Полный текст (1 576 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
القول أن من آمن بالله، وعمل صالحًا، وكان قبل بعثة النبي ﷺ لهم أجرهم عند ربهم. وفي هذه الآية عندي احتمالان آخران:
أحدهما: أن يريد بقوله: ﴿الذين آمنوا﴾ من آمن بمحمد ﷺ من العرب وبقوله: ﴿والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن﴾ من هؤلاء الطوائف سوى العرب يريد بمحمد ﷺ فكأنه قال: إن الذين آمنوا ومن آمن في اليهود والنصارى والصابئين فلهم أجرهم عند ربهم فتكون الآية كلها في المؤمنين بمحمد ﷺ .
والاحتمال الثاني: أن يريد بقوله: ﴿والذين هادوا﴾ والآية من لم تبلغه الدعوة من هؤلاء الطوائف، لأنه قد اختلف فيهم، فقيل: إن أحكام شريعة محمد ﷺ غير لازمة لهم ولا يكفرون بمخالفتها، وهذا مردود بقواه تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦] وذهب الجمهور إلى أنها لازمة لمن لم تبلغه ولكنه يعذر بجهله ومغيبه عن المعرفة. ويمكن أن تتأول الآية على هذا، ووزان هذه المسألة من مسائل الأصول مسألة من لم يبلغه النسخ، ومن مسائل الفروع مسألة الوكيل يُعزَلُ ولا يعلم العزل، وقد حُكي عن الشيخ أبي الحسن الأشعري أنه يجوز أن يعاد من لم تبلغه الدعوة والمجانين ويدخلون الجنة، ويجوز ألا يعادوا ولم يرد عنه قطع في ذلك.
(٦٧) - قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ الآية [البقرة: ٦٧] .
هذه الآية مقدمة في التلاوة مؤخرة في المعنى، من الآية التي بعدها وهي قوله: ﴿وإذ قتلتم نفسًا﴾ الآية [البقرة: ٦٧] مؤخرة في التلاوة ومقدمة في المعنى على الآية قبلها. وإنما يقدر هذا لأن البقرة إنما أمر بذبحها بسبب
стр. 37
القتيل وقع أولًا، ثم الأمر بذبح البقرة بعد ذلك. ويجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿وإذ قتلتم نفسًا فادارأتم فيها﴾ مقدمًا في النزول، وجاءت التلاوة به على ما هو مؤخر ويجوز أن ترتب نزولها على حسب تلاوتها فكأن الله تعالى أمرهم بذبح البقرة حتى ذبحوها، ثم وقع أمر القتيل فأمروا أن يضربوه ببعضها، ويجوز أن يكون ترتيب نزولها على حسب تلاوتها، وإن كان أمر القتيل مقدمًا في المعنى لأن الواو لا توجب ترتيبًا، كقول القائل: اذكر إذا أعطيت زيدًا ألف درهم وابني داري. والبناء مقدم على العطية. ونظيره في قصة نوح بعد ذكر الطوفان وانقضائه في قوله تعالى: ﴿قلنا احمل فيها من كل زوجدين اثنين﴾ إلى قوله: ﴿إلا قليل﴾ [هود: ٤٠] فذكر إهلاك من هلك منهم، ثم عطف عليه بقوله: ﴿وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها﴾ [هود: ٤١] فالمعنى يجب مراعاة ترتيبه لا اللفظ، وقد اختلف في قوله تعالى: ﴿أن تذبحوا﴾ هذه هل هي مجمل يفتقر إلى بيان، أو عام. فإن قلنا: إنه عموم وهو الذي ذهب إليه بعض حذاق الأصوليين كان ما بعده بيانًا عل نذهب كثير من الأصوليين، وعلى مذهب القاضي يكون نسخًا. وقد اعترض على من قال هذا فقيل له نسخ قبل مجيء وقته فأجابوا فأنه قد جاء وقته وقصروا في الأداء، قيل فهلا أنكر عليهم في أول المراجعة فأجابوا أن التغليظ ضرب من التكبر، ودل عليه قوله: ﴿وما كادوا يفعلون﴾ على القول بأنه لفظ عام لم يكن للمراجعة فيه وجه لأن الامتثال كان يصح بأي بقرة كانت، إلا على القول الواقفية في لفظ العموم، فإن حكمه عندهم حكم المجمل في
стр. 38
الاحتياج إلى البيان، ويدل على أنه لم يكن لهم التوقيف فيه.
قوله تعالى: ﴿وما كادوا يفعلون﴾ ولذلك قال بعض المفسرين: شددوا فشدد الله عليهم، ودين الله يسر والتعمق في سؤال الأنبياء مذموم.
وقوله في هذه الآية: ﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾ [البقرة: ٦٨].
قال المهدوي: هذا دليل على أن الأمر على الفور، وهو مذهب أكثر الفقهاء، ويدل على صحة لك أنه استقصرهم حين لم يبادروا إلى فعل ما أمرهم به فقال: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ [البقرة: ٧١].
وقوله تعالى: ﴿أن تذبحوا بقرة﴾ [البقرة: ٦٧] في هذا دليل على أن السنة في البقر الذبح. روى إسماعيل بن أبي أويس عن مالك أنه قال فيمن نحو البقر بئس ما صنع لأن الله تعالى أمر بالذبح. قال الباجي: ووجه ذلك أنه أمر بالذبح ولا بد أن يكون على الوجوب أو على الندب، وأقل أحواله الندب. وهذا إنما يصح التعلق به على قول من قال: إن شريعة من قبلنا شرع لنا إلا أن يتبين النسخ في القضية بعينها. وعلى كل حال فقد قال مالك: إن نحرت تؤكل. وهذا الذي قاله الباجي من أن الأمر بالذبح على الوجوب، أو الندب واستدل بذلك على أن أقل درجاته الندب غير صحيح، لأن هذا إنما هو نفس الأمر بالذبح هل يدل على نفي ما عداه من النحر أم لا؟ فمن قال بدليل هذا الخطاب احتمل أن لا يجيز النحر ويقدم دليل الخطاب على خبر الواحد الذي ورد عن النبي ﷺ : ((أنه نحر عن أوزاجه البقر)) واحتمل أن يجيزه ويقدم خبر الواحد، على دليل الخطاب ومن لم يقل بدليل الخطاب أثبت النحر بالحديث زيادة على الذبح. هذا هو مذهب الجمهور جواز الذبح والنحر في البقر. وقد ذهب قوم ومنهم محمد بن
стр. 39
حُيي المكي، والحسن بن ثالح الكوفي، إلى أن حكمها أن تنحر ولا تذبح. وهذا قول ترده الآية ولا متعلق له إلا أن يكون يرى فعل النبي ﷺ في النحر ناسخًا للآية، وهذا قول ترده الأصول لأنه خبر آحاد، ووقع الإجماع على أن القرآن لا ينسخ [بخبر] الآحاد. وذهب بعضهم إلى أن السة فيها الذبح وإنانحرت لم تؤكل. ولا حجة لهم إلا التعلق بدليل خطاب الآية وتقديمه على الخبر وهو قول شاذ. وقد اختلف في نحر ما السنة فيه الذبح، وذبح ما السنة فيه النحر، فأجازه أحمد وإسحاق، وعبد العزيز بن أبي سلمة، دون كراهة. كرهه أبو حنيفة، والشافعي
وبعذ أصحاب مالك. ومنعه مالك في المشهور عنه. واعتل أصحابه لذلك بأن النبي ﷺ بين وجه الذكاة فنحر الإبل وذبح الشاة الطير، ولا يجوز تحويل ذلك عن موضعه مع القدرة عليه إلا لحجة واضحة. وقال ابن بكير: يؤكل البقر إذا ذبح ولا تؤكل الشاة إذا نحرت. وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا حرم أكل ما نحر مما يذبح ولا ما ذبح مما ينحر، وإنما كره ذلك مالك ولم يحرمه. وحجة الجمهور أنه لما جاز في البقر الذبح والنحر جاز ذلك في كل ما يجوز تذكيته، وقد بوب البخاري لذلك بابًا وساق قول عطاء بجوازه وأنه احتج بهذه الآية في ذبح ما ينحر. وصفة الذبح المتفق غليها هي أن يقطع أربعة أشياء: الودجين والحلقوم والمريء، واختلف إن قصر عن ذلك هل يكون ذلك ذبحًا أم لا؟ فمنهم من رأى أن الذبح يتم بفري الأوداج والحلقوم ولم يعتبر فري الحلقوم خاصة. وأما الشافعي فاعتبر
стр. 40
فريه والمريء ولم يعتبر الودجين، قال: لأنا نجدهما يسيلان من البهيمة والإنسان ويعيشان. وقال بعض الكوفيين: إن قطع ثلاثة من هذه الأربعة جاز. ومن صفة الذبح أيضًا المتفق عليها أن يبتدئ بالذبح من الحلق فإن ابتدأ من القفا، ومر حتى قطع الرأس فمنهم من رأى أن ذلك قتلًا، لم يره ذبحًا، فقال: لا يؤكل، وقال به مالك، وأجاز أكلها الشافعي وغيره. وكرهه ابن المسيب. ومن صفة الذبح المتفق عليها أيضًا إذا بدأ بالحلق أن يقف عند النخاع ولا يقطعه فإن قطعه ففيه خلاف: منهم من كره أكل تلك الذبيحة، وهو قول عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله بن عمر، وهو النخع الذي نهى عنه ابن عمر. ومنهم من أجاز أكلها، وبه قال الجمهور. وكذلك إذا استمر الذابح في الذبح حتى قطع الرأس، فالجمهور على جواز الأكل وكرهه آخرون. وقال بعضهم: والجواز هو الصواب. وقال على بن أبي طالب: هي ذكاة واجبة. واختلف هل من صفة الذبح اعتبار الغلصمة وأن تبقى إلى الرأس أم لا؟ فأنكر قوم اعتبار ذلك، واحتجوا بأنه لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه في ذلك شيء ولو كان ذلك يعتبر لما أغفلوه، ودليل [خطاب] هذه الآية أن الحيوان المتأنس، لا يؤكل إلا بذكاة في موضع الذكاة، فإن ندَّ، فهل يؤكل بما يؤكل به الصيد؟ اختلف فيه، وكذلك إن وقع في موضع لا يتوصل به إلى ذكاته، فهل يؤكل بطعن فيما عدا المذبح أم لا؟ ففيه خلاف، ولم أستقص ما في هذا من الخلاف لأنه ليس بمحله.
