← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 133357

أحكام القرآن لابن الفرس

ابن الفرس

Полный текст (1 576 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: ١٤٤] فإن غلب عموم قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ الآية، لم يكن على المخطئ بعد الاجتهاد إعادة، وإن غلب عموم قوله تعالى: ﴿فول وجهك شظر المسجد الحرام﴾ الآية. وجب عليه الإعادة أبدًا، وهو قول المغيرة، ومحمد بن سحنون، والأول قول سائر أصحاب مالك ذكره عبد الوهاب. وقال بعض أصحابه إنه يعيد في الوقت، والأظهر تخصيص الآية الواحدة بالآية الأخرى، وفيه خلاف بين الأصوليين هل يحمل على التخصيص أو على التعارض ووجه النسخ؟ وكذلك اخلتفوا في الجاهل والناسي كالخلاف في المجتهد يخطئ. وذهب قتادة إلى أن هذا الآية نزلت في النجاشي، وذلك أنه لما مات، دعا النبي ﷺ إلى الصلاة عليه، فقال قوم: كيف نصلي على من لم يصل إلى القبلة قط، فنزلت الآية. وانظر إلى هذا المؤمن إذا صلى لغير القبلة ما حكمه؟ وذهب ابن جبير إلى أنها نزلت في الدعاء لما نزلت: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠] قال المسلمون إلى أين ندعو؟ فنزلت ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ وذهب النخعي إلى أن معنى الآية أين ما تولوا في تصرفاتكم ومساعيكم، فثم وجه الله. أي موضع رضاه وثوابه، وجهة رحمته التي يتوصل إليها بالطاعة. وقد نسب إلى النخعي مثل قول عبد الله بن عمر. وذهب بعضهم إلى أن الآية متصلة بقوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ [البقرة: ١١٤] والمعنى أن بلاد الله أيها المؤمنون تسعكم فلا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله أن تولوا وجوهكم قبلة الله أين كنتم من أرضه. وقيل:

стр. 72

نزلت حين صدر النبي ﷺ يوم الحديبية، فاغتم المسلمون لذلك، ومعنى ﴿فثم وجه الله﴾ على هذا قثم الله. وقيل: فثم تدركون رضى الله. وقال ابن عباس: نزلت حين حول النبي ﷺ إلى الكعبة، وقالت اليهود: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها. فمجموع ما يتحصل من هذه الآية من الآقوال إحدى عشر قولًا. ولا اعتراض عل من جعل الآية منسوخة بأن يقال: إنها خبر لأنها وإن كانت خبرًا ففيها معنى الأمر. قوله تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الله ولدًا سبحانه﴾ [البقرة: ١١٦] هذه الآية تدل على امتناع اجتماع الملك والولاية، وكذلك قوله تعالى: ﴿إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا﴾ [مريم: ٩٣] وكذلك قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانًا﴾ [البقرة: ٨٣] و ﴿فلا تقل لهما أف﴾ [الإسراء: ٢٣] يدل على عتق الأبوين لأنه ليس من الإحسان إليهما رقهما وكذلك قوله: ﴿لا أملك إلا نفسي وأخي﴾ يدل على عتق الأخوة، لأنه إذا كان لا يملك نفسه فلاى يملك أخاه. وبعضهم لا يصحح هذا الاستدلال ويحتج بالحديث الواقع في ((مسلم)): ((لا يجزي ولد والده، إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه)) ويرى أنه يعطى على صحة الشراء واستئناف العتق، ولأجل هذا وقع الاختلاف في عتق الأقارب إذا ملكوا فأنكره جماعة من أهل الظاهر وتعلقوا بالحديث المذكور، وأثبته الأكثرون إلا أنهم احتلفوا في تعيين الأقل بالمذكورين على ثلاثة أقوال:

стр. 73

أحدها: أن العتق يختص بعمودي النسب ما علا أو سفل والإخوة. وهو مشهور المذهب خاصة. والثاني: أنه يختص بعمودي النسب خاصة دون الإخوة، ذكره ابن خويزمنداد. والثالث: أنه يعتق ذوي الأرحام المحرمة، ذكره ابن القصار. وهو قول أبي حنيفة، والثاني قول الشافعي. وحجة القول الأول ظاهر الآيتين المذكورتين. وحجته في الإخوة قوله تعالى: ﴿لا أملك إلا نفسي وأخي﴾ [المائدة: ٢٥] فلما استحال ملك نفسه استحال ملك أخيه. وتعلقهم بهذه الآية ضعيف ولأجل ضعف التعلق بقوله تعالى: ﴿لا أملك إلا نفسي وأخي﴾ نفى تعلق الإخوة. من نفاه واثبت عتق البنوة لقوة الظاهر الوارد به في القرآن والأبوة بقوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانًا﴾ [البقرة: ٨٣] وقوله تعالى: ﴿ولا تقل لهما أف﴾ [الإسراء: ٢٣] وليس من الإحسان لهما استرقاقهما. وحجة ما حكاه ابن القصار ما خرجه الترمذي، والنسائي، وأبو داود، عن سمرة: أن النبي ﷺ قال: ((من ملك ذا رحم محرم فهو حر)) وهذا يرفع الاحتمال في الحديث الذي ذكر فيه الشراء، ويبين أن معناه يعتق بالشراء، فأضاف العتق إليه لما كان عن أمر يكتسبه أو يفعله وهو الشراء. وقد اختلف هل يفتقر عتق الأقارب المذكورين إلى حكم حاكم أم لا؟ فقيل: لا يفتقر لظاهر الحديث ((من ملك ذا رحم محرم فهو حر)) وعليه يتأول الآي من قال هذا، وقيل لأجل ما فيه من الخلاف ليرتفع الخلاف.

стр. 74

(١٢٤) - قوله تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾ [البقرة: ١٢٤] . اختلف في هذه الكلمات ما هي؟ فقال ابن عباس وقتادة: هي عشر خصال خمس منها في الرأس: المضمضة والسواك، وقص الشارب، والاستنشاق، وفرق الرأس. وقيل: بدل فرق الرأس إعفاء اللحية. وخمس في الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، ونتف الإبط، والاستنجاء بالماء، والاختتان. قال ابن عباس أيضًا: هي ثلاثون: عشرة منها في براءة ﴿التائبون العابدون﴾ الآية [التوبة: ١١٢] وعشرة في اأحزاب: ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ الآية [الأحزاب: ٣٥] وعشرة في سأل سائل. وقال الحسن بن أبي الحسن: هي الخلال الست التي امتحن بها إبراهيم: الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والاختتان. وقيل: بدل الهجرة الذبح. وقالت طائفة: هي مناسك الحج. وقال مجاهد وغيره: الكلمات: هي أن الله قال لإبراهيم: إني مبتليك بأمر فما هو؟ قال إبراهيم: تجعلني للناس إمامًا. قال الله: نعم. قال إبراهيم: وتجعل البيت مثابة. قال الله: نعم. قال إبراهيم: وتجعل هذا البلد آمنًا. قال الله: نعم، قال إبراهيم: وترزق أهله من الثمرات. قال الله: نعم. فعلى هذا القول. فالله تعالى هو الذي أتم، وعلى سائر الأقوال المتقدمة إبراهيم هو الذي أتم. وقد روي أن الله أوحى إليه أن تطهر فتمضمض، ثم أن تطهر فاستنشق، ثم أن تطهر فاستنجى، ثم أن تطهر فحلق عانته، ثم أن تطهر فنتف إبطه، ثم أن تطهر فقلم أظفاره، ثم أن تطهر فأقبل على جسده ينظر ماذا يفعل؟ فاختتن بعد عشرين ومائة سنة. وفي رواية ((البخاري)): أنه اختتن وهو ابن ثمانين سنة بالقدُّوم. [بتشديد الدال موضع. وقيل: هو الآلة] وإنما سميت هذه الأشياء كلمات لانها جاءت بها أوامر.

стр. 75

فعل هذا التأويل وهو أقوى ما جاء في الآية. دلت الآية أن التنظف ونفي الأقذار والأوساخ عن الأبدان والثياب مأمور به. وقال أبو واصل: أتيت أبا أيوب الأنصاري فصافحته فرأى في أظفاري طولًا، فقال: جاء رجل إلى النبي ﷺ يسأله عن أخبار السماء، فقال: ((يجيء أحدكم يسأل عن أخبار السماء وأظفاره كأظفار الطير حتى يجتمع فيها الوسخ والتفث)). وقالت عائشة ﵂: خمس لم يكن رسول الله ﷺ يدعهن في شفر ولا حضر: المرآة والكحل والمشط والمدرى والسواك. (١٢٤) -قوله تعالى: ﴿إني جاعلك للناس إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] . الإمام من يؤتم به في أمر الدين كالنبي، والخليفة، والعالم. (١٢٤) - وقوله: ﴿ومن ذريتي﴾ [البقرة: ١٢٤] . قيل: هو على جهة الاستفهام، قيل: على جهة السؤال، يؤخذ منه إباحة السعي في منافع الذرية والقرابة وسؤال من بيده ذلك. (١٢٤) - قوله تعالى: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ [البقرة: ١٢٤] . يدل على أن الإمامة قد وقعت له في أن يكون من ذريته أئمة ولكن الظالم منهم لا إمامة له. واختلف في العهد ما هو؟ فقال مجاهد: هو الإمامة. وقال السدي: النبوءة. وقال قتادة: الأمان من عذاب الله. وقال ابن عباس: لا عهد عليك لظالم أن تطيعه. وقيل: العهد الدين ﴿والظالمين﴾.

