Полный текст (2 181 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
(أو سكنت) - نحو: إى الله، تشبيها بالتقاء الساكنين، على الحد؛ وإن وليها حرف القسم، وجب ثبوت الياء ساكنة.
(وأجل لتصديق الخبر) - ماضياً أو غيرَه، مُوجَباً أو غيره، نحو: قام أو سيقوم زيدٌ، وما قام وما يقوم زيدٌ، فتقول: أجل؛ ولا تجئ بعد الاستفهام، وعن الأخفش: تجئ، قال: إلَّا أنَّ أجل في الخبر أحسن من نعم، ونعم في الاستفهام أحسن منها.
(وبلَى لإِثبات نفي مجرد) - فإذا قيل: ما قام زيدٌ، وأردت الثبوت خلاف ما قال، قلت: بلى، وإن أردت النفي كما قال، قلت: نعم. ويجرى النهي مجرى النفي، فإذا قيل: لا تضربْ زيداً، وقلت: بلى، فالمقصود: بلى أضربُه؛ ذلك لأن النهى فيه معنى النفي.
(أو مقرون باستفهام) - سواء أريد الاستفهام عن النفي أو التقرير، فيقال في: ألم تضربْ زيداً؟ على المعنيين: بلى، إن أريد الثبوت، ونعم، إن أريد النفي؛ قال الله تعالى: ﴿ألستُ بربكم قالوا بلى﴾، قال ابن عباس: لو قالوا: نعم، لكفروا.
(وقد توافقها نعم بعد المقرون) - واستعمال بلى فيه هو المشهور؛ وبعض المغاربة قالوا: إنه أكثر من استعمال نعم، ومن استعمال نعم، قول جَحْدَر:
стр. 1507
(١٥٧) أليس الليلُ يجمع أمَّ عمرو ... وإيانا، فذاك بنا تَدانِى
نَعمْ، وأرى الهلال كما تراه ... ويعلوها النهارُ كَما علانى
ووقع في عبارة سيبويه، في موضعين متقاربين، استعمال نعم بعد أليس؛ ذكر ذلك في باب ما يجرى عليه صفة ما كان من سببه، وصفة ما التبس به؛ ولحنه فيه ابن الطراوة، حيث استعمل نعم مكان بلى، وهو جار على قول قوم: إن الاستفهام إذا دخل على النفي، كان الجواب في النفي بنعم، وفي الإِيجاب ببلى، وتأولوا قول جحدر على أنه جواب: وترى الهلال، فقدم، أو جواب مقدّر في نفسه وهو اعتقاد أن الليل يجمعهما، وقيل: هو جواب " فذاك بنا تدانى ".
وبلى حرف مرتجل، وقيل: أصلها بل العاطفة بعد النفي؛ وقال بعض الكوفيين: الألف داخلة للإِيجاب؛ وقال الفراء: دخلت للتأنيث.
(فصل): (كلَّا حرف ردع وزجر) - وهو مذهب الخليل وسيبويه وعامة البصريين.
(وقد تؤوّل بحقّاً) - وهو مذهب مقابل للأول، قال به الكسائيّ وابن الأنباريّ وغيرهما، وكأن المصنف رأى استعمالها للمعنيين، فجعلها لهما، على حسب ما ذكر.
стр. 1508
(وقد تساوى إى معنى واستعمالاً) - فتكون حرف تصديق، وإنما تستعمل مع القسم نحو: كلَّا، والله، بمعنى: إى والله؛ وهذا قاله عبد الله بن محمد الباهليّ، ونحوه قول النضر ابن شميل: إنها تكون بمعنى نعم.
(ولا تكون لمجرد الاستفتاح، خلافاً لبعضهم) - قال أبو حاتم: كلَّا ردٌّ للكلام الأول، وتكون بمعنى ألا الاستفتاحية؛ قال ذلك الزجاج وغيره، وقال أبو على بن أبي الأحوص: تكون كلّا بمنزلة لا، ردّاً لما قبلها، ويُبتدأ بما بعدها، ويوقف عليها، نحو قوله تعالى: ﴿أم اتخذ عند الرحمن عهداً كلَّا﴾؛ قال: وعدتها أربعة عشر موضعا في القرآن؛ أعني التي تكون كذلك؛ وهذا قول الأكثرين من أهل الأدب والعربية، وأهل المعاني والتفسير؛ قال: وأجاز أبو حاتم أن تكون في تلك المواضع كلها بمعنى ألا، وبمعنى حقا؛ فيكون الوقف على ما قبل كلا، والابتداء بها؛ وهو قول غيره من المفسرين.
(وأمَّا: حرف تفصيل) - نحو: ﴿فأمَّا مَنْ أعطى واتقى﴾ ثم قال: ﴿وأمَّا من بخل .... ﴾ وهو كثير؛ لكن لا يلزمها
стр. 1509
التفصيل، إذ يصح: أمَّا زيدٌ فمنطلقٌ؛ مقتصراً عليه.
(مُؤوَّلٌ بمهما يكن من شئ) - فهى حرف ضُمِّن معنى أداة الشرط وفعل الشرط؛ فإذا قيل: أما زيدٌ فمنطلق، فالمعنى المطلق: إن أردت معرفة حال زيد، فزيد منطلق؛ فحذف الحرف والفعل، ونابت أمَّا منابَهما؛ وتأويلها بمهما يكن من شئ، للإِعلام بأن ذلك واقع لا محالة؛ إذ قوة الكلام تشعر، بمقتضى الاستعمال، بأن زيداً منطلق؛ انطلق غيره أو لم ينطلق، فمهما كان من انطلاق غيره وعدمه، فانطلاقه واقع.
(فلذا تلزم الفاء بعد ما يليها) - أى لتأوّلها بمهما يكن من شئ، فتقول: أمَّا زيدٌ فمنطلقٌ؛ وهذا القدر من التعليل، لا يقضى بلزوم الفاء، فإن مهما لا تلزم الفاء في جوابها، إلَّا حيث تلزم في جواب الشرط، على حسب ما تقدَّم، فلابد من زيادة على ذلك.
(ولا يليها فعلٌ) - فلا يقال: أمَّا ضربتُ فزيداً.
(بل معموله) - نحو: ﴿فأما اليتيم فلا تقهر﴾.
(أو معمول ما أشبهه) - كقول العرب: أما العسل فأنا شرَّاب.
(أو خبر) - نحو: أمَّا في الدار فزيدٌ.
(أو مخبر عنه) - نحو: أمَّا زيدٌ فمنطلقٌ - وقال الصفَّار،
стр. 1510
في شرح كتاب سيبويه: كلام العرب أن تقدم مع أمَّا المبتدأ، ولا تقول: أمَّا قائمٌ فزيدٌ، إلَّا قليلاً.
(أو أداة شرط) - نحو: ﴿فأما إن كان من المقرَّبين فرَوْحٌ﴾.
(يغنى عن جوابها جوابُ أمَّا) - كما هو قاعدة اجتماع طالِبَىْ جواب، فقوله تعالى: ﴿فروح﴾ جوابُ أمَّا، لتقدمها؛ وجوابُ إنْ محذوف لدلالة جواب أمَّا عليه، والتقدير: مهما يكن من شئ، فروح وريحان، إن كان من المقرَّبين؛ ويدل على ذلك التزامهم معنى فعل الشرط، فلا يجوز: أمَّا إنْ يقم زيدٌ، فعمرو منطلقٌ؛ وهذا الذي اختاره هو قول سيبويه؛ وقال الأخفش: الجواب لهما؛ وقال الفارسيّ مرة بقول سيبويه، ومرة: الجواب للشرط، وجواب أمَّا محذوف؛ واحتج بأنه لا يفصل في أمَّا إلَّا بمفرد.
