← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 133359

النظر الفسيح عند مضائق الأنظار في الجامع الصحيح

ابن عاشور

Полный текст (280 стр.). Показаны 246–280 · переход к 251.

стр. 246

وقوله: «ومن كره لقاء الله» مقابل قوله: «من أحب لقاء الله» وقوله فيهما: «أحب الله لقاءه وكره الله لقاءه» كنَّى بمحبة الله لقاء المؤمن عن كرامته عند الله؛ لأن الإكرام من لوازم لقاء الحبيب، وكنَّى بكراهة الله لقاء الكافر عن حرمانه من الكرامة؛ لأن الحرمان والإعراض من لوازم لقاء المرء المكروه. وما بيَّنه رسول الله ﷺ لعائشة أشار إلى محبة المؤمن لقاء الله تستمر حتى يختم له برؤية مقعده من الجنة، فيكمل بذلك له ما كان ناقصًا من محبة لقاء الله، وهو ما كان يخالطه من كراهة الحيِّ الموت، بحيث تكون خاتمته محبة خالصة للقاء، وبعكس ذلك حال الكافر والمنافق، فإن الكراهة التي عاش عليها تزداد في خاتمة عمره فتنتقل من كراهة اللقاء عن تخوف وتوقع وعن تمحض التعلق بالحياة إلى كراهية أشد تَنشأ عن مشاهدة أهوال ما أُعِدَّ له، فتكون خاتمته كراهة محضة. باب كيف الحشر ؟ فيه حديث عبد الله بن مسعود [١٣٧: ٨، ١]: (كنَّا مع النَّبيِّ ﷺ في قبَّةٍ فقال: «أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة ... ») إلخ. الخطاب لأصحابه باعتبارين: باعتبار أنه يحدثهم، وباعتبار أنهم الأمة الإسلامية يومئذ، فقوله: «أترضون» خطاب لأصحابه، وقوله: «أن تكونوا»، أي أن يكون المسلمون بقرينة قوله بعد ذلك: «إن الجنة لا تدخلها إلا نفسٌ مُسلمة وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشَعْرَة البيضاء في جِلْد الثَوْر الأسْود». باب قول الله تعالى: ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ وقع فيه قوله: [١٣٧: ٨، ١٦]: «يقول: أخرج بعث النَّار قال: وما بعث النَّار؟ قال: من كلِّ ألفٍ تسع مائةٍ وتسعةً وتسعين».

стр. 247

كذا ثبت في الرواية «وتسعين» بالياء على النصب، فيكون على تقدير البيان أو البدل من قوله: «بَعْثَ النار»، كأنه قال: أخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، ويكون ما حكي من قول آدم: «وما بعث النَّار؟ » تلقينًا للمتكلم للبيان أو الإبدال؛ وذلك أغنى عن جواب سؤاله. باب الصراط وقع فيه حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ [١٤٧: ٨، ٧]: «وتبقى هذه الأمَّة فيها منافقوها فيأتيهم الله ... » إلخ. ذكر فيه المنافقون، ولم يذكر في بقية الحديث أمر يخصهم ذكروا لأجله، ووقع قريب من هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري عند مسلم: «حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بَرٍّ أو فاجر أتاهم رب العالمين في أدنى صورة ... » إلخ. فإذا كان الحديثان حكاية كلام واحد أو كانا حكاية كلامين، فلعل حديث أبي هريرة وقع فيه اختصار من أحد رواته فيما يخص المنافقين من الأحوال، أو لعل رسول الله ﷺ أعرض عن ذكر أحوالهم؛ لأن الغرض من الكلام بيان ثبات المؤمنين على معرفة الله تعالى. وإنما ذكر المنافقون في أثناء الكلام للإشارة إلى مزية الإسلام أن أهله مُبَرَّءون من عبادة الأصنام سواء في ذلك مؤمنوهم الحق ومنافقوهم؛ لأن حالة المنافقين كانت حالة رفض لعبادة الأصنام وتردد في الإيمان بالنبي ﷺ ، لاسيما وكثير منهم قد كان من أهل دين اليهودية أو شديد المخالطة لليهود. ويكون قوله: «فيأتيهم الله» خاصًّا بالمؤمنين؛ لأنهم المسوق لأجلهم الكلام، فيكون قوله «فيها منافقوها» جملة معترضة في الكلام، كما يدل عليه حديث أبي سعيد الخدري إذ وقع فيه: «حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بَرٍّ أو فاجر» أي من صالحين وعصاة. ويؤخذ حال المنافقين من عَرض الكلام وأواخره؛ إذ قال فيه: «فيعرفونهم بعلامة آثار السجود»، فتأمله فإنه لم يشرحه أهل التأويل بما يشفي الغليل.

стр. 248

كتاب الأيمان والنذور فيه قول أبي موسى: [١٥٩: ٨، ١٢]: (أتيت رسول الله ﷺ في رهطٍ من الأشعريِّين أستحمله فقال: «والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه ... » ثمَّ أتي بثلاث ذودٍ غرِّ الذُّرى فحملنا عليها فلمَّا انطلقنا قلنا: والله لا يبارك لنا، أتينا النَّبيَّ ﷺ نستحمله فحلف أن لا يحملنا ثمَّ حملنا فارجعوا بنا إلى النَّبيِّ ﷺ فنذكِّره، فأتيناه فقال: «ما أنا حملتكم بل الله حملكم وإنِّي لا أحلف على يمينٍ فأرى غيرها خيرًا منها إلَّا كفَّرت عن يميني وفعلت الَّذي هو خيرٌ»). تقدم هذا الحديث في المغازي [٢١٩: ٥، ٤] ووقع في بعض رواياته: (ووافقناه في ساعة غضب). وقد يشكل قول النبي ﷺ : «وما أنا حملتكم بل الله حملكم» بأنه إن كان المراد نفي أن يكون النبي ﷺ هو الذي أعطاهم الحمولة بحسب المعتاد الظاهر لم يصح نفي أن يكون هو الحامل، وإن كان المراد نفي كونه هو المعطي في الحقيقة وباطن الأمر فإن كل فعل كذلك فلا يحنث حالف على نفي فعله؛ إذا فعله لأن الله هو الذي فعله ويسَّره. أو يقال: إنه لما كان الله هو المعطي، فكذلك يقال: إن الله هو الحالف. وأما ما أجاب به الشارحون من أن يكون قوله: «وما أنا حملتكم» قصد به دفع المنة عليهم، وأن محل التأويل هو قوله: «وإني والله لا أحلف على يمين ... » إلخ فغير متجه؛ لأن كلام الرسول وقع جوابًا عن قولهم: «حلفت أن لا تحملنا فنسيت»، وفي رواية: «ثم حملتنا» فهم إنما راجعوه في شأن بَرِّ يمينه ولم يجيئوا شاكرين فضله. فالذي يتجه عندي في دفع الإشكال أن النبي ﵊ أراد أن يبيِّن لهم أن يمينه جرت على بساط خاص، وهو مراعاة ما لديه من الإبل وقت أن سألوه الحُملان فمنعهم؛ إذ ليس لديه حمولة زائدة على حاجة الجيش، فحلف أن لا يحملهم، لييأسوا من ذلك فيستعِدُّوا لأنفسهم لرغبتهم في الجهاد بقرينة قوله: «وما عندي ما أحملكم عليه»، ولم يكن النبي مترقبًا أن تأتيه إبل، فلما جاءه ذود

