Полный текст (696 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فأفاد الجمع أي اجتمع ذلك في كل الملائكة، ولا خلاف في كل الملائكة، إنما الخلاف في أن الواو العاطفة في الأصل لأي معنى؟ .
فعندنا- للجمع المطلق من غير التعرض للترتيب والقران.
وقال بعض الشافعية- إنها للترتيب.
دليلنا في ذلك: أن من قال لغيره "رأيت زيدًا وعمرًا"- هذا لا يفيد تقديم رؤية زيد. على رؤية عمرو- ألا ترى أنه لو قال "وعمرًا بعده" أفاد فائدة مجددة. ولأنها لو أفادت الترتيب لكان قوله "رأيت زيدًا وعمرًا قبله- أو معه" مجازًا أو مناقضة من الكلام، كقول القائل: "رأيت زيدًا ثم عمرًا معه- أو قبله"، وأهل اللغة لم يجعلوا هذا مجازًا من الكلام ولا مناقضة، فدل أنها لا تفيد الترتيب.
دليل آخر: إن أهل اللغة قالوا إن واو العطف في الأسماء المختلفة يجري مجرى واو الجمع وياء التثنية في الأسماء المتفقة. لنهم متى لم يتمكنوا من الجمع في الأسماء المختلفة بواو الجمع استعملوا واو العطف ليفيد الجمع والاشتراك. ثم قول القائل: رأيت الزيدين" أو "جاءني الزيدون" لا يقتضي الترتيب بل يقتضي الاشتراك والجمع المطلق، فكذا قوله: "رأيت زيدًا وعمرًا وبكرًا وخالدًا" يفيد ذلك أيضًا.
فإن قيل: لا يمتنع أن تكون الواو العاطفة تجري مجرى واو الجمع في إفادة الجمع والاشتراك، ثم تختص بإفادة الترتيب، كـ- ثم والفاء: فإنهما يجريان مجرى واو الجمع في إفادة الجمع، ثم يختصان بزيادة فائدة وهو الترتيب- قلنا: أهل اللغة خصوا الواو العاطفة في أنها تجري مجرى واو الجمع، ولو كانت مفيدة للترتيب، كـ- ثم والفاء، لقالوا ذلك في: ثم والفاء، ولما قالوا ذلك في الواو دون ثم والفاء- عرفنا أنه يفيد الاشتراك فقط.
والذاهبون إلى الترتيب قالوا: إن قالوا القائل: "رأيت زيدًا وعمرًا" يفيد تقديم رؤية زيد على رؤية عمرو أولًا، لما بدأ بالإخبار برؤية زيد.
стр. 37
دل عليه قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿إنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ للترتيب. فعلم أن الواو في الأصل للترتيب.
والجواب:
أما الأول- قلنا: هذا يقتضي أن يكون الترتيب مستفادًا بالبداية بالإخبار برؤية زيد لا بحرف الواو، والكلام فيه. ولأنه يلزم هذا القائل أن قول القائل "رأيت زيدًا. رأيت عمرًا" يفيد الترتيب. ثم نقول: لا يمتنع أن يكون غرضه الإخبار برؤية زيد ثم بدا له أن يخبر برؤية عمرو فأخبر به، أو يحتمل أنه بدأ بافخبار برؤية زيد لمحبته. أو لأن اهتمامه بافخبار برؤية زيد أشد. أو لأن اهتمامه بافخبار برؤيتهما على السواء، إلا أنه بدأ بما اتفق.
وأما الثاني- قلنا: استفدنا الترتيب في هذه المواضع بدلالة منفصلة- وهو بيان النبي ﵇ قولًا وفعلًا. وكذا في السعي بين الصفا والمروة، فإن الصحابة ﵃ أشكل عليهم ذلك، فسألوا رسول الله ﷺ فقال: "أبدؤوا بما بدأ الله تعالى". وهذا دليلنا، لن الواو لو كان للترتيب لما أشكل عليهم ذلك.
ومنها- حرف "أو ":
وهي مستعملة:
- بمعنى التخيير، كقولك: "جالس زيدًا أو عمرًا": كنت خيرته في المجالسة مع كل واحد منهما.
- وبمعنى التشكيك، كقولك: "للمت على زيد أو عمرو". وكنت شككت فيمن سلمت عليه.
стр. 38
- وبمعنى "ولا"، بأن دخلت بين الشيئين في النفي: قال الله تعالى: ﴿ولا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. معناه: ولا كفورًا.
- وبمعنى كلمة "حتى"، بأن دخلت بين النفي والإثبات- قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. بمعنى حتى يتوب عليهم، وتقول للغريم: "لا أفارقك أو تعطيني حقي" بمعنى "حتى".
وحاصلة أن هذه الكلمة في الأصل:
- للإبانة عن أحد المذكورين لا على التعيين، والتخيير، والتشكيك من مواجب ذلك.
- وكذا أفاد به نفي الثاني إذا دخل بين النفيين، لأنه متى تناول أحدهما منكرًا في النفي، والنكرة في موضع النفي تعم، أفاد انتفاءهما جميعًا.
- وكذا معنى الغاية إذا دخلت بين الإثبات والنفي: ففي حق الإثبات يفيد أحدهما، إما الثابت أو النفي، فإذا وجد المثبت انتهى الكلام، وهو معنى الغاية.
ومنها- كلمة "مع":
وهي للقران- يقول: "رأيت زيدًا مع عمرو": أفاد رؤيتهما في زمان واحد.
стр. 39
ومنها- كلمة "بعد":
وهي للتأخير من غير تقدير زمان- تقول: "رأيت زيدًا بعد عمرو": فإنه أفاد أن رؤية زيد متأخرة عن رؤية عمرو، من غير تقدير زمان.
ومنها- كلمة "قبل":
وهي للتقديم من غير تقدير زمان، كقولك: "رأيت زيدًا قبل عمرو" أفاد رؤية زيد متقدمًا على رؤية عمرو، من غير تقدير زمان.
ومنها- كلمة "ثم":
وهي للتراخي. أي للتأخير بزمان يوجب الفصل بينهما كقولك: "رأيت زيدًا ثم عمرًا": أفاد رؤية عمرو متأخرة عن رؤية زيد بزمان يمنع اتصاله به عرفًا.
وقد يتجوز به، فيستعمل مكان حرف الواو، كما في قوله تعالى: ﴿فَإلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾. أي والله شهيد على ما يفعلون، لأنه لا يجوز أن يكون الله شهيدًا بعد أن لم يكن.
ومنها- حرف "الفاء ":
وهي للتعقيب مع الوصل، أي لثبوت الثاني عقيب الأول متصلًا به. كقولك: "رأيت زيدًا فعمرًا"، إذا كان رؤية عمرو متصلة برؤية زيد أو متأخرة عنه بزمان لا يمنع الوصل في العادة.
стр. 40
ودلالة ذلك أن هذا الحرف يستعمل في مواضع مختلفة الصور اتفقت في إفادة هذا المعنى- فإنه يستعمل في:
- جزاء الشرط كقولك: "إن دخلتِ الدار فأنت طالق".
- وفي موجب العلة، كقولك: "كسرته فانكسر".
- وفي حكم السبب، كقولك: "اشتراه فملكه".
- وفي موضع لا تتحقق هذه الوجوه، كقوله: "جاءني زيد فعمرو".
واتفقت هذه الصور، مع اختلافها، في إفادة التعقيب مع الوصل: علم أنه حقيقة له.
ومنها- حرف "الباء ":
- وهو للإلصاق، كقولك: "مسحت يدي بالمنديل": أفاد إلصاقها به.
- ويستعمل في الآلة، والسبب، والعوض: لإفادة الإلصاق صورة أو معنى. واختلفوا في قوله تعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾:
قال بعضهم: إنه، على موجب اللغة، يفيد إلصاق المسح بجميع الرأي، لأنه علق المسح بالرأس، والذي يسمى رأسًا هو الكل. إلا أنه في العرف يفيد إلصاق المسح إما بكله أو ببعضه، فإنا نقول: "مسحت يدي بالمنديل" إذا مسحت بعضه، كما نقول ذلك أيضًا إذا مسحت كله.
وقال بعضهم: إن الآية مجملة، لأن هذا الحرف قد يراد به الكل، وقد يراد به البعض، فكان مجملًا، فلا يصح التعلق إلا ببيان.
