← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 133359

النظر الفسيح عند مضائق الأنظار في الجامع الصحيح

ابن عاشور

Полный текст (280 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

كتاب الذبائح والصيد باب صيد المعراض وقع فيه قوله [٧: ١١١، ٢]: (وقال ابن عُمَرَ في المقتُولةِ بالبُندقَةِ). البُندقة – بضم الموحدة بعدها نون ساكنة – كرة صغيرة من طين تجفف ويرمى بها بالمعراض، وربما اتخذت من الحجر. * * * ووقع فيه قول النبي ﷺ [٧: ١١١، ٧]: «فإذا أصابَ بِعُرضِهِ فقتل فهو وقيذٌ». العُرض بضم العين: عرض السيف، وهو صفحُه، والصفح هو الجانب غير المحدد من السيف، وأصله أن عُرض الشيء وسطه. * * * باب قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ﴾ وقع فيه [٧: ١١٦، ٨]: (على سرْجٍ مِنْ جُلود كلابِ الماءِ). كلب الماء حيوان من الفصيلة ذوات الثدي يعيش في الماء وفي الأرض ويكون على شطوط البحار، ويسمى أيضاً: عجل البحر، له جلد يشبه جلد البقر، وشعر جلده أقصر من شعر جلود البقر، ولونه أربد إلى السواد، ورأسه كرأس الهرِّ في عظم رأس شبل الأسد، يمشي على بطنه بيدين قصيرتين، وينتهي بشبه ذنب يسميه أهل تونس: أبا مُنير.

стр. 212

باب ما ندَّ من البهائم فيه قول رسول الله ﷺ [٧: ١٢٠، ٢٠]: («اعجَلْ أوْ أرِنْ»). إن كانت (أو) من كلام الرسول، كما هو الظاهر، كان هذا التركيب جارياً مجرى المثل أرسله رسول الله ﷺ . ويحتمل أنه تمثل بها، ويتعين حيئنذ أن يكون معنى «أرِنْ» ضد معنى «اعْجَل»، فيكون بمعنى أَبْطِئْ، ويكون الكلام خطاباً لرافع بن خديج؛ لأن سؤال دلَّ على أنهم يُحبُّون أن يتعجلوا ذبح ما ينالونه من المغانم، وأنهم أظهروا ذلك للرسول ﷺ تطلباً للرخصة منه في الذبح بما تيسر إذ ليست معهم مُدى. وفي كلام الرسول ﷺ على هذا ضرب من التعجب من حرص السائل وعجلته، فالمعنى: سواء عجلت أو أبطأت، فالحكم لا يختلف لأجل ذلك بما أنهر الدم فاذبح به وكُلْ، فيكون «أرِنْ» مشتقّاً من الريْن بمعنى الغَشْي؛ لأن في الغشي ثقلاً، وتكون الهمزة بمعنى الصيرورة، أي تصير ذا رَيْن كذي الغشي، أي مبطئاً متثاقلاً. وإن كان حرف (أو) شكّاً من الراوي، كما استظهره النووي وهو بعيد؛ فـ «أرِنْ» بمعنى «اعْجَلْ»، فالراوي يتوخى اللفظ النبوي، والمعنى: أعجل للذبح بكل ما يسرع بقطع الحلقوم والأوداج. ويكون الكلام إيماء إلى وجه النهي عن الذبح بالسنِّ والظفر. وقد وقع اضطراب عظيم في تحقيق معنى هذا اللفظ، كما ذكره عياض في المشارق، والخطابي في شرح أبي داود وابن الأثير في النهاية، وقد علمت التحقيق فاسلك سواء الطريق. * * * [٧: ١٢٠، ٢٠] «ما أنْهَرَ الدَّم وذُكر اسمُ الله عليهِ فكل ليس السنَّ والظُّفرَ». الظاهر أن الاستثناء متصل، أي أن السنَّ والظفر مما أنهر الدم، ولكنهما نهِيَ عن الذبح بهما. * * *

стр. 213

[٧: ١٢١، ١] «وسأحدِّثُكَ أمَّا السنُّ فعظم وأما الظُّفر فمُدَى الحبشة». وقع في فهم هذا التعليل إشكال؛ إذ الوصفان المذكُورَانِ للسن والظفر لا يظهر فيهما ما يقدح في صحة الذبح. والذي يظهر لي أن قوله: «أما السنُّ فَعَظْم» معناه أنه ليس له حدٌّ صُلب، فهو يبدو محدَّداً في مبدأ الذبح فإذا صادف الحلقوم تقَّلل حدُّه، فكان في الذبح به تعذيب الحيوان. وقوله: «وأما الظُّفْر فمُدَى الحَبَشة» فقد وقع فيه حذف، تقديره: وأما الظفر فكذلك وهو مدى الحبشة، فحذف المقدر لظهوره؛ لأنَّ الظفر من جنس العظم، وهو أضعف حدة من العظم. وقوله: «مُدَى الحَبَشة» تنفير منه؛ لأن بعض المسلمين قد خالطوا الحبشة في الهجرة الأولى ورأوا أن ذبحهم بالظفر ليس على ما ينبغي. * * *

стр. 214

كتاب الأشربة باب الخَمْر من العِنَب [ ٧: ١٣٦، ٥] ترجمةٌ مشكلةٌ؛ لأنها تقتضي أن الخمر لا يسمَّى بها إلا شراب العنب، والآثار التي أخرجها عقب الترجمة تقتضي خلاف ذلك. فالوجه أن يكون سقط من الترجمة لفظ «وغيره» كما ثبت عند ابن بطال في نقل ابن حجر عنه، وبدون ذلك لا تستقيم التكلفات التي تكلفوها. ومراد البخاري الرد على أبي حنيفة؛ إذ خص معظم حكم الخمر بشراب العنب، فاقتضى أنه لا يرى غيره خمراً. * * * باب الانتباذ في الأوعية والتَّور [ ٧: ١٣٨، ١٠] اعلم أن الآثار الواردة في الانتباذ في الأوعية والأسقية والحنتم ونحو ذلك لا يظهر معناها إلا بعلم عادة العرب في النبيذ، وتلك أنهم كانوا ينتبذون البُسر والتمر والزبيب في الماء لشرب مائها عوضاً عن الماء القراح استعذاباً له وتطلباً للصحة من ذلك، وكان يلزم لحصول طعم الأشياء المنتبذة في الماء المنتبذ به زمن غير قليل، فكانوا يجعلون ذلك في الليل، كما دلَّ عليه حديث أبي أسيد الساعدي [٧: ١٤٧، ٩]: أنه دعا رسول الله ﷺ في عرسه فسقت العروس رسول الله ﷺ نبيذاً أنقعت له تمرات من الليل؛ ذلك أنهم يحبُّون أن يجدوا ذلك النبيذ في النهار يشربون منه، وكانت الأوعية الضيقة الأفواه والمطلية قد يسرع إليها الاختمار في مدة الليل في زمن الحرِّ، فلذلك نُهُوا عن الانتباذ في المزفَّت والحَنتم؛ لأنه مطلي، وفي الدُّبَّاء؛ لأن ذلك يسرع إليه الاختمار، وهو نهي تنزيه للاحتياط؛ لأن الاختمار حالة تظهر إذا حصلت في النبيذ؛ ولذلك رخص لهم رسول الله ﷺ في الانتباذ في الظروف والأسقية غير المزفتة بعد أن نهاهم عنها.

стр. 215

باب الشرب بنَفَسَيْن وقع فيه قول ثمامة بن عبد الله [٧: ١٤٦، ٦]: (كان أنسٌ ينتفَّسُ في الإناءِ مرَّتينِ أو ثلاثاً). فقوله: «في الإناء» تقدير، أي في مقدار الإناء من الماء حين يشربه فـ (في) للظرفية الزمانية، وليس المراد أنه يدفع نَفَسَه في وسط الإناء؛ لأن ذلك منهي عنه، كما في أبي قتادة قال رسول الله ﷺ : «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء»، فـ (في) التي في الحديث للظرفية المكانية. * * *

стр. 216

كتاب الطب باب أشد الناس بلاء الأنبياء [ ٧: ١٤٩، ١٩] هذه الترجمة لفظ حديث رواه الترمذي عن مصعب بن سعد قال: (قلت: يا رسول الله، أيُّ الناس أشدُّ بلاء؟ قال: «الأنبياء ثم الأَمثَلُ فالأَمْثَل»، وقد ترجم به البخاري ولم يروِه. * * * باب عيادة النساءِ الرجالَ وقع فيه قول عائشة ﵁[٧: ١٥١، ١٣]: (وكان بلالٌ إذا أقلعتْ عنهُ الحُمَّى). «أقلعت»: زالت، يقال: قلعه فأقلع مطاوع قلع، ومنه ﴿ويَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾. * * * ووقع فيه قولها [٧: ١٥١، ١٦]: (فجئتُ رسولَ اللهِ ﷺ فأخبرتُهُ). أي ولم تكن يومئذ زوجته وإنما جاءت تخبره بخبر أبيها، كما يدل عليه قولها: «فجِئْتُ رَسُولَ اللهِ) أنها جاءته من بيت أبيها ﵁. * * * باب الدواء بألبان الإبل وقع فيه قول الحسن [٧: ١٦٠، ٤]: (فَوَدِدْتُ أنَّهُ لم يُحدِّثهُ بهذا). أي وددت أن أنساً لم يحدث الحجاج بهذا، أي لأنه لا يُحسن وضعه في موضعه من الفهم، وإنما يأخذ بظاهره في شدة العقوبة، ولا يتفطَّن لشدة الجرم الذي اجترحه العِرْنيُّون.