стр. 76

قيل: هو ظلم الكفر. وقيل: ظلم المعاصي، فإذا العهد بالإمامة والنبوءة والدين، فالظلم عام للمعاصي والمفر. وإن قلنا: إنه ظلم الكفر، فالمعنى بين لا كلام فيه. وإن قلنا: إنه ظلم المعصية فيؤخذ منه -على القول بأنه العهد النبوءة -أن المعجزة لا تظهر على يد فاسق ظالم وإن كات ذلك في العقل جائزًا لكن السمع بهذه الآية وغيرها منع من ذلك. ويؤخذ منه -على القول بأنه إمامة- أن الفاسق لا يصلح أن يقدم إمامًا. فإن ظهر من الإمام فسق بعد صحة إمامته فهل يجب خلعه أم ال؟ اختلف فيه، وإلى القول بخلعه ذهب جماعة من السلف، وبهذا التأويل خرج فيه ابن الزبير والحسين على يزيد بن معاوية، وخرج خيار أهل العراق وعلماؤهم على الحجاج، وأخرج أهل المدينة بني أمية عنهم، فكانت وقعة الحرة. وبهذه الآية وما كان في معناها تعلقت طائفة من المعتزلة وجماعة من الخوارج. وأما جماعة أهل السنة وأئمتهم، فرأوا أن الصبر على طاعة الإمام وإن كان جائزًا أولى لما في الخروج عليه من الفساد. وإذا أولنا العهد باحد سائر الوجوه الأخرى المذكورة فقال أبو محمد عبد الحق: فالظلم في الآية ظلم الكفر لأن العاصي المؤمن ينال الدين والأمان من عذاب الله وتلتزم طاعته إذا كان ذا أمر. وفي هذا كله نظر لأن العاصي المؤمن وإن نال الدين فالاقتداء به وقبول قوله لا يجب. وهو معنى الدين الذي فسر به العهد، فصيح أن لا يناله العاصي، وكذلك الأمان من عذاب الله، فإن العاصي لا يأمن العذاب لأنه تحت الوعيد لكن العفو الجائز عن الله تعالى إذا حصل صح له الأمان، فإن جعلنا الأخبار عن هذه الحالة فالظلم الكفر، وإن جعلناه عن الحالة قبل العفو صح أن يكون ظلم المعصية. وكذلك لزوم الطاعة، فإن الإمام الفاسق

стр. 77

إنما يجب امتثال أمره إذا أمر بطاعة. وإن أمر بمعصية لم يجب امتثال أمره على أنه قد اختلف في خلعه، وإن أمر بطاعة يحتمل أن يكون الظلم هنا ظلم المعصية، ويحتمل أن يكون ظلم الكفر. ويؤخذ من هذه الآية بالجملة أن الظالمين لا يجوز أن يكونوا محل من تقبل منهم أوامر الله. (١٢٥) - قوله تعالى: ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] . مثابة مفعلة من ثاب يثوب إذا رجع. وقيل من الثواب، وقرأ الأعمش ((مثابات)) على الجمع. وقال ورقة بن نوفل في الكعبة: مثابًا لإفناء القبائل كلها ... تخب إليها اليعملات الطلامح (١٢٥) - قوله: ﴿وأمنا﴾ [البقرة: ١٢٥] . جعله الله تعالى أمنًا لأنه يؤمن فيه، وكنى بالبيت عن الحرم فيحتج به في كون الحرم مأمنًا من موضع آخر، والأول أظهر، لقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٩١] وقوله تعالى: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [البقرة: ٢٨] إلا أن معناه مأمن عن النهب والغارات، ولذلك قال النبي ﷺ : ((أحلت لي ساعة من نهار، ثم هي حرام إلى يوم القيامة لا يقطع شجرها، ولا ينفر صيها، ولا تحل لقطتها إلا المنشد)) وروى أبو شريح الكعبي: أن النبي ﷺ قال: ((إن الله تعالى حرم مكة، ولم يحرمها الناس، فلا يسفكن فيها دم، وإن الله تعالى أحلها لي ساعة، لم يحلها

стр. 78

الناس)) وقد اختلف هل يقام فيها حد؟ أو يهاج فيها جان؟ لأن عموم هذه الآية في الأمن، فقد عارضها خصوص، وقوله ﷺ : ((لا يعيد غاصبًا ولا فارًا بدم، ولا فارًا بخرية)). وقوله تعالى: ﴿أمنًا﴾ لفظ عام في أمان الناس والطير والبهائم، وقد خصص الشرع من ذلك أشياء، فلا خلاف بين العلماء أن الداجن كله من الإبل، والبقر، والغنم، والدجاج، ونحو ذلك يجوز للمحرم وغير المحرم ذبحه بمكة، ولذلك قال البخاري -رصي الله عنه-: ولم ير ابن عباس بالذبح بأسًا. وخصص الشرع أيضًا أشياء بما جاء في الحديث الصحيح وهو ((خمس فواسق)) وفي بعض الأحاديث ((ست)) وفي بعضها ((أربع)) واتفق الناس على القول بهذا التخصيص إلا أنهم في هذه الأشياء المخصصة هل تعلل إباحة قتلها في الحرم أم لا؟ فمنهم من نفى التعليل واقتصر على الخمس، ولم يتعدها إلى غيرها، وهم أهل الظاهر، ومنهم من رأى التعليل، إلا أنهم اختلفوا في العلة، فعلله مالك بالضرر، وعلله الشافعي بان لحومها لا تؤكل وبحسب ذلك طرد كل واحد علته. واختلفوا في صغار ما يحل قتله، هل يقتل ككباره أم لا؟ ففيه في المذهب قولان، فعلى القول بأنه لا يقتل يدخل تحت عموم الآية في الأمن، وعلى القول بأنه يقتل يخصص عموم الآية بعموم الحديث. وقال أبو الحسن الطبري: يحتمل أن يكون

стр. 79

جعلها مأمنًا بما جعل فيها من العلامة العظيمة على توحيد الله، وهو اختصاصه لها بما يوجب تعظيمها وذلك ما شوهد فيها من أمر الصيد، وذلك أنه يجمع بين الكلب والظبي، فلا يهيج الكلب الظبي ولا ينفره حتى إذا خرجا من الحرم عدا الكلب عليه وعاد إلى النفر والهرب. (١٢٥) - قوله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥] . يُقرأ: ((واتَّخِذُوا)) على الأمر، و ((اتَّخَذُوا)) على الخبر. وقال أنس بن مالك وغيره في معنى ذلك ما روي عن عمر ﵁ أنه قال: وافقت ربي في ثلاث: في الحجاب، وفي ﴿عسى ربه إن طلقكن﴾. وقلت: يا رسول الله! لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ فهذا أمر لأمة محمد ﵇، وقد قيل فيه غير هذا، واختلف في المقام، فقيل: هو الحجر الذي ارتفع عليه إبراهيم ﵇ حين بنى البيت وارتفع البناء، وضعف عن رفع الحجارة التي كان إسماعيل يناوله إياها. وقال الربيع بن أنس هو حجر ناولته إياه امرأته فاغتسل عليه فغرقت رجلاه فيه. وقال قوم من العلماء: المقام المسجد الحرام. وقال ابن عباس أيضًا: هو صلاته، وعلى هذا يأتي قول من قال: هو الحجر أو المسجد الحرام. ومن قال بغير ذلك قال: معناه هو مدعى، على الأصل في الصلاة، وقيل يصلى إليه. (١٢٥) - قوله تعالى: ﴿إن طهرا بيتي للطائفين﴾ [البقرة: ١٢٥] . طهرا، قيل: معناه ابنياه على نية طهارة أي أسساه على تقوى، وقيل:

стр. 80

طهراه من عبادة الأوثان، وقيل: طهراه من الفرث والدم، وقيل: طهراه من الشرك. (١٢٥) - وقوله: ﴿للطائفين﴾ [البقرة: ١٢٥] . قال عطاء: الطائفون أهل الطواف، وقال ابن جبير: هم الغرباء الطارئون على مكة، و ﴿العاكفين﴾ أهل البلد المقيمون. وقال عطاء: هم المجاورون بمكة. وقال ابن عباس: المصلون. وقال غيره: المعتكفون. و﴿الركع السجود﴾ [البقرة: ١٢٥] المصلون، كل مقيم عند البيت يريد وجه الله، فلا يخلو عن هذه الأحوال الثلاثة. وقال أبو الحسن: تدل هذه الآية من وجه على أن الطواف للغرباء أفضل والصلاة للمقيم بها من العاكفين أفضل، وتدل على اشتراط الطهارة في الطواف، وعلى جواز الصلاة في نفس الكعبة ردًا على مالك في منعه الفريضة فيها دون النفل، فأمره بتطهير نفس البيت يدل على أن الصلاة التي شرطت الطهارة فيها هي نفس البيت. وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله. (١٢٦) - قوله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنًا﴾ الآية [البقرة: ١٢٦] . قال أبو الحسن: معناه من القحط والغارة، لا على ما ظنه بعض الجهال من سفك الدماء في حق من لزمه القتل فإن ذلك بعيد كونه مقصودًا لإبراهيم ﵇ واختلف في تحريم مكة متى كان؟ فقالت فرقة: حرمها الله يوم خلق السماوات والأرض. وقالت فرقة: حرمها إبراهيم

стр. 81

والقول الأول على ما قاله النبي ﷺ في خطبته ثاني يوم الفتح. والثاني على ما قاله ﷺ أيضًا، فإنه قال في ((الصحيح)): ((اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وأنا حرمت المدينة ما بين لابتيها حرام)) ويجمع بين الحدثين بأن يقال في الثاني أن إبراهيم جدد تحريم مكة وأظهره بعد دثوره. وكذلك اختلف فيمن بناه؟ فقيل: آدم، ثم دثر فرفع قواعده إبراهيم. وقيل: إبراهيم ابتدأ بناءه، وقيل غير ذلك. وقد نص الله تعالى على أن إسماعيل رفعه مع إبراهيم. وذكر عن علي ﵁ أن إبراهيم رفعه وإسماعيل طفل صغير، ولا ينبغي أن يصح هذا عن علي، لأن الآية ترده. (١٢٨) - قوله تعالى: ﴿وتب علينا﴾ [البقرة: ١٢٨] . اختلف في معنى طلب إبراهيم وإسماعيل التوبة وهم معصومون فقيل: طلب الدوام والتثبيت، وقيل: أراد من بعدهما من ذريتهما، وقيل: أراد أن يسنا ويعلما أن تلك المواضع مكان التخلي من الذنوب، وطلب التوبة. وقال الطبري: ليس أحد من خلق الله إلا وبينه وبين الله عصمة الأنبياء في معنى التبليغومن الكبائر ومن الصغائر التي فيها زذيلة. واختلف في غير ذلك من الضغائر. والذي أقول به أنهم معصومون من الجميع. وقول النبي ﷺ : ((إني أتوب إلى الله تعالى في اليوم وأستغفره سبعين مرة)) إنما هو رجوعه من حالة إلى أرفع منها، لمزيد علمه واطلاعه على أمر الله، فهو يتوب من المنزلة الأولى إلى الأخرى، والتوبة هنا لغوية شرعية.

стр. 82

(١٣٠) - قوله تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه﴾ [البقرة: ١٣٠] . قال أبو الحسن: يدل على لزوم اتباع شرائع إبراهيم ما لم يثبت نسخ. وهو ال ١ ي قاله غيره، ويقوي حجة من ذهب إلى هذا قوله تعالى: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وهذه المسألة قد اختلف فيها اختلافًا كثيرًا. هل كان النبي ﷺ بعد بحثه متعبدًا بشريعة من قبله أم لا؟ والذين ذهبوا إلى أنه كان متعبدًا اختلفوا في الشريعة التي كان متعبدًا بها، فقال قوم: شريعة إبراهيم واحتجوا بما تقدم. وقال قوم: شريعة نوح واحتجوا بقوله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا﴾ [الشورى: ١٣] وقال قوم: شريعة موسى ﵇ واحتجوا بقوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هذى ونور﴾ الآية [المائدة: ٤٤]. وقال قوم: شريعة عيسى لأنها آخر الشرائع. والمختار أنه لم يتعبد ﷺ بشريعة، للإجماع أن هذه الشريعة ناسخة، والآيات التي ذكروها متعارضة، فسقط الاحتجاج بها. وأيضًا فإن ما فيها من المعاني يحتمل أن يجتمع على معنى واحد، وهو ما اتفق عليه الأنبياء من التوحيد، ولذلك قال النبي ﵇: ((أمهاتهم شتى ودينهم واحد)) يعني الأنبياء ﵈. وكذلك قوله تعالى: ﴿فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠] أراد به ذلك المعنى. وبهذا يبطل الاحتجاج بهذه الآية على أنه كان متعبدًا بشريعة من قبله، وكذلك اختلفوا هل كان قبل مبعثه متعبدًا بشريعة من قبله؟ فمن قال: كان متعبدًا [بشريعة] اختلفوا كالاختلاف المتقدم، وكل ذلك في العقل جائز، فالواقع منه غير معلوم قطعًا، بترجيح الظن لاى يتعلق به تعبد عملي لا معنى له.

стр. 83

(١٣٤) - قوله تعالى: ﴿لها ما كسبت ولكم ما كسبتم﴾ [البقرة: ١٣٤] . أثبت الله تعالى هنا للعبد كسبًا، وقد اختلف في فعل العبد، فالمعتزلة تجعله له، ولا تجعل لله فيه فعلًا، ورأوا أن الثواب والعقاب على ذلك ترتب، وخالفوا الإجماع، و [خالفت] الجبرية فنفت أفعال العبد، ولم تر له فعلًا، وجعلت الفعل كله لله، ورأته مجبورًا على ذلك فلزمهم إشكال الثواب والعقاب والتسوية بين حركة الاختيار وحركة الرعدة، وتوسط أهل السنة فنسبوا الفعل لله تعالى وجعلوا للعبد أيضًا فعلًا ما وسموه كسبًا اتباعًا لما جاء من نسبة الاكتساب، إلى العبد في القرآن والحديث، ووافقوا الإجماع، وفرقوا بين الحركتين المذكورتين، وانفصلوا عن إشكال الثواب والعقاب، وعلى هذا المذهب اعتراضات يصح الانفصال عنها بوجوه ليس هذا موضع ذكرها. وبهذا المذهب يتفق ما ورد في القرآن والحديث ما ظاهره مذهب المعتزلة كقوله تعالى: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ [فصلت: ١٧] وقوله ﷺ : ((فأبواه يهودانه أو ينصرانه)) وغير ذلك مما يكثر. وما ظاهره الجبر كقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾ [الأنعام: ٣٥] وقوله: ﴿ختم الله على قلوبهم﴾ [البقرة: ٧] وقوله ﷺ : ((السعيد سعيد في بطن أمه [والشقي شقي في بكن أمه])). وما ظاهره مذهب أهل السنة كقوله تعالى: ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا﴾ [الإسراء: ٧٤] وقوله: ﴿ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان

стр. 84

ربه﴾ [يوسف: ٢٤] وقوله: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ [الإنسان: ٣٠] ووجوه الأمة مجتمعة على قولهم لا حول ولا قوة إلا بالله. فوفق الله تعالى أهل السنة للأخذ بهذا المذهب الجامع لمعاني الآي والحديث، وذهبت بغيرهم الأهواء فأخذ كل فريق بمذهب على ما قدمنا فلزمهم [من] المناقضات ما لا يمكنهم الانفصال عنه. وبعضهم ينتهي في هذه المسألة إلى تكفير مخالفه ومذاهب الحذاق أنها ليست م المسائل التي يكفر بها. (١٣٩) - قوله تعالى: ﴿قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم﴾ الآية [البقرة: ١٣٩] . قال بعضهم: إن هذه الآية منسوخة بآية القتال، وهذا خبر فلا يدخله النسخ، وكذلك خبر الله عن النبي ﵇ بقوله: ﴿فقل لي عملي ولكم عملكم﴾ [يونس: ٣٥] خبر عن نوح وهذا كله إخبار عن حقائق الأشياء فلا يرد، لكنه يبقى في الآية الإشارة إلى المتاركة والمسالمة لمفهوم الخطاب، وقد نسخت المتاركة بالقتال فجاء النسخ في مفهوم الآية وفحواها. (١٤٤) - قوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٤٤] . هذه الآية لم تتتضمن النهي عن الصلاة إلى بيت المقدس فتكون ناسخة. وإنما تضمنت الأمر باستقبال الكعبة. والمفسرون بأجمعهم مطلقون عليها أنها ناسخة لقبلة بيت المقدس. فيحتمل أن الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- قد فهموا عند نزول هذه الآية باستقبال الكعبة من النبي ﷺ النهي عن استقبال بيت المقدس، إما بنص منه، أو بقرائن أحوال. فتبين