стр. 249

على غير ترقب حملهم وأعلمهم بأن ذلك من عناية الله بهم؛ إذ ساق لرسوله إبلًا ويسَّر لهم الحمل. فالمعنى: ما أنا حملتكم من الإبل الكائنة عندي حين اليمين؛ ولكن الله يسَّر لكم إبلًا أخرى؛ فذلك معنى قوله: «ولكن الله حملكم». وأما قوله: «وإني لا أحلف على يمين ... » إلخ، فذلك تَرقٍّ في بيان أحوال اليمين، يعني: ومع ذلك فأنا سأكفِّر عن يميني، وهذا من الورع؛ إذ رأى الأولى له أن يكفر عن يمينه نظرًا إلى ظاهر لفظ يمينه دون استعانة بالبساط. باب يمين النبي ﷺ - فيه حديث ابن عمر ﵁[١٦٠: ٨، ١٤]: (كانت يمين النَّبيِّ ﷺ : «لا ومقلِّب القلوب»). كذا أخرجه هنا وفي باب يحول بين المرء وقلبه من كتاب القدر [١٥٧: ٨، ١٩]. والمراد أن هذا اليمين من أيمان النبي ﷺ لا أنها انحصر فيها حلفه فإنه رواه ابن المبارك عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر: (كثيرًا ما كان النَّبيُ يحلف: «لا ومقلِّب القلوب»). ثم إن الشارحين لم يذكروا موقعًا من مواقع هذه اليمين، ولعلهم لم يقفوا على ذلك، والمتعين: إما أنها يمين على إبطال كلام قبلها، فتكون (لا) في أول اليمين نافية لكلام سابق، وجملة القسم بعدها، وجواب القسم محذوفًا دلت عليه (لا) النافية. وإما أنها يمين على امتناع أو خبر بنفي، فتكون (لا) في أولها زائدة لتأكيد حاصل النفي الذي في الجواب كقوله تعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾. فيه حديث عبد الله بن هشام [١٦١: ٨، ٣]: (قال: كنَّا مع النَّبيِّ وهو آخذٌ بيد عمر فقال له عمر: يا رسول الله لأنت

стр. 250

أحبُّ إليَّ من كلِّ شيءٍ إلَّا من نفسي فقال النَّبيُّ ﷺ : «لا والَّذي نفسي بيده حتَّى أكون أحبَّ إليك من نفسك». فقال له عمر: فإنَّه الآن والله لأنت أحبُّ إليَّ من نفسي). الظاهر أن الله فتح على عمر في تلك الساعة ففرض في نفسه أن يكون في مقام يدفع فيه عن النبي ﷺ ضررًا بنفسه، فرأى أنه يفديه بنفسه، فأخبر به حينئذ بعد أن لم يكن يعلم ذلك. باب لا يحلف باللات فيه قول رسول الله ﷺ [١٦٥: ٨، ١٦]: «ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدَّق». أي من قال ذلك بحدثان تحريم القمار والميسر، أي نسي التحريم، فقال عند لقاء أحد أيساره: تعال أقامرك؛ إذ كانوا يقولون ذلك في أوقات فراغهم. باب قوله تعالى: ﴿وأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ فيه قول رسول الله ﷺ لأبي بكر [١٦٦: ٨، ١٢]: «لا تقسم». ومعناه أنه جعل قول أبي بكر: «فوالله يا رسول الله لتحدثني بالذي أخطأتُ في الرؤيا» من قبيل اليمين اللغو على رأي البخاري؛ ومن قال مثله في معنى يمين اللغو. وأردفه بقوله: «لا تقسم» أي لا تُعِد اليمين؛ لأنها تصير حينئذ يمينًا فيها الحنث؛ لأن يمين اللغو على رأي هؤلاء إنما تكون في أول الكلام أو أثنائه مرة واحدة؛ فحذره رسول الله ﷺ من أن يعيد اليمين؛ لأنه لا يحب له الحنث، وما هو بمخبره بما أخطأ في تعبيره.

стр. 251

باب إذا حَنَث نَاسيًا أخرج فيه حديث عبد الله بن عمرو: أن النبي ﷺ قَالَ يَوْم النَّحْرِ لكل من سأله عن شيء قدمه أو أخره ناسيًا [١٦٩: ٨، ٣]: «افعل ولا حرج». ووجهُ مطابقته للترجمة هو التجاوز عن النسيان في الطاعات، فقد استدل بالآية والحديث السابق على التجاوز عن النسيان في الخطأ في المخالفات والمعاصي، واستدل بهذا الحديث على التجاوز عن النسيان في الطاعات ليؤخذ من ذلك استقراء الشريعة في العفو عن النسيان فيتسنى قياس النسيان في الحنث. ووقع فيه حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ في قوله للرجل الذي صلى [١٦٩: ٨، ١٠]: «ارجع فصلِّ فإنَّك لم تصلِّ». ومطابقته للترجمة أن رسول الله ﷺ لم يؤاخذه على الخطأ فيوبخه أو ينذره بوعيد ولكنه اقتصر على أمره بالتدارك. ومقصد البخاري استقراء الشريعة في معاني العفو عن الخطأ لتحصيل قاعدة كلية يمكن إدخال النسيان والخطأ في الأيمان تحت عمومها. باب صاع المدينة فيه قول البخاري [١٨١: ٨، ٨]: (قال أبو قتيبة: قال لنا مالكٌ: مدُّنا أعظم من مدِّكم ... ) إلخ. كلام أبي قتيبة يؤذن بأنه قال لمالك كلامًا يقتضي أن إخراج الزكاة والكفارة بمدِّ هشام المستعمل في البصرة، أو بمد عمر بن عبد العزيز أفضل؛ لأنه أعظم فهو أوفر للفقير، فقال له مالك: «مدُّنا أعظم من مدكم».

стр. 252

فلفظ (أعظم) جرى لمشاكلة كلام أبي قتيبة المطوي، فأبو قتيبة أراد العِظَم الحقيقي وهو الكِبَر، ومالك أراد العِظَم المجازي، وهو بركة الاقتداء بالنبي ﷺ والاحتفاظ بأعماله وتقديراته؛ لأنه إذا فُتح باب إتباع المكاييل المُحْدَثة، لأجل كونها أوفر، يوشك أن تتبع مكاييل تُحدَث في المستقبل تكون أصغر من مد النبي ﷺ ، فإذا كنتم يومئذ ترجعون إلى مد النبي ﷺ فارجعوا إليه في كل حال. والمقصد الشرعي من التقديرات إتباعها، ومن أراد زيادة الثواب فليأت بقُرَب أخرى ولا يزد فيما قدره الشرع.

стр. 253

كتاب الفرائض باب تعليم الفرائض فيه قول عقبة بن عامر الجُهَني ﵁[١٨٥: ٨، ٥]: (تعلَّموا قبل الظَّانِّين، قال البخاري: يعني الذين يتكلمون بالظن). اهـ. فمعنى «قبل الظَّانين» قبل أن يوجدوا، كما يقال: كان هذا قبل المسيح، أي قبل وجوده، أي تعلموا العلم من السنن قبل أن يجيء ناس جهال يتكلمون في الدين بالظن، وقد عَلم أنهم يجيئون من إخبار النبي ﷺ بذلك، كما في حديث [٣٦: ١، ١١]. «إن الله لا ينزع العلم انتزاعًا ولكن ينتزعه بموت العلماء حتَّى إذا لم يبق عالم اتَّخذ النَّاس رؤوسًا جهَّالًا فأفتوا بغير علمٍ فضلُّوا وأضلُّوا». والمراد بالظن في اصطلاح المتقدمين الرأي المخالف للدليل الشرعي، وهو الظن المسمى بالهوى، وقد تكرر في القرآن والسنة التحذير منه، وأما القياس على أصل شرعي فليس من الظن المذموم؛ فقد قاس أبو بكر الجدة للأب على الجدة للأم بطريق تحقيق المناط. وأما إخراج البخاري حديث: «إيَّاكم والظَّنَّ» عقب كلام عُقْبة فللإشارة إلى المراد من الظن المذموم. باب قول النبي ﷺ : «لَا نُورَثُ ما تركناه صدقة» فيه قول عائشة ﵁[١٨٥: ٨، ١٤]: (جرته فاطمة). أي لأنها كانت تؤول قول رسول الله: «لا نورث» بتخصيصه ببعض المتروكات دون نحو حظه من خُمُس المغانم والفيء، كما كان يتأوله علي والعباس، وقضى أبو بكر بما رأى من عموم الحديث، وإنما هجرته فاطمة مبالغة في إنكار تأويله؛ لأنها

