← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 133359

النظر الفسيح عند مضائق الأنظار في الجامع الصحيح

ابن عاشور

Полный текст (280 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقوله: «يأتي عليكم» الضمير فيه للأمة لا للصحابة، أي يجيء زمان على الأمة الإسلامية، وذلك في آخر الزمان، كما وقع التصريح به في حديث عدي ابن حاتم بعد هذا: «فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها منه»، فالمقصود أن ذلك يصير حالاً شاملًا لسائر الناس، وليس المراد أن يوجد آحادٌ من الناس هذه صفتهم لزهد ونحوه مثل حكيم ابن حزام ﵁ فإن ذلك لا يخلو عنه زمن في الإسلام. وفيه حديث عدي بن حاتم [٢: ١٣٥، ١٢]: (كنت عند رسول الله ﷺ فجاءه رجلان: أحدهما يشكو العيلة، والآخر يشكو قطع السبيل، فقال رسول الله ﷺ : «أما قطع السبيل فإنه لا يأتي عليك إلا قليل حتى تخرج العير إلى مكة بغير خفير، وأما العيلة فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقابلها منه ثم ليقفن أحدكم بين يدي الله ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له ثم ليقولن له: ألم أوتك مالًا؟ فليقولن: بلى، ثم ليقولن: ألم أرسل إليك رسولاً؟ فليقولن: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار» إلخ). يحتمل أن الرجلين جاءا يشكيان حالهما بأن يكون أحدهما عائلاً، والآخر قد تعرض له قطاع الطريق. ويحتمل أن يكونا شاكيين كثر ذلك في قبيلتهما، أو في الناس، فهما يتمنيان سلامة الأمة من ذينك. فعلى الأول فقد أجاب رسول الله ﷺ كليهما ببشارة وتسلية، فبشر من اشتكى قطع الطريق بقرب زوال ذلك، فيحصل الأمن قريبًا، وبشر صاحب العيلة برجاء أن تزول عنه العيلة؛ لأنها ستزول من الأمة تدريجًا حتى لا تقوم الساعة وفي الأمة عائل عوض فيطمع المشتكي منها أن يكون ممن يشمله زوال العيلة في التدرج الأول، أو قريب منه، كما هو المناسب للبشارة، ففي الكلام مع العائل إيجاز حذف، دل عليه المذكور؛ لأن قوله: «لا تقوم الساعة حتى يطوف أحدكم» يشير إلى أن ذلك

стр. 37

يحصل شيئًا فشيئًا إلى أن يبلغ تلك الغاية، وهي زوال العيلة من أصلها، وإلا لم يكن في الجواب ما ينفع المشتكي. وعلى الاحتمال الثاني يكون الجواب لهما: بأن هذين الأمرين اللذين أهمهما سيرفعهما الله عن الأمة، على أنا في أحدهما، وهو العيلة، منفعة لأهل الأموال سيتحصلون بها ثواب الصدقات، وللفقراء إن كانوا سببًا في حصول فضائل المتصدقين. وقوله: «ثم ليقفن أحدكم بين يدي الله ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان .... » إلخ، هو تسلية لصاحب العيلة على الاحتمال الأول، أي فلعل العيلة التي أحرجته في الدنيا يحمد مغبتها في الآخرة، حين يرى ما ينال أهل الأموال المقصرين في شكر نعمة المال. وهو تحريض على الصدقة على الاحتمال الثاني؛ لدفع العيلة المشتكي منها على الاحتمال الثاني، يقول لهم: استعينوا على دفع العيلة بكثرة الصدقة. وفيه تهويل للتقصير في شكر نعمة المال؛ لأن قوله: «ألم أوتيك مالًا» تقرير، وقوله: «ألم أرسل إليك رسولاً» تقرير أيضًا، حصل بهما تقرير على حصوله النعمة، وتقرير على بلوغ الإرشاد في وجه شكرها؛ قطعًا لمعذرة الممسك عن شكر نعمة المال. * * * باب اتقوا النار ولو بشق تمرة وقع فيه قول أبي مسعود الأنصاري ﵁[٢: ١٣٦، ٧]: (كنا نحامل). أي نحمل للناس بأجرة، وجاء فيه بصيغة المفاعلة للدلالة على أنهم يتعرضون لمن يحمل شيئًا، فأكنهم يأخذون منه حمله بضرب من الإلحاح عليه. * * * باب أي الصدقة أفضل ؟ فيه حديث أبي هريرة [٢: ١٣٧، ٤]: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال:

стр. 38

«أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا وقع كان لفلان»). كانت الصدقة في حال الصحة أفضل لما تؤذن به من تعلق نفس المتصدق بحب الخير والقربة إلى الله تعالى، فإن الصحيح شديد التعلق بماله، كثير الآمال في الانتفاع به؛ فإنفاقه المال مع تلك الحالة إنما هو للرغبة في الزلفى من الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، [آل عمران: ٩٢] والمال في حال التمكن من الانتفاع به، وفي حال الاحتياج إلى فوائده هو ممن يحب. وأما التصدق عند توقع الموت، فهو بذل لما ليس بعزيز على النفس؛ إذ قد أشرف على أن يحال بينه وبين الانتفاع به؛ ولأجل هذا لم تقبل التوبة عند الاحتضار؛ لأنها تحصيل حاصل؛ إذ قد حيل بين المذنب وبين ذنوبه، فلم يحصل المقصود من الأمر بالتوبة، أما الصدقات في حال الاحتضار فهي مقبولة لحصول المنفعة المقصودة منها، ولأنها ليس فيها اعتداءا على حق أحد؛ لأن الله قد جعل للمشرف على الموت التصرف في ثلث ماله. والحاصل: أن العمل تفاضل بمقدار ما دل عليه من إيثار العامل نفع غيره وإرضاء ربه على منفعة نفسه. وقوله: «وقد كان لفلان» هو من صيغ الإقرار بالدين، أي قد كان لفلان على كذا، وهذا من صيغ العطية أيضًا يعبر به عن العطايا التي يخلعها المرء من ماله بينه الوصية بها لمن يريد أن يوصي إليه؛ ولكنه لا يريد أن ينفذها إلا بعد موته؛ فلذلك يقول «قد كان لفلان» أي كنت عينت له، ويكون ذلك أيضاً في العدة بعطية من ثمرة تحضر، أو مال غائب، كما وعد أبو بكر عائشة فجاء عشرين، فهذا المراد بقرينة قرنها بصيغ العطايا هنا، وجعلها من أحوال الصدقة. ويجوز أن يكون المراد به الإقرار الحقيقي بما عليه من الحقوق بجحدها، أو يماطل بها في حياته شحًا، فإذا أشرف على الموت أقر بها لأربابها؛ فيكون ذكره مع الجواب عن أفضل الصدقة استطرادًا لمناسبة حكاية حال من يؤخر أداء الحقوق الربانية وغيرها إلى اقتراب وفاته.

стр. 39

باب صدقة السر [ ٢: ١٣٧، ١٣] (وقال أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه»). المراد بالشمال واليمين هنا نفس اليدين، بقرينة قوله: «ما صنعت يمينه» فإن الإنفاق يكون باليمين، لأن المناولة والصنع والاشتغال في العرف يكون باليمين. فشبه اليدين بعاقلين بقرينة إسناد العلم إلى الشمال، والصنع إلى اليمين، أي لو كانت عاقلين لم تعلم إحداهما ما أنفقت الأخرى مع شدة قربهما وتشاركهما في الصنع عند المناولة؛ لأنه قد يستعين بشماله ويعد بها ما ينفقه. * * * باب العرض في الزكاة [ ٢: ١٤٤، ٤] أخرج البخاري حديث محمد بن عبد الله الأنصاري مفرقًا ستة أجزاء، فذكر جزءًا منه في هذا الباب، وذكر جزءًا آخر في باب «باب لا يجمع بين مفترق»، وجزءًا آخر في «باب ما كان من خليطين»، وجزءًا طويلًا في «باب من بلغت عنده صدقة بنت مخاض»، وذكر جزءًا طويلاً في «باب زكاة الغنم»، وجزء آخر في «باب لا يؤخذ في الصدقة هرمة». مع أن رواته في الجميع متحدون. وهذا مخالف لعادته في تفريق الآثار على الأبواب، ومخالف لعادته أيضًا في تجزئة الحديث الواحد، ولم يظهر لي ما دعاه إلى هذه التجزئة، ولعله سمعه من محمد بن عبد الله الأنصاري في مجالس متفرقة، أو أن البخاري استطاله فوزعه على الأبواب اعتمادًا على أن الراوي يجمعه، وهذا غريب منه. * * * باب الصدقة على اليتامى فيه حديث أبي سعيد الخدري [٢: ١٥٠، ٢]: (أن النبي ﷺ جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله فقال: «إني مما