стр. 41
ومنها- كلمة "في":
- وهي للظرف كقولك: "زيد فيالدار" و"حنطة في الجوالق" و"درهم في الكيس": أفاد كون الدار ظرفًا لزيد، وكون الجوالق والكيس ظرفًا للحنطة والدراهم.
وقد يقال: "في الصلاة" يعني الظرفية، لأنه متى انقطع إلى الصلاة دون غيرها صار كمن انقطع إلى مكان دون غيره.
- وقد تستعمل كلمة "في" للشرط. كقول القائل لامرأته: "أنت طالق في دخولك الدار" فتصير مجازًا عن كلمة "مع" وعن كلمة "على" لمقاربة بينهما في معنى الاتصال والمجاورة، لما عرف.
ومنها- كلمة "من":
- وهي لابتداء الغاية- تقول: "خرجت من البصرة إلى الكوفة": أفاد أن بصرة مبدأ خروجك.
- وقد تستعمل مكان حرف الباء- قال الله تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي بأمر الله.
- وقد تكون صلة في الكلام لتحسين النظم- كما في قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ أي يغفر لكم ذنوبكم.
- وقد تكون للتبعيض- كقولك: "أكلت من هذا الرغيف".
стр. 42
- وقد تكون لبيان الجنس- كقولك: "باب من حديد". فهذا ليس للتبعيض، لنه لو لم يكن في العالم إلا الحديد الذي اتخذ منه الباب، صح أن يقال: "باب من حديد".
والصحيح أن كلمة "من" لتمييز الشيء عن غيره. وإنما استعملت في هذه المواضع لإفادة معنى التمييز، حتى لا تختلف فائدة الكلمة باختلاف المواضع. بيانه- أن معنى التمييز حاصل في قوله: "خرجت من مكة" لأن الكائن في مكان متصل به ومجاور له، وبعض الشيء حقيقة متصل به. فإذا خرج فكأنه انفصل وتميز منه. وكذا في انفصال الجزء عن كله. وكذا في قوله: "باب من حديد" أفاد تمييز الحديد من سائر الأجناس في اتخاذ الباب منه.
ومنها- كلمة "إلى":
وهي لانتهاء الغاية، كقولك: "خرجت من بصرة إلى الكوفة": أفاد أن الكوفة منتهى خروجك.
ثم الغاية قد تدخل في الكلام وقد لا تدخل. ولهذا قالوا: إن قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إلَى المَرَافِقِ﴾ مجمل.
والصحيح أن الغاية لا تدخل في الكلام، وهذه الآية لا تقتضي وجوب غسل المرافق، لأنها تفيد وجود غسل أيدي نهايتها المرافق، ومن غسل الأيدي إلى أول المرافق صدق [عليه] القول بأنه غسل أيدي نهايتها المرافق، فسقط الأمر به، كمن قال لغيره: "ادخل الدار" فإذا فعل فعلًا يصدق عليه اسم دخول الدار يخرج عن العهدة، وهذا لأن سقوط الأمر متعلق بوجود أول الاسم لا بوجود آخره- ألا ترى أن من انتهى إلى أول بغداد صح أن يقال: إنه انتهى
стр. 43
إلى بغداد، وإنما استفدنا وجوب غسل المرافق بدلالة أخرى لا بهذه الدلالة.
ومنها- كلمة "حتى":
- وهي للغاية مطلقًا، ولا تفتقر إلى ابتداء لما ضربت له الغاية.
وبهذا فارقـ[ـت] كلمة "إلى"، فإنها لانتهاء الغاية، فتقتضي ابتداء حتى تكون هي نهايته.
ودلالة ما قلنا: الاستعمال- قال الله تعالى: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ - فهذا أمر بالعبادة إلى حين الموت. وكذا قوله ﵇: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" من غير ذكر ابتداء له.
- وقد تستعمل هذه الكلمة في المجازاة إذا دخلت فيما لا يقبل الغاية ويقبل المجازاة، والمذكور يصلح أن يكون جزاء. كقولك: "وهبتك حتى تعوضني" أي لتجازيني بالعوض. لأن جزاء الفعل ينهي أثر الفعل ويجعل كأن لم يكن، وهو معنى الغاية، فيحمل عليه عند تعذر الحمل على حقيقة الغاية.
- وقد يستعمل مكان حرف "الفاء" عند تعذر حمله على حقيقة الغاية والجزاء. كمن يقول لغيره: إن لم آتك اليوم حتى أتغدى عندك فعبده حر- فهو كقوله: "إن لم آتك اليوم فأتغدى عندك".
ومنها- كلمة "على":
وهي مشتقة من العلو، يقال: "زيد على السطح" و"درهم على الكف".
- وتستعمل في عرف الشرع للإيجاب- قال الله تعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ
стр. 44
حَجَّ البَيْتَ﴾ وهو للإيجاب. وكذا قول القائل: "لفلان عليَّ ألف درهم": محمول على الوجوب. وإنما استعمل فيه لتحقق معنى العلو. لأن الوجوب هو السقوط، ولا فرق بين قول القائل: "سقط عليه" وبين قوله: "علاه وارتفع عليه". وهذا لأن الشيء إذا ارتفع على غيره وقع ثقله عليه. وكذا الفعل: إذا وجب على الإنسان وقع ثقله، والمشقة الحاصلة متحصلة عليه، فلذلك استعمل في الإيجاب.
- وقد تستعمل في الشرط إذا تعذر حمله على الوجوب- كقول القائل لامرأته: "أنتِ طالق على ألف درهم" أي بشرط قبول الألف، لأن الشرط في معنى الموجب للحكم، فيحمل عليه.
- وقد تستعمل في الأعواض إذا تعذر حمله على الإيجاب والشرط، كقول القائل: "بعت منك هذا العبد على ألف"- هذا للمبادلة لا للشرط. لأن تعليق التمليك بالشرط لا يجوز. ولأنه يصح الرجوع عنه قبل القبول. وهذا حكم المبادلة دون الشرط. وإنما حمل عليهـ[ـا]، لأن في المبادلة معنى الوجوب ومعنى الشرط، فيحمل عليها عند تعذر الحمل عليهما.
стр. 45
ومنها- كلمة "بل" و"لا بل":
وهو لنفي الأول، وإثبات الثاني مقامه، على وجه تدارك الغلط. كقول القائل: "اضرب زيدًا لا بل عمرًا": يفهم من هذا نفي الضرب عن زيد وإقامة عمرو مقامه في الضرب وأنه غلط في الأمر بالضرب.
إذا ثبت هذا- نقول:
إن كان الأمر قابلًا للنفي ينتفي الأول، ويثبت الثاني مكانه.
وإن كان غير قابل للنفي بأن كان طلاقًا ونحو ذلك، يبقى الأول ثابتًا ويثبت الثاني، فيجعل الأول كالمنفي في حقه عملًا بقضية الكلمة بقدر الإمكان.
ومنها- كلمة "لكن":
وهي لاستدراك الغلط، ككلمة "لا، بل" و"بل" -إلا أن الفرق بينهما أن هذه الكلمة لا تستعمل إلا بعد تقدم النفي، إلا في بيان الوصف، كقولك: "رأيت زيدًا لكن مريض"، ولا يصير نفي الأول مستفادًا به. وفي كلمة "بل" نفي الأول مستفاد بها، ولا يحتاج إلى تقدم النفي صريحًا.
مثال كلمة "لكن"- قوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: نفي الظلم عن الله تعالى استُفيد بصريح النفي لا بكلمة "لكن".
ومثال كلمة "بل" قول القائل: "رأيت زيدًا بل عمرًا" فَنَفْي رؤية زيد استُفيد بكلمة "بل".
стр. 46
ومنها- كلمة "إلا":
وهي للاستثناء. يقول: "جاءني القول إلا زيدًا": أفاد هذا استثناء زيد عن حكم المجيء.
ومنها- كلمة "غير":
وهي في معنى كلمة "إلا" إذا ذكر [ت] بنصب الراء- يقال: "عليَّ درهم غيرَ دانق" كان إقرارًا بخمسة دوانيق كقوله: "إلا دانقًا".
فأما إذا ذكر [ت] برفع الراء، [فـ] تقتضي المغايرة بين المذكور الأول والثاني، لا على جهة الاستثناء، كقولك: "عليَّ درهم غيرُ دانق": لزمه درهم تام وتصير "غيرُ" نفيًا لصفة الدانق للدرهم أي "عليَّ الدرهم الذي هو غير الدانق".
