Полный текст (2 181 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
واضربوا واضربي، واغز وارم واخش، كما تقول: لم يضرب ولم يضربا ولم يضربوا ولم تضربي، ولم يغز ولم يرم ولم يخش.
(ومنها لا الطلبية) - ولا تجزم إلا واحداً، واحترز بالطلبية من النافية، فلا تعمل هذا العمل؛ ودخل في الطلبية الناهية نحو: لا تضرب زيداً، والتي للدعاء: "ربنا لا تؤاخذنا"؛ ومن شاذ ما قيل، أن لا الطلبية هي لام الطلب، زيدت عليها الألف، فرقاً بين الإيجاب والنفي، وفتحت اللام لأجل الألف؛ ومنه أيضاً قول السهيلي: إن لا هذه هي النافية، وأن الجزم بلام محذوفة، ولا زائدة بين الجازم والمجزوم لقصد النفي، كما زيدت بين الجار والمجرور في: جئت بلا زاد، وبين الجازم والمجزوم في: إن لا تضرب زيداً يأتك؛ على أن من النحويين من زعم أن لا هذه ناهية، ولكن ألغيت وعملت إن.
(وقد يليها معمول مجزومها) - نحو:
(٥٦) وقالوا: أخانا، لا تخشع لظالم عزيز، ولا ذا حق قومك تظلم
أي ولا تظلم ذا حق قومك؛ وكلامه هنا يقتضي أن ذلك قليل، وليس مخصوصاً بالضرورة، وقال في شرح الكافية الشافية: وقد فصل بين لا ومجزومها ضرورة، وأنشد البيت، قال: وهذا رديء.
стр. 1402
(وجزم فعل المتكلم بها أقل من جزمه باللام) - ومنه:
(٥٧) إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد لها أبداً ما دام فيها الجراضم
وقضية كلامه أنه لا فرق بين المبني للفاعل وغيره، والذي ذكره غيره، أن لا الناهية تدخل على المني للمفعول، غائباً كان أو مخاطباً أو متكلماً نحو: لا يضرب زيد، ولا تضرب يا زيد، ولا أضرب أنا؛ وأما المبني للفاعل، فالأكثر دخولها فيه على ما هو للمخاطب، ويضعف للغائب والمتكلم؛ وما ذكره من التفرقة بين لا ولام الأمر في القلة، كلام غيره على خلافه، إذ سووا بينهما في القلة، ولعل ما ذكره أولى، ففي القرآن: "ولنحمل خطاياكم".
(ومنها: لم ولما أختها) - وتجزم كل منهما فعلاً واحداً؛ والمراد أختها في الدلالة على النفي؛ واحترز بذلك من لما بمعنى إلا نحو: أنشدك الله لما فعلت، أي إلا فعلت، ومن لما التي هي حرف وجوب لوجوب عند سيبويه، وظرف عند الفارسي نحو: لما جاء زيد جاء عمرو، فإنهما لا يجزمان، لأنهما لا تدخلان على مضارع. ولما النافية عند الأكثرين مركبة من لم وما، وعند بعضهم هي بسيطة.
стр. 1403
ولم ولما تفيدان نفي الماضي، على ما سيبين؛ ثم قيل: أثرت لم ولما في الصيغة، فدخلتا على الماضي فصير مضارعاً؛ وقيل: بل دخلتا على المضارع فقلبتا معناه إلى المضي؛ والأول مذهب سيبويه، والثاني مذهب المبرد؛ والصحيح قول سيبويه، لأن صرف التغيير إلى جانب اللفظ أولى من صرفه إلى المعنى، والمحافظة على المعاني أولى، لأن الألفاظ خدم للمعاني؛ وأما: إن قام زيد، قام عمرو، فالفرق بينه وبين: لم يقم، ولما يقم، أن إن تدخل على الماضي كما تدخل على المضارع، فلا يمكن القول بأن التغيير وقع في اللفظ، لأنه يكون عن غير سبب، ولم ولما لا تدخلان إلى على المضارع، فاستند تغيير اللفظ إلى سبب.
(وتنفرد لم بمصاحبة أدوات الشرط) - نحو: إن لم يقم زيد، قام عمر، ولو لم يقم زيد، لقام عمرو، ولا يمتنع منها أداة شرط؛ وأورد عليه لولا، فإنه جعلها أداة شرط في قوله في أواخر البابا: أو كان الشرط لو أو لولا، ولا ترد، لأنها إنما تدخل على المبتدأ؛ ولا تصحب لما شيئاً من أدوات الشرط، لأنها لنفي قد فعل، وقد فعل لا يكون شرطاً؛ لأن قد تقرب الماضي من الحال، وإن تخلصه للاستقبال، فتعارضا؛ وأما لم فلنفي فعل، وفعل يكون شرطاً؛ هكذا قالوا؛ وفي بحث.
(وجواز انفصال نفيها عن الحال) - أي وبجواز ذلك؛ فلم
стр. 1404
موضوعة لمطلق الانتفاء، فيجوز أن يكون نفيها منقطعاً عن زمان الحال، أي عن زمان الإخبار عن نفي ذلك الفعل، ويجوز كونه متصلاً بزمان الحال؛ فالأول نحو: "لم يكن شيئاً مذكوراً"، لانقطاع انتفاء كونه شيئاً مذكوراً، عن زمان الإخبار، لأنه حينئذ شيء مذكور؛ ولذا يحسن: لم يكن ثم كان؛ والثاني نحو: "ولم أكن بدعائك رب شقياً" فنفي الشقاء متصل بزمان النطق.
(ولما، بوجوب اتصال نفيها بالحال) - أي وتنفرد لما لذلك؛ فمعنى: لما يقم زيد، انتفاء قيامه إلى زمان النطق، ولذا لا يحسن: لما يقم زيد ثم قام، وإنما يحسن: لما يقم زيد، وقد يقوم، وقد لا يقومن؛ وذلك لأن لما يقم نفي قد قام، وقد قام إخبار عن الماضي المتصل أو القريب من الحال، فكذا نفيه؛ وكون نفيها متصلاً بالحال، هو الذي ذكره كثيرون؛ وبعض المغاربة يقول: هي لنفي الماضي القريب من الحال؛ وقال المصنف في شرح الكافية الشافية، لا يشترط كون نفيها قريباً من الحال، بل الغالب كونه قريباً، وقال بعض المغاربة، وقد ذكر أن لم لنفي الماضي المنقطع، ولما لنفي المتصل بزمان الحال: هذا هو المعنى الذي لهما بحق الأصالة. وقد توضع لم موضع ما فينفى بها الحال، وأنشد:
стр. 1405
(٥٨) أجدك لم تغتمض ساعة فترقدها مع رقادها
أي ما تغتمض؛ قال: ويبينه أن أجدك يتضمن معنى القسم، ولا يقال: والله لم يقم زيد، بل ما يقوم أو ما قام.
