← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 133357

أحكام القرآن لابن الفرس

ابن الفرس

Полный текст (1 576 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وسلم الحمد لله الهادي إلى القصد، المبين سبيل الرشد، الذي خصنا باتباع السنة، وعمنا بمزايا اللطف والمنة، وشرفنا بالآيات والذكر الحكيم، وعلمنا ما لم نكن نعلم من سلوك الطريق القويم، وفصل به الحلال من الحرام، ورفع بنوره ظلمة الإشكال والإبهام، وجعله مضمارًا لمجاري الأحكام، وصيره ضابطًا لأفعال العباد، سالكًا بها منهج التوفيق والسداد، حتى لا تكون حركة ولا سكون، إلا وبها حكم من الشرع مقرون. وبعد، فإنه لما كان كتاب الله تعالى الأصل لكل معلوم، وجب على من اتصف بصفات المجتهدين، وأراد تعرف أفعال المكلفين، أن يبدأ أولًا فيعرف المنسوخ منه من المحكم، فإذا عرف ذلك، أخذ في استنباط الأحكام منه، ولا شك أنه إذا أخذ ذلك علم من الأحكام ما تعارضت فيه أدلة الكتاب واحتمالاته، ووجد من السنة الواردة عن النبي ﷺ ما يعارض معنى الكتاب أيضًا فيجب أن ينظر [في] أقوى الأدلة، وأظهر

стр. 2

الاحتمالات، فإذا سلك هذه السبيل أمكن أن يسدد ويوفق. وكثيرًا ما يوجد من الأدلة والاحتمالات ما يكون أقوى عند قوم، وأضعف عند آخرين، وبحسب ذلك يقع اختلاف العلماء في المسألة الواحدة. وإني لما تشوفت في عنفوان الطلب، ومبدأ التعلم إلى معرفة الأحكام الشرعية، تاقت النفس إلى هذه الطريقة، فنظرت في كتب أحكام القرآن المؤلفة في ذلك، فلم أجد فيها ما يشفي نهمة متعطش، ولا يقر عين طالب، لأني وجدتها، قليلًا ما نبه فيها على مآخذ حكم من ألفاظ الكتاب إلا في اليسير النزر. وأجل من اشتغل بذلك أبو الحسن كياه ﵀، فإنه سلك في ذلك الغرض المراد، لكنه ألم به إلمام الطير يحسو الثماد. ولما رأيت الأمر كذلك عنيت بالبحث عن ذلك، وطلب المسائل التي تستند إلى شيء من أدلة الكتاب العزيز، فاجتمع من ذلك كثير. فرأيت أن أجمعها في كتاب ليسهل على الطالب معرفتها، واقتصرت منها على ما هو أظهر تعلقًا، وأبين استنباطًا، ليكون مسبارًا لغيرها ودليلًا على مأخذ سواها. وما عرض من اختلاف لأهل العلم في شيء من ذلك ذكرته ليعرف الناظر في كتابي ما اتفق عليه من الأحكام، وما اختلف فيه، وهذه إحدى فوائد معرفة الخلاف. والفائدة العظمى في معرفته أن يعرف الإنسان منها أدلة الشرع واحتمالاته، فإن أهل العلم ما اختلفوا في شيء إلا عن أدلة تعارضت، واحتمالات تخالفت، فقوي عند أحدهم دليل واحتمال لم يقو عند الآخر. ولهذا كان الشافعي ﵁ يقول بالقولين في السؤال عن مسألة واحدة في حالٍ واحدة، ومالك -رضي الله تعالى عنه-

стр. 3

وإن كان لم يقل مثل هذا، فكثيرًا ما كان يقول قولًا في مسألة، ثم يقول قولًا آخر في المسألة بعينها، وكذلك أبو حنيفة وغيره من العلماء، فإذا انحصر لك خلاف العلماء في مسألة علمت أن احتمالات الشريعة منحصرة لأنه لو كان هناك احتمال له قوة لقيل به. ولما أخذت في بسط هذا المنهج من الأحكام رأيت أن أذكر مع ذلك ناسخ القرآن ومنسوخه، لتكمل به الفائدة، وتتم به للمتفقه العائدة، وإن قصرت في شيء مما اعتمدت عليه فبحسب بعد هذا المأخذ الذي لم أسبق إليه، وإن وقفت بي همتي دون مطلبي، فمبلغ نفس عذرها مثل منجح، والله الموفق للصواب.

стр. 4

فاتحة الكتاب مكية، وقيل: مدنية، واختلف هل يقال لها أم الكتاب وأم القرآن أم لا؟ وليس فيها ناسخ ومنسوخ.

стр. 5

البقرة مدنية. وقد وقع فيها ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ [البقرة: ٢١]. قال مجاهد: ﴿يا أيها الناس﴾، حيث وقع من القرآن مكي، و ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ مدني. وهذا الذي قال مجاهد صحيح في ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ وأما ﴿يا أيها الناس﴾ فقد يجيء في المدني. وفيها مواضع من الأحكام والنسخ. (٣) - الأول: [قوله تعالى]: ﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ [البقرة: ٣] . واختلف في هذه النفقة ما هي؟ فقال يزيد بن القعقاع وابن عباس: هي الزكاة. وقال ابن مسعود: هي نفقة الرجل على أهله. وقال الضحاك: هي كل نفقة وهذا هو الصحيح. ثم إن الله ﵎ بين في كتابه على لسان رسوله ﷺ درجات الإنفاق في التكليف وأحكامه في الثواب. وقول من قال: إن هذه الآية وكل آية تضمنت النفقة في القرآن

стр. 6

منسوخة بالزكاة غير صحيح؛ لأن ذلد ليس بنسخ وإنما هو تخصيص. قوله تعالى في صفة المنافقين وإظهارهم الإيمان مع إسرارهم الكفر ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ الآيات [البقرة: ٨ - ١٦]. قال بعض المفسرين لهذه الآية: عدم الأمر بقتلهم يدل على جواز استتابة الزنديق لأن الله تعالى لم يأمر بقتلهم وإليه ذهب الشافي وأصحاب الرأي والطبري وأبو حنيفة في أحد قوليه. وهذا استدلال ضعيف لأن الآية لا تدل عليه بلفظ، ولا بمفهوم لفظ وغاية ما فيها عدم الأمر، وعدم الأمر ليس بحكم يقتضي حكمًا. وقال الشافعي وأصحابه: إنما منع رسول الله ﷺ من قتل المنافقين ما كانوا يظهرون من الإيمان بألسنتهم؛ لأن ما يظهرونه يجب ما قبله، كالكافر لا يصلي، فمن قال: إن عقوبة الزنادقة أشد من عقوبة الكافر، فقد خالف معنى الكتاب والسنة وجعل شهادة الشهود على الزنديق فوق شهادة الله تعالى على المنافقين، قال تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله﴾ الآيات [المنافقون: ١ - ٨] واحتج ابن حنبل لهذا القول بحديث مالك بن الدخشم، وقل النبي ﷺ فيه: ((أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم)). وأما مالك وأصحابه فيقولون: إنه لا تقبل للزنديق توبة ويقتل. وقال

стр. 7

مالك رحمه اللخ تعالى: النفاق في عهد رسول الله ﷺ هو الزندقة فينا اليوم، فيقتل الزنديق إذا شهد عليه بها دون استتابة؛ لأنه لا يظهر ما يستتاب منه، وإنما كف رسول الله ﷺ عن المنافقين ايسن الحكم لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه إذ لم يشهد على المنافقين. قال إسماعيل القاضي: لم يشهد على عبد الله بن أبي إلا زيد بن أرقم وحده، ولا على الجلاس بن سويد إلا عمير بن سعد ربيبه، ولو شهد على أحد منهم رلان بكفره ونفاقه لقتل. قال بعض المفسرين: وليس في قول عبد الله بن أبي ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ [المنافقون: ٨] صريح كفر وإنما يفهم من قوته الكفر. وهذا أقوى من الاعتذار عنه بانفراد زيد بالشهادة عليه وفي هذا وهم من وجهين: أحدهما: أن دلالة المفهوم من اللفظ كدلالة صريح اللفظ فيما يوجبه من الحكم. والثاني: أن الله تعالى قد شهد على قائل ذلك بالكفر، فلو شهد عند رسول الله ﷺ [به على عبد الله بن أبي] شاهدان لقتله.