ومنها- حروف القسم:
وهي: "الباء" و"الواو" و"التاء":
كقولك: "بالله" و"والله"، "تالله". عُرف ذلك بالاستعمال: في كتاب الله تعالى، وكلام الناس.
ومنها- حروف الشرط:
وهي: "إن" و"إذا" و"إ؟ ذا ما" و"متى" و"متى ما" و"كل" "وكلما" و"من" و"ما".
كل ذلك عُرف باستعمال أهل اللسان. والله أعلم.
стр. 47
٤
باب
حقيقة الأمر
واختصاصه بالقول
اعلم أن اسم الأمر يقع في الأمر الحقيقي، وهو القائم بالنفس الذي يوجب كونه آمرًا، ويقع على غيره.
ومعنى اختصاص الأمر بالقول: أنه الدال عليه دون غيره. وهذا باطل- لأن القول قد يدل عليه. وغير القول، كالإشارة وغيرها، يدل عليه.
وأما الذي يقع على غير ذلك-[فقد] أجمعوا أنهي قع على القول المخصوص على الحقيقة، وهو قول القائل لمن دونه "افعل".
واختلفوا في أنه: هل يقع على الفعل حقيقة أم لا؟
ذهب أصحابنا وأكثر الناس إلى أنه لا يقع على الفعل حقيقة.
وقال أصحاب الشافعي: إنه يقع على الفعل حتى قالوا: إن أفعال الرسول ﵇ على الوجوب، لأنها داخلة تحت قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (الآية).
والصحيح أن اسم الأمر مشترك بين: الشيء، والشأن، والقول المخصوص:
стр. 48
فإن قائلًا لو قال: "آمر" لا يدري السامع أي هذه الأمور أراد، كما إذا قال: "أدرك" لا يدري السامع أنه أراد به اللحوق أو الرؤية. فإذا قال: "آمر بكذا" يفهم منه القول المخصوص.
وإذا قال: "أمر فلان مستقيم" يفهم منه شئونه وطرائقه.
وإذا قيل "جاءني زيد لأمر من الأمور" يفهم منه شيء من الأشياء.
وإذا كان مستعملًا في هذه الأشياء الثلاثة [فـ] لا يُحمل على واحد منها إلا بدليل.
ثم الدليل على أن اسم الأمر لا يقع على الفعل حقيقة- أنه: لو كان يقع عليه حقيقة لا طرد فيه، فيسمى كل فعل به: فيسمى الأكل أمرًا، والشرب أمرًا، وليس كذلك. وكان يجب أن لا يصح نفيه عنه. والأمر بخلافه. وأنه يصح أن يقال في كل فعل "فعل هذا الفعل وما أمر".
فإن قيل: أليس أنه يقال للأكل الكثير "هذا أمر عظيم"، وهذا إطلاق اسم الأمر على الفعل- قلنا: إنما قيل ذلك لا باعتبار أنه فعل، بل باعتبار أنه شيء- يعني "هذا شيء عظيم". وقد ذكرنا أن اسم الأمر حقيقة في الشيء- ألا ترى أنه لا يقال ذلك في الأكل القليل مع أنه فعل.
стр. 49
وقد استدل على ذلك أيضًا بأن اسم الأمر لو كان حقيقة في الفعل لوجب أن يشتق لفاعله منه اسم "آمر"، كما في القول المخصوص. إلا أن في هذا الوجه نظرًا، لأن الاشتقاق م الحقائق ليس بواجب- ألا ترى أن اسم "الرائحة" حقيقة فيما هو رائحة ثم لا يشتق لمحله منه اسم، وإذا لم يكن ذلك واجبًا لم يكن عدم الاشتقاق دليلًا على أنه ليس بحقيقة في الفعل.
ومن ذهب إلى أن اسم "الأمر" يقع على الفعل حقيقة تعلق بقوله تعالى: ﴿ومَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿ومَا أَمْرُنَا إلَاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾: أطلق اسم الأمر على الفعل، فكان حقيقة فيه.
والجواب:
- لا يمتنع أن يكون المراد بقوله تعالى: ﴿ومَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ هذا القول المخصوص- ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ والإتباع يكون للقول خاصة. ثم إن كان غير القول مرادًا، لكان معناه: وما شئونه وطرائقه برشيدة.
- وأما الآية الثانية، قلنا: ليس المراد منه الفعل، بل المراد أن من شأنه وصفته أنه إذا أراد شيئًا [فإنه] يقع كلمح البصر في السرعة.
ولئن كان المراد من الآيتين هو الفعل، ولكن مطلق الاستعمال لا يدل على
стр. 50
الحقيقة، كاستعمال اسم المجاز في محالها، بل بشرط أن لا ينتفي الاسم عنه بحال، وقد فقد هذا الشرط ههنا.
١٢ - باب في- ما يقع عليه قولنا "افعل ":
ثم إذا وقع اسم الأمر على القول المخصوص، فإنما يقع عليه عند استجماع شرائط ثلاثة:
أحدها- أن يكون على هذه الصفة المخصوصة، وهو قوله "افعل" أو "ليفعل".
والثاني- أن يكون القائل أعلى رتبة من المقول له.
والثالث- أن يكون القائل طالبًا أن يفعل المقول له الفعل، لا محالة.
- أما اعتبار الشرط الأول، فظاهر- فإن ما ليس على هذه الصفة المخصوصة، كالخبر والنهي والتمني، لا يسمى أمرًا.
- وأما اعتبار الشرط الثاني، فبيّن أيضًا- فإن القائل إذا كان أدنى رتبة من المقول له، لا يكون أمرًا بل يكون سؤالًا. وإذا كان مساويًا له في الرتية يكون طلبًا. هكذا قرره المتقدمون. والصحيح أن اعتبار الاستعلاء أولى من اعتبار علو الرتبة- فإن من قال لغيره على سبيل التذلل "افعل" لا يكون أمرًا، وإن كان أعلى رتبة منه. ولو قال له ذلك على سبيل الاستعلاء يكون أمرًا وإن كان أدنى رتبة منه. ولهذا يصفون من هذا حالة بالحق والجهل حتى يأمر من هو أعلى رتبة منه.
- وأما اعتبار الشرط الثالث، فلأن القائل إذا لم يكن طالبًا للفعل، بل يكون غرضه الزجر والتحذير أو لا يكون له غرض أصلًا، بأن كان نائمًا أو ساهيًا،
стр. 51
لا يكون أمرًا. ولو كان طالبًا للفعل وغرضه أن يفعل يكون أمرًا لهذا المعنى.
فإن قيل: لم قلتم بأن كلام النائم والساهي إنما لم يكن أمرًا لانعدام الطلب حتى يشترط وجوده لكونه أمرًا، بل إنما لم يكن أمرًا، لأن المتكلم ما أراد كونه أمرًا، حتى لو أراد كونه أمرًا كان أمرًا، كما نقوله في الخبر: فإنه خبر لإرادة كونه خبرًا- قلنا: لا شك أن نفس هذه الصيغة لا تكفي في كونه أمرًا، لأن نفس الصيغة موجودة في قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم﴾ وليس بأمر، فعُلم أنه لا بد من أمر زائد على الصيغة.
وإذا ثبت هذا نقول:
لا خلاف بين أهل اللغة أن الأمر طلب الفعل، فإذا وُجدت الصيغة على وجه الطلب والاستدعاء وُجد الأمر، وإذا انتفى الطلب بدلالة، لم يوجد حقيقة الأمر. فعُلم أن الصيغة إنما تصير أمرًا لمطابقتهـ[ـا] طلب القائل لها الفعل، من المقول له، وإنما ينتفي كونه أمرًا لانتفاء هذه المطابقة.