стр. 217

باب الحجامة على الرأس وقع فيه [٧: ١٦٢، ٨]: (احْتجمَ بِلحي جَمَلٍ). وذكر في بعض رواياته أنه اسم ماء، والظاهر أن كلمة «لَحْي» - بفتح اللام وسكون الحاء المهملة وياء تحتية – كلمة سامية قديمة، أو عبرية معناها الماء أو البئر، فقد وقع في سفر التكوين من التوراة أن المكان الذي رأت فيه هاجر الملك كانت فيه بئر تسمىَّ «لَحْيَ رُئِي»؛ لأن هاجر رأت الملك في طريقها عند تلك العين. * * * باب ما يذكر في الطاعون وقع فيه قول عمر [٧: ١٦٩، ٣]: (إحداهما خصبةٌ). يقال –بفتح الخاء وكسر الصاد–ويقال –بكسر الخاء وسكون الصاد– وهي الكثيرة الكلأ. * * * باب الفَال وقع فيه قول رسول الله ﷺ [٧: ١٧٥، ٣]: «لا طيرة وخيرها الفألُ» قالوا: وما الفألُ؟ قال: «الكلمةُ الصالحةُ يسمعها أحدكم». الطيرة في لسان العرب مشتقة من اسم الطير؛ لأنهم كانوا يزعمون أن اختلاف كيفية طير بعض الطيور إذا لاقى السائر أو الخارج من منزله تنبئه ببعض ما يعرض له في سيره أو في يومه، وإذا أراد أحد معرفة وجهته زجر الطير، أي تعرض لها فأهاجها فاذا طارت تعرف منها بعض ما يريد. وذلك عندهم في أصناف معروفة من الطير كالغراب والصرد والحمام والبوم والعقعق، ثم ألحقوا بالطير بعض الوحوش

стр. 218

كالظباء وبقر الوحش وبعض دواب الأرض كالثعلب وابن آوى، فيسمى كل ذلك الطِّيَرة – بكسر الطاء وفتح الياء – فأصل الطيرة تطلق على استفادة الخير والشر من حركات الطير، ثم ألحقوا بها التفاؤل والتشاؤم، وهو فيما يزعمون تتبُّع مقارنات بعض ما يلابس الإنسان من امرأة أو بيت أو فرس أو أمة، فإذا قارنه الخير قالوا: هو ميمون، وإذا قارنه الشر قالوا: هو مَشْؤَوُم، قال أبو الأسود: كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسداً وبغضاً إنه لمشوم وقد أبطل الإسلام هذه العقائد الوهمية المبنية عليها خرافات وتكاذيب، ومن ذلك هذا الحديث: «لا طيرة» فهو نفي للجنس، أي هذا الجنس المزعوم لا وجود له في نفس الأمر، وإنما هو تخيُّلات يتخيَّلها الناس ومصادفات تبنى عليها أكذوبات. وقوله: «وخَيْرُهَا الفَأل» الضمير عائد إلى «الطيرة» المنفية، أي خير الطيرة، أي خير ما فيها فيما كانوا يزعمونه الفأل المفسر بأنه الكلمة الصالحة يسمعها المرء. والمراد بالصالحة التي لو أخبر السامع بمثلها لكان ذلك خبر خير عنده؛ كمن يخرج إلى سفر، فتكون أول كلمة يسمعها في طريقه أن يقول قائل لآخر ... تحظَى بطلبتك، وإنما كان هذا خير الطيرة؛ لأنه كان فيه انشراح لنفس السامه ومسرَّة له، بخلاف ضد ذلك فكانت خير الطيرة التي كانوا عليها لما لها من أثر صالح في النفس. وليس في هذا ما يقتضي أن ذلك يتحقق، وإنما هو بيان لكون بعض ما كانوا يعتقدونه لم يخل من نفع لهم؛ ولكنه مع ذلك داخل تحت نفي الجنس، وهو اعتقاد أن ذلك له آثار تتحقق. وأما ما ورد من أن رسول الله ﷺ كان يعجبه الفأل الحسن، فلعل ذلك خصوصية له جعل الله له من طرق الوحي والإنباء أن يسمع كلاماً حسناً يناسب غرضاً تحدثه فيه نفسه، فيكون ذلك له خطاباً ملكيّاً أو إلهيّاً وُجِّه إليه على لسان بعض عباد الله تعالى، كما كانت رؤيا الأنبياء وحياً فلا يشاركه في اطراد ذلك أحد؛ لأن ذلك بالنسبة إليه معصوم من التخلف، وليس هو كذلك بالنسبة إلى غيره. وقد ورد أن الله تعالى خلق كلاماً في شجرة كلَّمت موسى كلاماً علم أنه من تلقاء عالم القُدُس، فكذلك قد يخلق خطاباً قدسيّاً على ألسنة بعض عبيده؛ ولذلك صح الفرق بين الشؤم إذ نفاه النبي ﷺ وبين الفأل؛ إذ نقل عنه أنه كان يعجبه.

стр. 219

باب هل يستخرج السِّحر وقع فيه حديث عروة عن عائشة ﵁[٧: ١٧٧، ١٨]: (أن رجلاً من بني زُريقٍ اسمه لبيد بن الأعصمِ سحر رسول الله ﷺ حتَّى كان يُخيَّل إليه أنَّه يأتي النَّساء ولا يأتيهنَّ) الحديث. هذا الحديث من مشكلات الآثار، ليس من جهة أنه يثير شكّاً في تبليغ الرسول ﷺ الواقع في مدة هذا السحر الذي أصابه؛ لأن العوارض البدنية لا علاقة لها بالاتصال النبوي في الوحي والتبليغ، وأن العالم وصاحب الصناعة يعتريه المرض في جسده والضعف في حافظته ولا يقدح ذلك في صحة ما يتذكره، وقد بسط عياض في «الشفا» كشف ذلك. ولكن الإشكال في تسلُّط السحر على نفس الرسول – ﵊ – وكيف ينال منه الساحر، وهو الذي علَّمه الله التعوُّذ من السحر وغيره، وهو القائل [٧: ١٧٩، ٣]: «من تصبَّح سبعَتمرات من عجوة لم يضره سحر ولا سُمِّ». والروايات في هذا الحديث مضطربة؛ فأما ما في البخاري ففي رواية عيسى ابن يونس وأبي أسامة وأبي الزناد وهي أنها قالت له [٧: ١٧٨، ١٧]: (أفَلا اسْتَخْرَجْتَهُ؟ قال: «قَدْ عَافَانِي الله فكرهْتُ أنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاس فيِهِ شَرّاً»). * * * وفي رواية ابن جريج أنها قالت [٧: ١٧٨، ٤]: (فأتى النَّبيُّ البئر حتَّى استخرجه ثُم دفنه)، ولعله توهم من ابن جريج، وإنما أتى رسول الله البئر ووجدها على الوصف الذي أريه في المنام ولم يخرج ما قذفه فيها لبيد بن الأعصم من السحر في البئر. والذي يظهر لي أن رسول الله ﷺ أصابه مرض في مدة قارنه فيها محاولة لبيد ابن الأعصم أن يسحره، وأن الله بشره في المنام بالشفاء، وجعل له علامة على ذلك أن أطلعه على ما حاوله لبيد بن الأعصم، ليكون ذلك خاسئاً لليهود؛ إذ كانوا يرهبون المسلمين بأنهم يسحرونهم، وكانوا زعموا مبدأ الهجرة أنهم سحروهم، فلا يولد لهم حتى ولد للزبير ابنه عبد الله، وكانت تلك العلامة كعلامة نسيان

стр. 220

الحوت لموسى على موضع لقاء الخضر ﵇، وأن الراوي خلط الخبرين فجعلهما خبراً واحداً، فشفى رسوله وشفى قلوب المؤمنين من خوفهم سحر اليهود. وأما قوله تعالى عن موسى: ﴿فَإذَا حِبَالُهُمْ وعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ فذلك تخييل بسبب اضطرابات من عقاقير ونحوها كما يخيل لناظر من يدير جمرة بشدة السرعة أن بيده دائرة من نار؛ وذلك جائز لأنه يعلم أنه ليس كذلك. هذا قصارى ما يتأول به ظاهر هذا الخبر. وبعد، فهو حديث غريب لم يروه غير هشام بن عروة عن أبيه لا غير عن عائشة لا غير، مع أنه مما توفر الدواعي على نقله لأنه حادث عظيم، على أنه روي أن عائشة قالت: «فأتى رسول الله بئر ذَرْوَانَ في جمع من أصحابه» فكيف لم يروِ هذا الخبر أحد مِمَّن حضره، والحديث الغريب لا يقبل في الأمور التي تتوفَّر الدواعي على نقلها. وأيضاً هو يقتضي تأثر عقل رسول الله ﷺ بالسحر؛ وذلك لا يجوز عليه؛ وقد غضب رسول الله ﷺ من قول بعض أصحابه في مرضه الذي مات فيه: (إنَّ رسول الله هَجَر» وأمرهم بأن يقوموا عنه. ولا بد في هذا الحديث من آفة من وَهَم أو سقوط ما يزيل الوهم، وأن الخبر إذا خالف أصول التشريع وما يجب لمقام النبوة يجب رده ودحضه. * * *

стр. 221

كتاب اللباس باب جيب القميص وقع فيه قول أبي هريرة [٧: ١٨٥، ١٦]: (فأنا رأيتُ رسول الله ﷺ يقولُ بإصبعه «هكذا في جيبه»). استعمل «يَقُولُ» بمعنى يدل عليه التشبيه في قوله: «هكذا في جَيْبِهِ». وهو تشبيه بفعلٍ فَعَله أبو هريرة حينما حدَّث بهذا الحديث يحاكي بفعله فِعْلَ النبي ﷺ . والسياق يدلُّ على أن ذلك الفعل هو وضع الأصبع على طرف الجيب، كهيئة من يريد أن يجذب جيبه ليوسعه أو يمزِّقه. واستعارة القول للعمل شائعة عند البلغاء، ومنها ما في حديث أبي ذرٍّ قول النبي ﷺ [٨: ١١٧، ٢٠]: «إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة» إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا بين يديه وعن يمينه وعن شماله. أي إلا مَنْ أنفق المال وبذل، ومنه قول أبي حية النميري وهو في ديوان الحماسة: فألقت قناعاً دونه الشمسُ واتقت ... بأحسن موصُولين كفٍّ ومعصم وقالت فلما أفرغَتْ في فؤاده ... وعينَيه منها السِّحر قُلْنَ لها انعَم أي ونظرت إليه نظرة فاتنة، فعبَّر عن النظر بقرينة قوله: «فلما أفرغت فؤاده» .... إلخ. * * * وقوله [٧: ١٨٥، ١٧]: («فَلوْ رأيتهُ يُوسِّعها ولا تتوسَّعُ»). هو من كلام رسول الله ﷺ . * * *