стр. 8

واحتج ابن الماجشون لمذهب مالك بقوله تعالى: ﴿لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض﴾ إلى قوله [تعالى] ﴿ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠، ٦١]. قال [قتادة]: معناه إذا هم أعلنوا النفاق. وفي هذه الآية رد على غلاة المرجئة. قال بعض المفسرين: وهم الكرامية، في قولهم: إن مهر الشهادتين بلسانه يدخل الجنة وإن لم يعتقد ذلك بقلبه تعلقًا منهم بقوله ﷺ في بعض طرق حديث مالك بن الدخشم: ((لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله فيدخل النار [وأني رسول الله])) وبغير ذلك من ظواهر الأخبار، لأنه تعالى قد نفى الإيمان عن المنافقين بقوله تعالى: ﴿وما هم بمؤمنين﴾ [البقرة: ٨]. (٢٢) - قوله تعالى: ﴿الذي جعل لكم اتلأرض فراشًا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم﴾ [ االبقرة: ٢٢]. في هذه الآية مجاز كثير، فإنه جعل الأرض فراشًا، والسماء بناء، والفراش والبناء في اللغة يطلقان على غير ذلك، وإنما يطلق على الأرض فراشًا وعلى السماء بناء على التسبيه لهما بالفراش الحسي والبناء الحقيقي. وقد أنكر المجاز في القرآن قوم، وهذا وأمثاله يرد قولهم. فلو حلف

стр. 9

إنسان أن لا يبيت على فراش ولا يرقد تحت بناء، فبات على الأرض وبات لا يحجبه عن السماء شيء لم يحنث؛ لأن إطلاق اللفظ ينصرف إلى الحقيقة. وقوله تعالى: ﴿فاخرج به من الثمرات رزقًا لكم﴾ [البقرة: ٢٢]. اختلف في الرزق ما هو؟ فذهب الأكثر إلى أنه ما يصح الانتفاع به. وذهبت المعتزلة إلى أنه ما يصح تملكه، وليس الحرام عندهم برزق، وإن عاش الإنسان منه طول دهره. واحتج بعض الناس بهذه الآية على إبطال قولهم لأن الله تعالى أوقع اسم الرزق فيها على ما يخرج من الثمرات قبل التملك لها، أي أخرج منها ما يصلح أن يكون رزقًا لكم، وكذلك احتج على إبطال ذلك بعضهم أيضًا بقوله تعالى بعد هذا ﴿كلما رزقوا منها من ثمرة رزقًا قالوا هذا الذي روقنا من قبل﴾ [البقرة: ٢٥]. قال بعضهم: ودل قوله: ﴿الذي جعل لكم الأرض فراشًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا﴾ [البقرة: ٢٤] على الأمر باستكمال حجج العقول وإبطال التقليد. (٢٣) - قوله تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله﴾ [البقرة: ٢٣] . هذا هو التحدي الذي لا معنى للمعجزة إلا به، ولا خلاف أنه ﷺ تحدى العرب بالقرآن لأنه أمر متواتر. وقد قال تعالى: ﴿فأتوا بعشر سور مثله مفتريات﴾ [هود: ١٣]. وقد اختلف في القدر الذي يقع به الإعجاز م نالقرآن، فذهب بعض المعتزلة إلى انه يتعلق بجميع القرآن، وهذا قول ترده الآيتان المذكورتان. وقال القاضي: يتعلق الإعجاز بسورة وألزم ذلك في

стр. 10

سورة الكوثر والإخلاص تشبثًا بظاهر قوله تعالى ﴿بسورة من مثله﴾ وقال في موضع آخر من كتبه، وارتضاه أبو إسحاق. وإنما يتعلق بسورة يعد قدرها في الكلام بحيث يتبين فيه تفاضل رتب قوى البلاغة، وهو لا يتبين إلا فيما طال بعض الطول، ولست أقطع في الكوثر وما قاربها بنفي ولا إثبات في إعجازها. وصحح بعض المتأخرين هذا القول. واختلف في الضمير في قوله: ﴿من مثله﴾ على ما يعود؟ فقيل: يعود على القرآن، وهو المعبر عنه بما في قوله: ﴿مما نزلنا﴾. واختلف الذين ذهبوا إلى هذا في معنى هذه المماثلة فقيل: معناه مثله في قدمه أو غيوبه وصدقه، وهذان القولان راجعان إلى مذهب من يرى أن تحدي النبي ﷺ إنما وقع بالكلام القديم الذي هو صفة للذات وأن العرب كلفت من ذلك بما لا يطاق. وقيل: معناه مثله في وصفه ونظمه وفصاحته. وهذا القول راجع إلى مذهب من يرى التحدي إنما وقع باللفظ. والذين ذهبوا إلى هذا اختلفوا في المعجز منه ما هو؟ لأن ألفاظه احتوت على وصف محكم ونظم وفصاحة، وفمنهم من علق الإجاز بالمعاني الثلاثة، ومنهم من علقه بالوصف، ومنهم من علق بالنظم، ومنهم من علقه بالفصاحة. ويحتمل أن تتأول الآية على كل واحد من هذه الأقوال. وتعلق الإعجاز بالمعاني الثلاثة هو الذي اختاره المتأخرون من أهل السنة. وقال بعضهم: وهو الذي عليه الجمهور والحذاق وهو الصحيح في نفسه ولم يكن من قدرة العرب أن تحيط بمثل ذلك فتأتي به خلافًا لم نقال: إن العرب في قدرتها أن تأتي بمثله، فلما جاء النبي ﷺ صرفوا عن ذلك وعجزوا عنه، وهو قول باطل يرده الاعتبار بما جبل عليه الناس من الذهول والجهل والنسيان، فكيف كان

стр. 11

يصح منهم أن يأتوا بمثله مما ذكر حتى لا يقع منهم فيه خطأ في تلك الوجوه. وقيل الضمير في قوله ﴿من مثله﴾ عائد على ﴿عبدنا﴾ وهو محمد ﷺ . ثم اختلفوا فقالت طائفة: أي أمي صادق مثله. وقالت طائفة: من ساحر أو كاهن أو شاعر مثله على زعمكم أيها المشركون. وقيل: المراد بمثله الكتب القديمة: التوراة والإنجيل والزبور. (٢٤) - قوله تعالى ﴿فاتقوا النار التي وقودها النار والحجارة أعدت للكافرين﴾ [البقرة: ٢٤] . في هذا دليل صحيح أن النار مخلوقة بعد، ورد على من قال إنها لم تخلق حتى الآن، وهو قول بعض المعتزلة، سقط فيه منذر بن سعيد. وكذلك قوله تعالى في الجنة في موضع آخر: ﴿أعدت للمتقين﴾ [آل عمران: ١٣٣] دليل على ان الجنة مخلوقة الآن خلافًا لمن قال فيها مثل قوله في النار. ودليل خطاب هذه الآية ﴿أعدت للكافرين﴾ أن العصاة لم تعد لهم هذه النار، لكنه دليل لم يقل به أحد. واختلف في تأويله فقال بعضهم: هذه النار التي وقودها الناس والحجارة، هي نار الكافرين خاصة ونار العصاة