قوله: إن الصيغة إنما تكون أمرًا إذا أراد كونها أمرًا- قلنا: نحن في البحث عن ماهية الأمر- أن الأمر ما هو؟ فلا بد وأن نعقل معنى كون الكلام أمرًا، ليصح تعلق الإرادة به، بخلاف الخبر. لأن معنى كون الكلام خبرًا معقول، وهو كونه إعلامًا، فإرادة كون الكلام خبرًا عن كون زيد في الدار، إرادة كونه إعلامًا بكون الزيد في الدار، فأما ههنا: إذا لم نعقل كون الكلام أمرًا، [فـ] كيف نعقل تعلق الإرادة به؟
стр. 52
فإن قيل: معنى كون الكلام أمرًا هو أنه أريد به الفعل المأمور به- قلنا: إن عنيتم بهذه الإرادة الطلب والاستدعاء للفعل الذي تناوله الأمر، فقد صرتم إلى الوفاق. وإن عنيتم به حقيقة الإرادة- فهذا باطل، لأن الله تعالى أمر الكفار بالإيمان، ولم يرد منهم الإيمان، لما عرف المذهب السديد. ولأن الواحد منا قد يأمر عبده العاصي بالفعل ويريد أن لا يفعله، ليظهر عصيانه عند الناس، فلا يمنعونه عن ضربه ولومه، فعلم أن كونه أمرًا لا يقف على إرادة الفعل- دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ فإنه ليس بأمر، وإن وجدت الصيغة وإرادة ما تناولته- دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الخَالِيَةِ﴾ [فـ] ليس بأمر، وقد وجدت الصيغة وإرادة تحصيل الفعل منهم.
فإن قيل: قد شرطتم في كون هذه الصيغة أمرًا أن يكون [القائل] طالبًا للفعل من المقول له- فلم قلتم إنه طالب منه ذلك، وبِمَ يُعرف ذلك منه؟ :
فإن قال بالأمر- قلنا: معرفة كونه أمرًا، متعلق بالطلب، فكيف يمكن إثبات كونه أمرًا بالطلب، والعلم به موقوف على كونه أمرًا؟ - قلنا: نحن لا نستدل على الطلب بالأمر من حيث هو أمر، بل من حيث إنه على هذه الصيغة المخصوصة، لأن هذه الصيغة في الأصل وضعت لطلب الفعل، فنستدل بنفس الصيغة عند فقد القرائن على الطلب، ثم نحكم بكونه أمرًا بعد الوقوف على الطلب.
فإن قيل: المرجع في كون الصيغة أمرًا نفس الصيغة- إذن، فهلا قلتم بأن
стр. 53
الأمر أمر بصيغة ابتداء كما قال البعض؟ - قلنا: قول القائل الأمر أمر لصيغته، يقتضي أن لا يشترط في كونه أمرًا شيء آخر وراء الصيغة، وقد بينا اشتراط شرط آخر.
وإذا ثبت هذا- نقول في حد الأمر: إنه القول المقتضي لاستدعاء الفعل بنفسه على جهة الاستعلاء، لا على جهة التذلل. وقد دخل في هذا الحد قولنا: "افعل" و"ليفعل".
ولا يلزمنا أن نسمي قول القائل: "أوجبت عليك أن تفعل" أمرًا، لأنه لا يقتضي طلب الفعل بنفسه بل بواسطة تصريحه بالإيجاب.
ولا يلزمنا النهي عن أضداد الشيء حيث يفقد الطلب وليس بأمر، لأنه لا يدل على الطلب بنفسه، بل بواسطة قبح تلك الأضداد واستحالة انفكاك المكلف عنها إلا إليه.
ولا يلزمنا قول القائل: "أريد منك أن تفعل"، لأنه لا يدل على الطلب بنفسه، بل بواسطة تصريحه بالإرادة.
فإذن سلم الحد عن التناقض.
والله أعلم.
стр. 54
١٣ - باب في: أن صيغة "افعل": هل هي مشتركة بين الفائدتين على سبيل التحقيق أم لا ؟
ذهب أصحابنا وأكثر الناس إلى أن صيغة "افعل" حقيقة في الأمر الذي هو طلب الفعل، مجاز في غيره.
وكذلك قولنا: "لا تفعل" حقيقة في النهي الذي هو طلب الترك، مجاز في غيره.
وذهب بعض الناس إلى أن صيغة "افعل" مشتركة بين الأمر الذي هو طلب الفعل، وبين التهديد على الفعل والإيجاب والندب والإرشاد والإباحة، وجعلوها حقيقة في هذه الأشياء. وكذلك قول القائل: "لا تفعل": مشتركة بين النهي الذي هو طلب الترك وبين التهديد على الترك.
واستدلوا على ذلك بالاستعمال- فقالوا: إن قولنا: "افعل" كما هو مستعمل في الأمر الذي هو طلب الفعل، مستعمل في الندب والإباحة والإرشاد والتهديد على الفعل، فلما وجب كونه حقيقة في الأمر، وجب كونه حقيقة في هذه الأشياء، لمكان الاستعمال فيها.
ونحن نستدل على صحة ما ذهبنا إليه: [بـ] أن هذه الصيغة لو كانت مشتركة بين الأمر الذي هو طلب الفعل وبين التهديد على الفعل، لكان اقتضاؤه لكل واحد من المعنيين على سواء، ولكان لا يسبق إلى الفهم أحدهما إلا بقرينة، كاسم اللون: لما كان مشتركًا بين السواد والبياض لا يسبق إلى فهم السامع أحدهما إلا بقرينة، ونحن نعلم أن قائلًا لو قال لغيره "افعل" كان الأسبق إلى الأفهام طلب الفعل دون غيره- فعلمنا أنه حقيقة فيه مجاز في غيره، كما نعلم أن اسم الحمار لو لم يكن حقيقة في البهيمة ومجازًا في البليد، لما كان الأسبق إلى أفهامنا- عند إطلاق اسم الحمار- البهيمة دون البليد.
стр. 55
وقوله: إن أهل اللغة استعملوها في هذه المعاني- قلنا: بلى، ولكن لم قلتم بأن إطلاق الاستعمال دليل الحقيقة؟ :
فإن قال: استعمال الاسم لا يكون إلا في حقيقته- قلنا: هذا باطل بأسماء المجاز. فإن منع كون اسم الحمار مجازًا في البليد، فقد أبطلناه. وإن سلم ذلك لكنه فصل بين استعماله في البهيمة وبين استعماله في البليد بوجه- فنحن نفصل بين استعمال هذه الصيغة في الأمر وبين استعمالها في التهديد بذلك الوجه. ثم ذلك الوجه هو نفي الاطلاد، فإنه لا يصح أن يقال: "طلب منه الفعل على جهة الحتم وما أمره به"، ويصح أن يقال: "هدده على الفعل أو أباح له أو أرشده، أو ندبه إليه وما أمره به".
فإن قالوا: إن الأصل استعمال اللفظ في موضوعه، فنقول: أيش تعني بهذا الأصل؟ فإن قال: أعني به أن الظاهر استعماله في ذلك إلا أن يمنع منه مانع، وفي استعمال المجاز منع من ذلك مانع، وهو علمنا باضطرار أن أهل اللغة تجوزوا بهذه الأسامي في هذه المعاني- قلنا: أيش تعني بهذا الظاهر؟ إن كان تعني به ما يبين لنا ويظهر من فعل أهل اللغة أنه حقيقة فيه، فهو المتنازع فيه. وإن كان تعني به أن الأغلب ذلك، قلنا: لم قلتم إن الأغلب ذلك؟ ولئن كان الأغلب ذلك، ولكن هذا لا يفيد إلا الظن، وأسماء الحقائق لا تثبت بالظنون- والله أعلم.
١٤ - باب في: أن صيغة الأمر، هل تفيد الوجوب أم لا ؟ :
ذهب أصحابنا وأكثر الناس إلى أنها تفيد الوجوب.
وذهب بعضهم إلى أنها لا تفيد الوجوب، وإنما تفيد الإباحة.
стр. 56
وذهب بعضهم إلى أنها تفيد الندب.
وذهب بعضهم إلى أنها تفيد حسن المأمور به، ونتوقف في مله على الوجوب والندب والإباحة على قيام الدليل.
وذهب جماعة من المتكلمين إلى أنها تفيد إرادة المأمور فقط، وجرى قوله: "افعل" مجرى قوله: "أريد منك أن تفعل".
- واستدلوا على صحة مذهبهم- فقالوا:
إن أهل اللغة لم يفصلوا بين السؤال والأمر إلا من حيث الرتبة، فقالوا: السؤال قول القائل لمن فوقه "افعل"، والأمر [قوله] لمن دونه "افعل". ولو كان بينهما فصل من حيث الإيجاب لفصلوا بينهما بالذكر، كما فصلوا بينهما بالرتبة. ثم السؤال لما لم يقتض الإيجاب، فكذا الأمر.
وقالوا: أيضًا: إن الأمر ضد النهي، ثم النهي يقتضي كراهة المنهي عنه، فالأمر وجب أن يقتضي إرادة المأمور تحقيقًا للمضادة.
