Полный текст (280 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
النظرُ الفسيح
عنْدَ مضَائقِ الأَنْظَارِ
في الجامع الصحيح
تَأليفُ
فضِيْلَةِ الشيَّخِ محَّمد الَّطاهرِ ابْنِ عاشوُرِ
стр. 2
كيف كان الوحي إلى رسول الله ﷺ -
وقع في الحديث الثاني قول النبي ﷺ للحارث بن هشام حين سأله [١: ٢، ١١]:
(كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل أي الملك رجلًا، فيكلمني فأعي ما يقول».
الضمير المستتر في قوله: «يأتيني» عائد إلى «الوحي» بتأويله بالملَك المرسل بالوحي، وهو جبريل، كما يقتضيه قوله: «وقد وعَيْت عنه ما قال» فضمير «عنه» والضمير المستتر في «ما قال» لا يصلحان إلا للعود إلى «الملك»، وقد صرح باسم «الملك» في قوله: «وأحيانًا يتمثَّل لي الملك»، وإنما لم يقل: وأحياناً يتمثَّل لي، بإضمار ضمير «الملك» كما قال قبله: «يأتيني»، وقال: «وقد وعيت عنه» للتصريح بأن الذي يتمثل هو الملك وليس رجلاً من الرجال يتمثَّل فيه الوحي.
ولم أر من عرَّج على بيان موقع اختلاف حَاليْ الوحي؛ بين حال شدة وأهون منه وقد ثبت في حديث: أولُ ما نَزَلَ من الوحي أن الملك جاءه في غار حراء وأنه أقرأه وغطَّه ثلاثًا، ثم قال: اقرأ فقرأ. وكان حال الابتداء أنسب بأن يكون الأشدُّ عليه من الوحي؛ فليست الحالة الشديدة إذن لأجل قلَّة تعوَّد؛ ولذلك تعين أن أشدَّ الحالين يكون عند نزول قرآن طويل بأن تنزل سورة كاملة، مثل سورة الأنعام، أو ينزل معظم سورة، فجعل الله لذلك حالة شديدة؛ للاتصال الملكي بقلب النبي ﷺ ، فإنَّ القرآن لا ينزل إلا بواسطة الملَك، قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤]، وبذلك يظهر وجه الاختلاف في التعبير بين قوله: «فيصم عني وقد وعيت عنه ما قال» وبين قوله: «فيكلمني فأعي ما يقول»؛ إذ جاء في العبارة الأولى بجملة حالية مقترفة بحرف (قد) وهي تؤذن بغرابة ذلك الوعي وصعوبته بخلاف العبارة الثانية.
وأما قوله: «وهو أشد علي» فإنما كان أشدُّ لعَرائه عن تمثل ملك الوحي في صورة رجل؛ لأن ذلك التمثل وإلقاء الوحي في صورة التكليم آنسُ للاتصال الروحاني بعالم الوحي؛ لأنه كيفية قريبة من معتاد النفوس كما ذكر علماء المعاني في فائدة تشبيه المعقول بالمحسوس.
* * *
стр. 3
ووقع في حديث عائشة في بَدْء الوحي قول خديجة [١: ٣، ١٦]:
(وتعين على نوائب الحق).
لم أر شرحًا لهذه الجملة شافيًا في شروح الصحيحين وكتب غريب الحديث واللغة، ولا يزيدون على بيان معنى النوائب، دون تعرض إلى معنى إضافة النوائب إلى الحق، ولا إلى المراد من الحق ما هو؛ فإن الحق له معان كثيرة.
ويظهر أن هذه الكلمة مع التراكيب المذكورة مما جرى مجرى الأمثال في كلام العرب؛ ولذلك كان نظمه على إيجاز بالغ، شأن الأمثال، فقد وقع نظير هذا الكلام في كلام ابن الدَّغُنَّة سيد أهل القارة مع أبي بكر الصِّدِّيق في الحديث الذي أخرجه البخاري في «باب جو ابن الدغنة لأبي بكر» [٣: ١٢٧، ٣] في كتاب الحوالة عن عائشة.
والذي يظهر أن «الحق» هنا ما قابل الباطل، وأن «نوائب» مراد به المعنى الاسمي دون الوصفي؛ فإضافة «نوائب» إلى «الحق» إضافة محضة وليست إضافة لفظية؛ لأن (نائبة) عوملت معاملة الأسماء وتنوسي منها أصل الوصفية فلم تكن إضافتها من إضافة اسم الفاعل؛ ولذلك فإضافتها هنا على نية معنى اللام التي تقدر في الإضافة غالبًا؛ وهي لام الملك، أي هي نوائب يملكها الحقُّ، أي يَمْلِكُ الحقُّ حالةً تشتمل عليها تلك النوائب، فشُبِّه الحق بمالك شيء وكانت النَّائبة، أي النازلة لأجله.
وحرف «على» مؤذن بأن الإعانة في أمر عسير شاق؛ لأن معنى «على» الاستعلاء، وهو استعلاء مجازي بمعنى التمكن.
وفعل الإعانة يُعدَّى بحرف «على» إما إلى المطلوب بحقِّ، نحو: أعانت بنو أسد ذبيان على عبس، وإما إلى تحصيل الشيء المطلوب، كقوله تعالى: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤]؛ أي أعانوه على تأليف القرآن.
واسم «نوائب» يشعر بحوادث انتابت وجّدَّت.
وإضافتها إلى «الحق» يشعر بمعنى أوجدها لحق وقام بها، أي أن حقًّا اعتدي عليه فقام لاسترجاعه، وهذه النوائب مثل مساعي الديات والصلح عن التراب في
стр. 4
القتل خطأً وعمدًا ومساعي الصلح بين المتحاربين.
فالتقدير: وتُعين صاحب الحق على تحصيل حقه لمن عليه في نوازل الحق وتحصيله عند نوائبه؛ فوقع في الكلام حذف متكرر يدل عليه السياق. وهذا شأن الأمثال.
* * *
стр. 5
كتاب الإيمان
باب الصلاة من الإيمان
وقع فيه قول البراء ﵃[١: ١٦، ١٨]:
(وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر).
فلم يفصح الشراح عن مراده، وأنه أراد بـ «أول صلاة»: الأول منها، أي جزؤها الأول، أي أنه صلى أول العصر متوجهًا إلى الشام، واستدار في أثناء الصلاة إلى جهة الكعبة، فإضافة «أول» إلى «صلاة» من إضافة الجزء إلى الكلِّ لا من إضافة الصفة إلى الموصوف.
ويتعين أن يكون قوله: «صلاة العصر» مجرورًا على البدلية من «صلاةِ»، والتقدير: صلى أولى صلاة العصر.
ووقع في الحديث اختصار، وسيجيئ في كتاب التفسير أن أبا نعيم روى حديث البراء [٦: ١٣، ٢٥] بلفظ «وأنَّه صلَّى أو صَلَّاها صَلاَة العَصْر» بـ «أو» التي للشك وسنذكره هنالك.
* * *
باب أداء الخُمُسِ من الإيمان
قوله في حديث وفد عبد القيس [١: ٢١، ٥]:
(فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة، وسألوه عن الأشربة فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع؛ أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ » قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تغطوا من المغنم الخمس». ونهاهم عن أربع؛ عن الحنتم والدباء والنقير والمزفت ... إلخ).
стр. 6
فيه إشكالان:
أحدهما: أنه ذكر أنه أمرهم بأربع فلما عدَّ المأمورات عدَّ خَمْسَا.
وثانيهما: وجه الاقتصار في المنهيات عن الأواني المنتبذ فيها.
والذي يبدو لي في وجه دفع الإشكال الأول أن القوم كانوا قد آمنوا، فالإيمان حاصل لهم، فليسوا بمأمورين به، وإنما المأمور به مَن وراءهم الذين لم يؤمنوا بعدُ، فالأشياء المأمور بها هي ما عدا الإيمان؛ لأنها التي يشترك في الائتمار بها المخاطبون وغيرهم، وهي الأعمال التي قد يتهاون الناس في إقامتها، وهي: الصلاة، والصيام، والزكاة، وإعطاء خمس المغنم؛ فالابتداء بذكر الإيمان للاهتمام بأمره، إذ الأعمال فرع عنه، فهو كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]، بعد قوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] الآية.
وفي دفع الإشكال الثاني أنَّه جواب عن سؤالهم المحكي في الرواية بقوله: «وسَألوه عن الأشربة». ولعل من لطائف انحصار المنهيات منها في الأربع مقابلتها بالأربع المأمورات ليحصل في الكلام من التنظير ما يؤثر وعي الحفظ له.
واعلم أن الوجه أن يكون قوله: «وأقام الصلاة» مجروراً عطفًا على قوله: «أمَرهم بالإيمانِ بالله» وليس مرفوعًا على قوله: «شهادةُ أن لا إله إلا الله».
وهذا يخالف رأي البخاري إذ ترجم بقوله: «أداء الخُمُس من الإيمان». وإنما عدلت عنه إتباعًا لاستقامة نظم الحديث. على أننا لا نوافق البخاري في اعتبار الأعمال من الإيمان. وليس على ذلك رأي الشيخ أبي الحسن الأشعري ﵀.
* * *
باب قول النبي ﷺ -
«الدين النصيحة لله ولرسوله .... » إلخ [١: ٢٢، ٤]
نسب البخاري هذا القول إلى النبي ﷺ ، ولمن يثبته حديثًا؛ لأنه على غير شرطه، فكان الظاهر أن لا يجزم بنسبته إلى النبي؛ فلعلَّ البخاري ترجمه وبقي يتطلب الظفر بسند فيه على شرطه فلم يعثر عليه فبقي كذلك في الجامع.
* * *
стр. 7
كتاب العلم
باب القراءة والعرض على المُحَدث
وقع فيه قول البخاري [١: ٢٤، ت (٤)]:
(قال أبُو عَبْد الله): سَمِعْتُ أَبَا عاصمٍ يَقولُ عَنْ سُفْيَانَ الثّورِيِّ ومَالكٍ: أنهما كانا يريان القراءة والسماع جائزًا).
