Полный текст (696 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب تمِّم
الحمد لله كما هو أهله ومستحقه. والصلاة على رسوله محمد وآله.
قال الإمام الأجل الكبير، الأستاذ شيخ الإسلام علاء الدين عالم علماء الشرق والصين، محمد بن عبد الحميد ﵀:
وبعد- فإني كنت جمعت "طريقة الخلاف" وأدرجت في أثناء مسائلها قدر ما يحتاج فيها من أصول الفقه على وجه الاقتصار والاقتصاد، ثم إن بعض الأعزة من أصحابي لم يقنع بذلك، وسألني أن أؤلف فيه جمعًا مفردًا، يأتي على جميع أبوابها، وأستوفى الكلام في كل باب منها، على الرسم المعهود في مثله- فأجبتهم إلى ذلك، وسألت الله تعالى التوفيق لإصابة الحق، والعصمة عن الخطأ، إنه على ذلك قدير.
стр. 2
[المقدمة]
١ - باب - بيان وجوب العلم بأصول الفقه. وكيفية وجوبه .
أما وجوبه:
فلتعلق دفع أعلى المضار به، وهو العقاب في الآخرة.
بيانه: أن دفع العقاب في الآخرة إنما يحصل بالجري على قضايا الأحكام الشرعية. ولا حصول للعلم بالأحكام الشرعية إلا بالعلم بأصول الفقه. فصار العلم بأصول الفقه شيئًا لا مدفع للعقاب بدونه، وما هذا حاله، فهو واجب عقلًا وشرعًا.
وأما كيفية وجوبه:
فهو واجب على التعيين في حق من تعين لذلك وتصدى به لفتوى العوام وتقليدهم إياه: إما بتعيين النبي ﵇ إياه، أو بتعيينه نفسه بالتصدي لذلك، لأن المقصود لا يحصل بدونه.
وفي حق العوام واجب على البدل، لأن المقصود يحصل بدونه، وهو تقليد العالم وإتباع فتواه.
٢ - باب- ماهية أصول الفقه. وكيفية الاستدلال به . وما يتبع كيفية الاستدلال [بها]:
[ماهية أصول الفقه]:
فنتكلم أولًا في الفقه، وأصوله- لأن قولنا "أصول الفقه" مشتمل عليهما.
стр. 3
أما الفقه:
ففي اللغة عبارة عن الفهم والمعرفة- فقال الله تعالى: ﴿لَاّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ أي لا يفهمون. وقال تعالى: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ أي يفهموا. ومنه قول القائل "فقهت كلامك" أي عرفت غرضك ومقصودك.
غير أنـ[ـه] في عرف الفقهاء يفيد جملة من العلوم بأحكام شرعية، وهي الأحكام المستفادة بالشرع، لا الأحكام المدركة بالعقل، فإن للأفعال: أحكامًا عقلية نحو: كون الفعل عرضًا ويفتقر إلى محل يقوم به، ومخالفًا للجوهر،
стр. 4
وكونه كونًا وحركة وسكونًا ونحو ذلك. وأحكامًا شرعية من نحو: كونه حسنًا ومباحًا ومندوبًا وواجبًا وقبيحًا وحرامًا ومحظورًا ومكروهًا: فالحَسن هو المختص بحال يقتضي استحقاق المدح عليه. والمباح ما أزيل عنه الحظر والمنع ممن يتوقع منه ذلك. والمندوب ما بُعث المكلف عليه من غير إيجاب. والواجب هو المختص بحال يقتضي استحقاق الذم على الإخلال به. والقبيح هو المختص بحال يقتضي استحقاقه الذم عليه. والحرام هو المختص بحال يقتضي المنع منه والذم عليه. والمحظور ما منع عنه بالزجر لا بالحبس، فإن من قبض على يد غيره لا يقال "حظر عليه البطش". والمكروه ما الأولى أن لا يفعل- فالفقه عبارة عن معرفة هذه الأحكام دون العقلية.
стр. 5
وأما الأصل:
ففي اللغة عبارة عما يبتني عليه غيره ويتفرع عليه سواه، كأساس الجدار وساق الشجر ونحو ذلك.
فقولنا "أصول الفقه":
على موجب اللغة يفيد ما يتفرع عليه الفقه. وذلك يوجب أن يكون العلم بالله تعالى وبصفاته وبالنبوات من أصول الفقه، لما أن الفقه يتفرع عليه. غير أنـ[ـه] في عرف الفقهاء يفيد ما يؤدي إلى الفقه من الطرق. وذلك ضربان: دلالة وأمارة.
فالدلالة- هي التي النظر الصحيح فيها يفضي إلى العلم بالمدلول قطعًا، ككتاب الله تعالى والخبر المتواتر وإجماع الأمة.
والأمارة- هي التي النظر الصحيح فيها يفضي إلى غالب الظن، كخبر الواحد والقياس.
فالعلم الذي يوصلنا إلى الدلالة- هو الأمر الذي يوجب كون من قام به عالمًا. أعني يوجب التفرقة المعلومة بالضرورة بين المتيقن بالشيء المستبين له والجاهل به والشاكِّ فيه- على ما مرَّ في موضعه.
والظن- هو غلبة أحد التجويزين على الآخر في القلب والاعتقاد.
ثم كلامنا في طرق الفقه إنما يسمى كلامًا في أصول الفقه لو تكلمنا فيه
стр. 6
على الإجمال. والمعنيُّ بذلك أنها غير معينة، فإنَّا متى تكلَّمنا متى تكلَّمنا في أن الأمر للوجوب لا نشير إلى أمر معين. وكذا النهي، والقياس. فأما الدلالة المعيَّنة التي يتكلم فيها الفقهاء، نحو قوله ﵇: "الأعمال بالنيَّات" فالكلام فيه لا يكون كلامًا في أصول الفقه، وإن كان طريقًا إلى الفقه.
وأما كيفية الاستدلال بها:
فالمعنيُّ بها الشروط والمقدمات وترتيبها، التي معها يُستدل بالطرق على الفقه.
وأما ما يتبع كيفية الاستدلال بها:
[فـ] مما يلزم المجتهد من الحكم بكونه مخطئًا أو مصيبًا، لما أن ذلك يتبع استدلاله.
٣ - باب- قسمة أصول الفقه:
ولمَّا ثبت أن أصول الفقه طرق إلى الأحكام الشرعية، وكانت الأحكام تلزم المجتهد وغير المجتهد، فلا بدَّ أن يكون لهذا طريق، ولذلك طريق.
فطريق غير المجتهد -فتوى المجتهد، وذلك يوجب أن نتكلم في صفة المفتي والمستفتي، وما يدخل فيها من الأبواب- على ما سيجيء بيانه.
стр. 7
وطريق المجتهد ضربان:
أحدهما- الرجوع إلى حكم العقل، لأنا متعبدون بالبقاء على حكم العقل إلى أن يرد الشرع بالنقل عنه. وذلك يوجب أن نتكلم في أن الحظر والإباحة ثابتان بقضية العقل، ليصح لنا التمسك بهما إلى أن يرد الشرع بالنقل عنهما.
فلذلك صار الكلام في الحظر والإباحة من أصول الفقه.
والآخر- ضربان: أفعال وأقوال.
فالأقوال- هو القول الصادر: من الله تعالى وهو الكتاب، ووجه الدلالة فيه أنه كلام حكيم غني لا يجوز عليه الكذب والهذيان والمغالطة. أو من الرسول وهو الخبر، ووجه الدلالة فيه: أنه كلام مخبر صادق مؤيَّد بالمعجزة لا يكذب فيما يؤدي عن الله تعالى ولا يقصر في تبليغ الرسالة. أو من الأمة وهو الإجماع، ووجه الدلالة فيه: أنه عقائد قوم لا يجتمعون على ضلال: عرف ذلك بكتاب الله وخبر رسوله.