- وأما من حمل على الإباحة-[فـ] قال: إن هذه الصيغة وُضعت في الأصل لإزالة الحظر ورفع الحرج، فيُحمل عليه، لأنه متيقن، ولا يحمل على ما وراء ذلك إلا بدليل.
- ومن حمله على الندب- قال: إن هذه الصيغة وُضعت للطلب، ثم الطلب على مرتبتين: قد يكون إيجابًا وقد يكون ندبًا، فيُمل على أدنى مرتبتيه، لأنه متيقن.
- ومن حمله على حسن المأمور به وتوقف في قضاياه الأُخر- قال: إن الحكيم لا يأمر بشيء قبيح، فدلَّ على حسنه لا محالة، وما وراء ذلك لا دليل عليه،
стр. 57
ولأن الأمر ضد النهي، ثم النهي يقتضي قبح المنهي عنه، فالأمر وجب أن يقتضي حسن المأمور به.
لكنا نستدل على صحة ما ذهبنا إليه- فنقول:
قول القائل "افعل" يقتضي أن يفعل المقول له الفعل، لا محالة. ونعني بذلك أنه ينبغي أن يفعل ويمنع من الإخلال به. ولا نعني بوجوب الفعل سوى المنع من الإخلال به، واختصاصه بحال يلام على الإخلال به.
وإنما قلنا ذلك:
- أما اقتضاؤه الفعل، فظاهر، لأن قوله "افعل" صريح في طلب الفعل واستدعائه. كما أن قول القائل: "زيد فاعل" صريح في الإخبار عن كونه فاعلًا.
- وأما اقتضاؤه الفعل لا محالة على التفسير الذي ذكرنا، فلأن تارك الفعل المأمور به يوصف بالعصيان- قال الله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾، وتقول العرب: "أمرتك فعصيتني" أي لم تفعل، وقال الشاعر: "أمرتك أمرًا جازمًا فعصيتني" والعاصي هو المقدم على ما منع منه الآمر، فلولا أن ترك الفعل المأمور به ممنوع بقضية الأمر لما وُصف بالعصيان.
стр. 58
فإن قيل: لم قلتم إن استحقاق اسم العصيان باعتبار مخالفة الأمر؟ ولم قلتم إن مخالفة الأمر هو الإقدام على ما منع منه؟ قلنا:
أما الأول- فلأن أهل اللغة أعقبوا المعصية على الأمر بحرف الفاء فقالوا: "أمرتك فعصيتني"- عرفنا أن لتقدم الأمر تأثيرًا في استحقاق اسم المعصية، كمن قال لغيره: "إن دخل زيد الدار فأعطه درهمًا" يقتضي أن لدخول الدار تأثيرًا في استحقاق العطية.
وأما الثاني- فالدلالة عليه من وجهين:
أحدهما- أن الله تعالى إذا أمرنا بشيء فلم نفعله كنا عصاة، وإذا ندبنا إلى شيء فقال: "الأولى أن تفعلوه ولكم أن لا تفعلوه" فلم نفعله لم نكن عصاة، وما الفصل بينهما إلا من حيث إن الأمر بالفعل يمنعنا عن الإخلال به، وترغيبنا في الشيء مع التخيير لا يمنعنا عنه.
والثاني- أن العاصي هو المقدم على مخالفة الأمر، إذ لا فرق بين قول القائل: "عصى أمري" وبين قوله: "خالف أمري"، ومخالفة الأمر هو الإقدام على ما منع منه الآمر، لأن ما لا يتعرض له الآمر بمنع، فالإقدام عليه لا يكون مخالفة المر، فإن الله تعالى إذا أمرنا بالصلاة غدًا، فتصدقنا اليوم، لم نكن مخالفين للأمر، لأن الأمر بالصلاة غدًا لا يتعرض لتصدقنا اليوم بمنع.
إذا ثبت هذا [فـ] نقول:
تارك الفعل المأمور به عاص، والعاصي هو المقدم على مخالفة الأمر،
стр. 59
ومخالفة الأمر هو الإقدام على ما منع من الآمر، فدلَّ أن ترك الفعل المأمور به ممنوع بقضية الأمر، وصار كأن الآمر قال: "افعل هذا الفعل وأنت ممنوع عن الإخلال به وملوم عليه" وهذا هو المعنى بالوجوب.
فإن قيل: أليس أن المستشير إذا ترك ما أشير إليه في الأمر يوصف بالعصيان، فإن المشير يقول: "أشرتك على كذا فعصيتني" ثم لا يدلُّ ذلك على الوجوب- قلنا: نحن ندعي في هذه الصيغة أنها طلب للفعل ومنع عن الإخلال به، فأينما وجدت أفادت فائدتها إلا أن يمنع من ذلك مانع. وأما المستشير فقد وجد الطلب والمنع في حقه، فإن المشير إذا قال: "افعل كيت وكيت من الرأي الجزم" فقد طلب منه الفعل ومنعه عن الإخلال به، فإذا عدل عنه المستشير يوصف بالعصيان، حتى لو رخصه في الترك بان قال: "الرأي هذا والأولى أن تفعله وإن لم تفعله فلا بأس به" لا يصير عاصيًا بتركه، وصار بمنزلة صريح الإيجاب، ثم صريح الإيجاب يفيد الوجوب إذا صدر ممن هو أهل الإيجاب، ولا يفيده إذا صدر ممن ليس بأهل الإيجاب على المأمور- فكذا هذا.
دليل آخر- العرف. وهو أن السيد إذا قال لعبده "افعل" فلم يفعل، لامه العقلاء من أهل اللغة، واستحسنوا لومه من المولى وعقابه- فلولا أنهم عقلوا منه الإيجاب، لما استحسنوا لومه وعقابه.
стр. 60
فإن قيل: إنهم ما عقلوا الإيجاب من نفس الصيغة، بل من دلالة الحال. وبيانه: أنهم علموا باضطراد من حال السيد أنه لا يأمر عبده إلا بما يحتاج إليه في جلب منفعة أو دفع مضرة، وذلك يقتضي أنه كاره من العبد تركه، حتى إنه لو أمره بشيء يعود نفعه إلى العبد خاصة- نقول: لا يجب عليه ذلك- قلنا: العقلاء كما استحسنوا ذمة، بينوا العلة فيه، فقالوا: السيد قال له: "افعل" فلم يفعل، ولم يسألوا المولى "هل قرنت أمرك بدليل يقتضي الإيجاب؟ " فعرفنا أن علة استحقاق الذم مخالفة أمره لا ما ذكرتم، على أن كون السيد منتفعًا بشيء لا يدل على أنه كره من العبد تركه، لجواز أن يكون قد كره من العبد تركه، وإنما يعرف كونه كارهًا من العبد تركه إذا دلَّ السيد على ذلك، والأمر عندكم لا يدل على الوجوب ولا على كراهة ترك المأمور به، فكيف يعرف كونه كارهًا الترك من العبد خاصة؟ .
قوله: بأن السيد لو أمره بشيء يعود نفعه إليه خاصة، لا يجب عليه- قلنا: ليس كذلك، بل يجب على العبد امتثال أمر السيد، سواء أمره بشيء يعود نفعه إليه أو إلى السيد، على أن يعود من النفع إلى العبد فهو عائد إلى المولى، لن العبد ملكه، فما يعود إلى العبد بصلاح كان عائدًا إلى المولى بصلاح ملكه.
فإن قيل: هذا تكلم في غير محل النزاع، لأن النزاع في أن الأمر في اللغة هل وضع للإيجاب؟ وهذا رجوع إلى العرف لا إلى أصل اللغة- قلنا: إذا ثبت أن العرف هذا، [فقد] ثبت أن الوضع في الأصل على هذا، لما مرَّ في الأبواب المتقدمة: أن العرف يكون على وفاق الوضع إلا بدليل معارض، على أن الكلام هنا في تعيين ما يحمل عليه بصيغة الأمر، لا في الجهة، وقد ثبت ذلك بما ذكرناه.
وقد استدل على أن أوامر الله تعالى وأوامر الرسول ﵇ على الوجوب بأدلة سمعية: منها- قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ
стр. 61
أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: حذر على مخالفة الأمر وتوعد عليه، ومخالفة الأمر هو الإقدام على ما منع منه الآمر- دلَّ على أن ترك الفعل المأمور به محذور متوعد عليه، وهو المعنى بالوجوب، والدليل عليـ[ـه] أنه حذرهم من مخالفة الأمر، فإنه قال: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾، فالله تعالى حثهم على الرجوع إلى أقواله والتزام العمل به- قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ - دلَّ أنه إنما حذَّرهم عن مخالفة ما قد دعاهم إليه من الرجوع إلى أقواله والتزام العمل به. وإن كان "الهاء" في "أمره" راجعًا إلى اسم الله تعالى، فذاك يقتضي الرجوع إلى أوامر الله تعالى ووجوب العمل بها.