стр. 40

أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها»، فقال رجل: يا رسول الله، أو يأتي الخير بالشر، فسكت النبي ﷺ ، فقيل له (أي السائل): ما شأنك تكلم رسول الله ولا يكلمك فرأينا ينزل عليه ... ) الحديث. ليس السائل بالذي يجهل أن الشيء النافع قد تتبعه مضار، ولكن مثار سؤاله هو قوله رسول الله ﷺ : «ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا» المتضمن أنه أراد: ما يفتح عليهم من البلاد والمغانم في جهادهم. وبناء فعل «يفتح» للمجهول، إنما هو للعلم بفاعله وهو الله تعالى، فكأنه قال: ما يفتح الله عليكم من زهرة الدنيا، فلذلك اتجه السؤال: كيف يكون ما يسره الله من الخير المحض سببًا في استجلاب الشر» فإنه شأنه أن يكون عطاءً إلهيًا ميمونًا، فقوله: «أيأتي الخير بالشر»؛ الياء فيه للتعدية وليست للسببية، أي أيجلب الخير الشر. وبين الرسول ﷺ في جوابه أن الخير من شأنه أن لا يكون أثره إلا خيرًا، ولكنه إذا أسيء استعماله قد يعرض له الشر من إساءة استعماله لا من ذاته، فهو شر عارض للخير وليس مسببًا عن الخير؛ ولذلك قال [٢: ١٥٠، ٦]: «إنه لا يأتي الخير بالشر وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطًا أو يلم .... ». ثم بين أنه إذا عرض هذا الشر بسوء استعماله، فقد يمكن تدارك ما عرض من الشر، كما بينه بذلك المثل البديع. وفيه تنبيه على أن الصدقات تكفر ما يعرض لصاحب المال من سوء استعماله والتقصير في شكره. * * * باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر فيه حديث زينب بنت معاوية الثقفية زوج عبد الله بن مسعود ﵃[٢: ١٥٠، ١٥]: ( ... وكانت زينب تنفق على عبد الله وأيتام في حجرها، قال: فقالت لعبد الله: سل رسول الله ﷺ أيجزي عني أن أنفق عليك وعلى أيتام في حجري من الصدقة؟ فقال (عبد الله): سلي أنت رسول الله، قالت: فانطلقت إلى رسول الله فوجدت امرأة من الأنصار على الباب حاجتها مثل

стр. 41

حاجتي فمر علينا بلال، فقلنا: سل النبي أيجزئ عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري، وقلنا: لا تخبر بنا، فدخل فسأله فقال: «من هما؟ »). الحديث. لا شك أنهما أرادتا من قولهما: «لا تخبر بنا رسول الله» أن لا يخبره أنهما تستأذنان للدخول عليه، ومنعهما من ذلك الحياء من رسول الله ﷺ ، أو كراهية أن تحرجا رسول الله ﷺ بأن تشغلاه عن شؤونه، وليس مرادهما كتمان اسميهما عن رسول الله ﷺ . وأما سؤال رسول الله ﷺ عنهما فلعله ليعلم الحال التي لا يشتبه فيها الجواب بحالة غير مطابقة للجواب. وفيه من الفقه أن من أدب المفتي أن يستثبت في بيان سؤال السائل حتى يقع الجواب على صورة واضحة لا تقبل الاشتباه. وقد مضى في باب الزكاة على الأقارب [٢: ١٤٩، ٩] أن رسول الله ﷺ لما أعلم باسمها قال: «ائذنوا لها» وأنه أفتاه مباشرة. ولم يقع الكلام على المرأة الأخرى، لأن الجواب قد شملها، ولأن الحديث روي عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود، فاقتصرت على ذكر ما يختص بها. * * * باب الاستعفاف عن المسألة فيه حديث أبي سعيد [٢: ١٥١، ١٨]: (إن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده، فقال: «ما يكون لي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله»). الحديث. ترك رسول الله ﷺ موعظتهم حتى نفد ما عنده، ليعلموا أنه ما أراد حرمانهم مما عنده، وإنما أراد تزكية نفوسهم بتربيتها على التعفف والقناعة؛ لأنه لو وعظهم قبل نفاد ما عنده لأعرضوا عن إعادة المسألة فكان سببًا في حرمانهم. واعلم أن رسول الله ﷺ لم ينههم عن السؤال كما في أحاديث أخر، ولكنه

стр. 42

علمهم فضيلة الصبر والتعفف من أجل أن سؤال الرسول وولاة الأمر من مال الله ليس بمنهي عنه، إلا إذا أريد به التكثر والحرص والاستئثار به عن مستحقيه. وقع فيه قول رسول الله ﷺ [٢: ١٥٢، ٣]: «والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبلة فيختطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلاً فيسأله أعطاه أو منعه». فقوله «خير» تفضيل لا محالة، لوجود (من) التفضيلية معه، والتفضيل ظاهر: وهو أن في السؤال خيرًا مرجوًا، وهو حصول العطاء، وفي الاحتطاب خير أفضل؛ لأنه حصول نفع محقق ومعه عزة النفس. وقوله: «أعطاه أو منعه» حالان مقدران، أي مقدرًا أنه يعطيه، وتلك حالة خير في الجملة. وقوله: «أو منعه» ارتقاء في التحذير من السؤال، وهو أنه قد يكون معه المنع فلا يحصل فيه خير للسائل، وتحصل له مذلة السؤال وخيبة المنع. * * * باب قوله تعالى: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [ البقرة: ٢٧٣] فيه حديث أبي هريرة [٢: ١٥٣، ١٤]: (إن رسول الله ﷺ قال: «ليس المسكين الذين ترده الأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي ليس له غنى ويستحي»). ذكر رسول الله ﷺ صنفين من المساكين: متعارف وخفي، وجاء بما يدل على حصر المسكنة في الصنف الخفي، فنفى المسكنة عن المسكين الذي من عادته سؤال الناس، وهو الذي كني عنه بقوله: «الذي ترده الأكلة والأكلتان»، أي الذي يسأل فيرجع إذا أعطي أكلة أو أكلتين. ووجه نفي وصف المسكنة عن هذا أنه يقصد الناس فيعرفون أنه مسكين فيواسونه بما يزيل حاجته، فكان مسكنته منفية لأجل سرعة زوالها في وقت اشتدادها، فنفى المسكنة عن هذا نفي ادعائي لقصد المبالغة في ضعف أثر تلك المسكنة.

стр. 43

تم قابل هذا النفي بإثبات مسكنة أخرى يعسر ارتفاعها عن صاحبها، وهي المسكنة التي لا يهتدي إليها أصحاب الفضل، وهي مسكنة المحتاج الذي يستحيي أن يسأل الناس، وباجتماع نفي المسكنة عن جنس وإثباتها لجنس آخر حصل معنى قصر المسكنة على هذا النصف الأخير، وهو حصر كما علمت ادعائي بقصد به المبالغة لعدم الاعتداد بمسكنة غيره. وبهذا تعلم أن التعريف في لفظ «المسكين» في الموضعين تعريف الجنس لا دلالة له على معنى الكمال؛ لأنه لو أريد الدلالة على معنى الكمال لاكتفى بقوله «المسكين الذي ليس له غنى ويستحي». وإنما عدل عن ذلك؛ لأن الدلالة على القصر بهذه الطريقة أوضح من الدلالة عليه بإرادة معنى الكمال من التعريف باللام؛ لاحتياجه إلى قرائن خارجة عن اللفظ، والمقام مقام بيان لا تحسن فيه مداخل الاحتمال. ووقع فيه [٢: ١٥٣، ١٩]: «إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال .... » فقوله: «قيل وقال» هما فعلان ماضيان، أولهما مسند للمجهول، والآخر مسند للمعلوم، أي يكره لكم هاتين الصيغتين من الخبر، فالفعلان منصوبان على المفعولية على قصد الحكاية كقول النابعة: * * * وما يغني عن الحدثان ليت وذلك معروف في إناطة الأحكام الإعرابية بالألفاظ المحكية، كما يقول المعربون: (من) حرف جر، أي هذا اللفظ، ولا إشكال في ذلك. وقد اختلف النحريران التفتازاني والجرجاني في تحقيق كيفية هذا الإسناد. فرأى التفتازاني أن اللفظ المحكي قد صار بالحكاية اسمه مثل مسماه، فاسم (من) التي هي حرف جر هو لفظ (من)، فإذا أخبر عنه أوتسلط عليه فعل الفاعل كان الإخبار عن الاسم المماثل للمسمى، إذ ليس مسماه إلا شيئًا منطوقاً به. ورأى الجرجاني أن حق الإخبار والتسليط أن يكون على الذوات، فالأصل في إخبارك عن الدرهم بالصفاء أن تحضره وتقول للسامع: صاف، فلما تعذر ذلك في غالب الإخبارات جعلت أسماء المسميات مخبرًا عنها ومتعلقة بها الأفعال، فإذا كان الشيء المراد الأخبار عنه لفظًا فقد رجعت به إلى الحق والأصل فنطقت به،

стр. 44

وذلك النطق إحضار له، وأخبرت عنه أو علق به فعلا (قيل وقال)، وقريب منه الإخبار عن المشار إليه، نحو: هذا أبو الصقر. والمعنى: أن الله لا يحب الاشتغال بنقل قصص الناس وأخبارهم، فالراد بـ «قيل» الأخبار غير المعزوة إلى المخبرين، وبـ «قال» الأخبار المعزوة إلى المخبرين بها، فإن الاشتعال بذلك شأن أهل البطالة والفضول. وهذا في غير ما في الخبر به فوائد عامة، كإخبار العلماء ومناظرتهم وأقوالهم، أو فوائد خاصة كإخبار أحد بما يهمه من أمر أو حادث فيخص عموم هذا بخصوص تلك الأدلة المستقرة من الشريعة. * * * باب إذا تحولت الصدقة وقع فيه قول رسول الله ﷺ [٢: ١٥٨، ١٢]: «إنها قد بلغت محلها». فـ «محلها» يفتح الميم وكسر الحاء، وهم اسم مكان على زنة مفعل؛ لأنه مشتق من حل يحل؛ إما بمعنى استقر في المكان، فيكون استعار بلوغ مكان الحلول لحصول المقصود من العمل بجامع انتهاء السعي في الحالين على وجه التمثيل، أي قد تم مقصد المتصدق وبلغت صدقته إلى المتصدق عليه فلا أثر لها فيما بعد ذلك. ويحتمل أنه من حل يحل ضد حرم، ويكون المراد به الجواز والأجزاء، أي قد بلغت ما يتم به إجزاؤها وجوازها، فيكون فيه استعارة اسم مكان الحل إلى مصدره، تشبيهاً لقوة التمكن بحلول الشيء في المكان على نحو ما قيل في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ [البقرة: ٥]، أي قد تم إجزاء الصدقة وجوازها والذي بعد ذلك أمر آخر. * * * باب في الركاز الخمس وقع فيه [٢: ١٦٠، ٢]: «وقال بعض الناس: المعدن ركاز مثل دفن الجاهلية» إلى قوله: «ثم