(ولا تُفصل الفاءُ بجملة تامة) - فلا تقول: أمَّا زيدٌ منطلق فعندي. وخرج بتامة الفصل بأداة الشرط والشرط؛ ويرد عليه جملة الدعاء، فشرط أن يفصل بين أمَّا وجملة الدعاء معمول أمَّا نحو: أما اليوم - رحمك الله - فلأَفعلنَّ كذا؛ أو معمول جوابها نحو: أما زيداً - رحمك الله - فأكرِمْ؛ ولا يجوز: أمَّا - رحمك الله - زيداً فاضرب، ولا: فاضرب زيداً.
стр. 1511
(ولا تحذف، في السعة، إلَّا مع قول يغنى عنه محكيُّه) - نحو: ﴿أكفرتم بعد إيمانكم﴾؟ أي فيقال لهم؛ وخرج بالسعة الضرورة نحو:
(١٥٨) * فأمَّا القتالُ، لا قتالَ لديكمُ *
أى فلا قتال؛ وسبق له نحو هذا في آخر باب الابتداء.
(ولا يمتنع أن يلي أمَّا معمولُ خبر إنَّ، خلافاً للمازنيّ) - نحو: أمَّا زيداً، فإني ضاربٌ؛ وهذا قول المبرد أولاً، وقول ابن درستويه والفراء؛ وله زيادة أذكرها.
стр. 1512
وتوجيهه أن هذا الموضع للزوم الفصل بين أمَّا والفاء، اغتفر فيه وقوع مالا يتقدَّم مع غير أمَّا، فكما جاز: أمَّا زيداً فاضرب، مع امتناع: إنْ أقم زيداً فاضربْ، جاز هذا، وإن امتنع: زيداً إنى ضاربٌ.
ومذهب سيبويه والمازني والجمهور المنع، فلا يُقدَّم عندهم إلَّا ما تقدَّم لو سقطت أمَّا، فيجوز: أمَّا زيداً فاضرب، لجواز: زيداً اضربْ؛ ويمتنع: أمَّا زيداً فإني ضاربٌ.
وأجاز الفراء التقديم مع ليت ولعل، وهو لازم لما ذكر المبرد وابن درستويه مع التعليل. وحكى ابن ولَّاد عن المبرد أنه رجع، وقال الزجاج: رجوعه عندي مكتوب بخطه.
وثبت بعد هذا في نسخة البهاء الرقى وغيرها، وسقط من بعض النسخ: (وقد تبدل ميمها الأولى ياء) - أنشد الفراء:
(١٥٩) * وأَيْما العَجزُ منها فلا يجرى *
(وقد يليها مصدر متلو بما اشتمل على مثله) - نحو: أمَّا علماً فذو علم.
(أو مشتق منه) - نحو: أمَّا علماً فعالم.
стр. 1513
(فينصبه الحجازيون مطلقاً) - أى معرفة ونكرة؛ فيقولون: أمَّا العلمَ، أو أمَّا علْماً، فزيدٌ عالم؛ بالنصب فيهما؛ وقد ذكر المسألة في باب الحال، وقال: إن للحجازيين في المعرف الرفع والنصب، وهذا مخالف لما ذكره هنا من النصب مطلقاً. وقضية مفهوم كلامه في الحال، ومنطوق كلامه هنا، أنهم يلتزمون نصب النكرة، وهو كذلك، وصرح به في الشرح في باب الحال.
(ويرفعه التميميون معرفةً، وينصبونه نكرة، وقد يرفعونه) - أى المنكر؛ وكذا حكى عنهم في باب الحال.
(والنصب على تقدير: إذ ذكرتَ، والرفع على تقدير: إذ ذُكر) - أى مهما ذكرتَ العلمَ، أو علماً؛ أو مهما ذُكر العلمُ، أو علمٌ؛ وما ذكر من التقدير تفسير معنوى، وهذا قول الكوفيين، حكاه عنهم الخضراوى، ونقله المصنف أيضا بباب الحال، عن بعض النحويين واختاره، وقال في الكتاب، في باب الحال، وهو يعني المعرف في النصب: مفعول له عند سيبويه، وهو المنكر مفعول مطلق عند الأخفش، وقد سبق شرحه.
(واستعمال العلَم بالوجهين موضع هذا المصدر، جائزٌ على رأى) - هذا آخر ما ثبت مما سبق ذكره، وهذا الرأى هو رأى الكوفيين، ولا يخصون ذلك بالعلَم، بل يُجيزون نصبَ العلَم وغيره
стр. 1514
من المعارف الواقعة بعد أمَّا ورفعَه، وحكوا من كلام العرب: أمَّا النصرةَ، فلا نصرة لك، وأمَّا أباك، فلا أب لك؛ وأجازوا: أمَّا العبيدَ فلا عبيدَ لك، يريد عبيداً بأعيانهم؛ ولا يجوز النصب في شئ من هذا عند سيبويه.
واعلم أنه يجوز عند سيبويه والجماعة، أن تعمل أمَّا بما فيها من معنى الفعل، في الظرف والحال والجار والمجرور والمفعول له، ولا تعمل في غير ذلك، خلافاً للكوفيين؛ ومنع بعض النحويين عملها في المفعول له.
(فصل) - (قد يقوم مقام: ما يفعلُ أحدٌ: أقلُّ) - نحو: أقلُّ رجل يقول ذلك إلَّا زيدٌ؛ ويدل على إجرائه مجرى النفي، دخول إلَّا؛ قال سيبويه: لأنه صار في معنى: ما أحدٌ.
(ملازماً للابتداء) - فلا يقع أقلُّ إلَّا صدراً، لأنها نابت مناب النفي بما، وله صدر الكلام، فلا يجوز: كان أقل رجل يقول ذلك، إلَّا على إضمار الشأن.
(والإضافة إلى نكرة) - إمَّا قابلة لاَلْ كرجل، أو غير قابلة كمَنْ، فتقول: أقلُّ مَنْ يقول ذلك؛ قال سيبويه: حدثنا بذلك
стр. 1515
يونس عن العرب، يجعلونه نكرة، وإنما جُعل نكرة، لأن المقصود العموم، والنكرة في سياق النفي تَعُمُّ.
(موصوفة بصفة مغنية عن الخبر) - فإذا قلت: أقلُّ رجل يقول ذلك، مريداً به النفي العام، فأقلُّ مبتدأ، ويقول ذلك صفة لرجل، فهو في موضع جرّ، وقيل: الجملة خبر المبتدأ؛ وعزى كلٌّ من القولين للأخفش؛ والمرجح الأول، لثبوت المطابقة في ضمير الفعل للمضاف إليه، نحو: أقل امرأة تقول ذلك، وأقلُّ رجلين يقولان ذلك، وأقل رجال يقولون، وأقل امرأتين تقولان، وأقل نساء يقُلْن؛ ولو كان المذكور خبراً لطابق المبتدأ، وهو أقلُّ، فكان يقال: أقل رجلين يقول ذلك؛ ولا يقال. والجملة صفة لاخبر، والخبر محذوف، والتقدير: موجود ونحوه. هكذا قدروه، والبحث فيه لا يخفى، وسيأتي شئ منه.