فإن قيل: لم قلتم إن مخالفة الأمر هو الإقدام على ما منع منه الآمر، بل مخالفة الأمر هو إنكار حقيقته. ولئن كان مخالفة الأمر ما ذكرتم، لكن المذكور في الآية ليس مخالفة الأمر بل المخالفة عن الأمر، فإنه قال: ﴿يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾، وذلك ما قلنا- قلنا: [أولًا] الدليل على أن مخالفة الأمر هو الإقدام على ما منع منه الامر، لا ما قلتم: إن المخالفة ضد الموافقة. ثم موافقة الأمر فعل ما يطابقه. ومما يوضح ذلك أن موافقة قول القائل "افعل" أن يفعل.
стр. 62
فمخالفته: أن لا يفعل ضرورة. وأما الثاني- قلنا: "عن" هنا صلة في الكلام، كما في قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ أي ذنوبكم، وتقديره: فليحذر الذين يخالفون أمره- هذا هو المنقول عن أئمة التفسير.
ومنها- قوله تعالى: ﴿وإذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾: ذمَّهم على ترك الركوع إذا قيل لهم اركعوا، فلولا أن مطلق الأمر يقتضي الوجوب لما ذمَّهم عليه.
ومنها- قوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ إذْ أَمَرْتُكَ﴾ هذا استفهام خرج مخرج الذمِّ والتوبيخ، فالله تعالى ذمه على ترك السجود المأمور به، فلولا أنه يفيد الوجوب لما ذمَّه عليه. وكان لإبليس أن يقول: "الذي سوغني ترك السجود هو أنك ما ألزمتنيه بل رخصتني في الترك" لأن الأمر إذا لم يحمل على الوجوب كان فيه ترخيص الترك.
وقد استُدل على أن الأمر يقتضي الوجوب بوجه آخر، وهو أن الأمر متعدٍ: لازمُه "ائتمر" يقال: "أمرتُه فائتمر" كما يقال: "كسرتُه فانكسر" فهذا يقتضي أن يكون الائتمار ملازمًا للأمر قطعًا، كالانكسار والكسر- هذا هو قضية اللغة، إلا أنه يتعذر جعله ملازمًا له قطعًا، لتعلقه باختيار الفاعل، فوجب الحمل على الوجوب، لأنه يجعل الائتمار ملازمًا للأمر عادة، قضاء لحق اللفظ بقدر الممكن.
إلا أن هذا الوجه غير صحيح، والاعتراض عليه:
أن يقال: لا نسلم أن الائتمار الذي هو فعل المأمور به ملازم للأمر.
стр. 63
قوله: "الأمر متعدٍ- يقال: أمرته فائتمر"- قلنا: ما معنى قوله: "ائتمر"؟ معنى ذلك أنه صار مأمورًا، كما في قوله: "كسرته فانكسر" أي صار مكسورًا. أو معناه: أنه امتثل المأمور به وفعله. [فـ] إن كان الأول: فمسلَّم، وذا لا يتوقف على الوجوب وعلى شيء ما سوى الأمر. وإن كان الثاني: [فـ] ممنوع أنه ملازم للأمر، وإنما يقال ذلك إذا امتثل الأمر. فأما إذا أخلَّ به فلا، بل يقال: "أمرته فما ائتمر" فكيف يكون ملازمًا له؟ وإذا لم يكن الامتثال والائتمار ملازمًا للمر، لم يجب ما قلتموه من الوجوب.
ومن وجه آخر، نقول: أهل اللغة يقولون: "أمرته فائتمر" قبل وجود الفعل المأمور به أو بعده؟ : إن قال: "قبله"- فممنوع، وإن قال ذلك كان كذبًا وباطلًا. وإن قال "بعده"-[فـ] مسلم، ولكن وجوب الفعل يكون قبل وجوده لا بعده.
فإن قال: التعلق بهذا الاستعمال من وجه آخر، وهو أن الفعل المأمور به إذا وُجد فأهل اللغة يسمونه "ائتمارًا" ويقال: "أمر فائتمر". وهذا إنما يستعمل في ملازم الفعل كقولهم: "كسره فانكسر". وإذا كان وجود المأمور به على وجه اللزوم له، [فـ] لا بد أن يتحقق فيه كونه ملازمًا للأمر، وذلك يحمل على الوجوب على ما مر- قلنا:
أولًا- هذا باطل بالندب، فإنه يقال "ندبه إلى كذا فانتدب بندبه" أي "فعل ما ندبه إليه"، وهو جار مجرى الملازمة كالكسر مع الانكسار. ثم هذا لا يقتضي كون الندب إيجابًا والمندوب إليه واجبًا.
والثاني- أن هذا الاستعمال، إذا كان بعد وجود الفعل، يعتقد أن الأمر
стр. 64
الذي اتصل به المأمور به كان، مع تواني حصوله، لكن لا بجهة الوجوب بل بجهة أخرى، وهو أن تعظيم حال الآمر ورعاية جانبه دعاه إلى الفعل، وأثر ذلك في صدور الامتثال والائتمار ملازمًا له، هذا القدر يكفي لتحصيل هذا الاستعمال، فلا حاجة إلى الوجوب- دل عليه أن قول القائل: "أمره فائتمر بأمره وامتثل أمره" يستعمل على وجه تعظيم الآمر وذلك فيما قلنا.
والثالث- أن هذا يقتضي أن الأمر الذي يتصل به المأمور به ويوجد الامتثال هو المقتضي للوجوب، لا الأمر قبل وجود الفعل، لأنه إنما يقال عند وجود الفعل "أمره فائتمر"، فأما عند عدمه، [فـ] لا يقال ذلك، بل يقال: "أمره فلم يأتمر"، والكلام في اعتقاد وجوب الفعل المأمور به قبل الفعل.
وأما شُبه الخصوم:
أما الاستدلال بالسؤال- قلنا: لا فرق بين السؤال والمر في الحقيقة من حيث إن كل واحد منهما طلب الفعل لا محالة، ومنع من الإخلال به، فإن من قال للأمير: "اخلع ليَّ" يجد من نفسه طلب الفعل لا محالة، كما في الأمر، وطلب الفعل لا محالة إيجاب الفعل على ما مرَّ، فجرى قول القائل: "افعل" مجرى قوله: "أوجبت عليك أن تفعل". ثم السائل إذا قال للمسئول "أوجبت عليك أن تفعل" لا يجب عليه شيء، فكذا إذا قال له: "افعل". فأما إيجاب الله تعالى وإيجاب الرسول ومن يفترض على المقول له طاعته-[فـ] يقتضي الوجوب، فكذا قوله "افعل".
стр. 65
وأما الاستدلال بالنهي- قلنا: النهي لا يقتضي كراهة المنهي عنه ابتداء، بل يقتضي طلب الانتهاء والمنع من الفعل، كما في الأمر على ضده. ثم الكراهة لو ثبتت، ثبتت تبعًا له- فكذا الإرادة في الأمر.
وأما قولهم: إن هذه الصيغة وضعت للإباحة- قلنا: ليس كذلك، بل قضية الدليل حمله على الوجوب على ما مرَّ.
وقولهم: إن الأمر يدل على حسن المأمور به- قلنا: بلى، ولكن لا ينفي حمله على الوجوب، وقد دللنا عليه. والاستدلال بالنهي باطل، على ما مرَّ.
والله أعلم.
١٥ - باب في: أن الأمر الوارد بعد حظر سمعي أو عقلي ما الذي يفيده ؟ :
ذهب أصحابنا وأكثر الناس إلى أن الأمر الوارد بعد حظر سمعي أو عقلي يفيد ما كان يفيده، لو لم يتقدمه الحظر، من وجوب.
وذهب بعض الناس إلى أنه يفيد الإباحة إذا ورد بعد حظر سمعي.
فالحظر العقلي ما دلَّ العقل على حظره ظاهرًا أو غلَّب الظن حظره، لا ما هو محظور بالعقل قطعًا، كالكفر والكذب والظلم: فإنه لا يجوز ورود الأمر به.