والأفعال- هي الأقيسة والاجتهادات.
فهذه جملة أصول الفقه وأقسامها.
стр. 8
فنبدأ بـ:
١
كتاب الله تعالى
إذ هو الأصل.
فيحتاج إلى: معرفة الحقيقة والمجاز، ليصح منا حمل كلام الله تعالى على الحقيقة إذا تجرد عن القرينة. وعلى المجاز إذا جامع القرينة.
وذلك يوجب أن نتكلم في حقيقة الكلام أولًا. لأن الحقيقة والمجاز من أقسام الكلام.
стр. 9
٤ - باب- حقيقة الكلام وأقسامه:
اعلم أن اسم الكلام يقع على أمرين:
أحدهما- كلام النفس، وهو المعني الذي يقوم بالمتكلم، فيوجب كونه متكلمًا، وينافي الخرس والسكوت والآفة.
هذا هو حقيقة الكلام. وقد عرف ذلك في موضعه.
والتالي- هذه العبارات التي تقع دلالة على مراد المتكلم، وهو المراد هنا، وبه يتعلق غرض الكتاب.
وحدُّه ما انتظم من الحروف المسموعة المتميزة. وقد دخل في هذا الحدِّ جميع ما هو كلام كالحرفين فصاعدًا. وانفصل عما ليس بكلام: لأنه انفصل عما ليس بحروف، بذكر الحروف. وانفصل عن حروف الكتابة، لأنها ليست بمسموعة. وانفصل عن الحرف الواحد، لأنه لا يوجد فيه الانتظام. وانفصل عن أصوات كثير من البهائم والطير، لأنها ليست بمتميزة.
стр. 10
وبعضهم شرطوا في كون هذه الحروف كلامًا وقوع الاصطلاح عليها، حتى إن كل ما لم يصطلح على استعماله في المعنى لا يكون كلامًا- وهذا بعيد، لأن أهل اللغة قسموا الكلام إلى مهمل ومستعمل: فالمهمل ما لم يوضع لشيء، والمستعمل ما وضع ليُستعمل في معنى. فالأول لا يدخله الحقيقة والمجاز. والثاني يدخله الحقيقة والمجاز، فلا بد من بيانهما.
стр. 11
١
باب
الحقيقة والمجاز
اعلم أن الحقيقة- هي ما أفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي وقع فيه التخاطب.
وإنما حدَّدنا الحقيقة بهذا ليدخل فيه جميع أقسام الحقيقة، لأن الحقيقة قد تكون لغوية، وقد تكون عرفية، وقد تكون شرعية. فاللفظ إذا أفيد به معنى وضع له في اللغة فإنما يكون حقيقة في ذلك. [أي] لو كان الاسم في مخاطبات الناس يُستعمل بناء على مواضعه أهل اللغة. أما إذا كان الاسم في مخاطبات الناس يُستعمل بناء على مواضعة أهل الشرع، [فـ] لا يكون حقيقة في ذلك المعنى، بل في المعنى الثاني، وهو ما تواضع عليه أهل الشرع.
وأما المجاز- فهو ما أفيد به معنى مصطلحًا عليه، غير ما اصطلح عليه في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب فيه.
وقيل: إن الحقيقة هي ما أُفيد بها ما وثَعت له، والمجاز غير ما وُضع له. وهذا غير صحيح، لأنه: يقتضي أن اسم الصلاة إذا استعمل في اصطلاح أهل الشرع وأريد به الدعاء، دون الأركان المعهودة، يكون حقيقة، لأنه أُفيد به ما وضع له في الجملة، أعني بمواضعة أهل اللغة، وليس كذلك.
стр. 12
وبمقتضى أيضًا أن من أطلق اسم السماء على الأرض ودل على مراده فقد تجوز به، لأنه أُفيد به غير ما وضع له، وهذا بعيد.
وقال بعضهم: الحقيقة هي ما انتظم لفظه معناها من غير زيادة ولا نقصان ولا نقل عن موضوعه. والمجاز ما انتظم لفظه معنا، إما لزيادة أو نقصان أو نقل عن موضوعه. أما الذي لا ينتظم لفظه معناه لزيادة -[فـ] هو ما انتظمه إذا أسقطت الزيادة- مثاله قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ والكاف هنا زائدة، فإذا أسقطناها صار الكلام منتظمًا معناه. وأما الذي لا ينتظم لفظه معناه لنقصان-[فـ] هو ما انتظمه إذا زيد في الكلام ما نقص عنه- مثاله قوله تعالى: ﴿واسْأَلِ القَرْيَةَ﴾ فإذا زدنا "الأهل" في الكلام صار الكلام منتظمًا معناه. ومثال النقل- قول القائل: "رأيت الأسد" وهو يعني به الشجاع -إلا أن هذا غير صحيح، لأن لاذي لا ينتظم لفظه معناه لزيادة أو نقصان ففيه نقل أيضًا، فلا معنى لجعلهما قسمين آخرين- بيانه: إن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ظاهره يقتضي نفي مثل المثل، وذلك غير مراد، إنما المراد نفي المثل، فصار الكلام منقولًا عن معناه إلى معنى آخر. وكذلك قوله تعالى: ﴿واسْأَلِ القَرْيَةَ﴾ ظاهره يقتضي السؤال عن الحيطان
стр. 13
والجدران، وذلك غير مراد، إنما المراد هو السؤال عن الأهل، فصار الكلام منقولًا عن معناه إلى معنى آخر.
* * *
إذا عرفنا حدَّ الحقيقة والمجاز -[فـ] لا بد من بيان أقسامهما، فنقول:
الحقيقة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: حقيقة لغوية، وحقيقة غرفية، وحقيقة شرعية. وكل ذلك داخل تحت الحدِّ الذي ذكرناه. لن اللفظ إذا أُفيد به معنى: إن أُفيد بمواضعة أهل اللغة سمَّيناه حقيقة لغوية، وإن أُفيد به بمواضعة أهل الشرع سمَّيناه حقيقة شرعية.
وكذلك المجاز، لأن المجاز قد يكون في اللغة، وقد يكون في العرف، وقد يكون في الشرع.
والله أعلم.
* * *
[أ- الحقيقة]
٥ - باب في: إثبات الحقائق المشتركة:
اعلم أنه يجوز أن يكون اللفظ الواحد موضوعًا للشيئين على سبيل الاشتراك، كما يجوز أن يكون موضوعًا للشيء الواحد على سبيل الانفراد- وهذا عند أكثر الناس.
وذهبت طائفة إلى منع جواز ذلك.
واستدلوا في ذلك بأن قالوا: إن الأسامي وضعت أعلامًا على المسميات وعلى المعاني ليمتاز البعض بها عن البعض، فيقع بها الإفهام. ولو كان اللفظ الواحد
стр. 14
موضوعًا للشيئين على سبيل الاشتراك لا يقع الإفهام بواحد منهما، وفيه نقض الغرض بالمواضعة.
