← Фикх общий

Фикх общий · id 1331

اختيارات الحافظ الذهبي الفقهية

هانى فقيه

Полный текст (124 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدّمة الحمد لله، والصلاة والسلام على سيّدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه .. وبعد: فهذا كتاب جمعتُ فيه ما وقفتُ عليه من اختيارات الحافظ مؤرخ الإسلام؛ شمس الدين أبي عبد الله، محمد بن أحمد الذهبي الشافعي، (ت: ٧٤٨ هـ) ﵀، فيما يتعلق بمسائل الفروع الفقهية العملية. وهو عملٌ لا أعرف أحداً سبقني إليه، ولا من حام طائر فكره عليه (١)، رغم كثرة ما صُنّف حول هذا العالم الجليل، من أبحاث ودراسات، وكتب ومصنّفات في مختلف المناحي. لقد اشتهر الإمام الحافظ الذهبي ﵀ بكونه عالماً مختصاً في فنون التاريخ ونقد الرواة، وعامة كتبه تدور في فلك هذين العِلْمين الجليلين. بيد أن الرجل لم يكن في معرفة فروع الفقه والاطلاع على خباياه

стр. 2

بأقلّ درجة، ولا أنزل مرتبة، وإن لم يُوْلِ هذا الجانب عناية بالكتابة والتأليف. لقد وصفه صديقه وتلميذه المؤرخ الكبير صلاح الدين الصفدي، (ت: ٧٦٤ هـ) فقال: "اجتمعتُ به غير مرة، وقرأتُ عليه كثيراً من تصانيفه. ولم أجد عنده جمود المحدثين، ولا كودنة (١) النقلة، بل هو فقيه النظر، له دربة بأقوال الناس، ومذاهب الأئمة والسلف وأرباب المقالات" (٢). ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب، الذي قام باستقراء تراث الذهبي، وجَرَد مطوّلاته، فاستخرج منه ما تناثر من آرائه الفقهية، واختياراته العملية، مما كان يبثه وينثره هنا وهناك، كلما دعتْ حاجة أو عنّتْ مناسبة. إن القاري الكريم سوف لا تخطئ عينه حسن ما كان عليه الحافظ الذهبي، من براعة في الاستنباط، وعمق في التصور، وتمسّك بنصوص الكتاب والسُنّة، وبعد عن التعصب المذهبي (٣)، مع مراعاته لمقاصد الشريعة، دون جمود ظاهري، ولا إغراق في تأويل بعيد. وأهم تصانيف الحافظ الذهبي التي قمتُ باستقرائها وجرْدها هي: ١ - المهذب في اختصار السنن الكبير ٢ - تاريخ الإسلام ٣ - سير أعلام النبلاء ٤ - تذكرة الحفاظ ٥ - بيان الإلباس في فنون اللباس

стр. 3

٦ - الطب النبوي ٧ - الكبائر ٨ - تلخيص مستدرك الحاكم ٩ - التمسك بالسنن ١٠ - الموقظة ١١ - حق الجار ١٢ - تنقيح التحقيق. وما سوى ذلك من التصانيف فقد أعرضتُ عنها، لبعدها عن احتمالية وجود مادة تخدم البحث، من أمثال: كتب الذهبي في نقد الرواة، وتراجم النقلة، ككتابه: الكاشف، وميزان الاعتدال، وديوان الضعفاء، وكتاب العرش، ونحوها. وقد رأيتُ ألا أذكر من اختيارات الذهبي إلا ما كان كلامه واضحاً وصريحاً في الاختيار والترجيح، وأما ما ليس بواضح ولا بصريح فقد استبعدته، حتى لا أنسب للذهبي شيئاً لم يقله، ولا يعتقده. كما أنني رأيتُ الاكتفاء بجمع هذه الاختيارات، مع ترتيبها (١)، وتبويبها، وتوثيقها من كُتب الذهبي، دون خوض في التعليق عليها، أو الاستدلال لها أو عليها، إلا في حدود إيضاحية ضيّقة جداً. ذلك أن القارئ الكريم في الغالب إنما يريد العيش مع كلام الذهبي وترجيحاته، ولا يهمه رأي جامع الكتاب وترجيحاته. إنه لمن المؤسف حقاً أن نعلم أن الإمام الذهبي ﵀، رغم كثرة وغزارة ما ألّف من كتب ومصنّفات، في مجالات مختلفة، إلا أنه لم يكتب شيئاً في الفروع الفقهية (٢)، ولا في شروح الأحاديث، ولا في

стр. 4

الفتوى، ومن هنا جاء كلامه في مسائل الفقه مجرد تعليقات مقتضبة، كان يدوّنها وينثرها في مناسبات مختلفة، هنا وهناك. بيد أن هذه التعليقات المقتضبة لم تكن بالقليلة، إذا ما ضُمّ بعضها بجانب بعض، ويمكن أن تُكوّنَ مَعْلَمَةً فقهية خاصة بالذهبي، تُضَم إلى نظائرها من ترجيحات الأئمة، لتوسع من دائرة فهم نصوص الكتاب والسنّة، وتزيد من معرفة دلالاتها بصورة أعمق. • الدراسات السابقة: وكنتُ أحسب عندما شرعتُ في جمع مادة الكتاب؛ أنه لم يسبقني إليها أحد، كما أشرت في المقدمة قبل قليل، ولكن بعد أن أوشكت الفراغ من العمل، وكدت أدفع بالكتاب إلى المطبعة، نبهني بعض فضلاء أهل العلم، إلى وجود رسالة علميّة في آراء الذهبي الفقهية (١)، في قسم الفقه، بالجامعة الإسلامية، بالمدينة المنورة. فبادرتُ الذهاب إلى مكتبة الجامعة، وطلبت الرسالة، وأخذت في مطالعتها، فألفيتُ صاحبها قد بذل جهداً مشكوراً في جمع آراء الذهبي الفقهية، ودراستها وتوثيقها. لكني وجدت طبيعة رسالته تختلف عن طبيعة كتابي هذا في نواح عدة؛ منها: أنني قصرت بحثي على اختيارات الذهبي وحدها، دون التعليق عليها، إلا في حدود ضيقة جداً جداً. أما الرسالة المذكورة