стр. 222

باب ما كان النبي ﷺ يَتَجَوَّزُ من اللباس وقع فيه قول عمر بن الخطاب في ذكر حديث الإيلاء ومحاورته مع أم سلمة قال عمر ﵁[٧: ١٩٦، ١١]: (فَرَدَّدَتْ). رُوي هذا اللفظ بوجوه أربعة «فَرَدَّدَتْ» بِدَالَيْن مع تشديد الأولى منهما، وبِدَالَيْنِ بدون تشديد أحدهما، وبدال واحد. ورواية «فَبَرَزَت». فأما رواية «فردَّدَتْ» بدالين أحدهما مشدَّد فهي تناسب تسكين التاء، أي قالت كلاماً جعلتني به متردداً، أي متحيراً في نفسي في تدخلي في شأنها، ويجوز ضم التاء أيضاً، أي فَرَدَّدتُ نفسي بكلامها، أي ترددت في أني محقٌّ فيما لمتها عليه. وأما رواية «فرددت» بدالين دون تشديد فتناسب ضم التاء لا غير، أي فأجبتُ، أي أجبتها بكلام، أجْمَل ذكره هنا. ورواية الدال الواحدة تناسب سكون التاء لا غير، أي ردت عليَّ بكلام لم يحضره حين حدَّث بهذا الحديث، أي قالت لي [٧: ١٩٦، ١٠]: (فلم يبق إلا أن تدْخُل بين رسول الله ﷺ وأزواجه) وكلاماً آخر من الردِّ مثل أن تقول له: أقبل على شأنك أو نحو ذلك. وأما رواية «فَبَرَزْتُ» فهي بمعنى فخرجتُ، ووقع في كتاب التفسير «فأخَذَتْني والله أخذاً كسرتْني به عن بعض ما كنتُ أجد»، أي كنت زائداً في اللوم لولا أنها رَدَّتني بكلامها. وهذا اللفظ لم يذكر في المشارق ولا في النهاية ولا وفاه الشارحون حقه. * * * باب لبس القسي وقع فيه حديث البَرَاء بن عازب [٧: ١٩٥، ٧]: (نهانا النَّبيُ ﷺ عن المياثر الحُمر). وصف «الحُمر» خرج مخرج الغالب؛ لأن المياثر كانت تتخذ من اللون الأحمر، وليس للألوان تأثير في الأحكام الشرعية.

стр. 223

باب قصّ الشارب فيه قول البخاري [٧: ٢٠٥، ٢٠]: (حدَّثنا المكِّي بن إبراهيم عن حنظلة عن نافع قال أصحابُنا عن المكَّي عن ابن عمر ... ) إلخ. معنى هذا أن البخاري روى الحديث عن المكي عن نافع مرسلاً عن النبي ﷺ ، فاستشهد لسنده بأن أصحابه، أي أصحاب البخاري رووه عن المكي بسنده إلى نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ . فقوله: «قال أصحابنا» تعليق. واختصر البخاري العبارة فتردَّد الشارحون في فهمها ... ولا ينبغي أن يُفهم غير ما قررته، وهو مختار ابن المُلقِّن شيخ ابن حجر. واعلم أن ممَّن عناه البخاري «بأصحابنا» يعقوب بن سفيان، كما سيشير إليه في باب الجعد [٧: ٢٠٧، ٩] بُعَيد هذا. * * *

стр. 224

كتاب الأدب باب من أحق الناس بحُسن الصحبة فيه قول أبي هريرة [٨: ٢، ١٠]: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: من أحقُّ الناسِ بحسن صحابتي؟ قال: «أُمُّكَ» قال: ثمَّ من؟ قال: «ثمَّ أمُّك» قال: ثمَّ من؟ قال: «ثمَّ أمُّك» قال: ثمَّ من؟ قال: «ثمَّ أبوك»). هذا الحديث أخرجه مسلم، وأخرج أبو داود والترمذي قريباً من لفظه، وكلها راجعة إلى معاوية بن حَيْدَة القشيري راوي الحديث عن النبي ﷺ ، وهو السائل كما في جامع الترمذي. وقد أهمل العلماء تحقيق الكلام على معنى هذا الحديث فذهب أكثرهم إلى أنه رجع جانب الأم على جانب الأب في البِرِّ، حتى قال جماعة منهم أبو بكر بن العربي في العارضة وابن بطال في شرح البخاري وابن عطية في تفسير قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلَى وهْنٍ﴾ الآية في سورة لقمان، إلى تحديد ذلك بتكسير البر إلى أربعة كسور ثلاثة منها للأم وواحد للأب، وهذا عجيب من أمثالهم. وقد ذكر شهاب الدين القرافي في الفرق الثالث والعشرين كلامهم، وأورد عليه شكوكاً، كأنه يحاول إرجاع هذا اللفظ النبوي إلى نوع المتشابه، ثم أوله بأن المقصود منه إظهار تأكيد حق الأم في البرِّ ثم أتى بكلام تشمُّ منه حيرته في ذلك. والذي يجب الاعتماد عليه: أن هذا الحديث إذا كان قد حكاه الراوي بلفظ النبي ﷺ دون تصرف، فمعناه وتأويله: أن النبي ﷺ علم من السائل أنه يرمي إلى الإذن منه بحسن صحبة غَيْر أمه، على ما جرت به عادة أهل الجاهلية من التسامح في برِّ الأم بما للأبناء من إدلال عليها، وبما وُقر في نفوسهم من الإقبال على جانب الأب لاعتزازه بالرجولة والبطولة، فأراد النبي ﷺ أن يظهر له الاهتمام بجانب الأم للحذر من التفريط في حقها، فلا يقتضي الحديث إلا الاهتمام بها، وأنها جديرة بالبرِّ مثل الأب قَلْعاً لآثار الجاهلية من نفوس المسلمين، فالأبوان في البرِّ سواء، كما أشار له قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي ولِوَالِدَيْكَ﴾، وقوله: ﴿ووَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾، وقوله:

стр. 225

﴾ وصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ فسوى بينهما فيما أمر به، وعلى هذا يكون مساق الحديث نظير مساق قوله تعالى في سورة لقمان: ﴿ووَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلَى وهْنٍ وفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ﴿؛ إذ علل الوصاية بهما بذكر موجبات هي مختصة بالأم إيقاظاً للأبناء عن الغفلة عن جانب الأم؛ لأنه معرَّض للغفلة؛ وبذلك يتضح سر جمعهما في الوصاية بهما مع تخصيص للتعليل لما هو من شؤون الأم، ثم جمعهما في الأمر بالشكر لهما في قوله عقب التعليل: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي ولِوَالِدَيْكَ ﴿. ومما يزيد هذا كشفاً أن برَّ الأم وبرَّ الأب لا يتعارضان غالباً، فالخشية إنما هي من الاشتغال ببرِّ أحدهما عن برِّ الآخر وهو الجانب الضعيف. فأما إذا عرض تعارض بين حق الأبوية في البرِّ مثل أن يأمر أحد الأبوين ولده بعكس ما يأمره به الآخر، فهنا عليه أن يسعى في إرضائهما معاً أو التوفيق بين أمريهما، فإن أمكن له ذلك فذاك، وإلا فهو من تعارض الدليلين دون إمكان الجمع، فيجب الوقف. وعلى هذا جاء قول مالك للذي قال له: إن أبي في السودان كتب إليَّ أن أَقدِمَ عليه ومنعتني أمي، فقال له مالك: أطِع أباك ولا تعْصِ أمك، ذكره القرافي في الفرق الثالث والعشرين عن مختصر الجامع. * * * باب إجابة دعاء مَنْ بَرَّ والديه وقع فيه قول النبي ﷺ فيما يحكيه [٨: ٣، ١٣]: «اللَّهمَّ إنَّه كان لي والدان شيخانِ كبيرانِ». كذا وقع في النسخ التي علق عليها الشارحون، ورأيت في نسخة صحيحة من صحيح البخاري «شيخين كبيرين» بالنصب على الحال بخط أبي علي الصدفي. * * * ووقع فيه [٨: ٣، ١٦]: (كَما كُنتُ أحلُبُ). وهو بضم اللام وبكسرها. * * *

стр. 226

باب فضل صلة الرحم فيه حديث أبي أيوب [٨: ٦، ٤]: (أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، أخبرني بعملٍ يدخلني الجنَّة، فقال القوم: ما له، ما له؟ ! فقال رسول الله ﷺ : «أربٌ ما له: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصَّلاة، وتؤتي الزِّكاة، وتصل الرَّحم، ذرها»، قال: كَأَنَّهُ كَانَ عَلَ رَاحِلَتِهِ). لم يتبين الشارحون وجه قول القوم: «مَا لَه، مَا لَه؟ ! ». وأقول: إن قوله: «ذَرْهَا» يسفر عن وجه ذلك؛ بأن يكون هذا الرجل قد اعترض النبي ﷺ في سيره وأخذ بزمام راحلته، فقال القوم: «مَا لَه، مَا لَه؟ ! » يعني حيث لم يُمْهِلْ حتى ينزل النبي ﷺ في بعض منازله فيسأله. والظاهر أن الرجل كان من جملة القافلة، وجواب النبي ﷺ للقوم لدفع تعجبهم، أي أنه ما فعل ذلك إلا لِأَرَبٍ عظيم. * * * باب المِقَةِ من الله فيه حديث أبي هريرة [٨: ١٧، ١٣]: (عن النَّبيَّ ﷺ أنَّهُ قال: «إذا أحبَّ الله عبداً نادى جبريل إنَّ الله يحبُّ فلاناً فأحبَّهُ فيُحبُّه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إنَّ الله يُحبُّ فلاناً فيُحبُّه أهل السَّماءِ، ثمَّ يوضع له القبول في أهل الأرض»). * * * ترجمة البخاري بـ «باب المقة في الله» ليشير إلى أن المراد بالقبول في أهل الأرض هو المحبة في ذات الله تعالى، كما ورد في الحديث الآخر في علامات الإيمان [١: ١٢، ٤]: «وأن يحبَّ المرءَ لا يُحبُّهُ إلاَّ لله». فالمراد بالقبول أن تقبل عليه نفوس الناس وقلوبهم. والمراد بالناس المؤمنون الكاملون.