أي قراءة الراوي على المحدث وسماع الراوي من المحدث. والمذكور عن مالك أنه كان يرجع العَرْض، أي قراءة الراوي والمحدث يسمع على سماع الراوي من المحدث، ذكر ذلك عياض في باب صفة مجلس مالك من كتاب المدارك: «أن رجلاً خراسانياً جاء إلى المدينة لسماع الحديث من مالك فوجد الناس يعرضون عليه ولا يقرأ هو عليهم، فسأل مالكًا أن يقرأ عليه فأبى، فاستعدى قاضيَ المدينة، وقال: جئت من خراسان ونحن لا نرى العرض وأبى مالك أن يقرأ علينا، فحكم القاضي على مالك أن يقرأ له. فقيل لمالك: أأصاب القاضي؟ قال: نعم».
باب فضل العلم
وقع فيه قول النبي ﷺ [١: ٣١، ٥]:
(«بينا أنا نائم أتيت بقدح من لبن فشربت حتى إني لأرى الري يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب» قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: «العلم»).
قوله: «حَتَّى إِنِّي لأرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ في أظْفَارِي» هو نظر في رؤيا المنام، حيث تتمثل للمرء أشياء غير معتادة في عالم اليقظة، وهذه رؤيا وحي رمزية تمثل فيها أمر معنوي وهو الريُّ بالأمر الحسي، أي أنظر إلى الري يسري تحت جلدي أو في جسدي حتى ملأه فخرج من الأظفار، وهي أطراف البدن. فليس قوله: «يَخْرُجُ
стр. 8
في أظْفَارِي جاريًا على استعارة مألوفة في كلام العرب؛ إذ ليس الري بالذي يخرج من الجسد ولا بالذي يشاهد سريانه في الجلد أو الأصابع، فخروج الري من الأظفار رمز معنوي لامتلاء الجسد، بحيث لم يبق موضع فيه محتاج لزيادة الري. وهذا رمز لعموم تعلق العلم بذات النبي ﷺ .
ومن دقائق هذه الرؤيا أن كان تمثيل العلم فيها باللبن؛ لأنه غذاء للجسم لطيف، وكذلك العلم غذاء للعقل لطيف؛ ولأن اللبن هو غذاء الإنسان في الفطرة، والعلم الذي أتيه النبي ﷺ هو علم الدين وآدابه الذي هو ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠].
وفيه أن عمر بن الخطاب اكتسب من صحبة النبي ﷺ علم الشريعة وآدابها كما يكتسب شارب اللبن تغذية. وقد قصر شراح الصحيحين في إعطاء هذا الحديث حقه من البيان.
* * *
باب ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس أعلم ؟
وقع في حديث سؤال سعيد بن جبير ابنَ عباس [١: ٤١، ١١]:
(إن نوفًا البكالي يزعم أن موسى (صاحب الخضر) ليس بموسى بني إسرائيل، إنما هو موسى آخر).
فوقع في بعض الروايات ضبط قوله: «موسى آخر» منونًا، وهو خطأ، توهَّم أنه صار نكرة، فلم يمتنع من الصرف، والصواب أنه بدون تنوين؛ لأنه علم أعجمي، وإنما معنى أنه «موسى آخر» أنه مسمى آخر بهذا العلَم.
* * *
ووقع فيه [١: ٤١، ٩]:
(فصال الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور في البحر».
стр. 9
ورد عليه أنه يقضي نقصًا؛ وإن كان نزرًا، فما هو إلا نقص ولم يدفعوه بما ترتاح له النفس.
ووجه دفعه عندي: أن الكلام لا محالة تشبيه معقول بمحسوس، فالعمدة في المشبه به على الحسَّ لا على ما في نفس الأمر والواقع. والحسُّ لا يظهر له في نقر العصفور نقرة من البحر نقص شيء من البحر، فلا يرد الإشكال جرياً على معروف الاستعمال.
* * *
стр. 10
كتاب الوضوء
باب التخفيف في الوضوء
فيه حديث عمرو بن دينار عن ابن عباس [١: ٤٧، ٣]:
(فنام النبي فلما كان بعض الليل قام رسول الله ﷺ فتوضأ وضوءًا خفيفاً، يخففه عمرو ويقلله جدًا).
لا شك أن وصف الخفيف من كلام ابن عباس، وأن قوله: «يخففه عمر ويقلله» أن عمرًا يحكي هيئة ابن عباس حين وصف الوضوء بالخفة، فقرن وصفه بإشارة باليد أو الوجه إلى أنه خفيف بدون إطلاق الخفة على وجه المبالغة.
ومعنى كونه خفيفاً يحتمل أنه تجديد لوضوء لم ينتقض؛ لأن نوم الرسول ﷺ لا ينقض وضوؤه؛ فيكون التجديد لأجل النوم، كما قال مالك في الذي تمرُّ يده على ذكره عند تدلُّك الغسل: إنه يمرُّ بيديه على مواضع الوضوء بالماء. ويؤيد هذا قول عمرو بن دينار عقبه [١: ٤٧، ٨]: «إن النبي ﷺ تنام عيناه ولا ينام قلبه وأن رؤيا الأنبياء وحي».
ويحتمل أن ابن عباس أراد أن وضوء رسول الله ﷺ لم يكن مبالغًا فيه، كما يفعل الناس من كثرة تعمُّقهم، كما جاء في حديث جابر في كتاب الغسل لمَّا استفتاه رجل في مقدار ماء الغسل؛ فقال جابر [١: ٧٢، ١٩]: «يكفيك صاغ، فقال رجل: ما يكفيني، إني رجل كثير الشعر، فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى منك شعراً وخير منك». فكانوا يسرفون في الماء وكثرة الدلك. فيكون ابن عباس أو عمرو بن دينار أراد التعريض بهم.
ويؤيد هذا الاحتمال الثاني قولُ ابن عباس في رواية كريب عنه هذا الحديث الآتي في باب قراءة القرآن بعد الحديث: أن ابن عباس قال [١: ٥٧، ٨]: فتوضأ رسول الله ﷺ فأحسن الوضوء. وهذا الاحتمال الثاني هو الأظهر عندي.
* * *
стр. 11
باب وضوء الصبيان وحضورهم الجماعة [ ١: ٢١٨، ١١]
و باب خروج النساء إلى المساجد [ ١: ٢١٩، ٢]
وقع فيهما حديث عائشة ﵃:
(أعتم رسول الله ﷺ بالعتمة حتى ناداه عمر: قد نام النساء والصبيان، فخرج النبي ﷺ ، فقال: «ما ينتظرها أحدغيركم من أهل الأرض». وفي رواية: «ليس أحد يصلي هذه الصلاة غيركم ولم يكن أحد يومئذ يصلي غير أهل المدينة»).
أقول: زيادة «ولم يكن أحد يومئذ يصلي غير أهل المدينة» أو «ولا يصلي يومئذ إلا بالمدينة»، وفي رواية: «قبل أن يفشوَ الإسلام». هذه العبارة مدرجة في الحديث، ولم يتعرض لشرحها أحد من شارحي صحيح البخاري سوى كلمات للكوراني ولا من شارحي صحيح مسلم. وليست من كلام النبي ﷺ . والأظهر أنها ليست من كلام عائشة؛ فإن البخاري خرَّج هذا الحديث في «باب النوم قبل العشاء لمن غُلب» عن أيوب بن سليمان عن أبي بكر عن سليمان بن بلال عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب فجاء فيه [١: ١٤٩، ١١]: «قال: ولا يُصّلى يومئذ إلا بالمدينة» بتذكير فعل (قال)، وذلك يمنع من أن يكون القائل عائشة. ولا التفات إلى ما تأوَّله القسطلاني بأن المراد: قال الراوي: أي عائشة؛ وإن كان ظاهر رواية البخاري عن يحي بن بُكَير في باب فضل العشاء [١: ١٤٨، ١٤] أنه من كلام عائشة إذا وقع فيه: «وذلك قبل أن يفشو الإسلام» في أثناء الحديث المروي عن عائشة، لكن الإدراج قد يكون في وسط الكلام.
المقصود من كلامنا هذا استبعاد أن يكون هذا الإدراج من قول عائشة؛ فإن فهمها معروف بالإصابة، إذ ليس في قول النبي ﷺ إيهام يقتضي هذا الإدراج إلا أن يكون في رواية «ليس أحد من أهل الأرض يصلَّي هذه الصلاة غيركم»؛ إذا فهم الراوي أن المراد بالصلاة الصلاة من حيث هي صلاة، أو المراد صلاة العشاء من حيث هي عشاء؛ فقصد الراوي دفع هذا الإبهام، فإن أهل الصلاة، أعني المسلمين يومئذ، لا يوجدون في غير المدينة، ولكن ليس هذا مرادَ النبي ﷺ وإنما أراد أنه ليس يصلي العشاء في تلك الساعة غير الذين معه في المسجد النبوي؛
стр. 12
لأن جميع المسلمين صلوا العشاء في وقتها المعتاد وناموا، كما يفسره قوله ﷺ في حديث أنس عند مسلم: «أِنَّ النَّاسَ قّدْ صَلَّوْا ونَامُوا .... إلخ».
ومعنى الحديث: أنكم انفردتم بصلاة العشاء في تلك الساعة بعد انتظارها زمنًا طويلاً، فكنتم في عبادة لله مستطيلة لا يشارككم فيها غيركم ثم أعقبها أداء صلاة العشاء، وكان تأخيرها لانتظارهم النبي ﷺ . فهم في انتظارهم كانوا في عبادة، ومترقبين عبادة؛ وذلك لأجل عبادة، وهي فضيلة الجماعة، وكونها مع النبي ﷺ . فقد انفردوا بتلك الخصَّيصية، وكانت لهم أجور كثيرة لم ينلها غيرهم.
وما كان تأخير النبي ﷺ العشاء إلا لفائدة دينية؛ وهي: إما لتلقي وحي، أو تدبير أمر، أو لقصد إعلامهم بفضيلة ذلك الوقت لولا أنه يشق على الناس. وهذه بشارة لهم وجبر لما لحقهم من المشقة في الانتظار على عمل خاص بهم؛ فلا حاجة إلى قول الراوي: «ولم يكن أحد يصلَّي غير أهل المدينة». والخطاب للحاضرين بالمسجد النبوي، وبذلك يندفع ما عرض من إشكال من أن في مكة المستضعفين من المسلمين، وكانوا يصلون بمكة. ومعلوم أن هذه البشارة لا تشمل جميع أهل المدينة ممن كانوا صلوا في مسجد قباء وفي بيوتهم.