стр. 85

بذلك معنى الأمر، وأن مضمنه النهي عن القبلة الأخرى، ويكون هذا من النسخ مثل قولهم: إن آية المواريث نسخت الوصية للوالدين والأقربين، وإن شهر رمضان نسخ صوم يوم عاشوراء ونحو ذلك. ويحتمل أن يكونوا رأوا هذا ناسخًا حملًا للأمر بالشيء على أنه نهى عن ضده إذا كانت القبلتان لا يصح أن يجمع بينهما في صلاة واحدة. فهما كالمتضادين فعلى هذا ترتب النسخ. وإن جعلنا قوله تعالى: ﴿وما أنت بتابع قبلتهم﴾ خبرًا بمعنى النهي، فيكون معناه ولا تتبع قبلتهم أي لا تصل إليها يعني بيت المقدس إذا كانت قبلة لليهود، فيكون هذا نسخًا بينًا. وفي هذا كله نظر. ولا خلاف أن الكعبة قبلة من كل أفق وهو نص الآية. (١٤٨) - وقوله تعالى بعد هذا: ﴿ولكل وجهة هو موليها﴾ [البقرة: ١٤٨] . قال أبو الحسن: يفيد أن لكل قوم من المسلمين من أهل سائر الآفاق وجهة إلى جهات الكعبة، وراءها وقدامها، وعن يمينها وشمالها، كأنه أفاد أنه ليس جهة من جهاتها أولى بأن تكون قبلة من غيرها. وفيها أقوال غير هذا, وروي أن عبد الله بن عمر قال: إنما وُجه رسول الله ﷺ وأمته حيال ميزاب الكعبة، وهو قول لا يصح، إلا على تأويل. وقد قال ابن عباس وغيره: بل وُجه إلى البيت كله. ويحتمل قول ابن عمر على أن من كان يؤمن بالنبي ﷺ في ذلك الوقت من أهل البلاد والأصقاع إنما كانوا من ناحية ميزاب الكعبة، وهي قبلة المدينة والشام وإلى هناك قبلة أهل الأندلس. وقد اختلف في الصلاة داخل الكعبة فأجازها الشافعي جملة ومنعها ابن جرير جملة، ومنعها مالك في الفرض والسنة وأجازها في النفل. واختلف المانعون للصلاة فيها هل تجزئ من صلى الفرض فيها صلاته أم لا؟ فقيل: تجزئ، وقيل: يعيد أبدًا، والثلاثة

стр. 86

الأقوال في المذهب. ومن حجة من لم يجز شيئًا من الصلاة فيها أن المصلي غير مستقبل جمعيها، والله تعالى أمر باستقبالها فظاهره الحمل على الجميع، ومن حجة من أجاز أن من استقبل جزءًا منها فقد استقبلها. والفرق بين الفرض والسنة وبين النافلة، وهو في ((الموطأ)) و ((البخاري)) و ((مسلم)) وإن كان قد ورد أيضًا أنه لم يصل فيها. فإذا صح فيها النفل صح الفرض وأجزأ على قول من رآه ولو نقض البيت -وعائذًا بالله من ذلك- لجازت الصلاة إلى جهته خلافًا للشافعي لقوله تعالى: ﴿فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: ١٤٤] والاعتبار البقعة دون البيت. واختلف أيضًا في الثلاة فوق الكعبة، فقال أشهب: هو بمنزلة البطن ولا إعادة على من صلى الفرض هناك. وروي عن مالك أنه يعيد من فعل ذلك. ومنعه بان حبيب في النفل والفرض. وهو عنده بخلاف البطن. قال اللخمي: إنما ورد الخطاب في الصلاة إلى الكعبة ومن صلى عليها لم يصل إليها. واختلف فيمن غاب عن الكعبة ولزمه الاجتهاد فيها، هل يلزمه الاجتهاد في إصابة الجهة؟ وإصابة العين؟ على قولين. وقول القاضي أبي محمد وأكثر أصحاب مالك أنه يلزمه الاجتهاد في إصابة الجهة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ الآية، والشطر النحو والجهة. وهذه المسألة في الاجتهاد لا يمكن أن تتصور بمكة، لأنه يمكن التوصل إلى اليقين فيها وكذلك في المدينة، لأن قبلة النبي ﷺ فيها مقطوع بها فلا يصح مخالفتها لأنه ﷺ نصبها. وهذا كالنص منه عليها. وقد روى ابن القاسم عن مالك أن جبريل ﵇-

стр. 87

هو الذي أقام للنبي ﷺ قبلة مسجده. قال أبو الحسن: قوله تعالى: ﴿فولوا وجوهكم شطره﴾ خطاب لمن كان معاينًا للكعبة ولمن كان غائبًا عنها. والمراد ممن كان حاضرها إصابة عينها، ومن غاب عنها فلا يمكنه إصابة عينها. فلا يكلف ما لا يطيق، وإنما سبيله الاجتهاد فهو دليل على استعمال الأدلة، وهو سبيل القياس في الحوادث أيضًا ويدل على الأشبه من الحوادث حقيقة مطلوبة بالاجتهاد، ولذلك صح التكليف بطلب القبلة بالاجتهاد لأن لها حقيقة ولو لم يكن هناك قبلة حقيقية لم يصح تكليفنا بطلبها. (١٤٨) - قوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ [البقرة: ١٤٨] . يؤخذ منه أن تعجيل الطاعات أفضل من تأخيرها. ويحتج به من يرى الأمر على الفور، ولا حجة فيه لأنه بعد أمر، وفيه النزاع وفيه الحجة على من يرى الوقف في بعض الأمر، هل هو على الفور أو التراخي؟ ولا سيما على من يرى التوقف في المبادرة إلى الامتثال [هل هو ممتثل أم لا؟ ] ومثل هذه الآية: ﴿وسارعوا إلى نغفرة من ربكم﴾ [آل عمران: ١٣٣] وقوله: ﴿يسارعون في الخيرات﴾ [آل عمران: ١١٤]. (١٥٠) - قوله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم﴾ [البقرة: ١٥٠] . قال قوم هذا الاستثناء متصل والمعنى: لا حجة لأحد عليكم إلا

стр. 88

الحجة الداحضة للذين ظلموا، وسماها الله تعالى حجة وحكم بفسادها حيث كانت ممن ظلم. وقال قوم: هو استثناء منقطع، والمعنى لكن الذين ظلموا. وإن قلنا إنه استثناء من غير الجنس. وقد رده قوم منهم ابن خويز منداد، وتكلفوا لكا ما جاء من ذلك وجهًا، وقالاو: إن سمي استثناء فهو مجاز. وأثبته آخرون وقالوا: إنه ليس شرط الاستثناء أن يكون من الجنس واحتجوا بهذه الآية وبآي أُخر غيرها، كقوله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس﴾ [الحجر: ٣٠] وبقوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ﴾ [النساء: ٩٢] وبغير ذلك من الآيات. (١٥٤) - قوله تعالى: ﴿ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات﴾ الآية [البقرة: ١٥٤] . فيه دليل على إحياء الله تعالى الشهداء بعد موتهم لا حياة القيامة، فإنه قال: ﴿ولكن لا تشعرون﴾ وإذا كان الله يحيييهم بعد الموت ليرزقهم فيجوز أن يحيي المفار ليعذبهم، وفيه دليل على عذاب القبر وصحته خلافًا لمن نفاه من المعتزلة. وقد جاء في الححديث الصحيح: ((إنما نسمة المؤمن طائر يعلق من شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه)) فقد استوى

стр. 89

المؤمن الشهيد وغير الشهيد في الحياة بعد الموت، والفرق بينهما إنما هو الرزق، وذلك أن الله تعالى فضلهم بدوام حالهم في الدنيا فرزقهم. وعن النبي ﷺ في ذلك: ((أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من ثمار الجنة)) وروي ((أنهم في قبة خضراء)) وروي ((أنهم في قناديل من ذهب)) إلى غير ذلك، ويحتمل أن يكون اختلاف هذه الأحاديث بحسب اختلاف الشهداء، ولكل شهيد في أوقات مختلفة. وجمهور العلماء على أنهم في الجنة. والدليل على ذلك قول النبي ﷺ لأم حارثة في حديث السير ((إنه في الفردوس)). وقال مجاهد: هم خارج الجنة ويعلقون من شجرها. وفي هذا كله دليل على بقاء الأرواح بعد الموت، ورد القول الزنادقة الذين يرون أنها تفنى بفناء الأجساد. (١٥٨) - قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية [البقرة: ١٥٨] . وذهب بعضهم إلى أن معنى هذه الآية النهي عن الطواف بين الصفا والمروة وأنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه﴾ [البقرة: ١٣٠] وهذا قول من لا تحقيق عنده. وقال اللخمي: ورد القرآن بإباحة السعي بين الصفا والمروة لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليه أن