стр. 5

فقد أسهب صاحبها في مناقشة اختيارات الذهبي وآرائه، ومقارنتها بمذاهب الأئمة، ودراسة الأدلة، وفحص الاعتراضات، وإبداء ما يراه راجحاً وصواباً، حتى إنه قد يكتب في المسألة الواحدة نحو عشر صفحات أو أكثر، مما يخرج بالموضوع عن حدوده ومقصوده. وقد جاءت رسالته في أكثر من (١٣٥٠) صفحة من القطع الكبير، بينما لم تصل صفحات كتابي المائتين!! كما أن صاحب الرسالة المذكورة قد دَرَجَ على نقل اختيارات الذهبي وآرائه بالمعنى، وفحوى الخطاب، دون أن يذكر نَصّ كلام الذهبي، من أول رسالته إلى آخرها!! فيكتفي بقوله: ذهب الإمام الذهبي إلى كذا وكذا، ورجّح كذا وكذا .. بينما حرصتُ في كتابي على نقل نَصّ كلام الذهبي بحروفه، ليقف القارئ على حقيقة رأيه واختياره. كما أنني لاحظتُ على صاحب الرسالة وفقه الله أنه ينسب أحياناً اختيارات وترجيحات للذهبي لم يقل بها، وليس في كلامه ما يدل عليها، وربما قال بعكسها، كنسبته إليه القول بوجوب غُسل يوم الجمعة، وأن من أفسد حجه لزمه أن يمضيَ فيه، ونسبته إليه القول بتحريم الإسبال مطلقاً على الرجال، سواء كان على وجه الخيلاء، أو لغير خيلاء، مع أن الذهبي قد فرق صراحة بين الأمرين، وقال ما نصّه: "الإسبال حرام في الذيل والكم والعذبة خيلاء .. ومكروه من غير خيلاء" (١) .. إلى غير ذلك من الأمثلة، وهي كثيرة.

стр. 6

وليس المقصود الآن نقد هذه الرسالة، وبيان ما لها وما عليها. لكن من هنا تأتي أهميّة نقل نصوص الذهبي وضرورتها كما هي، حتى يقف القارئ على جليّتها، ويفهم دلالتها بدقة، وليس نقل معاني الكلام وفحواه فحسب، كما فعل الباحث وفقه الله. كذلك وقفتُ على رسالة أخرى عنوانها: "المسائل الفقهية المستخرجة من كتاب "سير أعلام النبلاء"، للباحث محمد جمعة بدوي. لكن هذه الرسالة كما ترى قد اقتصرتْ أولاً على كتاب "السير" فحسب. والأمر الثاني: أنها تبحث في المسائل الفقهية العامة، التي ورد ذكرها في "السير"، حتى ولو لم يكن للذهبي فيها اختيار أو ترجيح. ومع ذلك فقد أفدتُ من الرسالتين المذكورتين، واستدركتُ منهما ما فاتني من اختيارات الذهبي وغاب عني، فجزاهما الله خيراً. وقد ختمتُ الكتاب بباب جامع، ذكرتُ تحته مسائل فقهية متفرقة، لا تندرج عادة في أبواب الفقه المعروفة، وبعضها ربما خرج قليلاً عن دائرة الفقه بمعناها الاصطلاحي، ذكرتها للفائدة. ثم ذيلّتُ الكتاب بخاتمة ذكرت فيها أبرز ما توصلت إليه من نتائج ظهرت لي أثناء جمعي لهذه المادة النافعة، إن شاء الله. هذا واللهَ أسألُ أن ينفع بالكتاب كاتبه وقارئه، والمرجو ممن وقف على كبوة، أو نبوة، أو شيء من اختيارات الذهبي مما فات

стр. 7

الكتابَ تنبيهُ مؤلّفه عليه عبر بريده الالكتروني المدون أدناه، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين. وكتبه: أ. د هاني فقيه المدينة المنورة Hani.a.a.f@gmail.com

стр. 8

كتاب الطهارة ١ - وجوب غسل الرجلين في الوضوء: قال الذهبي ﵀ رداً على من أجاز مسح الرجلين في الوضوء: " غسل الرجلين شرع لازم، بيّنه لنا الرسول - اللهم صلِّ عليه - وقال: «ويلٌ للأعقاب من النار» (١)، وعليه عمل الأُمة، ولا اعتبار بمن شذّ" (٢). قلت: القول بجواز مسح القدمين في الوضوء قد نسب خطأ إلى بعض علماء السنة، كالإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري المفسر الشهير، (ت: ٣١٠ هـ)، والصواب أنه طبري آخر من علماء الرافضة، وليس طبري أهل السنة، كما أوضح ذلك العلامة الألوسي (ت: ١٢٧٠ هـ) ﵀، في تفسيره (٣). ٢ - وجوب غسل الكفين في الوضوء قبل إدخالهما في الإناء: قال الذهبي ﵀: "ذهب إلى وجوب غسل اليدين ثلاثًا،

стр. 9

عند القيام من النوم: أحمد بن حنبل وغيره، والوجوب ظاهر لثبوت النصوص به. وهو أمرٌ مستقلٌ بنفسه، وقدرٌ زائدٌ على الوضوء، من تركه فوضوؤه صحيح، لكنه يأثم" (١). ٣ - صحة الوضوء من إناء الفضة مع الإثم: قال الذهبي ﵀: "الوضوء من إناء فضة إثم، فليتبْ إلى الله، ووضوؤه صحيح" (٢). قلت: اختيار الذهبي هذا هو مذهب جماهير العلماء من الحنفية والشافعية والمالكية، والحنابلة في الأصح (٣). ٤ - جواز الوضوء بالماء المشمّس (٤): قال الذهبي ﵀: "كره الشافعي الوضوء بالماء المشمّس، والحديث فيه لا يصحّ، ولا أعلم أحداً من الأطباء كرهه" (٥). قلت: خالف الحافظ الذهبي في هذه المسألة مذهب إمامه الشافعي رحمه الله تعالى (٦).