على أن أبا موسى الأشعري روى هذه القصة، وذلك بعد رجوعه من الحبشة، هو وأهل سفينته. وقد وافق رجوعه فتح خيبر، وقد انتشر الإسلام يومئذ في المدينة وما حولها من قبائل الأعراب، وفي المهاجرين بالحبشة. وذلك يبطل قول الراوي في حديث عائشة: «ولم يكن أحدٌ يومئذ يصلَّي غير أهل المدينة» فهذا إدراج لا داعي إليه.
* * *
стр. 13
كتاب الصلاة
باب الصلاة في القميص
وقع في حديث عمر بن الخطاب قوله [١: ١٠٢، ٩]:
(جمع رحل عليه صيابه).
وقد لها الشارحون عن تفسيرذلك. والمعنى: ليلبس المصلّى ثوبين: ثوبًا لنصفه الأعلى، وثوبًا لنصفه الأسفل، وعمامة. يقال: جمع ثيابه، إذا لبس ما شأنه أن يلبسه عند الخروج. وقد جاء في حديث الإيلاء قول عمر [٧: ٣٧، ١]: «ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي فَنَزَلْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ». وقد جاء به مجملاً. ثم بينه بقوله: «صلى رجل في إزار ورداء» إلى آخره.
والخبر هنا مستعمل في إنشاء الاستحسان؛ لأن الذي يستحسن شيئًا يخبر عنه، ويحدث الناس به، فاستعمل الخبر هنا في ذلك، ولا إخبار، فهو مجاز مرسل تمثيلي، وقرينته أنه ليس في الكلام مخبر عنه، فإن الفاعل نكرة مجهولة، ونظيره قوله ﷺ : أحسن من جعل الخير للأمر. ونظيره قول ابن العميد:
قامت تظَلَّلني من الشمس ... نفس أعزَّ عليَّ من نفسي
ويقال: جمعت المرأة عليها ثيابها، إذا لبست الإزار والدرع والخمار والملحفة.
* * *
باب الصلاة في الثوب الأحمر [ ١: ١٠٥، ١٠]
الظاهر أن البخاري أراد بهذه الترجمة، والحديث الذي أخرجه فيها، أن يشير إلى أن ما ورد في الحديث من النهي عن لبس الأرجوان قد نُسخ، وسنبين ذلك في موضعه من كتاب اللباس، فهو هنا من فعل النبي ﷺ ، فيدخل في التأسي.
* * *
стр. 14
باب الصلاة في السطوح
فيه حديث أنس بن مالك [١: ١٠٦، ١٠]:
«أن رسول الله ﷺ سقط عن فرسه فجحشت ساقه أو كتفه والي من نسائه شهراً فجلس في مشربة له درجتها من جذوع النخل ... إلخ».
لم يصف الذين وصفوا بيوت رسول الله ﷺ هذه المشربة، ولعلها كانت الحجرات تفتح إلى المسجد، إذ لم يرد أن رسول الله ﷺ انقطع عن الصلاة بالناس في مسجده، ثم أزيلت هذه المشربة وأقيم في مكانها بعض الحجرات عند الاحتياج إلى ذلك، فلعلَّها لذلك لم يرد ذكرها في غير هذا الحديث.
* * *
باب التوجه نحو القبلة
وقع في حديث البراء ﵁[١: ١١٠، ١٢]:
(وقال السفهاء من الناس (وهم اليهود) ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم).
لم يذكر هذا عبد الله بن رجاء عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء، وفي رواية زهير عن أبي إسحاق في كتاب الإيمان [١: ١٧، ١]: «وكانت اليهود قد أعجبهم؛ إذ كان يصلي قِبَل بيت المقدس وأهل الكتاب، فلما ولَّى وجهه قِبَل البيت أنكروا ذلك». ولا يوجد شيء من هذين في رواية غير هذين، فقد رواه سفيان وأبو زائدة وأبو بكر بن عياش وزهير في رواية أخرى، كل هؤلاء عن أبي إسحاق بدون هذه الزيادة، كما في صحيح مسلم والترمذي وابن ماجه.
* * *
باب التعاون في بناء المسجد
وقع في حديث أبي سعيد الخُدري عن بناء المسجد النبوي قول رسول الله ﷺ [١: ١٢٢، ٢]:
стр. 15
«ويح عمار .... يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار»، قال: «يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن»
كلمة (ويح) للتعجب. رأى رسول الله ﷺ اشتداد عمَّار في بناء المسجد، وذكر قوة إيمانه أيام كان بمكة يعذبه المشركون، ويعذبون أمه سُمَيَّة على الإسلام حتى اضطروه إلى كتمان إسلامه، واقتنعوا منه بذلك، ونزل فيه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. فكان في حالة تلك شبيهًا بحال مؤمن آل فرعون الذي يكتم إيمانه حين قال لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر: ٤١]، أي أدعوكم إلى الإيمان وتدعونني إلى البقاء على الكفر.
فشبه رسول الله ﷺ حال عمَّار تلك بحال مؤمن آل فرعون تشبيهًا تمثيليًا مَكنيا، أي مضمرًا في النفس. ورمز إليه بذكر ما عُرف عند السامعين من أحوال قصة مؤمن آل فرعون، وهو أنه يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النَّار. فاقتبسها لحال عمَّار مع المشركين، يذكِّره رسول الله ﷺ بسابق ثباته على إيمانه، ويشبهه بالمخلصين من سلف أهل الإيمان، ويذكر له مزيته في ذلك الجم الغفير، حين بناء المسجد، فلذلك يقول عمار، وقد ذكر حاله السالفة: «أعوذ الله من الفتن» أي من العود إلى الافتتان في الدين، فضمير الجمع في قوله: «يدعوهم- ويدعونه» عائد إلى المشركين المستفاد من المقام من ذكر حال عمار ومنقبته. ومن زعم أن كلام الرسول ﷺ إنذار لعمَّار بما يحصل له مع أصحاب معاوية ﵁، فقد أخطأ؛ إذ لا يستقيم شيء منه، لأن عمارًا لم يدع أهل الشام إلى دعوة، ولا دعاة أهل الشام، ولا جنة ولا نار في حال الفريقين؛ لأن ما جرى بينهم إنما هي تصاريف من الاجتهاد في التصرف في أمور الجامعة الإسلامية، وكلا الفريقين مأجور. وذلك اعتقاد سلفنا من أئمة الهدى.
وأما ما ورد «أن عمارًا تقتله الفئة الباغية» فلم يصح؛ على أنه لو صحَّ لكان أمرًا آخر غير ما نحن بصدده.
* * *
стр. 16
باب النوم قبل العشاء
فيه قول ابن عمر ﵁[١: ١٤٩، ١٤]:
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ شُغِلَ عَنهَا لَيلَةً).
أي عن العشاء، ولم يتقدم ذكرها في الحديث، فلعله رواه ابن جريج أوغيره من رجال سنده مع حديث آخر فيه ذكر العشاء، فوقع هكذا عند البخاري فأثبته على ما قيده أو على ما سمعه.
ويحتمل أن ابن عمر كان يحدث عن العشاء، أو سُئل عنها، فقال: «إن رسول الله ﷺ شُغل عنها ليلة» فحدَّث به نافع كما سمعه.
ويحتمل أن ابن عمر أضمر من دون تقدُّم معاد؛ اعتمادًا على القرينة، وهي قوله: «ليلة»، على حدِّ قوله تعالى: ﴿تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] أي الشمس.
* * *
باب إذا كان بين الإمام
وبين القوم حائط أو سترة
فائدة مشروعية الجماعة في الصلوات حصول بركة تجمع المسلمين على الخير؛ لأن فيه نشاطا للإقبال على العبادة وتعارفًا بين المسلمين، وتعرضًا للتعاون على ما يهمهم إن شاؤوا، وتمكنًا من التعلم من إمامهم واستفتائه. وعلى مراعاة حصول هذا الاعتبار وفواته يكون حكم الحواجز والستائر التي تحصل بين المصلين وإمامهم أو بين بعض صفوفهم.
وملاك ذلك أن ما يكون من الستائر والحوائل غير مانع من سماع القراءة والخطبة، وبلوغ العلم للسامعين، وإمكان تفاوض بعضهم مع بعض. وهذا مثل أساطين المسجد، وانتصاب المنبر والدكات، وجداول الماء، فذلك مغتفر. فإن كان من الحوائل المانعة من ذلك، كجدران الدور المجاورة المسجد، والأنهار الواسعة، كان ذلك مانعًا من انعقاد الجماعة بالنسبة للطائفة المنعزلة عن الإمام ومن معه.
* * *
стр. 17
قوله في حديث عمرة عن عائشة ﵃[١: ١٨٦، ٣]:
(كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل في حجرته وجدار الحجرة قصير فرأي الناس شخص النبي ﷺ فقام أناس يصلون بصلاته فأصبحوا فتحدثوا بذلك، فقام الليل الثانية فقام معه أناس يصلون بصلاته، صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثًا حتى إذا كان بعد ذلك جلس رسول الله ﷺ فلم يخرج، فلما أصبح ذكر ذلك الناس، فقال: «إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل»).
في قوله ﷺ «إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل» إشكال شائع. وهو أنه كيف يكون فرض العبادة تبعًا للمواظبة عليها. وقد أجاب العلماء عنه وعن نظائره بأجوبة غير مطمئنة، والذي أرى في دفعه: أن الله قد ضمن لرسوله ﷺ أن لا يحمل أمته ما فيه عسر بصريح قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
فرسول الله آمن من أن يفرض الله على الأمة عملاً فيه عسر. فالمعنى: أنهم لو واظبوا على قيام الليل لخفَّ عليهم بالتعود فانتفى العسر عنهم فتزول الأمارة التي يطمئن لها الرسول ﷺ في انتفاء الإيجاب، وهي عسر العبادة فخشي أن يفرضها الله عليهم ثم لا يستطيعون استدامتها، أو لا يستطيعها من يأتي بعدهم.
ورواية عمرة عن عائشة قولها: «كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل في حجرته وجدار الحجرة قصير».