стр. 45

ناقض وقال: لا بأس أن يكتمه ولا يؤدي زكاته». وجه المناقضة بحسب الظاهر أنه مرة جعله ركازًا فكان فيه حق الله تعالى، ومرة جوز لواجده كتمانه، بجعله أداء الخمس فيه بمنزلة المغارم والمكوس، وهذا بناه البخاري على المعروف من قول أبي حنيفة وإطلاقه، وقد اعترف به الطحاوي ناصر مذهبه، وقد نقل ابن بطال في شرحه: أن أبا حنيفة ما قال بجواز كتمانه على الإطلاق، بل إنما أجاز ذلك إذا كان واجده محتاجًا إليه، بمعنى إذا تأول واجده أن له حقًا في بيت المال ونصيبًا في الفيء، وكان محتاجًا إليه. وهذا التأويل مع بعده من كلام أبي حنيفة وأصحابه لا يدفع المناقضة، لأن مآله إلى أن أبا حنيفة اعتبر المعدن اعتبار الأموال المزكاة، فأجاز للمحتاج أخذها، وهو ينافي اعتباراه إياه من الأموال المخمسة التي تعيين مصارفها وتوزيعها للإمام لا لغيره، كما آذن به قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية. بناءً على أن الآية لا تقتضي قسمته إلى خمسة أصناف، ولكنها بينت ما يصرفه فيه الإمام، وهو المشار إليه بقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١]. واعلم أن البخاري سمى ذلك مناقضة، بناء على أن أحد القولين لم يقصد به الرجوع عن القول الآخر، بل أريد به بيان حالة من أحوال القول الآخر، ولو كان رجوعًا لم يكن بدعًا. وفيه حديث أبي هريرة [٢: ١٦٠، ٦]: (أن رسول الله ﷺ قال: «العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس»). يحتمل أن قوله: «وفي الركاز الخمس» ذكره رسول الله ﷺ عقب ما قبله لمناسبة سؤال سائل عن هذه الأحكام. ويحتمل أن ذلك مما جمعه أبو هريرة من كلام رسول الله ﷺ فحدث به بحسب ما حضر مما أراد أن يرويه عن رسول الله ﷺ وإلا فلا مناسبة بينه وبين ما قبله.

стр. 46

كتاب الحج باب طواف النساء مع الرجال وقع فيه قول عطاء [٢: ١٩، ١٨٧]: (وكنت آتي عائشة .... وهي مجاورة في جوف ثبير). معنى «مجاورة» أنها معتكفة فيه، فإن حرم مكة كله بمنزلة المساجد عند كثير من أهل العلم، فكانت عائشة ترى ذلك؛ فلذلك اعتكفت في ثبير، وإطلاق الجوار على الاعتكاف معروف؛ لأن الاعتكاف إقامة طويلة. * * * باب وجوب الصفا والمروة فيه قول أبي بكر بن عبد الرحمن [٢: ١٩٤، ١٠]: (فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما). يريد فأنا أسمع الآن، أي من خبر الزهري عن عروة عن عائشة؛ إذ لم يكن سمعه من قبل كما دل عليه قوله للزهري [٢: ١٩٤، ٤]: «إن هذا لعلم ما كنت سمعته»، أي فلما وجده لا ينافي ما كان سمعه من رجال من أهل العلم جعل كلا الخبرين يكمل الآخر؛ لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ. * * * باب ركوب البدن وفيه قول البخاري [٢: ٢٠٥، ٢]: (لقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦]) الآية. لم يحقق الشارحون محل الاستدلال من هذه الآية، فإن قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦] لا عموم له، فالصواب أن محل الاستدلال هو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا

стр. 47

وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]. فإن إطعام القانع والمعتر هو المقصود من الهدي؛ لأن الهدي لا يكون هديًا إلا بعد تذكيته، فدل ذلك على أن أحكامه قبل ذلك باقية على ما قرره قوله تعالى في شأن الأنعام كلها: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [غافر: ٧٩] إلى قوله: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ [النحل: ٧]، فذلك حكم لم يغيره مصير بعضها هديًا؛ لأن مصيرها هديًا لا يتحقق إلا عند تذكيتها في محلها المعروف. * * * باب الحلق والتقصير عند الإحلال وقع فيه حديث ابن عمر ﵄ [٢: ٢١٣، ١٣]: (أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم ارحم المحلقين»، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال؟ : «اللهم ارحم المحلقين»، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «والمقصرين»). لما كان الحلق أبلغ من التقصير في اتقاء الرأس من التفث ونحوه حرض النبي ﷺ بدعوة للمحلقين بالرحمة للدلالة على أفضلية الحلق، كما فضل الاستنجاء بالماء على الاستجمار في قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]، فالدعاء للمحلقين في هذا الخبر، والإخبار عن محبة الله المطهرين في الآية، لقصد الثناء عليهم وتفضيل فعلهم، فهي رحمة خاصة ومحبة خاصة، فلا دلالة في شيء من ذلك على أن المقصرين غير مرحومين. وقد كان النبي ﷺ بحيث لا يدعو لهم، فلما لقنوه بطلب الدعاء لهم دعا لهم في المرة الثالثة، فدل على أنهم مرجوة لهم الرحمة، ولكن الثناء على المحلقين بزيادة الرحمة الناشئة عن زيادة الرضى. * * * باب الخطبة أيام منى وقع فيه حديث ابن عباس ﵃[٢: ٢١٥، ١٧]: (أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم النخر؛ فقال: «أي يوم هذا؟ » قالوا:

стр. 48

يوم حرام، قال: «فأي بلد هذا؟ » قالوا: بلد حرام، قال: «فأي شهر هذا؟ » قالوا: شهر حرام ... ) إلخ. ووقع في حديث أبي بكرة بعده [٢: ٢١٦، ٩]: («قال خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر؛ قال: «أتدرون أي يوم هذا؟ » قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس يوم النحر؟ ! » قلنا: بلى، قال: «أي شهر هذا؟ » قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: «أليس ذو الحجة؟ » قلنا: بلى، قال: «أي بلد هذا؟ » قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليست بالبلدة الحرام؟ » قلنا: بلى ... ) إلخ. والروايتان صريحتان في أن الخطبة المحكية فيهما خطبة واحدة، فما وقع في حديث ابن عباس: أنهم أجابوا بأنه «بلد حرام»، وبأنه «شهر حرام» يتعين أنه حكى جواب فريق من السامعين، وما وقع في حديث أبي بكرة أنهم أجابوا بقولهم: «الله ورسوله أعلم» يتعين أنه جواب فريق آخرين. فأما الفريق الأول فجوابهم ظاهر؛ وأما الفريق الآخر فإنما وقفوا اعن الجواب من أجل أنهم لما وجدوا السؤال عن أمر معلوم للناس كلهم علموا أن المقصود منه تهيئتهم إلى تلقي شيء لم يكن معلومًا لهم، فسبقت أفهامهم إلى أن ذلك تغيير يتعلق بأحوال المسؤول عنها؛ إذ قد سمعوا في أول الخطبة قول الرسول ﷺ : «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ... » إلخ، كما جاء ترتيب ذلك في رواية عن أبي بكرة أخرجها البخاري في كتاب التوحيد [٩: ١٦٣، ٨]، وعلموا إبطال النسيء فتوهموا أن ذلك يستتبع تغيير أسماء الشهور والأماكن المتعلقة بالحج؛ إذ كان النسيء إنما وضعوه لأجل زمان الحج. * * *

стр. 49

باب إذا أحصر المعتمر فيه حديث ابن عمر أنه قال: [٣: ١١، ٤]: فإن خلي بيني وبين البيت طفت وإن جيل بيني وبينه فعلت كما فعل رسول الله ﷺ وأنا معه فأهل بالعمرة من ذي الحليفة ثم سار ساعة ثم قال: «إنما شأنهما واحد أشهدكم أني قد أوجبت حجة مع عمرتي») الخ. إنما ابتداء بالإحرام بالعمرة لأنه كان يتوقع تعطيل الحج من جهة أن وقوف عرفة قد يتعذر لأجل الفتنة والخوف، وظن أنه يمكن من الوصول إلى البيت والطواف به، وكأنه كره أن يعرض حجته للتعطيل، ثم لما سار تأمل فرأى حكم الإحصار في الحج والعمرة متحدًا، ورأى إمكان حصول الحج بإيقاع هدنة مدة أيام الحج، فنوى الحج؛ لأنه كان ملازمًا للحج كل سنة، فلذلك قال: «إنما شأنها واجد»، أي في حكم الإحصار وفي إمكان الإتيان. * * *