стр. 254

رأته مخالفًا للحق في اجتهادها فكانت ممن غضب لله، وكان أبو بكر ممن احتمل ذلك في ذات الله. ووقع فيه قول عمر لعلي والعباس [١٨٦: ٨، ١٦]: (إن شئتما دفعتها إليكما بذلك). فقوله: «بذلك» إشارة إلى ما كان رسول ﷺ يفعل في ذلك، أي بأن ينفقا على آلهما، فإنهم آل رسول الله ﷺ ويجعلا الباقي مجعل مال الله فيعطياه الفقراء ونحوهم. والظاهر أن العباس وعليًّا جاءا مختصمين في قسمة التصرف، وأنهما أدمجا في كلامهما معاودة طلب ميراثهما لقول عمر لهما: «فتلتمسان مني قضاء غير ذلك» فإنهما كانا يريان حقًا لهما في الميراث، ويحاولان الاستظهار على عمر في رأيه لعله أن يرجع إليهما؛ فلذلك أخبرهما بأنه لا يقضي بغير ما قضى به قبل، أي أنه ثابت على اجتهاده وذلك من شدة تمكنه من دليله. باب ميراث الأخوات مع البنات عَصَبَةٌ فيه قول الأسود بن يزيد [١٨٩: ٨، ١٧]: (قضى فينا معاذ بن جبلٍ على عهد رسول الله ﷺ ). يريد قضى وهو باليمين، وزاد قوله: «على عهد رسول الله» لينبه على أنه قضى عن علم بسنة ميراث الأخوات مع البنات تلقاه عن رسول الله ﷺ . فإن قلت: إن معاذًا لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمين قال له: «بِمَ تقضي؟ » قال: بكتاب الله وسنة رسوله قال: «فإن لم تجد؟ »، قال: أجتهد رأيي وأقيس الشيء بالشيء، فَصَوَّبه رسول الله ﷺ ، فلعله قضى في ميراث الأخوات بالاجتهاد. قلنا: كان شأنهم أن لا يجعلوا المواريث مجالًا للاجتهاد كما علم من سيرة الخلفاء فيها، وهذا هو وجه اعتناء البخاري بتحقيق رواية الأعمش في زيادة إسناد قوله: «على عهد رسول الله ﷺ ».

стр. 255

كتاب الحدود باب إذا أقرَّ بالحدِّ وَلَمْ يُبيِّن [٢٠٧: ٨، ١]: (عن أنسٍ كنت عند النَّبيِّ ﷺ فجاءه رجلٌ فقال: يا رسول الله إنِّي أصبت حدًّا فأقمه عليَّ. قال: ولم يسأله عنه، قال: وحضرت الصَّلاة فصلَّى مع النَّبيِّ ﷺ فلمَّا قضى النَّبيُّ الصَّلاة قام إليه الرَّجل فقال: يا رسول الله إنِّي أصبت حدًّا فأقم فيَّ كتاب الله، قال: «أليس قد صلَّيت معنا؟ » قال: نعم، قال: «فإنَّ الله قد غفر لك ذنبك أو حدَّك»). أقر الرجل إقرارًا بمجمل فأعرض رسول الله ﷺ عن استفساره. والظاهر أن رسول الله ﷺ علم ما يريد الرجل، ولعله قذف أو شرب خمرًا. كما أنه يحتمل أن يكون الرجل ممن يظن به العلم بالحدود، وأن يكون ممن لا يظن به. فلعله يحسب ما ليس في كتاب الله مذكورًا في الكتاب وإسقاط إقامة الحدِّ عليه عفو من الإمام لمصلحة أو خصوصية، أو كان ذلك في صدر الإسلام ثم نسخ. باب رجم الحبلى من الزنا وقع فيه قول عمر بن الخطاب [٢١٠: ٨، ٨]: (فلا يبايع هو ولا الَّذي بايعه تغرَّة أن يقتلا). قوله «تغرة» مفعول لأجله متعلق بالفعل المنهي عنه، والمعنى أن المسلمين لا يرضون بمن يُولَّى عليهم من غير شورى، فهم يبايعون من يرضونه، فيبقى ذلك الذي بايعه رجل عن غير مشورة مغترًّا ببيعته، ويبقى معه الذي بايعه، كلاهما يأنف أن ينقض ما جعل له، فيصبحان خارجين عن الجماعة، فربما أوجب ذلك قتلهما باعتبارهما باغيين مُفَرِّقَين للجماعة.

стр. 256

باب من رأى مع امرأته رجلًا فقتله يظهر من هذه الترجمة أن البخاري استخلص من قول سعد بن عُبادة [٢١٥: ٨، ١٠]: (لو رأيت رجلًا مع امرأتي لضربته بالسَّيف غير مصفحٍ). وقول النبي ﷺ : «أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير منِّي» - أن الذي يجد رجلًا يزني بامرأته له أن يقتله؛ لأن النبي ﷺ لم يصرح بالإنكار على سعد؛ ولعل البخاري يتأول ظاهر القصة بأن تلك حالة لا يملك المرء فيها نفسه من شدة الغيرة، وقد جرت عادة العرب في مثل ذلك أن ينتقموا من الرجل الزاني دون المرأة. والأحسن أن لا ننسب للبخاري فقهًا في هذه الترجمة، وأنه ساقها لمجرد النظر فيما استخرج منها من الفقه للناظر، وأن الحق أنه ليس في الحديث دليل للإذن في القتل، وأن قول النبي ﷺ : «لأنَا أغيرُ منه واللهُ أغيرُ مِنِّي» إبطال لقول سعد أنه يقتله؛ لأن الله الذي هو أغير لم يأذن له في ذلك، فقد قال تعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ولَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ الآية. وذلك لدفع حد القذف فيما لا يرى أن يلزم الإشهاد لتوجه الرجم أو الجلد على الزاني. وقوله: «لأنا أغير منه» معناه: وقد جئت مخبرًا عن حكم الله بخلافه، فالنبي ﷺ سكت عن حكم ما فرضه سعد ولا يُعَدُّ ذلك من التقرير؛ لأن التقرير المعتبر حجة هو تقرير الواقعات لا المفروضات؛ لأن للمفروض حكمه عند وقوعه، والأحكام غير مجهولة. واعلم أن قول النبي ﷺ : «أتعجبون من غيرة سعد؟ » استفهام إنكار للتعجب الذي هو بمعنى الإعجاب، أي أيعجبكم قول سعد فتعجبون منه عجب استحسان؟ ولا ينبغي لكم ذلك؛ لأنه من شؤون الجاهلية. وأن قوله: «لأنَا أغْير منه والله أغيرُ مني» بيان لفساد غيرة سعد فإنها غيرة مشوبة بتهور واعتداء. وأما غيرة الله وغيرة رسوله فهي غيرة معصومة من شائبة العدوان، وقد روي هذا الحديث مطولًا في سنن أبي داود بما يزيد هذا المعنى تقريرًا. ثم بعد كتابتي هذا بسنين رأيت في كتاب ابن المواز عن ابن وهب عن يحيى ابن أيوب عن عمر مولى ... أن سعد بن عبادة قال عند رسول الله وذكر النساء: (والله لو وجدتُ مع امرأتي رجلًا ما فرقت بينهما إلا بالسيف، فقال رسول الله ﷺ :

стр. 257

«فأين الشهداء الأربعة؟ إنما جعل الله الشهداء الأربعة ليستر بعضكم عورة بعض»، أو نحو هذا، ثم قال: «والله لله أغير منِّي وأنا أغير منك ولكن الله أعلم منِّي وأنا أعلم منك») انتهى من جامع الجنايات من كتاب ابن المواز.

стр. 258

كتاب الدّيّات باب إذا قتل نفسه خطأ فلا دية له [ ٩: ٩، ٨] أي فلا تدفع عاقلته دية لأهله؛ لأن مشروعية الدية أنها غرم عن الجناية، وحقها أن تكون في مال الجاني، وإنما جعلت على العاقلة تخفيفًا عن القاتل؛ ولذلك يكون دية الجراح في مال الجاني إذا كانت دون ثلث الدية الكاملة. وحديث موت عامر بن الأكوع دليل على ما أراده البخاري؛ لأن الرواة لم يذكروا أن الرسول ﷺ أمر بدية لأهله. باب من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينه فلا دية له [٣١: ٩، ٩] جعل البخاري هذه الترجمة فقهًا، وهو تفقه بعيد، وليس في السنة ما يشهد له ولا يجوز للمطلع عليه إلا أن يسد المنفذ، وأما المطلع فتختلف أحوال تأديبه. وقول أنس ﵁: (وجعل يَخْتِلُه ليطعنه) مُبْهم منه، ولم يَروِ أن ذلك وقع، وقول رسول الله ﷺ [١٣: ٩، ١٥]: «لطعنتُ به في عينيْك» خارج مخرج التهديد، فلا يعارض الأدلة التي ثبت بها حرمة أطراف المسلم وجوارحه، ودفع المعتدي لا يكون بأكثر مما يردعه. ثم إن المعتدى عليه إذا دفع بدفع مشروع فأصاب ما لا يقصد كان ذلك من باب قولهم: المأذون فيه لا يتغير بالسلامة، كما قال رسول الله ﷺ فيما رواه أبو هريرة [١٣: ٩، ١٨]: «لو أن امرأً اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح»، أي بخلاف ما يقصد منه الإتلاف.