стр. 227

وهذا القبول هو الذي أعطاه الله الرسل وأهل الخير من الصالحين ومن سبق لهم الهدى. وهو الذي لا سبب له من إحسان وقرابة وغيرهما، ولا معارض له من خصام أو شنآن كالحرب وغيره؛ فإن الكافرين كانوا لا يحبون الرسول ﷺ كما قال تعالى: ﴿وإذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ إلى قوله: ﴿إن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وإن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ وقال: ﴿إن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وإن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ الآية. ويشرح هذا حديث هند بنت عتبة حين أسلمت؛ إذ قالت لرسول الله ﷺ [٥: ٤٩، ١٧]: (ما كان أهل خباء أحبَّ إليَّ أن يذلُّوا من أهل خبائك، واليوم ما أهل خباءٍ أحبُّ إليَّ أن يَعِزُّا من أهل خبائك). ووقع في بعض روايات هذا الحديث في غير الصحاح: «وإذا أبغض الله عبداً نَادى جِبريل ... » إلخ، مثل: حديث المحبة: « .... فيبغضه أهل الأرض»، والظاهر أنها زيادة باطلة؛ لأن المشاهدة تنافيها. * * * باب ما يكره من التمادح فيه حديث أبي بكرة [٨: ٢٢، ٧]: (أنَّ رجلاً ذُكِرَ عند النَّبيِّ ﷺ فأثنى عليه رجلٌ خيراً، فقال النَّبيُّ: «ويحك قطعت عُنُق صاحبك»). وفي حديث أبي موسى [٨: ٢٢، ٦]: («قطعتُمْ ظهرَ الرَّجُلِ»). هذا من بليغ الكلام النبوي، ولم أعرف سابقاً له في كلام العرب، فهو مما انفرد به الرسول ﷺ ، وهو تمثيل بديع؛ لأن فيه تشبيه الهيئة الحاصلة من ثناء الرجل على الآخر، وما يحصل للممدوح إذا كان حاضراً أو إذا بلغه ذلك من الازدهاء والإعجاب بالنفس فيظن نفسه بلغت الكمال، فإن كان الثناء صادقاً ربما عاد عليه بضُرِّ الزهادة في طلب الكمال، أو التفريط في بعض ما عنده من المحامد، وإن كان في الثناء مبالغة، أي كان بأكثر مما في الممدوح فذلك يغرُّ ويُخيَّل إليه أنه ساوى الكُمَّل فيريد أن يجري في مضمارهم ويسمو إلى طبقتهم عن غير جدارة فيظهر سقطه. وكل ذلك تشبيه هيئته بهيئة راكبٍ فرساً يلحُّ عليه بالركض ويستزيده الجري

стр. 228

بنحو المسح على رقبته والتذبذب له بالسوط والكلام المعتاد، فإن كان جواداً أوسع في السير حتى يتجاوز حدَّ طاقته فيوقعه ذلك في تقطيع أوصال عنقه أو ظهره؛ إذ هما آلة حركة سير الخيل وفيهما تظهر آلام شدة الإعياء على الدَّابة، أي فيهجن ويصيرُ فِسْكِلاً بعد أن كان جواداً؛ وإن كان الفرس غير جواد فقد كلفه ذلك التلطف به ما ليس في وسعه فلا يلبث أن يحسر عنه ويظهر إعياؤه. ولذلك كله عبَّر في التمثيل مرة بالعنق ومرة بالظهر رمزاً إلى المشبه به؛ لأن العرب يقولون للفرس الجواد: تقطعت أعناق الخيل عليه فلم تلحقه، وهو مبالغة. ولذلك كله عبَّر في التمثيل مرة بالعنق ومرة بالظهر رمزاً إلى المشبه به؛ لأن العرب يقولون للفرس الجواد: تقطعت أعناق الخيل عليه فلم تلحقه، وهو مبالغة. ومن كلامهم: فلان تُقَطَّع إليه أعناق الإبل، أي يسارع الناس في الرحلة إليه، وقد قال عمر ذلك في حق أبي بكر ﵁ حين ذكر بيعته في بعض خطبه. وهذه الاستعارة تمثيلية مكنية، ثم إنك إذا اعتبرت فيها حضور الممدوح أو تقدير بلوغ المدح إليه، فالتمثيل صالح لأن يجعل فيه كل جزء من أجزاء الهيئة المشبهة مشبهاً بجزء من أجزاء الهيئة المشبه بها، وهو أحسن صفات الاستعارة التمثيلية: أن تكون صالحة للجمع والتفريق في التشبيه؛ وإن كان الممدوح غير حاضر ولا خطر بالبال بلوغ ذلك إليه حين النطق بها، فالتمثيل لحال المادح فقط ولا يجعل التشبيه فيه مفرق الأجزاء. * * * [٨: ٢٢، ٨]: («إن كان أحدكم مادحاً لا محالة فليقل: أحسب كذا وكذا»). لأن في ذكر فعل الحسبان إشعاراً بأنه إنما مدحه بما بدا له من ظاهر حاله، ففيه احتراس؛ وذلك ينبه الممدوح إلى محاسبة نفسه على محامده ونقائصه. * * * [٨: ٢٢، ١٠]: («ولا يُزكَّى على اللهِ أحَدٌ»). فائدته: أنه لما ذكر ما يدلَّ على عدم العلم ببواطن الأمور أو بعواقبها وتفويضه إلى علاَّم الغيوب، ففيه زيادة تنبيه الممدوح إلى تذكر نقائصه وتنبيهه إلى الجهل بعواقب انتقاص محاسنه ليحرص على إقلال الأولى ويدأب على الاستكثار من الثانية. وفي هذا التأديب تربية للأمة على الصدق، وتوخِّي الحقائق، وطرح المبالغات

стр. 229

والمجازفة، ودحض الغرور؛ وذلك من أصالة الرأي، وحكمة معرفة الحقائق. وبهذا تعلم أن ليس كلام الرسول ﷺ خاصّاً بالمدح المخالف للواقع كما خصه به بعض شراح صحيح مسلم. ففي الإكمال لعياض: «قال أهل العلم: هذا كله في التفاوت في المدح ووصف الإنسان بما ليس فيه أو لمن يخشى عليه العجب والفساد بسماع المدح؛ وإلا فقد مدح رسول الله ﷺ ومدح غيره بحضرته بالنثر والنظم فلم يُنكر». اهـ. وقد روي: «ولا يُزَكِّي على الله أحداً» بالبناء للمعلوم ونصب «أحداً»، أي يزكي أحدكم إن كان مادحاً أحداً بما يدل على الجزم واليقين؛ لأن باطنه لا يعلمه إلا الله، فمن زكاه فقد زكَّى على الله، أي أخبر بما شأنه أن لا يخبر به إلا الله تعالى، فضمن «يزكِّي» معنى (يتقول). وروي بالبناء للمجهول ورفع «أحد» على أنه نائب فاعل، وهي بمعنى الأولى؛ ولكن على هذه الرواية تحتمل أن تكون هذه الجملة معطوفة على «أحسب»، فتكون من المقول، وأن تكون معطوفة على «فليقل». * * * باب الهجران وقع فيه قول عوف بن الطُّفَيْل [٨: ٢٥، ٩]: (فَأَقْبَلَ به المسور وعبد الرَّحمن ابن الأسود مُشتملين بأرديتهما). ذكر هذه الحال ليدلَّ على أنهما لبسا رداءيهما لئلا يظهر شخص ابن الزبير من ورائهما حين يدخلان به على عائشة ﵁. والاشتمال: الالتفاف بالثوب، أي إدارته على البدن كله بحيث لا يخرج منه يديه. * * * باب ما يجوز من الهجران لمن عصى [ ٨: ٢٦، ٤] الظاهر أن قوله: «لِمَنْ عَصَى» ذكر في الترجمة سهواً ليظهر وجه دخول حديث عائشة في قولها: «لا أهجر إلا اسمك» تحت الترجمة، فيكون الهجران الجائز نوعين: نوع هو الهجران المعروف، وهو جائز لمن عصى. ونوع هو مغاضبة وليس بهجران،

стр. 230

وهو ما وقع من عائشة ﵁ مع رسول الله ﷺ ، ويكون محل الاحتجاج قولها: «لا أهجر إلا اسمك» حيث نفت أن يكون ذلك هجراناً. * * * باب الحياء فيه قول بُشَيْر بنُ كَعْب العدوي لعمران بن حصين [٨: ٢٥، ٩]: (مكتُوبٌ في الحكمةِ ... ) إلخ. وقول عمران له [٨: ٣٥، ١٠]: (أُحدِّثك عن رسول اللهِ ﷺ وتُحدِّثُني عن صحيفتك). لم يبين أحد ما هذه الصحيفة التي فيها الحكمة، ولعلها أوراق جمعها بُشَيْر بن كعب أثبت فيها حِكَماً مأثورة عن العرب وغيرهم، أو لعلها مما ترجم إلى العربية من كتب بني إسرائيل مثل أمثال سليمان وجماعته. * * * باب إكرام الضيف وقع فيه قول البخاري [٨: ٣٩، ت ١]: (وهو زورٌ وهؤلاء زورٌ وضيفٌ، ومعناهُ أضيافُه وزوَّارهُ لأنَّها مصدرٌ، مثل: قومٍ، رضاً، وعدلٍ). يعني أن قولهم: «زور» ليس من أسماء الجموع الواردة على وزن فَعْل مثل: سَفْر ورَكْب وصَحْب وشَرْب، بل هو من المصدر الواقع وصفاً وحذف موصوفه. * * * باب ما يجوز من الشِّعر وقع فيه قول رسول الله ﷺ [٨: ٤٤، ٤]: «إنَّهُ لجاهدٌ مُجاهدٌ».