стр. 50

كتاب الصوم باب هل يقال رمضان .. فيه حديث أبي هريرة [٣: ٣٣، ٢]: (قال رسول الله ﷺ : «إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين»). جاء هذا الحديث من هذا الطريق- طريق ابن شهاب- تامًا أغر اللفظ؛ إذ وقع فيه: «فتحت أبوا السماء». ووقع من طريق إسماعيل [٢: ٣٢، ٢٠]: «فتحت أبواب الجنة»، ووقع في رواية مسلم [٢: ٧٥٨، ٩]: «فتحت أبواب الرحمة». ولا أحسب لفظ النبي ﷺ إلا «أبواب السماء»؛ لأنه أشمل وأوجز، ولأنه يحاكي به قوله تعالى: لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. والسماء في التعاليم الدينية هي مقر الخيرات الروحانية، والفيوضات الربانية، والتركيات النفسانية، فمعنى فتح أبوابها تهيئتها لاكتساب المؤمنين من خيراتها على حسب أعمالهم ومراتبهم ورضى الله تعالى عنهم بقبول أعمالهم ودعائهم ومكاشفة أرواحهم، فالأبواب استعارة لسوائل الوصول إلى الخير، والسماء حقيقة عرفية في مقر الخيرات وخزائن الرحمات؛ ولذلك كثر إثبات الارتفاع والصعود للفضائل؛ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨]. وليس المراد بالسماء الجنة، فقد دل على عدم قصدها عطف الجنة عليها في قوله تعالى: ﴿تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ٤٠]، وما وقع من الروايتين الأخيرتين من أبواب الجنة وأبواب الرحمة فهو من الرواية بالمعنى. واعلم أن الذي دلت عليه عدة ظواهر من الكتاب والسنة أن الأجرام العلوية فوق هذا العالم ذات أسرار ومنابع خيرات وصلاح، ولأهل الإشراق أقوال كثيرة في هذا،

стр. 51

ويسمونها عالم الملكوت، قال في «هياكل النور»: «النفوس الناطقة من جوهر الملكوت، وإنما شغلها عن عالمها القوى البدنية ومشاعلتها؛ فإذا قويت النفس الناطقة بالفضائل الروحانية وضعف سلطان القوى الدنية بتقليل الطعام وتكثير السهر (يعني الصيام وقيام الليل) تتخلص أحياناً إلى علم القدس وتتصل بالنفوس الفلكية وبلوازم حركاتها» إلخ. وفي الحديث: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلةٍ في ثلث الليل الأخير .... ». وأما قوله: «وسلسلت الشياطين» فهو منع مخصوص من بعض الوساوس الشيطانية، فالكلام تمثيل لحال الشياطين في غل أيديها عن كثير من أعمالها بحال المصفود في سلسلة، فإنه لا تنقطع حركته تمامًا، وإنما يذهب نشاطه ومقدرته، فالتمثيل فيه عكس التمثيل في قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وإن شئت فاجعل جميع ما في الحديث تمثيلًا مكنياً ينحل إلى ثلاث تمثيلات مكنية، وذلك بأن شبه شأن إكرام الله تعالى الصالحين وقبوله أعمالهم بحال الكريم إذا ورد عليه الضيوف أن يفتح أبواب منزله ويغلق أبواب مواقع الأذى والضرر مثل الرابط ويسلسل كلبه أن ينالهم بنبحه، كما قال النابغة في تمثيل لسانه: سأكْعَمُ كَلْبي أنْ يَريبك نبْحهُ ... وَلَوْ كُنْتُ أرْعَى مُسْحلان فحامرا وقد رمز إلى الهيئة المشبه بها بذكر فتح وغلق الأبواب والسلاسل، وهذا التشبيه المركب صالح لمقابلة كل جزء من الهيئة المشبهة بجزء من الهيئة المشبه بها، فالسماوات مشبهة بمنزل الكريم، والشياطين مشبهة بالكلاب، وهذا أحسن التمثيل وهو الذي يصح معه تشبيه أجزاء المركب بأجزاء المركب الآخر، كقوله بشار: كأن مُثار النَّقْع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبُه * * * باب صوم الصبيان [ ٣: ٤٧، ٢٠] ظاهر الترجمة وما ذكر فيها إسنادًا وتعليقاً أن البخاري يذهب إلى أن صوم

стр. 52

الصبيان مشروع أو مرغب فيه، وهو مذهب الشافعي وأحمد مع اختلاف ما، وهذه مسألة معضلة، فقد ثبت: أن الصبيان يؤمرون بالصلاة لسبع ويضربون عليها لعشر سنين، وذلك مما يجب على أوليائهم دون تعلق الخطاب بالصبيان أنفسهم ليسو بمكلفين. وقد علل ذلك بأن المقصود أن يتعودوا بالصلاة كيلا يتثاقلوا عنها إذا بلغوا الحلم، فأما الصوم فيتجاذبه دليلان متعارضان: أحدهما: قصد التعود مثل الصلاة. والآخر: المشقة على الصبيان، لضعف أمزجتهم، وضعف صبرهم، وعدهم رجائهم منه ثوابًا. وهذا الثاني أرجح من الأول؛ لأن نظيره كان مسقطًا الصوم على من وجب عليهم، مثل الحائض والمسافر، فيجب أن يكون هو المعتمد في التفقه لضعف الدليل الأول في حد ذاته، وكون الثاني كالمانع القائم في وجه ذلك الدليل. وأقوى ما في المسألة من الآثار هو حديث الربيع أنها قالت في صوم عاشوراء [٣: ٤٨، ٤]: (فكان نصومه بعد ونصومك صبياننا)، وهو حجة الشافعي، ولم يأخذ به مالك لأنه غريب فيما تتوفر الدواعي على نقله، ولا يخفى العمل له، فلا يصلح لمناهضة دليل عدم مشروعية الصوم للصبيان؛ إذ يتعين أنها أرادت صيام عاشوراء بعد نسخ وجوبه؛ بدليل قولها [٣: ٤٨، ٢]: (أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: «من أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه ومن أصبح صائمًا فليصم»؛ ولهذا لم يخرجه البخاري في باب صوم عاشوراء؛ إذ قصاراه أنه اقتضى صومًا غير واجب؛ وذلك ثابت بالأيام كلها عدا أيام النهي؛ فيكون تصويم صبيانهم فيه غير مقصود به القربة؛ إذ لا يقول أحد بأن الصبي يؤمر بالتعود على النوافل؛ وكفى بهذا اعتلالاً في الاستدلال بحديث الربيع على أنه لم يصحبه عمل بالمدينة. وأما ما علقه البخاري [٣: ٤٧، ٤٠] عن عمر بن الخطاب فهو غير صحيح سنده، فإذا كان عمر قد قال ذلك في نفس الأمر فمحمله على أن كثرًا من الصبيان إذا ميزوا يرغبون في مشاركة أهليهم في الصوم، ويمتنعون عن الأكل في النهار، وربما أخفوا صومهم عمن يمنعهم منه من أهليهم، كما هو مشاهد، فأراد عمر تفظيع حال هذا

стр. 53

النشوان، بأن الصبيان أحرص منه على الاتسام بفضيلة الصوم، وأنه لقلة مروءته فعل ما فعل؛ وكان من الشأن أنه إن لم يخش من الإفطار عقابً فليتجنبه مروءة. وعندي أنه يحسن بالأولياء أن يعودوا صبيانهم، الذين قاربوا المراهقة على الصوم اليوم واليومين والثلاثة على حسب تفاوت أسنانهم وقوامهم، ليثبوا على ذلك. * * * باب شهرًا عيد لا ينقصان فيه حديث أبي بكرة ﵁[٣: ٣٥، ١٣]: (عن النبي ﷺ قال: «شهران لا ينقصان شهرًا عيد رمضان وذو الحجة»). يحتمل أن النقص مراد به نقص عدد الأيام وهو أن يكون الشهر تسعاً وعشرين ليلة، ويحتمل أن يكون المراد نقص الثواب. وذكر البخاري عن محمد بن سيرين أنه قال: لا يجتمعان كلاهما ناقص، قال أحمد ابن حنبل: إن نقص رمضان تم ذو الحجة، وإن نقص ذو الحجة تم رمضان، وبه أخذ المازري، وذكر عن إسحاق بن راهويه: وإن كان ناقصًا فهو تام، وبه أخذ الخطابي. ثم يحتمل أن يكون انتفاء النقص عن مجموعهما، أي إذ نقص أحدهما كان الآخر كاملاً، وأن يراد انتفاء النقص عن كل واحد من الشهرين. وتعيين موقع الشهرين أهو في سنة واحدة فبدؤها المحرم، أم هو على الإطلاق كلما كان أحدهما ناقصاً كان الآخر تاما؟ وقد تردد الأفهام في هذا كله، وأقوال العلماء في تأويله موزعة على هذا الضابط، وقد استقصاه الشارح العيني. والذي ينبغي الاعتماد عليه أن انتفاء النقص عن مجموعهما، فإذا ثبت نقص أحد الشهرين ثبوتًا محققًا بالرؤية المحققة، أي كان تسعًا وعشرين فإن الشهر الآخر الآتي بعده يكون كاملًا ثلاثين ليلة. وهذا لا يترتب عليه أثر في الصوم ولا في الحج، فلعل ذكره جرى لبيان أن أشهر

стр. 54

السنة تتخالف بالزيادة والنقصان على التعاقب، فإذا كان أحد الأشهر تسعة وعشرين كان الشهر الموالي له ثلاثين، وهذا مطرد في كل شهر كيفما ابتدئ حساب الأشهر؛ لأن في حساب ظهور الأهلة كسرًا تجتمع منه ليلة شهرًا غب شهر. فيقتضي هذا أن العالم بحال أحد الشهرين رمضان أو ذي الحجة يغني عن تطلب رؤية الهلال للشهر الأخر. ولولا احتمال تعلق الزيادة بالأجر لوجب المصير إلى هذا الضابط. وأرى أن يجعل هذا أصلاً في تكذيب شهادة من يشهد برؤية الهلال على ما يخالف هذا الضبط على نحو ما قال مالك: «إن لم يُر هلال الشهر الموالي لشهر الصوم بعد ثلاثين صحوًا كذب شاهدًا رؤية هلال ذلك الشهر». * * * باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم وقع فيه قول أم سليم لرسول الله ﷺ [٣: ٥٣، ١٨]: (إن لي خويصة، قال: «ما هي؟ » قالت: خادمك). «الخويصة» - بضم الخاء وتشديد الصاد: تصغير خاصة، وهي الصفة أو القضية أو الحادثة التي تخص المرء، ومعنى تخصه تهمه ويكثر تفكره فيها أو ترددها عليه، والتزموا التأنيث فيها على تأويلها بالخصلة أو نحوها. فالمعنى: أن لها شيئًا يختص بها ويهمها؛ ولذلك قال لها رسول الله ﷺ : «ما هي؟ » وقولها: «خادمك أنس»، أي شأنه وجاله، فهي تطلب صلاح حاله بدعائه ﷺ .

