Полный текст (2 181 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
(وليس النصبُ بعدها بسقوط باء الجر، خلافاً للكوفيين) - فلا عمل لما عندهم، بل المرفوع مبتدأ والمنصوب خبره، ونصب بإسقاط الخافض، ورد بأن إسقاط الخافض لا يوجب النصب لا سيما الزائدة، ألا ترى أن بحسبك درهم، تسقط منه الباء ولا يجب نصبه، بل لا يجوز.
(ولا يغني عن اسمها بدل موجب، خلافاً للأخفش) - في إجازته ذلك في قولك: ما قائماً إلا زيدٌ، بحذف اسم ما والاستغناء عنه ببدله الموجب بإلا، وهو ضعيف، لعدم تعين المحذوف، إذ يحتمل أن يكون المحذوف ما ذكر، وأن يكون الأصل: ما كان قائماً إلا زيدٌ.
(وقد تعمل متوسطاً خبرُها) - وحكى الجرمي أن ذلك لغية، وحكى: ما مسيئاً من أعتب.
(وموجباً بإلا) - كقول المغلس:
(٢٩٨) وما حق الذي يعثو نهاراً ... ويسرق ليله إلا نكالا
стр. 282
(وفاقاً لسيبويه في الأول) - وهو نصبُ خبرِ ما متوسطاً. قال سيبويه: وزعموا أن بعضهم قال: وهو الفرزدق:
(٢٩٩) فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم ... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر
وهذا لا يكاد يعرف، كما أن "لات حين مناص" كذلك، ورب شيء هكذا، وهو كقول بعضهم: ملحفة جديدة في القلة. انتهى.
وعامة النحويين على منع نصب خبرها متوسطاً، وتأولوا البيت.
(وليونس في الثاني) - وهو نصبُ الخبر موجباً بإلا. وروى هذا عنه من غير طريق سيبويه، وذهب إليه الشلوبين في تنكيته على المفصل، ومذهب الجمهور وجوبُ رفعه حينئذ.
(والمعطوفُ على خبرها ببل ولكن موجب فيتعينُ رفعه) - فتقول: ما زيدٌ قائماً بل قاعدٌ، ولكن قاعدٌ، وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي بل هو قاعد.
(وتلحقُ بها) - أ] بما في رفع الاسم ونصب الخبر.
(إن النافية قليلاً) - وقد صرح بذلك المبرد، وتابعه الفارسي وابن جني، ومن إعمالها قوله:
стр. 283
(٣٠٠) إن المرء ميتاً بانقضاء حياته ... ولكن بأن يُبغى عليه فيُخذلا
(ولا كثيراً) - ومنه قوله:
(٣٠١) تعز فلا شيء على الأرض باقياً ... ولا وزر مما قضى الله واقيا
الوزر الملجأ، وقوله:
(٣٠٢) نصرتك إذ لا صاحب غير خاذل ... فبوئت حصناً بالكماة حصينا
(ورفعها معرفة نادرٌ) - كقول النابغة الجعدي:
(٣٠٣) بدت فعل ذي ود فلما تبعتها ... تولت وردت حاجتي في فؤاديا
وحلت سواد القلب لا أنا باغياً ... سواها ولا في حبها متراخيا
(وتكسع بالتاء) - أي لا. فيقال: لات، وتعمل حينئذ عمل ليس. قال ابن القطاع: كسع القوم كسعاً ضرب أدبارهم بالسيف، والإنسان
стр. 284
ضربت دبُره بظهر قدمك، والرجُل تكلمت بإثر كلامه بما ساءه.
(فتختص بالحين أو مرادفه) - كالساعة، ومنه:
(٣٠٤) ندمَ البغة ولات ساعة مندم
ولا تعمل في غير هذين، فلا يقال: لات زيدٌ قائماً.
(مقتصراً على منصوبها بكثرة) - كقوله تعالى: "ولات حين مناص" أي ولات الحين حين مناص. فحذف الاسم وأبقى الخبر، وكقول رجل من طيء:
(٣٠٤) ندم البغة ولات ساعة مندم ... والبغي مرتع مبتغيه وخيم
أي ولات الساعة ساعة مندم.
(وعلى مرفوعها بقلة) - كقراءة بعضهم: "ولت حين مناص" برفع حين. أي ولات حين مناص لهم. فحذف الخبر، ولم يسمع في لات اجتماع الاسم والخبر.
(وقد يضاف إليها حين لفظاً) - كقوله:
(٣٠٥) وذلك حين لات أوان حلم ... ولكن قبلها اجتنبوا أذاتي
والأذاة مصدر أذى، يقال آذاه يؤذيه إذاءً وأذاةً وأذية.
стр. 285
(أو تقديراً) - كقوله:
(٣٠٦) تذكر حب ليلى لات حينا ... وأمس الشيب قد قطع القرينا
أي حين لات حين تذكر.
(وربما استغنى مع التقدير عن لا بالتاء) - كقوله:
(٣٠٧) العاطفون تحين ما من عاطفٍ ... والمسبغون يداً إذا ما أنعموا
أي العاطفون حين لات حين ما من عاطف، فحذف حين ولا، ويحتمل كون الأصل: العاطفونه بهاء السكت، ثم أثبتها وأبدلها تاء.
(وتهمل لات على الأصح إن وليتها هنا) - كقوله:
(٣٠٨) حنت نوار ولات هنا حنت ... وبدا الذي كانت نوار أجنت
стр. 286
قال المصنف: ؛ لا عمل للات في هذا وأشباهه، لكنه مهملة، وهنا في موضع نصب على الظرفية، والفعلُ بعدها صلةٌ لأن محذوفةُ، وأن وصلتها في موضع رفع بالابتداء، والخبر هنا، كأنه قال: ولا هنالك حين. حكذا قال أبو علي، وزعم الشلوبين وابن عصفور أن هنا اسم لات، وهو غير صحيح لأن هنا ظرف غير متصرف، فلا يخلو من معنى في إلا بأن تدخل عليه من أو إلى.
(ورفع ما بعد إلا في نحو: ليس الطيب إلا المسك لغة تميم) - قال أبو عمرو بن العلاء: ليس في الأرض تميمي إلا وهو يرفع، ولا حجازي إلا وهو ينصب.
(ولا ضمير في ليس، خلافاً لأبي علي) - بل هي على هذه اللغة حرف نفي لا عمل لها، وهذا قول الجمهور، وقال الفارسي: هي فعل. واسمها ضمير الشأن، والجملة من الطيب والمسك خبرها. ورُد بأنه لو كان كما زعم لقيل: ليس إلا الطيب المسكُ، كما يقال: ليس كلامي إلا زيد منطلقٌ، ولم يقل: ليس الطيب إلا المسكُ، كما لا يقال: ليس كلامي زيدٌ إلا منطلقٌ.
