Полный текст (696 стр.). Показаны 666–696 · переход к 671.
стр. 666
لأنه إذا ثبتت حكمته لا يجوز أن يرسل من يكذب. فإذا أخبر الرسول أن الإله واحد لا قديم سواه، وأنه يراه المؤمنون في الآخرة- ثبت ذلك بقوله. وكذلك وجوب رد الودائع والغصوب والانتفاع بما لا مضرة فيه على أحد.
[والثالث] وأما ما يعلم بالشرع وحده- فهو ما كان في السمع دليل عليه دون العقل، كوجوب الأفعال التي تعبدنا الله تعالى بها أو بتركها، كوجوب الصلاة والصوم وترك شرب الخمر ونحو ذلك، فإنا لا نعقل استحسان الذم على من أخل بصوم أول يوم من شهر رمضان دون الذي قبله، أو أخل بأداء أربع بعد الزوال دون ما قبله، أو شرب الخمر دون الخل. وهذا لأن وجوب الأفعال، لما فيها من المصالح ودفع المضار، وذلك لا يعلم بمجرد العقل، فيقف على ورود الشرع.
والله أعلم.
стр. 667
(ج)
١٦٧ - باب في: تعبد النبي الثاني بشريعة الأول . وأن نبينا ﵇ لم يكن متعبداً قبل النبوة ولا بعدها بشريعة من تقدم، لا هو ولا أمته:
(أ) - أما جواز تعبد النبي ﵇ الثاني بشريعة الأول:
فالدلالة عليه- أن شرع هذه الشرائع لمصلحة العباد. [و] كما لا يمتنع في العقل أن تكون مصلحة النبي الثاني مع أمته، مخالفة لمصلحة الأول، لذلك لا يمتنع أن تكون مصلحة [الثاني] موافقة لمصلحة [الأول] في كل ما شرعه أو في بعضه.
فإن قيل: مجيء الثاني بعين شريعة الأول لا يفيد وكان عبثاً- قلنا: لا يمتنع أن يتعبد الثاني بالرجوع إلى ما جاء به الأول، ويوحي إليه بعبادات زائدة على العبادات التي علمها من الأول، أو يوحى إليه بشريعة الأول، لأنها قد درست، أو يوحى إليه بها ويبعث إلى غير من بعث إليه الأول. ومع هذه الوجوه لا يحصل العبث.
стр. 668
ومن منع جواز ذلك تعلق بقوله تعالى: [لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً] خص كل نبي بشريعة على حدة.
والجواب- أن الآية تقتضى أن كل نبي يختص بطريقة لم تكن للأول. أما لا يقتضى انتساخ شريعة الأول كله، لأن ذلك سبب نقض الأحكام. ألا ترى أنهم أجمعوا على طريقة واحدة في الإيمان بالله تعالى وتوحيده والطاعة له على أوامراه.
(ب) - وأما كون نبينا ﵇ متعبداً بشريعة من قبلنا قبل البعثة- فقد منح منه قوم. وتوقف فيه آخرون.
واختلفوا بعد البعثة- قال بعضهم: كان متعبداً بشريعة من قبله، إلا ما استثني بدليل وعرف نسخه.
وقال آخرون: ما كان متعبداً بذلك.
واختلف من قال: كان متعبداً بذلك قبل النبوة وبعدها:
قال بعضهم: كان متعبداً بشريعة نوح ﵇.
وقال بعضهم: بشريعة إبراهيم ﵇.
وقال بعضهم: بشريعة موسى ﵇.
والدلالة على أنه لم يكن متعبداً قبل البعثة بذلك- أنه لو كان متعبداً بذلك، لكان يفعل ما تعبد به ولو فعل ذلك، لكان يخالط من ينقل ذلك الشرع
стр. 669
من النصارى وغيرهم، ويفعل فعلهم، إذ لا طريق لمعرفته إلا ذلك. وقد نقلت أفعاله قبل البعثة وعرفت أحواله ولم ينقل أنه كان يفعل ما كان يفعله النصارى، ولا كان يخالطهم، ولا يخالط غيرهم ويسألهم عن شرعهم.
واحتج المخالف- بأنه كان قبل البعثة يحج ويعتمر ويطوف بالبيت ويذكي ويأكل اللحم ويركب البهائم ويحمل عليها- وكل ذلك لا يحسن إلا شرعاً.