قولها: «وجدار الحجرة قصير» يعين أن المراد بالحجرة المذكورة في هذا الحديث هي الموضع الذي احتجره رسول الله ﷺ بالمسجد لصلاة الليل لا حجرة بيته، كما يفسره حديث زيد بن ثابت الموالي لهذا [١: ١٨٦، ١٣]: «أن رسول الله ﷺ اتخذ حجرة من حصير في رمضان فصلى فيها ليالي .... » إلخ.
وفي حديث أبي سلمة عن عائشة [١: ١٨٦، ١١]: «أن النبي ﷺ كان له حصير يبسطه بالنهار ويحتجزه بالليل» فتعين أن قوله في حديث عمرة: «في حجرته» الموهم أنها حجرة بيته يفسره ما في حديثي أبي سلمة وزيد بن ثابت. والكلام الذي خاطب به رسول الله ﷺ الناس الذين صلوا بصلاته متماثل في الأحاديث الثلاثة. وذلك يؤيد أن القصة واحدة.
* * *
стр. 18
أبواب إتمام التكبير
في الركوع والسجود والقيام من السجود
احتفل البخاري بأحاديث التكبير في أركان الصلاة لأجل ما حصل من خلاف بين السلف فيما عدا تكبير الإحرام في وُجوبهٍ وسنيته، وفي إيقاع وعدم إيقاعه. وقد كان من الشائع عن السلف عدم التفرقة في المأمورات بين الوجوب والاستحباب. وقد دلَّ حديث عمران بن حصين المذكور هنا على ذلك إذ قال [١: ١٩٩، ١٣]: «قد ذكرني هذا (يعني عليا صلاة محمد عليه الصلاة والسلم»، فدلَّ على أنَّ بعض التكبير كان قد تهاون به الناس. ولم أظفر بتعيين بعض من كانوا يتركون التكبير في بعض الأركان عدا الإحرام. ولعل منهم من كان لا يرى تكبير الرفع من السجود قياسًا على تركه في الرفع من الركوع.
* * *
باب التكبير إذا قام من السجود
جاء فيه أن عكرمة صلى خلف شيخ بمكة صلاة رباعية فكبَّر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقال عكرمة لابن عباس [١: ١٩٩، ١٩]: «إِنَّهُ أَحْمَقُ»، فما ذلك إلا لأنه استنكر عليه كثرة التكبير في الصلاة وأن ابن عباس قال له: «ثكلتك أمك سنة أبي القاسم ﷺ ».
ولعل عكرمة كان لا يرى التكبير في الرفع من السجود، بناءٌ على أن الرفع من السجود ليس بعبادة؛ لأنه تنبيه للسجود. وبهذا يؤذن صنيع البخاري، إذ ذكر كلام عكرمة تحت ترجمة «التكبير إذا قام من السجود».
تنبيه: قول ابن عباس لعكرمة: «ثكلتك أمك سنة أبي القاسم» زجرٌ له عن جعله التكبير من الحماقة؛ لأنه جهل أنه سنة متروكة، ولم يؤاخذ ابن عباس بأكثر من ذلك؛ لأنه حين أنكر ما أنكر لم يكن يعلم أن ذلك سُنَّة.
وفيه: أن من أنكر عن جهل، وكان من أهل العلم، لا يؤاخذ بلازم قوله من جعل مماثل فعل النبي حُمقًا، فيستتاب، ولكنه يُعَلَّم ويوقف لظهور حسن المقصد.
* * *
стр. 19
كتاب العيدين
باب الدعاء في العيد
وقع في حديث عائشة ﵂ [٢: ٢١، ٣]:
(قالت: دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان تقاولت الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ وذلك في يوم عيد- فقال رسول الله ﷺ «يا أبا بكر إن لكل قوم عيد وهذا عيدنا»
كلام رسول الله ﷺ خرج على طريق الكناية؛ إذ كان أبو بكر يعلم أنه يوم عيد، فالمقصود لازم ذلك في العرف، وهو أن لكل قوم في عيدهم فرحًا ومسرة وشيئًا من اللَّهو. فقوله: «وَهَذَا عِيدُنَا» إعلام بالرخصة في غناء الجاريتين، لأجل كون اليوم يوم عيد.
وفيه إيماء إلى علة الترخيص، وهو أن من جملة المقاصد في جعل العيد إِجْمَامَ النفوس وارتياحها.
* * *
باب فضل العمل في أيام التشريق
[٢: ٢٤، ٢٠]: (عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «ما العمل في أيام أفضل منها في هذه العشر»، قالوا: ولا الجهاد؟ قال: «ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وما له فلم يرجع بشيء»).
قوله: «فلم يرجع بشيء»، أي بشيء من نفسه وماله، أي قتل وأخذ سَلَبُه. وهو إيماء إلى فضل الشهادة.
أثبت صدر الكلام أن جميع الأعمال في أيام العشر من ذي الحجة تقع أفضل منها لو وقعت في غير تلك الأيام، وأن الأعمال في غير تلك الأيام ما بلغت لا تكون أفضل من نوعها في هذا العشر.
стр. 20
فالمقصود تفاضل أنواع الأعمال، وليس المقصود أن أنواع الأعمال لا تتفاوت إذا وقعت في أيام العشر، وقول السائل نشأ عن اعتقاد أن فضل الجهاد لعظمة قدره لا يقبل التفاوت، فلا يكون الجهاد الواقع في الأيام العشر أفضل من الجهاد في غيرها، فبيَّن له رسول الله ﷺ أن الجهاد كغيره من الأعمال إذا وقع في هذه الأيام كان أفضل منه إذا وقع في غيرها.
فقول السائل: «ولا الجهاد؟ » عطف تلقين على قوله ﷺ : «ما العمل؟ » فيكون التقدير: ما الأعمال ولا الجهاد في أيام بأفضل من أنواعه في هذه الأيام، ولو بلغ ما بلغ من صفات الكمال غير الزمان.
ثم استثنى رسول الله ﷺ جهادًا يقع على صفة عظيمة فيكون بذلك أفضل من نوعه إذا وقع في الأيام العشر على غير تلك الصفة، وهو الجهاد الذي تعقبه الشهادة في غير أيام العشر، فهو أفضل من جهاد لا تعقبه الشهادة في أيام العشر. فهذا نوع واحد من العمل تفاضل بصفته ولم يتفاضل بوقوعه في أيام العشر.
ثم من المعلوم أن الجهاد المعقب بالشهادة في أيام العشر هو أفضل من مثله الواقع في غير أيام العشر. فقد استوعب هذا الكلام النبوي الأقسام كلها بمنطوقه ومفهومه وفحواه.
* * *
باب العلم الذي بالمصلى
وقع فيه قول ابن عباس [٢: ٢٦، ١٧]:
(شهِدتُ الْعِيدَ مَعَ رسول الله ﷺ وَلَوْلا مكانِي مِنَ الصَّغَرِ مَا شَهِدْتُهُ).
فالمكان فيه بمعنى القرب. يقول العرب: لفلان مكان عند فلان، ويقولون: مكانه أيضًا، كما يقال: دار ودارة، فهو مجاز مرسل عن الملازمة والقرب. والمراد: مكاني من النبي ﷺ كما ثبت في رواية أخرى: «ولولا مَكَانِي منه».
وقوله: «مِنَ الصِّغَر» متعلق بـ «شهدتُه»، و (من) فيه تعليلية للفعل المنفي، أي ما شهدتُ العيد، إذ لا يشهده الصغار. والمعنى: أنه شهده لما له من التقرب إلى رسول الله ﷺ .
* * *
стр. 21
أبواب سجود القرآن [٢: ٥٠، ١١]
(عن عبد الله بن مسعود قال: قرأ النبي ﷺ النجم بمكة فسجد فيها وسجد من معه غير شيخ أخذ كفا من حصى أو تراب ورفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا، فرأيته بعد ذلك قتل كافرًا).
جعل الله سجود من كان حاضرًا من غير المسلمين عند سجدة النبي ﷺ معجزة من معجزات رسول الله ﷺ إذ سخَّر له معانديه، فسجدوا لسجوده، اقتداءً به، مع أنهم لم يكن السجود من عادتهم، فإنه لمَّا تلا قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]، ظهرت دلائل من نبوة رسول الله ﷺ ، وتجلت عظمة الرب الذي أرسله، وطرقت الخشية المعاندين، فسجدوا كلهم.
وقول ابن مسعود: «غيرَ شَيْخ» هو أمية بن خلف، فقد شاء الله أن يظهر تصلُّبه في كفره، وبعده عن أن يلين قلبه من تسخيره للنبي ﷺ ؛ فلم يستطع أن يترك السجودمن أصله، ولكنه تكبر بأن رفع التراب إلى جبهته، وكفى بذلك تسخيرًا له مخلوطًا بإيماء من الله تعالى إلى أن ذلك الشيخ أشدُّ كفرًا.
وقد اهتدى ابن مسعود إلى هذا الإيماء فقال: «فَلَقَدْ رأيتُه بَعْدَ ذلك قُتل كافرًا»، فأشار ابن مسعود إلى أن الله ختم لذلك الشيخ بسوء الختام تبعًا لتلك الإشارة الإلهية، وتنبيهًا على أن الاقتداء برسول الله ﷺ سبب للخير، حتى للذين كانوا كافرين به يومئذ.
وينبئ كلام ابن مسعود على أن بقية الذين سجدوا ساعتئذ قد ماتوا على الإسلام، وإلا لما خصَّ ذلك الشيخ بأنه قُتل كافرًا، فهم قد ظهر فيهم شيء قريب من معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥].
وهذا كله من دلائل التيسير وضده، ولا تعلُّق له بالتكليف ولا بالمؤاخذة؛ لأن أولئك لو تركوا السجود من أصله لما أو خذوا به، فإن كفرهم يقتضي ذلك وزيادة.
واعلم أن ما روي من أن الشيطان ألقى في آذان المشركين مزجًا في قراءة رسول الله ﷺ فتوهَّموا أنه كما قرأ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩]، الآية.
стр. 22
سمعوا أنه قال: «تلك الغرانيق العلى وأنَّ شفاعتهن لتُرتجى». ذلك خبر موضوع مكذوب وضعه القصَّاصون تكملة لسبب سجود المشركين بسجود الرسول ﷺ فتبينوا؛ وكيف قد قال عقبه: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [النجم: ٢٣].