стр. 12

غيرها. وقال الجمهور: بل الإشارة إلى جميع النار لا إلى نار مخصوصة، وإنما خص الكافرون بالذكر ليحصل المخاطبون في الوعيد إن فعلهم كفر، فكأنه قال: أعدت لمن فعل فعلكم وذلك ليس يقتضي ذلك أنه لا يدخلها غيرهم. (٢٥) - قوله تعالى: ﴿وبشر الذين ىمنوا وعملوا الصالحات﴾ [البقرة: ٢٥] . قال أبو الحسن علي بن محمد: هو دليل على أنه هو أول مبلغ إليهم. وقال العلماء: إذا قال: أي عبد بشرني بولادة فلانة فهو حر أن الأول من المبشرين هو المعتق دون الثاني، لأن البشارة حصلت بخبره دون غيره. وهو ما يحصل به الاستبشار ويتبين على بشرة الوجه ولو قال أي عبد أخبرني بولادتها أعتق الثاني مثل الأول، ولذلك يقال: ظهرت تباشير الأمر لأوائله. ولا تطلق البشارة في الشر إلا مجازًا. وقيل: هو عام فيما يسر ويعم، لأن أصله فيما يظهر أو لا في بشرة الوجه من سرور أو غم، إلا أنه أكثر فيما يسر، فصار الإطلاق أخص به منه بالشر. وذكر غيره في البشارة أنها لا تقال في الشر إلا مقيدة، كقوله: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ [آل عمران: ٢١]. وقوله تعالى: ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ فيه دليل أن الإيمان غير العمل خلافًا لمن يقول: إن الإيمان بمجرده يقتضي أعمال الطاعات. (٢٦) - قوله تعالى: ﴿يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] . اختلف هل هو حكاية قول الكفار او هو خبر من الله تعالى؟ وعلى هذا القول ففيه الحجة البالغة لأهل السنة في أن الهدى والضلال من الله

стр. 13

تعالى خلافًا للمعتزلة في قولهم: إن الله لا يخلق الضلال ولا يريده ولم يختلف أن قوله: ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾ من قول الله تعالى. (٢٧) - قوله تعالى: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل﴾ [البقرة: ٢٧] . اختلف في تعيين العهد المذكور فقيل: هو ما أخذ على بني آدم حين أخرجهم من ظهر أبيهم كالذر، وقيل: هو ما أخذه الله تعالى على الناس بوساطة الرسل من التوحيد والعبادة. وقيل: ما أخذه الله تعالى على أهل الكتاب من الإيمان بمحمد ﷺ . وقيل: هو ما نصبه الله تعالى من الأدلة على توحيده، فهي كالعهد. وقيل: هي فيمن آمن بالنبي ﷺ ثم كفر به. والنظر في هذه الآية أن لا يخص العهد فيها بشيء دون شيء، وتحمل على إطلاقه في كل عهد إلا ما خصصه الشررع بإجازة نقضه، كالحنث في اليمين بالله، لأن الأيمان والنذور من العهود. واختلف في العهد هل يكون يمينًا أم لا؟ (٢٧) - وقوله تعالى: ﴿ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل﴾ [البقرة: ٢٧] . اختلف فيه، فقيل: أراد صلة الرحم، قيل: أراد الذين والعبادة وإقامة الشرائع. والنظر أن تحمل الآية على كل ما جاء في الشرع الأمر بصلته، كصلة الرحم، وإتمام عبادة يدخل فيها الإنسان ونحو ذلك. وقد اختلف فيمن دخل في عبادة تطوع كصوم، وصلاة ونحو ذلك هل له أن يقطع ذلك أم لا؟ .

стр. 14

(٢٧) - وقوله تعالى: ﴿ويفسدون في الأرض﴾ [البقرة: ٢٧] . وجوه الفساد لا تنحصر، وقد فسرت الشريعة ما هو فساد مما ليس بفساد. ويؤخذ من هذه الآية أن من نقض عهدًا، أو قطع ما أمر الله أن يوصل أو أفسد في الأرض أنه يطلق عليه اسم الفسق. وأصله الخروج من الشيء، يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، وفسقت الفأرة إذا خرجت من جحرها، كذا هو في اللغة، وهو في الشرع الخروج من الطاعة إما إلى كفر وإما إلى عصيان. (٢٩) - قولله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى العرش﴾ الآية [البقرة: ٢٩] . قوله: ﴿لكم﴾ قيل: معناه لتعتبروا، ويدل عليه ما قدم من ذكر العبر. وقيل: معنى قوله ﴿لكم﴾ إباحة الأشياء وتمليكها، حتى قال بعضهم: هذا يدل على إباحة الأشياء في الأصل إلا ما ورد فيه دليل الحظر. وقال ابن عطية في ((تفسيره)): ((هذا قول من يقول: إن الأشياء قبل ورود النهي على الإباحة)) ثم ساق الأقوال الثلاثة في ذلك هل هي على الإباحة أو الحظر أو الوقف؟ . وهذا وهم، لأن الذين اختلفوا [الخلاف الذي ذكره إنما اختلفوا] فيما لم يرد فيه سمع ما حكمه في العقل قبل أن يرد السمع، والحجة بالآية على قول الإباحة وهمٌ، لأن الآية نفسها هي الشرع. فإن دلت على الإباحة، فالشرع أعطى الإباحة لا العقل، وهي مسألة ثانية هلى الأشياء المسكوت عنها في الشرع- وهي التي لم يرد فيها حكم ولا دليل- محمولة على الإباحة بهذا الدليل العام، أم هي موقوفة على دليل يخصها؟ .

стр. 15

فحكى القاضي أبو محمد عبد الوهاب، عن محمد بن عبد الحكم، وبعض متأخري أصحابه: أن الشرع قد قرر أن الأشياء في الأصل على الإباحة، إلا ما استثناه الدليل. وقد قال بهذا المذهب رجال من أهل العلم. وأكثر العلماء على خلافه، وأنه لا يعلم حكم شيء إلا بدليل يخصه أو يخضص نوعه. وفائدة هذا الاختلاف أنه إذا وقع الاختلاف في حكم في الشرع هل هو على الحظر أو على الإباحة؟ حكم فيه هؤلاء بأنه على الإباحة. وهؤلاء ليسوا يقولون إن الأشياء في العقل على الإباحة، ولكن زعموا أن السمع أحل جميعها ثم استثنى السمع سائر ما حرم، فمتى لم ينص عل ىتحريم كان الأصل تحليله بالشرع، لا بحكم العقل. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥] وبحديث سلمان ((الحلال ما أحل الله والحرام ما حرم الله، وما سكت عنه فهو مما يعفى عنه)). ومثل ما ذكره

стр. 16

عبد الوهاب في هذه المسألة إذا تعارض عند المجتهد دليلان في حظر وإباحة، ولم يكن ترجيح. وكذلك موجب ومبيح، كذلك محرم وموجب، ومنهم من يميل إلى الإباحة مكا قدمنا، ومنهم من يميل إلى الموجب، ومنهم من يميل إلى الحظر، ومنهم من يتوقف خ=حتى يأتي بدليل آخر، وكذلك يتصور في كل تعارض من الوجوه المذكورة الثلاث الأقوال. (٢٩) - قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ الآية [البقرة: ٢٩] . وهذه ﴿ثم﴾ إن حملت على بابها من الترتيب اقتضت أن الأرض وما فيها خلق قبل السماء. وقد قال بذلك قوم. وقوله تعالى في سورة النازعات بعد ذكرخلق السماء ﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾ [النازعات: ٣٠] يقتضي ظاهرها أن السماء خلقت قبل الأرض، وقد قال به قوم. وكذلك ما في سورة فصلت، والصواب أن يجمع بين الآيات، فيقال: إن الأرض خلقت قبل السماء على ما في سورة البقرة، ثم خلقت السماء، ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء على ما في سورة النازعات، وفصلت. ويحتمل أن

стр. 17

تكون ﴿ثم﴾ في هذه الآية لترتيب الأخبار لا لترتيب الأمر في نفسه. وإذا كان هذا لم يعطيا أن السماء خلقت بعد الأرض، وإذا لم تقتص ذلك أمكن أن تحمل الآية الأخرى على ظاهرها فيصح القول الآخر. والأمر يحتمل ولا قاطع فيه من الشرع. وقد جاءت بذلك أخبار آحاد. وإذا لم يكن ففي الترتيب خبر متواتر والآيات محتملة فلا قاطع في المسألة. ويحتمل أن تكون الأرض والسماء قد خلقهما الله تعالى خلقًا واحدًا دون تقدم ثم دحيت الأرض بعد السماء، ودحيت قبل السماء. ويترتب ما في الآيتين على هذا ويخرج خروجًا حسنًا والله تعالى أعلم، وهو قدير على ما يشاء إذ كل ذلك جائز في العقل. (٢٩) - وفي هذه الآية قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ [البقرة: ٢٩] . والاستواء يوهم تكييفًا وتشبيهًا. فمن الناس من استمر على هذا التشبيه واعتقده تشبثًا بالظاهر وهم الكرامية وجماعة من أهل الحديث وغيرهم. ومنهم وهم الجمهور من نفي التشبيه والتكييف. واختلفوا في هذه الآية وما جانسها فمنهم من رأى تأويلها وصرفها إلى معنى لا يوهم تشبيهًا. ومنهم من لم ير لتأويلها وجهًا وقال: تمر كما جاءت من غير اعتقاد تشبيه ولاتكييف. والذين ذهبوا إلى تأويلها اختلفوا في التأويل اختلافًا بحسب ما يحتمله اللفظ في كلام العرب وإطلاقهم فقيل: معنى استوى في هذه الآية استولى، وأنشدوا: قد استولى بشر على العراق ... . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 18