واستدلوا على ذلك بأن قالوا بأن الأمة أجمعت على حمل قوله تعالى:
стр. 66
﴿وإذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ على الإباحة، وليس الوجه في ذلك سوى وروده بعد الحظر بالإحرام أو الصلاة، حتى لو ورد قبله يفيد الوجوب. ولأن الظاهر من حال المحظور بالنهي أن لا ينتقل إلى الوجوب، فكان تقدم الحظر دليلًا على أن المتكلم أراد به إزالة الحظر ورفع الحرج، وهذا معنى الإباحة.
ونحن نستدل على صحة ما ذهبنا إليه بأن هذه الصيغة إذا تجردت عن القرينة، فإنها تفيد الوجوب، لكون الصيغة- موضوعة له، ولصدوره من حكيم يريد به ما وُضع له- وهذا الوجه ثابت بعد الحظر، فيحمل على الوجوب.
فإن قيل:
-[أولًا] لم قلتم إن هذه الصيغة موضوعة للإيجاب بعد الحظر، وما أنكرتم أنها موضوعة للإباحة، إما لغة وإما عرفًا.
- والثاني: إن لم تكن موضوعة للإباحة بعد الحظْر، ولكن لِمَ قلتم: إن تقدم الحظر لا يدل على أن المتكلم أراد به الإباحة، بل يدل على ذلك، لما ذكرنا: أن الظاهر من حال المحظور بالنهي أن لا ينتقل إلى الوجوب، والفقه فيه أن سابقة الحظْر دليل على ميل الطبع إليه، إذ لا يَحْسُنُ النهي عن الشيء والتوعيد عليه إذا لم يكن في الطبع داع إليه، وإذا كان في الطبع دعاء إليه، يكفيه الإباحة
стр. 67
ولا يحسن فيه الإيجاب، إذ لا يحسن إيجاب فعل يشتبه الإنسان والتوعيد على تركه.
قلنا:
-[الأول] المفهوم من هذه الصيغة- البعث على الفعل والحث عليه على ما مر، وذلك ينافي التخيير، والإباحة فيها تخيير، فكيف تكون موضوعة لها؟ على أن هذا قول لم يشهد به أهل اللغة، وهو جار مجري قول القائل: "الأمر موضوع للوجوب في مكان دون غيره" وهذا فاسد.
- وأما الثاني- قلنا: وروده بعد الحظر إنما يدل على أن المستعمل أراد به ما ذكرتم: أن لو لم يجز أن ينتقل الفعل من الحظر إلى الوجوب، وقد جاز ذلك- فإن الفعل بعد حظر عقلي ينتقل إلى الوجوب، حتى إن الأمر به يفيد الوجوب، فكذا يعد حظر سمعي، فإن الله تعالى نهى الحائض عن الصوم والصلاة، ولا يمتنع وجوبها عليها بعد ذلك بالأمر، ومتى جاز ذلك، لم يكن تقدم الحظر دليلًا على الإباحة.
وقوله: الظاهر من حال المحظور بالنهي أن لا ينتقل إلى الوجوب- قلنا: لا نسلم بأن الظاهر ذلك.
وقوله: بأن تقدم الحظر دليل على أن في الطبع دعاء إليه- قلنا: لا نسلم بأن الظاهر ذلك، فإن الله تعالى كما نهانا عما تميل طباعنا إليه، نهانا عما تنفر
стр. 68
طباعنا عنه إذ [اتصف] بوجه من وجوه القبح. ولهذا نهانا عن شرب البول وسائر الخبائث وعن قتل النفس والإيلام وغير ذلك. وهذا لأن أمر الشرع ونهيه يتبع المصلحة، فإن كانت المصلحة بالأمر بالشيء يأمر به وإن كان الطبع يدعو إليه، وإن كانت في النهي ينهي عنه وإن كان الطبع ينفر عنه- وهذا لأن الشيء الذي ينفر عنه الطبع جاز أن يتراءى للعبد حصول مصلحة به، فيقدم عليه مع نفرة الطبع عنه، لتحصيل تلك المصلحة بزعمه، فإذا لم يكن ذلك مصلحة ينهي الشرع عنه. ثم إذا اشتمل على وجه المصلحة يأمر به ويوجبه. وقد يختص الفعل بجهتين: إحداهما ينفر عنه الطبع، والأخرى يدعو إليه الطبع، فإن كانت المصلحة في الامتناع عنه ينهي الشرع عنه، وإن كانت في الإقدام عليه يأمر به ويوجبه. وإذا جاز أن ينتقل المحظور، بالنهي، إلى الوجوب، فتقدم النهي لا يدل على الإباحة.
وأما حمل قوله تعالى: ﴿وإذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ على الإباحة، [فـ] عدول عن ظاهر الأمر بدليل، وليس يجب، إذا عدل عن ظاهر بعض النصوص بدليل، أن يعدل عنه في جميعها من غير دليل، كألفاظ العموم: حمل بعضها على الخصوص بدليل، ولا يجب لأجل ذلك حمل جميعها على الخصوص من غير دليل.
والله أعلم.
стр. 69
١٦ - باب في: الأمر بالأشياء على سبيل التخيير-[هل] يفيد وجوب واحد منها غير عين، أو يفيد وجوب الكل على طريق البدل ؟ :
ذهب الفقهاء إلى أنه يفيد وجوب واحد منها غير عين- وهو أحد قولي الكرخي ﵀.
وذهب المتكلمون إلى أنه يفيد وجوب الكل على طريق البدل. وهو قوله الاخر. ونظيره الأمر بالكفارات الثلاث.
стр. 70
أما الفقهاء- فقد استدلوا على صحة مذهبهم بوجوه:
منها- أن المكلف لا يلزمه فعل جميعها، ويسقط عنه التكليف بفعل واحد منها. ولو كان الكل واجبًا لما كان كذلك.
ومنها- أنـ[ـه] لو كان الكل واجبًا، فلو فعل جميعها معًا، لوقع الكل واجبًا، إذا ليس البعض بأولى من البعض، وفي ذلك إيجاب الكل على طريق الجمع، لا على طريق البدل.
ومنها- أنه لو أخلَّ بجميعها يستحق العقاب بترك واحد منها. ولو كان الكل واجبًا، لكان يستحق العقاب بترك الكل. ولو فعل جميعها [لكان] يستحق ثواب الواجب على كل واحد منها- وهذا فاسد.
وأما المذهب الثاني:
فقبل أن يشرع في إقامة الدلالة على صحته، يبحث عن محل الخلاف: إن الخلاف راجع إلى العبارة أو إلى المعنى؟ فنقول:
إن كان الفقهاء عنوا بكلامهم أن المختص بجهة الوجوب كل واحد منها، والكل متساو في ذلك، إلا أنه يسقط التكليف بفعل واحد منها- فالخلاف يكون في العبارة. وإن عنوا به أن المختص بتلك الجهة واحد منها، وهو متعين عند الله تعالى، غير متعين عند العبد- فالخلاف إذن يكون في المعنى. فنقيم الدلالة على بطلان ذلك- فنقول:
стр. 71
لو كان الواجب واحدًا منها لعيَّنها الله تعالى، لأن تكليف ذلك الواحد، مع ما أنه ليس إلى العبد معرفته سبيل، تكليف ما ليس في الوسع، وذا لا يجوز. ولأن الواجب والمختص بجهة الوجوب، لو كان واحدًا منها، لما جاز التخيير بينه وبين غيره، لأنه حينئذ يكون تخييرًا بين الواجب وغير الواجب، وفي ذلك إباحة الإخلال بالواجب، وذا لا يجوز.
فإن قيل: إنما جاز التخيير لما أن في علم الله تعالى أنه لا يختار إلا الواجب والمختص بتلك الجهة- قلنا: لو جاز من المكلفين مع كثرتهم وتفرق رأيهم وطول زمانهم وقوع المصلحة دون المفسدة اتفاقًا، لجاز وقوع التصديق بالأنبياء من جملة الكاذبين ممن لا يعرف الفصل بينهما اتفاقًا، ولجاز وقوع الفعل المُحْكَم ممن لا علم له به أصلًا- وهذا فاسد عند العقلاء. ولئن جاز ذلك، لم يخرج هذا من أن يكون تخييرًا من الله تعالى بين الواجب وغير الواجب، وإباحة الإخلال بالواجب- وهذا فاسد أيضًا، فإن الأمة مجمعة على أن المكفر بواحدة من الكفارات الثلاث لو كان قد كفر بغيرها، أجزأه وكان إتيانًا بما تعبد به، فلولا أن الكل واجب، لما جاز، ولما كان آتيًا بما تُعبد به.