وأن الله تعال لم يغادر موضعًا يتطرق منه الشك إلا سدَّه في وجوه أهل الضلال، أل ترى إلى قوله: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٨]، فإنه لما أجرى عليهم من مقام التهكم ما يوهم أنهم بحيث ينصرونهم ولا يضلون عنهم لو أرادوا عقب ذلك بالاحتراس بقوله: ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨] ليظهر الاستعارة التهكمية نارًا على علم.
* * *
باب فضل الطهور بالليل والنهار [ ٢: ٦٧، ٩]
(عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة». قالَ ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعةٍ من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي).
أي أن رسول الله ﷺ سمع سماع مكاشفة في النوم أو اليقظة دفّ نعلّيْ بلال بين يديه في الجنة، فكان ذلك وحيًا يتحقق به دفَّ نعلي بلال بين يديه في الجنة حين دخولها. وقد علم رسول ﷺ بوحي أو بإلهام أن تلك الفضيلة ما حصلت لبلال إلا جزاء عن عمل توخاه بلال ورجا به مزية في الجنة ولم يُطلع رسول الله ﷺ على تعيين العمل، فأحيل في الاطلاع عليه على أن يتلقاه من بيان بلال عامله، ليحصل بذلك فوائد: هي اطلاع رسول الله ﷺ على تعيين العمل، وبشارة بلال بحصول ما رجاه، والشهادة لبلال بصدق حذق فراسته فيما رجاه موصلا لبغيته.
ومعنى كون العمل أرجى: أنه أرحى لصاحبه، لمعنى راعاه عامله من إخلاص وصدق نية وحب للتقرب إلى الله تعالى، فبهذه الاعتبارات تتفاوت أعمال العامل الواحد في رجاه من عمله، فلا تفاضل في هذه الناحية بين أنواع الأعمال، ولكن التفاضل منها بين مراتب الإقبال والإخلاص والنية، ولذلك كان سُؤال رسول الله ﷺ بلالًا عن أجرى عمل عمله بلال، فتعلق السؤال بأعمال المسئول؛ لأن نوايا العباد
стр. 23
وإخلاصهم في أعمالهم لا يُعرفان إلا من تلقائهم.
ولم يقع السؤال عن أفضل الأعمال في أنواعها كما ورد في حديث السائل:
«أي العمل أفضل؟ » فقد نبَّه رسول الله ﷺ هنالك بما ليس في عداده إيقاعُ الصلاة عقب كل طهور. على أن أفضل الأعمال في أنواعها يُتلقَّى بيانه من الرسول ﷺ ، فالرسول يكون مسئولاً عنه لا سائلاً.
ولأجل هذا لم يتوقف بلال في الجواب ولا قال: «الله ورسولُه أعلم» كما هو شأنهم في الأمور الخفيَّة عنهم؛ لأن بلالاً كان على بصيرة من أمره فيما توخَّاه من العمل فلم يتردد أن قال: «ما عَمِلتُ عملاً أَرْجَى عندي» إلخ.
وفي الحديث تعليم للمؤمنين كيف ينبغي لهم أن يتطلبوا مرضاة الله بوجوه كثيرة من الأعمال، والإخلاص فيها، وصدق النية، والافتكار في أسباب النجدة ورفع الدرجات.
* * *
باب صلاة النوافل جماعة
وقع فيه قول عتبان بن مالك [٢: ٧٥، ٢]:
(فجئت رسول الله ﷺ فقلت له: إني أنكرت بصري وإن الوادي الذي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار فيشق علي اجتيازه فوددت أنك تأتي فتصلي من بيتي مكاناً أتخذه مصلى).
فوقع تردُّد الشراح في وجه انتصاب قوله: «مكانًا»، وقد قيدتُ عن الأستاذ أبي حاجب ﵀ حين قراءتنا هذا المكان عليه في سنة (١٣١٨ هـ) أنه انتصب على تضمين فعل «تصلَّي» معنى «تُبارِك أو تشرِّف»، وقرينة هذا التضمين هو سياق الكلام.
أقول: لأنه قصد تعيين مكان من منزلة ليتخذه محل صلاة لا يشغله بغيرها فإرادته أن يصلي فيه رسول الله ﷺ أول مرة متعينة لقصد تبريكه وتقديسه.
ومعلوم أن التضمين يجعل الفعل بمنزلة فعلين يفيد معنى أحدهما بلفظه ومعنى الآخر بالتعدية إلى ما شأنه أن يتعدى إليه الفعل الممضَّمن.
* * *
стр. 24
باب مسجد قُباء
فيه قال نافع: وكان ابن عمر يقول له [٢: ٧٦، ١٩]:
(إنما أصنع كما رأيت أصحابي يصنعون ولا أمنع أحدًا أن يصلي في أي ساعةٍ شاء من ليل أو نهارٍ غير أن لا تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها).
أراد بما يصنع صلاته النافلة في وقت الضحى حين يقدم مكة، وحين يزور قُباء ضُحى السبت، فيصلي فيه تحية المسجد، وأنه لا يصلي النافلة وقت الضحى في غير هذين، فجاء بصيغة القصر للردِّ على الذين ينكرون عليه ترك نافلة الضُّحى؛ إذ كان الخلاف في سنة ذلك قد شاع بين السلف، لما روته أمٌ هانئ عن صلاة رسول الله ﷺ إياها يوم فتح مكة، وكان بعضهم يرى صلاتها وإن كان رسول الله ﷺ لم يكن يصليها، كما روي عن عائشة [٢: ٦٢، ١٩]، أنها قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ يسبح سبحة الضحى وإني لأسبحها»، فأما عبد الله بن عمر فقد بين أنه لا يخالف التأسي برسول الله ﷺ .
فقوله: «كما رأيتُ أصْحابي يَصْنَعون» أراد به رسول الله ﷺ ، أي صَاحبي فهو من الإتيان باسم الجمع والمراد المفرد لقصد التعظيم.
وقوله عقبه: «ولا أمنَعُ أحدًا أن يصلي» إلخ، يريد أن النافلة مشروعة في كل وقت غير وقتي طلوع الشمس وغروبها. فهو يرى ترك صلاة الضحى تأسُيًا فيه النافلة، لكن على أن ذلك ليس من السنة.
وكلام ابن عمر هنا فَصْلٌ في كيفية الأخذ بالسنن والحث عليها دون نكير على من خالف ذلك في دائرة الإذن العام، وهذا قارع لأنوف الضعفاء من المنتسبين للعلم من دعوتهم في مخالفة السنة بمثل ما يدعو به أحد إلى تغيير المنكر.
* * *
стр. 25
باب ما يجوز من العمل في الصلاة
وقع فيه قوله في الحديث [٢: ٨١، ٩]:
«فَذَعَتُّهُ»؛ أي بالذال المعجمة وتخفيف العين المهملة وتشديد المثناة الفوقية، وفعله: ذَعَت بمعنى خنق، والتاء الأصلية التي هي لام الفعل مدغمة في تاء المتكلم. [٢: ٨١، ١١]: «ثُمَّ قَالَ النَّضرُ بْنُ شُمَيْلِ»؛ أي في غير هذا السند: «فذعته بالذال المعجمة وتخفيفها، أي خنقته».
وأما «فَدَعَّتُه» من قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ [الطور: ١٣]، أي يدفعون، فعالين مشدَّدة؛ لأنه مضاعف، أي والتاء مخففة؛ لأنها تاء المتكلم، والفعل (دعَّ) بمعنى دفع.
والوجه في هذا أن يفكك الإدغام؛ لأنه لحق به ضمير الرفع الموجب سكون الحرف الثاني المدغم فيه، فالوجه أن يقال: دَعَعْتُه.
«والصواب: فدعتُه» الظاهر أنه أراد أن الصواب في المروي هنا أنه «فذَعَتُّه»، أي بالذال لأنه روي مدعمًا وكتب بعين واحدة، فتعين أنه بالذال المعجمة وتخفيف العين وتشديد التاء.
«إلا أنه كذا قال بتشديد العين والتاء».
أي إلا أن شعبة رواه بتشديد التعين المهملة، أي مع الدال المهمة وبتشديد التاء.
وأراد بهذا الاستدراك تخطئة شعبه في ذلك؛ إذ لو كان بالدال المهمة لما كان وجه لتشديد العين ولا لتشديد التاء.
ولما في كلام النضر بن شميل من إيهام أنه يصح أن يكون بالدال المهملة من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ [الطور: ١٣]، وما في كلام شعبه من الخطأ، سقطت هذه العبارات من قوله: «ثم قال النضر بن شميل» إلى آخر الكلام من رواية أبي ذرَّ وأبي الوقت والأصيلي، فيحتمل أن هذا الكلام منت زيادات بعض رواة البخاري وليس من أصل الصحيح.
ويحتمل أن حذفه تعمده بعض الرواة لما فيه من الاضطراب.
стр. 26
كتاب الجنائز
باب الرجل يَنْعَى إلى أهل الميت بنفسه [ ٢: ٩٢، ١]
يقال: نَعَى إلى فلان إذا أخبره بموت ميت. ففي الترجمة هنا حذف مفعول «ينعى» وهو الميت لظهوره، فنزل الفعل منزلة اللازم.
وقوله: «بنفسه» متعلق بـ «يّنْعَى» أي يتولَّى هذا الخبر بنفسه بدون واسطة، فالنفس هنا بمعنى الذات، وهو المعنى الذي يراد عند استعمال النفس تأكيدًا في قولهم: جاء فلان نفسه.
والمقصود من الترجمة أن الإخبار بموت من يُحزن المخبر (بفتح الباء) موته مستثقل على نفس المخبر فقد يتولاه الناعي بواسطة خشية مشاهدة جزع المخبر. وقد يتولاه بنفسه ولا يرى ذلك مكروهاً كما دلَّ عليه الحديثان المذكوران تحت الترجمة.
* * *
باب غسل الميت ووضوئه
قوله [٢: ٩٣، ٨]:
(وقال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ «المؤمن لا ينحس حياً ولا ميتًا»).
نسبة إلى ابن عباس لأجل زيادة قوله: «حيًّا ولا ميتًا».
أما قوله: «المؤمنُ لا ينجسُ» فذلك مسند إلى النبي ﷺ كما ذكره البخاري هنا تعليقًا، وذكره في باب الجنب يمشي في السوق مسندًا [١: ٧٩، ٢٠].