стр. 90

يطوف بهما﴾ [البقرة: ١٥٨] وتضمنت الآية الندب لقوله: ﴿من شعائر﴾ [البقرة: ١٥٨] وجاءت السنة بإيجابه؛ قالت عائشة ﵂: سن رسول الله ﷺ الطواف بين الصفا والمروة وليس لأحد أن يدع ذلك. وثبت الأمر به. قال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ : ((من لم يكن معه هذي فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج)) والحديثان في ((البخاري))، و ((مسلم)) وفي كلام اللخمي نظر؛ لأنه جعل السعي مباحًا مندوبًا بآية واحدة. وقال قوم من الشيوخ المتأخرين: قوله فيهما إنهما من شعائر الله دليل على الوجوب لأنه خبر في معنى الأمر، ولا دليل على سقوط السعي بقوله: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ لأنه تعالى لم يرد بالآية الطوافا لم شاء؛ لأن ذلك بعد الأمر لا يستقيم، إنما المراد رفع ما وقع في نفوس قوم من العرب أن الطواف بينهما حرج. واختلف في سبب ذلك الحرج، فروي أن الجن كانت تعزف وتطوف في الجاهلية لذلك، فلما جاء الإسلام تحرجوا عن الطواف. وروي عن الشعبي: أن العرب كانت تطوف هنالك، وكانت تعتقد ذلك السعي إجلالًا لإساف ونائلة، وكان الساعي يتمسح بإساف، فإذا بلغ المروة تمسح بنائلة وكذلك حتى تتم أشواطه، فلما جاء الإسلام كرهوا السعي هناك إذ كان بسبب الصنمين. وروي عن عائشة: أن ذلك في الأنصار، وذلك أنهم كانوا يهلون لمناة التي كانت بالمشلل حذو قديد ويعظمونها، فكانوا لا يطوفون بين إساف ونائلة إجلالًا لتلك، فلما جاء الإسلام تحرجوا فنزلت الآية. وما روي عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وشهر بن حوشب، من أنهم يرون ألا يطوفوا بهما وكذلك في

стр. 91

مصحف ابن مسعود وأبي بن كعب: ((ألا يطوف)) وقيل: ((لا يطوف)) فهي قراءة خالفت مصاحف الإسلام، وقد أنكرت عائشة في قولها لعروة حين قال لها: أرأيت قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ فما ترين على أحد شيئًا ألا يطوف بهما؟ قالت: كلا لو كان كما قلت لقال: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما. مع أن هذه القراءة تحتمل أن تكون ((لا)) فيها زائدة كقوله تعالى: ﴿ما منعك ألا تسجد﴾ [الأعراف: ١٢] وكقول الشاعر: وما ألوم البيض ألا تسخرا ... . . . . . . . . . . . . . . . والذي يأتي على ظاهر هذه القراءة، تأويل عروة أن السعي تطوع وأنه دون الندب. ولأجل هذه التأويلات وقع الاختلاف في السعي بين الصفا والمروة. فذهب مالك وأصحابه إلى أنه واجب في الحج والعمرة وعلى من تركه حتى يرجع إلى بلده العودة حتى يأتي به. وبه قال الشافعي، وذهب الثوري وإسحاق إلى أنه ندب، وأن على من تركه الدم وإن عاد فحسن. وذكر مثله عن أبي حنيفة، وذكر عنه أنه إن ترك أكثر من ثلاثة أشواط فعليه دم، وإن ترك ثلاثة فأقل فعليه بكل شوط إطعام مسكين. وذهب طاووس إلى أن على تاركه عمرة. وذكر ابن القصار عن إسماعيل القاضي أنه ذكر عن مالك فيمن ترك السعي بين الصفا والمروة حتى تباعد وتطاول الأمر وأصاب النساء أنه يهدي ويجزيه، قال: وأحسبه ذهب في ذلك إلى ما وصفنا للاختلاف، ولقول بعضهم إنه ليس بواجب. وقال بعضهم

стр. 92

إنه تطوع. وهذا هو قول الثوري، وإسحاق، وذهب عطاء في إحدى الروايتين عنه إلى أنه ليس على تاركه شيء، لا دم ولا غيره، واحتج بما في مصحف ابن مسعود. وظاهر هذا أنه تطوع لا ندب. ويدل على وجوب السعي، ويؤيد تأويل الآية عليه قوله ﵇: ((اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي)). (١٥٨) - قوله: ﴿فمن تطوع خيرًا﴾ [البقرة: ١٥٨] . معناه على قول من لا يوجب السعي فمن تطوع بالسعي بينهما، واختلف من أوجبه في معناه من أوجه؛ فقال بعضهم: زاد برًا بعد الواجب فجعلوه عامًا في الأعمال. وقال بعضهم: معناه من تطوع بحج أو عمرة بعد حجة الفريضة. وقد اختلف في السعي لمن هو راكب فكرهته عائشة وعروة بن الزبير، وأحمد، وإسحاق، ومنعه أبو ثور وقال: يجزيه. وقال أصحاب الرأي: إن كان بمكة أعاد ولا دم وإن رجع إلى الكوفة فعليه الدم، ورخصت فيه طائفة، وري عن أنس بن مالك أنه طاف على حمار، وعن عطاء ومجاهد مثله. وقال الشافعي يجزي ذلك من فعله. ومن حجة من رخص فيه أو رآه مجزيًا عموم قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ ولم يخص راكبًا من غيره. واختلف في السعي بغير طهارة والجمهور على أنه يجزي لعموم الآية. وكان الحسن البصري لا يرى الوضوء له. وقال: إن ذكر قبل أن يحل فليعد الطواف، وإن ذكر بعدما حل فلا شيء عليه.

стр. 93

(١٥٨) - وقوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية [البقرة: ١٥٨] . ليس فيها ما يستدل به على أن البداءة من الصفا دون المروة ولا عكسه، سوى التقديم اللفظي، ولم يعتبره أكثر الفقهاء في مسألة الوصية ولم يروا للتقديم اللفظي حكمًا، ولكنهم قد راعوه في هذا الآية فرأوا البداية بالصفا. وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال حين خرج من المسجد، وهو يريد الطواف: ((نبدأ بما بدأ الله به)) فبدأ بالصفا. فهذا يدل على اعتباره التقديم اللفظي ما لم يعارضه معنى آخر يقتضي التقديم, هذا كله على المشهور من أن الواو لا تقتضي ترتيبًا. وقد ذهب قوم إلى أنها مرتبة، ولأجل هذا اختلفوا في وجوب الترتيب في الوضوء. فإن بدأ بالمروة قبل الصفا زاد شوطًا ثامنًا ليتم به سبعًا أولها الوقوف بالصفا. وقال عطاء في أحد قوليه: إن ذلك يجزي الجاهل. وحكم هذا السعي أن يكون مرة واحدة بإثر طواف القدوم كما بينه النبي ﷺ ، والطواف المذكور في الآية هو السعي. والسعي المذكور هو الاشتداد في المشي والهرولة. ولا خلاف في السعي في المسافة كلها بين الصفا والمروة، منهم الزبير بن العوام، وابنه عبد الله، وكان عروة لا يصنع ذلك، كان يسعى في بطن المسيل ثم يمشي، وفي حديث ((الموطأ)): نزل رسول الله ﷺ بين الصفا والمروة، فلما تصوبت أقدامه في بطن الوادي سعى حتى خرج منه. وقال سعيد بن جبير: رأيت ابن عمر يمشي بين الصفا والمروة. وقال: إن مشيت منذ رأيت رسول الله ﷺ يسعى. والعمل عند جمهور العلماء على ما في الحديث المتقدم، والحديث مفسر، فالجمع بين الحديث والآية أولى. واختلف في أصل السعي، فقيل:

стр. 94

إن هاجر لما تركها إبراهيم ﵇ هناك مع ابنه إسماعيل ﵇ وهو رضيع نفد درها، فعطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه. وقيل لتنظر هل بالموضع ماء فوجدت الصفا أقرب جبل بها فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا فهبطت من الصفا حتى بلغت المروة رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي. ثم أتت المروة، فقامت عليها ونظرت فلم تر أحدًا فعلت كذلك سبع مرات. وقيل: إنه من فعل النبي ﷺ . وذكر الترمذي عن ابن عباس أن ذلك ليرى المشركون قوته. (١٥٩) - قوله تعالى: ﴿إن الذين يكتمن ما أنزلنا﴾ الآية [البقرة: ١٥٩] . قال بعض الناس نسخها قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ وهذا فاسد لأنه وعيد، ولا نسخ في الوعيد. ولأنه خاص متصل بعام فهو بيان لا نسخ، وكان سبب هذه الآية أن قومًا من اليهود سئلوا عن أمة محمد ﷺ ، وما وقع من ذكره في كتبهم فكتموا ذلك، فنزلت الآية عامة. وقد جاء عن النبي ﷺ ما يخصص عمومها قال ﵇: ((من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار)) وهذه