واحترزت بقولى: النفي العام، مما إذا أريد التقليل نحو: أقلُّ يوم لا أصوم فيه، فإنه لا يعنى بهذا: ما يومٌ من الأيام إلَّا أصوم فيه، فيوما العيد لا يُصام فيهما، وإنما المعنى على تقليل انتفاء الصوم، أى هو كثير الصوم؛ فأقلُّ في هذا لا يلزمه الابتداء، بل يجوز نصبه على الاشتغال، والجملة المذكورة خبر عنه. نصَّ على ذلك سيبويه.
(لازم كونها فعلاً) - كما سبق تمثيله.
стр. 1516
(أو ظرفاً) - نحو: أقل رجل فيها، أو عندك، إلَّا زيد.
(وقد تجعل خبراً) - وقد سبق نقله عن الأخفش. ووجهه وإن طابق الضمير المضاف إليه، هو محط الفائدة، والمطابقة جاءت نظراً إلى المعنى، فمعنى: أقل رجلين يقولان ذلك: ما رجلان يقولان ذلك؛ فنظر في الكلام إلى جانب المعنى، لا إلى جانب اللفظ، ونظيره: غير قائم الزيدان، فسدَّ مسدّ الخبر ما ليس معمولاً للمبتدأ، لأنه في معنى: ما قائم الزيدان؛ فروعى في هذا المضاف إليه في العمل، والمبتدأ في المعنى، كما روعى فيما نحن فيه المضاف إليه في المطابقة، والخبر للمضاف، نظراً إلى المعنى.
(ولا بد من مطابقة فاعلها للنكرة المضاف إليها) - وإن جعلت خبراً، كما سبق تقريره.
(ويساوى أقلّ المذكور، قلّ رافعاً مثل المجرور) - نحو: قلَّ رجلٌ يقول ذلك؛ والْ في المجرور للعهد؛ والمراد ما سبق في: أقلّ رجل ... والمراد بالمِثْليَّة كونه نكرة موصوفة بمثل ما سبق؛ فالفعل كما تقدَّم، والظرف نحو: قلَّ رجلٌ في الدار، أو عندك؛ ودخل في النكرة: قلَّ مَنْ يقول ذلك، كما سبق؛ والجملة هنا أو الظرف، صفة لا غير؛ ولا خبر له، إذ لا مبتدأ؛ والمطابقة لازمة، كما سبق، نحو: قلَّ رجلان يقولان ذلك، وكذا الباقي. ويراد بقلَّ من النفي العام،
стр. 1517
ما يراد بأقلّ؛ وسبق أن أقلّ تستعمل للتقليل، وكذا تستعمل أيضا قلَّ؛ وسيأتى ذكره لهذا.
(ويتصل بقلَّ، ما كافة عن طلب فاعل، فيلزم في غير ضرورة مباشرتُها الأفعال) - نحو: قلَّما يقوم زيدُ، أى ما يقوم؛ فما كافة لقلَّ عن عملها، كما تكف رُبَّ نحو: ﴿ربما يود﴾؛ إلَّا أنَّ ربما للماضى، وقلَّما للاستقبال. قاله ابن العلج.
واحترز بكافة من المصدرية نحو: قلَّما أضرب زيداً؛ واحترز بضرورة من قوله:
(١٦١) صدِدْتِ فأطْولْتِ الصدّودَ وقلَّما ... وصالٌ على طول الصّدودِ يدوم
وفيه تأويلان:
أحدهما أن وصالا فاعل تقدَّم ضرورة.
стр. 1518
والثاني أنه مرفوع فعل مضمر يفسره يدوم، أى وقلما يدوم وصال يدوم نحو: ﴿وإن أحدٌ من المشركين استجارك﴾.
(وقد يُرادُ بها حينئذ التقليلُ حقيقةً) - فإذا استعملت قلَّ استعمالَ أقلّ، فتارة يراد بها النفي المحض كأقلّ؛ وتارة يراد بها تقليل الشئ ونزارته، وهو أصلُ وضعها، كما يراد ذلك بأقل، حين هي أفعلُ تفضيل.
(وقد يُدلُّ على النفى بقليل وقليلة) - نحو: قليلٌ من الرجال يقول ذلك، وقليلة من النساء تقولُ ذلك؛ أى ما يقول ذلك رجل، وما تقول ذلك امرأة.
(فصل): (منعت التصرف أفعال) - والتصرف ومنعه يكونان في الأسماء والأفعال؛ والتصرف في الأسماء أن تستعمل بوجوه الإِعراب، فتكون مبتدأة ومفعولة ومضافا إليها، ومنعه أن يقتصر بها على بعض الإِعراب، كاقتصار ايمن على الرفع على الابتلاء، وسبحان على النصب على المصدرية؛ والتصرف في الأفعال أن تختلف أبنية الفعل لاختلاف الزمان نحو: ضرب يضرب اضربْ، ومنعهُ أن يلزم صيغة واحدة مثلا.
(منها المثبتة في نواسخ الابتداء) - وهي ليس وعسى ودام،
стр. 1519
في المشهور، وهَبْ وغيرها مما سبق.
(وباب الاستثناء) - وهى عدا وخلا وحاشا في النصب، ولا يكون.
(والتعجب) - وهى صيغه الثلاث: ما أحسنه وأحسن به، وحَسُنَ بمعنى ما أحسنه، فلا تستعمل إلَّا هكذا، ولا تكون بالمضارع.
(وما يليه) - أى ما يليه بابُ التعجب، وهو نعم وبئس وحبذا، فلا يجوز: يُحب ذا زيد، مراداً به ما يراد بحبَّذا.
(ومنها: قلَّ النافية) - وقد سبق ذكرها، ولا تتصرف حينئذ، بل تلزم صيغة المضىّ. واحترز بالنافية من المراد بها التقليل، فإنها تتصرف نحو: قلَّ وُدُّ فلان، ويقل ودُّه.
(وتبارك) - هو من البركة، ولا يستعمل إلّا كذلك، قال تعالى: ﴿فتبارك الله﴾.
وبارك متصرف نحو: اللهم بارِكْ فيه، والله يباركُ لك ويُعدَّى بفي واللام وعلى، ومنه: وبارك على محمد.
(وسُقِط في يده) - يقال: سقط الشئ، بمعنى وقع، وقد تستعمل حيث لا تستعمل وقع؛ قال الخليل: يقال: سقط الولد من
стр. 1520
بطن أمه، ولا يقال: وقع، ويقال: سُقِط في يده، مبنيا للمفعول، أى ندم، ومنه: ﴿ولما سُقط في أيديهم﴾، قال الأخفش: وقرأ بعضهم: سقَط، كأنه أضمر الندم، وجوَّز: أُسقِط في يده؛ وقال أبو عمرو وغيره: لا يقال: أُسقِط، بالألف، على ما لم يُسمَّ فاعله.
(وهَدَّكَ من رجل) - يقال: مررت برجل، هدَّك من رجل، أى أثقلك وَصْفُ محاسنِه، هذا أصله؛ ويفسَّر أيضا بحَسْبك من رجل، أى يُحسبُك، يقال: أحسبنى كتابي. وفيه لغتان:
إحداهما: إجراؤه مُجرى المصادر، فيوصف به المفرد وغيره بلفظ واحد، تابعاً ما قبله في الإِعراب، ولا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، فتقول: مررت برجلين هدَّك من رجلين.
والثانية جعله فعلاً، يؤتى فيه بعلامة التأنيث للمؤنث، ويبرز فيه ضمير الاثنين والجماعة، فتقول: مررت بامرأة، هدَّتك من امرأة، وبرجلين هدّاكِ من رجلين، وكذا الباقى، وهو فعل
стр. 1521
لا يتصرف؛ وقول المغاربة: إن العرب لم تستعمل منه فعلاً، ليس بصواب؛ فقد نقل فعليته سيبويه وغيره؛ قال سيبويه: وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقول: مررت برجل هدَّك من رجل، ومررت بامرأة هدَّتك من امرأة؛ فجعله فعلا بمنزلة كفاك وكفَتْك.