والجواب- أنه [لم يثبت أنه] حج واعتمر قبل البعثة، وتولى التذكية بنفسه ولا أمر بها. وأما أكل اللحم المذكي فحسن في العقل، إذ هو نوع نفع ليس فيه ضرر، على ما مر تقريره في باب الحظر. وأما ركوب البهائم والحمل عليها فحسن أيضاً في العقل، لأنه ضرر يؤدى إلى نفع أعظم منه، وهو القيام بمصالحها وإيصال النفع إليها. وأما الطواف بالبيت: فيحتمل أنه فعل ذلك ليتشاغل به، كما يتشاغل الإنسان بالمشي ويستروح إليه إذا كان مفكراً. وأما تعظيمه البيت: فيحتمل أنه كان [يعظمه]، لأن إبراهيم ﵇ عظمه، والعقل يقتضى حسن تعظيم أماكن الأنبياء وتمييزها وتعظيم ما عظموه ما لم يعرف نسخه.
стр. 670
(ج) - وأما الدلالة على أنه ما كان متعبداً بشرع من قبله بعد البعثة فمن وجوه:
١ - منها- أن النبي ﵇ لما قال له معاذ: "أحكم بكتاب الله وسنة رسوله". وقال من بعد: "أجتهد رأيي"- صوبه، ولم يعرفه أنه يجب [عليه] الحكم بما في التوراة والإنجيل.
فإن قيل: إنما لم يعرفه لوجهين:
أحدهما- أن التوراة والإنجيل اندرجا تحت قوله: "أحكم بكتاب الله تعالى": فإنه اسم يعم لكل كتاب الله تعالى.
والثاني- إنما لم يذكر التوراة والإنجيل لأن في الكتاب آيات تدل على الرجوع إليها، لما نذكره.
قلنا:
أما الأول- فكتاب الله تعالى إذا أطلق لا يسبق إلى فهم المسلم إلا القرآن. ألا ترى أن المفهوم من قولنا "قرآناً" كتاب الله تعالى. و"حكمنا بكتاب الله تعالى" هو "القرآن". ولأن معاذاً ﵁ لم يعهد منه تعلم التوراة والإنجيل، والعناية بتمييز المعرف عن غيره، كما عهد منه تعلم القرآن-
стр. 671
فكيف يقول: أحكم بالتوراة والإنجيل؟
وأما الثاني- قلنا سنبين بطلان تعلقهم بتلك الآيات. ثم نقول: في الكتاب ما يدل على إتباع السنة والقياس. وكان ينبغي أن يقتصر على ذكر الكتاب، فإن شرع في التفصيل كانت الشريعة السابقة أولى بذلك.
٢ - ومنها- أنه ﵇ لو كان متعبداً بها للزمه مراجعتها وحفظها والبحث عنها. وكان لا ينتظر الوحي في الحوادث، لا سيما أحكام هي ضرر في كل أمة. ولم يقل أنه فعل ذلك. فإن لم يراجعها لاندراسها وتحريفها. فهذا يمنع التعبد. وإذ كان ممكناً ولم يراجع- دل على أنه لم يكن متعبداً به.
٣ - ومنها- أنه لو كان متعبداً بذلك، لكان تعلمها وحفظها ونقلها من فروض الأعيان أو الكفايات، كالقرآن والأخبار، وأوجب على الصحابة ومن بعدهم ذلك، ولنقلوا. وحيث لم ينقل من أحد ذلك، علم أنه لم يكن متعبداً بها.
٤ - ومنها- إجماع الأمة على أن هذه الشريعة بجملتها شريعته ﵇. ولو كان متعبداً بشرع من سلف، لم ينسب جميع شرعه إليه، كما لا ينسب شرعه ﵇ إلى بعض أمته، لما كانت أمته استفادت شرعه منه ﵇.
والمخالف احتج في المسألة بآيات وأخبار:
أما الآيات:
١ - منها قوله تعالى: [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ]
стр. 672
وشرعهم من هداهم، فيجب علينا إتباعه.
٢ - ومنها- قوله تعالى: [إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا] بين أنها منزلة ليحكم بها الأنبياء، ونبينا ﵇، إذ هو من جملة الأنبياء ﵈.
٣ - ومنها- قوله تعالى: [إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ].
٤ - ومنها- قوله تعالى: [ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً].
٥ - ومنها- قوله تعالى: [شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ... الآية].