وقيل: علا أمره وقدرته وسلطانه وهو اختيار الطبري. وقال ابن كيسان: معناه قصد إلى السماء أي بخلقه واختراعه. وقيل: معناه كمل صنعه فيها كما تقول: قد استوى الأمر. وقيل: معناه أقبل. وحكى الطبري عن بعضهم أن المستوي هو الدخان. ولتحقيق القول الصحيح من هذه الأقوال موضع غير هذا وهو في كتب الكلام ليس كل ما قاله المفسرون صحيحًا، لأن كثيرًا منهم إنما ينظرون إلى المعنى ولا يلتفتون إلى الألفاظ. وتصحيح اللفظ على المعنى أولى ما اعتبر. وقد رأيت بعضهم أحصى في قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥] أكثر من عشرة أقوال. وإذا حققت لم يصح منها إلا اليسير. (٣١) - قوله تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ الآية [البقرة: ٣١] . احتج قوم بهذه الآية على أن اللغة كلها توقيف من الله تعالى، وردوا

стр. 19

بذلك على من قال: إنها كلها اصطلاح من أصحاب اللغة وعلى من قال أولها توقيف أي قدر ما يقع به التفاهم، ثم ما بعد ذلك اصطلاح وهذه الأقوال الثلاثة كلها جائزة عقلًا، وليس على واحد منها دليل قاطع في الشرع. والآية التي احتجوا بها محتملة، فلا حجة فيها. والذين ذهبوا إلى أنها توقيف من الله تعالى، واحتجوا بالآية منهم من قال: إن تعليم آدم إياها المذكور في الآية إنما هو إلهام علم ضرورة وقال قوم: بل تعليم بقول، فإما بواسطة ملك أو بتكلم قبل هبوطه الأرض فلا يشارك موسى ﷺ في خاصته، ووجه احتمالات هذه الآية التي ترفع الحجة بها أن الأسماء قد قال قوم إنه أراد بها التسميات، وهو قول المحتجين بها. وقال قوم: أراد الأشخاص أنه عرضها عليه. وقال أكثر العلماء: علمه تعالى منافع كل شيء، ولما يصلح. واختلف أهل القول الأول أي الأسماء علمه؟ فقال قوم علمه جميع الأسماء بكل لغة وغلط في هذا قوم حتى قال ابن جني عن أبي علي الفارسي: علم الله آدم كل شيء حتى أنه كان يحسن من النحو مثل ما أحسن سيبويه. واختلفوا هل عرض عليه الأشخاص عند التعليم أم لا؟ وقال قوم: لم يعلمه جميع الأسماء، وإنما علمه أسماء النجوم. وقال قوم: أسماء الملائكة. واختار هذا ورجحه لقوله ﴿ثم عرضهم على الملائكة﴾ [البقرة: ٣١] وحكى

стр. 20

النقاش، عن ابن عباس: أن الله تعالى كلمه كلمة واحدة عرف منها جميع الأسماء. وقال قوم: علمه أسماء الأجناس. وقال ابن قتيبة: علمه أسماء ما خلق في الأرض. وقال قوم: علمه الأسماء بلغة واحدة. وقوله: ﴿ثم عرضهم على الملائكة﴾ [البقرة: ٣١] يقوي قول من يقول إنما أراد بالأسماء الأشخاص، ويأتي على هذا أنها التي عرض على الملائكة. ومن الناس من قال: إن لفظ الأسماء يدل على أشخاصن فلذلك ساغ أن يقول الأسماء، ثم عرضهم، وقد قرئ: ((ثم عرضها)) وقرئ ((ثم عرضهن)) وهذا يوافق القول بأنها التسميات ويأتي عليه القول بأن الذي عرض على الملائكة الأسماء دون الأشخاص. وقوله تعالى: ﴿انبئوني بأسماء هؤلاء﴾ [البقرة: ٣١] يؤكد أن الذي عرض على الملائكة الأشخاص، وقد استدل قوم بهذا على جواز تكليف ما لا يطاق، قالوا لأنه تعالى علم أنهم لا يعلمون، ثم أمرهم أن ينبئوه بها. وقال آخرون: لا دليل فيه لأنه ليس على جهة التكليف، وإنما هو على جهة التقرير والتوقيف. وهذا القول غير بيِّن، والذي يظهر لي فيه أنه أمر تعجيز لأنه تعالى أراد أن يريهم عجزهم عن معرفة الغيب. وقد استدل

стр. 21

قوم أيضًا بهذه الآية على أن الاسم هو المسمى. ذهب إلى ذلك المهدوي، ومكي وغيرهما. وليس فيها دليل لما قدمته من الاحتمالات التي في الآية. وفي هذه الآية عندي رد على المنجمين والكهان، ومن يدعي معرفة شيء من الغيب؛ لأن الملائكة إذا لم تعلم إلا ما علمها الله تعالى فالآدميون أحرى، وبهذا يبطل قول الإسلاميين من المنجمين الذين يقولون لا خالق إلا الله ، وإنما النجوم دلالات على الغيوب وعادات أجراها الله تعالى كما أجرى الغيوم والسحب الثقيلة دلالة على الأمطار، وإن كانت ربما خابت وبهذا ونحوه رد ابن الطيب أقوالهم. وكذا قد جاء عن النبي ﷺ في ((صحيح مسلم)) ((كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك)) فاختلف هل هذا على جهة التصويب له؟ أو على جهة الرد والتخطئة لمن انتحله؟

стр. 22

وفي هذه الآية معنى التنبه له وهو أنه تعالى لما قال: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ [البقرة: ٣٠] اعترضت الملائكة بعلم قد كان تقدم عندها فقالت ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ الآية [البقرة: ٣٠] وكان يجب أن لا تعترض على الله تعالى في فعله، ومع ذلك قد فضلوا أنفسهم على من كان يجعله بقولهم: ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾ [البقرة: ٣٠] فرد الله تعالى عليهم بأنه يعلم ما لا يعلمون، ثم زادهم آدم وعلمه ما لا يعلمون. وقال الحسن، وقتادة: روي أن الملائكة قالت حين خلق الله آدم: ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقًا أعلم منا ولا أكرم عليه منا. فأراد الله تعالى أن يريهم من علم آدم وكرامته خلاف ما ظنوا. ثم إنه تعالى أمرهم بالسجود لآدم كرامة له، ولهذه المعاني كلها اعتذارات اختلف الناس في تركها اختصارًا. وهنا مسألة اختلف الناس فيها، هل الصالحون من الناس والأنبياء أفضل من الملائكة؟ أم الملائكة أفضل من كل خلق؟ والذي تدل عليه هذه الآية أن الملائكة أفضل، ألا ترى إخبار الله تعالى إياهم بما أراد أن يخلق وإدلالهم في القول وإخبارهم بالتسبيح والتقديس، وما رد تعالى عليهم شيئًا من ذلك، ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قال لا أقول لكم عدني خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك﴾ [الأنعام: ٥٠]. (٣٤) - قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ الآية [البقرة: ٣٤] . في هذه ما يدل على أن مجرد الأمر لا يحمل على الإباحة لأنه تعالى وصف إبليس بأنه أبى من السجود الذي أمر به، ولم ير له عذرًا باحتمال الإباحة، ولو لم يكن نفس الأمر يقتضي الامتثال لكان له عذر. وفيه أيضًا