(وعَمْرتُكَ الله) - قال:
(١٦٢) عَمَّرتُكِ الله إلَّا ما ذكرْتِ لنا ... هل كنتِ جارتَنا أيامَ ذى سلَمِ
والمعنى: أسألكِ الله؛ وقد سبق تقريره بباب القسم.
(وكذَبَ في الإِغراء) - روى عن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، أنه قال: كذبَ عليكم الحج، كذب عليكم العمرة، كذب عليكم الجهاد؛ ثلاثة أسفار كذبن عليكم. فقيل: كذب بمعنى وجب، والحج مرفوع، وكذا الباقي؛ وقال الأخفش: الحج مرفوع بكذب، ومعناه نصب، لأنه يريد أن يأمر بالحج، كما يقال: أمكنك الصيد فارْمِه؛ وقال في بيت عنترة:
стр. 1522
(١٦٣) كذَبَ العتيقُ وماءُ شَنٍّ باردٌ ... إن كنتِ سائلتى غَبُوقاً فاذهبى
إنه يقول: عليكِ العتيقَ؛ فكذب، وإن كان بصيغة الخبر، فيه معنى الإِغراء، ولا يتصرَّف حينئذ، وإن كان متصرِّفاً فيما عدا ذلك، لا يقال: يكذب عليكم الحج، ولا كاذِب؛ وقد نصَّ جماعة على استعمال كذب للإِغراء، قال الأعلم: وأصل الكذب الإِمكان، وقولك للرجل: كذبتَ معناه: أمكنت من نفسك؛ فلذا اتسع فيه، فأُغرى به، لأن من أغرى بشئ، فقد جعل المغرَى به ممكناً مستطاعاً، إنْ رامَهُ المغرَى؛ وهو يرجع إلى ما سبق عن الأخفش من قوله: كما يقال: أمكنك الصيدُ. واختلف في الاسم المذكور بعدُ؛ فقال بعض النحويين: يجب رفعه، ولا يجوز نصبه، لأن كذب فعل، لابد له من فاعل، والجملة في معنى الأمر؛ وقال بعضهم: يجوز نصبُه، واستدلَّ بما روى أبو عُبيد عن أبي عُبيدة عن أعرابى نظر إلى ناقة نِضْو لرجل، فقال: كذب عليكم البزرَ والنوى، أى الزمهما، فنصب البزرَ والنوى؛ وحكى نحوَه يونس بالنصب
стр. 1523
في البزر والنوى أيضا؛ لكن قال أبو عبيد: لم يسمع النصب مع كذب في الإِغراء إلّا في هذا الحرف. انتهى. وهو ضعيف: وقد حكى الأعلم أن مضر تنصب، والرفع لليمن؛ وروى بيت عنترة بالرفع والنصب؛ ويُخرَّج النصب على تضمين كذب معنى الأَمر، فمعنى كذب العتيقَ أى الزم العتيق؛ والعتيق هنا هو التمر البالي؛ ويجوز في: كذب عليكم الحجَّ، على الإِغراء، الحملُ في النصب على التنازع، ويجوز إجراء الرفع عليه، وحذف مفعول عليك اختصاراً.
(وينبغى) - وذكر غيره أنه يتصرف، ومنهم ابن فارس، قال فى المجمل: ما ينبغى لك أن تفعل كذا؛ هذا من أفعال المطاوعة، تقول: بغيته فانبغى، كما تقول: كسرته فانكسر.
(ويهيطُ) - قال ابن طريف: يقال: ما زال يَهيط مرة ويَميط أخرى؛ ولا ماضى ليهيط، والهياط الصياح، والمِياط الدفاع. انتهى. يقال: ما زال في هَيْط ومَيْط، وهِياط ومِياط، أى في ضجاج وشر وجلبة، وقيل: في هياط: في دُنُوّ، وفي مياط: في تباعد، يقال: تهايط القومُ اجتمعوا وأصلحوا أمرهم بينهم، وتمايطوا تباعدوا وفسد ما بينهم.
стр. 1524
(وأهَلُمُّ) - يقال هَلُمَّ، فتقول: إلى مَ أهَلُمُّ؟ فدخول همزة المتكلم دليل الفعلية، ولم يستعملوا منه ماضياً، ولا أكثر العرب أمراً، فلذا قيل: إنه غير متصرف.
(وأَهاءُ وأُهاءُ بمعنى آخذ وأعطى) - يقال: هاءِ، بمعنى خذ، فتقول: ما أَهاءُ، أى ما آخذ، وما أُهاءُ، أى ما أعطى؛ ولا يستعمل من الذي بمعنى آخذ، غير المضارع، إلَّا في لغة؛ فإنهم استعملوها فعلاً للأمر، كما سيأتى؛ وقالوا: هاءِ: كُفّ، كخُفّ، وهائى وهاءا وهاءوا وهاؤنَّ؛ وعلى هذا يكون معنى عدم التصرف في أهاء، أنه لم يتصرف تمام التصرف، بل استعمل المضارع والأمر، دون الماضى واسم الفاعل واسم المفعول؛ فيكون هاءِ وأُهاءُ نظير دع ويدع، وذَرْ ويذر، في الأكثر؛ وأما أُهاءُ بمعنى أعطى فلم يتصرف مطلقا، لا يقال: أَهاءَ بمعنى أعطىَ، ولا هَا بمعنى أَعطِ.
(وهَلُمَّ التميمية) - واحترز من لغة غيرهم؛ فإنها عندهم اسم فعل؛ وقد سبق ذكر هلم بأسماء الأفعال، ولم تستعمل تميم من هلم إلَّا الأمر، وأما المضارع فكما سبق ذكره.
(وهَأ وهاءِ بمعنى خذ) - ولم يتعرض المصنف فى أسماء الأفعال الفعلية هاءِ، وقد سبق الكلام عليها.
стр. 1525
(وعِمْ صباحاً) - فذهب المصنف إلى أنه لم يستعمل هذا الفعل إلَّا بصيغة الأمر؛ وقال يونس: وعِمْتُ الدارَ أَعِمُ، أى قلت لها: انعمِى، وقال الأصمعى: عم في كلام العرب أكثر مِن انعم؛ وقال الأعلم: ويقال وعمَ يَعِمُ في معنى: نعم ينعم، وعِمْ ويَعِمُ، كعِدْ ويَعِدُ؛ وكلام الأعلم يدل على أنه يستعمل المضارع أيضا؛ وقد استند إليه وإلى كلام يونس في إثبات تصرفه، فقيل: ثبت بنقل يونس والأعلم تصرُّفه متعدِّياً ولازما. انتهى. وكلام يونس يحتمل البحث، لاحتمال كونه مأخوذاً من لفظها مثل: سبَّح، قال: سبحان الله؛ وسلَّم، قال: سلام عليك؛ وقيل إن قولهم: عِمْ صباحاً، كلمة تحية، كأنه محذوف من نَعِم ينعِم، بالكسر، كما تقول: كل من أكل يأكل، فحذفت الألف والنون استخفافا، وقيل في قول عنترة:
(١٦٤) * وعِمي صباحاً، دارَ عبلة، واسلمي *
стр. 1526
هو أمر من عَميى المطرُ يَعْمى عميا، والمراد الدعاء بكثرة السقيا؛ ورُدَّ بأن قياسه حينئذ: أعمى كأرمى.
