فاخرج حتى أغلق الباب، فقلت: أنا رجل غريب ههنا، وذكر حكاية الزبال بطولها - وقد ذكرت في طبقات الصوفية فراجعها. وحكي أن رجلا تعلق بامرأة ببغداد، فأبت تمكينه وكل من جاء ليخلصها منه طعنه بسكين، وكان شديدًا، فمر عليه بشر (٣) ودنا منه، وحك كتفه بكتفه، فوقع على الأرض وهدأت المرأة، ومضى بشر، فدنا الناس من الرجل، فإذا هو يرشح عرقًا كثيرًا، فسألوه عن حاله، فقال: حكَّ كتفي شيخ، وقال: إن اللَّه ناظر إليك، وإلى عملك وما تعمل، فأصغيت لقوله وهبته، ولا أدري من هو، فقيل: إنه بشر

стр. 88

الحافي (١)، فحمَّ وقال: واسوأتاه، كيف ينظر إليَّ بعد اليوم، فحمّ من يومه ومات يوم سابعه. وعن عبد الواحد بن زيد قال: سألت اللَّه ثلاث ليال أن يريني رفيقي في الجنة، فقيل له: رفيقتك فيها ميمونة السوداء، قلت: وأين هي؟ فقيل لي: في بني فلان بالكوفة، فخرجت إليها وسألت عنها، فقالوا: هي مجنونة ترعى غنيمات، فقلت: أريد أن أراها، قالوا: اخرج إلى الجبال، فخرجت، فإذا هي قائمة تصلي، فإذا بين يديها عكاز، وعليها جبة صوف مكتوب عليها: لا تباع ولا تشترى، وإذا الغنم مع الذئاب، فلا الذئاب تأكل الغنم، ولا الغنم تخاف الذئاب، فلما رأتني أوجزت في صلاتها، ثم قالت: ارجع يا ابن زيد، ليس الموعد هاهنا، إنما الموعد ثَمَّ، فقلت لها: من أعلمك بي؟!! فقالت: أما علمت أن "الأرواح جنود مجندة" (٢) الحديث. فقلت لها: عظيني، فقالت: واعجبًا لواعظ يوعَظ، إنه بلغني أنه ما من عبد أعطى من الدنيا شيئًا فابتغى إليه ثانيًا إلا سلبه اللَّه حُب الخلوة معه، وأبدله بعد القرب بعدًا، وبعد الأنس وحشة، ثم أنشأت تقول: يا واعظا قام لاحتساب … يرجو توبا من الذنوب تنهى وأنت السقيم حقًا … هذا من المنكر العجيب لو كنت أصلحت قبل هذا … عيبك أو تبت من قريب كان لما قلت يا حبيبي … موقع صدق من القلوب تنهى عن الغي والتمادي … وأنت في النهي كالمريب فقلت لها: إني أرى هذه الذئاب مع الغنم متفقة، فأي شيء هذا؟ قالت: إني أصلحت ما بيني وبينه فأصلحهم.

стр. 89

مجلس في التقوى وهي مجانبة ما يبعد عن اللَّه بالحذر منه، ومن حققها هون على قلبه الإعراض عن الدنيا، وزال الاعتراض. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (١). أي واجب تقواه، فيطاع ولا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، ولا تأخذه فيه لومة لائم، ويقوم بالقسط ولو على أبيه وابنه. وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢). وهذه الآية مبينة للمراد من الأولى، أي بالغوا في التقوى، فلا تتركوا من المستطاع منها شيئًا. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ (٣). أي قاصدًا إلى الحق. وقال: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٤). وقال: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٥). وقال: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)﴾ (٦). وقال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٧). وقال: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ (٨).

стр. 90

وقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (١). وقال: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٢). وقال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٣). وقال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٤). وقال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٥). وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ (٦). وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُم﴾ (٧). وقال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾ (٨) الآية. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ (٩) الآية. أي نصرًا وظهورًا وانتشار صيت، أو مخرجا من الشبهات، وتوفيقا، أو مرتقًا على أهل الأديان وفضلا في الدنيا والآخرة. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (١٠). وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١١). وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ (١٢). وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٣). وقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (١٤). وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ (١٥). وقال: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ (١٦). وقال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ (١٧).