(٦٧) - وقوله تعالى: ﴿أتتخذنا هزوا﴾ [البقرة: ٦٧] .
стр. 41
هذا القول من نبي صحت معجزته، ولا يصدر من مؤمن به، ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبي ﷺ لوجب تكفيره. وذهب قوم إلى أن ذلك منهم على جهة غلط الطبع والجفاء والمعصية على نحو ما قال القائل للنبي ﵇ في قسمة غنائم حنين: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى، وكما قال الآخر: اعدل يا محمد. وفي قولهم: ﴿إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون﴾ [البقرة: ٧٠] إنابة وانقياد ودليل ندم، وحرص على موافقة الأمر، وقد روي عم النبي ﷺ أنه قال: ((لولا ما استثنوا ما اهتدوا إليها أبدًا)) وقوله: ﴿الآن جئت بالحق﴾ [البقرة: ٧١] معناه عند جعلهم عصاة بينت لنا غاية البيان، وجئت بالحق الذي طلبناه لأنه كان قبل ذلك يجيء بغير حق، ومعنها عند ابن زيد الذي حمل محاورتهم على الكفر: الآن صدقت واذعنوا في هذه الحال حين بين لهم أنها سائمة.
(٧٢) - وقوله تعالى: ﴿وإذ قتلتم نفسًا فادارأتم فيها﴾ [البقرة: ٧٢] .
سبب هذا القتل على ما روي أن رجلًا من بني إسرائيل عمر، كان له مالٌ، فاستبطأ ابن أخيه موته -وقيل: أخوه، وقيل: عمه، وقيل: ورثته غير معينين- فقتله ليرثه وألقاه في سبط آخر غير سبطه ليأخذ ديته ويلطخهم بدمه. وقيل: كانت بنو إسرائيل في قريتين متجاورتين فألقاه إلى باب إحدى
стр. 42
المدينتين، وهي التي لم يقتل فيها، ثم جعل يطلبه وهو سبطه حتى وجده قتيلًا، فتعلق بالسبط أو بسكان المدينة التي وجد القتيل فيها، فأنكروا قتله فوقع بينهم لجاج حتى دخلوا في السلاح. فقال أهل الأمر والنهي منهم أنقتتل ورسول الله معنا؟ فذهبوا إلى موسى ﵇ وسألوه البيان، فأوحى الله إليه أن يذبحوا بقرة فيضربوه ببعضها فيحيى ويخبر بقاتله.
وكأن السبب في تخصيص البقرة بالذبح ما أراد الله تعالى من صنعه الجميل بصاحبها. وقد اختلف في كيفية ذلك، فقيل: إن رجلًا من بني إسرائيل ولد له ابن، وكان له عجلة فأرسلها في غيضة، وقال: اللهم إني استودعتك هذه العجلة لهذا الصبي، ومات الرجل فصنع الله تعالى فيها مع الصبي ما صنع. وقيل: كان ذلك بسبب رجل كبير كان يبر أمه. وقيل: إن رجلًا كان بارًا بأبيه. فنام أبوه يومًا وتحت رأسه مفاتيح مسكنهما فمر به باع جوهر فساومه بستين ألفًا. فقال ابن النائم: اصبر حتى ينتبه أبي وأنا آخذه بسبعين ألفًا، فقال صاحب الجوهر: نبه أباك وأنا أعطيك بخمسين ألفًا، فداما كذلك حتى بلغ ابن النائم مائة ألف وبلغ صاحب الجوهر ثلاثين ألفًا. فقال له ابن النائم: والله لا أشتريه منك بشيء، برًا بأبيه فعوضه الله تعالى منه ذلك.
وقيل: وجدت عند عجوز كانت تعول يتامى كانت البقرة لهم، وكانت قيمة البقرة على ما ذكر عكرمة ثلاثة دنانير. واختلف فيما اشتروها به، فقيل: بوزنها مرة، وقيل: مرتين، وقيل: عشر مرار، وقيل: بملئ جلدها دنانير. وحكى مكي أن هذه البقرة نزلت من السماء، وقيل: كانت وحشية.
стр. 43
(٧٣) - قوله تعالى: ﴿فقلنا اضربوه ببعضها﴾ [البقرة: ٧٣] .
فقيل: إنهم ضربوه، ويل: ضربوا قبره؛ لأن ابن عباس حكى أن أمر القتيل وقع قبل جواز البحر، وأنهم داموا في طلب البقرة أربعين سنة.
واختلف فيما ضرب به منها؟ فقيل باللحمة التي بين الكتفين، وقيل بالفخذ، وقيل باللسان، وقيل بالذنب، وقيل بعظم منها. وروي أن هذا القتيل لما حيي وأخبر بقاتله عاد ميتًا كما كان، وقد استدل مالك رحمه الله تعالى بهذه الآية على إعمال قول المقتول: دمي عند فلان، ولم يختلف قوله إنه لوث في العمد يوجب القسامة والقود. واختلف قوله في قبول دعواه في قتل الخطأ، وتابعه في دعوى العمد جميع أصحابه والليث بن سعد، وخالفه جمهور أهل العلم، واستدلوا لمذهبهم بقول النبي ﷺ : ((لو يعطى الناي بدعواهم)) الخبر، وبالقياس على دعوى المال وبقول النبي ﷺ : ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر)) وهذا كله مردود لأن المدعي ها هنا لم يعط بدعواه وهو ولي المقتول وإنما أعطي بما انضاف إلى دعواه من قول المقتول، والأصل في جميع الأحكام أن يبدأ باليمين من يغلب على الظن صدقه، كان مدعيًا أو مدعى عليه. فلما غلب صدق أولياء المقتول في دعواهم بسبب يدل على ذلك مثل تدمية المقتول، أو مثل السبب الذي حكم به رسول الله ﷺ في القسامة من العداوة بين المسلمين واليهود ونحو ذلك، وجب أنه يقبل قوله
стр. 44
وهذا السبب هو الذي يعبر عنه أصحاب مالك باللوث، فالمدعي هو من قوي سببه، والمدعى عليه هو من ضعف سببه، فليس بين أمر التدمية وبين حديث المدعي والمدعى عليه اختلاف. وقول من قال: إن الحكم بالقسامة خلاف الأصول غير صحيح. ودليل صحة عمل التدمية وكونها جارية على هذا الأصل ما جاء في الآية المذكورة من إخبار القتيل وقوله: قتلني فلان. وقد قال جماعة منهم الفقيه أبو عمر بن عبد البر وغيره: إن الاحتجاج بهذه الآية غفلة شديدة وشعوذة لأن إحياء ذلك القتيل كان آية لنبي لا سبيل إليها اليوم، ولم قسم على قتيل بني إسرائيل، وإنما علم صدق قوله بالآية. وهذا غير صحيح بل الدليل منها قائم وذلك أن الآية إنما كانت في الأحياء. وأما قوله بعد أن حيي قتلني فلان فليس فيه آية، وقد كان الله تعالى قادرًا على أن يحيي غيره من الأموات، فيقول ذلك فتكون فيه آيتان؛ آية إحيائه، وآية إخباره بالغيب، فلما خصه الله تعالى بالإحياء بين سائر الأموات، دل ذلك على أن الشرع كان عندهم: أن من قُتل فأُدرك حيًا فأخبر بقاتله صدق قوله، فلما فات بالموت ولم تدرك حياته أحياه الله تعالى لنبيه ليستدرك ذلك. وأما القسامة فإنها وإن كانت لم ترد في قصة القتيل المذكور في الآية فإنها وردت في الحديث المشهور فرأى مالك ﵁ أن يجمع بين الحديث والآية فيصدق بمقتضى الآية، وتكون القسامة بمقتضى الحديث لأن التدمية لوث، ولا فرق بينه وبين اللوث الذي وقعت القسامة فيه في الحديث. فإن قيل: القسامة حكم زائد على ما جاء في الآية والزيادة نسخ قلنا: هذا الأصل مختلف فيه، والمختار في هذا ألا يكون نسخًا لأنه لم يتغير حكم المزيد عليه مثل زيادة التغريب على الجلد في البكر الزاني. وفي ((المبسوطة)) عن يحيى من أصحاب مالك أنه قال: لا أقول بالتدمية ولا أراها نحو قول الجمهور،
стр. 45
وكذلك يجيء عن أبي بكر اللؤلؤي أنه رجع عن القول بالتدمية فكان لا يفتي بها. وهذا الاستدلال بهذه الآية إنما يصح على القول بأن شريعة من قبلبنا لازمة لنا، وقد روي أن القسامة كانت في الجاهلية، فأقرها رسول الله ﷺ في الإسلام ليتناهى الناس عن القتل وقد قال عبيدة السلماني: من حينئذ لم يرث قاتل. ويريد من وقت موسى ﵇ بسبب ذلك القتل المذكور في الآية.