(وتعلَّمْ بمعنى اعلَمْ) - نحو:
(١٦٥) تعلَّمْ شفاءَ النفس قهرَ عدوِّها ... فبالغ بلطف في التحيُّل والمكرِ
أى اعلم؛ وقد سبق له ذكر هذا بباب ظنَّ. واحترز بمعنى اعلَم، من تعلَّمْ، أمراً بالتعلُّم، فإنه يتصرف، فيستعمل المضارع نحو: يتعلَّمُ، والماضى نحو: تعلَّمَ؛ وذكر بعضهم أن الذى بمعنى اعلم، يتصرف أيضا.
(وفى زجر الخيل: أَقدِمْ واقدُمْ) - وزجر الخيل: بعثها على السير، وكذا غيرها؛ يقال: زجر البعيرَ ساقه، وضبط ابن دريد وغيره، أَقدِمْ، بقطع الألف وكسر الدال؛ وهى كلمة زجر للفرس معلومة فى كلامهم، كأنه يؤمَرُ بالإِقدام، وهو السرعة، وجاء في حديث المغازى: اقدُمْ حيزوم؛ وضبط بضم الدال، يقال: قدَمَ يَقْدُم قدماً أى تقدَّم، قال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قومه يوم القيامة﴾؛ فاقدُم بالضم: أمرٌ بالتقدُّم؛ وجاء في: اقدم، كسر الهمزة؛ وحيزوم اسم فرس من خيل الملائكة.
стр. 1527
(وهَبْ) - هذا أيضا مما يستعمل فى زجر الخيل، وهو لا يتصرف؛ ولم يذكر هَبْ بمعنى ظُن هنا، لأنه ذكره فى باب ظن، وقال: إنه لا يتصرف؛ وكان ينبغى له أن لا يذكر تعلَّمْ بمعنى اعلم هنا، لسبقه أيضا هناك.
(وأرْحِبْ) - قال الجوهرىّ: يقال أرحبتُ الشئ وسَّعْتُه؛ قال الحجاج، حين قتل ابن القِرِّيَّة: أرْحِبْ ياغلامُ جُرحَه؛ ويقال أيضا فى زجر الخيل: أَرْحب وأَرْحِبى، أىِ توسَّعى وتباعدى؛ قال الشاعر:
(١٦٦) * نعلِّمها هَبِى وهَلاً وأَرْحِبْ *
وقال قطرب: إذا كان البعير باركاً قيل له: أَرْحِبى أَرْحِبى، ليقوم. ومعنى كون هذا ونحوه لا يتصرف، أنه إذا استعمل للزجر، لا يكون إلَّا بصيغة الأمر.
(وهِجِدْ) - ضبطت هذه اللفظة بكسر الهاء والجيم وسكون
стр. 1528
الدال المهملة، وقال قطرب: إنه يقال فى زجر الفرس: إجد إجد وهجد هجد، واجدم؛ بزيادة الميم، وقالوا: أجدمت الفرس إجداماً: قلت له ذلك؛ قال ابن الرقاع: هُنَّ عُجم، وقد عرفن من القول: هَبِى وأجدمى. انتهى. ولا بد من رد هجد إلى وزن الأفعال؛ ويجوز أن يقال: أصله: أجِد، بفتح الهمزة، فقلبت الهمزة هاء، كما قيل فى: أراق: هراق، ثم كسرت الهاء إتباعاً لكسرة الجيم؛ وكذا يقال فى إجد، بكسر الهمزة: إن ذلك للإِتباع. وحكى الجوهرى أنه يقال: إِجِدِ، بالكسر، يعنى في الهمزة والدال، لما ذكر غيره زجراً للإِبل، وذكره فى الدال المهملة؛ وقال ابن دريد: هو من زجر الخيل؛ وقيل فى رد هجد لوزن الفعل: إن أصله: إجدم بالميم، وقد قالوه كما تقدَّم، وهو فعل كقولهم: إجدمى، والميم من نفس الكلمة، وهى لام الفعل، ثم حذفت شذوذاً، ثم نقلت حركة الدال إلى الجيم الساكنة، ولم يعتدوا بتحريك الجيم لعروضه، فأبقوا الهمزة، كما قالوا فى: سَلْ: اسأل، فلما صار إجد، أبدلوا الهمزة هاء، فقالوا: هِجِد. انتهى. وبقى عليه الإِتباع لكسر الهاء والهمزة، وهذا تكلف كثير، ومخالف لما سبق من قول قطرب: إنه يقال: إجدم، بزيادة الميم، إلَّا أن يحمل على إرادة معنى بالميم، والمراد أن ذلك زائد على المذكور، قيل: من إجِد وهِجد.
стр. 1529
وفي الصحاح، فى الذال المعجمة، أنه يقال: أجذم البعير فى سيره: أسْرَع، والميم فى هذا أصلية، إلَّا أنه بالمعجمة، وما سبق ذكره هو بالمهملة.
(وليست أصواتاً ولا أسماء أفعال، لرفعها الضمائر البارزة) - نحو: أرْحِبى، وهذا من خواص الأفعال، كما سبق أول الكتاب.
(واستغنى غالبا بتركَ عن: وذَر وودَع، وبالتَّرْك عن الوَذْر والوَدْع) - استظهر بغالباً، على ما نقل من أنه نطق بمصدر يذَرُ ويدَعُ، وبالماضى فيهما؛ وكلام سيبويه يدل على أنه لم يُحفظ مصدر ليذر، أو لم يُعبأ به، لندوره أو غير ذلك؛ وكلام غيره على أن المصدر من هذين والماضى واسم الفاعل والمفعول ممات؛ وقد قُرئ شذوذاً: ﴿ما ودَعَك ربُّك﴾ بالتخفيف؛ وفي الحديث: "ذَروا الحبشةَ ما وَذرَتكم"، وفيه أيضا: "لينتهيَنَّ أَقوام عن
стр. 1530
وَدْعهِم الجمعةَ"؛ وفى الصحاح: وربما جاء فى ضرورة الشعر: ودَعه فهو مودوع، قال:
(١٦٧) ليت شعرى عن خليلى ما الذى ... غاله فى الحبِّ حتى ودَعَهْ؟
وقال خفاف بن ندبة:
(١٦٨) إذا ما استحمَّتْ أرضُه من سمائه ... جرى وهو مودوعٌ وواعدُ مَصْدَقِ
стр. 1531
انتهى. والبيت الأول قيل: إنه لأبى الأسود، وقيل لغيره من العرب؛ ومعنى البيت الثانى أنه إذا ابتلَّتْ أسافلُ جواده من عَرق أعاليه، جرى وهو متروك، لا يُضْرَب ولا يُزْجَرُ، ويَصْدُقك فى وعده البلوغَ إلى الغاية؛ يقال للرجل الشجاع، والفرس الجواد: إنه لذو مَصْدَق، بالفتح، أى صادق فى الحملة، وصادق فى الجرى، كأنه ذو صدق فيما يَعدُك من ذلك؛ وفى الصحاح أيضا تقول: ذَره، أى دَعْه، وهو يذَرُه أى يَدَعُهُ، وأصله: وذِرَه يذَرُه، مثل: وَسعَه يَسَعُه، قال: وقد أميت مصدره فلا يقال: وَذْرُهُ ولا واذر، ولكن تَرْكُه وهو تارك. انتهى. وما ذكر من الإِماتة هو المعروف، كما تقدم، وإنما
стр. 1532
أردت التنبيه على وزن الماضى الممات، فالمنطوق به إن ثبت، كذلك يكون.