стр. 10

٥ - جواز المسح على الجبيرة حال العذر: قال الذهبي ﵀: "يجوز المسح على الجبيرة إلى حين البُرء" (١). قلت: لا خلاف بين المذاهب الأربعة في وجوب المسح على موضع الجبر إذا شُدّت عليه جبيرة، وتعذر غسل العضو (٢). ٦ - مسّ الذكر مطلقاً ينقض الوضوء: رَدَّ الذهبي ﵀ على من قال: إن مَسّ الذَّكَر بظهر الكف لا ينقض الوضوء، فقال: "أحاديث المسّ مطلقاً أصحّ وأعمّ في مسمّى المسّ" (٣). قلت: يشير إلى مثل قوله ﷺ : «من مَسَّ ذَكَره فلا يصلّي حتى يتوضأ» (٤). ٧ - وجوب الاغتسال على من أولج بغير إنزال: قال الذهبي ﵀: "نحن: نحكي قول ابن عباس في المتعة، وفي الصرْف، وفي إنكار العَوْل (٥)، وقول طائفة من الصحابة

стр. 11

في ترك الغسل من الإيلاج، وأشباه ذلك، ولا نجوّز لأحدٍ تقليدهم في ذلك" (١). قلت: واختياره هو ما عليه عامة أهل العلم من أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم، وفيه خلاف ضعيف (٢). ٨ - إجزاء الماء الممتزج بالصابون في غُسل الجنابة: أورد الذهبي ﵀ حديث عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه: «كان يغسل رأسه بالخِطْمي (٣) وهو جنب، يجتزئ بذلك ولا يَصُبُّ عليه الماء» (٤)، ثم علَّق عليه فقال: "لا يقال في عرف الخطاب أن فلاناً غسل رأسه بسدر، أو غسله بصابون أو بتراب ونحو ذلك إِلا إِذا أنقاه من أثر الغسول. فمعنى الحديث: أنه ﵇ كان يتغسل بالخِطْمي كما يتغسل الطاهر، ويجزئه ذلك عن غسل خاص للجنابة إِذا نوى" (٥). ٩ - الاغتسال يوم الجمعة لابد أن يكون بماء يزيل وسخ الجسم والرأس: ساق الذهبي ﵀ حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «حَقُّ

стр. 12

على كل مسلم في كلّ سبعة أيامٍ يوماً يغسل رأسه وجسده» (١)، ثم علَّق عليه قائلاً: "ليس المراد به غسل بماء فقط، بل بماء يزيل وسخ الرأس والجسم ويذهب الرائحة" (٢). قلت: كأن الذهبي يذهب إلى التفرقة بين غُسل الجنابة التعبدي، الذي يكفي فيه تعميم البدن بالماء، وغُسل الجمعة المعقول المعنى، الذي يقصد به تنظيف البدن، وتنقيته من الدرن والوسخ. ١٠ - طهارة عَرَق الآدمي: قال الذهبي ﵀: "نعلم بالضرورة أن أهل الحجاز أكثر الناس عرقاً لشدّة حرّهم، ويتيقن أنه ما غَسَلَ أحد منهم ثوبه من عرقه، وقد كان النبي ﷺ يشتدّ عرقه من ثقل الوحي، وما غسله أصلاً". (٣) قلت: طهارة عرق الآدمي مسألة إجماعية (٤). ١١ - استحباب الوضوء قبل النوم: قال الذهبي ﵀: "يستحبُ له ألّا ينام حتى يتوضأَ، وقد أمر به رسول الله ﷺ ، في حديث عائشة وغيرها، وكذلك إذا أراد أن

стр. 13

يأكل أو يشرب" (١). ١٢ - طهارة بول ما يؤكل لحمه: ذكر الذهبي ﵀ الحديث الوارد في أمره ﷺ للعُرنيين؛ بالشرب من أبوال الإبل وألبانها (٢)، ثم قال: "فيه دليل على طهارة بول ما يؤكل لحمه" (٣). قلت: ما رجحه الذهبي هو قول طائفة من الأئمة كمالك وأحمد، وجماعة من الشافعية والحنفية (٤). ١٣ - اشتراط طهارة الثياب والبدن من النجاسة في الصلاة: عَدّ الذهبي ﵀ عدم التنزه من البول من الكبائر، وذكر أنه من شعار النصارى، وقال: "إن من لم يحترز من البول في بدنه وثيابه، فصلاته غير مقبولة" (٥).

стр. 14

قلت: وكذا عَدَّ ابنُ حجر الهيتمي (ت: ٩٧٤ هـ) عدم التنزه من البول في الثياب والبدن من الكبائر، ونقله عن جماعة من الأئمة، كالإمام البخاري والخطابي وغيرهما (١). ١٤ - استحباب غسل الإناء من ولوغ الهرة: أورد الذهبي ﵀ بعض الأحاديث المتعارضة في وجوب غسل الإناء من ولوغ الهرة، كحديث: «إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات» (٢)، وحديث: «يُغسل الإناء من الهرّ كما يُغسل من الكلب» (٣)، ثم قال: "يمكن الجمع بين الأحاديث بأن الغسل على الندب" (٤). قلت: وافق الإمام الذهبي ذهبَ الإمام أبي حنيفة في كراهة سؤر الهرّ، ولم يكره ذلك الجمهور (٥).

стр. 15

كتاب الصلاة ١٥ - لا يجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية: قال الذهبي ﵀: "أما الجهر وعدمه بالبسملة، فقد صَحَّ عن أنس بن مالك، من حديث قتادة وغيره: أنّ النبي ﷺ ، وأبا بكر وعمر كانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم" (١). قلت: قد خالف الذهبي ﵀ في هذه المسألة مذهب إمامه الشافعي، الذي كان يرى الجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية (٢). ١٦ - وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة: أورد الذهبي ﵀ حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: «أمرنا رسول الله أن نقرأ بالفاتحة وما تيسر» (٣). ثم علَّق بقوله: "سنده صحيح، ويدل على وجوب الفاتحة" (٤).