وقال مكي: إن قصة أحيحة بن الجلاح في عمه التي كانت سببًا لأن لا يرث قاتل، ثم ثبت ذلك في الإسلام كما ثبت ذلك في الإسلام كما ثبت كثير من نوازل الجاهلية، وقوله تعالى: ﴿لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك﴾ [البقرة: ٦٨] لا يعلم إلا بالاجتهاد، فهو دليل على جواز الاجتهاد، ودليل على اتباع الظاهر مع جواز أن يكون الباطن بخلافه.
وقوله: ﴿مسلمة﴾ يعني من العيوب وذلك لا يعلم حقيقة وإنما يعلم ظاهرًا.
(٧٥) - قوله تعالى: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم﴾ الآية [البقرة: ٧٥] .
فيه دليل أن العالم بالحق المعاند فيه أبعد من الرشد، لأنه علم الوعد والوعيد، ولم ينهه ذلك عن عناده.
(٨٠) - وقوله تعالى: ﴿لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة﴾ [البقرة: ٨٠] .
روي أن سبب هذه الآية: أن النبي ﵇ قال لليهود: ((من أهل النار)) فقالوا: نحن، ثم تخلفونا أنتم، فقال: ((كذبتم لقد علمتم أنا لا نخلفكم)) فنزلت الآية.
стр. 46
وقيل: سببها أن اليهود قالت: إن الله أقسم أن يدخلهم النار أربعين يومًا عدد عبادتهم العجل. وقيل: إن اليهود قالت: إن طول جهنم أربعون سنة وأنهم يقطعون في كل يوم سنة حتى يكملوها، وتذهب جهنم. وقيل: إنهم قالوا إن مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وإن الله تعالى يعذبهم بكل ألف سنة يومًا.
وقال أبو الحسن علي بن محمد: في هذه الآية رد على أبي حنيفة في استدلاله بقوله ﵇: ((دعي الصلاة في أيام أقرائك)) في أن مدة الحيض تسمى أيام الحيض، وأقلها ثلاثة أيام، وأكثرها عشرة، لأن ما دون الثلاثة يسمى يومًا ويومين وما زاد على العشرة يقال فيه إحدى عشر يومًا، فيقال لهم: وقد قال الله تعالى في الصوم: ﴿أياماً معدودات﴾ [البقرة: ١٨٤] يعني جميع الشهر. ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة﴾ [البقرة: ٨٠] يعني أربعين يومًا وإذا أضيفت الأيام إلى عارض لم يرد بها تحديد العدد، بل يقال: أيام مشيك وسفرك وإقامتك وإن كانت ثلاثين وعشرين، وما شئت من العدد، ولعله أراد ما كان معتادًا لها والعادة ست أو سبع.
(٨١) - قوله تعالى: ﴿بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته﴾ [البقرة: ٨١] .
فيه دليل على أن اليمين المعلقة على شرطين لا تختص بأحدهما.
ومثله قوله تعالى: ﴿قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾ [فصلت: ٣٠].
(٨٣) - وقوله تعالى: ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾ [البقرة: ٨٣] .
اختلف العلماء في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب قتادة
стр. 47
إلى أنها منسوخة بآية السيف. وهذا يتجه على القول بأنَّا مخاطبون بشرع من قبلنا. وقال أبو محمد بن عطية: هذا على أن هذه الأمة خوطبت بهذا اللفظ في صدر الإسلام، وأما الخبر عن بني إسرائيل، وما أمروا به فلا فسخ فيه. وهذا كلام مختل عند تأمله. وذهب غيره إلى أنها محكمة واختلفوا في التأويل، فقال سفيان الثوري: مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر وقال أبو العالية: المعنى قولوا لهم الطيب من القول، وحاوروهم بأحسن ما يحبون أن يحاوروا به. وهذا حظ مكارم الأخلاق. وقال ابن جريج: المعنى أعلموهم بما في كتابكم من صفة محمد ﷺ . وقال ابن عباس: المعنى قولوا لهم لا إله إلا الله ومروهم بها. وقال أبو الحسن: يجوز أن يكون في الدعاء إلى الله ويجوز أن يكون مخصوصًا بالمسلمين أي يعني بقوله ﴿للناس﴾ في المسلمين فلا يتجه النسخ فيه على هذا الوجه، وقد تقدم القول على قوله: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٨٣] وذكر أبو بكر ابن العربي قولًا آخر أن الآية على عمومها ويكون إحسان القول للكافر والمجاهر بالمعاصي مع الخوف فيدفع الإنسان عن نفسه بالقول الحسن، وقد قال النبي ﷺ : ((اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجد فبكلمة طيبة)) وعلى ما قدمنا جاء قوله تعالى: ﴿قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى﴾ [طه: ٤٤].
الإخبار بقوله تعالى: ﴿واتبعوا﴾ عن اليهود الذين في زمن سليمان ﵇ وقيل: في عهد النبي ﵇ وقيل: عن الجميع.
стр. 48
وقوله: ﴿ما تتلوا﴾ قيل أراد ما تلت فأوقع المستقبل موقع الماضي، وقيل: أراد ما كنت تتلو.
وقوله: ﴿ملك سليمان﴾ أراد على عهده، وقيل: على ملك سليمان أي على صفته وإخباره، وقيل: على شرعه ونبوءته وحاله. واختلف في المتلو ما كان فقيل: إن الشياطين كانوا يلقون إلى الكهان الكلمة من الحق معها المائة من الباطل، حتى صار ذلك علمهم، فجمعه سليمان ودفنه تحت كرسيه، فلما مات قالت الشياطين: إن ذلك كان علم سليمان، وقيل: هو السحر وتعليمه وكان قد جمع سليمان ما تلوه من ذلك كما تقدم. وقيل: هو علم سليمان وكان قد دفنه، فلما مات أخرجه الجن، وكتبت بين كل سطرين سطرًا من سحر ثم نسبت ذلك إلى سليمان. وقيل: إن آصف بن برخيا كاتب سليمان تواطأ مع الشياطين أن يكتبوا سحرًا وينسبوه إلى سليمان بعد موته. وقيل: إن الجن اختلقته بعد موته ونسبته إليه. فأكثر هذه الأقوال على أن المتلو هو السحر تلته الشياطين ونسبته إلى سليمان حتى برأه الله تعالى منه على لسان نبيه ﵇. وروي أن رسول الله ﷺ لما ذكر سليمان في الأنبياء قال بعض اليهود انظروا إلى محمد يذكر سليمان في الأنبياء وما كان إلا ساحرًا.
(١٠٢) - وقوله تعالى: ﴿وما كفر سليمان﴾ [البقرة: ١٠٢] .
تبرئة من الله تعالى لسليمان من السحر، ولم يتقدم في الآيات أن أحدًا نسبه إلى الكفر.
стр. 49
(١٠٢) - وقوله تعالى: ﴿ولكن الشياطين كفروا﴾ [البقرة: ١٠٢] .
يحتمل أنهم كفروا إما بتعليمهم السحر، وإما بعملهم به، وإما بتكفيرهم سليمان، وكل ذلك كان.
وقوله تعالى: ﴿وما أنزل على الملكين﴾ الآية اختلف في هذه، على ما هي معطوفة؟ فقيل: على ما في قوله تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين﴾ [البقرة: ١٠٢] وقيل: على قوله: ﴿وما كفر سليمان﴾ [البقرة: ١٠٢] فهي نافية؛ أي ﴿وما أنزل على الملكين﴾ [البقرة: ١٠٢] أيضًا، وذلك أن اليهود قالت: إن الله أنزل جبريل وميكائيل بالسحر فنفى الله ذلك. وقيل على قوله: ﴿السحر﴾ وهذا على القول بأن الله أنزل السحر على الملكين فتنة للناس، ليكفر من اتبعه ويؤمن من تركه، وعلى قول مجاهد وغيره أن الله أنزل على الملكين الشيء الذي يفرق به بين المرء وزوجه دون السحر. أو على القول إنه تعالى أنزل السحر عليهما على جهة التحذير منه والنهي عنه والتعليم على هذا القول بأنها معطوفة على قوله: ﴿ما تتلوا﴾ وقد اختلف في قارءة الملكين فقرئ القراءة المشهورة ((المَلَكَيْنِ))، وقرئ ((المَلِكَيْنِ)) بكسر اللام. واختلف على هذه القراءة في تفسيرها، فقيل هما داود وسليمان، وعلى هذا القول ((فما)) نافية. وقيل: هما علجان كانا ببابل ملكين ((فما)) على هذا القول غير نافية. وهاروت وماروت على قول من جعل الملكين بفتح اللام ((جبريل وميكائيل)) بدل من الشياطين في قوله: ﴿ولكن الشياطين كفروا﴾ وقال هما شيطانان. وجاء الجمع على أن الاثنين جمع
стр. 50
أو على تقدير أتباع لهذين الشيطانين اللذين هما الرأس. ومن جعل الملكين هاروت وماروت فهما بدل من الملكين. وأما على قراءة ((الملِكين)) بكسر اللام فمن جعل الملكين داود وسليمان جعل أيضًا هاروت وماروت بدلًا من الملكين. وقيل: هما بدل من الناس وتحصيل هذا أن من قرأ ((ملكين)) بفتح اللام ففيها خلاف. قيل: يعني جبريل وميكائيل، وقيل: يعني هاروت وماروت، وقيل: يعني علجين غيرهما. وروي على رواية من قال القراءة ((ملكين)) بفتح اللام أن الملائكة مقتت حكام بني إسرائيل وزعمت أنها لو كانت بمثابتهم من البعد عن الله تعالى أطاعت حق الطاعة. فقال الله تعالى لهم اختاروا ملكين يحكمان بين الناس، فاختاروا هاروت وماروت، فكانا يحكمان بين الناس، فاختصمت إليهما امرأة ففتنا بها، فراوداها فأبت حتى يشربا الخمر ويقتلا، ففعلا، وسألتهما عن الاسم الذي يصعدان به إلى السماء فعلماها إياه، فتكلمت به [فعرجت] فمسخت كوكبًا فهي الزهرة.