* * *
стр. 1533
٦٧ - باب الحكاية
وهى إيرادُ لفظ المتكلِّم على حسب ما أورده؛ ثم المحكىُّ إما أن يكون بعد القول أو لا؛ أما الذى بعد القول فقد سبق، وأما غيره فهو المقصود هنا؛ والباب معقود للحكاية بغير القول، بأى وبمن.
(إنْ سُئل بأىّ عن مذكور منكّر عاقل أو غيره، حكى فيها مطلقا ما يستحقُّه من إعراب) - فَعُلم بتعليق أى بالسؤال، أن المستعملة هنا هى أى الاستفهامية، لا الشرطية ولا غيرها؛ واحترز بمذكور، عن ابتداء السؤال بأى، فإنه لا يحكى فيها شئ، إذ لم يسبق ما يُحكى، وإنما يكون بحسب العامل فى كلامك، نحو: أيُّهم قام؟ وأىَّ الناس ضربْتَ؟ وبأىِّ الناس مررتَ؟ بخلاف ما إذا ذكر شئ فى كلام غيرك، فاستَثْبتَّ بأىّ، فإنك تحكى ما سبق؛ وبمنكور عن المعرفة، فلا يحكى بأى، بل تبطل الحكاية حينئذ؛ ولا فرق فى الحكاية بين العاقل وغيره، فهما سواء فى الحكم. ويحكى بأى فى الوصل والوقف، وإليه الإِشارة بقوله: مطلقاً؛
стр. 1534
وهذا بخلاف مَنْ، كما سيأتى. ويجعل فى أى ما كان للاسم المحكىّ من مستحق إعراب، فتقول لمن قال: قام رجل: أىٌّ؟ ورأيت رجلاً: أيّاً؟ ومررت برجل: أىٍّ.
(وتأنيث) - نحو: قامت امرأة؛ فتقول: أيَّةٌ؟
(وتثنية) - نحو: قام رجلان أو امرأتان؛ فتقول: أيَّانِ؟ أو أيَّتانِ؟ .
(وجمع تصحيح موجود فيه) - نحو: قام بنون؛ فتقول: أَيُّون؟ .
(أو صالح لوصفه) - نحو: قام رجال؛ فتقول: أَيُّون؟ لصلاحية رجال للوصف بما فيه الواو والنون، نحو: رجال مسلمون؛ وكذا إذا قيل: نساء؛ فتقول: أَيَّات؟ لصلاحية وصف نساء بما فيه الألف والتاء، نحو: نساء مسلمات؛ وما ذكر من مطابقة أىّ فى الحكاية على الوجه المذكور، هو الأفصح؛ ومنهم من يطابق فى الإِعراب والتذكير والتأنيث لا غير، وسيأتى؛ وأما أىّ فى ابتداء السؤال، فالأفصح إفرادها وتذكيرها؛ ومنهم من يثنى ويجمع ويؤنث، وهو قليل، لا يكاد يوجد إلَّا في شعر، نحو:
(١٦٩) * بأىِّ كتابٍ أم بأيَّةِ سُنَّةٍ؟ * البيت
стр. 1535
واختلف فى حركة أىّ فى الحكاية؛ فقيل: إعراب، وقيل: إتباع للفظ المتكلم، وهى فى موضع رفع على الابتداء أو الخبرية، وعلى طريق البصريين؛ والقول بالإِعراب يكون فى الرفع مبتدأ، فتقدير قولك: أىّ؟ فى استثبات: قام رجل؛ أىٌّ قام؟ ويقدر فى النصب العامل متأخّراً، ففى: أيّاً؟ التقدير: أيّاً رأيتَ؟ وإذا قدرتَ فى الجرِّ قلت: بأىٍّ مررتَ؟ ومنهم من التزم فى الحكاية أن يقال: بأىٍّ؟ حتى لا يحذف حرف الجرّ مع بقاء عمله؛ ويجوز أن يقول: أيّاً ضربت؟ وبأىٍّ مررت؟ فيظهر العاملُ توكيداً، بشرط تأخّره؛ وعلى طريق الكوفيين يجوز تقديم العوامل، لأن الاستفهام للاستثبات يجوز عندهم تقديم العامل فيه مع أىٍّ وما ومَنْ، وأجازوا أيضا إظهار العامل هنا، فتقول: قام أىٌّ؟ ورأيتَ أيّاً؟ ومررتَ بأىٍّ؛ ويجوز عند بعضهم أن لا يُحكى، قال فى الإِفصاح: من النحاة مَنْ أجاز ترك الحكاية بأىّ، وأجاز الاستئناف على الابتداء والخبر؛ وشرط أىّ فى الاستثبات أن لا تكون مضافة.
(وإن سُئل عنه فى الوقف بمَنْ، فكذلك) - أى عن المذكور المنكَّر، فيجرى فى الحكاية بمن، مجرى الحكاية بأي.
стр. 1536
(ولكن تشبع الحركاتُ فى نونها حال الإِفراد) - فإذا قيل: قام رجل، قلت: مَنوُ؟ ورأيت رجلاً، قلت: مَناً؟ ومررت برجل، قلت: مَنِى؟
(ويُسكّن قبل تاء التأنيث حالَ التثنية) - فتقول: مَنْتانِ؟ فى الرفع، ومَنْتَيْن؟ فى النصب والجرّ.
(وربما سكنت فى الإِفراد، وحركت فى التثنية) - أى قبل تاء التأنيث؛ وفى تثنية المؤنث، حكى ابن كيسان، فى المختار له، أن من العرب من يقول: مَنْتْ؟ بسكون النون والتاء، رفعا ونصبا وجرّاً؛ والفصيح منه بتحريك النون بالفتح، وإسكان الهاء المبدلة من هاء التأنيث، والحكاية فى مَنَت؟ ومَنَه؟ مقدرة فى التاء والهاء، رفعا ونصبا وجرّاً؛ ومنهم من يقول فى تثنية المؤنث: مَنَتان؟ ومَنَتين؟ بتحريك النون قبل التاء، وهو القياس، لأن الفصيح فى المفرد منه بتحريك النون، والتثنية فرع الإِفراد؛ وتقول فى: قام مسلمات: مَناتْ؟ بسكون التاء، وكذا فى: رأيت مسلمات، ومررت بمسلمات، والحكاية مقدرة فى التاء، رفعا ونصبا وجرّاً.
(وقد يستعملان مع غير المفرد المذكر استعمالهما معه) - فيحكى فى أيّ الإِعراب فقط، ولا يثنى ولا يجمع فى تأنيث ولا
стр. 1537
تذكير، ويأتي فى المؤنث بالتاء، فتقول لمن قال: قام رجل، أو رجلان، أو رجال: أيٌّ؟ ولمن قال: رأيت رجلا، أو رجلين، أو رجالاً: أيّاً؟ ولمن قال: مررت برجل أو رجلين أو رجال: أىٍّ؟ أو بأىٍّ؟ وتقول فى المؤنث: أيَّة، برفع إن رُفع، ونصب أو جَرٍّ إن نُصب أو جُرَّ؛ واللفظ هكذا إفراداً وتثنية وجمعاً؛ وتلحق مَنْ واوٌ، رفعاً إن رُفع، وألفٌ، نصباً إن نُصب، وياءٌ جرّاً إن جُرَّ، فتقول: مَنُو، مَنا، مَنى، فى التذكير والتأنيث مطلقاً، حكاه يونس عن قوم من العرب؛ وقال سيبويه فى هذا الباب: وسنبين وجه هذه الواو والياء والألف، فى غير هذا الموضع، إن شاء الله تعالى؛ ولم يوجد ذلك فى كتابه.