стр. 231

معنى «جاهد» أنه جادٌّ في الخير. وفعله: جَهَد يَجْهَد كمنع يمنع. * * * ووقع فيه قول أبي قِلابة [٨: ٤٤، ٧]: (فتكلَّمَ النَّبيُّ ﷺ بكلمةٍ لو تكلَّم بها بعضكم لعبتموها عليه، قولهُ: «سوقَكَ بالقواريرِ»). أراد أبو قلابة أن أهل العراق قد ضعفت ملكة اللسان فيهم وصاروا لبعدهم عن استعمال العرب وبلاغتهم يستثقلون الأفانين الكلامية لعسر فهمها عليهم، والنوادر المروية في ازدراء أهل العراق بالنحاة وقواعد النحو كثيرة في كتب الأدب. وهذا نظير ما يتشدِّق به بعض المتطفَّلين على صناعة الإنشاء في تونس في هذا العصر من ذمهم السجع، وإنحائهم على الأدب القديم، وعدِّهم ذلك عيباً. «والذنب للعين لا للنجم في الصِّغر». * * * باب قول الرجل: ويلك فيه قول أنس [٨: ٤٨، ١٥]: (فمرَّ غلامٌ للمغيرة وكان من أقراني فقال: «إن أخِّر هذا فلن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة»). سلك رسول الله ﷺ في شأن توقيت الساعة مع السائلين عنها مسلك الأسلوب الحكيم الرمزي ليجدوا في العمل الصالح ولا يتكلوا على طول المدة؛ فأراد بالساعة في أجوبتهم منتهى عمر أحدهم أو منتهى الجيل الذي هو فيه. فقوله في شأن هذا الغلام قد كان ذلك بوحي: أن ذلك الغلام يعمَّر؛ لأن مجرد كونه أحدثهم سنّاً لا يكفي في صدق الخبر الصادق، فلا بد مع ذلك من كونه مقدراً طول عمره، وإنما اختار أحدثهم سنّاً ليكون العمر تامّاً، فتستوعب مدته مُدَته أعمار أهل جيله باعتبار أطولهم عُمُراً، ويُعلم منه أنه لا يكون أترابه أطول منه عُمُراً. * * *

стр. 232

باب «لا يقل: خَبُثَت نفسي» فيه قول رسول الله ﷺ [٨: ٥١، ٨]: «لا يقولنَّ أحدكم: خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي». يظهر أن وجه كراهية لفظ الخبث دون مرادفه هو أنَّه قد شاع استعمال الخبث في القذر والنجاسة، فصار مشتملاً على كراهة السمع كما قالوا في قول الرضي: «مقاعد العُواد». ولما كان المقصود من قول الرجل: «خبثت نفسي» الخبث المعنوي كان الأولى التعبير عنه بلفظ غير مشهور في الخبث الحسيِّ تباعداً عن الكراهة في السمع بقدر الإمكان. هذا، والأظهر عندي أن (لقِس) ليس بمعنى خبُث، ولكنه بمعنى ساء، وهو سوء الخُلُق؛ فليس مرادفاً لِخبُث كما هو ظاهر كتاب لسان العرب؛ وبذلك يظهر وجه اختيار «لقست» على «خبثت». * * * باب اسم الحَزْن فيه قول حزن بن أبي وهب [٨: ٥٣، ٨]: (لا أغيِّرُ اسماً أسمانيهِ أبي). قال ذلك لأنه علم أن مراد رسول الله ﷺ من قوله له: «أنْتَ سَهْل» أنه يريد تغيير اسمه، وأنه يخيره في ذلك ولم يعزم عليه، فكان له أن لا يقبل أفضل الاسمين، ولا يقدح ذلك في إيمانه ولا في أدبه مع رسول الله ﷺ ، ولكنه حُرم بركة اسم اختاره له النبي ﷺ . وقول سعيد بن المسيب: «فما زالت الحُزونة فينا» علم سعيد أن تأثير مسمى الاسم في جدِّه كان تأديباً من الله له حيث أعرض عن الاسم المختار له فصارت الحُزونة خُلقاً له، وبقيت موروثة في بنيه.

стр. 233

باب قول الرجل للشيء: ليس بشيء [ ٨: ٥٨، ١١] تنظيره ذلك بقول النبي ﷺ للقبرين [١: ٦٥، ٤]: «يُعذَّبان بلا كبير وإنَّه لكبيرٌ» هو أن النفي وراد على حالة والإثبات وارد على حالة أخرى، فكما صحَّ ذلك بين خبرين كما في اللفظ النبوي يصح ذلك بين خبر وبين نسبته الخارجية المستقرة في نفس الأمر لظهور انتفاء الكذب؛ فيكون قرينة على أن المراد أنه ليس بشيء، أي ليس بشيء كامل وهو الحق. * * *

стр. 234

كتاب الاستئذان باب السلام اسم من أسماء الله تعالى فيه حديث عبد الله بن مسعود [٨: ٦٣، ٢٠]: (كنَّا إذا صلَّينا مع النَّبيِّ ﷺ قلنا: السَّلام على الله قبل عباده، السَّلام على جبريل، السَّلام على ميكائيل، السَّلام على فلانٍ، فلمَّا انصرف النَّبيُّ ﷺ أقبل علينا بوجهه فقال: «إنَّ الله هو السَّلام فإذا جلس أحدكم في الصَّلاة فليقل: التَّحيَّات لله ... ») إلخ. يظهر منه أن النبي ﷺ علَّمهم أن يحيُّوا في تشهدهم الله تعالى والملائكة، فوضعوا كلمات اصطلحوا عليها فقالوها أو قالها بعضهم، فلما سمعها النبي ﷺ قال لهم ما قال وعلَّمهم ما يقولون. فقوله ﷺ : «إن الله هو السلام» صدر مصدر التخطئة لهم في قولهم: «السلام على الله» بقرينة قوله بعده: «فليقل: التحياتُ للهِ» ... إلخ. ويشكل هذا إشكالاً عظيماً؛ لأنه إذا كان لفظ «السلام» مستعملاً في كلام العرب بمعنى التحية فلا يظهر وجه للعدول عنه إلى لفظ التحية مع أنهما مترادفان في الاستعمال، وكون السلام اسماً من أسمائه تعالى لا يقتضي عدم إطلاقه على معنى التحية لله، غاية ذلك أنه من استعمال المشترك في بعض معانيه؛ وذلك ليس بعزيز في استعمال اللفظ المشترك وليس هناك تعارض؛ بمعنى لا يليق بالله تعالى حتى يكره لأجله هذا الاستعمال. وقد سكت الكاتبون عن بيان معنى هذا الحديث، والذي بدا لي في دفع هذا الإشكال: أن لفظ «السلام» الواقع في التحية لا يتعدى إلا بحرف (على)، فهو منقول من المصدر الذي هو بمعنى الأمن والمسالمة الذي جعل نائباً عن الفعل لإنشاء التحية، فأصله أن المار بقوم يؤمنهم من بأسه فيقول لهم: السلام عليكم، أي عليكم الأمان، وإن العرب كانوا أهل حرب وترات، فإذا رأى أحدهم أحداً لا يعرفه لم يدْر ماذا يلاقي منه، فاصطلحوا أن يقولوا: السلام عليكم، تأميناً من بعضهم لبعض، فكان قولهم: «السلام على الله» موهماً بأصل تركيبه: أن قائله

стр. 235

يؤمِّن الله تعالى، والله قوي عزيز، فلذلك كره لهم هذا القول. وذلك هو معنى تعليل النهي بقوله: «إن الله هو السلام»، أي أن الله هو الذي يؤمِّن الحائفين، فالأمان كله منه، فاختار لهم الرسول ﷺ من صيغ التحية قول: «التحيات لله»؛ لأن أصل وضعه أنه دعاء للمخاطب بالحياة؛ لأنهم كانوا يقولون: حيَّاك الله، وأحياك الله، ثم أطلقوا مصدر حيَّاهُ، وهو التحية عِوضاً عن الفعل، ثم نقلوه إلى إنشاء التعظيم والتكريم، ولما أريد دفع إيهام أن يكون المقصود الدعاء لله بالحياة المستلزم أنه محتاج إلى الدعاء كسائر من يخشى الموت عُدي باللام الدالة على الاستحقاق ليكون متعيناً لمعنى التعظيم، أي أن التحيات كلها مختصة بالله حقيقة؛ لأنه أهل التعظيم المطلق؛ فكان هذا اللفظ موفياً بواجب الأدب مع الله ومنتفياً عنه إيهام احتياج الله إلى تأمين خلقه إياه؛ فهذا وجه الفرق بين الصيغتين من جهة أصل الوضع ومن جهة التفاضل في الاستعمال. وهناك وجه آخر لترجيح صيغة «التحيات لله» على صيغة «السلام على الله»، وهو أنَّ كلتا الجملتين وإن كانتا مستعملتين في إنشاء التعظيم والتكريم إلا أن الإنشاء الذي في قولهم: «السلام على الله» فيه شائبة الإكرام والمنَّ؛ لأن أصل وضعه أنه إنشاء أمان، فاستعماله في إنشاء الإكرام مشعر بأنه إكرام الأكفاء بعضهم بعضاً، بخلاف صيغة «الحيَّات لله» فإن أصلها لإنشاء الدعاء بالحياة؛ وذلك مشعر بأن حياة المدعو له نافعة مرغوب فيها، كما قال النابغة: فإن تحيا لا أملل حياتي وإن تمت ... فما في حياة بعد موتك طائل فإذا نقل إلى إنشاء التعظيم كان مشعراً بأنه تعظيم من الدُّون إلى الأعلى، ففيه مناسبة للعظمة الإلهية لا سيما بعد قرنه بلام الاستحقاق، فصار بمنزلة صيغة الحمد التي أُمرنا بها، وهي «الحمد لله». * * * باب التسليم والاستئذان ثلاثاً فيه قول أُبَيَّ بن كعب لأبي موسى الأشعري [٨: ٦٧، ١٦]: (والله لا يقومُ معكَ إلا أصغرُ القوم). أراد بذلك إنباء عمر بن الخطاب بشهرة حديث الاستئذان ثلاثاً، وإلا رجع شهرة

стр. 236

بين الأنصار بحيث علمه صغارهم بله كبارهم، وفي شبه عتاب على ما صنعه عمر من تخريج أبي موسى حتى ألجأه إلى تطلب البيَّنة على ما رواه عن النبي ﷺ ، ويدل لذلك ما في صحيح مسلم أن أبا موسى أخبر عمر أن أُبَيَّ بن كعب يشهد بذلك وأن عمر سأل أُبَيّاً فشهد أُبَيُّ لأبي موسى ثم قال لعمر: لا تكن عذاباً على أصحاب رسول الله. * * * باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارَّة وقع فيه قول رسول الله ﷺ [٨: ٨٠، ١١]: «إذا كنتم ثلاثةً فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتَّى تختلطوا بالنَّاس أجل أن يحزنهُ». قوله «أجْلَ» بالنصب على نزع الخافض، أي من أجل، كما صرح به صاحب الكشاف عند قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ﴾. ومنه قول عدي بن زيد: أجْلَ أن الله قد فضَّلكم ... فوق من أحْكَأ صُلباً بإزار أي فوق من شدَّ صلبه بإزار، أيْ فَوْق كل رجل. * * *