لكنا نستدل على جواز ذلك، فنقول:
إن الإفهام على سبيل الإجمال قد يكون مقصود العقلاء، كما أن الإفهام على سبيل التفصيل مقصود العقلاء، فإن واحدًا منا قد يشاهد سوادًا فيريد أن يخبر غيره عمَّا شاهده على سبيل التفصيل، فيقول: "شاهدت سوادًا". وقد يريد أن يخبره على سبيل الإجمال فيقول: "شاهدت لونًا". ومتى جاز تعلق الغرض بكل واحد من الإهامين، جاز أن يضعوا اسمًا يطابق كل واحد من الإفهامين، ليكون كل واحد منهما وصلة إلى الغرض المطلوب منه. وفي هذا جواب عمَّا قالوه. وهذا دليل الجواز. والدليل على ثبوت ذلك -أن أهل اللغة قالوا في كتبهم: إن قولنا "شفق" من أسماء الأضداد وهو مشترك بين البياض والحمرة، وكذا اسم "القرء" من أسماء الأضداد، وهو مشترك بين الحيض والطهر- فدل [ـت] أقوالهم على ثبوت الأسماء المشتركة.
فإن قيل: ما أنكرتم أن "القرء" في الأصل موضوع لفائدة مخصوصة، ثم يقع ذلك في الحيض والطهر، لوجود تلك الفائدة. فإذن الاسم من الأسماء المشتقة لا من الأسماء المشتركة- قلنا: إنما يصار إلى هذا التكلف إذا لم يجز أن يكون اللفظ الواحد موضوعًا للشيئين على سبيل الاشتراك- أما إذا جاز ذلك، ونقل عن أهل اللغة أن هذه الأسامي مشتركة، [فـ] لا يصار إلى هذا التكلف، وقد دللنا على جواز ذلك، فلا يُصار إلى ما قلتم، لأنه قول لا دليل عليه.
стр. 15
فيثبت بما ذكرنا جواز الأسماء المشتركة، وورود اللغة بها.
إلا أنه مع هذا خلاف الأصل، أعني أنه على خلاف قضية الدليل المقتضي لوضع الكلام.
وبيانه -أن الغرض من وضع الكلام والأسامي إفهام ما وضع له. هذا معلوم بالضرورة. فالاسم إذا كان مشتركًا بين شيئين: إما أن يكون موضوعًا لكل واحد منهما على التعيين والانفراد، أو يكون موضوعًا لأحدهما غير عين، أو يكون موضوعًا لأحدهما عينًا دون الآخر، أو يكون موضوعًا لهما على الجمع فكانا جميعًا مسمى واحدًا لهذا الاسم: لا وجه إلى الثاني لأنه لا قائل به، فإن أحدًا لم يقل بأن المطلقة مأمورة بالاعتداد بالحيض أو الطهر غير عين، ولأنه لو كان كذلك لكان، إذا أرايد به أحدهما عينًا، مجازًا فيه، وليس كذلك. ولا وجه إلى الثالث، لأنه لا قائل به أيضًا، ولأنه لو كان كذلك لكان يفهم عند إطلاقه أحدهما عينًا، ولما جاز استعماله في كل واحد منهما في حالين إلا بطريق المجاز، والأمر بخلافه. ولا وجه إلى الرابع، لأنه لا قائل به أيضًا: فإن أحدًا لم يقل إن المطلقة مأمورة بالاعتداد بهما على الجمع، ولأنه لو كان كذلك لكان يسبق إلى الفهم عند إطلاقه كلاهما، ولما جاز استعماله في أحدهما إلا على طريق المجاز، والأمر بخلافه. وإذا بطلت هذه الأقسام ثبت أنه موضوع لكل واحد منهما على التعيين والانفراد. فقضية الوضع أن يفيد إفهام ما وضع له، وأنه لا يفيد إفهام أحدهما إلا بقرينة، وكان مخالفًا لقضية الأصل.
٦ - باب في: إثبات الحقائق العرفية:
اعلم أن الحقيقة العرفية هي اللفظة المفيدة لمعناها، باصطلاح طارئ من أهل اللسان على ما مرَّ. وذلك نحو: اسم "الدابة"، فإنه في اللغة اسم لكل
стр. 16
ما يدبُّ على وجه الأرض، وفي العرف صار اسمًا للفرس أو الحمار. وكذلك اسم "الراوية": موضوع في اللغة للجمل، وفي العرف صار اسمًا للمَزادَة. وكذا اسم "الغائط": في اللغة موضوع للمكان المطمئن من الأرض، وفي العرف صار اسمًا للحدث المعتاد -حتى لا يفهم عند إطلاق هذه الأسامي إلا هذه المعاني.
فإن قيل: اسم "الدابة" في اللغة يفيد الفرس، لأنه اسم لكل ما يدبُّ على وجه الأرض، والفرس ممَّا يدب على وجه الأرض، فإذن لم يختلف فائدته الوضعية- قلنا: اسم "الدابة" في اللغة يفيد الفرس لاشتقاقه من الدبيب، وفي العرف يفيد الفرس لا على سبيل الاشتقاق من الدبيب، فإذن أفاد اللفظ في العرف معنى لم يكن أفاده في اللغة.
فإن قيل: أكثر ما في الباب أنهم استعملوا هذه الأسامي في هذه المعاني، ولم يجب كونها حقيقة منقولة إليها- قلنا: أمارة كون الاسم حقيقة في الشيء عرفًا أن يسبق إلى فهم السامع معنى [و] لم يسبق ذلك المغني في اللغة، وقد وجد ههنا: فاللفظ إذا صار مستعملًا في معنى بحيث يسبق إلى فهم السامع
стр. 17
المعنى الثاني دون الأول كان حقيقة فيه منقولًا إليه، وإذا كان يتردد فهم السامع بين المعنى الأول والثاني، صار اللفظ حقيقة لهما على سبيل الاشتراك.
٧ - باب في: إثبات الحقائق الشرعية:
اعلم أن الحقيقة الشرعية هي اللفظة المفيدة لمعناها بمواضعة أهل الشرع- على ما مرَّ.
وقد دخل فيه ما وُضع له الاسم ابتداء، ودخل فيه أيضًا ما نقل الاسم عن غيره إليه.
فالأول- لا خلاف فيه.
والثاني- اختلفوا في جوازه:
ذهب الأكثرون إلى جواز ذلك.
وحكى عن بعضهم منع جوازه. وقالوا: إن اللفظ متى كان حقيقة في الشيء وسُلب عن معناه وعُوِّض غيره لانقلبت الحقيقة، وقلب الحقيقة لا يجوز.
لكنا نستدل على جواز ذلك، فنقول:
إن كون الاسم اسمًا للشيء ليس بواجب، بل هو تابع للاختيار- ألا ترى أن الاسم منتف عنه قبل المواضعة، وحالة المواضعة جائز أن يسمى الشيء باسم غيره، فيسمى السواد بياضًا والبياض سوادًا. ومتى كان تابعًا للاختيار، جاز أن يختار مختار سلب الاسم عن معنى ونقله إلى معنى آخر.
وقوله: بأن هذا قلب الحقيقة- قلنا: إن عنيت به خروج الاسم عن
стр. 18
أن يكون حقيقة في الشيء بعد أن كان حقيقة فيه وصيرورته حقيقة لشيء آخر، فذلك جائز، لأنه لا مانع للاختيار على ما مرَّ. وإن عنيت به شيئًا آخر، فنحن لا نعقل ذلك الشيء.
فإن قيل: لمَّا كان الله تعالى قادرًا على وضع اسم له ابتداء، فلا معنى لنقل الاسم من غيره إليه- قلنا: الشريعة جاءت بعبادات لم تكن معهودة بين أهل اللغة، فلا بد من وضع اسم لها، ليمتاز به عن غيرها، كما يجب ذلك في ولد يُولد للإنسان وآله يتخذها بعض الصناع. ومتى لم يكن من ذلك بدٌّ، فلا يمتنع أن تتعلق المصلحة بنقل الاسم من غيرها إليها، كما لا يمتنع أن تتعلق المصلحة بوضع اسم لها ابتداء، وإذا جاز ذلك جاز ورود الشر عبه- هذا دليل الجواز.