стр. 16

قلت: اختيار الذهبي موافق لمذهب جمهور العلماء القائلين بتعيّن قراءة الفاتحة في الصلاة، خلافاً لأبي حنيفة؛ القائل: يجزئ قراءة ما تيسّر من القرآن (١). ١٧ - قراءة ما زاد على الفاتحة في الصلاة ليس بواجب: قال الذهبي ﵀: "ما زاد على الفاتحة، وقول: سمع الله، ليس ذا بواجب" (٢). وصَرَّح في موطن آخر بأن الاقتصار على قراءة الفاتحة: "خلاف السنّة" (٣). قلت: عدم وجوب قراءة ما زاد على الفاتحة هو مذهب جمهور الفقهاء (٤). ١٨ - المرأة غير داخلة في النهي عن كفّ الثوب والشعر في الصلاة: أورد الذهبي ﵀ بعض ما ورد في النهي عن كفّ الثوب والشعر في الصلاة، ثم علَّق بقوله: "هذا في الرجل، فأما المرأة فغير (٥) داخلة في النهي، وخرجتْ بكونها لا تنقض ضفر رأسها للجنابة" (٦).

стр. 17

١٩ - نسخ التطبيق في الركوع (١): ساق الذهبي ﵀ حديث ابن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ كان يطبّق يديه بين ركبتيه في الركوع (٢)، ثم علّق عليه بقوله: "كان في صدر الإِسلام" (٣). قلت: قد استقرت الأمة على نسخ التطبيق، وأن السنّة وضع اليدين على الركبتين في الركوع (٤). ٢٠ - سنّية المجافاة بين اليدين في السجود إلا لمن كان داخل الصفّ: قال الذهبي ﵀: "هذا التجافي منه ﵇، كان لأنه كان إماماً لا يزحمه أحد، فأما إِذا كان الصفّ رصّاً، فهو أولى بهم من تخللهم؛ فمع التراصّ لا يمكنهم التجافي" (٥). ٢١ - عدم شرعية رَدّ السلام في الصلاة: قال الذهبي ﵀: "رَدّ السلام فريضة، وأن نفشي رَدّ السلام، وأن نُقبل بالردّ على من سلّم .. وحقيقة الردّ أن يقول: وعليك السلام، ولا يُشرع للمصلّي قول ذلك" (٦).

стр. 18

قلت: النطق بردّ السلام يُبطل الصلاة عند الجمهور (١). ٢٢ - إذا سلّم المصلّي فإنه ينوى بسلامه الملكين عن يمينه وشماله: قال الذهبي ﵀: "ينوي بالسلام على الملكين اللذين عن يمينه وعن شماله، وإن نسي النيّة في ذلك فلا حرج عليه" (٢). ٢٣ - ترك المداومة على القنوت في صلاة الفجر (٣): ناقش الذهبي ﵀ مسألة القنوت في صلاة الفجر، ورد على القائلين باستحباب المداومة عليه (٤)، فقال بعد ذكر الأحاديث المتعارضة في الباب: "ولا منافاة بينهما، بل يدل على أنهم كانوا يقنتون ويتركون؛ إِذْ "كان" لا تستدعي دوام الفعل" (٥). وقال في موضع آخر: "هذا يوضح أنهم قنتوا، وأنهم تركوا، وأنهم كانوا لا يرون القنوت راتباً في الصبح. وبهذا تتوفق الأحاديث كلها، مع أن بعض الصحابة كان يدمنه، وفي التابعين جماعة فعلوه راتباً (٦) ". كما علّق على ما جاء عن ابن عمر ﵄، أنه كان لا يقنت في صلاة الصبح، فقال: "هذا صحيح عن ابن عمر، وكونه مع فرط متابعته

стр. 19

للسنّة واعتنائه بالآثار النبوية لم يحفظه، يدل على ترك مداومة ذلك أو عدمه .. وكان ابن عمر ملازمًا للنبي ﷺ وصاحبيه، شديد الاتباع" (١). وفي موضع ثالث ردّ على من استدل بحديث البراء بن عازب: «أن رسول الله ﷺ كان يقنت في المغرب والفجر» (٢). فقال: "هذا محمول على قنوت النوازل" (٣). كذلك ناقش استدلال بعضهم بحديث أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس بن مالك، قال: «ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا» (٤). فقال: "الحديث محمول على أنه ما زال يطوّل صلاة الفجر؛ فإن القنوت لفظ مشترك بين القنوت العرفي والقنوت اللغوي، قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً﴾ [الزمر: ٩]، فالمراد هنا بالقنوت: العبادة بلا ريب. ومثله: ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]. وفي الحديث: «أن رجلاً قال: يا رسول الله، أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت» (٥). وفي لفظ: «طول القيام». فالمراد بهذا القنوت: العبادة؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها

стр. 20

مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] " (١). قلت: خالف الذهبي ﵀ مذهب إمامه الشافعي، الذي كان يرى استحباب المداومة على دعاء القنوت في صلاة الفجر (٢). ٢٤ - بطلان صلاة من جرّ إزاره خيلاء: نقل الذهبي ﵀ عن الإمام البيهقي، قوله بكراهة صلاة من جرّ إزاره خيلاء، ثم تعقّبه فقال: "بطلانها متوجّه، وجرّ الإزار كبيرة" (٣). قلت: القول ببطلان صلاته لا أعلم أحداً صرح به، إلا ابن حزم الظاهري رحمه الله تعالى (٤). ٢٥ - ليس كل كلام يبطل الصلاة: قال الذهبي ﵀: "قد يُسمع من المصلّي حرفان فتبطل صلاته، مثل أن يقول: قف، وصم، وعس، وهن، وبع، وأمثال ذلك، وقد يُسمع منه حرفان لا تعد في العرف كلاماً ولا يعد هو بها متكلماً، كمن سَعَلَ فقال: أه أه، أو أح أح، وكمن تنحنح، وكأنين الشيخ إذا أخفاه مثل: آه آث، فهذا ونحوه لا يُبطل، ومن تعمّق في هذا وقع في الوسواس ولابد" (٥).