стр. 91

وقال: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ (١). وقال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٢). وقال: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٣). وقال: ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (٤). وقال: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (٥). وقال: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ (٦). وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٧). وقال: ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)﴾ (٨). وقال: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا﴾ (٩). وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ (١٠). وقال: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَة﴾ (١١). وقال: ﴿يَاعِبَادِ فَاتَّقُون﴾ (١٢). وقال: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ (١٣). وقال: ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِين﴾ (١٤). وقال: ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) يَاعِبَادِ﴾ (١٥). وقال: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ (١٦). وقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١٧). وقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١٨).

стр. 92

وقال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (١). وقال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ (٢). وقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٣). وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (٤) الآية. وقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (٥). وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٦). أي من غموم الدنيا والآخرة، ومن شبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، ومن أهوال القيامة، وهي آية لو أخذ الناس بها لكفتهم، كما ورد في الحديث. وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ (٧). وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٨). وقال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٩). وقال: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)﴾ (١٠). وقال: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا﴾ (١١). وقال: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَة﴾ (١٢). وقال: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧)﴾ (١٣). وقال: ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢)﴾ (١٤). وأما الأحاديث فنذكر منها خمسة: أولها: عن أبي هريرة قال: "قيل: يا رسول اللَّه من أكرم الناس؟ قال: "أتقاهم" قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: "فيوسف نبي اللَّه، ابن نبي اللَّه، ابن نبي اللَّه، ابن خليل اللَّه" قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: "فعن معادن العرب

стр. 93

تسألوني؟ خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا"" (١) متفق عليه. وأتقى: أفعل تفضيل، وهو صريح في التفاوت في درجاته، فتقوى العامة من الشرك والعدل من المعاصي، والصالحين من الشبهات، والمريدين من الشهوات، والخواص من التوسل بالأعمال، والأولياء مما سوى الحق، والأنبياء منه إليه. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٢). وصح أنه ﷺ قال: "الحسب المال والكرم التقوى" (٣). الحديث الثاني: عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن اللَّه مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" (٤) رواه مسلم. الحديث الثالث: عن ابن مسعود مرفوعًا: كان يقول: "اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى" (٥) رواه مسلم أيضًا.

стр. 94

الرابع: عن عدي بن حاتم مرفوعا: "من حلف على يمين ثم رأى أتقى للَّه منها فليات التقوى" (١) رواه مسلم أيضا. وليتحلل يمينه مرجحًا ما هو أتقى للَّه، كما قال: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُم﴾ (٢) الآية. الخامس: عن أبي أمامة مرفوعًا: "اتقوا اللَّه وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا إذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم" (٣) رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح. فالجنة من ثمرات التقوى وفوائدها، وناهيك بذلك عظمًا وفخرًا. وصح أنه ﷺ قال: "لا تصحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي" (٤). وقال: "المسجد بيت كل تقي" (٥). فصل فيما أعده اللَّه للمتقين وكان من حقنا أن نختم به الكتاب، لكنا ذكرناه هنا مسارعة للثواب. قال تعالى: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾ [الزخرف: ٦٨] الآية، وما أبدعها من آية، وأجمعها للإيمان والإسلام، وهذا الجزاء العظيم من أنواع الخدم والمستلذات الشهية، والمناظر البهية مع الدوام، فالكم والكيف لا يوصف. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا﴾ إلى قوله:

стр. 95

﴿بِمُخْرَجِينَ﴾ (١). وما أحسن هذه الدار؛ معقل السلامة من كل آفة وعرض. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١)﴾ (٢) إلى آخر السورة. فيا لها من ملابس وأزواج، ومزوج جليل. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾ (٣) الآية. وروينا من حديث جابر ﵄ مرفوعًا: "يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولا يتغوطون ولا يتمخطون ولا يبولون، ولكن طعامهم ذاك جشاء كرشح المسك، يلهمون التسبيح والحمد، كما تلهمون النفس" (٤) أخرجه مسلم. وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا قال: "قال اللَّه - تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] " (٥) وأخرجاه، ولا أبلغ منه. وروينا من حديثه أيضًا مرفوعًا: "أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يتمخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة (الأنجوج) (٦) عود الطيب، وأزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على سورة أبيهم آدم؛ ستون ذراعًا في السماء" (٧) أخرجاه.