والدليل على ثبوت ذلك- أن اسم "الصلاة" في اللغة لم يكن موضوعًا لمجموع هذه الأفعال، ثم صار اسمًا له بالشرع، حتى لا يفهم عند إطلاقه سوى مجموع هذه الأفعال.
فإن قيل: ما أنكرتم أن "الصلاة" في الأصل موضوع للاتباع، ولهذا يسمون الطائر "مصليًا" لأنه يتبع السابق، فكذلك إنما سمى مجموع هذه الأفعال "صلاة" لأنها اتباع الإمام -فإذن لا تختلف فائدته الوضعية- قلنا: هذا يقتضي أن لا يسمى صلاة الإمام وصلاة المنفرد "صلاة" لأنه ليس فيها اتباع الإمام، ولكان يجب فيمن تكلم بهذه الصيغة أن يعني به الاتباع ويفهم السامع منه ذلك، ومعلوم أنه لا يخطر ببال السامع ولا ببال المتكلم عند إطلاق هذا الاسم إلا مجموع هذه الأفعال.
فإن قيل: ما أنكرتم أن الصلاة في اللغة عبارة عن الدعاء- قال القائل:
стр. 19
"صَلَّى على دَنِّها وارتسمْ"، أي دعا عليه، وفي الشرع جعل علمًا على مجموع هذه الأفعال لأن فيها دعاء، فإذن لم يختلف فائدته الوضعية- قلنا: إن عنيتم بهذا الكلام أن اسم "الصلاة" واقع على مجموع هذه الأفعال، لأن فيها دعاء- فقد سلمتم ما نريده من نقل الاسم عن معنى إلى غيره، فبعد ذلك لا يضرنا أن تعللوا ذلك بما ذكرتم من العلة وهو أن فيه دعاء. وإن عنيتم به أن اسم "الصلاة" واقع على الدعاء من جملة هذه الأفعال دون مجموعها- فهذا باطل، لأن المفهوم من هذا الاسم عند الإطلاق مجموع هذه الأفعال لا البعض- ألا ترى أن قائلًا لو قال: "فلان في الصلاة" فُهم منه أنه في جزء منها، أي جزء كان، دعاء أو غ ير دعاء. ولو قال: "فلان خرج من الصلاة" يُفهم منه أنه فارق مجموع هذه الأفعال لا البعض. ولو كان الأمر كما ذكرتم، يجب أن قائلًا لو قال: "خرج نم الصلاة" يُفهم منه أنه فارق الدعاء، ولو عاد إلى الدعاء يستقيم أن يقال: "عاد إلى الصلاة" والأمر بخلافه. وكذا هذا في اسم الزكاة والحج وغيرهما- فدلَّ ذلك على ثبوت الحقائق الشرعية.
فإن قيل: نقل الاسم اللغوي عن معناه في الشرع يؤدي إلى الإغراء بالجهل والحمل على اعتقاد قبيح، وذلك لا يجوز- وبيانه: وهو أن الشرع إذا استعمل الاسم اللغوي في معنى، [فـ] لا بد أن يتعلق به حكم وتكليف، فالسامع إذا كان قد عرف كون الاسم حقيقة في شيء، يسبق إلى فهمه ذلك ويعتقد التكليف به، فإذا أراد الشرع غير ذلك [فإنه] يؤدي إلى ما ذكرنا من القبيح- قلنا: نحن، وإن جوزنا نقل الاسم في الشرع عن معناه إلى غيره،
стр. 20
فإنما تجوزه بشرط إشعار سابق أو بيان مقارن وغير ذلك، فلا يؤدي إلى ما ذكرتم من الحمل على القبيح.
والله أعلم.
[ب- المجاز]
٨ - باب في: إثبات المجاز في اللغة:
ذهب الأكثرون إلى ثبوت ذلك.
وحكى عن بعضهم منع ثبوته.
واختلافهم في ذلك إما أن يكون اختلافًا في المعنى أو في العبارة.
أما الاختلاف في المعنى- فمن وجهين:
أحدهما- أن يقولوا: إن أهل اللغة ما استعملوا هذه الأسامي فيما نقول إنه مجاز فيه، كاسم الأسد في الشجاع واسم الحمار في البليد - وهذه مكابرة لا يرتكبها أحد.
والآخر- أن يقولوا إن أهل اللغة استعملوا اسم الحمار في البليد لكنهم قالوا إن اسم الحمار كما هو موضوع للبهيمة المخصوصة، فهو موضوع للبليد. وهو أيضًا بعيد، لأنا نعلم- كما نعلم باضطرار أن أهل اللغة استعملوا اسم الحمار في البلد- نعلم باضطرار أيضًا أنهم استعملوه في البليد تبعًا وتشبيهًا له بالبهيمة،
стр. 21
وأن استحقاق البليد هذا الاسم ليس كاستحقاق البهيمة، فالبهيمة تستحق هذا الاسم لكونه موضوعًا لها، والبليد يستحقه لأنه شابهها، فاستحق اسمها- دلَّ عليه أن قائلًا لو قال "رأيت حمارًا" فهم منه البهيمة المخصوصة دون البليد، ولو كان الاسم موضوعًا لهما لكان لا يسبق إلى فهم السامع عند الإطلاق أحدهما دون الآخر.
فإن قيل: لما كانت الحقائق تعم المسميات، فلماذا تجوزوا بها عن محالها- قلنا لوجوه:
منها -أن في المجاز من الفصاحة والمبالغة في الوصف ما ليس في الحقيقة- ألا ترى أنه متى وصفنا الرجل البليد بأنه حمار، كان أبلغ في الإبانة عن معنى البلادة، من وصفنا له بأنه بليد.
ومنها- أن المجاز قد يكون بضرب حذف، فيستعمل طلبًا للتخفيف.
ومنها- أن الطباع قد تنفر عن بعض المعاني، فيتجافى الناس عن التصريح بذلك، فيكنون عنه باسم غيره، كالحدث المكني عنه باسم الغائط.
وغير ذلك.
وأما الاختلاف في العبارة:
فبأن سلموا أن أهل اللغة استعملوا اسم الحمار في البليد وأن اسم الحمار غير موضوع للبليد، فاستحقاق البليد لهذا الاسم ليس كاستحقاق البهيمة. لكنهم قالوا: إذا عنى به البليد [فـ] لا نسميه مجازًا، بل نسميه مع القرينة حقيقة- فنقول لهم: لما سلمتم معنى المجاز، لم امتنعتم من تسميته مجازًا؟
стр. 22
فإن قالوا: لأن أهل اللغة لم يسموه بذلك- قلنا: أولًا -هذا ممنوع، فإن أهل اللغة قالوا في كتبهم: هذا الاسم حقيقة، وهذا الاسم مجاز. ثم إن لم يسمه أهل اللغة بذلك، لم يمتنع وضع اسم له، ليمتاز به [عن] غيره- ألا ترى أن أهل النحو سموا الضمَّة المخصوصة "رفعًا" والفتحة "نصبًا" وإن لم يسمه أهل اللغة بذلك، ولم يلحقهم بذلك عيب، بل حَسُنَ منهم ذلك، ليكون أداة لهم في ضبط لغتهم- فكذا هذا.