стр. 21

٢٦ - قطع الصلاة بمرور الكلب الأسود والحمار والمرأة: أورد الذهبي ﵀ حديث أبي ذر ﵁، مرفوعاً: «يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحْل: المرأة والحمار والكلب الأسود» (١)، ثم علّق عليه بقوله: "هو نصّ في قطع الصلاة وفسادها" (٢). قلت: هذا هو مذهب الحنابلة وطائفة من المحدثين، وتأول الجمهور الحديث بقطع كمال الصلاة (٣). ٢٧ - تحريم رفع البصر عند الدعاء في الصلاة إلى السماء: ذكر الذهبي ﵀ بعض الأحاديث الواردة في النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة، ثم علّق قائلاً: "هذه الأحاديث نصّ في التحريم" (٤). قلت: الأكثرون على الكراهة، وحكي الإجماع على ذلك (٥)، ونصّ ابن حزم على التحريم (٦).

стр. 22

٢٨ - عدم وجوب مباشرة الجبهة للأرض في السجود: ذكر الذهبي ﵀ حديث ابن عباس: «كان النبي ﷺ ، يصلّي في ثوب واحد، يتقي بفضوله حَرّ الأرض وبردها» (١)، ثم علّق فقال: "هذا الدليل على السجود على كور العمامة" (٢). قلت: خالف الذهبي ﵀ مذهب إمامه الشافعي، الذي قال: لا يجزيه السجود على كور العمامة (٣). وقد رخص فيه جماعة من العلماء، كالحنفية (٤). ٢٩ - السجود على الأرض أفضل من السجود على الحصير والمنديل: ذكر الذهبي ﵀ حديث سجود النبي ﷺ في ماء وطين (٥)، وقال: "يدل على أن السجود على الأرض أفضل منه على حصير ومنديل" (٦). قلت: وهذا مذهبٌ لبعض العلماء، لما فيه من التواضع (٧).

стр. 23

٣٠ - لا فرق بين الإتمام والقضاء في الصلاة: أورد الذهبي ﵀ اختلاف الرواة في حديث أبي هريرة المرفوع: «ما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فأتموا» (١)، وبعضهم يقول: «فاقضوا» (٢)، فعلّق الذهبي بقوله: "ما يظهر لي كثير فرق بين قوله "فأتموا" و"فاقضوا"، لأن كل من أتم الصلاة فقد قضاها، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠]، أي فإِذا تمت الصلاة" (٣). ٣١ - المأموم إذا كان يجهل أن الإمام كان على غير طهارة، فإنه لا يعيد الصلاة: تطرق الذهبي ﵀ لما ورد فيمن صلّى بالناس على غير طهارة، فقال: "إِنْ علموا بأنه صلّى بهم بلا وضوء عامدًا، أعادوا تلك الصلاة" (٤). ٣٢ - سنيّة الصلاة قبل المغرب في المسجد: أورد الذهبي ﵀ حديث أنس ﵁: «كنا بالمدينة إذا أذن المؤذن للمغرب ابتدروا السواري، وركعوا ركعتين، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صُلّيتْ من كثرة من

стр. 24

يصلّيها» (١). قال الذهبي: "هذا يدل على أنهم كانوا يصلّون سُنّة المغرب في المسجد" (٢). ٣٣ - جواز الائتمام بمن لم ينوِ الإمامة: أورد الذهبي ﵀ حديث ابن عباس: «أنه أتى خالته ميمونة، فقام رسول الله ﷺ من الليل إلى سقاية فتوضأ، ثم قام، وقمتُ فتوضأتُ، ثم قمتُ عن يساره .. وذكر الحديث» (٣). قال الذهبي: "هو دال على الائتمام بمن لم ينوِ الإِمامة" (٤). قلت: عامة الشراح وافقوا الذهبي على هذا الاستنباط (٥). ٣٤ - بطلان صلاة من صلّى خلف الصفّ وحده: أورد الذهبي ﵀ حديث وابصة بن معبد ﵁: «أن النبي ﷺ أبصر رجلاً يصلّي خلْف الصفّ وحده، فأمره أن يعيد الصلاة» (٦). ثم علّق عليه فقال: "ظاهره نفي الصحة، كما قلنا في قوله للمسيء صلاته: ارجع فصل فإِنك لم تصل" (٧). قلت: بطلان صلاة المنفرد خلف الصفّ وحده هو مذهب

стр. 25

الحنابلة، وجمهور العلماء حملوا الحديث على الندب (١). ٣٥ - التخفيف المطلوب في الصلاة يرجع إلى عُرف الشارع: أورد الذهبي ﵀ حديث جابر بن سمرة ﵁: «كان رسول الله ﷺ يصلّي الصلوات كنحو من صلاتكم، ولكنه كان يخفف، كانت صلاته أخفّ من صلاتكم، كان يقرأ في الفجر الواقعة ونحوها من السور» (٢). قال الذهبي معلقاً وشارحاً لهذا الحديث: "وصف جابرٌ صلاة أئمته بالطول لكونها أطول من صلاة النبي ﷺ الذي كان يخفف بالنسبة إلى أولئك الأئمة، وصلاته طويلة بالنسبة إِلي أئمة زماننا، فظهر لك بقوله ﵇: "فليخففْ"، أي لا يزيد علي مقدار صلاتي؛ فإِن التخفيف أمرٌ نسبي يختلف باختلاف الأزمنة، ولا جائز أن يرد إلى العرف اليوم، بل يرد إِلي عرف الشارع وأصحابه" (٣). قلت: للإمام ابن القيم (ت: ٧٥٢ هـ) ﵀ تقرير نحو هذا يقول فيه: "التخفيف أمر نسبي يرجع إلى ما فعله النبي ﷺ وواظب عليه، لا إلى شهوة المأمومين" (٤). ٣٦ - امتناع اجتماع صلاة العيد والخسوف أبداً:

стр. 26

نقل الذهبي ﵀ عن الإمام البيهقي تجويز اجتماع صلاة العيد والخسوف معاً في يوم واحد تبعاً للشافعي، ثم تعقبه بقوله: "لم يقع ذلك ولن يقع، والله قادر على كل شيء، لكن امتناع وقوع ذلك كامتناع رؤية الهلال ليلة ثامن وعشرين الشهر" (١). قلت: وذلك لأن الله قد أجرى العادة بأن القمر لا يخسف إلا عند إبداره ليلة الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، والتي تسمى بالليالي البيض. ٣٧ - من أخَّر الصلاة عن وقتها فهو صاحب كبيرة: قال الذهبي ﵀: "مؤخّر الصلاة عن وقتها صاحب كبيرة، وتاركها بالكلية أعني الصلاة الواحدة، كمن زنى وسرق" (٢). ٣٨ - تارك الصلاة أحياناً لا يقتل: نقل الذهبي ﵀ عن الإمام البيهقي قوله بقتل تارك الصلاة كسلاً، ثم تعقبه فقال: "المنافق أسوأ حالاً باتفاقٍ من تارك الصلاة، ومع ذلك فقد نهى ﵇ عن قتله، فبالأولى ألّا يُقتل المرء بترك الصلاة في الأحايين" (٣). ٣٩ - من ترك صلاة عمداً حتى يخرج وقتها لابد له من قضائها: رَدَّ الذهبي ﵀ على من قال بعدم قضاء الصلاة الفائتة

стр. 27

عمداً، وقال: "جمهور الأمة على أنه لابد من قضائها، وأنّ قضاءها لا ينفي عنه الإثم إلا بتوبة منه" (١). قلت: الأمر كما قال الذهبي ﵀، فالجمهور على وجوب قضاء الصلاة الفائتة، سواء فاتته عمداً أو سهوًا، ويرى البعض عدم وجوب القضاء على المتعمد في الترك (٢). ٤٠ - صحة صلاة من صبر على مدافعة الأخبثين: قال الذهبي ﵀ تعليقاً على مسألة مدافعة الأخبثين في الصلاة: "إن عرض له ذلك في الصلاة وأمكنه الصبر، فصلاته صحيحة، وإن أجهده ذلك فلينصرف" (٣). قلت: عامة العلماء على كراهة الصلاة حال مدافعة الأخبثين، أما إن كانت المدافعة شديدة، بحيث لا يدري ولا يعقل صلاته، فصلاته باطلة (٤). ٤١ - منع قراءة القرآن حال الركوع والسجود: نقل الذهبي ﵀ عن ابن الزبير، أنه ركع مرة فقرأ بالبقرة وآل عمران والنساء والمائدة وما رفع رأسه، ثم تعقبه فقال: "هذا ما بلغ ابنَ الزبير فيه حديث النهي" (٥).

стр. 28

قلت: يشير إلى حديث: «ألا وإني نُهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً» (١). ٤٢ - فضيلة تعجيل صلاة المغرب أول وقتها: عرض الذهبي ﵀ لخلاف العلماء في مسألة آخر وقت صلاة المغرب، وقال: "فعل المغرب في وقت واحد هو الأفضل، ويبقى وقت الجواز" (٢). قلت: كأن الذهبي استند في هذا إلى مواظبته ﷺ على تعجيل صلاة المغرب أول وقتها، دون تأخير (٣). ٤٣ - الأمر بالإنصات للإمام في الصلاة الجهرية: أورد الذهبي ﵀ حديث عمران بن حصين: أن رسول الله ﷺ : «نهاهم عن القراءة خلف الإمام» (٤)، ثم علّق عليه فقال: هذا "محمول على جهره، فإن الله أمرنا بالإنصات" (٥). قلت: كأن الذهبي ﵀ أراد الردّ على من منع القراءة خلف الإمام مطلقاً، في الجهرية والسرية (٦).

стр. 29

٤٤ - استحباب قصر الصلاة في السفر: عرض الذهبي ﵀ لمسألة قصْر الصلاة في السفر، وقال: "وفي المسألة نصوصٌ تدل على أولوية القصر، وذهب إلى وجوبه بعض العلماء" (١). ٤٥ - مشروعية تنفل المأموم قبل صلاة العيد في المصلّى: أورد الذهبي ﵀ حديث ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ خرج يوم الفطر، فصلّى ركعتين، لم يصل قبلها ولا بعدها» (٢)، ثم علّق فقال: "هو نص في الإمام، أما المأموم، فيتنفل إن شاء" (٣). قلت: هو نصّ كلام الشافعي ﵀، حيث قال: "أحب للإمام ألا يتنفل قبلها ولا بعدها، وأما المأموم فمخالف له في ذلك" (٤). ٤٦ - التكبير في أيام العيد سنّة دون التقيّد بعدد: قال الذهبي ﵀: "ما ثبت في العدد شيء، ولا ذُكِر التكبيرُ في عيد الفطر، وهو سُنّة، والآية دالة عليه؛ وهي: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] " (٥). قلت: وبهذه الآية الكريمة أخذ جمهور من العلماء مشروعية واستحباب التكبير في عيد الفطر المبارك (٦). ٤٧ - صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان: ذكر الذهبي ﵀ خلاف العلماء في صفة صلاة الكسوف، بناء على اختلاف الروايات الواردة فيها، ثم علّق بقوله: "حديثهم (٧) مجمل، وحديثنا مفصّل مبين، وهو أصَحّ" (٨). قلت: يشير بالحديث المفصّل إلى ما أخرجه الشيخان، عن عائشة ﵂، في وصفها لصلاة النبي ﷺ للكسوف، وفيه: «فكبّر وصفّ الناس وراءه، فكبروا، فقرأ قراءة طويلة، ثم كبّر فركع ركوعاً طويلاً، ثم قال: سمع الله لمن حمده. فقام ولم يسجد، فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى، ثم كبّر وركع ركوعاً طويلاً هو أدنى من الركوع الأول، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. ثم سجد، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك، فاستكمل أربع ركعات، وأربع سجدات، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف» (٩). وبهذا أخذ جمهور العلماء؛ مالك والشافعي وأحمد، أعني أن صلاة الكسوف ركعتان، في كل ركعة ركوعان (١٠).