(ول تلزم حالية المنفي بليس وما على الأصح) - بل ينفي بها الحال والماضي والمستقبل. ومن استقبال المنفي بليس: "ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم". ومن استقبال المنفي بما: "وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعُمر" قال الشلوبين: وحكى سيبويه: ليس خلق الله أشعر
стр. 287
منه. وأجاز سيبويه: ما زيدٌ ضربته، على أن تكون ما حجازية.
(وتُزاد الباء كثيراً في الخبر المنفي بليس) - كقوله تعالى: "أليس الله بعزيز ذي انتقام"؟ "أليس الله بكاف عبده"؟
(وما أختها) - كقوله تعالى: "وما ربك بغافل عما يعملون"، "وما ربك بظلام للعبيد". فلو ثبت الخبر لم تزد. فلا يجوز: ليس زيدٌ أو ما زيدٌ إلا بقائم.
(وقد تزاد بعد نفي فعل ناسخ للابتداء) - كقوله:
(٣٠٩) وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذْ أجشع القوم أعجل
وقوله:
(٣١٠) دعاني أخي. والخيل بيني وبينه ... فلما دعاني لم يجدني بقعدد
стр. 288
أجْشَعُ أفعل من الجشع، وهو أشد الحرص، ومنه جشع الرجل بالكسر وتجشع مثله فهو جشع، وقوم جشعون. ويقال: رجل قُعْدُد وقُعْدَد إذا كان قريب الآباء إلى الجد الأكبر، وكان يقال لعبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس: قُعدد بني هاشم، ويُمدح به من وجه لأن الولاء للأكبر، ويذم به من وجه لأنه من أولاد الهرمي، وينسب إلى الضعف، ومنه: دعاني أخي ... البيت.
(وبعدَ أوَلَمْ يروْوا أن وشبهه) - والمراد به دخولها بعد أن المسبوقة بـ أولم يروا كقوله تعالى: "أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادرٍ". وجاز ذلك نظراً إلى المعنى، إذ معنى أو لم يروا أن: أو ليس.
(وبعد لا التبرئة) - كقول العرب: لا خير بخير بعده النارُ. إذا لم تُجعل الباء بمعنى في.
(وهل) - كقول الفرزدق:
(٣١١) يقول إذا اقلولي عليها وأقردتْ ... ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم
واقلولي ارتفع. ويقال: قرد الرجل سكت من عي، وأقرد أي سكن وتماوت، وبعضهم يقول: أقرد لصق بالأرض.
(وما المكفوفة بإنْ) - كقوله:
стр. 289
(٣١٢) لعمرك ما إن أبو مالك ... بواهٍ ولا بضعيف قواه
(والتميمية، خلافاً لأبي علي والزمخشري) - والصحيح خلاف قولهما، لكثرة دخول الباء بعد ما، في أشعار بني تميم ونثرهم، ونص على ذلك سيبويه والفراء، ومنه قول الفرزدق:
(٣١٣) لعمرك ما معن بتارك حقه ... ولا منسيء معنٌ ولا متيسرُ
(وربما زيدت في الحال المنفية) - كقوله:
(٣١٤) فما رجعت بخائبة ركابٌ ... حكيمُ بن المسيب منتهاها
أي خائبة.
(وخبر إن) - كقوله:
(٣١٥) إن تنأ عنها حقبةً لا تلاقها ... فإنك مما أحدثت بالمجرب
أي فإنك المجربُ مما أحدثتْ.
стр. 290
(ولكن) - كقوله:
(٣١٦) ولكن أجراً لو فعلت بهين ... وهل ينكر المعروف في الناس والأجرُ
(وقد يُجرُّ المعطوف على الخبر الصَّالح للباء مع سقوطها) - وهذا هو العطف على التوهم، ولا ينقاس، خلافاً للفراء، ومنه أنشد سيبويه:
(٣١٧) مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها
جر ناعب عطفاً على مصلحين على توهم الباء. ومنه أيضاً قوله:
(٣١٨) ما الحازم الشهم مقداماً ولا بطلٍ ... إن لم يكن للهوى بالعقل غلَّابا
جَرَّ بطلاً عطفاً على مقدام على توهم الباء، واحترز بالصالح من غيره. فلا يقال: ليس زيدٌ إلا قائماً وذاهب ... بجر ذاهب، ولا: ما زيد يقومُ وقاعد، بجر قاعد.
(ويندرُ ذلك بعد غير ليس وما) - كقوله:
(٣١٩) وما كنت ذا نيربٍ فيهمُ ... ولا منمش فيهم مُنْمِلِ
стр. 291
جر منمشاً على توهم دخول الباء في خبر كان المنفية، وهو: ذا نيرب. والنيرب النميمة، والمنمش المفسد لذات البين، والمنمل الكثير النميمة.
(وقد يُفعلْ ذلك في العطف على منصوب اسم الفاعل المتصل) -كقول امرئ القيس:
(٣٢٠) فظلَّ طهاة اللحم ما بين منضج ... صفيف شواءاً وقدير معجل
جَرَّ قديراً لتوهم جر صفيف بالإضافة، لأن منصوب اسم الفاعل يُجر بالإضافة كثيراً. واحترز بالمتصل من المنفصل فإنه لا يجر المعطوف عليه نحو أن يقال: من بين منضج بالنار صفيف شواء، لأن الانفصال يمنع توهم الإضافة. الطهاة جمع طاه وهو الطباخ. والصفيف ما صف من اللحم على الجمر ليُشْوَى فيه، تقول منه: صففت اللحم صفاً، والقدير المطبوخ في القدر، تقول منه: قدر واقتدر مثل طبخ واطبخ.
(وإن ولي العاطف بعد خبر ليس أو ما وصف يتلوه سببي) - نحو: ليس زيدٌ قائماً ولا قاعداً أبوه، وما زيد قائماً ولا قاعداً أخوه.
(أعطى الوصف ما له مفرداً، ورُفع به السببي) - فيجوز لك في الوصف في المثالين السابقين النصب والجر كما لو لم يذكر السببي. وكذلك لو دخلت الباء في الخبر، ولو قلت: ما زيد يقوم ولا قاعداً أبوه، أو ليس زيدٌ يقوم ولا قاعداً أبوه، لم يجز جر الوصف لما تقدم.
стр. 292
(أو جُعلا) - أي الوصف والسببي.
(مبتدأ وخبراً) - فتقول: ولا قاعدُ أخوه. فيرتفع أخوه مبتدأ. وقاعدٌ خبراً. ويجوز رفع الوصف مبتدأ، وجعلُ ما بعده مرفوعاً به ساداً مسد خبره.