وقوله: إنَّا نسميه مع القرينة حقيقة- قلنا: هذا إن صح، فلا يمنع إطلاق اسم المجاز عليه على الانفراد. على أن وصف الكلام بأنه حقيقة أو مجاز راجع إلى اللفظ، والقرينة قد تكون شاهد حال أو غيره مما لا يكون فعلًا للمتكلم، فلا يجوز وضعه في الحقيقة والمجاز.
٩ - باب في: حُسن دخول المجاز في كلام الله تعالى ، وأن الله قد تكلم به:
ذهب الأكثرون إلى حُسن ذلك، وثبوته.
وذهب [بعض] أصحاب الظاهر إلى منع ثبوت ذلك.
والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه أن الله تعالى أنزل القرآن بلغة العرب وخاطبنا به، فاقتضى إنزاله القرآن بلغة العرب أن يخاطبنا بمثل ما يخاطب به
стр. 23
بعضهم بعضًا، ومعلوم أنه قد يقع في مخاطباتهم المجاز كما يقع فيها الحقيقة، فحَسُنَ من الله تعالى أن يتكلم بالمجاز أيضًا، إلا ما فيه تنفير، كالكلام السخيف الذي ينسب قائله إلى العِيِّ، ومعلوم أن المجاز ليس هذا سبيله، بل أكثر الفصاحة يظهر بالمجاز.
فإن قيل: المجاز لا ينبئ عن المراد بنفسه، فورود القرآن به يؤدي إلى الالتباس كما ذكرنا، وذلك لا يجوز على الله تعالى- قلنا: نحن لا تجوز التكلم بالمجاز إلا بقرينة، وعند وجود القرينة يزول الالتباس.
فإن قيل: إن التكلم بالمجاز يشعر بالعجز عن التكلم بالحقيقة، وذا لا يجوز على الله تعالى- قلنا: إنما يشعر بذلك لو لم يجز التكلم بالمجاز مع القدرة على التكلم بالحقيقة، فأما إذا جاز ذلك فلا، وقد دللنا على جواز ذلك، لما في المجاز من زيادة الفصاحة والمبالغة في الوصف والاختصار في الكلام، على ما بيَّنا.
فإن قيل: لو حَسُنَ من الله تعالى أني تكلم بالمجاز، لجاز أن يسمى الله تعالى متجوِّزًا ومستعيرصا- قلنا: إنما لا يجوز إطلاق اسم المتجوز على الله تعالى من ارتكاب الحرام ومباشرة القبيح، فإن اسم المتجوِّز في العرف مستعمل في ذلك، وكذا إطلاق اسم المستعير، [لا يجوز، لنه] يوهم ما لا يجوز على الله تعالى، وهو أن يستأذن غيره لينتفع بملكه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
هذا دليل الجواز.
стр. 24
والدليل على أن الله تعالى قد تكلم بالمجاز- قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِداَرًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾: أطلق اسم "المريد" على الجدار، وهذا مجاز من الكلام. وقوله تعالى: ﴿وجَاءَ رَبُّكَ﴾ وهذا مجاز أيضًا، إلى غير ذلك.
فإن قيل: ما أنكرتم أن هذه الأسامي في اللغة مجاز عن هذه المعاني، لكن لما استعملها الله تعالى فيها صارت منقولة إليها، وصارت حقيقة شرعية، كاسم الصلاة والحج وغيره- قلنا: لو كان الأمر كذلك لكان يسبق إلى أفهام أهل الشرع عند سماع هذه الألفاظ معانيها التي أرادها الله تعالى ولا يحتاج إلى القرينة، كما في اسم الصلاة والحج، ومعلوم أنه لا يسبق إلى أفهام أهل الشرع عند سماع هذه الألفاظ تلك المعاني إلا بقرينة، فعلم أنه مجاز فيها.
١٠ - باب في: ذكر ما يفصل بين الحقيقة والمجاز:
اعلم أن الحقيقة تنفصل عن المجاز بحكم يختص كل واحد منهما.
فمن حكم الحقيقة أن تطرد في فائدتها على الحد الذي يفيدها، إما مطلقة أو مشروطة، إلا أن يمنع من ذلك مانع. مثال المطلقة: قولنا: "طويل":
стр. 25
يفيد ما اختص بالطول أي جسم كان. ومثال المشروطة: قولنا "أبلق" يفيد ما اجتمع فيه السواد والبياض بعد أن كان في الخيل خاصة.
وأما المجاز فلا يجب اطراده- ألا ترى أن وصفنا الرجل الطويل بأنه نخلة: لما كان بطريق المجاز، لا يجب اطراده، حتى لا يسمى ما عدا الرجل من الأجسام الطوال نخلة.
ثم الحقيقة إنما يجوز اطرادها دون المجاز لوجهين:
أحدهما- أن واضع اللغة غنما وضع الاسم لما شاهده من المعاني. فلو قلنا لا يجب اطراده لانقطعت اللغة، وهذا لا يجوز، ولا كذلك المجاز. لأن الحقائق مستوعبة للمسميات، فلا يلزم من نفي اطراد المجاز انقطاع اللغة.
والثاني- أنا نعلم أن أهل اللغة إنما وضعوا اسم "الطويل" لما شاهدوه من الجسم، لاختصاصه بالطول. وكل جسم حصل فيه الطول يجب اطراد الاسم فيه- هذا معنى قولنا: إن القياس يجري في الحقائق، ولا كذلك المجاز، لن أهل اللغة ما وصفوا الرجل الطويل بأنه نخلة لاختصاصه بالطول فقط، بل لشدة اهتمامهم به، فدعاهم شدة اهتمامهم بذلك إلى المبالغة في وصفه بالتشبيه بغيره، ولا يجب تحقيق ذلك في كل طويل.
فإن قيل: أليس أن المجاز يطرد في نوعه حتى يسمى كل رجل طويل "نخلة"- قلنا: إن عنيت باطراد المجاز هذا، فلا نأبى ذلك، وإنما نعني بنفي
стр. 26
اطراد المجاز أن يقر في نوعه ولا يتعداه، ولهذا لا يسمي كل طويل ((نخلة))، ولا كذلك الحقيقة: فإن أهل اللغة متى سموا الرجل الذي حصل فيه السواد
أسود، بطريق الحقيقة يجب اطراده، حتى يسمي كل الأجسام التي حصل فيها السواد ((سودا)).
ومما يفصل به بين الحقيقة والمجاز أنه إذا كان يسبق إلى فهم السامع عند سماع اللفظ معني من المعاني دون القرينة، كان حقيقة فيه. وإذا كان لا يسبق إلى فهمه عند سماع اللفظ معنى إلا بقرينة كان مجازة فيه. وإنما كان كذلك، لأن السامع لولا أنه اضطر في أن الواضعين وضعوا الاسم بذلك المعنى، لكان لا يسبق إلى فهمه ذلك المعنى دون غيره، ومن حكم الحقيقة أن يحمل اللفظ على حقيقته ولا يعدل إلى المجاز إلا بقرينة صارفة، لأن الواضع إنما وضع الاسم لمعنى يتوسل به إلى غرضه بالإبانة عن ذلك، فلو لم يحمل عليه بغير قرينة بطل كونه دلالة على الغرض [و] وسيلة إلى المراد بنفسه، وفيه نقض / الغرض بالمواضعة - والله أعلم.