(وجواز الاستغناء بها في الاختيار، عن المنفي، إن دل عليه دليل) - أي وبجواز ذلك نحو: قاربت المدينة، ولما؛ أي ولما أدخلها؛ وندم زيد ونفعه الندم، وندم عمرو، ولما؛ أي ولما ينفعه الندم؛ وزيد قام وعمرو لما؛ أي لما يقم؛ وجاز ذلك، لأنها لنفي قد فعل، ويجوز حذف الفعل مع قد، إذا دل عليه دليل، فلذلك جاز الحذف مع لما، ومنه مع قد:
(٥٩) أفد الترحل، غير أن ركابنا لما تزل برحالنا، وكأن قد
ولا يجوز حذف مجزوم لم للدليل، إلا في الضرورة نحو:
стр. 1406
(٦٠) احفظ وديعتك التي استودعتها يوم الأعازب، إن وصلت، وإن لم
أي وإن لم تصل.
(وقد يلي لم معمول مجزومها اضطراراً) - كقول ذي الرمة:
(٦١) فأضحت مغانيها قفاراً رسومها كأن لم سوى أهل من الوحش تؤهل
أي كأن لم تؤهل سوى أهل من الوحش؟ . قال ابن عصفور: وهو أقبح الضرائر، فلا يقاس عليه في سعة ولا غيرها. انتهى.
وكما لا يفصل بين أجزاء فعل، ولا بين قد والفعل، لا يفصل بين لم والفعل، ولا بين لما والفعل؛ ولحملهما على الفعل، جاز تقديم معمول معمولهما عليهما نحو: زيداً لم أضرب، أو لما أضرب. قال بعض المغاربة: ولامتناع الفصل، لم يجز: لم يقم زيد، ولا يجلس عمرو.
(وقد لا يجزم بها حملاً على لا) - أنشد الأخفش:
стр. 1407
(٦٢) لولا فوارس من جرم وأسرتهم يوم الصليفاء، لم يوفون بالجار
وليس في قوله: وقد، دليل على أن ذلك ضرورة، كما قال الناس؛ وكذا قوله: على لا، مخالف لقول الناس: على ما، وهو أولى، لأن ما تنفي الماضي كثيراً، ويغلب في لا عدم نفي الماضي.
(ومنها) - أي من عوامل الجزم.
(أدوات الشرط) - وهي كلم وضعت للدلالة على تعليق بين جملتين من غير وقوع الثانية منهما متسببة عن الأولى عند الوقوع.
فخرج بغير وقوع لو ولولا ولما، فإن المقصود تعريف ما يجزم من أدوات الشرط؛ على أن المغاربة يخصون الشرط بالمستقبل، وابن مالك لا يخصه بذلك، ولذلك يطلق على لو ولولا اسم أداة الشرط،
стр. 1408
كما ستراه في كلامه؛ وفي كلام الجزولي أيضاً، إدخال لو في أدوات الشرط؛ والأمر في ذلك قريب.
(وهي: إن) - وهي تقتضي الربط من غير إشعار بزمن ولا شخص ولا مكان ولا حال؛ وبدأ بها، لأنها أم الباب.
(ومن) - وهي لتعميم أولى العلم؛ فتقع على الملك والإنسان والشيطان.
(وما) - وهي لتعميم من يعقل وغيره، أو تعميم من لا يعقل.
(ومهما) - وهي مثل ما، وقيل: هي أعم منها؛ ومعناها: لا أصغر عن كبير فعلك، ولا أكبر عن صغيره؛ ورد بأنه لا يتأتى في: "مهما تأتنا به من آية".
(وأي) - وهي عامة في ذوي العلم وغيرهم؛ وهذه الأربعة وهي: من وما ومهما وأي أسماء، تكون مبتدأ ومفعولة ومجرورة بالحرف وبالإضافة، إلا مهما، فلا تجر بحرف ولا إضافة، بل تكون مبتدأة، وهو أحسن الإعرابين في: "مهما تأتنا به من آية"؛ ومفعولة كقوله:
стр. 1409
(٦٣) * وأنك مهما تأمري القلب يفعل *
فمهما مفعول ثان لتأمري؛ ويجوز في الآية الكريمة كون مهما مفعولاً، والمسألة من الاشتغال؛ ووقع في كلام ابن عصفور، أن العرب تقول: بمهما تمرر أمرر بزيد، وهو غلط منه، فنص الناس على خلافه، فلا يقال ما ذكر ونحوه؛ ولا يضاف إليها نحو: جهة مهما تقصد أقصد.
(وأنى) - وعدها الناس في الظروف؛ فهي إذا كانت شرطاً بمعنى أين، وقال بعضهم: هي لتعميم الأحوال، ومن الجزم بها قوله:
(٦٤) خليلي أنى تأتياني تأتيا أخاً، غير ما يرضيكما، لا يحاول
وتكون أنى أيضاً للاستفهام؛ قال الأعلم في المخترع: بمعنى متى وأين وكيف؛ وقيل في قوله تعالى: "أنى شئتم" إنه بمعنى كيف، وقيل: بمعنى متى؛ وقال بعض المغاربة: وتقول: أنى زيد؟ تريد: كيف زيد؟
стр. 1410
(ومتى وأيان، وهما ظرفا زمان) - فلا يستعملان لغير الظرفية المذكورة، ثم قيل: متى وأيان لتعميم الأوقات، وقيل: تستعمل أيان في أوقات الأزمنة التي تقع فيها الأمور العظام، والأول هو المشهور. ومن المجازاة بمتى قوله:
(٦٥) متى تأته، تعشو إلى ضوء ناره تجد خير نار، عندها خير موقد
(وكسر همزة أيان لغة سليم) - حكاها الفراء، وبها قرأ السلمي: "إيان يبعثون".