стр. 96

وفي رواية لهما "آنيتهم فيها الذهب، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون اللَّه بكرة وعشيًا" (١). وروينا من حديث المغيرة مرفوعًا: "سأل موسى ربه ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: رجل يجيء بعد ما أُدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي رب كيف، وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلكِ ملْك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب، فيقول: لك ذلك ومثله ومثله ومثله (٢) فقال في الخامسة: رضيت يا رب، فيقول هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك، فيقول: رضيت يا رب، قال: رب فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر، قال: ومصداقه في كتاب اللَّه : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية" أخرجه مسلم (٣). وروينا من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولًا الجنة؛ رجل يخرج من النار حبوًا، فيقول اللَّه ﵎ له: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا

стр. 97

رب وجدتها ملأى، فيقول اللَّه ﵎ له: اذهب فادخل الجنة، قال: فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع، فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول اللَّه له: اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أو إن لك عشرة أمثال الدنيا، قال: فيقول: أتسخر بي -أو أتضحك بي- وأنت الملك؟!! - قال: لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه (١) - قال: فكان يقال: ذاك أدنى أهل الجنة منزلة" (٢) أخرجاه، وما ألذه وأطربه!! وروينا من حديث أبي موسى مرفوعًا: "إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلا، للمؤمن فيها أهلون، يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضًا" (٣) أخرجاه، وما ألذه وأطربه. وروينا من حديث أبى سعيد الخدري مرفوعًا: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة سنة لا يقطعها" (٤). وعنه مرفوعا: (٥) "أن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم" قالوا: يا رسول اللَّه، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: "بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا باللَّه وصدقوا المرسلين" أخرجاه.

стр. 98

وروينا من حديث أبي هريرة أيضًا: "لقاب قوس من الجنة خير مما تطلع عليه الشمس أو تغرب" (١) أخرجاه. وروينا من حديث أنس مرفوعًا: "إن في الجنة لسوقًا يأتوها كل جمعة، فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسنًا وجمالًا، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنًا وجمالا، فيقول لهم أهلوهم: واللَّه لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا، فيقولون: وأنتم واللَّه لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا" (٢) أخرجه مسلم. وما أحسن هذه البضاعة المربحة. وروينا من حديث سهل بن سعد مرفوعًا: "إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة كما تراءون الكوكب في السماء" (٣) أخرجاه، وما أعلاها من منزل وأطيبها للنازل!! وروينا عنه قال: "شهدت مع النبي ﷺ مجلسًا وصف فيه الجنة حتى انتهى، ثم قال في آخر حديثه: "فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" ثم قرأ هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ ". رواه البخاري (٤)، وما أعظم ذلك وانفسه.

стр. 99

وروينا من حديث أبي سعيد وأبي هريرة مرفوعًا: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، نادى مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا" أخرجه مسلم (١). وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إن أدنى مقعد أحدكم من الجنة أن يقول له: تمن، فيتمنى ويتمنى، فيقول له: هل تمنيت؟ فيقول: نعم، فيقول له: فإن لك ما تمنيت ومثله معه" أخرجه مسلم (٢). ومن حديث أبي سعيد مرفوعًا: "إن اللَّه يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟!! فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟!! فيقول: أُحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا" أخرجاه (٣). وما ألذ هذا الخطاب الشفاهي، وأعظم هذا الإفضال. روينا من حديث جرير قال: "كنا عند رسول اللَّه ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر وقال: "إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر، لا تضاهون في رؤيته"" (٤) أخرجاه، وما ألذه!! وروينا من حديث صهيب مرفوعًا: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول اللَّه