стр. 23

دليل على أنه لاى يحمل على الندب بل يحمل على الوجوب لأن الله تعالى قد كفره بمخالفة الأمر، وإذا بطل قول الإباحة وقول الندب، بطل قول الوقف. وإبليس لم يختلف أنه كان مؤمنًا حتى عصى الأمر واستكبر، إلا أنه اختلف هل كان من الملائكة أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه كان من الملائكة وأن الاستثناء متصل، قالوا كان خازنًا وملكًا على سماء الدنيا واسمه عزازيل، قاله ابن عباس. وقال ابن زيد، والحسن: هو أبو الجن كما أن آدم أبو البشر، ولم يك قط ملكًا، وروي أيضًا نحوه عن ابن عباس، قال: واسمه الحارث. وقال شهر بن حوشب: كان من الجن الذين كانوا في الأرض وقاتلهم الملائكة فسبوه صغيرًا وتعبد مع الملائكة، وخوطب معها. فالاستثناء على هذا منقطع. قال بعض من ذهب إلى هذا القول: كيف يكون من الملائكة وقد عصى أمر ربه، والله تعالى يقول في صفة الملائكة: ﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ [التحريم: ٦] ورجح الطبري القول الأول، وقال: ليس في خلقه من نار ولا في تركيب الشهوة فيه والنسل حين غضب عليه ما يرد أنه كان من الملائكة. وقوله تعالى: ﴿كان من الجن ففسق عن أمر ربه﴾ [الكهف: ٥٠]. يتخرج على أنه عمل عملهم، فكان منهم

стр. 24

في هذا، أو على أن الملائكة تسمى جنًا لاستتارها، قال تعالى: ﴿وجعلةا بينه وبين الجنة نسبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] فإن قلتم: إنه قد كان مؤمنًا فما معنى قوله تعالى: ﴿وكان من الكافرين﴾ [البقرة: ٣٤]؟ فالجواب أنه اختلف فيه فقيل: معناه من العاصين، وفي هذا نظر، وقيل: معناه وصار من الكافرين. قال ابن فورك: هذا خطأ ترده الأصول. وقيل: معناه أنه كان في علم الله أنه سيكفر، وقيل: قد كان تقدم من الجن كفر فشبهه الله تعالى بهم، وجعله منهم لما فعله من الكفر فعلهم واختلف هل كفر إبليس جهلًا أو عنادًا على قولين بين أهل السنة، ولا خلاف أنه كان عالمًا بالله تعالى قبل كفره، وقد أنكر كفر العناد قوم من أهل السنة وأجازه قوم وصححوه. وقوله تعالى: ﴿اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ [البقرة: ٣٥] أمر إباحة وكذا قوله تعالى: ﴿وكلا منها﴾. (٣٥) - قوله تعالى: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ [البقرة: ٣٥] . نهي وليس فيه دليل على أن المراد يحمل على التحريم أو الكراهة، لأنه قد اقترنت به قرينة تدل على أن المراد به التحريم لقوله تعالى: ﴿فتكونا من الظالمين﴾ [البقرة: ٣٥] وقد ذكر القاضي أبو محمد في ((تفسيره)) أن في الآية ما يدل على أنه على التحريم، وهو وهم، ولا خلاف أن إبليس متولي غواية آدم. واختلف في الكيفية، فقيل: دخل الجنة بعد إخراجه منها وأغواهما مشافهة. وقيل: لم يدخل الجنة إلا آدم بعد أن أخرج منها، وإنما أغوى آدم سلطانه ووسواسه الذي أعطاه إياه كما قال النبي ﷺ : ((إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)) وفي هذه الآية ما يبطل قول من

стр. 25

أنكر الجن والشياطين. وفيه أيضًا الرد على من أنكر أن الجنة مخلوقة الآن، وزعم أنها ستخلق بعد. وقد ذكر بعضهم الخلاف في الجنة التي أسكنها آدم وزجته هل هي جنة الخلود، أو جنة أعدت لهما؟ قال: وذهب من لم يجعلها جنة الخلد إلى أن من دخل جنة الخلد لا يخرج منها، وهذا لا يمتنع إلا أن الشمع ورد أن من دخلها مثابًا لا يخرج منها، وأما من دخلها ابتداء كآدم فغير مستحيل خروجه منها. ورأيت ابن حزم قد ذكر هذا وزعم أن منذر بن سعيد ذهب إليه. وقد استدل قوم بقصة آدم في أكله من الشجرة بعدج النهي على جواز وقوع المعاصي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ [طه: ١٢١] وهي مسألة قد اختلف فيها اختلافًا كثيرًا لأشياء وردت عن قوم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن قيل: إنما أكلا من غير الشجرة التي أشير إليها، فلم يتأولا النهي. واقعًا على جميع جنسها. وقال آخرون: تأولا النهي على الندب. وقال ابن المسيب: إنما أكل آدم من بعد أن سقته حواء الخمر، فكان في غير عقله. وأما الذين جوزوا المعاصي فقالوا: إنما أكلها عامدًا بخلاف النهي، وما وجد إلى التأويل سبيل فهو الوجه. ووجه التأويل في قوله تعالى: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ [طه: ١٢١] أي فعل فعلًا صورته صورة المعصية لأنه في مقابلة النهي، فهو من حيث أنه خلاف الأمر معصية وغواية فإن كان عن عمد وذكر فهو حقيقة، وإن كان عنت تأويل أو عن نسيان أو ذهول ففي إطلاقه تجوز وذهول، وهو الذي يمكن أن يقع من الأنبياء ﵈ ويؤاخذون به إذا وقع منهم.

стр. 26

(٣٥) - وقوله تعالى: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾ [البقرة: ٣٥] . نهي عن القرب، وجعله كناية عن الأكل؛ لأن المعنى في الآية ولا تقرباها بأكل. قال بعضهم: إن الله تعالى لما أراد النهي عن أكل الشجرة نهى عنه بلفظ يقتضي الأكل وما يدعو إليه وهو القرب. وهذا أصل جيد في سد الذرائع. (٣٦) - وقوله تعالى: ﴿إلى حين﴾ [البقرة: ٣٦] . سياتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. (٤٠) - (٤١) وقوله تعالى: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾ إلى قوله ﴿ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا﴾ [البقرة: ٤٠، ٤١] . النعمة هنا من المفسرين من عينها بنعمة مخصوصة، والصواب حملها على العموم، وفي هذه الآية دليل أن لله على الكفار نعمة خلافًا لمن قال لا نعمة لله تعالى عليهم، وإنما النعمة على المؤمنين، ولأجل هذا حكى مكي أن الخطاب في قوله: ﴿يا بني إسرائيل﴾ إنما هو للمؤمنين منهم بمحمد ﷺ . وقال ابن عباس وجمهور العلماء: بل الخطاب لجميع بني إسرائيل في مدة النبي ﷺ مؤمنهم وكافرهم. والصمير في ﴿عليكم﴾ يراد به على آبائكم. وفي هذه الأية ما يدل على وجوب شكر نعمة الله؛ لأن أمره تعالى بذكر النعمة أمر بالشكر، وقد قال تعالى: ﴿فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون﴾ [البقرة: ١٥٢] ولا خلاف في وجوب ذلك.