(وقلما يجازى بها) - ولم يحفظ سيبويه المجازاة بها؛ وقال بعض المغاربة: إنه غير محفوظ؛ والقياس يقتضي الجواز، لأن معنى متى وأيان واحد. انتهى. وقد حفظه غيره، ومنه:
(٦٦) أيان نؤمنك تأمن غيرنا، وإذا لم تدرك الأمن منا، لم تزل حذرا
(وتختص في الاستفهام بالمستقبل، بخلاف متى) - فإذا كانت متى استفهاماً، وليها الماضي نحو قوله:
стр. 1411
(٦٧) متى كان الخيام بذي طلوح سقيت الغيث أيتها الخيام
والمستقبل نحو: متى تقوم؟ وإذا كانت أيان استفهاماً فإنما يستفهم بها عن المستقبل نحو: أيان تخرج؟ ولا يجوز: أيان خرجت؟ ويقعان في الاستفهام خبرين أيضاً نحو: متى القتال؟ ، و"أيان مرساها".
(وربما استفهم بمهما) - وهو نادر؛ أنشد أبو علي:
(٦٨) مهما لي الليلة، مهما ليه أودى بنعلي وسرباليه
ومهما اسم عند الأكثرين، وقال السهيلي: إن عاد عليها الضمير، فاسم نحو: "مهما تأتنا به"، وإلا، فحرف، كقول زهير:
стр. 1412
(٦٩) ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم
فمهما حرف للشرط كإن، لأن من خليقة اسم تكن، ومن زائدة، أي وإن تكن عند امرئ خليقة؛ وإلى زيادة من في البيت ذهب أيضاً ابن السيد؛ ولا يتعين ذلك، لجواز كون اسم تكن ضميراً يعود على مهما. نظراً إلى المعنى، لأنها واقعة على الخليقة، وعند امرئ خبر تكن، ومن خليقة تفسير؛ ومن فيه كمن في قوله تعالى: "ما يفتح الله للناس من رحمة".
ومهما عند الخليل مركبة من ما الشرطية، زيدت عليها ما؛ وقلبت الألف الأولى هاء كراهية الأمثال، كما قالوا في: دهدهت الحجر: دهديت، وكان القلب هاء كقولهم في الوقف: أنه، وفي الأولى، تنبيهاً على أنها هي المعتمدة؛ وجوز سيبويه تركيبها من: مه وما؛ وقال الأخفش والزجاج والبغداديون: هي مركبة من مه وما الشرطية؛ وقيل: هي بسيطة، ووزنها: فعلى، والألف للإلحاق، وزال التنوين للبناء، أو الألف للتأنيث.
(وجوزي بكيف معنى) - فإذا تعلقت بجملتين لم تعمل
стр. 1413
شيئاً، بل يرتفع الفعلان، فتقول: كيف تكون أكون؛ فجرى الفعلان بعدها، كما جريا بعد الاستفهامية.
(لا عملاً) - فلا يجزم بها، وإنما قصرت عن أسماء الشرط، لأنها في الاستفهام إنما تجاب بالنكرة دون المعرفة، فيقال: كيف زيد؟ فتقول: صحيح، ولا تقول: الصحيح؛ وأما أسماء الشرط فتجاب في الاستفهام بهما؛ يقال: م عندك؟ فتقول: خير، أو الخير؛ وأي الناس عندك؟ فتقول: رجل يعجبك، أو زيد؛ ولأن الفعلين بعدها إنما يكونان متفقين نحو: كيف تصنع أصنع؛ ولا يكونان مختلفين، نحو: كيف تقوم أخرج، بخلاف أسماء الشرط، فتقول: ما تصنع أصنع، وقال تعالى: "ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها".
وتلحقها ما جوازاً لقصد التأكيد، لضعف الارتباط بها نحو: كيفما تكون أكون؛ وقال ابن العلج: الارتباط فيها قليل، نحو: كيف تكون أكون؛ والأكثر عدم الارتباط.
(خلافاً للكوفيين) - في إثباتهم المجازاة بها معنى وعملاً، فيجزمون بها، نحو: كيف تكن أكن؛ وقال به من البصريين
стр. 1414
قطرب؛ وقال بعض النحويين، تجزم إذا كان معها ما، كحيث، نحو: كيفما تكن أكن؛ فليس في الجزم بها سماع، ومن أجازه صرح بأنه إنما أجازه قياساً.
(ومن أدوات الشرط: إذ ما) - ومن استعمالها للشرط، قول العباس بن مرداس السلمي:
(٧٠) إذ ما أتيت على الرسول فقل له حقاً عليك، إذا اطمأن المجلس
يا خير من ركب المطى، ومن مشى فوق التراب، إذا تعد الأنفس
قيل: ومن الجرم بها قول عبد الله بن همام السلولي:
(٧١) فإذما تريني اليوم مزجى مطيتي أصعد سيراً في البلاد وأفرع
فإني من قوم سواكم، وإنما رجالي فهم بالحجاز وأشجع
واستشهدوا أيضاً بقوله:
стр. 1415
(٧٢) وإنك إذما تأت ما أنت آمر به، لا تجد من أنت تأمر فاعلا
وقال بعض النحويين، : ليست إذما من أدوات الشرط، وإنما ورد الجزم بها في الشعر كإذا، ومعناها؛ إذ ذاك معناها ورد بأن الفعل الواعق بعد إذما، ومعناها الاستقبال، لم يرد إلا مجزوماً، ولا يحفظ من لسانهم: إذما تقوم أقوم، كما قالوا: إذا تقوم أقوم.
(وحيثما) - نحو:
(٧٣) حيثما تستقم، يقدر لك اللـ ـه نجاحاً، في غابر الأزمان
(وأين) - نحو:
(٧٤) أين تضرب بنا العداة تجدنا نصرف العيس نحوها للتلاقي
стр. 1416
(وهما ظرفا مكان) - يعني حينما وأين؛ وهما لتعميم الأمكنة، ويلزمان الظرفية، وتكون أين شرطاً واستفهاماً، ولا تكون حينما إلا شرطاً.