стр. 259

كتاب المرتدين فيه عن ابن مسعود [١٧: ٩، ١٩]: (قال رجلٌ: يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهليَّة؟ قال: «من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهليَّة ومن أساء في الإسلام أخذ بالأوَّل والآخر»). وظاهره مشكل لتظافر الأدلة على أن الإسلام يُجِبُّ ما قبله فوجب تأويله. وتأويله عندي: المراد بالإحسان في الإسلام أن يسلم إسلامًا صادقًا لا نفاق فيه، فقد كانوا يقولون: أسلم فلان وحسن إسلامه. والمراد بالإساءة النفاق أو الارتداد. ويمكن أن يُؤوَّل بأن المؤاخذة المسؤول عنها مؤاخذة الحساب يوم القيامة، وعد السيئات على فاعلها، وليس المراد العقاب عليها. والحاصل أن الحديث روي بالمعنى، ولم يُوفِ الراوي بلفظ الرسول الذي لا يحتمل معنًى يخالف ما تظافرت عليه الأدلة.

стр. 260

كتاب الحيل باب فيه حديث [٣٢: ٩، ١٠]: «إنَّكم تختصمون إليَّ وإنَّما أنا بشرٌ». ولعلَّ البخاريَّ لم يترجم هذا الباب بعنوان؛ لأن الحديث الذي أخرجه فيه صالح للاحتجاج به في أبواب كثيرة من نفي الحيل، وسيترجم له فيما يأتي بـ «باب من قضي له بحق أخيه فلا يأخذه».

стр. 261

كتاب التعبير باب نزع الماء مِنَ البئر حَتَّى يروي الناس وقع فيه نافع عن ابن عمر قول النبي ﷺ [٤٨: ٩، ٢٠]: «بينا أنا على بئرٍ» إلى قوله: «فأخذ أبو بكرٍ الدلو فنزع ... وفي نزعه ضعفٌ فغفر الله له». إن الرؤيا جاءت على حال الرمز عن المعاني بالأعمال المحسوسة، كما هو الغالب في الرؤى. فرُمز بالدلو عن سعة بلاد الإسلام، ورمز بالنزع عن إدارة أمر بلاد الإسلام، وبالشدة والضعف عن مطاوعة البلاد؛ لأن الضعف يأتي من غلبة الدلو لقوة النازع من البئر. فالمعنى المرموز إليه هو حال مدة خلافة أبي بكر، فإنه أدار أمور المسلمين في حال اضطراب أكثر البلاد وعدم طواعيتها بسبب ردة من ارتدَّ من العرب، فليس في ذلك إثبات ضعف حقيقي لأبي بكر. وكيف وقد أخذ المرتدين بالشدة والقتال، وأرجعهم إلى حظيرة الإسلام؛ ولكن تلك الردة أوجبت اضطراب الأمر في مدته، فلم يتمكن من توسيع البلاد الإسلامية ولا من إقامة نُظُم كثيرة لاشتغاله بالأهم، أو اشتغال المسلمين بالتجهُّز لِقتال المُرْتَدين. وأما قوله: «فغفر الله له» على هذه الرواية فواضح، أي فلم يؤاخذه الله بالاشتغال عن كثير من تقوية أمر المسلمين؛ لأنه صرف شغله إلى الأهم. ووقع في رواية همام عن أبي هريرة في هذا الباب [٤٩: ٩، ١٢]: «والله يغفر له» والمعنى واحد. وصيغت الجملة على تقديم المسند على الخبر الفعلي للاهتمام بصنع الله معه، أي هذا ما صنعه وصنع الله معه أنه غفر له؛ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. ووقع في رواية ابن المسيب عن أبي هريرة في كتاب المناقب من البخاري [٧: ٥، ٥]: «والله يغفر له ضعفه»، والمعنى على نحو ما في رواية همام، إلا أن قوله: «ضعفه» معناه ذلك الضعف الرمزي، وهو اضطراب الأمور، وإضافته إلى أبي بكر لأدنى

стр. 262

ملابسة لوقوعه في زمنه، مثل قولهم: كوكب الخرقاء، وقد اتضح معنى الحديث وإن كان قد أشكل على كثير للغفلة عما فيه من الرمز.

стр. 263

كتاب الفتن باب لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه [ ٦١: ٩، ١٨] ترجم البخاري ﵀ هذا الباب باللفظ الوارد عن النبي ﷺ في حديث أنس الذي أخرجه تحت هذه الترجمة ليترك للناظر تأويل معنى هذا الحديث. والذي يظهر أن المراد بالزمان الأزمنة التي يحضرها أصحاب رسول الله ﷺ لقوله ﵊ في خطابهم: «حتى تَلْقَوا ربكم»؛ ذلك أن الصحابة كانوا في زمن النبي ﷺ وهو أسعد الأزمنة، ثم كانوا بعده في زمن الخليفتين أبي بكر وعمر ومدة من زمن عثمان، ثم أقبلت الفتن وذهبت تتزايد إلى أن انقرض الصحابة ﵁. باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة [ ٦٥: ٩، ٣] فيه حديث حذيفة عن النبي ﷺ ، والظاهر أن المراد بالشر الأول هو ردة العرب، وبالدَّخَن في الخيْر الثاني ما حدث من الأحداث السيئة في الإسلام بعد قتل عمر، ومحاولة الخروج على عثمان، فإن الناقمين عليه كانوا يدَّعون الغيرة على الإسلام وينكرون على بعض الولاة في زمنه مناكر، بعضها جدير بالإنكار، إلا أن معظمها غلوٌّ وإفراط، فهم يهدون بغير هدي ويقولون معروفًا ومنكرًا. والظاهر: أنه أراد بالشر الذي بعد ذلك فتنة الخروج على عثمان وما حدث بعده من الخروج على عليٍّ بعد أن بايعوه، وكلا الفريقين الخارجين على الخليفتين دعاة على أبواب جهنم؛ لأنهم يَدْعُون المسلمين إلى القتال وشَقِّ العصا ومفارقة الجماعة، وهم كلهم من العرب؛ ولذلك قال: «هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا». وكأن رسول الله ﷺ وقف عند هذا الحدِّ؛ لأنه الذي يحصل في حياة حذيفة القاصد من سؤاله عن الشرِّ اتقاء الوقوع فيه. وأما ما ذهب إليه عياض في تفسير ذلك مما هو في الشرح فغير مستقيم؛ لأنه أهمل الردة، وهي أعظم شرٍّ وقع بعد وفاة النبي ﷺ ، وجعل خلافة عمر بن عبد العزيز هي

стр. 264

المراد بالخير الثاني مع أنها حادث جزئي في الإسلام، وكلام النبي ﷺ على الحوادث العامة المؤثرة في معظم بلاد الإسلام، وخلافة عمر بن عبد العزيز لم تدم غير عامين؛ وكذلك بقية كلام عياض غير مناسبة للتقسيم الذي في الحديث، فأَجِد فيه تأملًا. باب إذا بقي في حثالة من الناس فيه حديث حذيفة [٦٦: ٩، ٣]: (حدَّثنا رسول الله ﷺ أنَّ الأمانة نزلت في جذر قلوب الرِّجال ... ) إلخ. الظاهر أن المراد بالأمانة القدر المشترك في معنى أمانة النفس الشاملة لأمانة الاعتقاد وهو التوحيد، وأمانة العمل، أي الطاعة، وأمانة المعاملة، وهي الوفاء بما قِبَل الشخص من حقوق الناس ليلتئم معنى الحديث في قوله: [٦٦: ٩، ٤]: «ثم علموا من القرآن» وفي قوله: [٦٦: ٩، ٩]: «وما في قلبه مثقال حبَّة خردلٍ من إيمان» مع قوله [٦٦: ٩، ٧]: «فلا يكاد أحدٌ يؤدِّي الأمانة» وفي قول حذيفة [٦٦: ٩، ٩]: «وما أبالي أيَّكم بايعت»، وقوله [٦٦: ٩، ١١]: «وأمَّا اليوم فما كنت أبايع إلا فلانًا وفلانًا». وقوله: «وأمَّا اليوم فما كنت أبايع إلا فلانًا وفلانًا» لم يرد به أشخاصًا معيَّنين أبهمهم أو أبهمهم الراوي، بل إنما أراد الكناية عمن يُعرف من الناس، أي لا أبايع إلا مَنْ أعرف أمانته لما غلب على الناس من قلة الأمانة فإذا بايعتُ مَنْ لا أعرف خشيتُ الدخول في الخصومات. ووقع فيه قوله: «وَمَا أُبالي أيكم بَايَعْت». وهو بنصب أيكم على نزع الخافض، أو على تضمين (أبالي) معنى (أحذر). باب وقع فيه قوله عمار ﵁[٧٠: ٩، ١٢]: (ليعلم إيَّاه تطيعون أم هي).