стр. 27

وإنما اختلف هل يجب عقلًا أم شرعًا؟ والصواب أنها إنما تجب شرعًا بما دلت عليه هذه الآية ونحوها. (٤٠) - وقوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ [البقرة: ٤٠] . اختلف في تعيين هذا العهد، والصواب أن يقال قوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهدي﴾ عام في جميع أوامره ونواهيه. وقوله: ﴿أوف بعهدكم﴾ هو أن يدخلكم الجنة. وهذه عدة من الله بالثواب، أوجبها تعالى لعبده تفضلًا منه، لأن عمل العبد بالطاعة يوجب له الثواب خلافًا لمن اعتقد من المعتزلة. (٤٠) - وقوله تعالى: ﴿وإياي فارهبون﴾ [البقرة: ٤٠] . أمر تعالى عبيده أن يكونوا أبدًا على تخوف من عقابه فيعملوا ولا يتكلوا. وقد اختلف أهل المقامات ما الذي ينبغي أن يعتمد عليه الولي ويُغَلِّبُه في نفسه الخوف أو الرجاء؟ وسيأتي لهذا موضع يذكر فيه إن شاء الله تعالى. (٤١) - وقوله تعالى: ﴿ولا تكونوا أول كافر به﴾ [البقرة: ٤١] . دليل خطاب هؤلاء لأنه لم يقل به أحد، وفي ذلك دليل على ضعف القول به خلافًا لمن رآه في هذا الموضع دليلًا معتمدًا عليه، ويمكن أن يكون لتخصيص النهي، بأن يكونوا أول كافر به فائدة، لأن النهي عن ذلك يدل وإن كان الكفر كله قبيحًا على أن أول السابق فيه أشد قبحًا وأعظم للإثم لقوله تعالى: ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالًا مع أثقالهم﴾ [العنكبوت: ١٣] وقوله: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير

стр. 28

علم﴾ [النحل: ٢٥] وقوله تعالى: ﴿ومن قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا﴾ [المائدة: ٣٢]. وقال ﵊: ((إن على ابن آدم القاتل من الإثم في كل قتيل ظلمًا كفلًا من الإثم، لأنه أول من سن القتل)) وقال: ((من سن سنة حسنة ... )) الحديث. فإن قيل: فكيف نهاهم تعالى أن يكونوا أول كافر به، وقد كفر قبلهم كفار قريش؟ فالجواب عن ذلك أن معناه من أهل الكتاب. (٤١) - وقوله تعالى: ﴿ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا﴾ [البقرة: ٤١] . اختلف في تأويله فقيل: إن الأحبار كانوا يعلمون دينهم بالأجرة فنهوا عن ذلك. وقال بعضهم: كان للأحبار مأكلة يأكلونها على العلم كالرواتب. وقيل: إن الأحبار أخذوا رشى على تغيير صفة محمد ﷺ في التواراة. وقيل: المعنى ولا تشتروا بأوامري ونواهي وآياتي الدنيا والعيش الذي هو نزر. وقد اختلف في جواز بيع المصحف، والجمهور على جوازه. ويحتمل أن يتعلق بالآية من يحرم بيعه لعمومها، ولا حجة له فيها لما فيها من الاحتمالات المتقدمة، ولما مر عليه السلف من بيعه، وهم أعلم بالتأويل. وكذلك اختلف في تعليم القرآن بالأجرة، فأجيز، وكُره، ومُنع، والجمهور على جوازه. ويحتمل أن يتعلق بظاهر الآية من لا يجيزه بالأجرة. ولا حجة له فيه، لما قدمته، ولما جاء من العمل في ذلك عن النبي ﷺ من حديث الرقية بالحمد لله، وهو حديث صحيح. وأما تعليم

стр. 29

سائر كتب الشريعة بالأجرة فمكروه مشهور ذلك عن مالك، وقد أجازه قوم. والقول فيه على ما تقدم إن شاء الله. (٤٣) - قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣] . الصلاة في عرف الشرع تقع على أفعال مخصوصة، وقد اختلف في أصلها من اللغة، فقيل: الصالة في اللغة الدعاء، ولذلك سميت الصلاة على الميت، صلاة، وليس إلا دعاء، ومنه قول الشاعر: . . . . . . . . . . . . . . . ... وصلى على دنها وارتسم وقيل: الصلاة من الصلوين، وهما عرقان في الردف ينحنيان في الركوع والسجود. قال الشاعر: تركت الرمح يعمل في صلاة ... . . . . . . . . . . . . . . . وقيل: هي مأخوذة من صليت العود في النار إذ أعطفته وقومته ومنه قول الشاعر: فلا تعجل بأمرك واستدمه ... فما صلى عصاه كمستديم وقيل: هي مأخوذة من الصلة وهي الوصلة، وزنها على علفة مقلوبة من فعلة التي هي وصلة وهذا أضعف الأقوال.

стр. 30

وقد اهتلف الأصوليون هل غير الشرع هذا الاسم عن موصوعه في اللغة أم لا؟ فذهب كثير منهم إلى أنه باق على موضوعه من اللغة قيده الشرع بقيود وشروط وهو القاضي أبو الطيب. وذهب غيره إلى أنه في الشريعة منقول عن موضوعه من اللغة إلى هذا المعنى الشرعي المركب من السجود والركوع والقيام إلى غير ذلك مما هو مجموع الصلاة. وكيف ما كان قد فهم المراد [به في الشرع وأنها فعل على وجه مخصوص إلا أنه اختلف هل هو مجمل لا يفهم المراد] من لفظه ويفتقر في البيان إلى غيره؟ فلا يصح الاستدلال به على صفة ما أوجبه الشرع؟ على قولين معلومين. وإذا قلنا: إنه مجمل خرج من ذلك جواز تأخير البيان لوقت الحاجة خلافًا لمن منعه. وقالأبو الحسن على بن محمد: يجوز أن يرجع ذلك إلى صلاة متقدمة. وهذا الذي قاله احتمال صحيح لأن الآية مدنية. وقد أجمع العلماء على أن الصلاة فرضت بمكة ليلة الإسراء. واختلف في تاريخ الإسراء فقيل: بعدما أوحي إليه بخمس سنين. واختلفوا في صفة الفرض. فقيل: فرضت ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر. ومن رواة هذا من يقول: زيد في صلاة الحضر

стр. 31

بالمدينة. وقيل: فرضت أربعًا أربعًا فأقرت صلاة الحضر ونقضت صلاة السفر. وقيل: فرضت أربعًا في الحضر وركعتين في السفر، وجاءت بذلك كله أحاديث صحاح. وجاء جبريل ﵇ لغد من ليلة الإسراء فصلى بالنبي ﷺ الخمس صلوات المفروضة. واختلف هل كان قبل فرض هذه الصلوات الخمس أخرى أم لا؟ فقال جماعة من العلماء لم يكن صلى النبي ﷺ صلاة مفروضة قبل الإسراء إلا ما كان أمر به من قيام الليل من غير تحديد. وحكى مكي عن إبراهيم بن إسحاق أنه قال: أول أمر الصلاة أنها فرضت بمكة ركعتين في أول النهار وركعتين في آخره، ثم كان الإسراء ليلة سبعة عشر من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، ففرضت الخمس وأم جبريل ﵇ وكانت أول صلاة الظهر، وتوجه إلى بيت المقدس. (٤٣) - وقوله تعالى: ﴿واركعوا مع الراكعين﴾ [البقرة: ٤٣] . إن قيل لم خص الركوع من جميع الصلاة بعد أن أمر بالصلاة ففيه جوابان: أحدهما: أن الركوع بمعنى الصلاة، أي صلوا مع المصلين، والثاني: قال قوم خصه بالذكر لأن صلاة بني إسرائيل لم يكن فيها ركوع. وفيه عندنا جواب ثالث: أن يكون أراد بالركوع هنا التواضع لله تعالى

стр. 32

والتذلل له، والانقياد، فيكون ركوعًا لغويًا لا شرعيًا. ومنه قول الشاعر: ولا تهين الفقير علك أن ... تركع يومًا والدهر قد رفعه ويحتمل أن يقال خصص الركوع تشريفًا له، كقوله تعالى: ﴿فيها فاكهة ونخل ورمان﴾ [الرحمن: ٦٨]. (٤٣) - وقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣] . الزكاة في الشرع تقع على نوع من المال مخصوص. وله في اللغة معنى آخر غير إليه واختلف فيه ما هو؟ فقيل: الزكاة في اللغة النمو، تقول: زكا الشيء إذا نمى. وتقول العرب إذا كثرت المؤتفكات: زكا الزرع. فسمي القدر الذي أوجبه الشرع للمساكين في المال زكاة، وإن كان في الحقيقة نقصًا لأنه يرجى فيه النمو بالبركة والأجر، الذي يثيب الله تعالى به المزكي. وقيل: الزكاة مأخوذة من التزكية التي هي من التطهير، ومنه تزكية الشاهد، ألا ترى أن النبي ﷺ سمى في ((الموطأ)) ما يخرج من الزكاة أوساخ الناس. والكلام في سائر ما في هذا اللفظ من الأحكام كالكلام في الصلاة، ثم قال: وأما الزكاة فمجملة لا غير، وليس كما ذكر بل الخلاف فيهما سواء. وهذا الأمر في هذه الآية ونحوها، فالصلاة والزكاة أمر وجوب. وقد تسوغ الحجة لمن يرى وجوب صلاة الجنازة، ووجوب زكاة الفطر ويرى أن وجوبهما بالقرآن لا بالسنة الخاصة. (٤٤) - قوله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾ [البقرة: ٤٤] .