ووقع في حديث أم عطية قولها [٢: ٩٣، ١٨]: (فأعطانا حقوه).
والحقو- بفتح الحاء وسكون القاف- هو في الأصل مدار البطن والظهر فوق الخاصرة، والمراد به هنا الإزار الذي يوضع على الحقو، سمي حقوًا على سبيل المجاز بعلاقة الحاليَّة.
стр. 27
وقد جاء به بلفظ الحقيقة فيما رواه ابن عون عن ابن سيرين عن أم عطية قوله [٢: ٩٤، ١٠]: «فنزع من حقوه إزاره» في الباب بعد هذا ومعنى ذلك أن رسول الله ﷺ أعطى إزاره وكان لابسًا قميصًا.
* * *
باب الكفن في القميص
فيه قول عمر بن الخطاب ﵁ لرسول الله ﷺ [٢: ٩٧، ٣]:
(أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين؟ فقال: «أنا بين خيرتين قال الله تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾. [التوبة: ٨٠].
فالتخيير في الآية مراد منه التسوية في انتفاء فائدة الاستغفار، فإن الله لا يغفر لهم ولكن رسول الله ﷺ أخذ بأحد الأمرين المخيَّر بينهما لدلالة التخيير على الإباحة، وإن كانت الفائدة منتفية؛ إما لقصد التأليف لهم، وإما لسدِّ تذرعهم بتركه الصلاة عليهم أن يشيعوا في الناس أنه لا يصلي على قوم مسلمين، فيفتنوا بذلك الضعفاء، ويزداد المنافقون تصلبًا في نفاقهم، فإن العلم بالمنافقين منهم انفرد به رسول الله ﷺ وبعض الصحابة بخلاف إظهارهم الإسلام فهو الرائج بين عموم المسلمين، فهذا وجه تفسير قول رسول الله ﷺ . وسيجيئ زيادة بيان له في «باب هل يخرج الميت من القبر» [٢: ١١٦، ٦].
* * *
باب من استعد الكفَن
فيه حديث سهل بن سعد [٢: ٩٨، ١٧]:
(أن امرأة جاءت النبي ﷺ ببردة منسوجة فيها حاشيتها (وهي الشملة) فقالت: نسجتها بيدي فجئت لأكسوكها فأخذها النبي محتاجًا إليها فخرج إلينا وإنها إزاره، فحسنها فلان فقال: اكسنيها ما أحسنها! فقال القوم: ما أحسنت، لبسها النبي ﷺ محتاجًا إليها ثم سألته وعملت أنه لا يرد سائلاً،
стр. 28
فقال: إني والله ما سألتها لألبسها إنما سألته لتكون كفني: قال سهل: فكانت كفنه).
قالوا: إن السائل هو عبد الرحمن بن عوف، وقد كان عبد الرحمن معروفاً بالسعة في المال، فما كان سؤاله البردة إلا لقصد التبرك بها. وإنما اختص تلك البردة من الثياب النبوية؛ لأنه كان مضمرًا أن يسأل رسول الله ﷺ ثوبًا من ثيابه، وكان يخشى أن يرزأ رسول الله ﷺ بعض ثيابه المحتاج إليها وقد علم أنه لا يرد سائلً سأله.
فلما حضر إهداءَ المرأة إليه هذه البردة من غير ترقب ولا وصاية ولا شراء مما يدل على الاحتياج إليها علم أن رسول الله ﷺ غير محتاج إليها، فرأى أن الفرصة أمكنته فيما أراد، فسأل تلك البُردة لقصده النبيل ﵁.
* * *
باب قول النبي ﷺ -:
«يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه» [٢: ١٠٠، ٤]
أثبت البخاري صدور هذه المقالة عن النبي ﷺ إذا رواه عنه عمر بن الخطاب والمغيرة بن شعبة.
وروم الجمع بين هذا وبين قول عائشة [٢، ١٠١: ١٤]: (ما قال رسول الله ﷺ ذلك ولكنه قال: «إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله») وأنه قال ذلك إذ مرَّ على يهودية يبكي عليها أهلها، ولم ير البخاري ترجيح رواية عائشة ولكنه سلك طريق الجمع بين ما رواه عمر وابنه والمغيرة وما قالته عائشة بأن مورد ما رواه الثلاثة فيمن كان ذلك من سنته، وهو جمع مشكل؛ لأنه إن أراد بكونه من سنته أنه هو الذي سنة للناس، كما ينبئ عن ذلك ذكره حديث [٩: ٣، ١٥]: «ما من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها» فهو غير مناسب لعموم الخبرين اللذين رواهما عمر والمغيرة؛ وإن أراد إذا كان ذلك من سنة قوم الميت فهو أشد إشكالًا؛ لأنه لا يؤاخذ أحد بغير عمله وإن كان من سنة قومه إذا لم يعمله هو، وفي الحديث «ثم يحشرون على نياتهم»، فلا محيص من وجوب حمل الحديثين على ما تأولته عائشة وجعلت غيرها مغترًا لظاهر اللفظ مع عدم الإحاطة بالسبب.
* * *
стр. 29
ودليل التأويل قائم، وهو نصوص القرآن المقتضية أنه لا تزر وازرة وزر أخرى.
ومن الناس من زعم أن معنى الخبر: أن من كان النوح من سنة قومه ولم يوصهم بتركه كان معاقبًا بما صنع أهله. وهذا قد يومئ إليه قول البخاري لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]. ومال إليه القرافي في كتاب «الفروق». وهو تأويل بعيد؛ إذ لا يجب على أحد أن يوصي قومه بأن لا يفعلوا منكرًا بعد موته؛ لأن تغيير المنكر واجب عند وقوعه ففضيلة وتنبيه وليس ذلك بالواجب؛ فإن أحكام الشريعة تقررت في تكليف الناس فلم يلزم التذكير بها.
وإن ما رواه عمر بن الخطاب أقرب إلى التأويل؛ لأن فيه أن الميت يُعذب ببعض بكاء أهله، وهو البكاء الذي تصاحبه نياحة، ويكون في حال تنبه للمحتضر له واستحسانه إياه، كما قال طرفة في الجاهلية:
إذا متُّ فانْعيني بما أنا أهله ... وشُقَّي عليَّ الجيب يَابنة معْبَد
أو أدركه المحتضر، وكان قادرًا على النهي عنه ولم ينه عنه، وإذ قد تعين التأويل فقد خرج العمل في هذا عن الجمع إلى الترجيح، ليكون ترجيح خبر عائشة مسندًا للتأويل.
قوله في حديث أسامة بن زيد [٢: ١٠٠، ١٢]:
(أرسلت ابنة النبي ﷺ إليه: إن أبنًا لي قبض فائتنا، فأرسل يقرئ السلام ويقول: «إن لله ما أخذ وله ما أعطى ... ») إلخ.
أي فلم يذهب إليها النبي ﷺ أول مرة حين دعته، إذ لم ير فائدة في الإجابة، ليعلم الناس ترك الجزع عند المصيبة، فإن الإسراع بالذهاب إذا لم يكن معنياً عن الميت ولا اعن أهله ضرب من الجزع؛ ولذلك أجابها في المرة الثانية إذ قد حصل المقصد من نفي مظاهر الجزع.
وقوله في الحديث: «ففاضت عيناه» هو بكاء للرحمة بالصبي حين شاهده في تلك الحالة المؤلمة، مع أنه لم يبك عندما أخبر بموته حين بعثت إليه في المرة الأولى.
وذلك يدل على أن الحيَّ المكروب أحق بالرحمة من الميت بعد موته.
* * *
стр. 30
باب هل يخرج الميت من القبر
فيه حديث سفيان عن جابر [٢: ١١٦، ٨]:
(أتى رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي بعدما أدخل حفرته فأمر به فأخرج فوضعه على ركبتيه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه، فالله اعلم).
قوله: «فالله أعلم» من كلام سفيان بن عيينة، وهو كلام مؤذن بالتوقف في وجه ما صنع رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبي بن سلول، وقد ذكر سفيان عقبه أنهم كانوا يرون أن رسول الله ﷺ ألبس عبد الله بن أبي قميصه، مكافأة له، إذا كان كسا عباساً قميصًا لما أسر في بد ولم يجدوا له قميصًا، لأي لأن الأسير يجرد من ثيابه، بأخذها من أسره، أو لأنه تمزق قميصه في مصارعة الأسر. وهذا تأويل بعيد.
والحق عندي: أن عبد الله بن عبد الله سأل النبي ﷺ أن يكسوا أباه ثوبه، وأن ينفث فيه من ريقه، رجاء نفعه بذلك في الآخرة وقد علم رسول الله ﷺ قصده، وأجابه إليه. فلا يستقيم تأويله بقصد جزاء دنيوي، لاسيما وعبد الله بن أبي قد كان مكفنًا مكسواً غير محتاج إلى جزاء.
فالوجه أن رسول الله ﷺ فعل ذلك كعادته في رحمته، فإن عبد الله بن أبي قد قال كلمة الإسلام، وأظهر الإسلام، وانتفع المسلمون بإسلامه، ولو في الظاهر؛ لأنه كان سيدًا في قومه، فلم يعدم المسلمون من إسلامه فوائد، ما كانت تحصل لو كان مجاهرًا بكفره معاندًا للمسلمين، كما قيل: «لقد أجلك من أرضاك ظاهره».
فرجا رسول الله ﷺ بذلك أن يخفف عنه من العذاب عساه أن يكون التخفيف ما دام ثوب الرسول ﷺ عليه لم يبل، كما ورد في وضع الجريدتين على القبرين اللذين يعذب صاحباهما، أو عساه أن يستحق به تخفيف العذاب في الآخرة بعض الساعات أو في مراتب الدركات السفلى كما ورد في تخفيف العذاب عن أبي لهب على عتقه الأمة التي بشرته بمولد رسول الله ﷺ .
فأما المنفي في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] فذلك الغفران الأتم، وهذا وجه تأويل هذا الحديث.
وقد مر بعض من هذا المعنى في «باب الكفن في القميص».
* * *
стр. 31
باب ما جاء في عذاب القبر
فيه حديث عائشة ﵂ [٢: ١٢٣، ٣]:
(أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول الله ﷺ عن عذاب القبر، فقال: «نعم، عذاب القبر حق»، قالت عائشة ﵂: فما رأيت رسول الله ﷺ بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر).