وعدَّ بعضُ المصنفين، مع الأسماء الستة، فى الرفع بالواو، والنصب بالألف، والجرّ بالياء، مَنْ فى الحكاية.
وذهب المبرد وأبو علىّ، إلى أن هذه الحروف زيدتْ أولاً، ولزمت عنها الحركات؛ وقيل إن هذه الحروف عوض من لام العهد، لأن النكرة متى أعيدت كانت باللام؛ وقال أبو سعيد: الحركات وقعت بها الحكاية، ثم أشبعت فتولدت الحروف.
стр. 1538
(ولا يُحكى غالباً معرفةٌ إلَّا معرفةٌ إلَّا العلَم، غير المتيقَّن نفى الاشتراك فيه) - استظهر بقوله: غالباً، على ما حُكى من قولهم: مع مَنين؟ استثباتاً لمن قال: ذهبت معهم؛ وخرج بغير المتيقَّن، قريش ونحوه، ودخل زيدٌ وآدم علَمين ونحوهما.
(فيحكيه الحجازيون) - أى فيجيز الحجازيون حكايته، مع كونهم يجيزون رفعه بكل حال؛ وأما بنو تميم فيوجبون رفعه بكل حال، ولا يُجيزون الحكاية أصلاً.
(مقدَّراً إعرابُه بعد مَنْ) - فتقول لمن قال: رأيتُ زيداً: مَنْ زيداً؟ بالنصب؛ ولمن قال: مررتُ بزيدٍ: مَنْ زيدٍ؟ بالجرّ؛ فمن فيهما مبتدأ، والاسم بعدها خبر؛ ويجوز عكسُه، وعلامة الرفع مقدَّرة، منع من ظهورها اشتغال الآخِر بحركة الحكاية؛ وإذا قلت: مَنْ زيدٌ؟ فهو أيضا على تقدير الحركة للعلة المذكورة. ونقل ابن عذرة أن من النحويين من يقول: إن الرفع الموجود إعرابٌ لا حكاية، إذ لا ضرورة فى تكلف التقدير؛ وظاهر كلام المصنف على الأول، وما ذكر من التقدير فى الأحوال الثلاثة، هو قول جمهور البصريين؛ وقال الفارسىّ فى: مَنْ زيداً؟ بالنصب، ومَنْ زيدٍ؟ بالجرّ: إنَّ مَنْ مبتدأ، خبره جملة، والتقدير: مَنْ ذكرته زيداً، ومَن مررت به زيدٍ؛ وهذا التقدير يقتضى كون زيد بدلاً من المضمر المنصوب، أو من المجرور؛ وصرح بأن زيداً، حالة الرفع لا يصلح أن يكون خبراً لمن، كحالة النصب
стр. 1539
والجرّ، لأن الخبر المفرد يكون المبتدأ فى الأصل، أو منزَّلاً منزلته، والمسؤول عنه اسمه زيدٌ لا زيداً، بالنصب ولا غيره، ولم يبين الخبر المقدَّر حالة الرفع، وقياس ما ذكره أن يكون التقدير: مَن يُذكر زيدٌ، بالبناء للمفعول، ويكون زيدٌ بدلاً من الضمير فى يُذكر؛ وقال كثير من الكوفيين: الاسم المحكيّ فيه الإِعراب، بدل مِنْ مَنْ، ومَنْ محمولة على عامل مضمر، يدل عليه المذكور فى كلام الأول؛ ويجوز عندهم أن يقدر العامل قبل مَنْ، فى هذا الباب؛ فإذا قيل: قام زيدٌ، فقلت: مَنْ زيدٌ؟ فالتقدير عندهم: قام مَنْ؟ أو مَنْ قام؟ وزيد بدل من مَنْ، وكذا الباقى.
(غير مقرونة بعاطف) - فإذا قيل: قام زيدٌ، فقلت: ومَنْ زيدٌ؟ بطلت الحكاية، ووجب رفع زيد فى الأحوال الثلاثة؛ وفى البسيط أنه إذا قيل: ضربت زيداً وعمراً، جاز أن تقول: مَنْ زيداً؟ ومَن عمراً؟ بالحكاية، وأنه إنما تبطل الحكاية إذا دخل حرف العطف على الأول.
(ولا يقاس عليه سائر المعارف، ولا يُحكى فى الوصل بمَنْ خلافاً ليونس فى المسألتين) - أما المسألة الأولى، وهى حكاية غير العلم من المعارف، فالذى أجمع عليه الرواة، وهو مذهب الحجازيين،
стр. 1540
حكاية العلَم، اسماً وكنيةً ولقباً، وأما غيره، فإن كان مُحلّى باَلْ، وهو وصف منسوب، فإنك تأتى بمَنْ بألْ وياءَى النسب، فتقول لمن قال: قام زيد القرشىّ، إذا استثبتَّ عن القرشىّ: الْمَنِىّ؟ ويعرب ويؤنث ويثنى ويجمع بالواو والنون، والألف والتاء وصلاً ووقفاً؛ وفى البسيط يقال: ضربت زيداً، فتقول: اَلْمَنِىّ؟ تحكيه على كلامه، مرفوعاً ومنصوباً ومجروراً؛ ويأتى الخلاف: أهذا إعراب؟ أم لا؟ وكأنك قلت: أهو القرشىّ؟ انتهى.
وأطلق سيبويه أنك تقول: اَلْمَنِىّ؟ فى السؤال عن نسب إلى بلد أو صفة أو قبيلة أو أب، فتقول: اَلْمَنِىّ؟ فيقول: القرشىّ أو المكى أو الخياط أو العلوىّ؛ واختاره الزجاج، وخصَّه السيرافىّ بالنسب إلى الأب أو القبيلة.
وقال المبرد وغيره: إنما يقال: اَلْمَنِىّ؟ فى مَنْ يعقل، وأما غيره فيقال: المائىّ؟ والماوىّ؟ فإذا قال: رأيت الحمار، وأردت نسبته، قلت كذلك، لا اَلْمَنِىّ؟ والصحيح ما أطلقه سيبويه، ولم يُسمع منهم ما ذكر المبرد، وإنما قاله قياساً.
ولا يجوز الاستثبات عن نسب النكرة، وأما غير ذلك من المعارف، فلا يجوز فيه الحكاية، على المختار؛ وأجاز بعضهم فيه الحكاية، وهو ما حكاه المصنف عن يونس، فتقول لمن قال: رأيت
стр. 1541
أخاك: مَنْ أخاك؟ ومررت بأخيك: مَنْ أخيك؟ وجاء زيدٌ بهذين: مَنْ هذين؟ ومررت بالزيدين: مَن الزيدين؟
وحكى الأخفش أن منهم من يحكى الاسم مطلقاً، اسماً كان أو صفةً؛ وسمع سيبويه: دعنا من تمرتان، حكاية لمن قال: عنده تمرتان؛ وسمع قول: ليس بِقُريشِيّاً، حكاية لمن قال: أليس قريشيّاً؟ وإنما يحكى هذا النوع بعد القول أو ما يجرى مجراه؛ وشذَّ هذا فى حذف القول، والأصل: دعنا من قولك: ما عنده تمرتان، وليس بالذى يقال فيه: أليس قريشيا؟
وأما المسألة الثانية، وهى الحكاية بمَنْ فى الوصل: فأجاز ذلك يونس، وحكاه لغةً عن بعض العرب، ولشذوذها قال يونس: لا يصدق بهذه اللغة كل أحد؛ فتثبت على هذه اللغة الزيادةُ وصلاً، كما تثبت وقفاً، فتقول: مَنُو يافتى؟ ومَنا يا هذا؟ ومَنِى يا هذا؟ بلا تنوين؛ وتقول فى المؤنث: مَنت يا فتى؟ رفعا ونصبا وجرّاً؛ يشير إلى الحركة ولا ينون، وفى التثنية: مَنانِ ومَنتانِ يافتى؟ ومَنينِ ومَنتينِ يافتى؟ بكسر النون، ومَنُونَ ومَنينَ يافتى؟ بفتحها، ومَناتٌ يافتى؟ فتضَم التاء وتنوّن، رفعاً، وتكسرها وتنون نصباً وجرّاً.