(وما سوى إن أسماء) - ولا خلاف في ذلك إلا ما سيأتي في إذما، وما سبق في مهما.
(متضمنة معناها) - أي معنى الشرطية، ولذلك أعطيت من الربط والسببية ما تعطيه إن.
(فلذلك بنيت) - أي لتضمنها معنى الحرف، وهو إن الشرطية، وما كان منها على حرفين كمن وما، فيه أيضاً شبه الحرف في الوضع، إلا أن المستمر فيها كلها، تضمن معنى الحرف، فلذلك اقتصر عليه المصنف.
(إلا أياً) - فإنها لا تبنى، وإن تضمنت في الشرط معنى الحرف الشرطي، لما سبق من المعارضة في أول الكتاب.
(وفي اسمية إذما خلاف) - فمذهب سيبويه، أنها حرف كإن، فأخرجت عنده عما كان لها من الظرفية الماضية، إلى الحرفية واقتضاء الشرطية في الاستقبال. ومذهب المبرد وابن السراج والفارسي أنها اسم ظرف زمان، إلا أنها كانت لما مضى، فزيدت عليها ما وجوباً فصارت للاستقبال، لتضمن معنى الشرط.
(وقد ترد ما ومهما ظرفي زمان) قال المصنف في شرح الكافية الشافية: جميع النحويين يجعلون ما ومهما مثل من في لزوم التجرد عن
стр. 1417
الظرفين، مع أن استعمالهما ظرفين ثابت في أشعار الفصحاء؛ وأنشد أبياتاً منها قول الفرزدق:
(٧٥) فما تحى لا أرهب، وإن كنت جارماً وإن عد أعدائي علي لهم ذحلا
وقول حاتم الطائي:
(٧٦) وإنك مهما تعط بطنك سؤله وفرجك، نالا منتهى الذم أجمعا
وما ذكره غير متعين، بل يحتمل المصدرية؛ أي: أي حياة تحى، لا أرهب، وأي عطاء تعط؛ قال ابن المصنف: وهذا متعين، لأن في كونهما ظرفين شذوذاً وقولاً لا يعرفه جميع النحويين، بخلاف كونهما مصدرين، فلا مانع من أن يكنى بهما عن مصدر فعل الشرط، كما
стр. 1418
لا مانع من أن يكنى بهما عن المفعول به، إذ لا فرق. قال شيخنا: ويحتمل بيت حاتم كون مهما مفعولاً ثانياً لتعط، وفرجك الأول، وسؤله بدل من فرجك.
(وأي بحسب ما تضاف إليه) - فإن أضيفت إلى ظرف مكان، فظرف مكان نحو: أي جهة تجلس، أجلس معك؛ أو إلى زمان فظرف زمان نحو: أي يوم تخرج، أخرج؛ أو مفعول، فمفعول. وتزاد معها ما؛ والأجود زيادتها بين المضاف إليه وبينها نحو: "أيما الأجلين قضيت"، وقرأ ابن مسعود: "أي الأجلين ما قضيت"؛ وتزاد ما أيضاً، وإن حذف ما تضاف إليه نحو: "أياً ما تدعو"؛ وهي متصرفة بوجوه الإعراب.
(وكلها تقتضي جملتين) - نحو: إن جئتني أكرمتك، أو أكرمك؛ وإن تجيء فأنت مكرم.
(تسمى أولاهما شرطاً) - والشرط في اللغة العلامة، فسميت الجملة الأولى من الجملتين المذكورتين بذلك، لأنها علامة على ترتب الثانية عليها نحو: إن أسلمت، دخلت الجنة.
(وتصدر بفعل ظاهر) - وهو الأكثر؛ ويكون ماضياً ومضارعاً، كما سبق تمثيله، ولا يكون أمراً ولا جامداً ولا مقروناً بقد ولا دعاء ولا منفياً إلا بلا أو لم.
(أو مضمر مفسر بعد معموله بفعل) - وهذا هو الأكثر في الإضمار نحو: "وإن أحد من المشركين استجارك"، أي وإن
стр. 1419
استجارك أحد من المشركين استجارك؛ فاستجارك المتأخر، مفسر للأول المضمر، وأحد مرفوع بالمضمر؛ وقد جاء الإضمار على غير هذا نحو: "الناس مجزيون بأعمالهم؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر"؛ وقد سبقت المسألة بباب كان.
(يشذ كونه مضارعاً دون لم) - كقوله:
(٧٧) يثنى عليك وأنت أهل ثنائه ولديك، إن هو يستزدك، مزيد
وما ذكره من الشذوذ، هو المعروف من كلام الناس؛ إلا أن في كتاب سيبويه ما يشعر ظاهره بخلافه؛ قال: وتقول: إن زيداً تره تضرب، ومثاله بلم قوله:
(٧٨) وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها فليس إلى حسن الثناء سبيل
стр. 1420
(ولا يتقدم فيها الاسم مع غير إن، إلا اضطراراً) - كقوله:
(٧٩) فمن نحن نؤمنه، يبت وهو آمن ومن لا نجره يمس منا مفزعا
(وكذا بعد استفهام بغير الهمزة) - فلا يقال: هل زيد قام؟ إلا في الضرورة؛ قال:
(٨٠) * أم هل كثير بكى لم يقض عبرته *؟ البيت
ولا يجوز في هذا كون المرفوع مبتدأ، وإنما هو على إضمار فعل؛ لأن هل في الجملة الفعلية كقد؛ وأجاز الكسائي: هل زيد قام؟ جوازاً حسناً؛ قال: لقولهم: هل زيد قائم؟ فكذا يجوز الابتداء بعدها، وولايتها الأسماء مع وجود الفعل؛ هذا حكم غير الهمزة؛ وأما الهمزة، فيجوز ذلك معها نحو: أزيد قام؟ والاختيار والأفصح حمله على فعل يفسره ما بعده؛ ويجوز كونه مبتدأ خبره الجملة بعده، وذلك لأن الهمزة أم الباب.