стр. 100

﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار؟ فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم" (١) أخرجه مسلم. ولنختم ذلك بحكايات لائقة به الأولى: عن بعض الصالحين أنه عبد اللَّه أربعين سنة، فلما كان في بعض الليالي أخذته دالة على اللَّه -تعالى- فقال: إلهي، أرني ما أعددت لي في الجنة، وما أعددت لي من الحور الحسان، فما استتم الكلام حتى انشق المحراب، وخرجت منه حورية لو خرجت إلى الدنيا لفتنتها، فقال لها: إنسية أنت؟!! فأنشأت تقول: شكوت إلى المولى وقد علم الشكوى … وأعطاك ما ترجو وقد كشف البلوى وأرسلني إنسًا إليك وإنني … أناجيك طول الليل لو تسمع الشكوى فقال: يا جارية لمن أنت؟ فقالت: أنا لك، فقال: كم لي مثلك حوراء؟ قالت: مائة حوراء، ولكل حوراء مائة خادمة، ولكل خادمة مائة وصيف، ولكل وصيف مائة قهرمانة، ففرح وقال: يا حوراء، هل أعطي أحد أكثر مني؟ قالت: يا مسكين عطاؤك عطاء البطالين الذين يقولون: أستغفر اللَّه، فيغفر لهم، ثم يستغفرون فيغفر لهم (٢). ثم أنشأت تقول: وله خصائص مصطفون لحبه … اختارهم في سالف الأزمان

стр. 101

اختارهم من قبل فطرة خلقه … فهم ودائع حكمة وبيان وأنشدت أيضًا: نشرت لهم أعلام حب حبيبهم … فتتابعوا وتناهموا الأعلاما فيا حسنهم في ظل عرش مليكهم … كل يقود من النجيب زمانًا حتى إذا صاروا بحضرة قدسه … كشف المليك حجابه إكرامًا فهم الملوك العارفون بربهم … والدائبون ببابه خدَّامًا من ذاك ياقوت وزاهي جوهر … يلقون نورًا يسكنون خيامًا ومع الحسان الحور عين لو بدت … ليلًا (١) أنارت بالجمال ظلامًا ولعطرت كل الوجود وزخرفت … ولمات كلٌّ بالجمال غراما يا حسنها بين الحواري عندما … تمشي لتلقى قادمين كراما يُجزون غرفات بها فوق المنا … وتحية يلقونها وسلامًا حكاية ثانية: عن بعض عباد عبادان قال: ملح الماء عندنا نيفًا وستين سنة، وكان عندنا رجل من أهل الساحل له قصر، ولم يكن بقي في الصهاريج شيء، وحضرت المغرب، فهبطت لأتوضأ من ذلك البئر وذلك في شهر رمضان في حر شديد، فإذا به يقول: يا سيدي أرضيت عني حتى أثني عليك؟ أرضيت عني حتى أسألك سيدي غسالة الحمام لمن عصاك كثيرا؟ سيدي لولا أني أخاف غضبك لم أذق الماء، ثم أخذ بكفه وشرب شرابا صالحًا، فتعجبت من صبره على ملوحته، ثم أخذت من الموضحع الذي أخذ منه، فإذا هو مثل السكر، فشربت حتى رويت، قال: وأخبرني أنه رأى في المنام كأن قائلًا يقول: قد فرغنا من بناء دارك، فلو رأيتها قرت عيناك، وقد أمرنا بتجديدها والفراغ منها إلى سبعة أيام، واسمها دار السرور، فأبشر بخير، فلما كان السابع، وهو يوم الجمعة بكَّر للوضوء، فنزل في النهر فزلق فغرق، فأخرجناه بعد الصلاة ودفناه، فرأيته في المنام بعد ثلاثة أيام وعليه حلل خضر، فسألته عن حاله، فقال: أنزلني الكريم في دار السرور، فماذا أعد لي فيها!! فقلت له: صفه لي، فقال: هيهات، يعجز الواصفون عن وصف ما فيها، فليت عيالي يعلمن أنه قد هيئ لهم منازل معي، فيها ما اشتهت أنفسهم، نعم وإخواني وأنت منهم.