стр. 55

كتاب الاعتكاف باب لا يدخل البيت إلا لحاجة وقع فيه قوله [٣: ٦٣، ١]: (عن عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن أن عائشة ﵂ قالت وإن كان رسول الله ... » إلخ. كذا رواه بعض رواة ابن شهاب عن عروة وعمرة جميعًا، ورواه مالك في «الموطأ» عن عروة عن عمرة، وقد بينته في «كشف المغطى» فأنظره هناك. وأما قول عائشة: «وإن كان رسول الله» إلخ، فقد أثبته المصنف بواو العطف إشارة إلى أنه بقية من حديث لعروة عند الليث عن ابن شهاب، ولعل أوله هو ما رواه مالك في «الموطأ» في جامع الحيضة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: (كنت أرجل رأس رسول الله ﷺ وأنا حائض). هذا ما ظهر لي، ولم أقف على حديث غير ذلك لعروة في هذا المعنى. * * *

стр. 56

كتاب البيوع باب شراء الطعان إلى أجل فيه قوله [٣: ٧٤، ١]: «ذكرنا عند إبراهيم الرهن في السلف فقال: لا بأس به». السلف في إطلاق المتقدمين يراد به السلم، وفي حديث ابن عباس [٣: ١١١، ١٤] قال رسول الله ﷺ : «من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم»، وأما ما نسميه اليوم بالسلف فذلك القرض في تعبير المتقدمين، وليس مراداً هنا؛ لأن مشروعية الرهن في القرض ثبتت بالقرآن. * * *

стр. 57

كتاب الشفعة باب أي الجوار أقرب [ ٣: ١١٥، ٦] «عن عائشة ﵂ قلت: يا رسول الله، إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك باباً»». الظاهر أن قولها: «إن لي جارين» كلام جرى على سبيل الفرض، والتقدير على نحو ما يجري في ألفاظ السائلين عن الفتوى؛ لأن عائشة لم يكن لها جيران، فإن بيتها في وسط بيوت بقية أمهات المؤمنين، ولا يعد ذلك جواراً؛ ولذلك ذكرت جارين ولم تقل جيران؛ لأن المقصود بيان طريق التفضيل، وقد جرى جواب رسول الله ﷺ إياها على نحو مجرى سؤالها. ويحتمل أنها أرادت أن لها جارين من خارج البيوت في سكك المدينة، فتكون التثنية في قولها: «جارين» لمجرد الفرض. * * *

стр. 58

كتاب الوكالة باب إذا وكل رجلاً .... إلخ فيه حديث أبي هريرة في توكيل رسول الله ﷺ إياه بحفظ زكاة الفطر، ووقع فيه [٣: ١٣٣، ٣]: (قال: «إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي .... فإنك لن يزال عليك من الله حافظٌ ولا يقربنك شيطانٌ حتى تصبح» إلى قوله: فقال النبي ﷺ : «أما إنه قد صدقك وهو كذوبٌ ... ذاك شيطانٌ»). قد صدق رسول الله ﷺ ما أخبر به الشيطان أبا هريرة، فدل على أن الشيطان قد علم علماً من فضائل القرآن في صفة خاصة في قراءة آية منه، فيحتمل أن ذلك العلم قد صار له من استراقه السمع من الملأ الأعلى، أو من استماعه للنبي ﷺ ، إذ يجوز أن النبي قد علم ذلك بعض أصحابه ولم يعلمه أبا هريرة، أو من مشاهدته أثر قراءة آية الكرسي ممن يتعوذ بها عند نومه فيجد الشيطان نفسه ممنوعاً من الوصول إليه. * * * باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع أو مجاوزة الحد الذي أمر به فيه حديث أبي أمامة الباهلي قال [٣: ١٣٥، ١٦]: (ورأى سكة وشيئاً من آلة الحرث فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الذل»). قال في «فتح الباري»: أشار البخاري بالترجمة إلى الجمع بين هذا الحديث وبين حديث أنس المتقدم في الباب قبله «باب فضل الزرع والغرس» بأن يحمل ما ورد من الذم على عاقبة ذلك، ومحله ما إذا اشتغل به فضيع بسببه ما أمر بحفظه، وإما أن يحمل على ما إذا لم يضيع إلا أنه جاوز الحد فيه. ا. هـ.

стр. 59

وأنا أقول: شأن النبي ﷺ كالطبيب يعطي الأمزجة ما يصلحها، فإذا رأى من ذلك إفراطاً ينقلب إصلاحه إفساداً عدله بحالة أخرى، والأشياء التي يوجد في النفوس دافع إليها بالشهوة قد يكون فيها صلاح وقد يشاب صلاحه بفساد، فالاكتساب مطلوب للنفوس، والحرث بخاصة مرغوب لبعض الأمم. وقد أظهر حديث أنس ما في الزرع من الفضل لصاحبه. وجاء ما في حديث أبي أمامه مشيراً إلى ما يقتضيه الشغل بالحرث من اعتلاق القلب به والتباعد عن الخصال التي يقتضيها غالب حال أهل البادية العربية من الاكتساب بالرماح، أعني الغارة، فإن الإسلام هذبها بالجهاد، وفي طباع أهل الغارة ما يعين على الإقبال على الجهاد، فلما كان في التعلق بالحرث ما قد يغلب على شجاعة الأمة أشارت رواية أبي أمامة إلى إيقاظ أهل الحرث إلى الحفاظ على ما تقتضيه عزة الأمة من الشجاعة، فإن في طبع التعلق بالكسب أن يثبط صاحبه عن الارتماء بنفسه في الأخطار، وذلك يجر إلى الذل، فعلى المسلم الحفاظ على عزته، وأن يحذر ما يعقبه حب الحرث من الذل الذي يسري في النفس رويداً رويداً حتى يُغشى عليها، فأراد الرسول ﷺ التنبيه إلى آثار سبب واقعي، ليأخذ المسلم في الحذر من آثاره بتربية النفس على عدم التأثر به، ولا يقتضي ذلك تحريماً ولا كراهة شرعيين ولكنه تعليم وإيقاظ. * * * باب إذا قال اكفني مؤونة النخل وتشركني في الثمر فيه قول أبي هريرة [٣: ١٣٦، ١٥]: (قالت الأنصار للنبي: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: «لا» فقالوا: تكفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا واطعنا). هكذا وقع لفظ هذا الحديث في مواضع أربعة من صحيح البخاري إلا أنه وقع في «باب الإخاء بين المهاجرين والأنصار من كتاب المناقب» [٥: ٣٩، ١٩]. (قال: تكفونا) عوض (فقالوا: تكفونا)، واتفق الشارحون على أن ضمير (قال) عائد إلى الأنصار حملاً على رواية (فقالوا)، وعليه يتجه إشكال في قوله:

стр. 60

(قالوا: سمعنا وأطعنا) لمن يرجع ضمير (قالوا: سمعنا وأطعنا)، اتفق الشارحون على إرجاع الضمير للمهاجرين والأنصار. وفسروا قولهم: «وأطعنا» بما يقتضي أن مفعوله المحذوف تقديره: وأطعنا النبي ﷺ . وجرى كلام الشارحين على أن معنى الطاعة طاعة الجميع للنبي ﷺ ، أي أطاع الأنصار النهي عن قسمة النخل والإشراك في الثمرة، وأطاع المهاجرون التعهد بكفايتهم المؤونة والإشراك في الثمرة أيضاً. وعلى هذا المهيع يتعين تقدير كلام محذوف في كلام الراوي، وهو أنهم لما قالوا ذلك رضي النبي ﷺ ، فمعنى «أطعنا» أطعنا ما رضي به النبي ﷺ . والذي يبدو لي: أن كلمة «سمعنا وأطعنا» تقال عند التعاقد بين المتعاقدين، والمعنى: سمع كل ما قاله الآخر، والطاعة بمعنى الرضا، وليس مدلول مادة الطاعة بمشروط فيه أن يكون المطاع صاحب أمر على المطيع وإن كان ذلك غالباً. ويجوز أن يحمل قوله: «قال: تكفونا المؤونة» أنه من قول النبي ﷺ ، وأن ضمير المتكلم ومعه غيره في قوله: «تكفونا» أراد به نفسه والأنصار، فهو ناظر إلى قوله في الحديث: «لولا الهجرة لكنت أمراً من الأنصار» [٥: ٣٨، ١٨]، وعليه يبقى استعمال الطاعة على المشهور فيه. * * *