стр. 1421
(وتسمى الجملة الثانية جزاء وجواباً) - فالجزاء، لأنه مترتب على ما قبله، فأشبه الجزاء على الفعل من ثواب أو عقاب، والجواب لأنه لما لزم عن الأول، صار كالجواب الآتي بعد كلام السائل؛ وهذه الجملة تكون طلبية وخبرية وشرطية وغيرها، اسمية وغيرها؛ والأصل كونها جملة تصلح لأداة الشرط.
(وتلزمه الفاء في غير الضرورة، إن لم يصح تقديره شرطاً) - نحو: "إن تبدوا الصدقات، فنعما هي"، "إن كنتم تحبون الله فاتبعوني"، "فإما يأتينكم مني هدى، فمن تباع هداي، فلا خوف عليهم"، "إن يسرق، فقد سرق أخ له من قبل"، "إن كان قميصه قد من قبل، فصدقت"، إن قام زيد فما يقوم عمرو، أو فلن، أو فإن [عمراً] قام، إن قائم زيد، فقد يقوم عمرو، "ومن يرتد منكم عن دينه، فسوف يأتي الله" وإن أقبل زيد، فما أحسنه، أو فهو أحسن من كذا، وإن تكرمني، فوالله، لأكرمنك.
стр. 1422
واحترز بقوله: في غير الضرورة، من قوله:
(٨١) من يفعل الحسنات، الله يشكرها والشر بالشر، عند الله مثلان
أي: فالله يشكرها؛ وهذا مذهب سيبويه؛ قال الخضراوي: وأبو العباس يجيز حذف الفاء في الكلام؛ ومن الحذف للضرورة:
(٨٢) فإن يك قوم سرهم ما صنعتم ستحتلبوها لاقحاً غير باهل
أي فستحتلبونها، وفيه حذف النون من دون ناصب ولا جازم ولا ملاقاة مثل.
(وإن صدر بمضارع صالح للشرطية، جزم في غير الضرورة، وجوباً، إن كان الشرط مضارعاً) - نحو: "إن تمسسكم حسنة تسؤهم، وإن تصبكم سيئة، يفرحوا بها". واحترز بالضرورة من قوله:
стр. 1423
(٨٣) يا أقرع بن حابس، يا أقرع إنك إن يصرع أخوك تصرع
فرفع تصرع، مع أن الشرط مضارع؛ ويجوز عند سيبويه في هذا، أن يكون على نية التقديم، فيكون تصرع خبر إن؛ وأن يكون على حذف الفاء، أي فتصرع؛ والوجه الأول عندي، في هذا ونحوه أولى؛ فإن قلت: إن تأتني آتيك، فلم يكن قبل إن ما يمكن أن يطلب الفعل المرفوع، جاء أيضاً عند سيبويه الوجهان، إلا أن الثاني عنده في هذا أولى.
وذهب المبرد إلى أنه على إضمار الفاء في الموضعين معاً؛ وفصل بعضهم بين اسم الشرط وغيره؛ فأجاز التقديم تقديراً في الحرف، وعين في الاسم حذف الفاء.
(وجواراً إن كان ماضياً) - نحو: إن جئتني أكرمك، بالجزم، وهو الفصيح المختار عند المعظم؛ وقيل: إنه لا يجيء في الكلام الفصيح، وإنما يجيء مع كان، لأنها أصل الأفعال، قال
стр. 1424
تعالى: "من كان يريد حرث الآخرة، نزد له في حرثه": قال صاحب هذه المقالة: ولا يجوز في غيرها. انتهى. وكلام سيبويه وغيره على أن ذلك لا يختص بكان، وأنشد سيبويه للفرزدق:
(٨٤) دست رسولاً، بأن القوم إن قدروا عليك، يشفوا صدوراً ذات توغير
وقال:
(٨٥) تعش، فإن عاهدتني لا تخونني نكن مثل من، يا ذئب، يصطبحان
والرفع مسموع من كلام العرب، وقال بعض المغاربة إنه أحسن من الجزم، ومنه قول زهير:
стр. 1425
(٨٦) وإن أتاه خليل يوم مسألة يقول: لا غائب مالي ولا حرم
وكذا:
(٨٧) فإن كان لا يرضيك حتى تردني إلى قطري، لا إخالك راضيا
وهو كثير، وقال بعض المغاربة: إن الرفع ضرورة، قال: ولا أعلم منه شيئاً جاء في الكلام. انتهى.
قيل: ومذهب سيبويه، أنه على نية التقديم، وجواب الشرط محذوف؛ وذهب الكوفيون والمبرد إلى أنه هو الجواب، والفاء محذوفة؛ وقيل: هو الجواب، ولا إضمار للفاء، ولا هو مقدم نية، وثبت بخط ابن المصنف في أصل التسهيل:
(وإن صدر بمضارع، صالح للشرطية، جزم، وقد يرفع بكثرة، إن كان الشرط ماضي اللفظ، أو منفياً بلم، وبقلة إن كان غيرهما) - وفي هذا زيادة مسألة المنفي بلم، نحو: إن لم تأتني
стр. 1426
أكرمك، بالرفع؛ وهي مسألة مشهورة، ويمكن دخولها في قول المنصف في تلك النسخة: إن كان ماضياً، على تفسير الماضي بما يشمل الماضي لفظاً، والماضي معنى؛ فإن المنفي بلم ماض معنى، ففعل فيه حرف الشرط من الصرف إلى الاستقبال، مع فعله في لفظ الماضي؛ وفي الذي أثبته ابن المصنف، وصف الرفع بالقلة، إن كان الشرط غير الماضي لفظاً، والمنفي بلم؛ وفي تلك النسخة، جعله ضرورة؛ وقال المصنف في شرح الكافية الشافية: وقد يجيء الجواب مرفوعاً، والشرط مضارع مجزوم، ومنه قراءة طلحة بن سليمان: "أينما تكونوا، يدرككم الموت".
وقد سبق أن من النحويين من قال: إن الجزم لا يجيء في الكلام الفصيح، إلا مع كان؛ ومنهم من قال: إن الرفع أحسن منه؛ وقال صاحب الواضح: الاختيار الجزم، ويحسن الرفع، إذا تقدم ما يطلب الجواب، نحو طعامك، إن تزرنا، نأكل؛ وقول زهير: لا غائب مالي ... حسن الرفع فيه تقدم الواو على إن. انتهى.