ورووا أن الزهرة نزلي إليهما في صفة امرأة فجرى [لهما] ما ذكر، وقيل: إنهما بقيا في الأرض في سرب معلقين يصفقان بأجنحتهما.
وروي أنهما يعلمان السحر في موضعهما ذلك، وأخذ عليهما ألا يعلما أحدًا ﴿حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ الآية [البقرة: ١٠٢]. وإنما ذكرت هذا التفسير ليتبين به معنى الآية وحتى يصح التفقه فيها. والذي ذهب إليه أهل السنة، وجمهور العلماء أن السحر له حقيقة ثابتة كحقيقة غيره من
стр. 51
الأشياء خلافًا لمن نفاه وأنكر حقيقته، ونسب ما يتفق منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها، واستدل بقوله: ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ [طه: ٦٦] وحجة الجمهور أن الله تعالى ذكره في كتابه وذكر أنه مما يتعلم وأشار أنه مما يكفر به، وأنه يفرق بين المرء وزوجه. وهذا كله لا يمكن ولا حقيقة له، وكذلك جاء في ((مسلم)) و ((البخاري)) وغيرهما: أن رسول الله ﷺ سحره يهودي حتى وصل المرض إلى يديه، وحتى أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله، وأنه سحر بأشياء دفنت وأخرجت. وفي بعض الأحاديث أنها لم تخرج، وكان الذي سحره ﵇ لبيد بن الأعصم في مشط ومشاقة تحت راعوفة في بئر ذروان، وقد قال تعالى: ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾ [الفلق: ٤] ونزلت بسبب قصة لبيد بن الأعصم.
وسحر ابن عمر فتوعكت يده، وسحرت جارية عائشة ﵂ وهذا كله يبطل ما قالوه. وغير مستنكر في العقل أن يكون الله تعالى خرق العادة عند النطق بكلام أو تركيب أجسام، أو المزج بين قوي على ترتيب ما لا يعرفه إلا الساحر يكون عند السحر، ويجوز أن يمرض من يسحر أو ويموت ويتغير عن طبعه وعادته، وقد أنكر ذلك كله أن يقع من أنكر السحر ونسبه إلى التخيل والشعوذة ولا حجة لهم في قوله تعالى: ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ [طه: ٦٦] فأن التخييل حقيقة ما قد وقعت وظهرت بفعل الساحر. وإذا ثبت السحر، فقد اختلف مثبتوه في الذي يمكن أن يقع
стр. 52
عنه. فذهب قوم إلى أنه يمكن أن يقع عنه مقدور الله تعالى، وأنه لا فرق بين المعجزة والسحر إلا بالتحدي، فلو تحدى بالسحر لم يصح له شيء، وصاحب المعجزة إذا تحدى صحت معجزته وإليه يذهب أبو المعالي. وذهب قوم إلى أنه لا يجوز انتهاء السحر إلى إحياء الموتى وقلب العصا حية، وفلق البحر وإبراء الأكمه والأبرص وأمثال ذلك. ويظهر في هذا القول أن الذي يمكن أن يقع عنه ما كان من مقدورات البشر، مثل أن يرى الساحر في الهواء أو يحلق في جو السماء ويسترق ويتولج في الخوخات والكوات إذ الحركات في الجهات من قبيل مقدورات البشر، وذهب قوم إلى أنه لا يبلغ الأمر فيه إلى غريبة تزيد على التفرقة بين المرء وزوجه، وذكر أن الله سبحانه إنما ذكر ذلك تعظيمًا لما يكون عنه وتهويلًا له في حقنا، فلو كان يقع عنه ما هو أعظم منه لذكره إذ لا يضرب المثل عن المبالغة إلا بأعلى الأحوال المذكورة. وهذا الخلاف لا معنى له. والصحيح أنه إذا جاز أن يقع عن السحر بعض الأفعال جاز الجميع، ولا فرق بين فعل وفعل فإن الله تعالى هو الذي يخرق العادة عند فعل الساحر الشيء الذي يفعله، فلا فرق في ذلك بين ما هو مقدور للعبد، وغير مقدور له، فإن ما هو مقدور للعبد فه واقع بقدرة الله تعالى، فالكل واقع بقدرة الله تعالى. وإذا كان كذلك فلا فرق بين فعل وفعل، لكن إن ورد السمع بقصوره عن فعل ما وجب اتباعه ولم يوجد سمع قاطع في ذلك. وذكر التفرقة بين المرء وزوجه، ليس بنص على قصر السحر على التفرقة وفيه نظر، هل هو ظاهر أم لا؟ والمقصود هنا القطع ويحتمل أن يقال: إنما لم يذكر الله تعالى من أفعال السحر إلا التفرقة بين الزوجين لأنه من الأشياء المحرمة شرعًا. ومما له
стр. 53
نكاية في النفوس أكثر من قلب العصا حية، ونحو ذلك فذكره تعالى تقبيحًا لعملهم، وتنفيرًا لنفوس المسلمين عنهم لا أنه غاية ما ينتهي إليه ففعلهم، وإذا كانت الآية محتملة لهذا لم تكن فيها حجة ظاهرة.
(١٠٢) - قوله تعالى: ﴿فلا تكفر﴾ [البقرة: ١٠٢] .
قيل معناه بتعلم السحر، وقيل: بعمله، وقال بعضهم ليس بكفر وبحسب هذا الاختلاف اختلف في حكم الساحر والتكفير ليس بعقلي وإنما يستند فيه إلى الشرع. ولم يرد في ذلك إلا ما جاء في الآية المذكورة من قوله تعالى: ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ [البقرة: ١٠٢] وقوله: ﴿يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء﴾ [البقرة: ١٠٢] وقد ذهب مالك ﵀ إلى أنه كفر بظاهر الآية، وهو ما يستتر به فهو كالزنديق يقتل ولا يستتاب، وعن الشافعي رواية أنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، ولعله إنما هو كفر لأنه من أعمال الكفار، وقيل: ليس بكفر، وإنما سبيله سبيل القتل، فإن قال لم أقتل بسحري لم يكفر ولم يقتل، وإن قال قتلت به عمدًا قتل، وإن قال لم أتعمد القتل كانت الدية، وإن قال: مرض منه ولم يمت أقسم أولياء المقتول لمات من ذلك العمل، وفيه الدية، وهذا مروي عن الشافعي.
وقال أبو حنيفة: ليس السحر بشيء إلا أن يكون فيه كفر فيقتل للكفر. وقال المازري: إنما قلنا إنه يقتل على الجملة لأنه من عمل السحر وعلمه فقد كفر، والكافر يقتل. قال تعالى: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ [البقرة: ١٠٢] فإذا ثبت كونه كفرًا وجب القتل به. قال بعض أصحابنا وقد قال الله تعالى: ﴿ولبئس ما شروا به أنفسهم﴾
стр. 54
[البقرة: ١٠٢] يعني باعوها، وبيعه لنفسه يتضمن قتله، وقد جاء في ((الموطأ)): أن حفصة قتلت جارية لها سحرتها. ومن ذهب إلى أنه ليس بكفر يتأول الآية ويخرجها عن ظاهرها فيحتمل أن يكون قوله: ﴿ولكن الشياطين كفروا﴾ باستحلالهم فعل ذلك أو يكون الكفر لغويًا لا شرعيًا أو كفرًا بالله.
(١٠٢) - وقوله: ﴿فلا تكفر﴾ [البقرة: ١٠٢] .
أي بأن تستحل ذلك، ولا تكفر أي كفرًا لغويًا أو بالله. والأظهر في الاحتمالات ما تقدم. وهذا كله فيمن سحر بنفسه، وأما من عمل له غيره السحر بأجر أو بغير أجر، فلا يقتل لأنه ليس بساحر. واختلف في الساحر من أهل الذمة هل يقتل أم لا؟ فقيل: يقتل وإن أسلم، وقيل: يقتل إلا أن يسلم، وقيل: يعاقب إلا أن يقتل ويصمن ما جنى. ويقتل إن جاء منه مما لم يعاهد عليه. وهذا قول مالك ﵀ وهو قول سديد جاري على مذهبه في أن السحر كفر، وبه قال أبو حنيفة والشافعي ومن الحجة لهذا القول أن النبي ﷺ لم يقتل اليهودي الذي سحره، وثلاثة الأقوال في المذهب. وقد جاء عن النبي ﷺ ما يعضد ظاهر الآية في أن السحر كفر في قوله ﵇: ((احتنبوا السبع الموبقات)) قلنا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: ((الشرك بالله والسحر)) وكذا وكذا، فقرنه كما ترى بالشرك، وهذا حديث صحيح خرجه البخاري والنسائي، وجاء عنه ﵇ في حديث صحيح خرجه الترمذي في ((حد الساحر ضربة بالسيف)) وجاء في
стр. 55
((مصنف عبد الرزاق)) حديث يؤيد مذهب الشافعي من أن السحر ليس بكفر وهو: أنه ﵇ أتي بساحر فقال له: ((احبسوه فإن مات صاحبه فاقتلوه)) وقد اختلف السلف هل يجوز أن يسأل الساحر حل سحره عن المسحور أم لا؟ فكرهه الحسن [البصري] لأنه عمل سحر، وقال لا يعمل ذلك إلا ساحر ولا يجوز إتيان الساحر لما روي عن ابن مسعود: ((من مشى إلى ساحر أو كاهن فقد كفر بما نزل على محمد ﷺ ) وأجازه ابن المسيب لأنه رآه نوعًا من العلاج فيخص ذلك من قوله تعالى: ﴿يعلمون الناس السحر﴾ [البقرة: ١٠٢] ذكره البخاري عنه. وانظر على هذا هل يجوز السحر في الإصلاح بين زوجين بل نفسين كالمرأة تبغي صلاح زوجها واستئلافه؟ وعلى القول بأن السحر كفر وإنما يراد به ما شهد الشرع به بأنه كفر. قال أصبغ: يكشف عن ذلك من يعلم حقيقته. وفي ((الموازية)) الذي
стр. 56
يقطع أذن الرجل، أو يدخل السكاكين في جوف نفسه إن كان هذا سحرًا قتل به. وقال مالك فيمن يعقد الرجل عن النساء: يعاقب فيؤخذ من هذا أنه ليس كل سحرٍ كفرًا.
وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿يفرقون به بين المرء وزوجه﴾ [البقرة: ١٠٢]، فقيل: أراد فرقة العصمة، وقيل: معناه يؤخذون الرجل عن المرأة حتى لا يقدر على الوطء فهي أيضًا فرقة، فعلى هذا يكون ربط الرجل عن امرأته سحرًا.
(١٠٤) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا﴾ الآية [البقرة: ١٠٤] .
اختلف في معنى هذا فقيل: نهى الله تعالى المؤمنين أن يخاطبوا النبي ﷺ بهذه اللفظة لما فيها من الجفاء قد حض الله تعالى على تعزيره وتوقيره وخفض الصوت عنده، ولا مدخل لليهودي في الآية على هذا. بل هي نهي عن كل مخاطبة للنبي ﷺ فيها استواء معه، وقيل نهى الله المؤمنين عن التكلم بهذه اللفظة أصلًا لأن اليهود كانت تقولها للنبي ﵇ وتقصد بها الذم، فكان المسلمون يحملونها على معناها في اللغة، وهي فعل من المراعاة، وكانت اليهود تصرفها إلى معنى الرعونة ويظهرون أنهم يريدون المراعاة، وكانت اليهود تصرفها إلى معنى الرعونة ويظهرون أنهم يريدون المراعاة ويبطنون أنهم يريدون الرعونة التي هي الجهل. قال بعضهم ((راعنا)) لغة كانت الأنصار تقولها فقالها رفاعة بن يزيد بن التابوت للنبي ﵇ ليًا بلسانه وطعنًا كما كان يقول: اسمع غير مسمع فنهى الله المؤمنين أن يقولوا هذه اللفظة، وأنكر أبو محمد بن عطية أن تكون هذه اللفظة وقفًا على الأنصار، وقال: بل هي لغة لجميع العرب. ولعل قائل ذلك
стр. 57
لم يرد ما ذهب إليه أبو محمد، وإنما أراد أن الأنصار كانت تردد هذه اللفظة أكثر من غيرها فسماها لغة لها وحكى المهدوي عن قوم: أن هذه الآية على هذا التأويل ناسخة لفعل قد كان مباحًا، قال أبو محمد: ليس في هذه الآية شرط النسخ لأن الأول لم يكن شرعًا متقررًا ثم نقض ذلك عن قرب، فقال في قراءة من قرأ ((رَاعِنًا)) بالتنوين أن اليهود كانت تقوله، فنهى الله المؤمنين عن القول المباح سدًا للذريعة لئلا يتطرق اليهود مكنه إلى المحظور.
وقوله: ((فنهى المؤمنين عن القول المباح)) هو النسخ بعينه فلا معنى لإنكار ما ذكره المهدوي. وفي قراءة ابن مسعود ((راعونا)) وهي مخاطبة الجماعة من المراعاة، وكان اليهود يقولونها للنبي ﷺ يظهرون أنهم يريدون إكباره، وهم يريدون في الباطن راعونا فاعولا من الرعونة، والقول فيها كالقول في راعنا. وقد استدل الفقهاء في هذه الآية على القول بسد الذرائع في الأحكام خلافًا للشافعي وأبي حنيفة في ترك الاعتبار بذلك، فمن ذلك ما كان من الشرع ظاهره الصحة ويتوصل به إلى استباحة الربا مثل أن يبيع الرجل سلة بمئة إلى أجل، ثم يبتاعها بخمسين نقدًا. وذلك حرام. وأجاز ذلك الشافعي وأبو حنيفة ومنعه مالك ومن تابعه لأنه يؤدي إلى إعطاء خمسين مثلًا في مئة، فرأوا أن ما جر إلى الحرام حرام، وتعلقوا بظاهر الآية المذكورة في منع المؤمنين من قول راعنا للنبي ﵇.
(١٠٦) - قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ الآية [البقرة: ١٠٦] .
النسخ لغوي وشرعي كالكلام في الصلاة الشرعية كما تقدم، وهو في اللغة على ثلاثة معان، يقع على النقل كنسخ الكتاب، وعن الرفع دون
стр. 58
خلف، كقولهم: نسخت الرياح آثار الماشي، وعلى الرفع مع الخلف كقولهم: نسخت الشمس الظل.
واختلف في هذين الوجهين من النسخ هل هما في معنييهما حقيقة أو مجازًا؟ أو أحدهما حقيقة والآخر مجازًا؟ وهو في الشرع رفع الحكم الثابت بشرع متقدم بشرع متأخر عنه على وجه [لولاه] لكان ثابتًا مع تراخيه عنه. وإنما أخذ هذا النسخ الشرعي من أحد المعنيين الواقعين تحت الرفع. فأما النسخ بمعنى النقل فليس بداخل تحت الشرعي. وذهب شيخنا أبو بكر بن العربي، إلى أن نسخ الشيء إزالته لغة وشرعًا، وذكر منه نسخ الظل الشمس ونسخ الأثر الريح، وهذا بين. والإزالة والرفع في ذلك بمعنى واحد. قال: وكذلك نسخ الكتاب هو إزالته أيضًا لأنه كان منفردًا بما فيه، فلما كتب زال انفراده، فإنه أثبت بما كان فيه. وقول من يقول إن النقل فاسد، وقد وهم فيه القاضي، وإمام الحرمين ومن وراءهم، وما أصابه إلا الشيخ أبو الحسن. وهذا الذي قاله غير صحيح فإنه إن كان أزال انفراده فإنه أثبت مثله ولو ورد في الشرع مثل ذلك لكانت الآية المكررة على قوله نسخًا، وهذا لم يقله أحد وخلاف الجمهور لا يأتي بخير، وقد ثبت بهذه الآية صحة النسخ في الشريعة وحده ما ذكرته وتحيرت في فهمه عقول أقوام حتى أنكرته اليهود جملة، رأوا أنه يلزم عليه تغير علم الله وأنه يبدو له ما يبدو وهم في منعه على فرقتين؛ فرقة تنكره عقلًا، وأخرى تنكره شرعًا خاصة. وأجازه الروافض وارتكبوا البداء ونقلوا عن علي ﵁ أنه كان لا يخبر بالغيب مخافة أن يبدو له فيغيره وربما احتجوا بقوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ [الرعد: ٣٩].
وأجازه الفقهاء إلا أنهم لم يحصلوا على معنى الرفع لكلام الله
стр. 59
تعالى، وأنكروه فألحقوا النسخ بالتخصيص، ورأوا أنه الخطاب الكاشف عن مدة العبادة. وأشكل على المعتزلة فيه أيضًا ما أشكل على الفقهاء من معنى الرفع، ورأوا أن القديم لا يرفع ولم يلحقوه بالتخصيص كما قال الفقهاء فقالوا: إنه الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل على وجه لولاه لكان ثابتًا، ووفق الله أهل الحق إلى فهم معنى الرفع الذي هو حقيقة النسخ ومن أخل به فقد أخل بحقيقة النسخ، ورأوا أن الرفع لكلام الله تعالى قطع تعلقه بالمكلف عن المكلف، والكلام لا يتغير في نفسه. ورأوا أنه لا يلزم في ذلك بداء لأنه سبحانه يعلم وقت النسخ، ويعلم أن خطابه المنسوخ يقتضي الدوام إن لم يطرأ ناسخ، ويعلم أنه إذا طرأ النسخ قطع اقتضاء الدوام الذي اقتضاه الخطاب الأول ورفعه بذلك الاقتضاء وهو المرفوع، وهذا هو النسخ، والرفع حقيقة. وقد قرئت هذه الآية في السبع الدائرة بين اليد ((أو ننسها)) من النسيان، وقرئت ((أو ننسأها)) عند أبي عمرو بن كثير. يقال: نسأ الإبل وأنساها إذا أخرها عن الورد، فيكون معنى النسخ في الآ] ة على بابه، ويكون معنى النسيان فيها على قراءة به على وجهين: إما على وجه الترك، وإما بمعنى ضد الترك، ويكون معنى قراءة من قرأ بالهمز ((ننسأها)) التأخير، فإذا قلنا: إن معنى قوله تعالى: ﴿أو ننسها﴾ من النسيان الذي هو ضد الذكر يكون معناه أو نقرر نسيانك لها فتنساها حتى ترتفع جملة. وإن قلنا إن معنى النسيان في الآية احتمل أربعة معان:
أحدها: أن يريد نتركها أو نترك غير منزل عليك.
والثاني: أو نتركها غير منسوخة.
والثالث: أو نترك تلاوتها وإن رفعنا حكمها.
стр. 60
والرابع: أن نترك حكمها وإن رفعنا تلاوتها.