стр. 102

ولريحانة شعر: بوجهك لا تعذبني فإني … أؤمل أن أفوز بخير دار وأنت مجاور الأبرار فيها … فيا طوبى في ذا الجوار ثالثة: عن بعض السلف قال: بينما عيسى ﷺ يسيح فى بعض البلاد بالشام، واشتد به المطر والرعد والبرق، فجعل يطلب كُنًّا، فرفعت له خيمة من بعيد، فأتاها فإذا هو بامرأة فحاد عنها، فإذا هو بكهف في جبل، فأتاه، فإذا في الكهف سبع، فوضع يده عليه ثم قال: إلهي جعلت لكل شيء مأوى، ولم تجعل لي مأوى، فأجابه الجليل: مأواك عندي في مستقر رحمتي، لأزوجنك يوم القيامة مائة حوراء خلقتها بيدي، ولأطعمن في عرسك أربعة آلاف عام؛ يوم فيها كعمر الدنيا، ولآمرن مناديًا ينادي: أين الزهاد في الدنيا، احضروا عرس عيسى ابن مريم. رابعة: قال أحمد الخلاسي: كانت لي أم صالحة، فقالت لي يومًا وقد عضنا الفقر والحال: يا بني إلى متى نكون في هذه الشدة، فلما كان وقت السحر (١) قلت: اللهم إن كان لي عندك في الآخرة شيء، فعجل لي منه إلى الدنيا، فرأيت نورًا في زاوية البيت (المعمور) (٢)، فقمت إلى البيت فرأيت رجل سرير من ذهب مرصَّع بالجوهر، فقلت لها: خذي، وخرجت إلى الجانع أُحدث نفسي، إلى من أدفعه من أصحاب الجوهر، وكيف العمل به؟ فلما رجعت قالت لي: يا بني، اجعلني في حل، فإنك لما خرجت نمت، فرأيت كأني دخلت الجنة، فرأيت قصرًا على بابه مكتوب لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، هذا لأبي أحمد الخلاسي، قلت: هذا لابني؟ قال لي قائل: نعم، فدخلت ودرت في بيوته، فرأيت في بيت منها أسرَّة، بينهم سرير مكبوب، فقلت: ما أسمح هذا السرير من بين الأسرّة، فقال لي قائل: أنت أخذت رجله، فقلت: ردوها إلى موضعها، فانتبهت وقد غابت عني، وللَّه الحمد. خامسها: عن سفيان: أن أصحابه كلموه لما رأوا ما هو عليه من شدة الخوف، وكثرة المجاهدة والجهد، فقالوا له: يا شيخ، لو نقصت عن هذه المجاهدة التي نراها بك؛ نلت مقصودك ومرادك إن شاء اللَّه، فقلت لهم: كيف لا أجتهد كل الاجتهاد، وقد بلغني أن أهل الجنة يكونون في منازلهم، فيتجلى لهم نور عظيم تضيء له الجنان الثمان من شدة ضيائه وحسن بهائه، فيظنون أن ذلك نور من قبل الرحمن، فيخرون ساجدين، فينادي مناد: ارفعوا رؤوسكم، ليس الذي تظنون، إنما هو نور

стр. 103

حورية تبسمت في وجه زوجها، فظهر من تبسمها هذا النور، فليس يا إخوتي يلام من اجتهد في طلب الحور الحسان، فكيف لمن طلب المولى الرحمن؟!! ثم أنشأ يقول: ما ضر من كانت الفردوس (١) منزله … ماذا تحمل من بؤس وإقتار تراه يمشي نحيلًا خائفًا وجلا … إلى المساجد يسعى بين أطماري سادسة: قال بعض الصالحين: رأيت سفيان الثوري بعد موته في المنام، فقلت له: كيف حالك يا سفيان؟ فأنشأ يقول: نظرت إلى ربي عيانا فقال لي … هنيئًا رضاي عنك يا ابن سعيد لقد كنت قوَّمًا إذا أظلم الدجى … بعبرة مشتاق وقلب عميد فدونك فاختر أي قصر تريده … وزدني فإني عنك غير بعيد سابعة: عن بعض أصحاب الإمام أحمد قال: لما مات أحمد رأيته في المنام وهو يمشي ويتبختر في مشيته، فقلت له: يا أخي، أي مشية هذه؟ قال: مشية الخدام في دار السلام، قلت: ما فعل اللَّه بك؟ قال: غفر لي وألبسني نعلين من ذهب، وقال لي: هذا جزاؤ قولك القرآن كلام اللَّه مُنزَّل غير مخلوق (٢)، وقال: يا أحمد قم حيث شئت، فدخلت الجنة، فإذا بسفيان الثوري له جناحان أخضران يطير بهما من نخلة إلى نخلة، وهو يقرأ هذه الآية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ (٣) الآية، فقلت: له: إيش خبر عبد الرزاق (٤)؟ قال: تركته في بحر من النور، يراد به الملك