(وإن تلاه أجنبي عُطف بعد ليس على اسمها، والوصف على خبرها) - نحو: ليس زيدٌ قائماً ولا قاعداً عمرو، فعمرو مرفوعٌ عطفاً على اسم ليس، وقاعداً منصوبٌ عطفاً على خبرها، ويجوز لك رفع الوصف على الخبرية للأجنبي، أو على الابتدائية. ولا يجوز نصب الوصف والحالة هذه مع ما، لأن خبرها لا يتقدم على اسمها، بل يتعين رفع الوصف نحو: ما زيدٌ قائماً ولا قاعدٌ عمرو. ويكون الأجنبي مبتدأ وخبره الوصف الذي قبله أو ساداً مسد خبر الوصف.
(وإنْ جُر بالباء جاز على الأصح جرُّ الوصف المذكور) - نحو: ليس زيدٌ بذاهب ولا قائم عمرو. بجر قائم بباء مقدرة مدلول عليها بالمتقدمة. وحذف حرف الجر من المعطوف لدلالة مثله عليه كثير، ونظير المثال قوله:
(٣٢١) وليس بمدن حتفه ذو تقدم ... لحرب ولا مستنسيء العمر محجم
(ويتعين رفعه بعدما) - أي رفع الوصف المتلو بأجنبي نحو: ما زيد قائماً ولا قاعدٌ عمرو. وما زيدً بقائمٍ ولا قاعدٌ عمرو، وذلك لما سبق.
стр. 293
١٤ - بابُ أفعال المقاربة
(منها للشروع في الفعل طفق وطفق وطبق وجعل وأخذ وعلق وأنشأ وهب وقام) - فهذه ثمانية أفعال. ويقال: طفق بكسر الفاء. قال الله تعالى: "وطفقا يخصفان عليهما". والمضارع يطفق بفتحها، والمصدر طفقاً؛ قال الأخفش: وبعضهم يقول: طفق بالفتح يطفق طفوقاً؛ وأغرب هذه الثمانية علق وهب، ومن استعمالهما قوله:
(٣٢٢) أراك علقت تظلم من أجرنا ... وظلم الجار إذلال المجير
وقوله:
(٣٢٣) هببت ألومُ القلب في طاعة الهوى ... فلج كأني كنت باللوم مغرياً
(ولمقاربته هلهل وكاد وكرب وأوشك وأولى وألم) - فهذه ستة أفعال تستعملُ للدُّنو من الفعل، وأشهرها كاد، وأغربها أولى كقوله:
(٣٢٤) فعادى بين هاديتين منها ... وأولى أن يزيد على الثلاثاء وفي بعض النسخ بعد أوشك، وألم وأولى، ولم يتعرض ملها المصنف في الشرح، بل قال إن أفعال الدنو خمسة، وعلى هذه النسخة تكون ستة، فيقال ألم زيدٌ أن يفعل. أي قارب. قال الجوهري: غلامٌ مُلِمٌّ قارب
стр. 294
البلوغَ، وفي الحديث: "وإن مما ينبتُ الربيع ما يقتل حبطاً أو يُلم"، أي يقرب من ذلك انتهى.
ويمكن أن يكون يُلِمُّ في الحديث فعلاً ناقصاً والخبرُ محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه، والتقدير: أو يُلِمُّ أن يقتل. وفي الحديث أيضاً: "لولا أنه شيء قضاه الله لألم أن يذهب بصره". ويقال: كرب بفتح الراء، وهو الأفصح، وبكسرها أيضاً. وعادى من العداء بكسر العين، وهو الموالاة بين الصيدين يصرع أحدهما على أثر الآخر في طلق واحد، ومنه قول امرئ القيس:
(٣٢٥) فعادى عداء بين ثور ونعجةٍ ... دراكاً ولم ينضح بماء فيغسل
والهادية أول الوحش، ومنه قول امرئ القس:
(٣٢٦) كأن دماء الهاديات بنحره ... عصارة حناء بشيب مرجل
والحبط بفتح الباء أن تأكل الماشية فتكثر فينتفخ لذلك بطنها ولا يخرج عنها ما فيها، وقال ابن السكيت، هو أن تنتفخ بطونها من أكل الذُّرَق وهو الحندقوق، يقال: حبطت الشاة بالكسر.
(ولرجائه عسى وحرى واخلولق) - فهذه الثلاثة للإعلام بالمقاربة على سبيل الرجاء، وأغربها حرى، يقال: حرى زيد أن يجيء، بمعنى:
стр. 295
عسى زيدٌ أن يجيء.
(وقد تردُ عسى إشفاقاً) - وهو قليلٌ، بخلاف كونها للرجاء، وقد اجتمعا في قوله تعالى: "وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم".
(ويلازمهن لفظ المضي إلا كاد وأوشك) -فالأربعة عشر الباقية لا يستعمل منها إلا الماضي، وأما كاد وأوشك فلا يلزمان الماضي، وسيأتي ذكر ما استعمل منهما في آخر الباب.
(وعملها في الأصل عمل كان) - فهي من الأفعال الرافعة الاسم الناصبة الخبر.
(لكن التزم كون خبرها مضارعاً) - ولذلك أفردت بباب.
(مجرداً مع هلهل وما قبلها) - فتقول: قام زيدٌ يفعلُ. ومنه:
(٣٢٧) قامت تلوم، وبعض اللوم آونة ... مما يضر ولا يبقى له نغلُ
وكذا الباقي وهو: هب وأنشأ وأخذ وجعل وطفق وطفق وطبق، وذلك لأن أنْ تقتضي الاستقبال والشروع ينافيه.
(ومقروناً بأنْ مع أولى وما بعدها) - والمراد به حرى واخلولق. فتقول: أولى زيدٌ أن يقوم، وكذا الباقي.
стр. 296
(وبالوجهين مع البواقي) - أي بالتجريد من أن والاقتران بها، لكن على التفصيل الذي نذكره.
(والتجريد مع كاد وكرب أعرف) - فكاد زيد يقوم نحو: "وكادوا يقتلونني" أعرف من كاد زيدٌ أن يقوم، نحو:
(٣٢٨) قد كاد من طول البلى أن يمصحا ... رسم عفا من بعد ما قد أنفحا
ومثله قول الآخر:
(٣٢٩) كادت النفس أن تفيض عليه ... إذ غدا حشو ريطةٍ وبرود
وكذا كرب نحو:
(٣٣٠) كرب القلبُ من جواه يذوب ... حين قال الوشاة هند غضوب
стр. 297
ونحو:
(٣٣١) سقاها ذوو الأحلام سجلا على الظما ... وقد كربت أعناقها أن تقطعا
ولم يذكر سيبويه اقتران خبر كرب بأن. يقال: مصح الشيء يمصح مصوحاً ذهب وانقطع. والجوى الحرقة وشدة الوجد من عشق أو حزن، يقال منه:
جوى الرجل بالكسر فهو جو. والسجلُ الدلو إذا كان فيه ماء قال أو كثر، ولا يقال لها وهي فارغة سجل ولا ذنوب، والجمع سجال.