стр. 30

كتاب الأذان ٤٨ - ليس للعيدين، ولا لصلاة الاستسقاء والكسوف أذان: قال الذهبي ﵀: "يُستدل بتركه يعني: النبي ﷺ التأذين في العيد والكسوف والاستسقاء على عدم الاستحباب، وأنه ليس بدين، فما أمسك عن فعله، أو الأمر به، مع قيام المقتضي دَلَّ على أنه ليس بحسن ولا برّ" (١). قلت: قد نقل ابن رجب الاتفاق على أن الأذان للعيدين بدعة محدثة (٢). ٤٩ - تقديم الأذان الأول قبل الأذان الثاني بزمن يسير في صلاة الفجر: قال الذهبي ﵀: "مجموع ما ورد في تقديم الأذان قبل الفجر إِنما ذلك بزمن يسير، لعله لا يبلغ مقدار قراءة الواقعة أو نحو ذلك؛ بل أقل، فبهذا المقدار تحصل فضيلة التقديم لا بأكثر، أما ما يُفعل في زماننا من أنه يؤذن للفجر أولاً من الثلث الأخير فخلاف السنّة

стр. 31

لو سُلّم جوازه" (١). ٥٠ - قول: "حي على خير العمل" في الأذان من شعار الرافضة: نقل الذهبي ﵀ عن الإمام البيهقي أن جملة "حي على خير العمل" لم تثبت في الأذان، ثم علَّق فقال: "قد صارت سمة وشعاراً للإمامية" (٢). قلت: وبنحوه قال العلامة الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ): "هذا اللفظ قد صار من المراكز العظيمة عند غالب الشيعة" (٣). ٥١ - المؤذن بحاجة إلى التفرغ للتأذين، ومراقبة أوقات الصلوات: نقل الذهبي ﵀ عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه قال: لو أطقتُ الأذان مع الخلافة لأذَّنت. ثم علّق عليه فقال: "قلت: يعني أنه لا يتفرغ من أعباء الخلافة، والمؤذن فيريد أن يكون مراقباً للأوقات مشتغلاً بها" (٤). ٥٢ - كراهة الأذان الجماعي: أورد الذهبي ﵀ حديث: «لو يعلم الناس ما في النداء والصفّ الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه» (٥)، ثم علّق عليه فقال: "هذا الحديث دال على كراهية أذان جماعة معاً؛

стр. 32

إذ لو ساغ ذلك لأذّنوا جميعهم، ولما احتاجوا إلى الاستهام" (١). قلت: يريد تأذينهم معاً بصوت واحد في مسجد واحد. وقد عَدَّ غير واحد هذا الفعل من البدع المحدثة، كابن الحاج المالكي ﵀ (ت: ٧٣٧ هـ) وغيره (٢).

стр. 33

كتاب المساجد ٥٣ - تقديم الأقرأ على الأفقه في إمامة الصلاة: قال الذهبي ﵀: "قدَّم المهاجرون وفيهم عمر ﵁ في الصلاة بهم سالماً مولى أبي حذيفة، لكونه أكثرهم قرآناً، وعمر أفقه منه بكثير" (١). قلت: وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وبعض أصحاب الشافعي (٢). ٥٤ - منع الركوع دون الصفّ وأن يأتي إلى الصلاة سعياً: ساق الذهبي ﵀ حديث أبي بكرة ﵁: أنه دخل المسجد والنبي ﷺ راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصفّ، فقال النبي ﷺ : «زادك الله حرصاً ولا تعد» (٣)، وعلّق عليه فقال: "الظاهر أن هذا نهي يقتضي الزجر في الموضعين، فلا يركع الإِنسان حتى يقوم في الصفّ، ولا يأت الصلاة سعياً، فما أدرك في الصورتين صلّى، وما

стр. 34

فاته قضاه" (١). ٥٥ - تحريم خروج المرأة إلى المسجد متطيّبة ولو كانت عجوزاً: ذكر الذهبي ﵀ حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعاً: «أيُّما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء الآخرة» (٢)، ثم علّق عليه فقال: "في الحديث دليل على تحريم إتيان المرأة المسجد متطيّبة، ولو كانت عجوزًا .. ولكن إذا أرادت المرأة أن تطيّب بالمسك والعنبر فلتلزم بيتها، إلى أن يذهب ريح الطيب" (٣). ٥٦ - المرأة تصفّ في الجماعة خلف الرجال: أورد الذهبي ﵀ حديث أنس بن مالك ﵁، أن جدته مُليكة دعتْ رسول الله ﷺ لطعام صنعته، فأكل منه، ثم قال رسول الله ﷺ : «قوموا، فلأصلّي لكم». قال أنس: فقمتُ إلى حصير قد اسود من طول ما لُبس، فنضحته بماء، «فقام عليه رسول الله، وقمتُ أنا واليتيم وراءه، وقامتْ العجوز من وراءنا، فصلّى بنا رسول الله ﷺ ركعتين، ثم انصرف» (٤). وعلّق الذهبي عليه بقوله: "صلاتها وحدها في صفّ يدل على جواز ذلك لها، وعلى منعها من مصافّة أنس واليتيم" (٥).