стр. 104

الغفور، فقلت: ما فعل بشر بن الحارث؟ فقال: بخ بخ، ومن مثل بشر!! (١) تركته بين يدي الجليل -سبحانه- وهو مقبل عليه، وهو يقول: كل يا من لم يأكل، واشرب يا من لم يشرب، وانعم يا من لم ينعم. الثامنة: قال بعضهم: رأيت معروفًا الكرخي في النوم، كأنه تحت العرش، والجليل يقول لملائكته: من هذا؟ قالوا: أنت أعلم يا رب، قال: هذا معروف الكرخي؛ سكر من حبي، فلم يفق إلا بلقائي. التاسعة: قال الربيع بن سليمان (٢): رأيت الشافعي في النوم بعد وفاته فقلت: ما فعل اللَّه بك؟ قال: أجلسني على كرسي من ذهب، ونثر عليّ اللؤلؤ الرطب. شاردة: قال ذو النون المصري: بينا أنا في بعض البراري إذا بشاب (كما خط) (٣) عارضاه، فلما رآني ارتعد واصفرّ لونه، وولى هاربا، فقلت له: إنسي أم جني؟ قال: إنسي مثلك، فقلت: لم تهرب؟!! فقال: وهل الهرب إلا من مثلك؟ قال: فلحقته، وأقسمت عليه أن يقف لي، فوقف، فقلت له: أراك في هذه البرية وحدك، ما معك أنيس، أما تفزع؟ فقال: بلى؛ إن معي أنيسًا، فقلت: أين هو؟ فقال: عن يميني وشمالي وأمامي وخلفي، فقلت له: ما معك زاد؟ قال: بلى، فقلت: لا بد لك من شيء تستعين به على قيام الليل وصيام النهار، وخدمة العليم العلام، وأكثرت عليه، فولى وهو يقول: ولي اللَّه لا تؤويه دار … ويكره أن يكون له عقار يفر من القفار إلى جبال … فتبكي حين تفقده القفار

стр. 105

صبورا في قيام الليل جدا … وصوَّاما إذا طلع النهار يقول لنفسه جدّي وكدّي … فما في خدمة الرحمن عار يناجي ربه والدمع جار … إلهي إن قلبي مستطار إلهي ما مناي منك دارًا … من الياقوت تسكنها الحوار ولا جنات عدن يا إلهي … ولا شجر تزينه الثمار ولكن وجهك الباقي مناي … به فامنن ففي ذاك الفخار

стр. 106

مجلس في اليقين والتوكل وحقيقته الاعتماد على اللَّه لشهوده تفرده بالتدبير والتأثير، وأن لا حول ولا قوة إلا به، ويترتب عليه التفويض دون الإضاعة، وخلع الأسباب دون إسقاطها، والثقة باللَّه دون الغرة به عجزًا وحمقًا، والسكون إلى اللَّه دون مساكنة السبب، ومناولة الرضا بالقدر (١)، والاتصاف بذلك كله حالًا وذوقًا، ودعاء الاستخارة (٢) جامع لوظائف المتوكل الثلاث، وهي: العلم، والحال، والعمل، فليحتفل به. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾ (٣). فلما رأوا الوقائع قوي إيمانهم، وأناطت الدوافع. وقال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ (٤) الآية. فلما سمعوا التهويل زادهم، وألهجهم بالحسبلة والتسليم، فعقب ذلك الجميل. وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (٥).

стр. 107

وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١) أي لا يتوكلون على غيره. وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢). وقال: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٣) فأُمر به. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (٤). وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٥) أي كافيه. وقال: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٦) فالتوكل شأنهم. وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٧). وقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ (٨). وقال: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (٩). وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧)﴾ (١٠). وقال: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (١١). وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (١٢). وقال: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (١٣). وقال: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾ (١٤) الآية. وقال: ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ (١٥). وأما الأحاديث فكثيرة، نذكر منها أحد عشر حديثًا: أولها: حديث ابن عباس: "يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب ولا عذاب" قيل: ومن هم؟ قال: "الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، وعلى ربهم