(وعسى وأوشك بالعكس) - فعسى زيدٌ أن يقوم نحو: "فعسى الله أن يأتي بالفتح" أعرف من عسى زيدٌ يقوم، نحو:
(٣٣٢) عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كل يوم في خليقته أمر
وكذا أوشك، فأوشك زيدٌ أن يقوم نحو:
(٣٣٣) ولو سئل الناس التراب لأوشكوا ... إذا قيل هاتوا أنْ يملوا فيمنعوا
стр. 298
أعرف من أوشك زيدٌ يقوم، نحو:
(٣٣٤) ويوشك من فر من منيته ... في بعض غراته يوافقها
وجمهور البصريين على أن حذف أنْ من خبر عسى ضرورة، وظاهر كلام سيبويه أ، هـ لا يختص بالشعر، وقال الفارسي: الأكثر الاقتران ولا يلزم، وغرات جمع غرة وهي الغفلة.
(وربما جاء خبراهما) - أي خبر كاد وعسى.
(مفردين منصوبين) - كقوله:
(٣٣٥) فأبت إلى فهم وما كدت آيباً ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفرُ
وقوله:
(٣٣٦) أكثرت في العذل ملحاً دائماً ... لا تكثرن إني عسيت صائماً
(وخبرُ جعل جملةً اسميةً) - كقوله:
стр. 299
(٣٣٧) وقد جعلت قلوص بني سهيل ... من الأكوار مرتعها قريب
(أو فعلية مصدرة بإذا) - كقول ابن عباس ﵄: فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً.
(أو كلما. وندر إسنادُها إلى ضمير الشأن ودخول النفي عليها) - سقط هذا من بعض النسخ، ولم يتعرض له المصنف في الشرح. ومثال المسألة الأولى أن تقول: جعل زيدٌ كلما جاءه عمرو ضربه، ويحتاج إلى سماع. ويمكن تمثيل المسألة الثانية بما حكاه الزاهد غلام ثعلب أنه يقال: عسى زيد قائم. برفع المبتدأ والخبر بعد عسى. فيتخرج هذا على أن في عسى ضمير الشأن. والجملة بعده خبر عسى، هذا إن جعلنا الضمير في قوله: "إسنادها" إلى أفعال هذا الباب، وإن جعلناه عائداً إلى جعل فالمثال: جعل زيدٌ قائمٌ. ويحتاج إلى سماع، ومثال المسألة الثالثة أن يقال: ما جعل زيد ينظم. ولا ينبغي أن يعود الضمير من قوله: "عليها" لأفعال هذا الباب، إذ لم يندر دخول النفي عليها كلها، لأن من جملتها كاد ودخول النفي عليها مقيس، قال الله تعالى: "وما كادوا يفعلون"، "وإن يكاد الذي كفروا ليزلقونك"، "لم يكد يراها".
стр. 300
(وليس المقرون بأنْ خبراً عند سيبويه) - فإذا قلت: عسى زيدٌ أن يقوم، فأن وما دخلت عليه في موضع نصب بإسقاط حرف الجر، أو بتضمن الفعل معنى قارب، هذا مذهب سيبويه. والمختار أن المقرون بأنْ خبر كالمجرد منها، وهو ظاهر كلام المصنف في هذا الكتاب، وهو قول الجمهور.
(ولا قتيدم هنا الخبر) -فلا يقال: أن يقوم عسى زيدٌ، ولا أفعل طفقت.
(وقد يتوسط) - نحو: طفق يصليان الزيدان، وكاد يطيرون المنهزمون.
(وقد يُحذفُ) - أي الخبر.
(إن عُلِمَ) - كقوله تعالى: "فطفق مسحاً بالسوق والأعناق" أي يمسح، فحذف لدلالة المصدر.
(ولا يخلو الاسم من الاختصاص) - بأن يكون معرفةً أو قريباً منها كاسم كان.
(غالباً) - استظهر به على وروده نكرة محضة قليلاً كقوله:
(٣٣٢) عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كل يوم في خليقته أمر
(ويسند أوشك وعسى واخلولق لأن يفعل فيُغني عن الخبر) - نحو: عسى أنْ يقوم، وأوشك أنْ يذهب، واخلولق أن يفعل. فأنْ وصلتُها في موضع رفع بهذه الأفعال، ولا يحتاج معها إلى خبر، فسدت مسد الاسم والخبر، كما سدت مسد المفعولين في: ظننت أن تقوم.
стр. 301
وفُهم من كلامه أن غير الثلاثة من أفعال الباب لا يستعمل كذلك، فلا يقال: كاد أن يقوم، ولا حري أن يقوم.
(ولا يختلف لفظ المسند لاختلاف ما قبله) - فتقول: زيدٌ عسى أن يقوم، والزيدان عسى أن يقوما، والزيدون عسى أن يقوموا، وهند عسى أن تقوم، والهندان عسى أن تقوما، والهندات عسى أن يقمن، فلا يختلف لفظ المسند وهو عسى لاختلاف ما قبله بإفراد وتذكير وغيرهما، لأنه مسندٌ إلى ظاهر وهو أن وما بعدها، وكذلك أوشك واخلولق.
(فإن أسند) - أي الفعل الذي هو عسى وأوشك واخلولق.
(إلى ضميره) - أي إلى ضمير الاسم السابق.
(اسماً) - إنْ جعلناها مع أنْ داخلة على المبتدأ والخبر.
(أو فاعلاً) - إن جعلناها مع أنْ غير داخلة على المبتدأ والخبر، بل جعلنا أنْ وصلتها مفعولاً.
(طابق صاحبه معها كما يطابق مع غيرها) - فتقول: هندٌ عستْ أن تقوم، والزيدان عسيا أن يقوما، والزيدون عسوا أن يقوموا، والهندات عستا أن تقوما، والهندات عسين أن يقمن، كما تقول: الزيدان كانا يقومان، والزيدون كانوا يقومون: وإذا قلت على هذا: زيدٌ عسى أن يقوم، ففي عسى ضمير مستتر يعود على زيد، كما إذا قلت: زيدٌ كان يقوم، وهذا كله يأتي في أوشك واخلولق.
(وإن كان لحاضر أو غائبات جاز كسرُ سين عسى) - فتقول: عسيتُ أن أخرج، وعسيت أن تخرج، والهندات عسين أن يخرجن، بفتح السين وكسرها، والفتح أشهر، ولم يقرأ من السبعة بالكسر إلا نافع، وذكر
стр. 302
الأدفوي أن الكسر لغة الحجاز.