стр. 265

كذا وقع في الرواية «أم هي» بضمير الرفع مع أن المعطوف عليه بـ (أمْ) ضمير نصب. والوجه فيه أن الضمائر المنصوبة المنفصلة ثقيلة لتركبها من كلمتين؛ فلذلك عدل عن تكرير ضمير النصب المنفصل إلى ضمير الرفع، وقد وقع قريب من هذا في قول مالك في الموطأ: «أو شاة إن لم يجد إلا هي»، وقد بينته في كشف المغطي في من نذر مشيًا إلى مكة من كتاب النذور. باب تغير الزمان حتى تعبد الأوثان فيه حديث أبي هريرة [٧٣: ٩، ٦]: (أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم السَّاعة حتَّى تضطرب أليات نساء دوسٍ على ذي الخلصة»). تكرر هذا الحديث في الصحيح وهو مشكل؛ فإما أن يكون النبي ﷺ قاله قبل فتح بلاد دوس وهدم ذي الخَلَصَة على يد جابر بن عبد الله فيكون وعدًا بأن الله يفتح بلاد دوس ويمحو ذا الخلصة، ويكون المراد باضطراب ألْيات نساء دوس الكناية على تفجعهن على الصنم حين يجيء المسلمون لهدمه، فتكون كالكناية في قول عنترة: متى ما تلقني فردين ترجف ... روانف أليتيك وتستطارا وإما أن يكون صدور هذا القول بعد هدم ذي الخلَصة، فيكون إنذارًا بردَّة دَوْس، وأن نساءهم يرجعن إلى زيارة موضع ذي الخلَصَة؛ لأن نفس الصنم وبيته قد هُدِمَا في وقت الفتح. وعلى هذين الوجهين فذكر قيام الساعة إبهام للوقت؛ لأن المقصود التبشير أو التحذير من الفعل لا تحديد الوقت. ويحتمل أن الكلام خرج مخرج الوعيد للنساء اللائي ذَهَبْن في زمن الشرك، وأنه وقع فيه وهَم للراوي نشأ من اختصاره، والمعنى: لا تقوم الساعة حتى يعجِّل الله العذابَ لنساء الشرك باحتراق أليَاتِهِنَّ على حجارة الأصنام في نار جهنم؛ فيكون

стр. 266

من معاني قوله تعالى: ﴿وقُودُهَا النَّاسُ والْحِجَارَةُ﴾، وقوله: ﴿إنَّكُمْ ومَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾. وليس من البعيد على هذا أن يكون اللفظ «حتى تضطرم» بالميم عوض الباء، فوقع اشتباه في لفظ أبي هريرة؛ إذ لعله حدَّث به في وقت هرمه وسقوط أسنانه. وبدون هذه التأويلات يكون الحديث مشكلًا؛ لأن ذا الخلصة مُحي أثره، وقبيلة دَوْس لا تعرف الآن ولا يحصرها موطن ولا جماعة نسب حتى تعود إلى عبادة ذي الخلصة في آخر الزمان.

стр. 267

كتاب الأحكام باب ما يكره من الحرص على الإمارة في حديث أبي موسى الأشعري [٨٠: ٩، ٢]: (دخلت على النَّبيِّ ﷺ أنا ورجلان من قومي فقال أحد الرَّجلين: أمِّرنا يا رسول الله، وقال الآخر مثله، فقال ﷺ : «إنَّا لا نولِّي هذا من سأله ولا من حرص عليه»). هذا الحديث تقدم في أول كتاب الإجارة وأخرتُ الكلام عليه إلى هذا الباب؛ لأنه به أنسب. اعلم أن الظاهر أن مراد رسول الله ﷺ بقوله: «إنا لا نولِّي هذا مَنْ سأله» وفي رواية: «إنا لا نستعمل على عملنا من أراده» - أنه لا يجيب من سأل الولاية حيث لا تكون فيه أهلية لها؛ لأن الرسول ﷺ أعلم بمن يصلح للولاية فسؤاله إياها إحراج له؛ لأنه كان لا يحب ردَّ السائل، فلذلك أعلمهم أن ردَّ مثل هذا السؤال لا ينافي السماحة، وأن الإجابة إلى ذلك ليست من السماحة والكرم؛ لأنه إن كان السائل غير أهل كان في إجابة سؤاله ضرر على الرغبة، وليس إعطاء مصالح المسلمين من السخاء، ولا أظن الرسول ﵊ أراد أن سؤال الإمارة موجب للحرمان منها ولو كان السائل أهلًا؛ إذ لا وجه لحرمان المستحق، كما لا وجه لإعطاء غير المستحق، فإن المرء قد يسأل الولاية لعلمه أنه مضطلع بها وقادر على إجراء مصالح الأمة وإعانة الرسول ﷺ على ذلك، وقد سأل يوسف ﵇ الولاية بقوله: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. ولأن المستحق قد يسأل الولاية للانتفاع بما فيها من الرزق المعين المأذون فيه شرعًا في نحو قوله تعالى: ﴿والْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾. وبهذا تعلم أن ليس سؤال الولاية بجرحة ولا تهمة كما ظنه بعض المتفقهين أخذًا من ظاهر هذا الحديث، وقد سأل أبو ذرٍّ من النبي ﷺ الإمارة فقال له النبي ﷺ : «إن فيك ضعفًا» ولم ينهَهُ عن سؤالها. أخرجه مسلم في صحيحه. وأخرج المصنف في باب قول النبي ﵇ للأنصار: «اصبروا» عن أسيد بن

стр. 268

حُضير أن رجلًا من الأنصار قال: يا رسول الله، ألا تستعملني كما استعملت فلانًا؟ فقال: «ستلقون بعدي أَثَرَةً فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» [١١٥: ٤، ٢]، ولم ينهه عن ذلك. وقد قيل: إن السائل هو أسيد بن حُضير، وقد قال رسول الله ﷺ لعبد الرحمن ابن سَمُرة: «لا تسأل الإمارة فإنك إن أعْطيتها عَنْ مسألةٍ وُكِّلتَ إليها»، فدل قوله: «إن أعْطيتها عن مسألة» على جواز إعطاء الإمارة عن مسألة؛ لأن رسول الله ﷺ لا يفرض الأمر المنهي. فيؤول معنى الحديث: إنَّا لا نولِّي هذا الأمر كل من سأله، وانظر كلام عياض في الإكمال في الجزء الرابع. باب كتاب الحاكم إلى عماله وقع فيه قول النبي ﷺ [٩٣: ٩، ٢٠]: «وإمَّا أن يؤذنوا بحرب». وهو - بفتح الذال المعجمة - يقال: آذنه بكذا: أعلمه، فأذن، هو يَأذَن إذا علم، وقد قُرئ قوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ بسكون الهمزة وفتح الذال، على أنه بمعنى فاعلموا أن الله يحاربكم. وقرئ بمد الهمزة وكسر الذال بمعنى فأعلموا الله أنكم حاربتموه. وقد أهملته في المشارق والنهاية وأجمله الراغب في مفردات القرآن. باب بيعة الأعراب فيه حديث الأعرابي الذي أسلم وهاجر إلى المدينة [٩٨: ٩، ٨]: (فأصابه وعك ... ) إلخ. يشكل هذا بأن رسول الله ﷺ دعا للمدينة بأن تنقل حُمَّاها إلى الجحفة. ويُدفع الإشكال بأن إسلام هذا الأعرابي كان قبل أن يدعو الرسول ﷺ بنقل الحُمَّى إلى