стр. 237

كتاب الدعوات باب الضجع على الشِّقِّ الأيمن [ ٨: ٨٤، ١٣] إدخاله في أبواب كتاب الدعوات، لعله رأى أن الاضطجاع على الشق الأيمن من خصال دعاء النوم مثل رفع اليدين عند الدعاء؛ ولذلك أخرج فيه حديث اضطجاع النبي ﷺ بعد صلاة الفجر؛ لأن أحوال الرسول دعاء، وسيترجم البخاري أيضاً: «بباب وضع اليد اليمنى تحت الخد» [٨: ٨٥، ١٣]، و «باب النوم على الشق الأيمن» [٨: ٨٤، ١٣]. * * * باب التكبير والتسبيح عند المنام وقع فيه قول علي ﵁[٨: ٨٧، ٧]: (فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا فذهبتُ أقوم فقال: «مكانك»). روي - بفتح كاف الخطاب - وهو ظاهر، وبكسرها على أن الخطاب لفاطمة ﵁ لا قول علي «وَقَدْ أخذْنَا مَضَاجِعَنَا» يعني نفسه وفاطمة، فيكون الرسول ﷺ قال لكليهما: «مكانك» فحكاه عليٌّ مرة بالفتح ومرة بالكسر. * * * باب التعوذ من عذاب القبر وقع فيه قول عائشة ﵁[٨: ٩٨، ٢]: (فما رأيتهُ بعد في صلاةٍ إلاَّ تعوَّذ من عذاب القبر). أي أنها لما سمعت ذلك من رسول ﷺ صارت تلقي بالها إلى ذلك فتسمعه، ولم تكن قبل ذلك تلقي إليه بالاً كشأن كل من يتفطَّن لأمر أنه يكثر عروضه له بعد التفطن له، وليس المراد أن رسول الله ﷺ صار يتعوذ من عذاب القبر لأجل قول اليهودية.

стр. 238

باب الدعاء للمتزوج وقع فيه قول أنس ﵁[٨: ١٠٢، ١١]: (أو قال: مَهْ). أي على أن (ما) استفهامية وقف عليها، فحذفت ألفها لكونها – أي (ما) – مركبة من حرف صحيح واحد وألف مَدَّة، فَحَذْف هذه الألف في الوقف وتعويضها بهاء أجدر فيها منه في حالة جرها باسم مضاف إليها، لاشتراك الحالين في عدم اتصال حرف بـ (ما) مع عدم اقتضاء عامل لها في هذه الحالة، وهذا لم يذكره النحاة وهو مهمٌّ. * * * باب فضل ذكر الله تعالى وقع فيه حديث أبي هريرة قول رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه [٨: ١٠٨، ١٣]: «هُمْ الجُلساء لا يشقى بهمْ جليسُهُمْ». أي لا يكون جليسهم دونهم؛ لأن التميز على الجليس في المجلس يؤذيه، فعبر عنه بالشقوة؛ لأن أصل الشقوة أنها ضد السعادة، فهي عدم الإسعاد وعدم الملاءمة. وقوله: (لاَ يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» تركيب جرى مجرى المثل، هو ونظائره مما فيه فعل الشقاوة، وهو في الأصل أنهم لا يكونون سبباً في تعب جليسهم وإعناته وأذاه؛ لأن أصل الباء بعد فعل (شقي) أن تكون للسببية، كقول الطِّرِمَّاحِ: وإني شقي بالأنام ولا ترى ... شقيّاً بهم إلا كريم الشمائل ثم توسع فيها فجعلت الباء لمعنى الملابسة، كما في قوله تعالى: ﴿ولَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًا﴾، أي لم أكن شقيّاً مع دعائك، أي لم أعهد عدم استجابة دعائي، فالشقاوة في باب الدعاء هي خيبته وعدم استجابته. وكذلك أصل «لا يشقى بهم جليس» أنهم لا يكونون سبباً في أذاه وشقوته، ثم توسع فيه فصار يطلق بمعنى انتفاع جليسهم بهم على وجه الكناية، بناء على أن السلامة من الأذى إكرام، قال الشاعر: وكنتُ جليس قعقاع بن شَوْر ... ولا يشقى بقعقاع جليس

стр. 239

أراد أن جليسه مكرَّم سعيد، فجرى هذا التركيب مجرى المثل في هذا المعنى. ولذلك صار معناه أنهم لا يختصون عن جليسهم بمزية ولا يستأثرون عليه بخير، فلما أكرمهم الله بالمغفرة أكمل لهم الكرامة فلم يحرم منها جليسهم حتى لا تُثلم كرامتهم بحرمان جليسهم من المغفرة التي أعطوها، فكأنهم أهل مجلس دعاهم داع إلى مأدبة فلم يستثن من وجده جالساً معهم. والتعريف في «الجلساء» للتعظيم كقوله: همُ القومُ كُلُّ القوم يا أم مالك وهو تمهيد لقوله: «لا يشقى بهم جليسهم»؛ لأن ذلك من توابع نهاية الكمال الذي يستحقون به مزيد الإكرام. * * *

стр. 240

كتاب الرقاق باب في الأمل وطوله وقع فيه قول عبد الله بن مسعود [١١٠: ٨، ٢٠]: (وخط خططًا صغارًا إلى هذا الَّذي في الوسط من جانبه الَّذي في الوسط). يعني إلى جميع جانبه؛ لأن الراوي لم يقل إلى بعض جانبه، فيكون من الخطوط ما هو داخل في المربع ومنه ما هو خارج عنه ليتم التمثيل؛ لأن بعض الآمال يحصل في الحياة وبعضها تحول دونه الوفاة. باب ما يُتَّقَى من فتنة المال فيه قول أُبَيِّ بن كعب [١١٥: ٨، ١٨]: (كنَّا نرى هذا من القرآن حتَّى نزلت ألهاكم التَّكاثر). الإشارة إلى قوله [١١٥: ٨، ١٦]: «لو أن لابن آدم واديًا من ذهب ... » إلخ. وقوله: «كنا نرى» إن ذلك صريح في أنهم ظنوا ذلك من تلقاء أنفسهم ولم يكن حاصلًا لهم بخير، ولا بما يقوم مقامه من قراءته مع القرآن في الصلاة أو نحو ذلك. ويحتمل أنهم ظنوا ذلك؛ لأنهم سمعوا رسول الله ﷺ يكثر من ذكرها حتى أن عبد الله بن عباس - وهو من صغار الأصحاب، ولم يكن كثير الملازمة لرسول الله ﷺ لصغره - حدَّث أنه سمعه من رسول الله ﷺ ، فيظهر أن تكرر سماعهم ذلك من رسول الله ﷺ مع عدم وجود ما هو بمعناه في القرآن أوجب ظنهم أنه من القرآن. وقوله: «حتى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾» غاية لقوله: (نَرَى)، أي فعند نزولها زال ذلك الظن وثبت أن ما ظنوه قرآنًا ليس من القرآن. ولعل وجه ذلك أنهم لما سمعوا ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ أدركوا بلوغ تلك الآية حدَّ الإعجاز في البلاغة بما فيها من إيجاز وغيره، فتفطنوا لخلو قوله: «لو أن لابن آدم

стр. 241

واديًا من ذهب ... » إلخ، عن مثل ذلك الإعجاز بظهور موازنته بما هو بمعناه، فإن التفاوت بين المتماثلات من وجوه التمييز، فكان قوله: «لولا أن لابن آدم واديًا من ذهب ... » إلخ، كلامًا تمكن معارضته فعلموا أنه ليس بقرآن. ويحتمل أنهم لما سمعوا ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ واهتدوا للفرق بين الكلامين في البلاغة استثبتوا من رسول الله ﷺ ذلك فأخبرهم بأنه ليس بقرآن. واعلم أن الجمهور على أن سورة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ مكية، فيقول أُبَيُّ، وهو من الأنصار، حتى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ معناه أنها نزلت بمكة قبيل الهجرة، وكان الأنصار يومئذ قد أسلموا، وكانوا يستقرئون القرآن، ويتتبعون أقوال الرسول ﵊ حين يذهبون إليه بمكة، أو يأتيهم بذلك من يقرئهم، مثل مصعب بن عمير والمهاجرين الأولين قبل هجرة رسول الله ﷺ . باب المكثرون هم المقلُّون وقع فيه قول المؤلف [١١٧: ٨، ١٠]: (قال أبو عبد الله: حديث أبي صالحٍ عن أبي الدَّرداء مرسلٌ لا يصحُّ إنَّما أردنا للمعرفة، والصَّحيح حديث أبي ذرٍّ). هذا الكلام ساقط من معظم النسخ، وثبت في بعضها، والوجه حذفه؛ لأنه إنما ثبت في بعض الأصول مع ذكر حديث أبي الدرداء، فلذلك قال فيه: «إنما أردنا للمعرفة»، وحُذِفَ حديث أبي الدرداء في معظم النسخ، وبقي هذا الكلام الذي هو توهين له فصار كلامًا مبتورًا. وحديث أبي الدرداء رُوي من طريق عطاء بن يسار عن أبي الدرداء أنه سمع النبي ﷺ على المنبر: «﴿ولِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾»، فقلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ قال: «وإن زنى وإن سرق»، فأعاد، فقال في الثالثة: قال: «نعم، وإن رَغِمَ أنف أبي الدرداء». اهـ.