(وقد يتصلُ بها) - أي بعسى.
(الضميرُ الموضوع للنصب) - نحو: عساني وعساك وعساه.
(اسماً عند سيبويه، حملاً على لعل) - فإذا قلت: عساني أن أفعل، فمذهب سيبويه أن الياء في موضع نصب بعسى اسماً لها، وأنْ والفعل في موضع رفع خبراً لها. فحمل عسى في العمل على لعل، كما حملت لعل عليها في دخول أنْ في خبرها في قوله:
(٣٣٨) لعلك يوماً أن تُلم ملمةً ... عليك من اللائي يدعنك أجزعا
(وخبراً مقدماً عند المبرد) - فالياء عنده في موضع نصب خبراً لعسى، تقدم على اسمها وهو أنْ والفعل، فأبقاها على ما استقر لها من العمل.
(ونائباً عن المرفوع عند الأخفش) - فتبقى عسى على رفعها الاسم ونصبها الخبر. ويزعم أنه وُضع ضميرُ النصب موضع ضمير الرفع، فالياء وأخواتُها عنده في موضع رفع اسماً لعسى، وأنْ والفعل في موضع نصب خبراً لها، ووضعُ ضمير موضع ضمير ثابت في قولهم: ما أنا كأنت، ولا أنت كأنا. ويُبطل مذهبه تصريحُهم بالاسم موضع أنْ والفعل في مثل هذا التركيب مرفوعاً كقوله:
стр. 303
(٣٣٩) فقلت عساها نار كأس وعلها ... تشكي فأتى نحوها فأعودها
برفع نار.
(وربما اقتصر عليه) - أي على الضمير الموضوع للنصب كقوله:
(٣٤٠) ولي نفس أقول لها، إذا ما ... تنازعني، لعلي أو عساني
(ويتعين عوْدُ ضمير من الخبر إلى الاسم) - كما في غيره من الأخبار.
(وكونُ الفاعل غيره قليلُ) - أي غير الضمير، وهذا بخلاف الضمير في غيره من الأخبار، فيكثر في هذا الباب: كاد زيد يفعل، وجعل يتكلم، ويقل: يفعل أبوه، ويتكلم أخوه، مع أنه مؤول بخلاف غيره، إذ يجوز قياساً كان زيد يفعل، وكان زيد يتكلم أبوه، ونظير جعل زيد يتكلم أبوه قوله:
(٣٤١) وقد جعلت إذا ما قمت يُثقلني ... ثوبي، فأنهض نهض الشارب الثمل
стр. 304
وأول على أن المعنى: أثقل بثوبي.
(وتُنْفَى كاد إعلاماً بوقوع الفعل عسيراً) - خلص زيدٌ ولم يكد يخلص. واستدل أبو الفتح على هذا بقوله تعالى: "فذبحوها وما كادوا يفعلون".
(أو بعدمه وعدم مقاربته) - كقوله تعالى: "إذا أخرج يده لم يكد يراها" وقوله: "ولا يكاد يسيغه"، أي لم يرها ولم يقارب أن يراها، ولا يسيغه ولا يقارب أن يسيغه.
(ولا تُزاد، خلافاً للأخفش) - وما استدل به من قوله تعالى: "إن الساعة آتيةٌ أكاد أخفيها" مؤول على أن المعنى: أكاد أخفيها فلا أقول هي آتية، أو أكاد أخفيها عن نفسي.
(واستعمل مضارع كاد) - كقوله تعالى: "لم يكد يراها" و "ولا يكاد يسيغه"، "وإن يكاد الذين كفروا".
(وأوشك) - وهو أكثر من الماضي حتى أن الأصمعي أنكر الماضي.
(ونذر اسمُ فاعل أوشك) - كقوله:
(٣٤٢) فإنك موشك أن لا تراها ... وتعدو دون غاضرة العوادي
стр. 305
قال الجوهري: غاضرة قبيلة من بني صعصعة، وهي من بني أسد، وبطن من ثقيف، وعوادي الدهر عوائقه.
(وكاد) - كقول كثير:
(٣٤٣) أموت أسىً يوم الرجام وإنني ... يقيناً لرهن بالذي أنا كائد
أي بالموت الذي كدت آتيه، فأقام اسم الفاعل مقام الفعل.
стр. 306
١٥ - باب الأحرف الناصبة الاسم الرافعة الخبر
إنما قال: الأحرف ولم يقل: الحروف، لأن الموضع موضع قلة. وقول سيبويه وغيره: الحروف من باب وضع جمع الكثرة موضع جمع القلة، وهو ثابت كقوله تعالى: "ثلاثة قروء"، أو باعتبار ما يعرض لهذه الأحرف من التغيير.
(وهي إن للتوكيد) - ولذلك أجيب بها القسم نحو: والله إنك فطنٌ، والمفتوحة كالمكسورة في إفادة التأكيد، نقله ابن العلج عن النحويين.
(ولكن للاستدراك) - ولذا لا تكون إلا بعد كلام، نحو: فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم".
(وكأن للتشبيه) - قال المصنف: هي للتشبيه المؤكد، فأصلُ: كأن زيداً أسدٌ: إن زيداً كأسد، فقُدمت الكاف وفتحت الهمزة، وصار الحرفان حرفاً واحداً مدلولاً به على التشبيه والتوكيد.
(وللتحقيق أيضاً على رأي) - هو رأي الكوفيين والزجاجي. زعموا أنها قد تكون للتحقيق دون تشبيه، وجعلوا منه قول عمر بن أبي ربيعة:
(٣٤٤) كأنني حين أمسي لا تكلمني ... ذو بغية يشتهي ما ليس موجوداً
стр. 307
إذ لا تشبيه فيه، إذ هو ذو بغية يشتهي ما ليس موجوداً. ورُد بأن التشبيه فيه بيّن بأدنى تأمل، وذلك أنه لما يئس من أن تكلمه مع اشتهائه كلامها. وإن كانت موجودة، كما يُواسُ من الوصول إلى ما هو معدوم، صار كأنه اشتهى ما لا وجود له أصلاً.
(وليت للتمني) - ويكون في الممكن نحو: ليت زيداً أميرٌ، والمستحيل نحو: ليت الشباب يعودُ، ولا يكون في الواجب، لا يقال: ليت غداً يجيء.
(ولعل للترجي والإشفاق) - ولا يستعمل إلا في الممكن، فلا يقال: لعل الشباب يعود، والترجي للمحبوب نحو: لعل الله يرحمنا، والإشفاق للمكروه نحو: لعل العدو يقدم.