١١ - باب - بيان طريق المجاز ووجوهه:
نعنى بطريق المجاز الأمر المصحح للمجاز والمحسن للتكلم به. وذلك هو الاختصاص بين المستعار له والمستعار عنه، أعني اختصاصا لأجله يُعرف المستعار له من المستعار منه، ودلالة ذلك من وجهين:
أحدهما - أن الفصاحة والبلاغة غرض مطلوب في المجاز، فإنا وجدنا أهل اللغة استعملوا المجاز في أشعارهم وخطبهم ومحاوراتهم لتحقيق معنى البلاغة والفصاحة، ومعنى البلاغة والفصاحة يحصل بتعريف الشيء باسم غيره.
стр. 27
وقد يحتاج إلى ذلك للمبالغة في الوصف، أو للاختصار في الكلام، أو للتحاشي عن التصريح بذكر المستعار له، لما فيه من كراهة الطبع، كما ذكرنا من قبل، وكان تعريف الشيء بذكر غيره بطريق المجاز من وجوه الفصاحة، إلا أنه كل شيء يذكر، لا يعرف به غيره، إذا لم يكن بينهما ضرب اتصال ونوع اختصاص معرِّف. ولهذا لا يحسن إطلاق اسم السماء على الأرض واسم الأرض على السماء. فإذا كان بين الشيئين هذا النوع من الاتصال والاختصاص حَسُنَ استعمال اسم احدهما في الآخر مجازًا، فثبت أن الاختصاص المعرِّف طريقُ المجاز، إلا أن لذلك وجوهًا: منها- المشابهة في المعنى الخاص، كما في الأسد مع الشجاع، والحمار مع البليد. ومنها- المجاورة كما في قولنا: جرى النهر، وسال الميزاب. ومنها- السببية، والمسببية، وغير ذلك.
والوجه الثاني- أن للمجاز وجوهًا كثيرة مختلفة الصور اتفقت في الاشتمال على ما ذكرنا من الاتصال والاختصاص، وذلك يدل على أن المصحح للمجاز في الكل هذا. بيان ذلك -أن المجاز قد يكون للمشابهة بين الشيئين. وقد يكون للمجاورة بينهما كما ذكرنا. وقد يكون لأجل السببية والمسببية، فإن اسم السبب قد يُستعار للمسبّب، كما في قوله تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرارًا﴾ أي المطر. ويقال: سقط السماء أي المطر. وقد يستعمل اسم المسبب للسبب كقوله تعالى: ﴿إنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾. وقال تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾: المراد به قلة السرور وكثرة الحزن، لأنهما مسببان
стр. 28
للسرور والحزن. وقوله تعالى: ﴿وامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ أي تعجبت، لأن الضحك مسبب التعجب. وقد يطلق اسم المدلول على الدليل [فـ] يقال: "سمعت علم فلان" أي عبارته الدالة على علمه. وقد يطلق اسم الآلة على الفعل كما في قوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾. وقد يطلق اسم الفاعل على الفعل والمصدر كقوله: "لحقته لائمة" أي ملامة ولوم. وقد يطلق اسم الفاعل على المفعول كقوله تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ أي مرضية. وقد يطلق اسم الفعل على المفعول كقولهم: "هذا الدرهم ضرب فلان" و"هذا الثوب نسج فلان". وقد يطلق اسم المكان على المتمكن فيه بطريق الحذف، كقوله تعالى: ﴿واسْأَلِ القَرْيَةَ﴾. وقد يطلق اسم الشيء على ضده المختص بكونه ضدًّا له، كما يقال للديغ سليم وللأعمى بصير. وقد يطلق اسم بعض الشيء على كله كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. ويقال: "فلان يملك كذا رأسًا من الغنم"- فثبت أن المجاز يستعمل في وجوه كثيرة مختلفة الصور، مع اتفاقها في نوع اختصاص معرَّف، فعلم أنه المصحح للمجاز في الكل.
فإن قيل: ما أنكرتم أن استعمال المجاز ليس له طريق معين، بل هو تابع للاختيار، فكل من اختار استعمال شيء في غيره، يصح منه ذلك- ألا ترى أن الله تعالى أطلق اسم المريد على الجدار بقوله تعالى: ﴿جِداَرًا يُرِيدُ أَن
стр. 29
يَنقَضَّ﴾ وأي اختصاص بين المريد والجدار- قلنا: الدليل على اشتراط ما ذكرنا من الاختصاص المعرِّف للمجاز أنَّ فهم الشيء باسم غيره لا يحصل. وأما ما ذكر من المثال- قلنا: هذا إطلاق اسم المريد على الجدار الذي قرب سقوطه وانهدامه، وبينه وبين المريد اختصاص مشابهة، لأن الإرادة هو المعنى الذي يوجب تخصيص الشيء بالوجود، والجدار الواهي المائل قرب سقوط، وأوجب ذلك اختصاص سقوطه وانهدامه بالوجود، فكأنه أراد انقضاض نفسه وانهدامه، فجاز استعمال المجاز فيه.
فإن قيل: من جملة وجوه المجاز المشابهة في المعنى الخاص كما ذكرتم، فهل يشترط في هذا الوجه شرط آخر وراء نفس المشابهة، وهو أن يكون المعنى في المستعار منه أبلغ حتى يصح المجاز؟ قلنا: نعم فيه شرائط: بعضها شرط صحة المجاز، وبعضها شرط كمال الفصاحة فيه:
أما الأول- فمن شروطه أن يكون المعنى خاصًا في المستعار منه أعني أنه يوجد فيه، وعلى الحد الذي يوجد فيه لا يوجد في غيره، كالشجاعة في الأسد.
ومن شرطه- أن يكون المعنى في المستعار منه ظاهرًا، كالشجاعة في الأسد، لا كالبَخَر فيه.
وأما كون المعنى في المستعار منه أبلغ - فهو شرط كمال الفصاحة والبلاغة، كما في الأسد مع الشجاع، والحمار مع البليد، لا شرط نفس الاستعارة، لما مر ان معنى المجاز والمطلوب منه قد يحصل بدونه، لما مر من الوجوه.
والله تعالى أعلم.
стр. 30
٢
باب
في- بيان أن اللغات توقيفية أو اصطلاحية
نبين عنى اللغة، ومعنى الكلام، واللفظ، والنطق- أولصا، فنقول:
اللغة- اسم لضرب مخصوص من ترتيب الحروف الدالة على المعاني، بحكم الوضع.
وإنما شرطنا كونها حروفًا ودلالتها بحكم الوضع، لأن الضحك والبكاء يدلان على الحزن والفرح، وصياح الديك يدل الدجاجة على استدعائها لالتقاط الحب، ولا يسمى ذلك لغة.
إذا ثبت هذا-[فـ] نقول: اختلاف اللغات من التركية والهندية والعربية باختلاف ترتيبها، فإن أهل كل لغة رتبوا عين هذه الحروف، لكن ترتيبًا مخالفًا للآخر، وتركيبًا مباينًا لتركيب الآخر.
وأما الكلام- فهو مأخوذ من الكلم، وهو الجرح الذي يؤثر في نفس المجروح، ومن كلم غيره فقد أثر في قلبه بتفهيم غرضه، فيسمى ذلك كلامًا.
وأما اللفظ -فأصله الرمي- يقال: "لفظت الناقة" إذا رمت من فيها ما التقمت من الحشيش، ويقال: "لفظ البحر بالجيفة" إذا رمى بها. فالواحد منا إذا تكلم فكأنه يرمي، فسمى قوله "لفظًا". وأما كلام الله تعالى، فلا يوصف به على الحقيقة، إلا أنه اشتهر في العرف إطلاق اسم اللفظ على القول، حتى لا يفهم منه سواه، فيصح قول القائل: "لفظ الآية كذا" و"لفظ القرآن كذا".