(وفى حكاية العلم، معطوفاً أو معطوفاً عليه خلاف:
стр. 1542
منعه يونس، وجوَّزه غيره، واستحسنه سيبويه) - فذهب يونس وجماعة إلى أن عطف أحد الاسمين على الآخر يبطل الحكاية، وذهب غيرهم إلى خلافه، فيحكيان إذا كانا مما يحكى، فتقول: مَنْ زيداً وعمراً؟ لمن قال: ضربت زيداً وعمراً؛ وإن كان أحدهما فقط مما يحكى، بنيت على ما تقدَّم، وأتبعته الآخر، فإذا قيل: رأيت صاحبَ عمرو وزيداً، قلت: مَنْ صاحبُ عمرو وزيدٌ؟ بلا حكاية، وإن عكس حكيتَ، وكذا لحكم لو قال: رأيت رجلاً وزيداً، وزيداً ورجلاً، فلا يُحكى فى الأول، ويحكى فى الثاني؛ قال سيبويه: وأما ناس فقاسوا، فقالوا: تقول: مَنْ أخو زيدٍ وعمرو؟ ومَنْ عمراً وأخا زيد؟ فيتبع الكلامُ بعضُه بعضا، وهذا حسن. انتهى.
وفى البسيط: إن كان أحدهما مما يحكى، فأعدت مَنْ، حكيت العلم دون الثانى، وإلَّا لم تحك واحداً منهما؛ وفيه أيضا: إذا قيل: ضربت زيداً ورجلاً، قلت: مَنْ زيداً ومَنا؟ فلو قدمت النكرة قلت: مَنْ ومَنِ زيداً؟ .
(ولا يُحكى موصوفٌ بغير ابن، مضافٍ إلى العلَم) -
стр. 1543
فإذا قلت: رأيت زيدَ بنَ عمرو، جاز أن يُحكى، فيقال: مَن زيدَ ابنَ عمرو؟ لأنهما صارا بمنزلة زيد؛ ولو قيل: رأيت زيداً الظريف، لم تجز الحكاية، وتعيَّن الرفع، فيقال: مَنْ زيدٌ الظريفُ؟ وحكم بقية التوابع، عدم الحكاية أيضا، فيقال: مَنْ زيدٌ نفسُه؟ ومن زيدٌ أخو عمرو؟ ومَنْ زيدٌ أبو حفص، بالرفع فى الجميع، لمن قال: رأيت زيداً نفسَه، أو أخا عمرو، أو أبا حفص؛ وكذا فى الجرِّ؛ وأجاز الفارسىّ الحكاية فى الوصف والموصوف، وزعم أنه أخذه من كلام سيبويه، وهو مردود عليه.
(وربما حكى الاسم دون سؤال) - مثل هذا بقوله تعالى: ﴿يقال له إبراهيم﴾ واختلف فى حكاية المفرد، مراداً به مجرد اللفظ بعد القول؛ والصحيح جوازه عند المصنف، وصحح غيره المنع؛ واختلف أيضا فى تخريج الآية، فقيل: إبراهيم مرفوع
стр. 1544
بيُقال، فيكون من حكاية المفرد، أى يطلق عليه هذا اللفظ؛ وقيل: حذف منه حرف النداء، أى يا إبراهيم؛ وقيل: خبر مبتدأ محذوف، أى أنت إبراهيم، وعلى هذين يكون من حكاية الجمل؛ وقال الأعلم: رفع بالإِهمال، إذ لم يسبقه ما يؤثر فيه، والقول لا يصلح لذلك، فلا يقع بعده إلَّا جملة أو مفرد يؤدى معناها كحق وباطل، والمهمل إذا ضم إلى غيره رفع نحو: واحد واثنان؛ ويجوز أن يمثل هذا بما سبق من قولهم: دعنا من تمرتان، وليس بقرشياً.
(وربما حكى العلم والمضمر بمَنْ، حكاية المنكَّر) - فإذا قدر جهل الاسم المعرفة الذى جرى ذكره فى كلام المخاطب، فلم يُدْرَ ما هو، حكى كما يحكى النكرة؛ ولا يختص ذلك بالعلم والمضمر، بل كل معرفة كذلك حينئذ، ولا بمَنْ، بل يحكى إذ ذاك بمَنْ أو بأىّ، وعليه ما سبق من قولهم: مَنين؟ استثباتاً لمن قال: ذهبت معهم.
(وربما قيل: ضرَبَ مَن منَه؟ ومَنُو منَا؟ لمن قال: ضرب رجلٌ امرأة، ورجلٌ رجلاً) - رجلٌ امرأة، يرجع إلى: مَن مَنه؟ ورجلٌ رجلاً، يرجع إلى: مَنو منَا؟ والمراد بالأول أن منهم من يعرب مَنْ، قال يونس والكسائى: بعض العرب يعرب مَنْ، ويحكى بها النكرات، كما يحكى بأى، ومن كلامهم: ضرب مَنٌ مَناً؛ وحكى الكسائى: ضرب غلام من منَا، بإِعراب الأول بالخفض وتنوينها،
стр. 1545
وبترك الإِعراب فيها وتسكينها؛ والمراد بالثانى إثبات الزيادة فى الوصل؛ وأشار بربما إلى قلة هذا العمل.
(ويقال فى حكاية التمييز، لمن قال: عندى عشرون: عشرون ماذا؟ وعشرون أيّاً؟ على رأى) - المراد بالحكاية هنا، إيراد الكلام مورد الاستثبات، كما سبق أنك تقول لمن قال: ضربت زيداً: اَلْمَنِى؟ على معنى الاستثبات عن نسبه، كأنك قلت: أهو القرشىّ؟ فإذا قيل: عندى عشرون، فأردت الاستثبات عن حقيقتها، قلت: عشرون ماذا؟ أو عشرون أيّاً؟ وهذا إنما هو على رأى من يعتقد فى استفهام الاستثبات، أنه يجوز تقديم العامل عليه، وهو رأى الكوفيين، وجرى عليه ابن عصفور، وحكى الكوفيون من كلام العرب: يفعلَ ماذا؟ يصنعَ ماذا؟ بنصب يفعل ويصنع، على تقدير: يريد أن يفعلَ ماذا؟ ويريد أن يصنعَ ماذا؟
(ويُحكى المفردُ المنسوبُ إليه حكمٌ هو للفظه) - نحو: ضربَ فعلٌ ماضٍ، ومِنْ حرفُ جرٍّ؛ ويجوز أن يقال: ضربتُ زيداً فتقول: زيداً مفعولٌ بنصب زيد.
(أو يجرى بوجوه الإِعراب) - إن كان قابلاً للإِعراب، فإن كان مبنيا حُكى ولم يُعرب، نحو: مَنْ موصولٌ، وهَلْ حرفُ استفهام، واضربْ فعلُ أمرٍ؛ وحكم الإِسناد اللفظى أن يُنسبَ
следующие страницы →