والمراد بقوله ﴿ما ننسخ من آية﴾ على هذين المعنيين الأخيرين التلاوة والحكم، وعلى المعنيين الأولين يحتمل أن يريد جميع وجوه النسخ أو بعضها. وتكون على المعنى الثاني الضميران في قوله: ﴿منها أو مثلها﴾ عائدين على المنسوخة خاصة. وإذا قرئ ((أو ننسأها)) بمعنى التأخير فجميع ما ذكر في معنى الترك من المعاني جارية في هذه القراءة وفي الآية قراءات أخر لا تخلو معانيها عن شيء مما ذكرنا. وقدد قال أبو إسحاق الزجاج في قراءة من قرأ: ((ننسها)) ضم النون الأولية، وتسكين الثانية وكسر السين من النسيان: لا يتوجه فيها معنى الترك لأنه لا يقال أنسى بمعنى ترك. وقال الفارسي وغيره: ذلك جائز بمعنى نجعلك تتركها، وكذلك ضعف أبو إسحاق أن الآية على النسيان الذي هو ضد الذكر، وقال: إن هذا لم يكن للنبي ﵇ ولا نسي قرآنًا. وقال الفارسي وغيره: ذلك جائز وقد وقع ولا فرق بين أن ترفع الآية بنسخ أو بتنسية. واحتج الزجاج بقوله تعالى: ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك﴾ [الإسراء: ٨٦] أي لم نفعل.
وقال الفارسي: معناه لم نذهب بالجميع. وقال هذا القول غير الزجاج. ورد الطبري عليه، والصحيح على مذهب الأصوليين أنه لا يجوز عليه النسيان فيما طريقه التبليغ. وقد جاء عن النبي ﷺ : أنه صلى فأسقط آية، فقال: ((أفي القوم أبي؟ )) فقال: نعم يا رسول الله. قال: ((فلم لم تذكرني؟ )) قال: حسبت أنها رفعت، فقال النبي ﷺ : ((لم ترفع ولكني نسيتها)). وقد اعتذر أبو محمد عن هذا ومثله بأنه جائز عليه ﷺ بعد التبليغ، وحفظ الصحابة لما بلغ. والحديث وإن كان فيه أنه
стр. 61
قال: ((نسيتها)) ففيه أنه قال لأُبي ابتداءً ((لم لم تذكرني؟ )) فدل على أن النبي ﷺ عرف ما أسقط وتذكره دون تذكير أحد. وذكر بوحي أوحى الله تعالى إليه بذلك. وسأل أبيًا ليختبر حفظه. فهذا نسيان لم يقدر عليه وفي هذا كله نظر يؤخذ من علم الأصول، وإنما نأتي ها هنا بنُبَذٍ. وقد احتج بهذه الآية ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ من قال: إن من شرط النسخ إثبات بدل المنسوخ، ومنهم من شرطه عقلًا، ومنهم من شرطه شرعًا خاصة والجواب عن حجتهم بالآية من أوجه.
أحدها: أن هذه الآية لا تمنع الجواز وإن منعت الوقوع عند من يقول بصيغة العموم، ومن لا يرى العموم صيغة فلا يلزمه أصلًا، ومن قال بها فلا يلزمه، من هذا ألا يجوز في جميع المواضع إلا ببذل، بل يتطرق التخصيص إليه بدليل النهي عن ادخار لحوم الأضاحي ثم إباحتها، ونسخ تقدمة الصدقة عند مناجاة النبي ﷺ ، فإن نسخ دون بدل. ثم ظاهر الآية أنه تعالى ينسخ الآية بآية أخرى مثلها، وهل لا يتضمن إلا رفع المنسوخ أو يتضمنه مع ذلك غيره؟ كل ذلك محتمل. وقد احتج بالآية أيضًا فمن يجيز النسخ بااخف ولا يجيزه بالأثقل وفي المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: هذا.
والثاني: يجوز بالأثقل ولا يجوز بالأخف.
والجمهور على الجواز بهما معًا. ووجه حجة أهل هذا القول الأول: أنهم قالوا في الآية هذا الخير الذي ذكره الله تعالى، هو خير عام، والخير ما هو خير لنا وإلا فالقرآن كله خير، والخير لنا ما هو أخف علينا. والجواب عن هذا أن الخير ما هو أجزل ثوابًا وأصلح لنا في المآل وإن كان أثقل في الحال. فإن قيل: ألا يمتنع عقلًا بل شرعًا لأنه لم يوجد في
стр. 62
الشرع نسخ الأخف بالأثقل؟ فالجواب: قد جاء في الشرع أولا الأمر بترك القتال، ثم أمر بالقتال، ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان إلى غير ذلك مما يكثر. وقد اختلف في نسخ التلاوة دون الحكم أو الحكم دون التلاوة، فمنهم من منعه عقلًا، ومنهم من أجازه ومنعه شرعًا، والصحيح جوازه عقلًا وشرعًا، فهما حكمان، فيجوز نسخهما جميعًا، ونسخ أحدهما دون الآخر والآية عل عمومها لا تخص حكمًا دون حكم.
(١٨٤) قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعان مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤] .
مما نسخ حكمه وبقيت تلاوته، وكذلك تقدمة الصدقة دون الحكم ما تظاهرت به الأخبار من نسخ آية الرجم مع بقاء الحكم، وحديث عائشة من نسخ العشر رضعات.
وقوله تعالى: ﴿ود كثير من أهل الكتاب﴾ إلى قوله تعالى: ﴿من بعد ما تبين لهم الحق﴾ [البقرة: ١٠٩] في هذه الآية دليل ظاهر على صحة الكفر عنادًا، ولأهل السنة في جوازه ووقوعه خلاف، والصحيح جوازه ووقوعه ومن لا يجوزه يتأول ما جاء به من الآيات في نحو هذا أن المعرفة تسلب عن المعاند عناده في الوقت.
(١٠٩) - قوله تعالى: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره﴾ [البقرة: ١٠٩] .
اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾ فقيل: الأمر فرض القتال، وقيل: قتل قريظة وإجلاء النظير، وقيل: آجال بني آدم. ولا خلاف
стр. 63
أنه إذا كانت الغاية معلومة مثل قوله: ﴿ثم أتموا الصيام إلى﴾ [البقرة: ١٨٧] أنه يكون نسخًا، فإن كانت مجهولة، كقوله تعالى: ﴿حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلًا﴾ [النساء: ١٥] فاختلف فيه هل هو نسخ أم لا؟ وعلى هذا الخلاف يترتب الخلاف في نسخ هذه الآية. وقد اختلف فيها فذهب قوم إلى أنها غير منسوخة، لأن الأمر بالعفو والصفح مؤقت بوقت لقوله تعالى: ﴿حتى يأتي اله بأمره﴾ [البقرة: ١٠٩] فلا يتصور النسخ، وهذا على أحد القولين في أن الأمر المنتظر فرض القتال، وقتل بني قريظة وإجلاء بني النضير. وذهب آخرون إلى أنها منسوخة، وهذا القول يترتب على تفسير الأمر بأنه آجال بني آدم ولذلك قال أبو عبيدة إن هذه الآية منسوخة بالقتال، لأن كل آية فيها ترك القتال فهي مكية منسوخة.
وحكمها بأن هذه الآية مكية ضعيف لأن معاندة اليهود إنما كانت بالمدينة والذين ذهبوا إلى نسخها اختلفوا في الناسخ، فقال ابن عباس هو قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾ إلى قوله ﴿صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩] وقيل: نسخها قول الله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥].
قوله تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ [البقرة: ١١١] فقد أنكر قوم النظر وزعموا أنه لا يؤدي إلى علم، وحصروا مدارك العلوم في الحواس، وهذا قول فاسد عقلًا وشرعًا، وقد قال الطبري: طلب الدليل في هذه الآية يقضي بإثباته ويرد على من ينفيه.
(١١٤) - قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ الآية [البقرة: ١١٤] .
стр. 64
اختلف في المشار إليهم في الآية، فقيل: النصارى الذين كانوا يؤذون المصلين ببيت المقدس، ويطرحون فيه الأقذار، وقيل: الروم الذين أعانوا بخت نصر على تخريب بيت المقدس، وقيل: كفار قريش حين صدوا رسول الله ﷺ عن المسجد الحرام. وهذه الآية وإن كانت خرجت على ذكر مسجد مخصوص، فإنها تعم جميع المساجد على مشهور القول في هذا. قال بعضهم: وكذلك من خرب مدينة الإسلام لأنها مساجد، وإن لم تكن موقوفة إذ الأرض كلها مسجد. ومما يتعلق بهذا، مسألة وقعت قديمًا في المؤذن يؤذن في الأسحار، ويبتهل بالدعاء ويردده إلى أن يصبح فشكاه الجيران وأرادوا قطعه، فاختلف الشيوخ فيها، ويمكن أن يحتج لترك المنع من ذلك بقوله تعالى في هذه الآية: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿أولئك ما كان لهم أن يدخلوهل إلا خائفين﴾ [البقرة: ١١٤]. ويدل على أن للمسلمين إخراجهم منها إذا دخلوها ولولا ذلك ما كانوا خائفين بدخولها، ويدل على أيضًا قوله تعالى: ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله﴾ [التوبة: ١٧] وعمارتها تكون ببنيانها وإصلاحها أو حضورها ولزومها.
(١١٥) - قوله تعالى: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾ الآية [البقرة: ١١٥] .