стр. 95

الآية أراد عثمان ﵁ في قوله: لأحدثنكم حديثًا لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه, من رواه: لولا أنه في كتاب الله، فمعنى آخر، وكذلك قول أبي هريرة في حديث: لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم حديثًا. وقد يخص من هذه الآية من كتم علمًا خوف ضرر كما قال أبو هريرة حين قال: حفظت عن رسول الله ﷺ وعاءين؛ أما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلم أبثه قطع هذا البلعوم. وقال أو الحسن: هذه الآية مع أمثالها في القرآن تدل على وجوب إظهار العلم وتبيينه للناس وعم ذلك المنصوص عليه والمستنبط لشمول لفظ ((الهدى)) للجميع. وفيه دليل على وجوب قبول قول الواحد لأنه لا يجب عليه البيان إلا وقد وجب قبول قوله. وقال: ﴿إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا﴾ [البقرة: ١٦٠] فحكم بوقوع البيان بخبرهم. فإن قيل: يجوز أن يكون كل واحد منهم منهيًا عن الكتمان ومأمورًا بالبيان ليكثر المخبرون فيتواتر [بهم] الخبر قلنا: هذا غلط لأنهم لم ينهوا عن الكتمان إلا وهم ممن يجوز عليهم التواطؤ، عليه ومتى جاز منهم التواطؤ على الكتمان، لم يبلغوا حد التواطؤ عليه ومتى جاز منهم النواطؤ على الكتمان لم يبلغوا حد التواتر على النقل، فلا يكون خبرهم موجبًا للعلم. ودلت الآية أيضًا على لزوم إظهار العلم، وترك كتمانه ومنع أخذ الأجرة عليه إذ لا تستحق الأجرة على ما يجب فعله، كما لا تستحق الأجرة على الإسلام. وقال تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنًا قليلًا﴾ [البقرة: ١٧٤] وذلك يمنع أخذ الأجرة على الإظهار وترك الكتمان لأن قوله: ﴿ويشترون به ثمنًا قليلًا﴾ مانع من أخذ الأجرة على الإظهار وترك الكتمان لأن قوله: ﴿ويشترون به ثمنًا قليلًا﴾ مانع من أخذ البدل عليه من سائر الوجوه إذ كان الثمن في اللغة هو البدل.

стр. 96

(١٢٨) - قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ [البقرة: ١٦٠] . يدل على أن التوبة من الكتمان إنما تكون بالإظهار والبيان. وأنه لا يكفي في صحة التوبة مجرد الندم على الكتمان فيما سلف، دون البيان فيما يستقبل. قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار﴾ الآية [البقرة: ١٦٠] فيه دليل على أن للمسلمين لعن من مات كافرًا. وأن زوال التكليف بالموت لا يسقط عنه الزجر مذمة لعن المسلمين، وكذلك إذا جن الكافر لأنه ليس لعننا له بطريق الزجر عن الكفر بل هي جزاء على الكفر وإظهار لقبحه. وقد قال قوم من السلف: إنه لا فائدة في لعن من جن أو مات منهم لا بطريق الجزاء ولا بطريق الزجر فإنه لا يتأثر به. والمراد بالآية على هذا المعنى أن الناس يلعنونه يوم القيامة ليتأثر بذلك ويتضرر ويتألم قلبه فيكون ذلك جزاءً على كفره، كما قال تعالى: ﴿ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضًا ومأواكم النار﴾ [العنكبوت: ٢٥] ويدل على هذا القول أن المراد بالآية الإخبار عن الله تعالى بلعنهم لا الأمر بذلك. (١٦٤) - قوله تعالى: ﴿إن في خلق السماوات والأرض﴾ الآية [البقرة: ١٦٤] . فيه بيان توحيده في أفعاله، وأمر لنا بالاستدلال بها ردًا على من نفى حجج العقول، وهو طريق أهل السنة قديمًا، ومن الاستدلال على وجود الصانع بحدوث الأجسام والجواهر والأعراض. وقوله: ﴿والفلك التي تجري في البحر﴾ الآية [البقرة: ١٦٤] فيه دليل إباحة ركوب البحر تاجرًا أو غازيًا وطالبًا صنوف المآرب. وقال في موضع آخر: ﴿هو الذي يسيركم في البر والبحر﴾ [يونس: ٢٢] وقال في موضع آخر:

стр. 97

﴿ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله﴾ [الإسراء: ٦٢] فقد انتظم مما ذكر التجارة وغيرها. كقوله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ [الجمعة: ١٠] ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم﴾ [البقرة: ١٩٨] وقد منع عمر ﵁ من ركوبه فلم يركبه أحد طول حياته، وكذلك منعه أيضًا عمر بن عبد العزيز، وقد أسقط الشافعي في أحد قوليه فرض الحج على من طريقه إليه على البحر. وروي عن مالك مثله، والذي عليه الجمهور خلاف هذا وظاهر الآيات المذكورة يعضد ما ذهبوا إليه، وكذلك قوله ﵊ في حديث أم حرام بنت ملحان: ((عجبت من قوم من أمتي يرطبون البحر كالملوك على أسرة)) الحديث. وقوله تعالى: ﴿وما أنزل الله من السماء من ماء﴾ [البقرة: ١٦٤] يدل على أن الماء كله إنما هو في السماء. وقوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض﴾ [المؤمنون: ١٨] وهذا كله يرد على من يعتقد أن ماء السحاب إنما هو من البحر ولا حجة في قوله ﵇: ((بحرية)) يحتمل أن يريد من ناحية البخر، وكذلك قول أبي ذؤيب يصف السحاب: شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن ثبيج

стр. 98

لا حجة فيه، وكلهم يعتقدون أن المطر من البحر، والحجة فيما جاء عن الشرع لا عمن سواه. قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل تنبع ما ألفينا عليه آباءنا﴾ [البقرة: ١٧٠]. في هذه الآية دليل على إبطال التقليد وفساد رأي من يرى أنه حجة. قوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ الآية [البقرة: ١٧٣]. في هذه الآية لفظ عام، وقد جاءت أخبار آحاد تقتضي تخصيصه، وفي هذا التخصيص خلاف بين الأصوليين، والمختار جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وقد سمى بعضهم هذا التخصيص لهذه الآية نسخًا. وكذلك قوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ١٧٣]، نسخًا، وهذا غير صحيح، وقد تقدم الكلام على مثله. ولم يختلف أن ميتة كل حيوان بري له نفس سائلة داخل تحت هذا العموم في قوله ﴿حرم عليكم الميتة﴾ واختلف فيما مات من حيوان البحر دون سبب فطفا عليه أو لفظه البحر ميتًا. فالمذهب أنه يؤكل. وقال أبو حنيفة: لا يؤكل. وروي عن الثوري أنه لا يؤكل من ذلك إلا السمكة، وما عدا ذلك فلا بد أن يذكى. وذكر ابن عبد البر عن أبي حنيفة أنه لا يؤكل كل شيء من حيوان البحر إلا السمك ولا يؤكل الطافي منه. ولا شك أن عموم الآية في تحريم الميتة شامل لميتة البحر وغيره إلا أنه قد جاءت الآية الأخرى، وهي قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ [المائدة: ٩٦] وجاءت الأحاديث بحلية ميتة حيوان البحر. وقد روى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((أحلت لنا ميتتان ودمان:

стр. 99

السمك والجراد، أما الدمان: الكبد الطحال)) وقد روى عمر بن زياد في قصة جيش الخبط عن جابر: أن البحر ألقى إليهم حوتًا فأكلوا منه نصف شهر فلما رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه، فقال: ((أعندكم منه شيء تطعمونني؟ )) وقال ابن عبد البر في حديث جابر: إنه حديث مجمع على صحته. فمن الناس من لم ير التخصيص جملة واعتمد على عموم تحريم الميتة، [ومنهم من اعتمد على النخصيص بالخبر]، ومنهم من اعتمد على التخصيص بالآية الأخرى وإليه يشير مذهب ابن عمر في ((الموطأ)). قال أبو الحسن: وبالجملة الخبر عام أيضًا. ويريد في الطافي وغيره والكتاب عام فإذا وقع البيان في الطافي لم يصح الاستدلال بعموم الخبر على عموم الكتاب. قال: قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ الآية [المائدة: ٩٦]، عام أيضًا لا يصلح لتخصيص عموم تحريم الميتة. ويريد أبو الحسن أنهما عمومان تعارضا فتخصيص أحدهما بالآخر لا يتضح وجهه. قال: ومما استدل به المخصصون من الأخبار قوله ﵇-

стр. 100

في حديث جابر بن سليم الزرقي، عن سعيد بن سلمة، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال في البحر: ((هو الطهوار ماؤه الحل ميتته)) قال: وسعيد بن أبي سلمة مجهول غير معروف بالتثبت. وقد خالفه في سنده يحيى بن سعيد الأنصاري فرواه عن المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة عن أبيه، عن النبي ﷺ . ومثل هذا الخلاف في السند يوجب اضطراب الحديث، وغير جائز تخصيص آية محكمة به. وأما الترمذي فذكر حديث ابن سلمة المذكور وقال فيه: ((حسن صحيح)). وروى الرازي في ((أحكام القرآن)) بإسناد متصل عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال: ((ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه)).