стр. 33

هذا تقريع وتوبيخ، ومعنى قوله تعالى: ﴿وتنسون أنفسكم﴾ تتركون كما قال تعالى ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ [التوبة: ٦٧] واختلف في معناها. فقال ابن جريج: كانت الأخبار يحضون الناس على طاعة الله ويواقعون المعاصي. وقال غيره: كاوا يحضون الناس على الصدقة ولا يتصدقون. وقيل: كانوا إذا استرشدهم أحد من العرب في اتباع محمد ﷺ دلوه على ذلك ولا يفعلونه هم. وقال ابن عباس: كانوا يأمرون أتباعهم باتباع التواراة، ويخالفونها في جحدهم منها صفة النبي ﷺ . وفي هذه الآية حجة لمن يرى من المعتزلة أن من كان على معصية فليس له أن يحتسب فر رفع المعاصي والحق أن له أن يحتسب والمستند في ذلك الإجماع، والآية إنما وردت على التمام والكمال وما هو الأكمل والأفضل والمندوب إليه. (٤٧) - وقوله تعالى: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين﴾ [البقرة: ٤٧] . في هذه الآية دليل على أن العموم قد يرد والمراد به الخصوص لقوله تعالى: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾ لقوله لأمة محمد ﷺ : ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ٧] ولذلك قال المفسرون: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾ عالمي زمانهم. ويحتمل أن يجعل فيلة بني إسرائيل مخصوصة في كثرة الأنبياء ونحو ذلك فيكون تفضيلهم على العالمين بإطلاق ولا يختص بعالمي زمانهم.

стр. 34

(٤٧) - قوله تعالى: ﴿واتقوا يومًا لا تجزي نفس عن نفس شيئًا﴾ [البقرة: ٤٧] . سبب هذه الآية أن بني إسرائيل قالوا: نحن أبناء الله وأبناء أنبيائه وسيشفع لنا آباؤنا، فأعلمهم الله تعالى عن يوم القيامة أنه لا يقبل فيه الشفاعات ﴿لا تجزي نفس عن نفس شيئًا﴾ وهذه الآية مما يحتج به المعتزلة في إبطال الشفاعة وبقوله تعالى بعدها: ﴿ولا تنفعها شفاعة﴾ وبقوله تعالى: ﴿فما لهم من شافعين﴾ ونحو ذلك، ولا حجة في الآية لأنها محتملة أن تكون في الكافرين خاصة، وحقق هذا الاحتمال وصححه حتى لا يجوز غيره متواتر الأحاديث في مسلم والبخاري وغيرهما بالشفاعة في المؤمنين. (٥٩) - وقوله تعالى: ﴿فبدل الذين ظلموا قولًا غير الذي قيل لهم﴾ [البقرة: ٥٩] . يدل على أنه لا يجوز تغيير الأقوال المنصوص عليها. ويؤخذ من هذا أنه لا تجوز قراءة القرآن بالفارسية وغيرها من الألسن خلافًا لأبي حنيفة، وكذلك نقل حديث الرسول ﵇ بالمعنى يمكن أن يتعلق في المنع منه بهذه الآية. وقد روي أن النبي ﷺ قال: ((رحم الله امرءًا سمع مقالتي هذه فأداها كما سمعها)). (٦٢) - قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى﴾ الآية [البقرة: ٦٢] . اختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أم لا؟ فذهب بعضهم إلى أنها منسوخة. وروي عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنها نزلت في أول الإسلام وقرر الله بها أن من آمن بمحمد ﷺ ومن بقي على

стр. 35

يهوديته ونصرانيته وصابيته، وهو يؤمن بالله واليوم الآخر [من جميعهم] فله أجره ثم نسخ ما قرر من ذلك بقوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا لن يقبل منه﴾ الآية: [آل عمران: ٨٥] وردت الشرائع كلها إلى شريعة محمد ﷺ . وذهب بعضهمم إلى أنها غير منسوخة واختلفوا في تأويلها، فقال سفيان الثوري: الذين آمنوا في ظاهر أمرهم وقرنهم باليهود والنصارى والصابئين. ثم بين حكم من آمن بالله واليوم الآخر من جميعهم، فمعنى قوله تعالى من آمن في المؤمنين المذكورين من دخل في الإيمان وقالت فرقة: الذين آمنوا هم المؤمنون حقًا بمحمد ﷺ . وقوله: ﴿من آمن بالله﴾ [البقرة: ٦٢] يكون فيهم بمعنى من ثبت ودام وفي سائر الفرق من دخل فيه. قال السدي: هم أهل الحنيفية ممن لم يلحق بمحمد ﷺ [كزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة، وورقة بن نوفل ﴿والذين هادو﴾] إلا من كفر بعيسى ﵇ والنصارى كذلك ممن لم يلحق محمدًا ﷺ والصابئين كذلك. وقيل: إنها نزلت في أصحاب سلمان الفارسي، وذلك أن سلمان صحب عُبَّادًا من النصارى فقال له أحدهم: إن زمان نبي قد أضل فإن لحقته فآمن به، فلما جاء رسول الله ﷺ ذكِر له خبرهم وسأله عنهم فنزلت الآية. فمحصول هذا

стр. 36

القول أن من آمن بالله، وعمل صالحًا، وكان قبل بعثة النبي ﷺ لهم أجرهم عند ربهم. وفي هذه الآية عندي احتمالان آخران: أحدهما: أن يريد بقوله: ﴿الذين آمنوا﴾ من آمن بمحمد ﷺ من العرب وبقوله: ﴿والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن﴾ من هؤلاء الطوائف سوى العرب يريد بمحمد ﷺ فكأنه قال: إن الذين آمنوا ومن آمن في اليهود والنصارى والصابئين فلهم أجرهم عند ربهم فتكون الآية كلها في المؤمنين بمحمد ﷺ . والاحتمال الثاني: أن يريد بقوله: ﴿والذين هادوا﴾ والآية من لم تبلغه الدعوة من هؤلاء الطوائف، لأنه قد اختلف فيهم، فقيل: إن أحكام شريعة محمد ﷺ غير لازمة لهم ولا يكفرون بمخالفتها، وهذا مردود بقواه تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦] وذهب الجمهور إلى أنها لازمة لمن لم تبلغه ولكنه يعذر بجهله ومغيبه عن المعرفة. ويمكن أن تتأول الآية على هذا، ووزان هذه المسألة من مسائل الأصول مسألة من لم يبلغه النسخ، ومن مسائل الفروع مسألة الوكيل يُعزَلُ ولا يعلم العزل، وقد حُكي عن الشيخ أبي الحسن الأشعري أنه يجوز أن يعاد من لم تبلغه الدعوة والمجانين ويدخلون الجنة، ويجوز ألا يعادوا ولم يرد عنه قطع في ذلك. (٦٧) - قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ الآية [البقرة: ٦٧] . هذه الآية مقدمة في التلاوة مؤخرة في المعنى، من الآية التي بعدها وهي قوله: ﴿وإذ قتلتم نفسًا﴾ الآية [البقرة: ٦٧] مؤخرة في التلاوة ومقدمة في المعنى على الآية قبلها. وإنما يقدر هذا لأن البقرة إنما أمر بذبحها بسبب