(والتعليل) - أثبته الكسائي. وقال الأخفش في المعاني: "لعله يتذكر" نحو قول الرجل لصاحبه: أفرغ لعلنا نتغدى. والمعنى لنتغدى.
(والاستفهام) - قاله الكوفيون، وجعل المصنف منه: "وما يدريك لعله يزكى".
(ولهن) - أي الأحرف المذكورة.
(شبهٌ بكان الناقصة في لزوم المبتدأ والخبر والاستغناء بهما) - فخرج باللزوم ما يدخل على المبتدأ والخبر وعلى غيرهما كألا وأما الاستفتاحيتين، وبالاستغناء بهما لولا الامتناعية وإذا الفجائية فإنهما يشبهان كان في لزوم المبتدأ والخبر ويفارقانهما بافتقار لولا للجواب وإذا إلى كلام سابق.
(فعملت عملها) - أي عمل كان الناقصة.
стр. 308
(معكوساً) - فنصبت الاسم ورفعت الخبر. وهذا على قول البصريين، وأما الكوفيون فيقولون: إنما نصبت الاسم، وأما الخبرُ فلم تعمل فيه شيئاً، بل هو على رفعه قبل دخولها.
(ليكونا) - أي المبتدأ والخبر، وهذا تعليل أول لعملها عمل كان معكوساً.
(معهُن) - أي مع الأحرف المذكورة.
(كمفعول قُدم وفاعل أخر) - نحو: أكل الخبز زيدً.
(تنبيهاً على الفرعية) - لأن الأصل تقديم المرفوع.
(ولأن معانيها) - أي معاني هذه الأحرف: وهذا تعليل ثان.
(في الأخبار) - أي لا يتحقق حصولها إلا في الأخبار.
(فكانت كالعُمد، والأسماءُ كالفضلات، فأعطيا إعرابيهما) - فنصب الاسم لشبهه بالمفعول، ورُفع الخبر لشبهه بالفاعل.
(ويجوزُ نصبهما بليت، عند الفراء) - فيقول: ليت زيداً قائماً بنصب الجزءين، وجعل منه قوله:
(٣٤٥) ليت الشباب هو الرجيع إلى الفتى ... والشيب كان هو البديء الأول
والبد
يء والبدءُ الأول، ومنه قولهم: افعله بادي بدء وبادي بديء، وهو على فعيل، أي أول شيء: وياء بادي ساكنة في موضع النصب. هكذا
стр. 309
يتكلمون به. قاله الجوهري:
(وبالخمسة عند بعض أصحابه) - فأجاز بعض الكوفيين نصب الجزءين بعد خمسة الأحرف. وقال ابن سلام في طبقات الشعراء: هي لغة رؤبة وقومه. وقال ابن السيد: نصب خبر إن وأخواتها لغةُ بعض العرب.
(وما استُشْهد به محمول على الحال) - فخبَّةً جروزاً في قوله:
(٣٤٦) إن العجوز خبةً جروزا ... تأكل في مقعدها قفيزا
حال من فاعل تأكل. والخبة الخداعة. والجروز التي إذا أكلت لم تترك على المائدة شيئاً، وكذلك الرجل.
(أو على إضمار فعل، وهو رأي الكسائي) - فيحمل قوله: هو الرجيع على تقدير كان. والأصل: كان الرجيع، فحذف كان وأبرز الضمير، وبقي النصب بعده دليلاً.
وكان الكسائي يوجه هذا التوجيه في كل موضع وقع فيه نصبان بعد شيء من هذه الأحرف. وكذلك يقدر في قوله:
(٣٤٧) إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن ... خطاك خفافاً، إن حرسانا أسدا
أن الأصل: إن حُراسنا يشبهون أسداً أو كانوا، وجُنح الليل وجنحُه طائفةً منه.
(وما لا تدخلُ عليه دام لا تدخل عليه هذه الأحرف) - فلا تدخل على مبتدأ خبره مفرد طلبي نحو: أين زيد؟ أو جملة طلبية نحو: زيد
стр. 310
اضْرِبْه. أو هل رأيته؟ .
(وربما دخلت إنَّ على ما خبره نهي) - كقوله:
(٣٤٨) إن الذين قتلتم أمس سيدهم ... لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما
(وللجزءين بعد دخولهن ما لهما مجردين) - فجميع ما سبق في باب الابتداء من تقسيم المبتدأ إلى عين ومعنى، والخبر إلى مفرد وغيره يأتي هنا، وكذلك ما تقدم من الشروط، كعود ضمير من الجملة المُخبر بها، ومن الأحوال كحذف الضمير لدليل. كقول الشاعر:
(٣٤٩) وإن الذي بيني وبينك لا يني ... بأرض أبا عمرو لك الدهر شاكراً
أي لا يني به أو من أجله.
(لكن يجب هنا تأخير الخبر) - لما سبق من بيان موجب تقديم منصوبها وتأخير مرفوعها.
(ما لم يكن ظرفاً أو شبهه فيجوز توسيطه) - لأن الظرف والجار والمجرور يتوسع فيهما ما لا يتوسع في غيرهما، فلم يمتنع تقديمهما على الاسم بعد الأحرف، فلهذا جاز: إن في الدار زيداً، وإن أمامك عمراً، ووجب: إن في الدار صاحبها، وأن أمام هند بعلها.
(ولا يُخَصُّ حذف الاسم المفهوم معناه بالشعر، وقل ما يكون إلا ضمير الشأن) - فمن حذفه وهو ضمير الشأن في غير الشعر قول بعضهم: إن بك
стр. 311
زيدٌ مأخوذٌ. يريد: إنهُ. حكاه سيبويه عن الخليل: ومن حذفه وهو غير ضمير شأن في غير الشعر أيضاً ما حكى الأخفش: إن بك مأخوذ أخواك. بحذف الاسم وهو ضمير المخاطب، أي إنك بك مأخوذ أخواك، ومن حذفه وهو ضمير شأن في الشعر قوله:
(٣٥٠) ولكن من لا يلق أمراً ينوبه ... بعُدته ينزل به وهو أعزل
ومن حذفه وهو غير ضمير شأن في الشعر قوله:
(٣٥١) فلو كنت ضبياً عرفت قرابتي ... ولكن زنجي عظيم المشافر
أي ولكنك زنجي، والأعزل الذي لا سلاح معه، ويقال زَنْجِيّ وزِنْجيّ، وهو واحد الزنج والزُنج، وهم جيل من السودان: والمشافرُ جمع مِشْفَر، والمِشْفَر مستعار هنا، وهو من البعير كالجحفلة من الحافر، واستعير هنا كما استعير من قولهم: مشافر الفرس، والجحفلة للحافر كالشفة للإنسان، وضبي نسبة إلى ضبة بن أد، وهو عم تميم بن مُر.