стр. 269

الجحفة بأن يكون إسلامه في الزمن الذي وُعِك فيه أبو بكر وبلال. أو أن الحُمَّى التي أصابت الأعرابي ليست هي الحُمَّى المستوبئة التي كانت في المدينة قبل الهجرة بل هي حُمَّى مرضٍ توهمها الأعرابي أنها حُمَّى المدينة. أو ظن أنه وَخِم من سكني الحضر؛ فلذلك استقال النبي بيعته، وهي البيعة المتضمنة الهجرة، فَرَام الرجوع إلى وطنه من دون كفر، وتكون إباية الرسول ﷺ من إقالته من أجل علمه أن الحُمَّى التي أصابته ليست من جراء سكنى المدينة أو من أجل أن الهجرة كانت شرطًا في الإسلام قبل فتح مكة إلا للأعراب النازلين حوالي المدينة؛ مثل مزينة وجُهينة وغفار وأسلم؛ ولذلك لم يقل الراوي: إن الأعرابي قد ارتدَّ بل اقتصر على كونه خرج من المدينة، ولم يقل الرسول ﷺ في شأنه إلا أن المدينة تنفي خَبثها، ولم يعبه بكفر فلعله بقي مؤمنًا غير متشبع من الإيمان مثل كثير من ضعفاء المؤمنين الذين يصفهم القرآن بأن في قلوبهم مرضًا، وهم الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ﴾ الآية. ويحتمل أن يكون الأعرابي تشاءم بالإسلام على عادتهم في الجاهلية من التشاؤم بالمقارنات، فيكون المراد من الاستقالة الرجوع عن الإسلام، وهو ظاهر قوله في الرواية: «أنه بايع رسول الله على الإسلام». وهذا الاحتمال هو الأظهر عندي؛ لأنه لو كان إنما كره المقام بالمدينة؛ لأنه استوخمها لأذن له رسول الله ﷺ بالخروج إلى البادية كما أذن للعِرْنيين؛ إلا أن يكون ذلك الزمن لم تكن فيه بادية مسلمون بأن يكون صدر أيام الهجرة. باب الاستخلاف وقع فيه قول عمر [١٠٠: ٩، ١٦]: (لا أتحمَّلها حيًّا ولا ميِّتًا). كذا في رواية أبي ذرٍّ بزيادة (لا) النافية قبل قوله: (ميتًا) وسقطت (لا) من رواية الجميع. ولا وجه لزيادة (لا)؛ لأن زيادتها تقتضي أنه لا يتحمل عهدة الخلافة في الحياة ولا يتحملها بعد الممات، وليس ذلك بمراده، وإنما مراده أنه لا يتحملها في الحالتين وأنه يكفي أنه تحملها حيًّا فلا يتحملها بالاستخلاف، فيكون تقصير الخليفة بعده محمولًا عليه.

стр. 270

كتاب التمني باب ما يجوز من اللو فيه قول رسول الله ﷺ [١٠٥: ٩، ٩]: «لو كنت راجمًا امرأة بغير بيَّنةٍ». ذِكْر هذا في هذا الباب لما يدل عليه التعليق بـ (لو) من ترجيح أن يكون راجمها لو كانت بينة، فيدل على أنه إنما كَفَّ عن رجمها لانعدام البينة مع تمني أن تكون ثمة بينة تثبت حق الرجم. ووقع فيه قول رسول الله ﷺ [١٠٥: ٩، ١٢]: «لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرتهم بالصَّلاة هذه السَّاعة». حمله البخاري على أن (لولا) الشرطية مركبة من (لو) الشرطية و (لا) النافية، وأن (لولا) التحضيضية مركبة من (لو) التي للتمني و (لا) النافية وهو رأي لبعض أئمة اللغة. ووقع فيه قول النبي ﷺ [١٠٦: ٩، ١٨]: «لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار». هو أيضًا بناء على أن (لولا) مركبة من (لو) و (لا) النافية. وأما اندراجه في كتاب التمني فدلالته على أن وصف الأنصارية صفة جليلة بحيث تمنَّى النبي ﷺ أن تكون له لولا أنه متصف بأفضل منها وهو وصف المهاجرية.

стр. 271

كتاب الاعتصام باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ - وقع فيه مجاهد في قوله تعالى: [١١٣: ٩، ١٧]: ﴿واجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَامًا﴾ قال: (أئمة نقتدي بمن قبلنا ويقتدي بنا من بعدنا). فسره بأنهم يقتدون بمن قبلهم وليس ذلك بمدلول صريح لدعوتهم؛ لأنهم دعوا أن يكونوا مقتدى بهم لا أن يكونوا مقتدين. ولعل مجاهدًا فسره بمدلول كنائي؛ لأن اقتداء المتقين بهم لا يكون إلا بعد تحقق هديهم وتقواهم. وأصل ذلك أن يتلقوا العلم والفقه عن أسلافهم ويهتدوا بهدي من قبلهم، وأنهم لما دعوا الله أن يكونوا أئمة للمتقين من الناس فقد دلُّوا على أنهم قدروا قدر أئمة التُّقَى الذين كانوا قبلهم وَرَجوْا أن يكونوا مثلهم. باب ما يكره من كثرة السؤال فيه قول النبي ﷺ [١١٧: ٩، ٧]: «إنَّ أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيءٍ لم يحرَّم فحرِّم من أجل مسألته». هذا الأثر من مشكل السنة فإن الأحكام الشرعية تجيء على وفق ما في الأفعال الثابتة هي لها من مصالح ومفاسد، فالفعل المحرم جدير بالتحريم، والواجب جدير بالإيجاب. وإذا كان كذلك فسيثبت للفعل حكمه من تحريم أو غيره عندما تتعلق حكمة الله بذلك، فكيف يكون السؤال عن الحكم مقتضيًا ورود تحريمه؟ ولذلك لم تظهر تبعة للسائل من جراء سؤاله، ولعله يكون مستأهلًا للثناء شرعًا؛ إذ يكون سؤاله سببًا في دفع مفسدة فعل بتحريمه أو جلب مصلحة آخر بإيجابه. والذي يدفع هذا الإشكال فيما لاح لي ولم أره لأحد أن بعض الأفعال قد يشتمل على مفسدة عارضة، وقد تَتَفاوت مفسدته بالقوة والضعف باختلاف الأوقات

стр. 272

أو باختلاف أحوال الناس، فيسكت الشارع عن تحريمه في وقت عروض المفسدة له، ويكل الانكفاف عن فعله للناس؛ إذ يكفون عنه من تلقاء أنفسهم لتحرجهم منه، مثل ما كانوا يفعلون في الجماع ليل رمضان، فكانوا يَرَوْنه حرامًا أو قريبًا منه، وكان بعضهم يفعله ويتحرج منه، كما كشفه قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾، وقد كان الناس في زمن رسول الله ﵊ ناسًا صالحين فهو يكل بعض الأحكام العارضة إلى ما يعلم من زهدهم عن المشبهات. ويفوض ذلك إلى أفهام الفقهاء في الدين بعد وفاة الرسول ﷺ ، فإذا سأل السائل عن فعل من الأفعال التي هذا حالها تعين بيان حكمها بالقول، فإذا ورد فيها قرآن أو سنة تناقله الناس في العصور، فيستمر الحكم الوارد في شأنها ويعم سائر المسلمين في سائر العصور؛ لأنهم يستعظمون مخالفة ما جاء في القرآن أو صريح سنة الرسول ﷺ وقد يتعذر تحديد كيفية تحريمه لكثرة صور التحريم ودقة الفروق التي توقت التحريم، وعسر وضع عموم الناس تلك الصور في مواضعها، فإذا حرم تحريمًا غير مفصل دخل على الناس حرج بذلك، وإذا فُصل فُتح لأصحاب الأفهام الضعيفة باب التقصيد فيه؛ وذلك لا يناسب مدة حياة المشرع، فكان سؤال السائل عن ذلك الحكم موقعًا للناس في حرج ومغلقًا في وجوه العلماء باب التفصيل والتأويل. ويدل لهذا المعنى ما ورد في مواضع من السنة من كراهية الرسول ﷺ أن يتناقل الناس أنه حرم أو حلل غير ما حرمه القرآن أو حلَّله، وهذا يفتح بابًا في أصول الفقه من الفرق بين الأحكام الثابتة بالكتاب والأحكام الثابتة بالسنة غير المتواترة وغير المعلومة بالضرورة. هذا إذا أريد بالجرم في كلام النبي ﷺ الذنب، وهو ظاهر قوله «منْ أعْظم الناس جُرْمًا» أنه تسبب في حرج مستمر على المسلمين. ومثال هذا ما روي في النهي عن كِرَاء الأرض بما يخرج منها، ومثاله تحريم عود المرأة إلى زوجها بعد الملاعنة، فقد صار قول العجلاني: «كذبت عليها إن أمسكتها» سببًا في سنة تحريم عود الملاعنة إلى الذي لَاعَنَهَا لتحرج الناس من ذلك وتعيرهم به ولذلك قال الراوي: «فكانت تلك سنة المتلاعنين من بعد»؛ وكذلك الرجم في الزنا فقد أعرض رسول الله ﷺ عن المُقِرِّ على نفسه ثلاث مرات لعله ينصرف. ويحتمل أن يراد بالجُرْم الشيء المكدر للناس لا الذنب، فيكون المعنى أن السائل