стр. 37

القتيل وقع أولًا، ثم الأمر بذبح البقرة بعد ذلك. ويجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿وإذ قتلتم نفسًا فادارأتم فيها﴾ مقدمًا في النزول، وجاءت التلاوة به على ما هو مؤخر ويجوز أن ترتب نزولها على حسب تلاوتها فكأن الله تعالى أمرهم بذبح البقرة حتى ذبحوها، ثم وقع أمر القتيل فأمروا أن يضربوه ببعضها، ويجوز أن يكون ترتيب نزولها على حسب تلاوتها، وإن كان أمر القتيل مقدمًا في المعنى لأن الواو لا توجب ترتيبًا، كقول القائل: اذكر إذا أعطيت زيدًا ألف درهم وابني داري. والبناء مقدم على العطية. ونظيره في قصة نوح بعد ذكر الطوفان وانقضائه في قوله تعالى: ﴿قلنا احمل فيها من كل زوجدين اثنين﴾ إلى قوله: ﴿إلا قليل﴾ [هود: ٤٠] فذكر إهلاك من هلك منهم، ثم عطف عليه بقوله: ﴿وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها﴾ [هود: ٤١] فالمعنى يجب مراعاة ترتيبه لا اللفظ، وقد اختلف في قوله تعالى: ﴿أن تذبحوا﴾ هذه هل هي مجمل يفتقر إلى بيان، أو عام. فإن قلنا: إنه عموم وهو الذي ذهب إليه بعض حذاق الأصوليين كان ما بعده بيانًا عل نذهب كثير من الأصوليين، وعلى مذهب القاضي يكون نسخًا. وقد اعترض على من قال هذا فقيل له نسخ قبل مجيء وقته فأجابوا فأنه قد جاء وقته وقصروا في الأداء، قيل فهلا أنكر عليهم في أول المراجعة فأجابوا أن التغليظ ضرب من التكبر، ودل عليه قوله: ﴿وما كادوا يفعلون﴾ على القول بأنه لفظ عام لم يكن للمراجعة فيه وجه لأن الامتثال كان يصح بأي بقرة كانت، إلا على القول الواقفية في لفظ العموم، فإن حكمه عندهم حكم المجمل في

стр. 38

الاحتياج إلى البيان، ويدل على أنه لم يكن لهم التوقيف فيه. قوله تعالى: ﴿وما كادوا يفعلون﴾ ولذلك قال بعض المفسرين: شددوا فشدد الله عليهم، ودين الله يسر والتعمق في سؤال الأنبياء مذموم. وقوله في هذه الآية: ﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾ [البقرة: ٦٨]. قال المهدوي: هذا دليل على أن الأمر على الفور، وهو مذهب أكثر الفقهاء، ويدل على صحة لك أنه استقصرهم حين لم يبادروا إلى فعل ما أمرهم به فقال: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ [البقرة: ٧١]. وقوله تعالى: ﴿أن تذبحوا بقرة﴾ [البقرة: ٦٧] في هذا دليل على أن السنة في البقر الذبح. روى إسماعيل بن أبي أويس عن مالك أنه قال فيمن نحو البقر بئس ما صنع لأن الله تعالى أمر بالذبح. قال الباجي: ووجه ذلك أنه أمر بالذبح ولا بد أن يكون على الوجوب أو على الندب، وأقل أحواله الندب. وهذا إنما يصح التعلق به على قول من قال: إن شريعة من قبلنا شرع لنا إلا أن يتبين النسخ في القضية بعينها. وعلى كل حال فقد قال مالك: إن نحرت تؤكل. وهذا الذي قاله الباجي من أن الأمر بالذبح على الوجوب، أو الندب واستدل بذلك على أن أقل درجاته الندب غير صحيح، لأن هذا إنما هو نفس الأمر بالذبح هل يدل على نفي ما عداه من النحر أم لا؟ فمن قال بدليل هذا الخطاب احتمل أن لا يجيز النحر ويقدم دليل الخطاب على خبر الواحد الذي ورد عن النبي ﷺ : ((أنه نحر عن أوزاجه البقر)) واحتمل أن يجيزه ويقدم خبر الواحد، على دليل الخطاب ومن لم يقل بدليل الخطاب أثبت النحر بالحديث زيادة على الذبح. هذا هو مذهب الجمهور جواز الذبح والنحر في البقر. وقد ذهب قوم ومنهم محمد بن

стр. 39

حُيي المكي، والحسن بن ثالح الكوفي، إلى أن حكمها أن تنحر ولا تذبح. وهذا قول ترده الآية ولا متعلق له إلا أن يكون يرى فعل النبي ﷺ في النحر ناسخًا للآية، وهذا قول ترده الأصول لأنه خبر آحاد، ووقع الإجماع على أن القرآن لا ينسخ [بخبر] الآحاد. وذهب بعضهم إلى أن السة فيها الذبح وإنانحرت لم تؤكل. ولا حجة لهم إلا التعلق بدليل خطاب الآية وتقديمه على الخبر وهو قول شاذ. وقد اختلف في نحر ما السنة فيه الذبح، وذبح ما السنة فيه النحر، فأجازه أحمد وإسحاق، وعبد العزيز بن أبي سلمة، دون كراهة. كرهه أبو حنيفة، والشافعي وبعذ أصحاب مالك. ومنعه مالك في المشهور عنه. واعتل أصحابه لذلك بأن النبي ﷺ بين وجه الذكاة فنحر الإبل وذبح الشاة الطير، ولا يجوز تحويل ذلك عن موضعه مع القدرة عليه إلا لحجة واضحة. وقال ابن بكير: يؤكل البقر إذا ذبح ولا تؤكل الشاة إذا نحرت. وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا حرم أكل ما نحر مما يذبح ولا ما ذبح مما ينحر، وإنما كره ذلك مالك ولم يحرمه. وحجة الجمهور أنه لما جاز في البقر الذبح والنحر جاز ذلك في كل ما يجوز تذكيته، وقد بوب البخاري لذلك بابًا وساق قول عطاء بجوازه وأنه احتج بهذه الآية في ذبح ما ينحر. وصفة الذبح المتفق غليها هي أن يقطع أربعة أشياء: الودجين والحلقوم والمريء، واختلف إن قصر عن ذلك هل يكون ذلك ذبحًا أم لا؟ فمنهم من رأى أن الذبح يتم بفري الأوداج والحلقوم ولم يعتبر فري الحلقوم خاصة. وأما الشافعي فاعتبر

стр. 40

فريه والمريء ولم يعتبر الودجين، قال: لأنا نجدهما يسيلان من البهيمة والإنسان ويعيشان. وقال بعض الكوفيين: إن قطع ثلاثة من هذه الأربعة جاز. ومن صفة الذبح أيضًا المتفق عليها أن يبتدئ بالذبح من الحلق فإن ابتدأ من القفا، ومر حتى قطع الرأس فمنهم من رأى أن ذلك قتلًا، لم يره ذبحًا، فقال: لا يؤكل، وقال به مالك، وأجاز أكلها الشافعي وغيره. وكرهه ابن المسيب. ومن صفة الذبح المتفق عليها أيضًا إذا بدأ بالحلق أن يقف عند النخاع ولا يقطعه فإن قطعه ففيه خلاف: منهم من كره أكل تلك الذبيحة، وهو قول عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله بن عمر، وهو النخع الذي نهى عنه ابن عمر. ومنهم من أجاز أكلها، وبه قال الجمهور. وكذلك إذا استمر الذابح في الذبح حتى قطع الرأس، فالجمهور على جواز الأكل وكرهه آخرون. وقال بعضهم: والجواز هو الصواب. وقال على بن أبي طالب: هي ذكاة واجبة. واختلف هل من صفة الذبح اعتبار الغلصمة وأن تبقى إلى الرأس أم لا؟ فأنكر قوم اعتبار ذلك، واحتجوا بأنه لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه في ذلك شيء ولو كان ذلك يعتبر لما أغفلوه، ودليل [خطاب] هذه الآية أن الحيوان المتأنس، لا يؤكل إلا بذكاة في موضع الذكاة، فإن ندَّ، فهل يؤكل بما يؤكل به الصيد؟ اختلف فيه، وكذلك إن وقع في موضع لا يتوصل به إلى ذكاته، فهل يؤكل بطعن فيما عدا المذبح أم لا؟ ففيه خلاف، ولم أستقص ما في هذا من الخلاف لأنه ليس بمحله. (٦٧) - وقوله تعالى: ﴿أتتخذنا هزوا﴾ [البقرة: ٦٧] .
следующие страницы →