اختلف في صلاة رسول الله ﷺ قبل أن تحول القبلة، فقال ابن جريج: أول ما صلى إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس، فصلت الأنصار قبل قدومه ﵇ المدينة بثلاث حِجج [إلى بيت المقدس]، وصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا ثم وجهه الله عز
стр. 65
وجل إلى الكعبة، وقال مجاهد عن ابن عباس: صلى رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس وهو بمكة والكعبة بين يديه، وبعدما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهرا، ثم صرف إلى الكعبة. وقال ابن إسحاق نحوه كانت قبلة رسول الله ﷺ وهو بمكة إلى الشام ويجعل الكعبة بينه وبين الشام. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود أمره الله أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرا ثم انصرف إلى الكعبة. ففي هذا الخبر أن رسول الله ﷺ لم يصل إلى بيت المقدس إلا بالمدينة خلاف خبر مجاهد وخلاف ما قال ابن جريج. قال ابن عبد البر: وهو أصح القولين. وتحصيل هذا أنهم أجمعوا على أن أول ما نسخ من القرآن القبلة وأجمعوا أن ذلك كان في المدينة. واختلفوا في صلاته بمكة قبل الهجرة حين فرضت الصلاة عليه، فقيل: كانت صلاته إلى بيت المقدس من حين فرضت عليه الصلاة إلى قدومه المدينة، ثم بالمدينة ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، وقيل: كانت صلاته من حين فرضت عليه إلى الكعبة طول مقامه بمكة، ثم لما قدم المدينة صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، وقيل: سبعة عشر، وقيل: ثمانية عشر، ثم صرفه الله تعالى إلى الكعبة واختلفوا هل كانت صلاته ﷺ إلى بيت المقدس بأمر من الله تعالى في القرآن؟ أو بسنة منه ﷺ ؟ فجاء عن ابن عباس أنه قال: أول ناسخ من القرآن القبلة. فاقتضى هذا أن القبلة
стр. 66
المنسوخة كانت مستقبلة بالقرآن. والمشهور أن استقبال بيت المقدس لم يكن بالقرآن. وقال الربيع: خير ﷺ في النواحي فاختار بيت المقدس تأليفا لأهل الكتاب، وقال بعضهم: صلى ﷺ إلى بيت المقدس ليختبر من آمن من العرب لأنهم كانوا يألفون الكعبة وينافرون بيت المقدس وغيره. وذكر الباجي عن الحسن البصري وغيره؛ أن النبيء ﷺ صلى إلى بيت المقدس اختيارا من غير فرض عليه ليتألف أهل الكتاب، ثم صرف إلى مكة. قال: وهذا الذي قاله ظاهره أن الأمر كان مفوضا إليه قد خير فيه. والأظهر على هذا القول أن يكون تبع في ذلك شريعة من قبله من الأنبياء ﵈، ممن كانت قبلته إلى بيت المقدس.
واختلف في أي صلاة حولت القبلة. ففي ((الموطأ)) بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال لهم: ((إن رسول الله ﷺ أُنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة)) الحديث.
وروى البراء بن عازب أنها صلاة العصر. وقال أبو بشر الدولابي: زار النبي ﷺ أم بشر في بني سلمة، وصلى الظهر في مسجد القبلتين ركعتين إلى الشام، ثم أمر أن يستقبل الكعبة فاستدار ودارت الصفوف خلفه، فصلى البقية إلى مكة. وذكرأبو الفرج: أن عباد بن نهيك كان مع النبي ﷺ في هذه الصلاة. وقيل: إنما نزلت الآية بنسخ القبلة في غير
стр. 67
صلاةٍ [وهو واهٍ]. واختلف أيضًا في أي يوم؟ وفي أي شهر؟ وفي أي سنة؟ فقيل: في يوم الاثنين وفي النصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرًا من مقدم النبي ﷺ المدينة. وقيل: على رأس ستة عشر شهرًا، وقيل: يوم الثلاثاء في النصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا من مقدم النبي ﷺ المدينة. وقيل: حولت القبلة في جمادى الآخرة. وقيل: لم يصل رسول الله ﷺ بالمدينة إلى بيت المقدس بعد تسعة أشهر أو عشرة.
وقال الحسن: صلى رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس سنتين.
وقد اختلف في هذه الآية على ثلاثة مذاهب، فذهب بعضهم إلى أنها منسوخة وممن ذهب إلى لك ابن زيد. وذهب بعضهم إلى أنها ناسخة لا منسوخة، وممن ذهب غلى ذلك مجاهد، والضحاك. وذهب بعضهم إلى أنها لا ناسخة ولا منسوخة. واتفقوا على أن ناسخها قوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ واختلفوا في تأويل الآية المنسوخة، فذهب قتادة وابن زيد إلى أنها نزلت في إباحة الصلاة إلى أي جهة كانت إلى هذا ذهب ابن بكير في ((أحكامه)) قالوا: وهذا نسخ قبل فعل الفعل لأنه لم يثبت أن النبي ﷺ صلى في الحضر حيثما توجه. وقال بعضهم إنها نزلت في الصلاة إلى بيت المقدس فلما نزلت، صلى النبي ﷺ إليه سبعة عشر شهرًا عند مقدمه المدينة رجاء أن يستألف بذلك اليهود، وكان يحب الاستقبال إلى الكعبة، ويقلب بصره إلى السماء يطمع أن يؤمر بالتوجه إلى الكعبة، فأنزل الله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ الآية [البقرة:
стр. 68
١٤٤] فنسخ [ذلك] استقباله إلى بيت المقدس، ونزل: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾ [البقرة: ١٤٣] ويضعف هذا القول أنه قصر لعموم الآية على معنى خاص، ويأتي أن صلاته ﷺ إلى بيت المقدس بأمر من الله تعالى، وأن هذا إنما هو من نسخ القرآن بالقرآن. والمشهور أنه من السنة المنسوخة بالقرآن. والذين ذهبوا إلى أنها ناسخة قالوا: معنى الآية أينما تولوا من مشرق ومغرب فثم وجه الله أي في القبلة التي أمر بها، وذلك في استقبال الكعبة. فجعلوا الآية ناسخة لاستقبال بيت المقدس، فهي على هذا التأويل بمعنى الآية الأخرى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ الآية [البقرة: ١٤٤]. وتكون الصلاة إلى بيت المقدس سنة من رسول الله ﷺ نسخها القرآن.
والذين ذهبوا إلى أنها لا ناسخة ولا منسوخة اختلفوا في تأويلها؛ فذهب ابن عمر إلى أنها نزلت في النافلة السفرية على الراحلة حيثما توجهت به. فتخصص هذه الآية بالصلاة. وبالحديث الذي جاء فيها من عموم الآية الأخرى. وعلى هذا التأويل الآية عامة في الفرض والنفل والحضر والسفر على الراحلة وعلى غير الراحلة، ولكنه عموم خرج على سبب فهل يقصر على سببه؟ أو يحمل على عمومه؟ فيه خلاف بين الأصوليين. ولا خلاف أن هذه الآية قد يخصص منها المقيم ومصلي
стр. 69
الفرض في السفر إذا كان صحيحًا بالإجماع، وبقوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرم﴾ [البقرة: ١٤٤].
واختلف في المريض والمسافر إذا لم يستطع السجود والجلوس على الأرض، هل يجوز له صلاة الفرض على الرالة أم لا؟ ففي مذهب مالك فيها اختلاف. واختلف أيضًا في مصلي النفل على الراحلة في سفر لا يقصر فيه، هل يجوز له ذلك أم لا؟ ففي المذهب أنه لا يجوز وأجازه أبو حنيفة والشافعي. واختلف أيضًا في المتصرف على الراحلة للمعيشة في الحضر هل يجوز له ذلك أم لا؟ ففي المذهب لا يجوز خلافًا للاصطخري والقفال من أصحاب الشافعي في إجازة ذلك. وفي التنفل في السفينة حيثما توجهت روايتان عن مالك، وفي تنفل الماشي في السفر حيثما توجه قولان للشافعي، فمن حجة من أجاز شيئًا من هذا المختلف فيه عموم قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ ومن حجة من منعه عموم الآية الأخرى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ ومالك رحمه الله تعالى جمع بين الآيتين وحمل قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ على ما نزل فيه. كما ذكر عن ابن عمر: أنه نزل في النافلة على الراحلة في السفر حيثما توجهت به، وخصص بذلك عموم الآية المذكورة. وما جاء عنه من اختلاف في السفينة وفي المريض المسافر يصلي الفرض على الراحلة، فالمشهور عنه في ذلك كله أنه لا يجوز تعلقًا بقوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ الآية.
وقد اختلف في صلاة العصر على الراحلة، والصحيح جوازه لأن ابن
стр. 70
عمر روى أن النبي ﷺ فعل ذلك، فهو مما يخصص عموم الآية الواحدة ويحفظ عموم الآية الأخرى.
واختلف هل يستحب للمصلي على الراحلة أن يستقبل براحلته القبلة أو لا؟ ففي مذهب مالك ليس عليه ذلك. والحجة في ذلك ظاهر الآية المذكورة. وفي ((البخاري)) عن ابن عمر أنه قال: ((كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته حيثما توجهت به يومئ إيماء صلاة الليل، إلا الفرائض ويوتر على الراحلة)) قال المهلب: هذا الحديث تفسير قوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ وأن المراد به الصلاة المفروضة وأن القبلة فرض فيها، وتبين أ، القبلة في النوافل سنة لصلاته لها ﵊ في أسفاره على راحلته حيث توجهت به وذهب عبد الله بن عامر بن ربيعة إلى أنها نزلت فيمن اجتهد في القبلة فأخطأ وجاء في ذلك حديث رواه عبد الله بن ربيعة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر في ليلة مظلمة فتحرى قوم القبلة وعلموا علامات، فلما أصبحوا رأوا أنهم قد أخطأوا. فعرفوا رسول الله ﷺ بذلك، فنزلت هذه الآية: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥].