стр. 242

باب كيف كان عيش النبي ﷺ -؟ وقع فيه قول البخاري [١١٩: ٨، ١٧]: (حدَّثني أبو نعيمٍ بنحوٍ من نصف هذا الحديث). اهـ. أشكل على الشارحين والمشتغلين بهذا الكتاب قوله: «هذا» لأنه لم يذكر الذي حدثه ببقية الحديث. والظاهر أن البخاري سها فلم يعقب الحديث بذكر من حدَّثه ببقيته، وقد ذكر بعضًا منه في صدر كتاب الأطعمة [٨٧: ٧، ١٧]: عن يوسف بن عيسى عن محمد ابن فضيل عن أبيه عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: (أصابني جَهْد شديد فلقيِتُ عمر بن الخطاب فاستقرأته آية من كتاب الله فدخل داره وفتحها عليَّ فمشيتُ غير بعيد فخررت لوجهي من الجَهْد والجوعِ فإذا رسول الله ﷺ قائم على رأسي فقال: «يا أبا هريرة»، فقلت: لبَيَّكَ رسولَ الله وسعْدَيْك، فأخذ بيدي فأقامني وعرف الذي بي فانطلق بي إلى رحله فأمر لي بِعُسٍّ من لبن فشربتُ منه، ثم قال: «عُدْ فاشرب يا أبا هرٍّ»، فعُدت فشربت ثم قال: «عُد»، فعدت فشربت حتى استوى بطني فصار كالقدح، قال: فلقيتُ عمر وذكرت له الذي كان من أمري وقلت له: تولى الله ذلك من كان أحقَّ به منك يا عمر، والله لقد استقرأتك الآية ولأنا أقرأ لها منك، قال عمر: والله لأن أكونَ أدخلتك أحبُّ إليَّ من حُمْر النَّعَم). وذكر بعضًا منه في «باب إذا دعي الرجل فجاء» من كتاب الاستئذان، فقال [٦٧: ٨، ٢٠]: (حدثنا أبو نعيم ثنا عمر بن ذرٍّ وحدثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله أخبرنا عمر بن ذرٍّ أخبرنا مجاهد عن أبي هريرة قال: دخلت مع رسول الله ﷺ فوجد لبنًا في قَدَح، فقال: «أبا هرٍّ الْحَقْ أهل الصفة فادْعُهم إليَّ»، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاسْتأذنوا فأذن لهم فدخلوا). فتعين أن الحديث اختصره في كتاب الأطعمة وفي كتاب الاستئذان وطوَّله في كتاب الرقاق [١١٩: ٨، ١٧]، ويكون حدَّثه أبو نعيم معظمه، وحدثه يوسف بن عيسى ومحمد بن مقاتل بقيته، وهو حديث واحد؛ لأن في الجزء الذي حدثه يوسف بن عيسى ذكرَ ما أصابه من الجَهْد، وذكر استقرائه الآية من عمر، ودخوله

стр. 243

مع رسول الله ﷺ ووجدان القدح وشربه منه مرارًا. وفي الجزء الذي حدثه عن محمد بن مقاتل ذكر دخوله مع رسول الله، ووجدان قدح اللبن، ودعاء أهل الصفة ودخولهم. وفي الحديث المطول ذكر ذلك كله مع زيادة أنه استقرأ آية من أبي بكر، وذكر شرب أهل الصفة كلهم، وشرب أبي هريرة بعدهم، وشرب رسول الله ﷺ . باب حفظ اللسان [١٢٥: ٨، ٩]: (عن أبي شريحٍ الخزاعيِّ قال: سمع أذناي ووعاه قلبي النَّبيَّ ﷺ يقول: «الضِّيافة ثلاثة أيَّامٍ جائزته»، قيل: ما جائزته؟ قال: «يومٌ وليلةٌ»). فقوله ﷺ : «جائزته» ابتداء كلام، فيكون قد قال: «الضيافة ثلاثة أيام» ثم سكت ثم قال: «جائزته» تنبيهًا عليها واهتمامًا بها كيلا يتغافل الناس عنها. يعني أنها زيادة على الضيافة تكون بعدها زيادة في إكرام الضيف. فيجوز في قوله «جائزته» الرفع، وهو الأظهر، فيكون مبتدأ وسكت بعده النبي ﷺ تشويقًا إلى الخبر زيادة في الاهتمام بالمحافظة على الجائزة؛ فلذلك سألوه لأنهم ما سألوه إلا بعد أن سكت ولم يذكر خبرًا. فقول النحاة في تعريف الكلام: هو ما أفاد فائدة يحسن سكوت المتكلم عندها، مخصوص بغير مقام التشويق. ويحتمل أن الجائزة كانت معروفة عندهم، وأن رسول الله ﷺ ذكرها على وجه التنبيه، فيقدر خبر، أي حائزته لازمة. وإنما سألوه عنها مع أنها معروفة، زيادة في الاستعلام لاحتمال أن يكون قد تغير مقدارها شرعًا. ويجوز نصب «جائزته» على الإغراء، أي أعطوه جائزته، والسؤال لذلك السبب. وقد وقع هذا الحديث في الموطأ عن أبي شريح أيضًا بلفظ: «فَلْيُكْرم ضيفه جائزته يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام». وكذلك أخرجه البخاري في كتاب الأدب [٣٩: ٨، ٧].

стр. 244

باب رفع الأمانة وقع فيه حديث حذيفة يرفعه [١٢٩: ٨، ١٨]: (أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرِّجال). وقوله [١٣٠: ٨، ٣]: (ويقال للرَّجل ما أعقله وما أظرفه وما أجلده وما في قلبه مثقال حبة خردلٍ من إيمان). صنيع البخاري هنا وفي كتاب الفتن [٦٦: ٩، ٣] يقتضي أنَّهُ يفسر الأمانة بما هو المتبادر من معناها لا بالأمانةِ الواقعة في قوله تعالى: ﴿إنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ الآية. واستظهر الشارح أن المراد بها الإيمان واقتصر عليه في: «باب إذا بقي في حثالة من الناس» من كتاب الفتن؛ وإنما ألجأه إلى ذلك قوله في آخر الحديث: «وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان». والأظهر أن تفسر بالمعنى المتبادر منها، ويكون قوله: «مثقال حبة خردل من إيمان» محمولًا على أنه مصدر آمنه إيمانًا، أي وما في قلبه شيء من خُلق الأمانة بحيث يقتضي إيمان الناس إياه، أو تحمل الأمانة على القدر المشترك الشامل للأمانِ والوفاء، جمعًا بين التبويب وبين كلام حذيفة في قوله: «وما أبالي أيَّكم بايعتُ»، وهو بنصب أيٍّ على نزع الخافض أو على تضمين «أبالي» معنى أحذر، والضمير في قوله: «أيَّكم» غير مراد به معيَّن وإنما المراد أي الناس. وقوله: «إلا فلانًا وفلانًا» لم يُرد شخصين معينين سماهما أو لم يسمهما بل أراد الكناية عن المعروف باسمه وشخصه، أي لا أبايع إلا من أعرفه أمينًا؛ لأن الناس غلب عليهم الخيانة. فقوله: «فلانًا وفلانًا» هو لفظ حذيفة وليس إيهامًا من الراوي ناشئًا عن عدم تذكر الاسم، أو عن قصد ستره. باب (من أبواب الساعة) وقع فيه قول النبي ﷺ [١٣٢: ٨، ٧]: «فلا يطعمه». يقال: طَعِمَ الشيء، بمعنى ذاقه: قال تعالى: ﴿ومَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ وهو

стр. 245

مشتق من الطَّعْم -بفتح فسكون - وهو ما يدركه الذوق في الشيء الذي يمرُّ على اللسان، يقال: هذا العسل فيه طَعْم العرفط، أي صار ذوقه كذوق العرفط، ومنه قولهم: تغير طعم الماء. باب «من أحَبَّ لِقَاءَ اللهِ» [١٣٢: ٨، ١٠] قال رسول الله ﷺ : («من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه»). هو قضية كلية لافتتاحه بأداة من أدوات العموم، وهي «مَنْ» الموصولة، ولعلَّ هذا الكلام صدر من رسول الله ﵇: إما في مقام ترغيب في الجهاد؛ لأن الجهاد أظهر الأحوال لمحبة العبد لقاء الله تعالى إذا خرج للجهاد غير عابئ بالموت في سبيله مثل أنس ابن النضر حين قال يوم أحد [٢٣: ٤، ١٢]: (إني لأجد ريحَ الجنة دون أحد). وإما في مقام تعليم أمارات الإيمان الكامل من المؤمن حتى يكون رغبته في الحياة الآخرة أشد من رغبته في البقاء في الدنيا، فيكون غير جازع من حلول الموت وقت حلوله، للتفرقة بين حال المؤمنين الكاملين ومن يلحق بهم من المؤمنين على تفاوتهم في مراتب اليقين، وبين حال المشركين والمنافقين، كما قال تعالى في نظير هذا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، فالأمر بتمنِّي الموت استدلال على مقدار محبة لقاء الله. فتبين أن كلية الحديث تندرج تحتها صور. وأما قول عائشة: «إنا لنكره الموت» فهو شبيه باستفسار على نقض القضية الكلية، أي هل تعَدُّ كراهة الأحياء الموت المرتكزة في الطبع منافية لمحبة المؤمن لقاء الله، وجواب النبي ﷺ بيان لعدم المنافاة، وأن المؤمن لابد أن يختم له بما يقتضي محبته لقاء الله. وليس الجواب مقصوداً به اقتصار الخبر على هذه الصورة خاصة، كما وقع في أوهام كثيرين، فأثيرت لهم إشكالات من جهة أصل فائدة هذه الأخبار، أي أن يكون هذا الحديث من أصله غير مرتب عليه عمل؛ إذ يرجع إلى أحوال مغيبة تحصل عند الموت، وسياق الحديث يقتضي أن يكون القصد منه ترغيبًا وترهيبًا.