ليس المراد أن النبي ﷺ تذكر أمر عذاب القبر من كلام اليهودية، فصار يستعيذ منه بعد ذلك، فأن صدر كلام عائشة اقتضى أن الخوض في أمر عذاب القبر كان سابقاً، وهو سبب دعاء اليهودية لها بالعياذ منه.
وإنما معناه: أن عائشة لم تكن تلاحظ استعاذة رسول الله ﷺ منه في دعائه؛ لأنها كانت ذاهلة عن أمره، والغافل قلما توجهت نفسه إلى الأمر المغفول عنه، فلما انتبهت إلهي صارت تشعر بدعاء رسول الله ﷺ بالعياذ منه. إلا ترى أنك إذا عرفت إنسانًا لم تكن تعرفه صار يكثر أن تراه متعرضًا لك في الطريق، لا لأنه صار يتعرض في الطريق ولكنك كنت تعترضه فلا تشعر به.
* * *
باب ما قيل في أولاد المسلمين
فيه حديث البراء ﵁[٢: ١٢٥، ٨]:
(قال: لما توفي إبراهيم ﵇ قال رسول الله ﷺ : «إن له مرضعًا في الجنة»).
لأن إبراهيم ابن النبي ﷺ توفي صغيرًا، هو رضيع، وإرضاعه في الجنة تقريب لتدريج ورحمه في مدارج الكمال التي كانت تبلغها في الحياة الدنيا لو عاش صاحبها المدة التي تتكامل فيها شمائل أهل الكمال.
ذلك أن الله جعل مرور الأرواح في الأجساد على الحياة الدنيا وسيلة لاكتساب الفضائل أو الرذائل، كما بيَّن «في حكمة الإشراق»، وقد تفضل الله.
* * *
стр. 32
المسلمين ببركة الإسلام فجعل أرواح صغارهم إذا انتهكت بالموت قبل إبان التكليف أن يلحقها بأرواح أهل الكمال تنمية للفطرة المستقرة فيها؛ ولذلك جعل أطفال المسلمين في كفالة إبراهيم الخليل ﵇؛ لأن إبراهيم هو أول مظهر لدين الفطرة والحنيفية، قال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: ٧٨].
فكون أرواح الصبيان في كفالته رمز إلى نماء معنى الفطرة وكماله بإفاضة روحية من سر إبراهيم الخليل مصدر الفطرة والحنيفية إلى إبان معلوم حتى لا يفوتها فضل ما يبلغ إليه أهل الكمال لصالح أعمالهم.
وقد زادت لإبراهيم ابن النبي- ﵊ خصوصية أخرى وهي أن نماء فطرته في الآخرة مشوب بنعيم أمثاله، وهو نعيم الرضاعة في الجنة، ولم يثبت مثل هذا لبقية صبيان المسلمين.
والظاهر أن ذلك لا يستمر إلا مقدار ما تستكمل روحه طور الطفولة ثم يرتقي به إلى نعيم آخر في أطوار أخرى مناسبة حتى يصل إلى الكمال.
* * *
باب ما قيل في أولاد المشركين
فيه حدثنا ابن عباس وأبي هريرة [٢: ١٢٥، ١١]:
(سئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين فقال: «الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين»).
فقوله: «الله ... أعلم بما كانوا عاملين» معناه: الله أعلم بحالهم، وهو إمساك عن الجواب المبين لحالهم.
فالمراد بالعمل الحال، كما يقال في شأن الغائب: ليت شعري ماذا صنع فلان؟ أي ما حاله؟
وفي الحديث [٨: ٣٧، ١٧]:
«يا أبا عمير ما فعل النغير»، فيحتمل أن هذا الجواب كان قبل أن يطلع الله رسوله ﷺ على أنهم غير معذبين، ويحتمل أن الإبهام مقصود هنا؛ لئلا يكون بيان حالهم تنفيسًا على أهاليهم، إذ يكونون قد استراحوا من الفكرة في شأن ذرياتهم،
стр. 33
فيقلل ذلك من تأملهم في الفوز بالنجاة بالإسلام؛ لأن كثيرًا من الآباء يهتم بمصير أبنائه أكثر ما يهتم بمصير نفسه.
وقوله: «إذ خلقهم» (إذ) فيه تعليلية، أي أنه اعلم بهم، فهو خالقهم، كقوله تعالى: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾، [الكهف: ٢١] ويدل لذلك ما رواه أحمد عن ابن عباس: «ربهم أعلم بهم هو خلقهم وهو أعلم بما كانوا عاملين».
* *
ووقع فيه قول النبي ﷺ في رؤياه [٢/ ١٢٧، ٣]: «والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم ﵇ والصبيان حوله فأولاد الناس».
* *
ووقع في كتاب التعبير في هذا الحديث من رواية عوف عن أبي رجاء عن سمرة: [٩: ٥٨، ٣]:
(«وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﵇ وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة» قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : «وأولاد المشركين»).
وهذا يفسر معنى قوله في رواية جرير بن حازم عن أبي رجاء عن سمرة: «أولاد الناس»: أنهم أولاد جميع الناس الذين يموتون في سن الصبا؛ وذلك لنماء معنى الفطرة فيهم، وإبلاغهم مبلغ أهل الفضائل والكمال منهم، على مراتب يعلمها الله تعالى، ويقدرها بحسب ما أودع فيهم من مقادير صفاء القوى النفسية، فكونهم عند إبراهيم الخليل ﵇ هو كون استمداد وتلق لإفاضات روحانية تفيضها عليهم روح الخليل تزكية لهم وترقية؛ كيلا تفوتهم مراتب الكمال التي هي أكبر النعم فيستعدوا بها لمزاولة النعم الأخروية ودرجاتها.
والظاهر أن هذا التلقي بتطور أطوارًا مناسبة لآماد الأعمار المعروفة في الدنيا، ولم يبين في السنة هل تكون هذه الكفالة مستمرة أم تنتهي عند أمد محدود، فيجتاز بهم إلى مجاز الأرواح الكاملة ويخلفهم غيرهم عند إبراهيم من الأطفال المتوفين بعدُ؛ وهكذا لأن اللفظ النبوي لم يقتض استغراق جميع أطفال المسلمين في وقت واحد.
* * *
стр. 34
وهذا المعنى هو الذي يشرح ما وقع في بعض الروايات أن إبراهيم يعلم أطفال المسلمين فيحمل على هذا المعنى من التعليم، ولا أدري الآن صحة هذه الزيادة فحققها أنت.
* * *
باب ما ينُهى من سب الأموات
وقع فيه قوله ﷺ [٢: ١٢٩، ١٤]: «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا».
فقوله: «فإنهم قد أفضوا» إلخ، الفاء فيه للتعليل، فما بعدها تعليل للنهي عن سب الأموات.
ووجه المناسبة بين العلة والمعلل: أن السب لا يقصد منه شرعًا إلا زجر المسبوب عن فعل منهي عنه، فلا سب المسلم المسلم إلا لغيرة على الدين أو قصد تربية عما لا يحسن من الأفعال، وليس السب للتحقير والتشفي بمشروع، ولذلك كان الموت حائلاً دون حصول المقصود من السب.
وقوله: «أفضوا إلى ما قدموا» أي بلغوا إلى جزاء أعمالهم، وليس المخبر عن حال من مات في عدالته ودينه وعمله من السب، بل ذلك من الجرح والتعديل.
وفيه فوائد جمة في التحذير من الوقوع في مثل ما وقع فيه، فقد جاء في الصحيح [٢: ١٢١، ١٨]: «من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار»، أي من وصفتهم حاله بما يوافق ما كان عليه في أمور دينه.
* * *
стр. 35
كتاب الزكاة
وجوب الزكاة
فيه حديث أبي أيوب [٢: ١٣٠، ١٢]:
(أن رجلا قال للنبي ﷺ : أخبري بعمل يدخلني الجنة) إلخ.
انظر الكلام عليه في كتاب الأدب.
* * *
باب الصدقة قبل الرد
فيه حديث حارثة بن وهب [٢: ١٣٥، ٤]:
(سمعت النبي ﷺ يقول: «تصدقوا فإنه يأتي عليكم زمان يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها، يقول الرجل لو جئت بها بالأمس لقبلتها فأما اليوم فلا حاجة لي بها»).
المقصود من هذا الكلام التحريض على المبادرة بالصدقة، وأن لا يؤخروها خشية فوات حصولها، فيفوتهم بفواتها فضل عظيم، وهو فضل الصدقة، فالكلام في صريحة تحريض، وهو كناية عن فضل الصدقة وعظيم شأنها، حتى إنها إذا تعذرت تعطل خير كثير، كما دل عليه حديث أبي هريرة عقب هذا: «حتى يهم رب المال من يقبل صدقته»، فإن الصدقة تطهير للمال وزكاة له، فمن حق الغني أن يحرص على إخراجها.
وصريح الكلام هي هنا صدقة التطوع؛ لأنها التي تحتاج إلى التحريض على الإكثار منها والمبادرة بها، وكناية الكلام شاملة للصدقة الواجبة؛ لأن فوات الفضل الحاصل بسد خلة الفقير عند تعذر قبول حاصل في الصدقتين.
وليس الكلام تهديدًا حتى يقال: إذ تعذر قبول المتصدق عليهم للصدقات فقد سقط الوجوب وبرئت الذمة، كما درج عليه الشارحون فأقصوا عن مهيع الحديث.
стр. 36
وقوله: «يأتي عليكم» الضمير فيه للأمة لا للصحابة، أي يجيء زمان على الأمة الإسلامية، وذلك في آخر الزمان، كما وقع التصريح به في حديث عدي ابن حاتم بعد هذا: «فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها منه»، فالمقصود أن ذلك يصير حالاً شاملًا لسائر الناس، وليس المراد أن يوجد آحادٌ من الناس هذه صفتهم لزهد ونحوه مثل حكيم ابن حزام ﵁ فإن ذلك لا يخلو عنه زمن في الإسلام.