стр. 31
وأما النطق- فهو إحكام العبارة. سميت المِنْطَقة بها، لأن الرجل يشد بها وسطه ويُحكمه. وهذا يتحقق في القول الصادر عن الله تعالى، إلا أنا لا نطلق ذلك عليه، لعدم التعبد به والاستغناء عنه.
* * *
إذا ثبت هذا-[فـ] نقول:
اختلف الناس: أن اللغات توقيفية أو اصطلاحية؟
قال بعضهم: إنها كلها اصطلاحية.
وقال بعضهم: إنها كلها توقيفية.
وقال بعضهم: بعضها توقيفية، وبعضها اصطلاحية.
فالأولون- ذهبوا في ذلك إلى التعلق بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾: أخبر ان الأسماء كلها تعليم لآدم ﵇ من الله تعالى. ولأن الاصطلاح على إبانة معنى بلفظ، من غير تقدم لغة، محال.
وأما الفريق الثاني-[فـ] ذهبوا في ذلك إلى التعلق بقوله تعالى: ﴿ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلَاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ - وهذا يستدعي سابقة الاصطلاح على لغة، لأنه لو أخذت الأسامي سماعًا من الرسول لم يتحقق مجئ الرسول بلسانهم،
стр. 32
ولأنه لو لم يكن لهم لغة يتفاهمون بها لا يفهمون قول الرسول، فلا يفيد إرسال الرسول إليهم.
وأما الفريق الثالث-[فـ] ذهبوا في ذلك إلى أن قدرًا منه يحتاج إليه بالتوقيف ليحصل البنية، والبحث على الاصطلاح. وكان ذلك توقيفًا، والثاني بعده اصطلاحًا.
هذا بيان الأقاويل- ونحن نقول:
الكلام في ذلك: إما أن يقع في الجواز، أو الوقوع.
أما الجواز- فكل هذه المذاهب في حيز الجواز، والإمكان:
أما الأول- فلأن من الجائز أن يخلق الله تعالى الأصوات والحروف، بحيث يسمعها واحد أو جماعة، ويخلق فيهم العلم الضروري: أنه قصد به الدلالة على المسميات.
وأما الثاني-[فـ] بأن يجمع الله تعالى دواعي جماعة يصطلحون عليه. وطريق ذلك أن يركب هذه الحروف، ويؤلف العبارات، ويريد به معنى، ويعرف المخاطب بالإشارة معها أو بتكرار اللفظ، كما يفعل الوالدان بالولد الطفل، وكما يفعله الأخرس بإعلام ما في ضميره بالإشارة وغير ذلك.
وأما الثالث- فإذا ثبت جواز كل واحد من هذين القولين، [فقد] ثبت جواز الثالث، لأنه مشتمل عليهما.
هذا هو الكلام في الجواز.
стр. 33
وأما الكلام في الوقوع- فالصحيح أن لا يحكم بواحد من الأقاويل في ذلك، لأنه لا يعرف إلا بنقل متواتر أو مشهور، ولم يوجد.
وأما الآية التي تعلق بها الفرق الأول-[فقد] اختلف أهل التأويل في تفسيرها:
قال بعضهم: المراد من الأسماء المسميات، يعني: علمه حقائق الأشياء وخواصها.
وقال بعضهم: المراد منه أسماء أجناس الحيوان من الجن والإنس وغيرهما- دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقال بعضهم: المراد منه أسماء الملائكة.
ثم نقول: يحتمل أن المراد إلهامه وتحريك دواعيه إلى وضع الأسماء والهداية إلى اصطلاحها. فيضاف ذلك إلى الله تعالى بجهة التعليم. ولئن كان ذلك تعليمًا للأسامي حقيقة، لكن يحتمل أنها كانت موضوعة باصطلاح من قبله من الملائكة والجن، فعلمه الله تعالى ذلك.
وأما الآية التي تعلق بها الفريق الثاني -[فـ] قلنا: المراد منها -والله أعلم- رسول أرسل إلى قوم لهم لسان وتقدم لغة، وتقديره: إلا بلسان قومه إن كان لهم لسان. ولأن المراد منه الرسل بعد آدم ﵇، ليكون في كل زمان قوم يرسل إليهم. وأما آدم ﵇، [فـ] حين خلق لم يكن له قوم، وبعد زمان آدم ﵇ ثبتت اللغات، إما توقيفًا أو اصطلاحًا -والله أعلم.
стр. 34
٣
باب
الحروف
اعلم أن الكلام ينقسم إلى: اسم، وفعل، وحرف.
فالاسم- ما يدلُّ على معنى غير مقترن بزمان، كقولنا: دار وفرس.
والفعل- ما يدل على معنى مقترن بزمان، كقولنا: ضرب يضرب.
والحرف- ما يفيد اتصال فائدة بفائدة، كقولنا: "رأيت زيدًا وعمرًا". فحرف الواو ههنا يفيد اتصال فائدة قولنا: رأيت زيدًا، بعمرو.
غير أن كل واحد من الحروف يختص بزيادة فائدة. وهي أنها تنبئ عن كيفية الاتصال.
وإذا ثبتـ[ـت] هذه القاعدة-[فـ] لا بد أن يتغير فوائد الخطاب بالحروف الداخلة عليه، وكان أكثر الغرض بهذا الكتاب، ذكر الخطاب الذي يستدل به على الأحكام، فأوجب ذلك أن نتكلم في الحروف أولًا. ثم في سائر الخطابات من المر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، وما يتصل بذلك، والناسخ والمنسوخ وما يتعلق بذلك- فنقول:
стр. 35
أما الحروف [فـ] منها:
حرف الواو:
- وهي تستعمل للجمع والاشتراك فقط، كقولك "رأيت زيدًا وعمرًا": أفاد أنهما اشتركا في الرؤية.
- وقد تستعمل للاستئناف، كما في قوله تعالى: ﴿ومَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَاّ اللَّهُ والرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ﴾ إذا وقع الابتداء بقوله: "والراسخون".
- وقد تستعمل لتحسين النظم وتزيين الكلام، كما في قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وهَارُونَ الفُرْقَانَ وضِيَاءً﴾ أي ضياء. وليس هو للابتداء وللعطف، بل هو وصف القرآن بكونه ضياء. وقد يسميه بعض أهل اللغة "واو لغو"، لكنا كرهنا ذلك، لكونه مستعملًا في القرآن.
- وقيل: إنه قد يكون بمعنى "أو" كما في قوله تعالى: ﴿أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ﴾ ومعناه: أو ثلاث أو رباع. إلا أنا نقول إنه للجمع في هذا الموضع، لأن الله تعالى وصف جنس الملائكة بأنهم أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع، فاقتضى أن يكون البعض على الصفة الثانية والبعض على الصفة الثالثة،
стр. 36
فأفاد الجمع أي اجتمع ذلك في كل الملائكة، ولا خلاف في كل الملائكة، إنما الخلاف في أن الواو العاطفة في الأصل لأي معنى؟ .
فعندنا- للجمع المطلق من غير التعرض للترتيب والقران.
وقال بعض الشافعية- إنها للترتيب.
دليلنا في ذلك: أن من قال لغيره "رأيت زيدًا وعمرًا"- هذا لا يفيد تقديم رؤية زيد. على رؤية عمرو- ألا ترى أنه لو قال "وعمرًا بعده" أفاد فائدة مجددة. ولأنها لو أفادت الترتيب لكان قوله "رأيت زيدًا وعمرًا قبله- أو معه" مجازًا أو مناقضة من الكلام، كقول القائل: "رأيت زيدًا ثم عمرًا معه- أو قبله"، وأهل اللغة لم يجعلوا هذا مجازًا من الكلام ولا مناقضة، فدل أنها لا تفيد الترتيب.