(وإن قرن بالفاء رفع مطلقاً) - أي سواء أكان الشرط بلفظ الماضي أو المضارع المنفي بلم، أو المضارع بخلاف ذلك، نحو: "ومن عاد، فينتقم الله منه"، "فمن يؤمن بربه فلا يخاف"؛
стр. 1427
وإنما رفع، لأنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي فهو ينتقم، فهو لا يخاف؛ هكذا قالوا؛ ويمكن جعل الفاء رابطة، كهي في الجملة الاسمية، ولا حذف، بل المقترن بالفاء هو الجواب.
(وجزم الجواب بفعل الشرط) - وهذا قول الأخفش؛ وذلك لأنه مستعد له، بما أحدثت فيه الأداة من المعنى والاستلزام.
(لا بالأداة وحدها) - لأن الجزم نظير الجر، والجار وهو أقوى لا يعمل عملين، فالجازم أولى؛ وهذا قول المحققين من البصريين، وعزاه السيرافي إلى سيبويه، واختاره الجزولي وابن عصفور والأبدي؛ ووجهه أن الأداة اقتضتهما، فعملت فيهما كان وظن، وما ذكر في رده، جوابه أن الجازم اقتضى معمولين، والجار لا يقتضيهما.
(ولا بهما) - أي فعل الشرط والأداة؛ وذلك لأن العامل المركب من شيئين، لا يجوز انفصال جزئه، ولا حذف أحدهما كحيثما، وأنت تقول: إن زيداً تكرم يكرمك.
(٨٨) وقال: * وإلا يعل مفرقك الحسام *
فدل على أن العامل ليس ما ذكر؛ وهذا القول ينسب إلى
стр. 1428
سيبويه والخليل، لأن في كلامهما ما يدل ظاهره عليه؛ ونسب إلى الأخفش أيضاً.
(ولا على الجوار) - وهذا مذهب الكوفيين، قالوا: الجر يكون للجوار، وكذلك الجزم؛ وحكى بعض المغاربة الاتفاق على أن فعل الشرط مجزوم بالأداة؛ وحكى بعضهم عن المازني أنه مبني؛ وعن المازني أيضاً أن فعل الشرط معرب، وفعل الجزاء مبني؛ واحتج للبناء فيهما، بأن الفعل لا يقع موقع الاسم في المحلين؛ واحتج لبناء الجزاء فقط فقد العامل، فما سبق لا يصلح لما سبق؛ ولأن الفعل لا يعمل في الفعل، فالنوع لا يعمل [في نوعه]؛ إذ ليس أحدهما أولى من الآخر، وإنما يعمل لمزية، كأن يضمن العامل من غير النوع، فلما فقد العامل ولم يمكن الفرع، لأنه لا يقع موقع الاسم، تعين البناء؛ وما ذهب إليه من البناء، مخالف لجميع النحويين.
(خلافاً لزاعمي ذلك) - وقد سبق ذكرهم.
(فصل) - (قد يجزم بإذا الاستقبالية، حملاً على متى) - احترز بالاستقبالية من التي للمفاجأة؛ ونقل بعض المغاربة الاتفاق على أن إذا ظرف لما يستقبل؛ وأثبت بعض النحويين أنها تأتي للحال؛ وجعل منه: "والنجم إذا هوى"، "والليل إذا يغشى"
стр. 1429
ونحوهما؛ والصواب أن الظرف للاستقبال، وهي حال مقدرة، والتقدير: أقسم بالليل كائناً إذا يغشى، نحو: مررت برجل معه صقر صائداً به غداً؛ وقد سبق في الظروف ذكر المصنف أن إذا تقع موقع إذ؛ وعن أبي عبيدة معمر بن المثنى، أن إذا تأتي زائدة، وأنشد في ذلك:
(٨٩) فإذا، وذلك لا انتهاء لذكره والدهر يعقب صالحاً بفساد
وهذا كله يخرج بقوله: الاستقبالية؛ على أن البيت يحتمل أن يخرج على حذف المبتدأ، أي: فإذا ما نحن فيه؛ وتكون إذا فيه للمفاجأة؛ ولو قال: الاستقبالية المضمنة معنى الشرط، لتخرج التي لمجرد الظرفية نحو: "وإذا ما غضبوا، هم يغفرون" ولذا لم تدخل الفاء نحو: "فهم"، لكان أوضح في المقصود، فإن التي يجزم بها هي المضمنة لا المجردة، وكأنه اتكل على قوله: حملاً على متى، ومتى تجزم إذا كانت شرطية؛ ومن الجزم بإذا، ما أنشده سيبويه من قول الفرزدق:
(٩٠) تفرع لي خندف، والله يرفع لي ناراً، إذا خمدت نيرانهم، تقد
стр. 1430
وأنشد الفراء:
(٩١) استغن، ما أغناك ربك، بالغنى وإذا تصبك خصاصة فتجمل
وكلام المصنف يقتضي أن الجزم بها قليل، لا مخصوص بالشعر، والمشهورون من النحاة على خلاف ذلك؛ قال سيبويه: جازوا بها في الشعر مضطرين، شبهوها بإن، حيث رأوها لما يستقبل، وأنه لا بد لها من جواب. انتهى.
وذهب بعض النحاة إلى أنها إذا زيد عليها ما، جاز أن يجازى بها في الكلام، وإذا استعملت إذا شرطاً، فقيل: هي مضافة لما بعدها؛ وقيل: غير مضافة، وهي معمولة للفعل الذي بعدها؛ وعلى الأول العامل فيها الجزاء؛ وإذا قلت: إذا جاء زيد، جاء عمرو، هل يقتضي تكراراً، فتكون مثل كلما، أو لا؛ المشهور أنها لا تقتضيه، ومنهم من قال: تقتضيه؛ قال ابن عصفور: وهو الصحيح. فالمراد بها العموم كسائر أسماء الشرط؛ ويدل عليه:
(٩٢) إذا وجدت أوار الحب في كبدي أقبلت نحو سقاء القوم أبترد
стр. 1431
فالمعنى في البيت على العموم، كأنه قال: متى وجدت.
(وتهمل متى، حملاً على إذا) - وهذا غريب، واستدل له المصنف بما في الحديث: "إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقوم مقامك، لا يسمع الناس".