وذكر بعضهم أن النبي ﷺ لم يكن مع القوم في هذا السفر، وهو خطأ. وهذا أيضًا من العموم الخارج على سبب خاص، فلا خلاف أن السبب داخل في حكمها، لكنه عارض ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وحيث ما
стр. 71
كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: ١٤٤] فإن غلب عموم قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ الآية، لم يكن على المخطئ بعد الاجتهاد إعادة، وإن غلب عموم قوله تعالى: ﴿فول وجهك شظر المسجد الحرام﴾ الآية. وجب عليه الإعادة أبدًا، وهو قول المغيرة، ومحمد بن سحنون، والأول قول سائر أصحاب مالك ذكره عبد الوهاب. وقال بعض أصحابه إنه يعيد في الوقت، والأظهر تخصيص الآية الواحدة بالآية الأخرى، وفيه خلاف بين الأصوليين هل يحمل على التخصيص أو على التعارض ووجه النسخ؟ وكذلك اخلتفوا في الجاهل والناسي كالخلاف في المجتهد يخطئ. وذهب قتادة إلى أن هذا الآية نزلت في النجاشي، وذلك أنه لما مات، دعا النبي ﷺ إلى الصلاة عليه، فقال قوم: كيف نصلي على من لم يصل إلى القبلة قط، فنزلت الآية. وانظر إلى هذا المؤمن إذا صلى لغير القبلة ما حكمه؟ وذهب ابن جبير إلى أنها نزلت في الدعاء لما نزلت: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠] قال المسلمون إلى أين ندعو؟ فنزلت ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ وذهب النخعي إلى أن معنى الآية أين ما تولوا في تصرفاتكم ومساعيكم، فثم وجه الله. أي موضع رضاه وثوابه، وجهة رحمته التي يتوصل إليها بالطاعة. وقد نسب إلى النخعي مثل قول عبد الله بن عمر. وذهب بعضهم إلى أن الآية متصلة بقوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ [البقرة: ١١٤] والمعنى أن بلاد الله أيها المؤمنون تسعكم فلا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله أن تولوا وجوهكم قبلة الله أين كنتم من أرضه. وقيل:
стр. 72
نزلت حين صدر النبي ﷺ يوم الحديبية، فاغتم المسلمون لذلك، ومعنى ﴿فثم وجه الله﴾ على هذا قثم الله. وقيل: فثم تدركون رضى الله.
وقال ابن عباس: نزلت حين حول النبي ﷺ إلى الكعبة، وقالت اليهود: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها.
فمجموع ما يتحصل من هذه الآية من الآقوال إحدى عشر قولًا.
ولا اعتراض عل من جعل الآية منسوخة بأن يقال: إنها خبر لأنها وإن كانت خبرًا ففيها معنى الأمر.
قوله تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الله ولدًا سبحانه﴾ [البقرة: ١١٦] هذه الآية تدل على امتناع اجتماع الملك والولاية، وكذلك قوله تعالى: ﴿إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا﴾ [مريم: ٩٣] وكذلك قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانًا﴾ [البقرة: ٨٣] و ﴿فلا تقل لهما أف﴾ [الإسراء: ٢٣] يدل على عتق الأبوين لأنه ليس من الإحسان إليهما رقهما وكذلك قوله: ﴿لا أملك إلا نفسي وأخي﴾ يدل على عتق الأخوة، لأنه إذا كان لا يملك نفسه فلاى يملك أخاه.
وبعضهم لا يصحح هذا الاستدلال ويحتج بالحديث الواقع في ((مسلم)): ((لا يجزي ولد والده، إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه)) ويرى أنه يعطى على صحة الشراء واستئناف العتق، ولأجل هذا وقع الاختلاف في عتق الأقارب إذا ملكوا فأنكره جماعة من أهل الظاهر وتعلقوا بالحديث المذكور، وأثبته الأكثرون إلا أنهم احتلفوا في تعيين الأقل بالمذكورين على ثلاثة أقوال:
стр. 73
أحدها: أن العتق يختص بعمودي النسب ما علا أو سفل والإخوة.
وهو مشهور المذهب خاصة.
والثاني: أنه يختص بعمودي النسب خاصة دون الإخوة، ذكره ابن خويزمنداد.
والثالث: أنه يعتق ذوي الأرحام المحرمة، ذكره ابن القصار. وهو قول أبي حنيفة، والثاني قول الشافعي. وحجة القول الأول ظاهر الآيتين المذكورتين. وحجته في الإخوة قوله تعالى: ﴿لا أملك إلا نفسي وأخي﴾ [المائدة: ٢٥] فلما استحال ملك نفسه استحال ملك أخيه. وتعلقهم بهذه الآية ضعيف ولأجل ضعف التعلق بقوله تعالى: ﴿لا أملك إلا نفسي وأخي﴾ نفى تعلق الإخوة. من نفاه واثبت عتق البنوة لقوة الظاهر الوارد به في القرآن والأبوة بقوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانًا﴾ [البقرة: ٨٣] وقوله تعالى: ﴿ولا تقل لهما أف﴾ [الإسراء: ٢٣] وليس من الإحسان لهما استرقاقهما. وحجة ما حكاه ابن القصار ما خرجه الترمذي، والنسائي، وأبو داود، عن سمرة: أن النبي ﷺ قال: ((من ملك ذا رحم محرم فهو حر)) وهذا يرفع الاحتمال في الحديث الذي ذكر فيه الشراء، ويبين أن معناه يعتق بالشراء، فأضاف العتق إليه لما كان عن أمر يكتسبه أو يفعله وهو الشراء. وقد اختلف هل يفتقر عتق الأقارب المذكورين إلى حكم حاكم أم لا؟ فقيل: لا يفتقر لظاهر الحديث ((من ملك ذا رحم محرم فهو حر)) وعليه يتأول الآي من قال هذا، وقيل لأجل ما فيه من الخلاف ليرتفع الخلاف.
стр. 74
(١٢٤) - قوله تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾ [البقرة: ١٢٤] .
اختلف في هذه الكلمات ما هي؟ فقال ابن عباس وقتادة: هي عشر خصال خمس منها في الرأس: المضمضة والسواك، وقص الشارب، والاستنشاق، وفرق الرأس. وقيل: بدل فرق الرأس إعفاء اللحية. وخمس في الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، ونتف الإبط، والاستنجاء بالماء، والاختتان. قال ابن عباس أيضًا: هي ثلاثون: عشرة منها في براءة ﴿التائبون العابدون﴾ الآية [التوبة: ١١٢] وعشرة في اأحزاب: ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ الآية [الأحزاب: ٣٥] وعشرة في سأل سائل. وقال الحسن بن أبي الحسن: هي الخلال الست التي امتحن بها إبراهيم: الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والاختتان. وقيل: بدل الهجرة الذبح. وقالت طائفة: هي مناسك الحج. وقال مجاهد وغيره: الكلمات: هي أن الله قال لإبراهيم: إني مبتليك بأمر فما هو؟ قال إبراهيم: تجعلني للناس إمامًا. قال الله: نعم. قال إبراهيم: وتجعل البيت مثابة. قال الله: نعم. قال إبراهيم: وتجعل هذا البلد آمنًا. قال الله: نعم، قال إبراهيم: وترزق أهله من الثمرات. قال الله: نعم. فعلى هذا القول. فالله تعالى هو الذي أتم، وعلى سائر الأقوال المتقدمة إبراهيم هو الذي أتم. وقد روي أن الله أوحى إليه أن تطهر فتمضمض، ثم أن تطهر فاستنشق، ثم أن تطهر فاستنجى، ثم أن تطهر فحلق عانته، ثم أن تطهر فنتف إبطه، ثم أن تطهر فقلم أظفاره، ثم أن تطهر فأقبل على جسده ينظر ماذا يفعل؟ فاختتن بعد عشرين ومائة سنة. وفي رواية ((البخاري)): أنه اختتن وهو ابن ثمانين سنة بالقدُّوم. [بتشديد الدال موضع. وقيل: هو الآلة] وإنما سميت هذه الأشياء كلمات لانها جاءت بها أوامر.
стр. 75
فعل هذا التأويل وهو أقوى ما جاء في الآية. دلت الآية أن التنظف ونفي الأقذار والأوساخ عن الأبدان والثياب مأمور به. وقال أبو واصل: أتيت أبا أيوب الأنصاري فصافحته فرأى في أظفاري طولًا، فقال: جاء رجل إلى النبي ﷺ يسأله عن أخبار السماء، فقال: ((يجيء أحدكم يسأل عن أخبار السماء وأظفاره كأظفار الطير حتى يجتمع فيها الوسخ والتفث)). وقالت عائشة ﵂: خمس لم يكن رسول الله ﷺ يدعهن في شفر ولا حضر: المرآة والكحل والمشط والمدرى والسواك.
(١٢٤) -قوله تعالى: ﴿إني جاعلك للناس إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] .
الإمام من يؤتم به في أمر الدين كالنبي، والخليفة، والعالم.
(١٢٤) - وقوله: ﴿ومن ذريتي﴾ [البقرة: ١٢٤] .
قيل: هو على جهة الاستفهام، قيل: على جهة السؤال، يؤخذ منه إباحة السعي في منافع الذرية والقرابة وسؤال من بيده ذلك.
(١٢٤) - قوله تعالى: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ [البقرة: ١٢٤] .
يدل على أن الإمامة قد وقعت له في أن يكون من ذريته أئمة ولكن الظالم منهم لا إمامة له. واختلف في العهد ما هو؟ فقال مجاهد: هو الإمامة. وقال السدي: النبوءة. وقال قتادة: الأمان من عذاب الله. وقال ابن عباس: لا عهد عليك لظالم أن تطيعه. وقيل: العهد الدين ﴿والظالمين﴾.
следующие страницы →