стр. 101

وروى بإشناد آخر، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا صدتموه وهو حي فكلوه وما ألقى البحر حيًا فمات فكلوه، وما ألقى البحر طافيًا فلا تأكلوه)). وجاء بإسناد أخر، عن جابر ((ما وجدتموه وهو حي فكلوه وما ألقى البحر طافيًا فلا تأكلوه)). وبالجملة هذه الأخبار لا تعرف صحتها على ما يجب، ولكن الإشكال في عموم كتاب الله تعالى، ويقابله أن عموم كتاب الله اتفق الأئمة على تطرق التخصيص إليه في غير الطافي من ميتات السمك. فلم يبق وجه العموم معمولًا به في الطافي. وروى أصحابنا عن سعيد بن بشير عن أبي

стр. 102

عياش عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: ((كل مما طفا على البحر)) وأبان بن أبي عياش ليس هو ممن يثبت ذلك بروايته. وقال شعبة: لأن أزني سبعين زنية أحب إلي من أن أروي عن أبان بن عياش شيئًا. واختلف الذين ذهبوا إلى أكل ما مات من دواب البحر بغير سبب في حيوان البحر إذا كانت له حياة في البر كالضفادع، والسلحفاة، ففي المذاهب ثلاثة أقوال: أحدها أنه يؤكل بغير ذكاة فهو ميتة، وأنه مخصوص من عموم الآية وهو المشهور، وقيل: لا يؤكل إلا بذكاة وما مات منه بغير ذكاة فهو ميتة، داخل تحت عموم الآية، وقيل: ما كان مأواه البر فإنه لا يؤكل إلا بذكاة وإن كان يعيش في الماء. واختلف في كل حيوان بري ليست له نفس سائلة هل يؤكل بغير ذكاة أم لا؟ وذلك مثل الخنفساء، والزنبور، والذر، والحلم، والذباب، والسوس، والدود، والبعوض، والحلزون. ففي المذهب قولان: أحدهما: الجواز وهو مذهب عبد الوهاب، لأن التحريم ورد فيما كانوا يذبحون ويأكلون من الأنعام دون هذه الأشياء، ويؤيد ذلك قوله ﵇: ((إذ وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء)) أخرجه البخاري. وفي حديث آخر أنه

стр. 103

((يبدأ بالذي فيه الداء)). ولو كان مما يحتاج إلى ذكاة لم يأمر بذلك. وكذلك اختلف فيما مات من الجراد بغير سبب. فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه يؤكل. وإليه ذهب محمد بن عبد الحكم، ومطرف، وابن نافع. وذهب مالك وأكثر أصحابه إلى أنه لا يؤكل وحجتهم عموم الآية في التحريم. وحجة الجواز ما جاء من قوله ﵇: ((أحلت لنا ميتتان)) الحديث. وخصصوا به عموم الآية. قال اللخمي: ولا وجه للاحتجاج بأنه نثرة حوت لوجهين: أحدهما: لا يعرف إلا من قول كعب الأحبار يخبر عما في كتبهم، ولا خلاف أنه لا يجب العمل بمثل هذا ولا تعبدنا بمثله. والثاني: أنه الآن من صيد البر ففيه يخلق، وفيه يسكن، فلم لاعتبار الأصل فيه وجه لو صح ذلك. وقد حكم عمر بن الخطاب على المحرم فيه بالجزاء وجعله من صيد البر. وهذا الذي قاله اللخمي وجه صحيح وقد خرج الترمذي في ((الصحيح)) عن النبي ﷺ : ((كلوه فإنما هو من صيد البحر)) وقد اختلف الذاهبون إلى جواز أكل ميتته من غير ذكاة في ذلك، فقيل: العلة أنها من صيد البحر، وقيل: العلة أنها لا لحم لها ولا دم سائل. فمن علل بالعلة الأولى أوجب الذكاة فيما لا لحم له ولا دم سائل، ومن علل بالعلة الثانية لم يوجب الذكاة فيه. وأما الذين ذهبوا إلى أنه لا تؤكل

стр. 104

ميتتها فعلتهم عموم الآية وعلى هذا الخلاف يترتب الخلاف في الجراد يقتله المحرم هل يهدى أم لا؟ أيجوز أكل ما صاده المجوسي منه أم لا؟ وهل يحتاج إلا التسمية عند ذكاته؟ وهل إن وقع في قدر فاحترق هل تكون ذكاته أم لا؟ وقد جاءت عن النبي ﷺ أحاديث نحو ما تقدم في الجراد، قال رسول الله ﷺ : ((أكثر جنود الله لا آكله ولا أحرمه)) وقال عطاء عن جابر: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات فأصبنا جرادًا فأكلناه. وقال عبد الله بن أبي أوفى: غزوت مع رسول الله ﷺ ناكل الجراد ولا نأكل غيره. وكانت عائشة ﵂ تأكل الجراد، وتقول: كان رسول الله صلى الله علسه وسلم يأكله. وقال أبو الحسن: وهذه الأخبار مستعملة بإجماع في تخصيص بعض ما يتناوله عموم الكتاب من السمك والجراد. وذلك يدل على بطلان مذهب ما يتناوله عموم الكتاب من السمك والجراد. وذلك يدل على بطلان مذهب مالك في الجراد، ومذهب أبي حنيفة في الطافي، لأن إسالة الدم إذا لم تعتبر فأي معنى لاشتراط الذكاة في النوعين؟ وأي أثر لفعل الآدمي في اصطياده؟ والذين ذهبوا إلى أن الجراد لا يؤكل إلا ما مات منه بسبب اختلفوا في أشياء تفعل به رآها بعضهم ذكاة وبعضهم لم يرها. فقال سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وابن وهب: أخذه ذكاة. والمشهور من المذهب أن الأخذ لا يكون ذكاة. واختلفوا في وضعه في

стр. 105

الغرائز. فذهب ابن وهب إلى أنه ذكاة، وذهب ابن القاسم إلى أنه ليس بذكاة. واختلفوا في قطع الأرجل والأجنحة، فذهب ابن القاسم إلى أن ذلك ذكاة، وذهب أشهب إلى أنه غير ذكاة، لأن الجراد قد يعيش مع ذلك وينسل. اختلفوا في طرحه في الماء البارد، فذهب ابن القاسم إلى أنه ذكاة، وذهب سحنون إلى أنه لا يكون ذكاة. ولم يختلف من رأى الذكاة فيه أن كل فعل يموت منه معجلًا، أنه ذكاة كقطع الرؤوس، أو نقر الجراد بالشوك، أو طرحه في الماء الحار والنار وما أشبه ذلك. فإذا فعل به هذا لم يكن داخلًا في عموم الآية باتفاق وغير ذلك من الأفعال. فمن لم يره ذكاة رأى عموم الآية منسحبًا عليه فحرمه، ومن رآه ذكاة لم ير عموم الآية منسحبًا عليه فأحله لأنه مذكى. وقوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم﴾ [البقرة: ١٧٣] عين الميتة لا يتصف بالتحريم وإنما يحرم فعل ما يتعلق بالعين ويبقى النظر في ذلك الفعل ما هو؟ هل مسها؟ أو أكلها؟ أو النظر إليها؟ أو منعها؟ أو الانتفاع بها؟ فمن الناس من ذهب إلى أنه مجمل لتردده بين هذه الأشياء، ومنهم من قال: عرف الاستعمال لهذا اللفظ قد قام مقام النص لأنه من قيل له: حرم عليك الطعام والشراب، فبالعرف يعرف أنه أراد اللبس، وهذا صريح مقطوع به عندهم فلا يصح أن يكون مجملًا، والقول بالعموم باطل لأن العموم إنما هو من حكم اللفظ. والعموم المدعى في هذا إنما هو في المقتضى أعني اللقظ المضمر المقدر، وإذا كان لم يلفظ به فكيف يكون عامًا؟ ولأجل هذه الاحتمالات المتقدمة في اللفظ، مع ما ورد في ذلك من الأحاديث،