دليل آخر: إن أهل اللغة قالوا إن واو العطف في الأسماء المختلفة يجري مجرى واو الجمع وياء التثنية في الأسماء المتفقة. لنهم متى لم يتمكنوا من الجمع في الأسماء المختلفة بواو الجمع استعملوا واو العطف ليفيد الجمع والاشتراك. ثم قول القائل: رأيت الزيدين" أو "جاءني الزيدون" لا يقتضي الترتيب بل يقتضي الاشتراك والجمع المطلق، فكذا قوله: "رأيت زيدًا وعمرًا وبكرًا وخالدًا" يفيد ذلك أيضًا.
فإن قيل: لا يمتنع أن تكون الواو العاطفة تجري مجرى واو الجمع في إفادة الجمع والاشتراك، ثم تختص بإفادة الترتيب، كـ- ثم والفاء: فإنهما يجريان مجرى واو الجمع في إفادة الجمع، ثم يختصان بزيادة فائدة وهو الترتيب- قلنا: أهل اللغة خصوا الواو العاطفة في أنها تجري مجرى واو الجمع، ولو كانت مفيدة للترتيب، كـ- ثم والفاء، لقالوا ذلك في: ثم والفاء، ولما قالوا ذلك في الواو دون ثم والفاء- عرفنا أنه يفيد الاشتراك فقط.
والذاهبون إلى الترتيب قالوا: إن قالوا القائل: "رأيت زيدًا وعمرًا" يفيد تقديم رؤية زيد على رؤية عمرو أولًا، لما بدأ بالإخبار برؤية زيد.
стр. 37
دل عليه قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿إنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ للترتيب. فعلم أن الواو في الأصل للترتيب.
والجواب:
أما الأول- قلنا: هذا يقتضي أن يكون الترتيب مستفادًا بالبداية بالإخبار برؤية زيد لا بحرف الواو، والكلام فيه. ولأنه يلزم هذا القائل أن قول القائل "رأيت زيدًا. رأيت عمرًا" يفيد الترتيب. ثم نقول: لا يمتنع أن يكون غرضه الإخبار برؤية زيد ثم بدا له أن يخبر برؤية عمرو فأخبر به، أو يحتمل أنه بدأ بافخبار برؤية زيد لمحبته. أو لأن اهتمامه بافخبار برؤية زيد أشد. أو لأن اهتمامه بافخبار برؤيتهما على السواء، إلا أنه بدأ بما اتفق.
وأما الثاني- قلنا: استفدنا الترتيب في هذه المواضع بدلالة منفصلة- وهو بيان النبي ﵇ قولًا وفعلًا. وكذا في السعي بين الصفا والمروة، فإن الصحابة ﵃ أشكل عليهم ذلك، فسألوا رسول الله ﷺ فقال: "أبدؤوا بما بدأ الله تعالى". وهذا دليلنا، لن الواو لو كان للترتيب لما أشكل عليهم ذلك.
ومنها- حرف "أو ":
وهي مستعملة:
- بمعنى التخيير، كقولك: "جالس زيدًا أو عمرًا": كنت خيرته في المجالسة مع كل واحد منهما.
- وبمعنى التشكيك، كقولك: "للمت على زيد أو عمرو". وكنت شككت فيمن سلمت عليه.
стр. 38
- وبمعنى "ولا"، بأن دخلت بين الشيئين في النفي: قال الله تعالى: ﴿ولا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. معناه: ولا كفورًا.
- وبمعنى كلمة "حتى"، بأن دخلت بين النفي والإثبات- قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. بمعنى حتى يتوب عليهم، وتقول للغريم: "لا أفارقك أو تعطيني حقي" بمعنى "حتى".
وحاصلة أن هذه الكلمة في الأصل:
- للإبانة عن أحد المذكورين لا على التعيين، والتخيير، والتشكيك من مواجب ذلك.
- وكذا أفاد به نفي الثاني إذا دخل بين النفيين، لأنه متى تناول أحدهما منكرًا في النفي، والنكرة في موضع النفي تعم، أفاد انتفاءهما جميعًا.
- وكذا معنى الغاية إذا دخلت بين الإثبات والنفي: ففي حق الإثبات يفيد أحدهما، إما الثابت أو النفي، فإذا وجد المثبت انتهى الكلام، وهو معنى الغاية.
ومنها- كلمة "مع":
وهي للقران- يقول: "رأيت زيدًا مع عمرو": أفاد رؤيتهما في زمان واحد.
стр. 39
ومنها- كلمة "بعد":
وهي للتأخير من غير تقدير زمان- تقول: "رأيت زيدًا بعد عمرو": فإنه أفاد أن رؤية زيد متأخرة عن رؤية عمرو، من غير تقدير زمان.
ومنها- كلمة "قبل":
وهي للتقديم من غير تقدير زمان، كقولك: "رأيت زيدًا قبل عمرو" أفاد رؤية زيد متقدمًا على رؤية عمرو، من غير تقدير زمان.
ومنها- كلمة "ثم":
وهي للتراخي. أي للتأخير بزمان يوجب الفصل بينهما كقولك: "رأيت زيدًا ثم عمرًا": أفاد رؤية عمرو متأخرة عن رؤية زيد بزمان يمنع اتصاله به عرفًا.
وقد يتجوز به، فيستعمل مكان حرف الواو، كما في قوله تعالى: ﴿فَإلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾. أي والله شهيد على ما يفعلون، لأنه لا يجوز أن يكون الله شهيدًا بعد أن لم يكن.
ومنها- حرف "الفاء ":
وهي للتعقيب مع الوصل، أي لثبوت الثاني عقيب الأول متصلًا به. كقولك: "رأيت زيدًا فعمرًا"، إذا كان رؤية عمرو متصلة برؤية زيد أو متأخرة عنه بزمان لا يمنع الوصل في العادة.
стр. 40
ودلالة ذلك أن هذا الحرف يستعمل في مواضع مختلفة الصور اتفقت في إفادة هذا المعنى- فإنه يستعمل في:
- جزاء الشرط كقولك: "إن دخلتِ الدار فأنت طالق".
- وفي موجب العلة، كقولك: "كسرته فانكسر".
- وفي حكم السبب، كقولك: "اشتراه فملكه".
- وفي موضع لا تتحقق هذه الوجوه، كقوله: "جاءني زيد فعمرو".
واتفقت هذه الصور، مع اختلافها، في إفادة التعقيب مع الوصل: علم أنه حقيقة له.
ومنها- حرف "الباء ":
- وهو للإلصاق، كقولك: "مسحت يدي بالمنديل": أفاد إلصاقها به.
- ويستعمل في الآلة، والسبب، والعوض: لإفادة الإلصاق صورة أو معنى. واختلفوا في قوله تعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾:
قال بعضهم: إنه، على موجب اللغة، يفيد إلصاق المسح بجميع الرأي، لأنه علق المسح بالرأس، والذي يسمى رأسًا هو الكل. إلا أنه في العرف يفيد إلصاق المسح إما بكله أو ببعضه، فإنا نقول: "مسحت يدي بالمنديل" إذا مسحت بعضه، كما نقول ذلك أيضًا إذا مسحت كله.
وقال بعضهم: إن الآية مجملة، لأن هذا الحرف قد يراد به الكل، وقد يراد به البعض، فكان مجملًا، فلا يصح التعلق إلا ببيان.
следующие страницы →