(وقد تهمل إن، حملاً على لو) - نحو ما في الحديث: "فإنك إن لا تراه، فإنه يراك"، وهو محتمل للتأويل؛ وقرأ طلحة: "فإما ترين من البشر أحداً". بياء ساكنة، ونون مفتوحة هي علامة الرفع.
(والأصح امتناع حمل لو على إن) - أي في الجزم بها، خلافاً لجماعة، منهم هبة الله بن الشجري، في إجازتهم الجزم بلو في الشعر، واستشهدوا بقوله:
(٩٣) لو يشأ طار به ذو ميعة لاحق الآطال نهد ذو خصل
стр. 1432
قال المصنف: ولا حجة فيه، لأن من العرب من يقول: شا يشا، وجا يجي، بلا همز؛ فيجوز كون قائل البيت ممن لغته ترك همز شا فقال: يشا بلا همز، ثم أبدل الألف همزة، كما قيل في عالم: عألم، وكما فعل ابن ذكوان في: "تأكل منسأته" حين قرأ بهمزة ساكنة؛ والأصل: منسأة مفعلة، من نسأته أي زجرته بالعصا، فأبدلت الهمزة ألفاً، ثم أبدلت الألف همزة ساكنة.
(وقد يجزم مسبب عن صلة الذي، تشبيهاً بجواب الشرط)
- وهذا مذهب الكوفيين، أجازوا: الذي يأتيني، أحسن إليه؛ بجزم أحسن، وأنشد ابن الأعرابي:
(٩٤) لا تحفرن بئراً، تريد أخاً بها فإنك فيها أنت من دونه تقع
كذاك الذي يبغي على الناس ظالماً تصبه، على رغم، عواقب ما صنع
وهذا عند البصريين من الضرورة بحيث لا يقاس عليه؛ وجاء أيضاً الجزم في مسبب عن نكرة موصوفة بما يصلح أن يكون شرطاً؛ أنشد المرزباني:
(٩٤) م وكل امرئ يبغي على الناس ظالماً تصبه، على رغم، عواقب ما صنع
стр. 1433
وجاء ذلك فيها مع إن أيضاً، قال:
(٩٥) وإن امرأ لا يرتجى الخير عنده يكن شيئاً ثقيلاً على من يصاحبه
وتحتمل هذه الشواهد كونها من تسكين ضمة الإعراب تخفيفاً، كما قرأ أبو عمرو: "ينصركم، ويأمركم، ويشعركم".
(ويجوز نحو: إن تفعل، زيد يفعل، وفاقاً لسيبويه) - إذا صدر الجزاء باسم أسند إلى ضميره فعل، فالوجه ذكر الفاء ورفع الفعل، فتقول: إن تفعل، فزيد يفعل؛ وأجاز سيبويه ترك الفاء والجزم؛ ووجهه رفع الاسم بفعل يفسره الفعل الظاهر بعده؛ ومنع ذلك الفراء، لمنعه عمل الجواب المجزوم فيما قبله، فلا يصلح هذا أن يكون مفسراً لعامل فيما قبله؛ ومنعها أيضاً الكسائي، وإن أجاز عمل الجواب المجزوم في ما قبله؛ ولعل وجهه أنه لا مقتضى لهذا الإضار، كما لا مقتضى له في نحو: زيد قام، على طريق الجمهور؛ وقال المصنف في غير هذا الكتاب: أجاز سيبويه ذلك دون سماع، ومنعه الكسائي والفراء، وبقولهما أقول. انتهى.
стр. 1434
(ونحو: إن تنطلق، خيراً تصب، خلافاً للفراء) - فيجوز تقديم المعمول المنصوب بالجزاء المجزوم، عليه، كما مثل؛ ونقل الصفار في المسألة ثلاثة أقوال: المنع مطلقاً، والجواز مطلقاً، وهو قول الكسائي، والتفصيل. فيجوز إن كان جراً ومجروراً نحو: إن تنطلق بزيد تمر؛ ويمنع إن كان مفعولاً صريحاً، كالمثال السابق، وهو قول الفراء؛ قال الصفار: والصحيح الجواز، ونص سيبويه على ذلك في باب الجزاء مع المجرور، ونص على غير المجرور في أبواب الاشتغال، حيث أجاز: إن يقم زيد، عمراً يكرمه؛ واستهد الكسائي لمذهبه بقول طفيل الغنوي:
(٩٦) وللخير أيام، فمن يصطبر لها ويعرف لها أيامها، الخير تعقب
стр. 1435
وخرجه الفراء على أن الخير صفة لأيام، أي أيامها الصالحة.
وأنشد المصنف بيتاً آخر معه، شاهداً في المسألة، وليس مما نحن فيه، وهو:
(٩٧) هل أنت بائعتي دمي بغلائه إن كنت زفرة عاشق لم ترحم
وزفرة معمول ترحم، وليس جواب الشرط، بل هو خير كنت، والجواب محذوف، يدل عليه أول البيت. واختار المصنف مرة أخرى مذهب الفراء في المنع، وعليه يتعين رفع الفعل، على أنه دليل الجواب؛ وقيل: على إضمار الفاء؛ ورد بأن تقدير الفاء كوجودها، فكما لا يجوز مع وجودها في المثال: خيراً فتصيب؛ كذا لا يجوز مع تقديرها، إلا أني قدر أنها داخلة على المفعول، والأصل: فخيراً تصيب، ثم حذفت، فيجوز.
стр. 1436
واعلم أن قوله: (فصل): (قد يجزم بإذا ... إلى هنا، ثبت في نسخة شرحها ابن المنصف؛ وثبت في نسخة أخرى، بدله، بعد قوله: خلافاً لزاعمي ذلك:
(ولا يمنع جزمه تقديم معموله عليه، ولا يعمل فيما قبل الأداة إلا وهو غير مجزوم، خلافاً للكوفيين في المسألتين) - والمسألة الأولى مسألة: إن تنطلق، خيراً تصب؛ ونسب المنع في هذه النسخة للكوفيين، وفي تلك للفراء، وهو الصحيح؛ فالكسائي رأس الكوفيين، وهو قائل فيها بالجواز؛ ومثال المسألة الثانية: خيراً، إن انطلقت، تصيب، بالرفع، فهذا جائز، إلا أن تصيب ليس الجزاء حينئذ، بل الجزاء محذوف، يدل عليه هذا المذكور، فإن جزمت، أجاز الكسائي ذلك والفراء، ومنعه البصريون؛ ونقل بعض المصنفين عن الأخفش، ما يقتضي الجواز، وفي تقديم معمول فعل الشرط على أداة الشرط، خلاف؛ فمذهب البصريين والفراء المنع، ومذهب الكسائي الجواز نحو: خيراً إن تفعل، يثبك الله؛ ويحتاج الجواز إلى سماع.