стр. 35

قلت: قد حكى ابن القطان ﵀ (ت: ٦٢٨ هـ) الإجماع في ذلك فقال: "أجمعوا أن المرأة تصلّي خلف الصف وحدها، وخلف المنفرد وحدها، وتلك سنتها" (١). ٥٧ - تحية المسجد ليست واجبة بالإجماع: ذكر الذهبي ﵀ حديث: «إذا دخل أحدكم المسجد فليصل ركعتين قبل أن يجلس» (٢)، ثم قال: "هذا حديث صحيح، متفق على أن الأمر فيه أمر ندب" (٣). قلت: وعلى هذا "اتفق أئمة الفتوى، أن الأمر في ذلك للندب"، حسب عبارة الحافظ ابن حجر (٤)، لكن نقل الاتفاق فيه نظر، فقد نقل ابن بطال عن أهل الظاهر قولهم بالوجوب (٥). ٥٨ - منع رفع الصوت بالقرآن إذا كان يشوّش على المصلين: أورد الذهبي ﵀ حديث عليّ ﵁: «نهى رسول الله ﷺ أن يرفع الرجل صوته بالقرآن قبل العشاء وبعدها، يغلط أصحابه .. » (٦)، ثم علّق عليه بقوله: "فيه النهي عن قراءة الأسْبَاع

стр. 36

التي في المساجد، وقت صلوات الناس فيها، ففي ذلك تشويش بيّن على المصلين" (١). قلت: وبنحوه قال الإمام ابن الحاج المالكي (ت: ٧٣٧ هـ) ﵀: "وينبغي له أن ينهى من يقرأ الأعشار وغيرها بالجهر، والناس ينتظرون صلاة الجمعة أو غيرها من الفرائض؛ لأنه موضع النهي .. ، ولا يظنّ ظان أن هذا إنكار لقراءة القرآن، بل ذلك مندوب إليه، بشرط أن يسلم من التشويش على غيره من المصلين، والذاكرين، والتالين، والمتفكرين" (٢).

стр. 37

كتاب الجنائز ٥٩ - جواز إخبار المريض عن مرضه دون تسخط، وكراهة تمنّي الموت: قال الذهبي ﵀: "يجوز للمريض أن يقول أنا شديد الوجع. قال رسول الله ﷺ : «وارأساه» (١)، ولا يُظهر الجزع والتسخّط .. ويُكره للمريض تمنّي الموت، وإن خاف على دينه جاز له ذلك" (٢). قلت: وبهذا صرح كثير من العلماء، كقول الإمام القسطلاني (ت: ٩٢٣ هـ): "إذا خاف على دينه والوقوع في الفتنة فيجوز بلا كراهة" (٣). ٦٠ - استحباب غسل من غسّل ميتاً، والوضوء من حمل الجنازة: أورد الذهبي ﵀ حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعاً: «من غُسْلِه الغُسل، ومن حمْلِه الوضوء» (٤). ثم علّق فقال: "هو ظاهر في أن

стр. 38

ذلك سُنّة، ولا بد للحديث من تقدير شيء محذوف مع الغسل ومع الوضوء، فالمقدّر: المشروع أو المسنون أو المستحب أو الواجب، والله أعلم" (١). وقد صرَّح في موضع آخر باستحباب الغسل لمن غسل ميتاً جمعاً بين النصوص (٢). قلت: قال الإمام الخطابي (ت: ٢٨٨ هـ) ﵀: "أما الاغتسال من غسل الميت فقد اتفق أكثر العلماء على أنه على غير الوجوب" (٣). ٦١ - غسل الشهيد الذي مات وهو جنب: ذكر الذهبي ﵀ قصة غسل الملائكة لحنظلة بن أبي عامر حين استشهد وهو جنب يوم أحد (٤)، ثم علّق عليها بقوله: "لو غسل الشهيد الذي يكون جنباً استدلالاً بهذا الحديث، لكان حسناً" (٥). قلت: قد صرح بهذا بعض العلماء، فقالوا: "يغسل للجنابة لا بنية غسل الميت" (٦).

стр. 39

٦٢ - مشروعية الصلاة على الغائب إن لم يكن صُلّي عليه: قال الذهبي ﵀: "ولم يثبت أنه صلّى ﷺ على غائب سواه (١)، وسبب ذلك: أنه مات بين قوم نصارى، ولم يكن عنده من يصلّي عليه، لأن الصحابة الذين كانوا مهاجرين عنده خرجوا من عنده مهاجرين إلى المدينة، عام خيبر" (٢). قلت: وبنحو كلام الذهبي صرح كثير من العلماء، كقول ابن بطال ﵀ (ت: ٤٤٩ هـ): "الصلاة على الجنائز من فروض الكفاية، يقوم بها من صلى على الميت في البلد التي يموت فيها، ولم يحضر النجاشي مسلمٌ يصلي على جنازته" (٣). ٦٣ - النهي عن تأخير دفن الميت: قال الذهبي ﵀: "خُص ﷺ بتأخير دفنه يومين، ويكره تأخير أُمته، لأنه هو أُمِنَ عليه التغيّر، بخلافنا، ثم إنهم أخروه حتى صلّوا كلّهم عليه، داخل بيته، فطال لذلك الأمر، ولأنهم تردّدوا شطر اليوم الأول في موته، حتى قَدِمَ أبو بكر الصديق من السُّنْح (٤)، فهذا كان سبب التأخير" (٥). قلت: جمهور العلماء على كراهة تأخير دفن الميت، لا سيما إذا

стр. 40

لم تدعو حاجة إلى ذلك (١). ٦٤ - النهي عن تطيين القبر (٢): نقل الذهبي ﵀ عن الإمام أبي حنيفة ﵀ المنع من تطيين القبر، وعلّق عليه فقال: "حجة أبي حنيفة أقوى وأبين" (٣). قلت: يريد بحجة أبي حنيفة: حديث النهي عن البناء على القبر (٤)، مع أنه ليس بصريح في المنع. ومسألة تطيين القبر قد اختلفت المذاهب فيها، بين من كره، ومن رخّص، لا سيما إن كان المراد من التطيين: المحافظة على القبر من نسف الرياح له، أو أن تبعثره الأمطار (٥). ٦٥ - النهي عن المشي بين القبور بالنعال: ذكر الذهبي ﵀ مسألة المشي بين القبور بالنعال، فقال: "منهي عنه". (٦) قلت: هكذا جاء كلام الذهبي مقتضباً جداً، دون أن يُبيّن إن كان النهي للتحريم أم للكراهة، وأكثر أهل العلم أباح ذلك، لا سيما عند
следующие страницы →