وفيه حديث عدي بن حاتم [٢: ١٣٥، ١٢]:
(كنت عند رسول الله ﷺ فجاءه رجلان: أحدهما يشكو العيلة، والآخر يشكو قطع السبيل، فقال رسول الله ﷺ : «أما قطع السبيل فإنه لا يأتي عليك إلا قليل حتى تخرج العير إلى مكة بغير خفير، وأما العيلة فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقابلها منه ثم ليقفن أحدكم بين يدي الله ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له ثم ليقولن له: ألم أوتك مالًا؟ فليقولن: بلى، ثم ليقولن: ألم أرسل إليك رسولاً؟ فليقولن: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار» إلخ).
يحتمل أن الرجلين جاءا يشكيان حالهما بأن يكون أحدهما عائلاً، والآخر قد تعرض له قطاع الطريق.
ويحتمل أن يكونا شاكيين كثر ذلك في قبيلتهما، أو في الناس، فهما يتمنيان سلامة الأمة من ذينك.
فعلى الأول فقد أجاب رسول الله ﷺ كليهما ببشارة وتسلية، فبشر من اشتكى قطع الطريق بقرب زوال ذلك، فيحصل الأمن قريبًا، وبشر صاحب العيلة برجاء أن تزول عنه العيلة؛ لأنها ستزول من الأمة تدريجًا حتى لا تقوم الساعة وفي الأمة عائل عوض فيطمع المشتكي منها أن يكون ممن يشمله زوال العيلة في التدرج الأول، أو قريب منه، كما هو المناسب للبشارة، ففي الكلام مع العائل إيجاز حذف، دل عليه المذكور؛ لأن قوله: «لا تقوم الساعة حتى يطوف أحدكم» يشير إلى أن ذلك
стр. 37
يحصل شيئًا فشيئًا إلى أن يبلغ تلك الغاية، وهي زوال العيلة من أصلها، وإلا لم يكن في الجواب ما ينفع المشتكي.
وعلى الاحتمال الثاني يكون الجواب لهما: بأن هذين الأمرين اللذين أهمهما سيرفعهما الله عن الأمة، على أنا في أحدهما، وهو العيلة، منفعة لأهل الأموال سيتحصلون بها ثواب الصدقات، وللفقراء إن كانوا سببًا في حصول فضائل المتصدقين.
وقوله: «ثم ليقفن أحدكم بين يدي الله ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان .... » إلخ، هو تسلية لصاحب العيلة على الاحتمال الأول، أي فلعل العيلة التي أحرجته في الدنيا يحمد مغبتها في الآخرة، حين يرى ما ينال أهل الأموال المقصرين في شكر نعمة المال.
وهو تحريض على الصدقة على الاحتمال الثاني؛ لدفع العيلة المشتكي منها على الاحتمال الثاني، يقول لهم: استعينوا على دفع العيلة بكثرة الصدقة.
وفيه تهويل للتقصير في شكر نعمة المال؛ لأن قوله: «ألم أوتيك مالًا» تقرير، وقوله: «ألم أرسل إليك رسولاً» تقرير أيضًا، حصل بهما تقرير على حصوله النعمة، وتقرير على بلوغ الإرشاد في وجه شكرها؛ قطعًا لمعذرة الممسك عن شكر نعمة المال.
* * *
باب اتقوا النار ولو بشق تمرة
وقع فيه قول أبي مسعود الأنصاري ﵁[٢: ١٣٦، ٧]:
(كنا نحامل).
أي نحمل للناس بأجرة، وجاء فيه بصيغة المفاعلة للدلالة على أنهم يتعرضون لمن يحمل شيئًا، فأكنهم يأخذون منه حمله بضرب من الإلحاح عليه.
* * *
باب أي الصدقة أفضل ؟
فيه حديث أبي هريرة [٢: ١٣٧، ٤]:
(جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال:
стр. 38
«أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا وقع كان لفلان»).
كانت الصدقة في حال الصحة أفضل لما تؤذن به من تعلق نفس المتصدق بحب الخير والقربة إلى الله تعالى، فإن الصحيح شديد التعلق بماله، كثير الآمال في الانتفاع به؛ فإنفاقه المال مع تلك الحالة إنما هو للرغبة في الزلفى من الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، [آل عمران: ٩٢] والمال في حال التمكن من الانتفاع به، وفي حال الاحتياج إلى فوائده هو ممن يحب.
وأما التصدق عند توقع الموت، فهو بذل لما ليس بعزيز على النفس؛ إذ قد أشرف على أن يحال بينه وبين الانتفاع به؛ ولأجل هذا لم تقبل التوبة عند الاحتضار؛ لأنها تحصيل حاصل؛ إذ قد حيل بين المذنب وبين ذنوبه، فلم يحصل المقصود من الأمر بالتوبة، أما الصدقات في حال الاحتضار فهي مقبولة لحصول المنفعة المقصودة منها، ولأنها ليس فيها اعتداءا على حق أحد؛ لأن الله قد جعل للمشرف على الموت التصرف في ثلث ماله.
والحاصل: أن العمل تفاضل بمقدار ما دل عليه من إيثار العامل نفع غيره وإرضاء ربه على منفعة نفسه.
وقوله: «وقد كان لفلان» هو من صيغ الإقرار بالدين، أي قد كان لفلان على كذا، وهذا من صيغ العطية أيضًا يعبر به عن العطايا التي يخلعها المرء من ماله بينه الوصية بها لمن يريد أن يوصي إليه؛ ولكنه لا يريد أن ينفذها إلا بعد موته؛ فلذلك يقول «قد كان لفلان» أي كنت عينت له، ويكون ذلك أيضاً في العدة بعطية من ثمرة تحضر، أو مال غائب، كما وعد أبو بكر عائشة فجاء عشرين، فهذا المراد بقرينة قرنها بصيغ العطايا هنا، وجعلها من أحوال الصدقة.
ويجوز أن يكون المراد به الإقرار الحقيقي بما عليه من الحقوق بجحدها، أو يماطل بها في حياته شحًا، فإذا أشرف على الموت أقر بها لأربابها؛ فيكون ذكره مع الجواب عن أفضل الصدقة استطرادًا لمناسبة حكاية حال من يؤخر أداء الحقوق الربانية وغيرها إلى اقتراب وفاته.
стр. 39
باب صدقة السر [ ٢: ١٣٧، ١٣]
(وقال أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه»).
المراد بالشمال واليمين هنا نفس اليدين، بقرينة قوله: «ما صنعت يمينه» فإن الإنفاق يكون باليمين، لأن المناولة والصنع والاشتغال في العرف يكون باليمين.
فشبه اليدين بعاقلين بقرينة إسناد العلم إلى الشمال، والصنع إلى اليمين، أي لو كانت عاقلين لم تعلم إحداهما ما أنفقت الأخرى مع شدة قربهما وتشاركهما في الصنع عند المناولة؛ لأنه قد يستعين بشماله ويعد بها ما ينفقه.
* * *
باب العرض في الزكاة [ ٢: ١٤٤، ٤]
أخرج البخاري حديث محمد بن عبد الله الأنصاري مفرقًا ستة أجزاء، فذكر جزءًا منه في هذا الباب، وذكر جزءًا آخر في باب «باب لا يجمع بين مفترق»، وجزءًا آخر في «باب ما كان من خليطين»، وجزءًا طويلًا في «باب من بلغت عنده صدقة بنت مخاض»، وذكر جزءًا طويلاً في «باب زكاة الغنم»، وجزء آخر في «باب لا يؤخذ في الصدقة هرمة». مع أن رواته في الجميع متحدون. وهذا مخالف لعادته في تفريق الآثار على الأبواب، ومخالف لعادته أيضًا في تجزئة الحديث الواحد، ولم يظهر لي ما دعاه إلى هذه التجزئة، ولعله سمعه من محمد بن عبد الله الأنصاري في مجالس متفرقة، أو أن البخاري استطاله فوزعه على الأبواب اعتمادًا على أن الراوي يجمعه، وهذا غريب منه.
* * *
باب الصدقة على اليتامى
فيه حديث أبي سعيد الخدري [٢: ١٥٠، ٢]:
(أن النبي ﷺ جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله فقال: «إني مما
стр. 40
أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها»، فقال رجل: يا رسول الله، أو يأتي الخير بالشر، فسكت النبي ﷺ ، فقيل له (أي السائل): ما شأنك تكلم رسول الله ولا يكلمك فرأينا ينزل عليه ... ) الحديث.
ليس السائل بالذي يجهل أن الشيء النافع قد تتبعه مضار، ولكن مثار سؤاله هو قوله رسول الله ﷺ : «ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا» المتضمن أنه أراد: ما يفتح عليهم من البلاد والمغانم في جهادهم.
وبناء فعل «يفتح» للمجهول، إنما هو للعلم بفاعله وهو الله تعالى، فكأنه قال: ما يفتح الله عليكم من زهرة الدنيا، فلذلك اتجه السؤال: كيف يكون ما يسره الله من الخير المحض سببًا في استجلاب الشر» فإنه شأنه أن يكون عطاءً إلهيًا ميمونًا، فقوله: «أيأتي الخير بالشر»؛ الياء فيه للتعدية وليست للسببية، أي أيجلب الخير الشر. وبين الرسول ﷺ في جوابه أن الخير من شأنه أن لا يكون أثره إلا خيرًا، ولكنه إذا أسيء استعماله قد يعرض له الشر من إساءة استعماله لا من ذاته، فهو شر عارض للخير وليس مسببًا عن الخير؛ ولذلك قال [٢: ١٥٠، ٦]: «إنه لا يأتي الخير بالشر وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطًا أو يلم .... ».
ثم بين أنه إذا عرض هذا الشر بسوء استعماله، فقد يمكن تدارك ما عرض من الشر، كما بينه بذلك المثل البديع.
وفيه تنبيه على أن الصدقات تكفر ما يعرض لصاحب المال من سوء استعماله والتقصير في شكره.
* * *
باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر
فيه حديث زينب بنت معاوية الثقفية زوج عبد الله بن مسعود ﵃[٢: ١٥٠، ١٥]:
( ... وكانت زينب تنفق على عبد الله وأيتام في حجرها، قال: فقالت لعبد الله: سل رسول الله ﷺ أيجزي عني أن أنفق عليك وعلى أيتام في حجري من الصدقة؟ فقال (عبد الله): سلي أنت رسول الله، قالت: فانطلقت إلى رسول الله فوجدت امرأة من الأنصار على الباب حاجتها مثل
следующие страницы →