(وقد تنوب بعد إن، إذا المفاجأة، عن الفاء، في الجملة الإسمية غير الطلبية) - وفي بعض النسخ: (وقد تناوب بعد إن إذا) - ونصوص النحويين متضافرة على إطلاق القول بأن إذا يربط بها
стр. 1437
في جواب الشرط مع الجملة الإسمية، لكن السماع في الجواز مع إن، قال تعالى: "وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم، إذا هم يقنطون"، وجاء أيضاً في إذا، قال تعالى: "فإذا أصاب به من يشاء من عباده، إذا هم يستبشرون".
واحترز بالاسمية من الفعلية، فلا تدخل إذ هذه عليها؛ لا يجوز: إن قام زيد، إذا يقوم عمر؛ وبغير الطلبية من الطلبية، فلا يجوز: إن عصى زيد إذا ويل له، وإن أطاع، إذا سلام عليه؛ بل تتعين الفاء، كما تتعين إذا كانت الاسمية منفية، نحو: إن يقم زيد، فما عمرو قائم؛ لا يجوز: إذا ما ... ، وكذا إذا صحبتها إن نحو: إن تقم، فإن عمراً قائم؛ لا يجوز: إذا إن، وإن جاز مع غير الشرط نحو:
(٩٨) * إذا إنه عبد القفا واللهازم *
стр. 1438
كما لا يجوز: إن يقم، فإذا زيد قائم؛ وإن جاز: خرجت، فإذا زيد قائم؛ وكون الربط بإذا هو قول الخليل وسيبويه؛ وقال الأخفش: هو على تقدير الفاء، وتقدير الآية: "فإذا هم يقنطون"؛ ورد بأن حذف الفاء فيما تلزمه الفاء مخصوص بالشعر، ولا بد في الربط بها، من المحافظة على ما تعطيه من المفاجأة كالآية؛ ونحو: إن تصل إلى زيد، إذا هو يصل، بخلاف: إن تأتني، إذا أنا أكرمك؛ فإن قصدت المفاجأة جاز؛ وبهذا يفرق بين الربط بها والربط بالفاء.
(فصل) - (لأداة الشرط صدر الكلام) - كأداة الاستفهام وما النافية؛ وهذا مذهب البصريين، فلا يجوز عندهم تقديم شيء من معمول فعل الشرط أو فعل الجزاء على الأداة، كما تقدم.
(فإن تقدم عليها شبيه بالجواب معنى، فهو دليل عليه، وليس إياه، خلافاً للكوفيين والمبرد وأبي زيد) - ونقل أيضاً عن الأخفش؛ فإذا قلت: أكرمك إن جئتني، فأكرمك ليس جواب الشرط عند جمهور البصريين، لأنه لا يجوز جزمه ولا دخول الفاء عليه، وإنما هو دليل على الجواب المحذوف؛ وشبهة من جعله جواباً، أن المقصود حاصل به، فلا حاجة إلى دعوى حذف؛ وتخلف بعض الآثار، إنما هو للتقديم؛ وقيل بالمنع إن كان الجزاء ماضياً،
стр. 1439
فلا يجوز: قمت، إن قام زيد أو إن يقم؛ والجواز إن كان مضارعاً، فتقول: أقوم، إن قام زيد أو إن يقم وهو قول المازني، ويوجه بأن في تقديمه ماضياً كثرة مخالفة الأصل، فيخرج الماضي عن ظاهره إلى الاستقبال، ويخرج الجزاء عن أصله بالتقديم؛ قيل: وثمرة الخلاف إذا قلت: إن يقم زيد، يقوم عمرو، بالرفع؛ فالمانع من التقديم يقول: لا يجوز إلا في ضرورة، لأنه على حذف الفاء؛ ومجيزه يقول: هو فصيح.
(ولا يكون الشرط حينئذ غير ماض إلا في الشعر) - فلا تقول: أقوم، إن يقم؛ ويجوز: إن قمت، أو لم تقم؛ قال تعالى: "لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا"؛ ومن الأول، ومحله الشعر كما قال، قوله:
(٩٩) لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم ليعلم ربي أن بيت واسع
وقوله:
стр. 1440
(٧٧) مكرر يثني عليك وأنت أهل ثنائه ولديك إن هو يستزدك مزيد
وأجاز الكوفيون: أنت ظالم إن تفعل.
(فإن كان غير ماض مع ما أو من أو أي، وجب لها في السعة حكم الذي) - فتزول عن تقدم ما هو دليل الجواب أو الجواب على هذه، والفعل الذي يليها مضارع غير مجزوم بما الشرطية وبأي الموصولة، ويصير الفعل صلة، نحو: آتي من يأتي زيداً، وأحب ما يحبه، وأكرم أيهم يحبك؛ وتعطى حكم الموصول من استحقاق الصلة والعائد وجواز عمل ما قبلها فيها؛ هذا في الكلام، أما في الشعر فيجوز الجزم والبقاء على الشرطية؛ وفي رؤوس المسائل: لا خلاف في جواز: آتيك إن تأتني، على قبحه؛ واختلف في من وما وأي ومهما ومتى وحينما، فأجازه سيبويه في الشعر، ومنعه عامة الكوفيين.
(وكذا إن أضيف إليهن حين) - أي اسم زمان نحو: أتذكر إذ من يأتينا نأتيه؟ فلا يجوز الجزم في السعة، لأن أسماء الزمان لا تضاف إلى جملة مصدرة بإن، فكذا لا تضاف إلى ما يصدر بما هو في معناها؛ وهذا مذهب سيبويه والجرمي والمازني، وذهب الزيادي إلى جواز الجزم، ونسب إلى المبرد أيضاً.
следующие страницы →