стр. 108

يتوكلون" (١) أخرجاه. ثانيها: حديثه أيضًا: أنه ﵇ كان يقول: "اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون" (٢) أخرجاه أيضًا. ثالثها: حديث جابر في الأعرابي الذي اخترط (٣) السيف، وقال: من يمنعك مني؟ قال: "اللَّه"، زاد الإسماعيلي في صحيحه: فسقط السيف من يده، فأخذه رسول اللَّه ﷺ فقال: "ومن يمنعك مني؟ " فقال: كن خير آخذ، قال: "تشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه" فقال: لا، ولكني أعاهدك أني لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، فأتى أصحابه وقال: جئتكم من عند خير الناس. (٤) رابعها حديث ابن عباس قال: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل، قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل. رواه البخاري (٥). وفي رواية له: إنها آخر كلمة قالها إبراهيم حين ألقي في النار. (٦). خامسها: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "يدخل الجنة من أمتي أقوام أفئدتهم مثل

стр. 109

أفئدة الطير" (١) رواه مسلم. قيل معناه متوكلون، وقيل: قلوبهم رقيقة، فشبّه فؤاد المتوكل بأفئدة الطير، لخلوها من الاهتمام بالرزق، ومحله القلب. سادسها: حديث عمر مرفوعًا: "لو أنكم تتوكلون على اللَّه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدوا خماصًا (٢) وتروح بطانا". رواه الترمذي (٣) وحسنه. ومعناه تذهب أول النهار ضامرة البطون من الجوع، وتروح بطانًا أي ترجع مليئة البطون. سابعها: حديث البراء مرفوعًا: "إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وألجأت ظهري إليك، وفوضت أمري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت ليلتك مت على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيرًا" (٤) أخرجاه، وفي رواية لهما: "واجعلهما آخر ما تقول". ثامنها: حديث الصديق ﵄: "نظرت إلى أقدام المشركين، ونحن في الغار، وهم على رؤوسنا، فقلت: يا رسول اللَّه، لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: "ما ظنك يا أبا بكر باثنين اللَّه ثالثهما" أخرجاه (٥).

стр. 110

تاسعها: حديث أم سلمة: أنه ﷺ كان إذا خرج من بيته قال: بسم اللَّه توكلت على اللَّه، اللهم إني أعوذ بك أن أَضل أو أُضَلَّ، أو أذل أو أذل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل عليَّ" (١) رواه أبو داود والترمذي وصححه. عاشرها: حديث أنس مرفوعًا: "من قال -يعني إذا خرج من بيته- بسم اللَّه توكلت على اللَّه ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، يقال له: كُفيت ووُقيت، وتنحى عنه الشيطان" رواه أبو داود والترمذي وصححه. (٢). وفي أبي داود: "فيقول -يعني الشيطان- لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟ ". الحادي عشر: حديثه أيضًا قال: "كان أخوان على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فكان أحدهما يأتي رسول اللَّه ﷺ ، والآخر يحترف، فشكى المحترف أخاه إلى الرسول ﷺ فقال: "لعلك ترزق به" (٣) رواه الترمذي بإسناد على شرط مسلم. ولنذكر من الحكايات ما يليق بهذا الموطن: الأولى: عن عبد الواحد بن زيد قال: كنا في مركب، فطرحتنا الريح إلى جزيرة، وإذا فيها رجل يعبد صنمًا، فقلنا له: من تعبد؟ فأومأ إليه، فقلنا: إن إلهك هذا مصنوع، عندنا من يصنع مثله، ما هذا بإله يُعبد، فقال: أنتم من تعبدون؟ قلنا: نعبد الذي في السماء عرشه، وفي الأرض بطشه، وفي الأحياء والأموات قضاؤه، تقدست أسماؤه، وجلت عظمته وكبرياؤه، قال: وما علمكم بهذا؟ قلنا: وَجَّه إلينا الملك رسولا كريمًا فأخبرنا بذلك، قال: فما فعل الرسول؟ قلنا: لما أدى الرسالة قبضه الملك إليه، واختار له ما لديه، قال: فهل ترك عندكم من علامة؟ قلنا: نعم؛ ترك عندنا كتاب الملك، قال: فأروني كتابه، فإنه ينبغي أن تكون كتب الملوك حسانًا، فأتيناه بالمصحف، فقال: ما أعرف هذا، فقرأنا عليه سورة، فلم يزل يبكي حتى ختمناها، فقال: ينبغي لصاحب هذا الكلام أن لا يُعصى، ثم أسلم وحسن إسلامه، وعلمناه شرائع الدين وسورًا من القرآن، فلما كان الليل صلينا العشاء،
следующие страницы →