стр. 273

الذي يُحرَّم شيء بسبب سؤاله أعظم الناس إحراجًا لقومه بسؤاله؛ إذ كان مثير حرج عليهم، فإن الأشياء تأخذ حكم مقارنها في المحبة والكراهية. وقع فيه قوله [١١٧: ٩، ٩]: (عن زيد بن ثابتٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ اتَّخذ حجرةً في المسجد من حصيرٍ فصلَّى رسول الله ﷺ فيها ليالي حتَّى اجتمع إليه ناسٌ ففقدوا صوته ليلةً فظنُّوا أنَّه قد نام فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم فقال: «ما زال بكم الَّذي رأيت من صنيعكم حتَّى خشيت أن يكتب عليكم ولو كتب عليكم ما قمتم به»). الحديث. هذا الحديث من مشكلات السنة، ووجه إشكاله أن الله إذا أراد أن يكتب على الأمة فريضة لا يتوقف مراده على ظهور حرص الأمة على فعل شيء فيكتب عليهم؛ لأن الله يشرع الأحكام على حسب ما فيها من المصالح والمفاسد التي نعلم بعضها ولا نعلم بعضًا، فلا يؤثِّر حرص ولا زهادة في فعل من الأفعال حكمًا يقتضي تشريع ذلك الفعل. وجواب هذا الإشكال أنه قد يكون النبي ﷺ قد نصب الله له علامات على أنه سيكتب على الأمة عملًا، منها أن تقبل الأمة على عمل من الأعمال الحسنة، فقد يجعل الله ذلك الإقبال تيسيرًا منه وتهيئة لنفوس المسلمين لقبول ما سيكتب عليهم، فلما رأى النبي ﷺ شدة حرصهم على صلاة الليل خشي أن يكون ذلك تسخيرًا من الله إياهم لتلقي ما سيفرضه عليهم. كما يجوز أن تكون كراهية المسلمين للشيء القبيح أمارة على تهيئة نفوسهم لتلقي تحريمه، كما ظهر من كراهتهم شرب الخمر بعد واقعة حمزة مع علي، ثم مع رسول الله ﷺ ، وبعد واقعة الإمام الذي قرأ في صلاته «قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)». ووقع فيه قول رسول الله ﷺ [١١٨: ٩، ت (٣)]: «أوْلَى». وكتبت في النسخ بالإمالة، وما كتبت كذلك إلا أنها ليست مركبة من (أو) العاطفة و (لا) النافية، فلا اعتداد بزعم من قال ذلك.

стр. 274

والذي يظهر أنها «أوْلى» الذي هو أفعل تفضيل من الولي، وهي كلمة تقولها العرب في مقام التحذير وفي مقام التهويل، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾، فيكون مراد النبي ﷺ حين بدا من عمر الخوف أن ينبهه إلى أن المقام مقام حذر وخوف. باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم وقع فيه قوله [١١٩: ٩، ١٤]: (لقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾). بناءً على أن كل ما ذمه الله في أهل الكتاب كان محذرًا منه المسلمون أن يتلبسوا بمثله، نقل ذلك عن ابن عباس في غير هذه الآية. باب ما ذكر النبي ﷺ وحضَّ على اتفاق أهل العلم وقع فيه [١٢٧: ٩، ٦]: (وما أجمع عليه الحرمان مكَّة والمدينة). اعلم أنه إذا فرض القول بحجية إجماع أهل بلد فإنما ينظر إلى ما لأهل ذلك البلد في عصر أو عصور من حرِّيَّة في العلم. والسنة تقتضي الاقتداء بإجماعهم على غيرهم وليس ذلك نظرًا إلى البلاد وما فيها من معالم مقدَّسة. وليس لأهل بلد من هذه المزية إلا لأهل المدينة في القرون الثلاثة الأولى قبل تغير حالة أهلها عن السيرة التي تركهم عليها رسول الله ﷺ ، فقد كانت سيرتهم جارية على سنن رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين وأهل العلم من الصحابة وكانوا ما بين صحابيِّ وأبناء الصحابة، فلا جرم أنهم أهلٌ لأن يتعرف من سيرتهم وهديهم بيان يُفزع إليه عند المشكلات في الدين. وقد أخبر رسول الله ﷺ عن المدينة بأنها تنفي خَبَثَها؛ وذلك يقتضي أن الله عصمها من أن يستقر فيها الباطل استقرارًا يصيره عادة وسنة. ولذلك قال مالك بالاحتجاج بإجماع أهل المدينة فيما طريقه النقل وارتسام السنة،

стр. 275

أو إلى ما يرجع إلى فهم مغلق أو بيان مجمل أو نحو ذلك، لا فيما طريقه الاجتهاد والرأي، ولا أحسب أن يكون لِمِصْر من أمصار الإسلام هذه المزية الخصوصية. وأما مكة فقد استمرت بلد كفر إحدى وعشرين سنة منذ مجيء الإسلام، وفارقها رسول الله ﷺ والمؤمنون، ثم فتحها الله وطهرها، وقد بارك الله فيها من قبل وردَّها إلى حرمتها من بعد؛ فإن كان في سيرة أهلها بعد الإسلام حجة فتوشك أن تكون مقصورة على تعيين مشاهد ظهور الإسلام فيها، وما لقيه الرسول والمسلمون من أهل الشرك، ومذكرات تذكِّر المسلمين ما دار بينهم وبين المشركين في أمر الدين؛ ففي ذلك مرجع في ظهور أمور الإسلام ومذكر بمنبته دون ما يعدو ذلك؛ فإن أهلها قد فاتهم أصلان عظيمان من أصول البيان: أحدهما: ما نسخ من الأحكام التي عهدوها في صدر الإسلام. وثانيها: ما أنزل من تفاصيل الأحكام. وهذان الأصلان هما جماع معظم الدين والشريعة، فلذلك تعيَّن أن يكون أهلها تبعًا لأهل المدينة. فلعل البخاري نظر إلى وجه الاحتجاج بأهلها ولو في الجملة والندرة، أما ما سوى هذين من أمصار الإسلام فلا مزية به؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا من بعد في الأمصار، فصارت الحجة في أقوالهم ولم يكن مِصْرٌ أحرى من غيره بالحجية من حيث عدد سكانه.

стр. 276

كتاب التوحيد باب «وكان عرشه على الماء» [١٥٢: ٩، ٢]: (عن عمران بن حصينٍ قال: إنِّي عند النَّبيِّ ﷺ إذ جاءه قومٌ من بني تميمٍ فقال: «اقبلوا البشرى يا بني تميم» قالوا: بشَّرتنا فأعطنا فدخل ناسٌ من أهل اليمن فقال: «اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميمٍ» قالوا: قبلنا). الحديث. فسَّره الشارحون بما لا أحسبك تطمئن إليه، والذي عندي في تفسيره أن البشرى في عادة العرب هي العِدَة بالعطاء؛ فكان الوافد إذا وفد على ملك أو عظيم بشره بقضاء لُبَانته، وقد قال رسول الله ﷺ للأنصار لما بلغهم مجيء مال، فتعرضوا للرسول في صلاة الصبح: «أبْشِرُوا وأمِّلُوا»، فكان هذا معروفًا عندهم. وأما بشرى النبي ﷺ فهي الوعد بما من شأنه أن يفد الناس إليه لأجله؛ وذلك هو ما فيه النجاة والصلاح، كما قال تعالى: ﴿ولَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ وهي قول الملائكة في حق لوط: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وأَهْلَهُ﴾ وقولهم في حق آله: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ﴾، فلما قال النبي ﷺ لبني تميم: «اقبلوا البشرى» كان شأنهم أن يفهموا مراده ويعلموا أنهم لم يجيئوا عافين وإنما جاؤوا مؤمنين تائبين، فالبشرى المناسبة لمقدمهم هي بشرى القبول عند الله تعالى، ولكنهم غلبت عليهم جفوة الأعراب ساعتئذ فذهب وهمهم إلى أنها بشرى بالعطاء، وزادوا جفوة، فاستعجلوا ما توهموه؛ فلذلك كره منهم النبي ﷺ ذلك، وجعلهم غير قابلين البشرى، أي غير قابلين البشرى المقصودة ولا منتظرين العطاء المحسوب، فقالوا (بشرتنا فأعطنا)، فكانت حالهم من يخشى عدم الوفاء بالبشرى، وهذه جفوة ثانية، وكان أهل اليمن أرجح أحلامًا وأكرم أخلاقًا فقالوا: (قد قبلنا). ووقع فيه قوله [١٥٣: ٩، ٦]: («هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه الَّتي ولد فيها»).