(وعليه يُحملُ: "إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون") -
стр. 312
فيكون نظير ما حكى سيبويه من قولهم: إن بك زيدٌ مأخوذٌ: والأصل إنه من أشد ... فحذ ضمير الشأن كما في إن بك ..
(لا على زيادة منْ، خلافاً للكسائي) - وذلك لأن زيادة من مع اسم إن غير معروفة، وأيضاً فالمعنى يفسدُ على تقدير الزيادة، إذ يصير: إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون، وليس كذلك، إذ غيرُهم أشد عذاباً منهم كالكفرة ونحوهم، وإنما تكلف الكسائي معنى الزيادة لأن مذهبه منعُ حذف ضمير الشأن إذا وقع بعد هذه الأحرف اسم يصح عملها فيه كالمصورين، وما حكاه سيبويه يرد عليه.
(وإذا عُلِمَ الخبرُ جاز حذفه مطلقاً) - أي سواء كان الاسم معرفة أو نكرة، وهذا مذهب سيبويه، وهو الصحيح.
(خلافاً لمن اشترط تنكير الاسم) - وهم الكوفيون. ومن حذفه والاسم نكرة:
(٣٥٢) إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في السفر إذ مضوا مهلا
أي إن لنا محلاً وإن لنا مرتحلاً، والمعنى: إن لنا محلاً في الدنيا ما كنا أحياء، ومرتحلاً إذا متنا، ومن حذفه وهو معرفة:
(٣٥٣) سوى أن حياً من قريش تفضلوا ... على الناس أو أن الأكارم نهشلا
أي تفضلوا. يقال: سفرتُ أسفر سفوراً خرجتُ إلى السفر فأنا سافر، وقوم
стр. 313
سفر كصاحب وصحب، وسفار كراكب وركاب، والمهل بالتحريك التؤدة.
(وقد يسد مسده واو المصاحبة) - نحو ما حكى سيبويه: إنك ما وخيراً. أي إنك مع خير، وما زائدة، والخبرُ محذوف وجوباً كما في: كل رجل وضيعته.
(والحال) - أي وقد يسدُّ مسده الحال نحو: إن شربي السويق ملتوتاً، ومنه:
(٣٥٤) إن اختيارك ما تبغيه ذا ثقة ... بالله مستظهراً بالحزم والجلد
فحذف الخبر وجوباً لسد الحال مسده كما في: ضربي زيداً قائماً.
(والتُزم الحذف في: ليت شعري مُرْدَفاً باستفهام) - نحو: ليت شعري أكان كذا أم كذا. ومنه:
(٣٥٥) ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادٍ وحولي إذخر وجليل؟
فالخبر محذوف وجوباً، أي ليت شعري بكذا ثابت أو موجود، وذلك لأنه بمعنى ليتني أشعر، وجملة الاستفهام في موضع نصب بشعري، وهو مصدر حذفت منه التاء، والأصل شعرة كدربة، قال سيبويه: حذفوا الهاء كما حذفوها في قولهم: ذهب بعذرها، وهو أبو عذرها، والجليل الثمام وهو
стр. 314
نبت ضعيف له خوص أو شبيه بالخوص، والواحدة جليلة والجمع جلائل. وأصل عَذْرها عذرتها كما قال سيبويه، والعذرة البكارة، ويقال: فلان أبو عذرها إذا كان هو الذي افترعها وافتضَّها.
(وقد يخبر هنا، بشرط الإفادة، عن نكرة بنكرة) - نحو ما حكى سيبويه، إنَّ ألفاً في دراهمك بيضٌ؛ وكقول امرئ القيس في رواية سيبويه:
(٣٥٦) وإن شفاء عبرة مهراقة ... فهل عند رسم دارس من معول؟
(أو بمعرفة) - نحو ما حكى سيبويه: إن قريباً منك زيد، وإن بعيداً منك عمرو، وأنشد:
(٣٥٧) وما كنت ضفاطاً ولكنَّ طالباً ... أناخ قليلاً فوق ظهر سبيل
وقدَّره: ولكن طالباً أنا.
(ولا يجوز نحو: إن قائماً الزيدان، خلافاً للأخفش والفراء، ولا نحو: ظننت قائماً الزيدان، خلافاً للكوفيين) - جواز هاتين المسألتين متفرع على جواز: قائم الزيدان، بدون نفي أو استفهام، وقد سبقت المسألة في باب المبتدأ؛ قال المصنف هنا: والصحيح أن يقال: إعمال الصفة عمل الفعل فرع إعمال الفعل، فلا يستباح إلا في موضع يقع فيه الفعل، فلا
стр. 315
يلزم من تجويز: قائمٌ الزيدان تجويز هاتين المسألتين، ولهذا قال المصنف هنا، لا يجوز، وإن كان سبق منه هناك أنه لا يجري هذا المجرى باستحسان إلا بعد استفهام أو نفي.
(فصل): (يستدام كسرُ إن ما لم تؤول هي ومعمولها بمصدر) - وذلك لأن المكسورة هي الأصل، لأنها مستقلة، والمفتوحة كبعض اسم، لتقديرها هي وما عملت فيه به، وقيل: المفتوحة أصل المكسورة، وقيل: كل منهما أصل بنفسها؛ وإنما قال بمصدر ولم يقل بمفرد لأنها إنما تفتح إذا أولتْ بمفرد وهو مصدر، أما إذا أولتْ بمفرد غير مصدر فلا تفتح كما في قولك: ظننت زيداً إنه قائم، فهي هنا واجبة الكسر، وإن كانت في موضع مفرد، لأنه غير مصدر وهو المفعول الثاني، إذ الأصل: ظننت زيداً قائماً.
(فإن لزم التأويلُ لزم الفتحُ) - كما في المواضع التي سنذكرها.
(وإلا فوجهان) - أي وإلا يلزم تأويلها بمصدر بل يجوز فوجهان: الفتح إن أولت بمصدر، والكسر إن لم تؤول، وذلك كما سيأتي.
(فلامتناع التأويل كسرت مبتدأة) - أي مبدوءاً بها لفظاً ومعنى نحو: "إننا أعطيناك الكوثر" أو معنى لا لفظاً نحو: "ألا إنهم هم السفهاء".
(وموصولاً بها) - كقوله تعالى: "وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه"، وأما فتحها في نحو: لا أكلمك ما أن في السماء نجماً، فواجب
стр. 316
كما سيأتي، وليست موصولاً بها، إذا التقدير: ما ثبت أن في السماء نجماً.
(وجواب قسمٍ) - نحو: "إنا أنزلناه في ليلة مباركة"، "قل إي وربي إنه لحق".