فإن قيل: إنما جاز التخيير، لما أن لاختيار العبد تأثيرًا في جعل الفعل مصلحة وواجبًا، فإذا اختار واحدة منها صارت تلك الواحدة مصلحة وواجبًا، لأن الاختيار صادفها- قلنا: هذا السؤال يقتضي أن لا يكون الفعل مصلحة وواجبًا قبل الاختيار، والإجماع انعقد على ثبوت الوجوب قبل الاختيار، إما في واحدة منها أو في الكل، وكان يجب إذا كفر بغير هذه الأشياء الثلاثة أجزأه، لأن الاختيار صادفه.
стр. 72
فإن قال بأن الاختيار إنما يؤثر في جعل الفعل مصلحة وواجبًا إذا صادف هذه الأشياء الثلاثة، وإذا كفر بغيرها لم يصادف الاختيارُ هذه الأشياء الثلاثة، ولا يؤثر في جعله مصلحة وواجبًا- قلنا: بهذا السؤال سلمتم أن هذه الأشياء الثلاثة اختصت بجهة فَاوَقَت بها ما ليس منها، وهي الجهة التي لأجلها يصير الفعل مصلحة وواجبًا، فقد سلمتم ما نريده من أن كل واحد يسد مسد صاحبها في مصلحة الوجوب. فبعد ذلك يبقى ما قلتموه: أن لاختيار العبد تأثيرًا في جعل الفعل مصلحة، وهذا باطل، لن المكفر بهذه الأشياء عالم بها، والعالم بالفعل لا بد أن يقصد الفعل ويريده. وما لا بد للفعل منه، لا يجوز أن يجعل مؤثرًا في حكم من أحكام الفعل أو شرطًا فيه، إذ لو لم يكن ذلك، لجاز أن يجعل اختيار فعل كل واجب مؤثرًا وشرطًا لصحة وجوبه، وذلك باطل.
وأما الجواب عن كلمات المخالفين:
أما الأول- قلنا: الكل واجب عندنا على البدل، ونعني بذلك أن كل واحد منها سادٌّ مسد الآخر في حصول المصلحة التي يجب استيفاؤها. فإذا فعل واحد منها، فقد حصلت المصلحة مستوفاة، فلم يبق شيء تكون الثانية مصلحة فيه، فتسقط ضرورة.
وأما الثاني- قوله لو فعل جميعها لكان الكل واجبًا- قلنا: إن عنيتم بهذا الكلام أن المكلف يلزمه تحصيلها بعد ما صارت مفعولة- فهذا محال.
стр. 73
وإن عنيتم به أن هذه الأشياء حصلت على صفات [و] لمكان تلك الصفات كان قد لزم المكلف تحصيلها -فنحن نقول به: إن كل واحدة منها صارت على تلك الصفة.
فإن قيل: إذا فعل المكلف معًا، لا يخلو: إما أن يسقط الواجب بجميعها، أو بكل واحدة منها، أو بواحدة منها: إن قلتم: بجميعها، كان قولًا بوجوب الكل على طريق الجمع لا على طريق البدل. وإن قلتم بكل واحدة منها، كان ذلك حصول الأثر عن مؤثرين، وذا لا سبيل إليه. وإن قلتم بواحدة منها، كانت الواجبة تلك الواحدة- قلنا: الفرض عندنا يسقط بكل واحدة منها، لأن الكل واجبة على البدل، فلم يكن البعض بسقوط الفرض به أولى من البعض، ولا استحالة ثبوت الأثر عن مؤثرين على المقارنة، فإن من ارتد حَالمًا قَتَل عمدًا يستحق قتله بكل واحدة من الردة والقتل. وكذا إذا انكشفت عورته في الصلاة حالمًا تكلم أو أحدث يخرج من الصلاة بكل واحدة من هذه الأسباب.
وأما الثالث- قلنا: إذا أخل بجميعها-[فـ] عندنا، يستحق العقاب بترك الكل، لأن الكل واجب على البدل على ما مرَّ. غير أنه يستحق على الإخلال بالكل عقاب أدونها عقابًا، لأنه لو فعل تلك الواحدة لا يستحق العقاب بترك الباقي، فكذا إذا استوفى عقاب تلك الواحدة، لنه جرى مجرى فعل تلك الواحدة.
قوله: لو فعل جميعها ينبغي أن يستحق ثواب الواجب بكل واحدة منها- قلنا: عندنا: يستحق ثواب الواجب بكل واحدة منها، لما مر أن الكل واجب على البدل.
стр. 74
فإن قيل: قد منعتم ورود التعبد بشيء واحد من جملة هذه الأشياء لا بعينه، وقد ورد الشر عبه بالإجماع:
- منها- إذا باع قفيزًا من صُبرة يجوز، والمعقود عليه قفيز واحد غير عين لا جميع القفزان.
- ومنها- أن من طلق إحدى نسائه لا يعينها أو أعتق أحد عبيده لا بعينه، فالمطلقة واحدة غير عين والمعتق واحد غير عين، وإليه الخيار في التعيين.
- ومنها- أن الحانث في يمينه لا يلزمه عتق جميع الرقاب بل عتق رقبة واحدة غير عين ويتعين بتعيينه.
والفقه في جميع ذلك: أن الإيجاب ليس بإثبات صفة حقيقية للفعل، حتى يقال إن إثبات صفة في محل، لا يتعين عند المثبت، محال، كإثبات السواد في محل غير عين، إنما هذا من باب الذكر وتعليق الخطاب بالمذكور، فالواجب ما قال الشارع فيه "افعل" لا على جهة التخيير، وهذا يتصور في الواحد غير عين، كما ذكرنا من النظائر.
قلنا:
نحن لا نجوز وجوب فعل من الأفعال غير عين، والتعبد به محال، لما ذكرنا.
وما ذكر من الأمثلة: فالمعقود عليه كل القفزان على البدل، لأنه لا اختصاص للعقد بقفيز دون قفيز، فإذا عين المشتري واحدًا منها، تعين ملكه فيه، وصار تعين ملكه فيه كسقوط الفرض في مسألتنا. وكذا إذا طلق إحدى نسائه، أو أعتق أحد عبيده، فكل واحدة منهن صادفها الطلاق، على البدل، لفقد الاختصاص بواحدة منهن، فإذا بين الزوج وعين واحدة للفرقة بعينها تعينت [و] لت له الباقيات. وكذا في العتق. وكذا الحانث في يمينه:
стр. 75
يلزمه عتق كل رقبة يملكها، على البدل، على الوجه الذي ذكرنا.
وقوله: إن الوجوب ليس صفة للفعل- قلنا: ليس كذلك، لأن أحوال الأفعال واختصاصها بجهات تقتضي الوجوب في البعض والحرمة في البعض، ثابت عند العقلاء، لأن الأفعال في ذواتها، والصفات الذاتية لها، متماثلة، وإنما يوصف البعض بالوجوب عقلًا وشرعًا، والبعض بالحرمة، لاختصاصها باسم يقتضي ذلك، وقد قررنا هذه القاعدة في موضعها.
وقول الشارع "افعل" كاشف عن وجه الوجوب فيه، على جهة الإجمال، لأنه إثبات للوجوب.
وقوله: إن الإيجاب ليس إلا قول الشارع "افعل"، فالواجب ما قيل فيه "افعل"- قلنا: هذا يرفع وجوب الواجبات العقلية قبل ورود السمع، كالإيمان بالله تعالى، وشكر المنعم، وغير ذلك، ويقتضي أن الظلم والكفر والكذب العاري عن النفع إذا قيل فيه "افعل" أن يصير واجبًا، وكل ذلك يأباه دليل العقل. ثم إن جرينا معه أن الإيجاب هو قول الشارع "افعل"، لكن إذا وقع [كان] طلبًا للفعل على جهة الحتم لا على جهة التخيير، وذا إنما يصح إذا كان للمكلَّف سبيل إلى العلم به، وأن لا يدخل التخيير بينه وبين غيره، ولو كان الواجب أحد الأشياء غير عين، لم يكن للمكلَّف سبيل إلى العلم به وكان مخيرًا بينه وبين غيره- على ما مرَّ.
والله أعلم.
следующие страницы →