стр. 277

وظاهره أن المراد الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام لمقابلته بقوله: «أو جلس في أرضه»، وقد كانت الهجرة واجبة في أول ما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، فالمقصود بيان أن ترك الهجرة لا يسلب الإيمان عن تاركها ولكنه يكون تاركًا واجبًا، فيكون بيانًا لقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن ولايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾. وأما قوله عقبه: «فإن في الجنة» فإنه درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله فهو لتفصيل أحوال الهجرة فإن الجهاد من الهجرة لأنه سفر في سبيل الله، فيكون التصريح بأفضل أحوال الهجرة إشارة إلى أن دون ذلك مراتب كثيرة وهي المائة درجة. ويجوز أن يكون المراد بقوله: «هاجر في سبيل الله» الجهاد، فعبر عنه بالهجرة بمعنى السفر، ويكون قوله عقبه: «أعدها الله للمجاهدين» بيانًا للمراد. ووقع فيه قوله [١٥٣: ٩، ١٤]: (ثم قرأ «ذلك مستقرٌ لها» في قراءة عبد الله). أي ثم قرأ الأعمش أو أبو معاوية عنه، وقراءته الآية قصد منها جعل الأثر تفسيرًا للآية، وهذا رأي من الراوي وليس توقيفًا من النبي ﷺ . باب قوله تعالى: ﴿وجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (٢٢) إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ وقع فيه قوله [١٦٠: ٩، ٨]: («فتجعل في رقابهم الخواتيم»). تمثيل لما هو متعارف في الدنيا؛ فقد كانوا يجعلون في رقاب أهل الذمة، علامة على أنه موفٍ بما عليه من الجزية، ويجعلون خواتيم في رقاب العبيد إذا عتقوا لكي لا يُتَّهَمُوا بالإبَاق، قال بشَّار: عقد الحب لها في عنقي ... موضع الخاتم من أهل الذمم فكانت هذه الخواتيم في الآخرة شرفًا لأهلها بشرف من أضيفوا إليه حيث يدعون عتقاء الرحمن. وقريب من هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وكُلَّ إنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. ووقع فيه قوله [١٦٠: ٩، ١١]: («يحبس المؤمنون يوم القيامة حتَّى يهمُّوا بذلك»).

стр. 278

الحبس بمعنى عدم الإذن بالانصراف، ومنه قوله في الحديث: (إن أم ... حبست رسول الله على خزيرة صنعتها له). وقوله: «يُهِمُّوا» وقع للشارحين في ضبطه اضطراب، والصواب عندي أنه -بضم التحتية وفتح الهاء - من أَهمَّه، إذا أصابه بِهَمٍّ، أي كرب وحزن، أي حتى يطول انتظارهم فيدخلهم الضجر والهمُّ. ويجوز فيه - فتح التحتية وكسر الهاء - على أنه من الهمِّ، أي العزم، أي حتى يترددوا فيما ذا يصنعون ثم يعزمون على أن يستشفعوا. باب قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ وقع فيه قول رسول الله ﷺ [١٧٧: ٩، ٩]: («خلق الله الخلق فلمَّا فرغ منه قامت الرَّحم فقال: مه»). وقد فسر الشارحون «مَهْ» أنه اسم فعل بمعنى كُفَّ، وهو تفسير غير مستقيم إذا لا يلاقي الغرض. والصواب أن «مَهْ» هي (ما) الاستفهامية حذفت ألفها وعوض عنها الهاء في الوقف، كما تعوض في حالة دخول جارٍّ عليها، وحذف المستفهم عنه لظهوره، أي ما شأنك؟ وقريب منه قول النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف وقدْ رَأَى عليه وضرًا من صفرة، أي خَلوق: «مهيم» قال: تزوجت. فقوله: «مهيم» هي (ما) الاستفهامية. ووقع فيه قوله [١٧٨: ٩، ٦]: («فقال ربُّه: أعلم عبدي أنَّ له ربًّا يغفر الذَّنب ويأخذ به غفرت لعبدي» وقال في الثالثة: «فليعمل ما شاء»). فتعين أن يكون هذا العبد المخبر عنه من الذين لم تجئهم الرسل، وقد اهتدى إلى معرفة الله بأدلة النظر فكان منفردًا بالإيمان من بين أمته، كما يقتضيه قول الله تعالى: «علم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب» فإنه لو كان ذلك أمرًا معروفًا لم يكن لقوله:

стр. 279

«علم عبدي أن له ربًّا» موقع. ثم إنه اهتدى إلى صفات الله التي منها أنه يغفر الذنب، ثم اهتدى إلى معرفة الأعمال التي لا يرضى بها الله تعالى، فاستغفر من اقترافها؛ فلذلك كان أفضل أمته وجازاه الله على ذلك بالمغفرة، ثم بأن يعمل ما شاء، أي فكلما عمل ما يستحق أن يكون ذنبًا غفره الله له. وفي هذا بيان لفضل الإيمان، وفضل النظر، وفضل الاستغفار وقد تحير شارحو الحديث في تأويله وقد كشف لك قناعه. باب كلام الرب تعالى يوم القيامة وقع فيه قوله [١٨١: ٩، ٤]: («فيقول له ذلك ثلاث مرَّاتٍ كلَّ ذلك يعيد عليه: الجنَّة ملأى»). انتصب «كُل» على النيابة عن المفعول فيه، والإشارة بذلك إلى القول الذي تضمنه فعل «فيقول له ذلك» أي كل ذلك القول يعيد، أي في كل وقت لذلك القول يعيد عليه. باب قوله: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وقع فيه حديث شق صدر النبي ﷺ ففيه [١٨٢: ٩، ١٢]: («فأتي بطستٍ من ذهبٍ فيه تورٌ من ذهبٍ محشوًّا حكمةً وإيمانًا»). وهذا تمثيل في الوحي فقد رأى رسول الله ﷺ وأحس بهذه الحالة، وتلك حالة تطور في حواسه الباطنة ومهيئاتها لتستعد تلك الجوارح الباطنة للاتصال بالعالم الملكي، وتلقي الوحي الرباني، وإفاضة العلم والحكمة. وتقريبه ما يحدث من التطور في الملامح والصفات عند الانتقال من طور الطفولة إلى طور الشباب حين تتمدَّد البشرة والعروق والأعضاء فيصير جميلًا ما كان منها غير جميل، ورشيقًا ما كان غير رشيق، وتامًّا ما كان ناقصًا.

стр. 280

ووقع فيه قوله [١٨٣: ٩، ٦]: (فقال: «ما هذان النَّهران يا جبريل؟ » قال: هذان النِّيل والفرات عنصرهما. ثمَّ مضى به في السَّماء فإذا هو بنهرٍ آخر عليه قصرٌ من لؤلؤٍ وزبرجدٍ فضرب يده فإذا هو مسكٌ. قال: «ما هذا يا جبريل؟ » قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربُّك). هذا رمز بشارة بأن النِّيل والفرات يصيران من جُملة مملكة أمته قريبًا، وينتشر حولهما دينه. وقد نبه إلى ذلك قول جبريل في «هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك»، فعلم أن ما عرض عليه من الأنهار ما عرض عليه إلا لأنه صائر إليه وإلا لم يكن وجه للعرض. وإنما خصَّ جبريل بالبشارة نهر الكوثر دون النيل والفرات؛ لأن الهمة الملكية والهمة النبوية أشد تهممًا بخير الآخرة منها بخير الدنيا وفي كل ذلك خير. * * * وهذا آخر ما لاح لي التنبيه عليه من شرح ما أغلق من أحاديث صحيح البخاري وسأقفيه بما عسى أن يلوح لي مما لم أذكره إن شاء الله تعالى. * * *