(ومحكيةً بقول) - نحو: "قال إني عبد الله"، فإن كان القول بمعنى الظن فهي غير محكية به، ويأتي حكمها في باب ظن.
(وواقعة موقع الحال) - نحو: "وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون".
(أو موقع خبر اسم عين) - نحو: زيد إنه قائم، وكقوله تعالى: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا، إن الله يفصل بينهم يوم القيامة)، وكقول بعضهم:
(٣٥٨) أراني ولا كفران لله إنما ... أواخي من الأقوام كل بخيل
واحترز بقوله: اسم عين من نحو: علمي أنك منطلق، فإنه يجب فتحها، إذ التقدير: علمي انطلاقُك، ومن نحو: أول ما أقول أني أحمد الله، فإنه
стр. 317
يجوز فيها الوجهان كما سيأتي.
(أو قبل لامٍ معلقة) - كقوله تعالى: "قد نعلمُ إنه ليحزنك" ولولا اللام لفتحت كما في: "عَلِمَ الله أنكم".
(وللزوم التأويل فُتحت بعد لو) - كقوله تعالى: "ولو أنهم صبروا" أي ولو ثبت صبرهم، أو لو صبرهم ثابت.
(ولولا) - كقوله تعالى: "فلولا أنه كان من المسبحين" أي فلولا تسبيحه ثابت، أو فلولا وجد تسبيحه.
(وما التوقيتية) - كقولهم: لا أكلمك ما أن في السماء نجماً، أو ما أن حراء مكانه، أي ما ثبت، والأول عن يعقوب: والثاني عن اللحياني.
(وفي موضع مجرور) - أي بحرف نحو: "ذلك بأن الله هو الحق". أو بإضافة نحو: "مثل ما أنكم تنطقون".
(أو مرفوع فعل) - أي فاعلاً نحو: "أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب" أو نائباً عنه نحو: "قل أوحي إلي أنه استمع". ودخل في قوله: "مرفوع فعل" مسألة ما التوقيتية، إذ التقدير كما ذكر: ما ثبت
стр. 318
أن. فلو لم تذكرها لم يبق تكرار.
(أو منصوبه غير خبر) - نحو: "ولا تخافون أنكم أشركتم) ونحو: "اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم". واحترز بقوله: غير خبر مما هو خبر اسم عين نحو: حسبتُ زيداً أنه قائمٌ، فإنه يجب كسرها كما سبق.
(ولإمكان الحالين) - أي التقدير بمصدر والتقدير بجملة.
(أجيز الوجهان) - أي الفتح على تقدير المصدر، والكسر على تقدير الجملة.
(بعد: أول قولي) - نحو: أول قولي أو أول ما أقول أني أحمد الله.
فيجوز فتح أن على تقدير: أول قولي حمدُ الله، ويجوز الكسر على تقدير: أول كلام أتكلمُ به هذا الكلام المفتتح بإني. فعبارة الفتح تصدق على كل لفظ تضمن حمداً، ولا تصدق عبارة الكسر على حمدٍ بغير هذا اللفظ الذي أوله إني.
(وإذا المفاجأة) - كقوله:
(٣٥٩) وكنتُ أرى زيداً كما قيل سيداً ... إذا أنه عبد القفا واللهازم
روى بفتح أنه على تقدير المصدرية، وهو مبتدأ خبره محذوف، أي: فإذا عبوديته ثابتة، وبالكسر على عدم التأويل بالمصدر.
стр. 319
(وفاء الجواب) - نحو: من يأتيني فإنه مكرم. من فتح جعل ما بعد الفاء مصدراً مبتدأ، وخبره محذوف، أي فإكرامه واقع، ومن كسر جعل ما بعدها جملة بلا تقدير، كما لو قال: فهو مكرم. وقد قرئ بالوجهين قوله تعالى: "كَتَب ربُّكم على نفسه الرحمة، أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم".
(وتفتح بعد أما بمعنى حقاً) - نحو: أما أنك ذاهبٌ. روى سيبويه فيه كسر إن على جعل أما للاستفتاح كألا، وفتحها على جعل أما بمعنى حقاً فتفتح كما في: أحقاً أنك ذاهب؟ لتأولها بمصدر مبتدأ، وحقاً مصدر واقع ظرفاً مخبراً به.
(وبعد حتى غير الابتدائية) - وهي العاطفة أو الجارة، وذلك للزوم تقدير المصدر نحو: عرفتُ أمورك حتى أنك فاضلٌ. فيجوز تقدير ما بعد حتى بمصدرٍ منصوبٍ إن جُعلتْ عاطفة، وبمصدر مجرور إن جُعلتْ جارة. واحترز من الابتدائية لأن الكسر بعدها واجب لامتناع تقدير المصدر نحو: مرض زيدٌ حتى إنه لا يُرجى.
(وبعد لا جرم غالباً) - نحو: "لا جرم أن لهم النار" ففتحُ أن بعدها هو المشهور، وبه قرأ القراء، وقد أجريت لا جرم مجرى اليمين فكسر بعض العرب إن بعدها. وفسر الفراء لا جرم مرة بلا بُد ومرة بحقاً، وعند سيبويه أن لا رد لما سبق، وجرم فعل ماضٍ بمعنى حق، وأن وما بعدها في موضع رفع به. وعلى هذا فلا وجه لكسرها إلا ما حكى الفراء
стр. 320
من أن من العرب من يجريها مجرى اليمين فيقول: لا جرم لآتينك، ولا جرم لقد أحسنتَ.
(وقد تُفتح عند الكوفيين بعد قسم ما لم توجد اللام) - ذكر ابن كيسان في نحو: والله إن زيداً كريم، بلا لام أن الكوفيين يفتحون ويكسرون، والفتح عندهم أكثر.
(فصل): (يجوز دخول لام الابتداء بعد إن المكسورة على اسمها المفصول) - أي بالخبر نحو: "وإن لك لأجراً" أو بمعمول الخبر نحو: إن فيك لزيداً راغب، والمغاربة يمنعون: إن فيك لزيداً راغب. فالثانية ممنوعة عندهم.
(وعلى خبرها المؤخر عن الاسم) - نحو: "وإن ربك لذو فضل"؛ فلو تقدم الخبر على الاسم لم تدخل، فلا يقال: إن لعندك زيداً، ولا إن غداً لعندنا زيداً، وكذا إن كان الخبر المؤخر منفياً كما سيأتي.
(وعلى معموله) - أي معمول الخبر.
(مقدماً عليه) - أي على الخبر.
(بعد الاسم) - نحو: إن زيداً لطعامك آكل. ومنه:
(٣٦٠) إن أمراً خصني عمداً مودته ... على التنائي لعندي غير مكفور
следующие страницы →