стр. 106

اختلف الفقهاء في أشياء من الميتة. ومن ذلك جلدها وردت فيه أحاديث مختلفة منها حديث ميمونة في الشاة الميتة التي مر بها النبي ﷺ فقال: ((أفلا انتفعتم بجلدها؟ )) فقالوا: يا رسول الله! إنها ميتة، فقال: ((إنما حرك أكلها)) فأباح الانتفاع جملة ولم يذكر الدباغ. وقال في حديث عبد الله بن عكيم: أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلمم قبل موته بشهرين فقال: ((لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)) فمنع الانتفاع [بجلد الميتة] ولم يذكر دباغًا. وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر)) فقد ذكر في هذا الحديث الدباغ، وقد ورد في بعض روايات حديث ميمونة ذكر الدباغ. فمن الناس من اعتمد على حديث ميمونة الذي سقط منه ذكر الدباغ وخصص به عموم الآية أو بين فيه مجملها، ورآه ناسخًا لسائر الأحاديث فأجاز الانتفاع بجلد الميتة قبل الدباغ وبعده، وهو قول ابن شهاب. وذكر عن الليث نحوه في إجازة بيعه، وقد ذكر عن ابن شهاب أنه

стр. 107

روى الحديث مؤيدًا بالدباغ، ولعله نسي ما رواه. ومنهم من اعتمد على حديث عبد الله بن عكيم الذي سقط منه ذكر الدباغ أيضًا وخص به عموم الآية وبين مجملها، ورآه ناسخًا لحديث ابن عباس في الدباغ ولحديث ميمونة. ومنهم من اعتمد حديث ابن عباس في الدباغ، وخصص به عموم الآية وبين مجملها، وجمع به بين الأحاديث حتى لا تختلف ولا تتعارض. وهو مذهب الجمهور إلا أنهم اختلفوا في أي الجلود يكون هذا فمنهم من قال: في كل جلد، واعتمداو على عموم قوله ﷺ : ((أيما إهاب)) الحديث المفسر للآية. ومنهم من قال: في كل جلد إلا جلد الخنزير. ومنهم من قال: إلا جلد الكلب، ومنهم من قال: إلا جلد ما لا يؤكل لحمه. ومنهم من قال: لا يؤثر الدباغ إلا في جلود الأنعام خاصة وما عدا ذلك من ميتات الوحوش وغيرها فلا يؤثر فيها. وهذه الأقوال في المذهب. وقال من استثنى الخنزير إن العموم مخصص بالعادة ولم يكن من عادتهم اقتناء الخنازير حتى تموت فيدبغوا جلودها وقال بعضهم: لا جلد للخنزير. وقال من استثنى الخنزير والكلب: إن الكلب أيضًا لم يكن من عادتهم استعمال جلده. وفي التخصيص بالعادة خلاف بين الأصوليين. قال بعضهم: بل يخصص هذا العموم بقوله ﵇: ((دباغ الأديم ذكاته)). فأحل الدباغ محل الذكاة فوجب أن لا يؤثر الدباغ إلا فيما تؤثر فيه الذكاة. والذكاة إنما تؤثر عندنا فيما يستباح لحمه لأن قصد

стр. 108

الشرع بها استباحة اللحم، فإذا لم يستبح اللحم لم تصح الذكاة، وإذا لم تصح الذكاة لم يصرح الدباغ المشبه به. وقول هذا القائل: إن الذكاة إنما تؤثر فيما يستباح لحمه أصل مختلف فيه، وقد قيل: إنها تؤثر فيما لا يستباح لحمه، فعلى هذا يجيء الخلاف في استعمال جلودها إذا كانت ذكيت، وقد قال بعض من انتصر لهذا القول ف يجلد الخنزير: إن التحريم تأكيد في الخنزير واختص بنص القرآن، فلهذا لم تفعل الذكاة فيه. فلما تقاصر عنه في التحريم ما سواه لم يلحق به تأثير الدباغ، وقد سلك في هذه الطريقة أيضًا أصحاب الشافعي، ورأوا أن الكلب خص من الشارع أيضًا بتغليظ لم يرد فيما سواه من الحيوان فألحق بالخنزير. وقال من قصر ذلك على الجلد ما يؤكل لحمه: إن حديث ميمونة خرج على سبب وهو شاة فيقصر على سببه، ويلحق بهذا السبب البقرة والبعير، وشبه ذلك للإتفاق على أن ذلك حكم الشاة. وقال من قصر ذلك على جلود الأنعام: الإهاب جلد الغنم والبقر والإبل، وما عداه فإنما يقال له جلد، لا إهاب، حكاه المضر بنشميل. وقال إسحاق بن راهويه: هو كما قال النضر، وقال أحمد بن حنبل: لا أعرف ما قال النضر. وقال بن عبد البر: لا يمتنع أن يكون الإهاب اسمًا جامعًا للجلود كلها، ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل؛ لأن ابن عباس روى حديث شاة ميمونة، ثم روى عموم الخبر في كل إهاب. وقد قال المازري: من سلم أن الجلد حي دخل في ظاهر الآية، وكان ما ورد من الأحاديث بتخصيصه تخصيصًا لعموم القرآن بالآحاد. وفي ذلك اختلاف بين الأصوليين. وفيما قاله نظر، وإن لم تحله الحياة في جزء من الميتة، والجزء من الميتة ميتة، فلا معنى لاعتبار الحياة، هل تحله أم لا؟ واتفق كل من رأى

стр. 109

أن الدباغ مؤثر في جواز الانتفاع على أنه يؤثر في انتساب الطهارة الكاملة سوى مالك، فعنه مثل ذلك، وعنه إنما يؤثر في استعماله في اليابسات دون المانعات، والقول بطهارته في الجميع أحسن لحديث سودة زوج النبي ﷺ قالت: ((ماتت شاة لنا فدبغنا مسكها، ثم ما زلنا ننبذ فيه حتى صار شنة)) أخرجه البخاري. وقد اختلف في بيع جلد الميتة، فأجازه الليث قبل الدبغ وبعده، وعليه يأتي قول ابن شهاب، وقيل: لا يجوز لا قبل الدبغ ولا بعده، وهي رواية عن مالك مشهورة، وقيل: لا يجوز قبل الدبغ، ويجوز بعده، وهي رواية عن مالك أيضًا. قال الباجي: في قول مالك إنه لا يجوز قبل الدبغ وبعده: يحتمل أن يكون ذلك على سبيل الاستحباب، ويكون وجه ذلك التعلق بظاهر قوله ﵇: ((هلا انتفعتم بجلدها)) ولم يشترط دباغًا ولا غيره. ومن ذلك عظام الميتة جاز بيعها. واختلف أيضًا في القرن والظلف، فكرهه مالك، وقال: أراه ميتة، وقال ابن المواز: ما قطع منها مما يناله لحم ولا دم وما كان حيًا لا يؤلم فهو حلال أخذه منها حية أو ميتة، وعلى هذا يجري الجواب فيما قطع من الظفر إذا قطع من الأنامل.

стр. 110

ومذهب أبي حنيفة أنه طاهر على نحو قول ابن المواز. قال بعضهم في توجيه قول مالك أنه مثل الذي أخذ منه ميتة، وأنه تحله الحياة، فإذا فارقته صار ميتة، واحتج لكونه تحله الحياة بقوله تعالى: ﴿قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾ [يس: ٧٨]، فدل على أن في العظام روحًا؛ لأن إعادة الحياة لا تكون إلا فيما كان حيًا ثم مات. وحجة أبي حنيفة أنه ليس بميتة أنه لا تحله الحياة فتفارقه، فيكون ميتًا، وتأول قوله تعالى: ﴿قال من يحيي العظام وهي رميم)) على أنه أراد أصحاب العظام فجعل هذا من لحن الخطاب، ولا معنى لاعتبار الحياة في العظم لأنه باتفاق جزء من الميتة، وإنما يرجع النظر إلى الانتفاع بالميتة هل يجوز أم لا؟ وما مقصود الآية من ذلك. ومن ذلك شعر الميتة وصوفها كان مما يؤكل لحمها أم لا كشعر بني آدم وشعر الكلب والخنزير. اختلفوا فيه فذهب مالك وأكثر أصحابه والشافعي في أحد أقواله وغيره إلى أنها نجسة. وقال أصبغ: هي طاهرة إلا شعر الحنزير. وقال أبو حنيفة والشافعي في أحد أقواله: شعور بني آدم طاهرة، وما عداه نجسة، ومأحذ الخلاف في قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ هل هو راجع إلى الأكل أو إلى سائر المنافع على الإطلاق؟ أو إلى بعضها على حسب ما يعضد ذلك من الظواهر الواردة في الشرع؟ وقد استدل بعضهم لطهارتها بقوله تعالى: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين﴾ [النحل: ٨٠] فعم ولم يفرق بين شعر الميتة وغيره. قال أبو الحسن: واقتضى أيضًا ظاهر الأية تحريم الانتفاع بدهن الميتة. وروى فيه محمد بن إسحاق عن عطاء، عن جابر قال: لما قدم رسول الله ﷺ مكة أتاه أصحاب الصليب الذين يجمعون الأوداك. قالوا: يا رسول الله إنا نجمع الأوداك وهي الميتة وغيرها وإنما
следующие страницы →