стр. 61

كتاب المزارعة باب فيه عن ابن عمر عن أبيه [٣: ١٤٠، ٦]: «أن النبي ﷺ أرى وهو في معرسه بذي الحليفة في بطن الوادي فقيل له: إنك ببطحاء مباركةٍ». * * * [٣: ١٤٠، ١٢]: (عن ابن عباس عن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «الليلة أتاني آتٍ من ربي، وهو بالعقيق أن صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرةٌ في حجةٍ»). قد أشكل على جميع الشارحين جعل هذا الباب كالتبع لـ «باب من أحيا أرضاً مواتاً»، وتخريج هذين الحديثين فيه، وحاولوا إبداء مناسبة في ذلك على آراء أربعة، بعضها أقرب من بعض، استقصاها ابن حجر في «فتح الباري»، وقال العيني في «عمدة القاري» بعد أن أشار إليها إجمالاً: والكل لا يشفي العليل ولا يروي الغليل فلذلك تركناه. وإن كل ما أبدوه من التوجيهات يبطله أمران مهمان: أحدهما: أن لا وجه لتخصيص معرس ذي الحليفة ووادي العقيق بالتنبيه على هذا الحكم لهما؛ إذ كان يقتضي أن يذكر كل ما ورد في مكان أنه لا يجوز إحياؤه أو أنه قد أرصد لجميع المسلمين لا يجوز لأحد منع مكان منه. ثانيهما: أن ليس في الحديثين ما يستدل منه على ذلك. والذي بدا لي من دقيق صنيع الإمام البخاري هنا: أنه ترك الباب بلا ترجمة، وأحسب لأنه لم ينفصل على وجه العمل في هذا، ولا على استخلاص الفقه فيه، فتركه بلا ترجمة إلى أن يتضح له فيه قول فصل، ولعله حال دونه وفاة المؤلف ﵀. وقد اختلف العلماء في مكة وما حولها أفتحت عنوة م صلحاً؟ وكان الذي عليه رأي أهل السداد، منهم: مالك بن أنس وموافقوه: أنها فتحت عنوة، وكيف

стр. 62

تكون صلحاً وقد دخلها رسول الله ﷺ والجيش، ولاذت قريش بالفرار ودخلوا دار أبي سفيان، والمسجد الحرام طلباً للأمان، وقد روى أبو عبيد القاسم بن سلام عن عائشة قالت: (قلت يا رسول الله، ألا نبني لك بيتاً أو بناءً يظللك من الشمس تعني بمكة، فقال: «لا، إنما هي مناخ من سبق»). وروي عن مجاهد: أراه رفعه: «مكة مناخ لا تُباع باعها ولا تؤخذ إجارتها ولا تحل ضالتها إلا لمنشد»، وقد كان عمر بن الخطاب ينهى أن تغلق دور مكة دون الحاج، وأنهم يضطربون فيما وجدوا منها فارغاً، وعن ابن عباس «الحرم كله مسجد»، وعن عطاء: «الحرم كله مقام إبراهيم». ومعنى ذلك كله أن أرض الحرم لها حكم المساجد، ويعضده قول رسول الله ﷺ «أنه أوحي إلي في الرؤيا أن بطن الوادي بطحاء مباركة، وأن صلِّ في العقيق فإنه وادٍ مبارك» فأراد أن مواضع المناسك لها حكم المساجد، فليست هي من الموات، فلا يجوز فيها إقطاع ولا إحياء ولا احتجار ولا منع، ولكن يجوز الانتفاع فيها بما لا يعطل مقاصد المسلمين من التبرك بالمواضع المباركة منها. وذلك أخص من أرض العنوة وأرض الصلح كلتيهما، فلعل البخاري يقصد تفسير قول من يقول: إن مكة فُتحت عنوة، أنها لا ملك فيها لأحد، بخلاف أرض الصلح، وأنها لا يجوز إقطاعها، ولا إحياء مواتها إحياء تملُّك؛ لأنها كالمساجد. وفيه الرد على ما نسبه أبو يوسف في «كتاب الخراج» إلى الخوارج أنهم جعلوا القرى العربية بمنزلة القرى العجمية، والله أعلم. * * * باب ما كان أصحاب النبي ﷺ - يواسي بعضهم بعضاً ..... إلخ فيه حديث [٣: ١٤١، ٥]: «رافع بن خديج عن عمه ظهير بن رافع قال: لقد نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان بنا رافقاً، قلت: ما قال رسول الله ﷺ فهو حق، قال: دعاني رسول الله ﷺ -

стр. 63

قال: «ما تصنعون بمحاقلكم؟ » قلت: نؤاجرها على الربع وعلى الأوسق من التمر والشعير، قال: «لا تفعلوا، ازرعوها أو أزرعوها أو أمسكوها». قال رافعٌ: قلت: سمعاً وطاعةً». إن كان الضمير في قوله: «كان بنا رافقاً» عائداً على قوله: «أمر» على أن الفعل صفة، أي نهانا عن أمر كان فيه رفق لنا، أي ربح ومساعدة، وهو ظاهر سياق لكلام، وظاهر قول رافع له: «ما قال رسول الله ﷺ فهو حقٌ» إزالةً ملا يوهمه قول ظهير من أن رسول الله ﷺ نهى عن أمر فيه نفع، مع أن المنهي عنه لا يكون إلا فاسداً. وقول رافع أيضاً: «قلت: سمعاً وطاعةً» الدال على أن في هذا النهي إعراضاً عن منافع كانت لهم، إن كان ذلك فمطابقة الترجمة في قول رسول الله «أو أزرعوها» أي أعطوها لمن يزرعها على سبيل المواساة. وإن كان الضمير عائداً إلى قول رسول الله ﷺ على أن الجملة حال من «رسول الله»، أي نهانا قصداً للرفق بنا؛ لأن في أمره بأمور رفقاً بضعفائهم في واحد من تلك الثلاثة، فيكون مطابقة الحديث للترجمة في قول ظهير بن رافع: «كان بنا رافقاً»، أي نهانا عن أمر قصد به الرفق بضعفائنا. وعلى الوجهين فمحمل النهي عند البخاري على الكراهة، ومحمل الأمر بواحد من الثلاثة على قصد الرفق والمعروف. * * ووقع فيه قول [٣: ١٤١، ١٧]: «نافع أن ابن عمر ﵁ كان يكري مزارعه على عهد النبي ﷺ وأبي بكرٍ وعمر وعثمان وصدراً من إمارة معاوية». ولم يذكر مدة علي ﵁؛ ولعل سبب ذلك أن المدينة لم تكن في مدة علي تابعة لعلي ولا لمعاوية، فلم يكن ينسب العمل فيها إلى أحد من الخلفاء، فرأى نافع أن لا حجة في تلك المدة بفعل أحد من الخلفاء ولا الأمراء المبعوثين منهم حتى استقر الأمر لمعاوية بعد انخلاع الحسن؛ ولذلك كان مراد ابن عمر بالإمارة هو الخلافة، وإنما سماها إمارة نظراً إلى ما وقع من الاختلاف قبلها. * * *

стр. 64

كتاب الاستقراض باب حسن القضاء وقع فيه قول أبي هريرة [٣: ١٥٣، ١٥]: (كان لرجل على النبي ﷺ سن من الإبل فجاءه يتقاضاه، فقال النبي ﷺ : «أعطوه»، فطلبوا سنة فلم يجدوا له إلا سناً فوقها، فقال: «أعطوه .... إن خياركم أحسنكم قضاءً». السن: الحد من العمر في الأنعام، سمي بالسن لأنهم يعرفون أعمار الأنعام بنبات عدد من أسنانها في أفواهها؛ ولذلك تسمى الناقة التي دخلت في السنة الثالثة مسنة؛ لأنها بدلت أسنانها. ولما كان إبان نبات الأسنان وتبديلها في الحيوان هو إبان شبابها وفتوتها، فذلك هو وقت نمائها ثم قوتها، فمعنى قول الراوي: «فلم يجدوا له إلا سناً فوقها»، أي أعلى منها وأنفس وأكثر سنين، والمراد: أنها أكثر في سني الفتوة، فليست الهرمة بالتي توصف بأنها أعلى سناً، ألا ترى قول النبي ﷺ «أعطوه إن خياركم أحسنكم قضاءً». وقد أهمل هذا اللفظ عياض في «المشارق»، وقصر فيه ابن الأثير في «النهاية». * * * باب الربط والحبس في الحرم فيه قول البخاري [٣: ١٦١، ١٤]: «واشترى نافع بن عبد الحارث داراً للسجن بمكة من صفوان بن أمية على أن عمر إن رضي فالبيع بيعه وإن لم يرض عمر فلصفوان أربعمائة دينارٍ». هو مشكل؛ لأن ظاهره أن الأربعمائة تكون لصفوان بدون عوض، فيكون من بيع العربان وهو أكل مال بالباطل، ولم يجب عنه ابن حجر والعيني والقسطلاني بجواب مستقيم.