стр. 246

وقوله: «ومن كره لقاء الله» مقابل قوله: «من أحب لقاء الله» وقوله فيهما: «أحب الله لقاءه وكره الله لقاءه» كنَّى بمحبة الله لقاء المؤمن عن كرامته عند الله؛ لأن الإكرام من لوازم لقاء الحبيب، وكنَّى بكراهة الله لقاء الكافر عن حرمانه من الكرامة؛ لأن الحرمان والإعراض من لوازم لقاء المرء المكروه. وما بيَّنه رسول الله ﷺ لعائشة أشار إلى محبة المؤمن لقاء الله تستمر حتى يختم له برؤية مقعده من الجنة، فيكمل بذلك له ما كان ناقصًا من محبة لقاء الله، وهو ما كان يخالطه من كراهة الحيِّ الموت، بحيث تكون خاتمته محبة خالصة للقاء، وبعكس ذلك حال الكافر والمنافق، فإن الكراهة التي عاش عليها تزداد في خاتمة عمره فتنتقل من كراهة اللقاء عن تخوف وتوقع وعن تمحض التعلق بالحياة إلى كراهية أشد تَنشأ عن مشاهدة أهوال ما أُعِدَّ له، فتكون خاتمته كراهة محضة. باب كيف الحشر ؟ فيه حديث عبد الله بن مسعود [١٣٧: ٨، ١]: (كنَّا مع النَّبيِّ ﷺ في قبَّةٍ فقال: «أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة ... ») إلخ. الخطاب لأصحابه باعتبارين: باعتبار أنه يحدثهم، وباعتبار أنهم الأمة الإسلامية يومئذ، فقوله: «أترضون» خطاب لأصحابه، وقوله: «أن تكونوا»، أي أن يكون المسلمون بقرينة قوله بعد ذلك: «إن الجنة لا تدخلها إلا نفسٌ مُسلمة وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشَعْرَة البيضاء في جِلْد الثَوْر الأسْود». باب قول الله تعالى: ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ وقع فيه قوله: [١٣٧: ٨، ١٦]: «يقول: أخرج بعث النَّار قال: وما بعث النَّار؟ قال: من كلِّ ألفٍ تسع مائةٍ وتسعةً وتسعين».

стр. 247

كذا ثبت في الرواية «وتسعين» بالياء على النصب، فيكون على تقدير البيان أو البدل من قوله: «بَعْثَ النار»، كأنه قال: أخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، ويكون ما حكي من قول آدم: «وما بعث النَّار؟ » تلقينًا للمتكلم للبيان أو الإبدال؛ وذلك أغنى عن جواب سؤاله. باب الصراط وقع فيه حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ [١٤٧: ٨، ٧]: «وتبقى هذه الأمَّة فيها منافقوها فيأتيهم الله ... » إلخ. ذكر فيه المنافقون، ولم يذكر في بقية الحديث أمر يخصهم ذكروا لأجله، ووقع قريب من هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري عند مسلم: «حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بَرٍّ أو فاجر أتاهم رب العالمين في أدنى صورة ... » إلخ. فإذا كان الحديثان حكاية كلام واحد أو كانا حكاية كلامين، فلعل حديث أبي هريرة وقع فيه اختصار من أحد رواته فيما يخص المنافقين من الأحوال، أو لعل رسول الله ﷺ أعرض عن ذكر أحوالهم؛ لأن الغرض من الكلام بيان ثبات المؤمنين على معرفة الله تعالى. وإنما ذكر المنافقون في أثناء الكلام للإشارة إلى مزية الإسلام أن أهله مُبَرَّءون من عبادة الأصنام سواء في ذلك مؤمنوهم الحق ومنافقوهم؛ لأن حالة المنافقين كانت حالة رفض لعبادة الأصنام وتردد في الإيمان بالنبي ﷺ ، لاسيما وكثير منهم قد كان من أهل دين اليهودية أو شديد المخالطة لليهود. ويكون قوله: «فيأتيهم الله» خاصًّا بالمؤمنين؛ لأنهم المسوق لأجلهم الكلام، فيكون قوله «فيها منافقوها» جملة معترضة في الكلام، كما يدل عليه حديث أبي سعيد الخدري إذ وقع فيه: «حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بَرٍّ أو فاجر» أي من صالحين وعصاة. ويؤخذ حال المنافقين من عَرض الكلام وأواخره؛ إذ قال فيه: «فيعرفونهم بعلامة آثار السجود»، فتأمله فإنه لم يشرحه أهل التأويل بما يشفي الغليل.

стр. 248

كتاب الأيمان والنذور فيه قول أبي موسى: [١٥٩: ٨، ١٢]: (أتيت رسول الله ﷺ في رهطٍ من الأشعريِّين أستحمله فقال: «والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه ... » ثمَّ أتي بثلاث ذودٍ غرِّ الذُّرى فحملنا عليها فلمَّا انطلقنا قلنا: والله لا يبارك لنا، أتينا النَّبيَّ ﷺ نستحمله فحلف أن لا يحملنا ثمَّ حملنا فارجعوا بنا إلى النَّبيِّ ﷺ فنذكِّره، فأتيناه فقال: «ما أنا حملتكم بل الله حملكم وإنِّي لا أحلف على يمينٍ فأرى غيرها خيرًا منها إلَّا كفَّرت عن يميني وفعلت الَّذي هو خيرٌ»). تقدم هذا الحديث في المغازي [٢١٩: ٥، ٤] ووقع في بعض رواياته: (ووافقناه في ساعة غضب). وقد يشكل قول النبي ﷺ : «وما أنا حملتكم بل الله حملكم» بأنه إن كان المراد نفي أن يكون النبي ﷺ هو الذي أعطاهم الحمولة بحسب المعتاد الظاهر لم يصح نفي أن يكون هو الحامل، وإن كان المراد نفي كونه هو المعطي في الحقيقة وباطن الأمر فإن كل فعل كذلك فلا يحنث حالف على نفي فعله؛ إذا فعله لأن الله هو الذي فعله ويسَّره. أو يقال: إنه لما كان الله هو المعطي، فكذلك يقال: إن الله هو الحالف. وأما ما أجاب به الشارحون من أن يكون قوله: «وما أنا حملتكم» قصد به دفع المنة عليهم، وأن محل التأويل هو قوله: «وإني والله لا أحلف على يمين ... » إلخ فغير متجه؛ لأن كلام الرسول وقع جوابًا عن قولهم: «حلفت أن لا تحملنا فنسيت»، وفي رواية: «ثم حملتنا» فهم إنما راجعوه في شأن بَرِّ يمينه ولم يجيئوا شاكرين فضله. فالذي يتجه عندي في دفع الإشكال أن النبي ﵊ أراد أن يبيِّن لهم أن يمينه جرت على بساط خاص، وهو مراعاة ما لديه من الإبل وقت أن سألوه الحُملان فمنعهم؛ إذ ليس لديه حمولة زائدة على حاجة الجيش، فحلف أن لا يحملهم، لييأسوا من ذلك فيستعِدُّوا لأنفسهم لرغبتهم في الجهاد بقرينة قوله: «وما عندي ما أحملكم عليه»، ولم يكن النبي مترقبًا أن تأتيه إبل، فلما جاءه ذود

стр. 249

على غير ترقب حملهم وأعلمهم بأن ذلك من عناية الله بهم؛ إذ ساق لرسوله إبلًا ويسَّر لهم الحمل. فالمعنى: ما أنا حملتكم من الإبل الكائنة عندي حين اليمين؛ ولكن الله يسَّر لكم إبلًا أخرى؛ فذلك معنى قوله: «ولكن الله حملكم». وأما قوله: «وإني لا أحلف على يمين ... » إلخ، فذلك تَرقٍّ في بيان أحوال اليمين، يعني: ومع ذلك فأنا سأكفِّر عن يميني، وهذا من الورع؛ إذ رأى الأولى له أن يكفر عن يمينه نظرًا إلى ظاهر لفظ يمينه دون استعانة بالبساط. باب يمين النبي ﷺ - فيه حديث ابن عمر ﵁[١٦٠: ٨، ١٤]: (كانت يمين النَّبيِّ ﷺ : «لا ومقلِّب القلوب»). كذا أخرجه هنا وفي باب يحول بين المرء وقلبه من كتاب القدر [١٥٧: ٨، ١٩]. والمراد أن هذا اليمين من أيمان النبي ﷺ لا أنها انحصر فيها حلفه فإنه رواه ابن المبارك عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر: (كثيرًا ما كان النَّبيُ يحلف: «لا ومقلِّب القلوب»). ثم إن الشارحين لم يذكروا موقعًا من مواقع هذه اليمين، ولعلهم لم يقفوا على ذلك، والمتعين: إما أنها يمين على إبطال كلام قبلها، فتكون (لا) في أول اليمين نافية لكلام سابق، وجملة القسم بعدها، وجواب القسم محذوفًا دلت عليه (لا) النافية. وإما أنها يمين على امتناع أو خبر بنفي، فتكون (لا) في أولها زائدة لتأكيد حاصل النفي الذي في الجواب كقوله تعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾. فيه حديث عبد الله بن هشام [١٦١: ٨، ٣]: (قال: كنَّا مع النَّبيِّ وهو آخذٌ بيد عمر فقال له عمر: يا رسول الله لأنت

стр. 250

أحبُّ إليَّ من كلِّ شيءٍ إلَّا من نفسي فقال النَّبيُّ ﷺ : «لا والَّذي نفسي بيده حتَّى أكون أحبَّ إليك من نفسك». فقال له عمر: فإنَّه الآن والله لأنت أحبُّ إليَّ من نفسي). الظاهر أن الله فتح على عمر في تلك الساعة ففرض في نفسه أن يكون في مقام يدفع فيه عن النبي ﷺ ضررًا بنفسه، فرأى أنه يفديه بنفسه، فأخبر به حينئذ بعد أن لم يكن يعلم ذلك. باب لا يحلف باللات فيه قول رسول الله ﷺ [١٦٥: ٨، ١٦]: «ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدَّق». أي من قال ذلك بحدثان تحريم القمار والميسر، أي نسي التحريم، فقال عند لقاء أحد أيساره: تعال أقامرك؛ إذ كانوا يقولون ذلك في أوقات فراغهم. باب قوله تعالى: ﴿وأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ فيه قول رسول الله ﷺ لأبي بكر [١٦٦: ٨، ١٢]: «لا تقسم». ومعناه أنه جعل قول أبي بكر: «فوالله يا رسول الله لتحدثني بالذي أخطأتُ في الرؤيا» من قبيل اليمين اللغو على رأي البخاري؛ ومن قال مثله في معنى يمين اللغو. وأردفه بقوله: «لا تقسم» أي لا تُعِد اليمين؛ لأنها تصير حينئذ يمينًا فيها الحنث؛ لأن يمين اللغو على رأي هؤلاء إنما تكون في أول الكلام أو أثنائه مرة واحدة؛ فحذره رسول الله ﷺ من أن يعيد اليمين؛ لأنه لا يحب له الحنث، وما هو بمخبره بما أخطأ في تعبيره.
следующие страницы →