стр. 65

والذي يظهر لي: أن المراد أن نافعاً اشترى الدار لعمر، إن رضي الدار والثمن، وإن لم يرض كانت الدار بيعاً لنافع بأربعمائة دينار، فليس من بيع العربان وإنما هو بيع خيار لعمر، ولزوم لنافع إن لم يرض عمر بها، أما عمر فلا يلزمه الشراء، ولا قدر الضمن، بل بما يتراضى عليه مع صفوان. ويحتمل أن نافعاً اكترى الدار من صفوان ليجعلها سجناً؛ إذ كان ناقع أمير مكة، ثم رأى أن يشتريها لبيت المال، وتوقف على إذن عمر، فقوله: «فلصفوان أربعمائة»، أي كراء للدار لمدة عيناها بينهما. وعلى هذا الاحتمال تكون زيادة «دينار» الواقعة في رواية أبي ذر صحيحة، فإن أكثر الروايات ليس فيها تلك لزيادة ويكون مميز الأربعمائة محذوفاً، أي درهم. * * *

стр. 66

كتاب اللقطة باب ضالة الإبل [ ٣: ١٦٣، ٣] عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فسأله عما يلتقطه، فقال: «عرفها سنة ثم احفظ عفاصها ووكاءها فإن جاء أحدٌ يخبرك بها وإلا فاستنفقها»، قال: يا رسول الله، فضالة الغنم؟ قال: «لك أو لأخيك أو للذئب»، قال: ضالة الإبل؟ فتمعر وجه رسول الله ﷺ فقال: «ما لك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يأتيها ربها». الظاهر أن الأعرابي هو أبو ضبيب- بضم الضاد المعجمة- البلوى، من الذين جاؤوا النبي ﷺ مع وفد بلي، فقد ذكر أهل السير أن أبا ضبيب هذا سأل رسول الله ﷺ عن ضالة الغنم وضالة الإبل، ولم يذكروا أنه سأله عن اللقطة، فاستفيدت زيادة اللقطة من هذا الحديث. وقوله ﷺ : «هي لك أو لأخيك أو للذئب» إذنٌ له بأخذها، أي إن لم تأخذها أنت ولم يأخذها رجل آخر أكلها الذئب في الليل، أي: وليس غيرك بأولى منك بأخذها، فخذها، فسلك رسول الله ﷺ في صيغة الإذن له طريق الاستدلال على وجه لإذن له بأخذها وجاء فيه طريق الكناية مع ضرب من المحاجاة على طريقة العرب في أجوبتهم، وخاصة أهل البادية فإنهم مولعون بمثل هذه الطريقة في محاجاتهم ومحادثاتهم. فالمراد بالأخ في قوله: «أو لأخيك» المماثل، أي في الإنسانية أو في كونه من أهل قبيلته؛ لأن الضالة إنما تكون حول ديار القوم ومراعيهم، وقريب منه قولهم: يا أخا العرب. وقوله: «فتمعر وجه رسول الله ﷺ »، أي تغير لونه إلى الحمرة من الغضب، كما دل على ذلك في رواية سفيان هذا الحديث في باب: إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة [٣: ١٦٤، ١٨]: «فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه أو احمر وجهه». ولم يبين الشارحون سبب غضب رسول الله ﷺ لسؤال السائل.

стр. 67

وسبب ذلك: أن رسول الله ﷺ كان يكره الفضول والتكلف ويحب أن يكون سامعوه فطناء أذكياء، ألا ترى أنه سر من زكانة وفد اليمن، فقال لهم: «علماء حكماء كادوا من صدقهم أن يكونوا أنبياء». فإن رسول الله ﷺ لما بين له علة الإذن في أخذ ضالة الغنم كان كافياً للسائل أن يعلم أن ضالة الإبل ليست كذلك؛ إذ لا يخشى عليها التلف؛ إذ لا يفترسها وحش، فإن بلاد العرب لم يكن في ديار قبائلها غير الذئب والضبع، وهما لا يفترسان البعير، أما الأسد فإنها تكون بعيدة عن المنازل، وتأوي إلى المنقطع من الأرض، فمصادفتها ضالة الإبل نادرة جداً؛ فالسؤال عنها فضول وتفيهق. * * *

стр. 68

كتاب المظالم باب الغرفة والعلية فيه قول عمر بن الخطاب [٣: ١٧٥، ١٣]: «ثم جمعت علي ثيابي». وقد تقدم في أول كتاب الصلاة أن جمع الثياب لبس جميع ما يلبسه الناس عادة عند الخروج، فللرجل إزار ورداء وعمامة، وللمرأة إزار ودرع وملحفة وخمار؛ ولذلك صار يستعمل كناية عن إرادة الخروج كما وقع هنا. * * ووقع فيه أيضاً قول عمر [٣: ١٧٥، ١٦]: «فخرجت فجئت المنبر فإذا حوله ناسٌ يبكي بعضهم». كذا وقع هنا وفي صحيح مسلم، ووقع في رواية من صحيح مسلم: «فإذا الناس ينكتون بالحصى، ويقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه»، فقال النووي في شرحه: هو فعل المهموم المفكر. وقال عياض: فيه اهتمام المسلمين بما أهم رسول الله ﷺ ، واجتماعهم لذلك. ا. هـ. وأقول: وقع في رواية مسلم: «وذلك قبل أن يؤمرون بالحجاب»، وهذه الزيادة تنبئ بأن بكاء بعض الناس إنما كان رقة لأزواج رسول الله ﷺ فبكوا لبكائهن. * * ووقع فيه قوله [٣: ١٧٦: ٤]: «حشوها ليفٌ». فهو بفتح الحاء: اسم لما يحشى به، وقد جاء هذا الاسم على زنة مصدر فعله.

стр. 69

باب النُّهيا بضم النون وبالقصر، مصدر بوزن الرجعي، وهي: أخذ الشيء باختطاف غصباً على صاحبه، وكانت من فعل الشطار في الجاهلية؛ يختطف أحدهم الشيء ويفر به، فهي ضرب من الخلسة؛ ولذلك جاء النهي عنها بطريقة التغليظ بسلب الإيمان عن فاعلها حين يفعلها. وخصت بالنهي لأنهم كانوا يفعلونها على إيهام المزاح، فإذا أمسك المنتهب أظهر أنه مازح، وإذا عجز صاحبها عن إدراك المنتهب فاتت عليه، فأما الغارة فإنها مصحوبة بالسلاح فالاستعداد للدفاع متوقع، وقد تقرر النهي عنها بوجه لم يبق معه احتمال استباحة الناس إياها بخلاف النُّهيا، وأما الانتهاب في العطايا في الأعراس والإملاك فذلك مباح، وكرهه مالك لما فيه من منافاة المروءة، وما ينشأ عنها من التراجم والتشاتم. * * *

стр. 70

كتاب الهبة باب فيه قول [٣: ٢١٥، ١٨]: «ابن أبي مليكة أن بني صهيب مولى ابن جدعن ادعوا بيتين وحجرة أن رسول الله ﷺ أعطى ذلك صهيباً، فقال مروان: من يشهد لكما على ذلك؟ قالوا: ابن عمر، فدعاه، فشهد: لأعطى رسول الله ﷺ صهيباً بيتين وحجرة فقضى مروان بشهادته». أورد عليه إشكال قضاء مروان بن الحكم بشهادة عدل واحدة، فقيل: أراد الراوي مع يمين المدعين، وهو مردود بأن ذلك لم يذكر، ومثله لا يهمل؛ إلا أن يراد أن مثل ذلك معروف من تصرفات الحكام فلا يحتاج إلى ذكره، وقيل: لعل مروان كان يرى القضاء بشهادة عدل واحد مبرز في العدالة مثل شهادة خزيمة، وقد نقل عن شريح القاضي أنه كان يرى مثل هذا. وعندي: أن هذا يحتمل وجهين، أحدهما: وهو الأظهر: أن البيتين والحجرة كانت غير مملوكة لأحد؛ لأنها مما أحياه رسول الله ﷺ من موات الأرض في المدينة حين بني المسجد في بعض مقابر المشركين، وفي خرب غير مملوكة، وفي خرب لبعض أهل المدينة جعلوها لرسول الله ﷺ ، فقد ورد أن البيتين والحجرة كانت لأم سلمة، فهي إذن من توابع حجر النبي ﷺ فيكون إعطاء رسول الله ﷺ صهيباً إياها من باب الإقطاع، وهو تصرف بوجه الإمامة لا بوجه نقل الأملاك، فيكون طلب مروان الشهادة على ذلك من باب طلب ما يثبت أن رسول الله ﷺ تصرف هذا التصرف لينفذه مروان لكونه أمير المدينة، فإن شأن الأمراء إنفاذ أعمال المتصرفين قبلهم من الأئمة والأمراء، فرجع ذلك إلى الخبر لا إلى الشهادة، والخبر يُكتفَي فيه بالواحد مثل مزكي السر، ومقوم العيب، وقائس الجرح، فإخبار ابن عمر قام عند مروان مقام ما يجده الأمير والقاضي في ديوان سلفه من خطاب بثبوت شيء أو إنفاذ أمر. وقد أعطى أبو بكر جابر بن عبد الله ما وعده رسول الله ﷺ من مال البحرين بمجرد قوله له: (إن رسول الله ﷺ قال: «لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا

стр. 71

وهكذا وهكذا») [٤: ١١٠، ١١٢]. والحاصل أن تصرف مروان كان تصرف إمارة لا تصرف قضاء، وهو أوسع من تصرف القضاء، ويدل لذلك أن البيتين والحجرة لم تكن في يد آخر، فليس ادعاء بني صهيب إياها بنازلة قضائية، بل الظاهر أن مروان أراد نزعها منهم ظناً بأن تصرفهم فيها تصرف افتيات أو انتفاع؛ فلذا احتاج إلى إثبات أن رسول الله ﷺ أعطاها صهيباً. وإطلاق اسم الشهادة على خبر ابن عمر تسامح، وربما يؤيد ذلك بمجيء لام القسم في قوله: «لأعطى رسول الله ﷺ صهيباً ..... » إلخ؛ لأن التأكيد بالقسم من خصائص الخبر دون الشهادة، وإن كانت الشهادة خبراً. فإن قيل: يمنع من هذا قول الفقهاء: «إن إحياء الموات والإقطاع لا يكون في المدن والمعمور من الأرض». قلنا: تصرف رسول الله ﷺ في ذلك بالمصلحة التي تقبل من غيره، ولعله أراد تعمير ما حول المسجد أو لغير ذلك، على أن الاختلاف كثير في أحكام الإقطاع وصفاته. والوجه الثاني: أن يكون مروان جعل شهادة ابن عمر مع حيازة أبناء صهيب بمنزلة حصول شاهدين؛ لأن الحوز شاهد عرفي؛ لأن الأصل عدم العداء، وقد اعتبرنا الحوز شاهداً عرفياً في بعض المسائل مثل حوز الرهن، وإرخاء الستر على المرأة، وعند تكافؤ البينتين المتعارضتين؛ لكنا اعتبرناه كذلك في أنه يعضد باليمين، ولا بعد في أن يحمل كذلك إذا عضد بشاهد آخر وهو أحرى بالاعتبار من الاعتضاد باليمين، فهذا تفسير هذا الحديث. * * *

стр. 72

كتاب الشهادات باب اليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود [٣: ٢٣٢، ٢٠]: (وقال النبي ﷺ : «شاهداك أو يمينه». وقال قتيبة: حدثنا سفيان عن ابن شبرمة قال: كلمني أبو الزناد في شهادة الشاهد ويمين المدعي، فقلت: قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، قلت: إذا كان يكتفى بشهادة شاهدٍ ويمين المدعي فما تحتاج أن تذكر إحداهما الأخرى، ما كان يصنع بذكر هذه الأخرى؟ ). ظاهر الترجمة: أن البخاري ﵀ لا يرى القضاء بالشاهد ويمين المدعي في الأموال؛ ولذلك ترجم بما يقتضي حصر اليمين في كونها على المدعى عليه في الأموال والحدود. واحتج الحديث: «شاهداك أو يمينه» المقتضي منع خلو القضاء للطالب عن أحد أمرين: إما أن يأتي بشاهدين، أو يحلف المدعي عليه ولم يقل له: أو شاهد مع يمينك، واستأنس لذلك بما احتج به عبد الله بن شبرمة على أبي الزناد، وهو دليل ضعيف؛ لأن طرق الحق غير منحصرة فيما جاء به القرآن، فإن السنة قد أثبتت أشياء كثيرة لم ترد في القرآن. والقول الفصل في هذا: أن القرآن أخبر بطريق كمال التوثق للحقوق في المعاملات المالية، وذلك بإعداد الشهادة على التداين حتى لا تكثر الخصومات، وسكت عما عدا ذلك؛ لأنه لا يحب تقصير الناس في ذلك بالتفريط، فإن وقع التفريط فقد بينت السنة أن للحق طريقاً آخر يصار إليه عند الاضطرار من يمين المدعى عليه، أو يمين المدعي مع شاهده، فليس في القرآن شرع يمين المدعى عليه، وقد ثبت بالسنة إذا لم يجد المدعي بينة، فالقرآن بين لنا سبيل التوثق، والسنة أثبتت حكم عدم ذلك، فإنه لما عجز المدعي عن البينة نهض إنكار المدعى عليه، فكمل نهوضه بيمينه. وهنالك حالة مركبة منهما، وهي أن يوجد جزء بينة، أي شاهد واحد ذكر

стр. 73

أو امرأتان فقط، وحكم هذه الحالة ثبت في السنة أن المدعي يكمل شهادته بيمينه، كما كمل المدعى عليه نهوض إنكاره بيمينه، وأي بدع في ذلك؟ وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قضى بالشاهد واليمين، وهو في صحيح مسلم مسنداً، وفي الموطأ مرسلاً عن محمد بن علي بن الحسين، ومضت السنة به في المدينة دار العلم والسنة. وقد تصدى مالك ﵀ في الموطأ إلى رد قول ابن شبرمة ودليله؛ فقال: «فمن الحجة على من قال ذلك القول إن يقال له: أرأيت لو أن رجلاً ادعى على رجل مالاً، أليس يحلف المطلوب: ما ذلك الحق عليه، فإن حلف بطل ذلك عنه، وإن نكل عن اليمين حلف صاحب الحق: إن حقه لحق، ويثبت حقه على صاحبه. فهذا ما لا اختلاف فيه عند أحد من الناس ولا بلد من البلدان فبأي شيء أخذ هذا أو في كتاب الله وجده. فإن أقر بهذا فليقر باليمين مع الشاهد، وإن لم يكن ذلك في كتاب الله. وإنه ليكفي من ذلك ما مضى من السنة، ولكن المرء قد يحب أن يعرف وجه الصواب ومواقع الحجة. ففي هذا بيان إن شاء الله. * * * باب القرعة في المشكلات فيه حديث النعمان بن بشير رضي لله عنهما [٣: ٢٣٧، ١٦]: (قال النبي ﷺ : «مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينةً فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها فكان الذين في أسفلها يمرون بالماء على الذين أعلاها فتأذوا به فأخذ فأساً فجعا ينقر أسفل السفينة فأتوه» فقالوا: ما لك؟ قال: «تأذيتم بي ولابد لي من الماء. فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهم وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم»). وقع هذا الحديث في كتاب الشركة [٣: ١٨٢، ١٤] من رواية زكرياء عن الشعبي بلفظ: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها». واللفظ لفظ رسول الله ﷺ -

стр. 74

فالظاهر أن النعمان حدث به مرة بلفظ: «القائم» ومرة بلفظ: «المدهن»، فيتعين أن يكون اللفظان بمعنى واحد، فالمراد بـ «القائم». الواقف عند الحد لم يقتحمه ولم يبعد عنه، فهو يرى الواقع في الحدود، ولكنه لا يقع معه. وكذلك «المدهن»: هو الذي يرى الواقع في الحدود ولا يجترئ على أنه ينهاه ويمنعه، فهو يصانعه؛ فلذلك سمي مدهناً؛ لأن الإدهان هو المصانعة. ولعل رسول الله ﷺ قد مثل مرة بالقائم ومرة بالمدهن، وسمع منه النعمان بن بشير كليهما، فحدث مرة بهذا ومرة بهذا، أو كذلك حدث الشعبي عن النعمان بن بشير. وقوله: «كمثل قوم استهموا سفينة» إلى قوله: «فأخذ فأساً» هو تمهيد للتمثيل المقصود التشبيه به، وليس هو جملة التمثيل، ولكنه تصوير للحالة التي يترتب عليها التمثيل. فمحل التمثيل هو قوله: «فأخذ فأساً» إلى آخر الحديث. وقد فُهِم من قوله: «فإن أخذوا على يديه» وقوله: «وإن تركوه» إلخ، تفصيل حالتي المدهن، أي إن استمر المُدهن على إدهانه أهلك وهلك، وإن أخذ بالنهي والزجر أنجى غيره ونجا. فالمشبه بالفريق الذي في أعلى السفينة هو غير الواقع في حدود الله باختلاف حالتيه، والمشبه بالفريق الذين أخذوا ينقرون السفينة هو الواقع في حدود الله. * * *

стр. 75

كتاب الصلح باب كيف يكتب: هذا ما صالح فلان .... إلخ فيه قوله في حديث البراء بن عازب [٣: ٢٤٢، ٦]: «فلما دخلها ومضى الأجل أتوا علياً فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل». أي فلما دخل رسول الله ﷺ مكة معتمراً ومضت ثلاثة الأيام المشترطة على المسلمين، أي أصبحوا في اليوم الرابع، ولم يأمر رسول الله ﷺ المسلمين بالخروج. وفي ذلك سرٌّ دقيق من أسرار الوفاء بحقوق الله. فإن المشركين منعوا رسول الله ﷺ من إقامة أكثر من ثلاثة أيام ظلماً منهم، إذ لا حق لهم في المسجد الحرام، وما كانوا أولياءه؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ .... ﴾ [البقرة: ١١٤]. فلما التزم لهم رسول الله ﷺ بما اشترطوا عليه كان التزامه من ارتكاب أخف الضررين؛ كيلا يمنعوه من دخول مكة بتاتاً. ولما كان ذلك الشرط إنما لزمه لأجل اشتراط المشركين عليه لم يكن من أداء حق الله تعالى في الدفاع عن الحق المغصوب أن يبدأ بالخروج قبل أن يأمروه به، لجواز أن تسمح نفوسهم بزيادة بقائه، فيكون في بقائه زيادة من العبادة والتمتع بالحق المسلوب. وليس في تأخيره الخروج إبطال للعهد؛ لأنهم لما أمروه الخروج لم يمتنع منه. وهذا العمل أصل عظيم للمسلم في تبرئة ذمته من التقصير في الأمور الدينية بقدر الإمكان والاستطاعة، فتلك معذرة إلى الله تعالى. وبهذا نعلم أن من فسر قوله: «ومضى الأجل» بمعنى قرب مضيه لئلا يلزم عدم الوفاء بالشرط، فد أخطأ فهماً ونظراً؛ أما الفهم فلأن قوله: «قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل» صريح في أنه مضى الفعل، أو ما كان لهم أن يقولوا له: «اخرج عنا» قبل مضيه. وأما النظر فلتعليله المغفول فيه كما بيناه. * * *
следующие страницы →