وأما الأخبار:
١ - فمنها- قوله ﵇: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها". وقوله تعالى: [وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي] وهذا خطاب موسى ﵇.
стр. 673
٢ - ومنها- أنه ﵇ قضى في سن كسرت فقال: "كتاب الله يقضى بالقصاص" وليس في القرآن قصاص السن، إلا ما حكي عن التوراة قوله: [وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ].
٣ - ومنها- مراجعة النبي ﵇ التوراة في رجم اليهوديين.
والجواب:
أما الآية الأولى- فالمراد منها التوحيد، لأنه أمر بهدى مضاف إلى كل الأنبياء، وذلك هو التوحيد، دون الشرائع التي لم يجمعوا عليها.
وأما الآية الثانية- فظاهرها يقتضى أن يحكم بها كل النبيين ﵈. وذلك يوجب حمله على الحكم بالتوحيد والإيمان بالبعث ليدخل فيه جميع النبيين ﵈. فأما الشرائع [ف] لا يمكن دخول كل النبيين فيها، لأن بعضهم قد نسخ بعض ما في التوراة.
وأما الآية الثالثة- قلنا: الله تعالى لم يقل: أوحينا إليك "ما"
стр. 674
أوحينا إلى نوح، وإنما قال: "كما أوحينا" وهو لإزالة تعجب من تعجب بأن يوحى إليه، كمن يقول لغيره: كيف راسلني فلان بك؟ فيقول: كما راسلك بفلان؟ دل عليه أنه قال في آخر الكلام: "وكلم الله موسى تكليماً"- بين أن إرساله الرسل غير منكر ولا مستطرف.
وأما الآية الرابعة- قلنا: اسم "الملة" لا يقع إلا على الأصول من التوحيد والإخلاص لله تعالى بالعبادة دون الفروع. ولهذا لا يقال: ملة أبى حنيفة وملة الشافعي، [ويقال مذهبهما] دل عليه قوله تعالى: [أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ].
[وأما الآية الخامسة- قلنا: "إن اسم "الدين" يقع على الأصول دون الفروع. ولهذا لا يقال: "دين الشافعي" ويراد به مذهبه. ولا يقال: " دينه ودين أبي حنيفة مختلف".
стр. 675
على أن قوله: [ ... أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ... ] دلالة على أن الذي شرعه لنا مما وصى به نوحاً هو ترك التفرق وأن نتمسك بما شرع. ولو دلت الآية على أنه ﵇ تعبد بشرع من قبله، لدلت على أنه تعبد بذلك بأمر مبتدأ"].
وأما الأخبار:
أما الأول- قلنا: إنه ﵇ ما ذكر قوله تعالى: [وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي] تعليلاً للإيجاب عليه: [بل] أوجب بما أوحى إليه، ونبه على أنهم أمروا كما أمر موسى ﵇. وقوله "لذكري" أي لذكر [أن عليك] الصلاة. ولولا الخبر لكان أسبق إلى الفهم. إنه لذكر الله بالقلب أي لذكرى الصلاة بالإيجاب.
وأما الحديث الثاني- قلنا في القرآن: قوله تعالى: [فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ
стр. 676
فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ] فدخل السن تحت عمومه.
وأما الحديث الثالث-[" يقال لهم: ولم قلتم إنه رجع إليها ليستفيد الحكم منها؟ وهلا قلتم إنه رجع إليها ليقررهم على صدقه في حكايته أن الرجم مذكور فيها؟ ولو رجع ليستفيد الحكم منها، لرجع إليها في غير ذلك من الأحكام، ولرجع إليها في شرائط الرجم كالإحصان وغيره، ولما اعتمد على من أخبره في تلك الحال، لأنهم لم يكونوا بصورة المتواترين. وأخبار آحاد الكفار غير معمول بها. وأيضاً فكون التوراة محرفة يمنع من الرجوع إليها ومن استفادة الحكم منها"].
стр. 677
(د)
١٦٨ - باب في: الصفة التي معها يجوز للإنسان أن يفتى نفسه ويفتى غيره:
اعلم أن هذه الصفة هي التي يكون الإنسان بها أهلاً للاجتهاد.
وإنما يكون من أهله إذا عرف الأدلة السمعية، وأمكنه الاستدلال بها على الأحكام. والأدلة السمعية كما ذكرنا في صدر الكتاب أربعة: كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ويندرج فيه الأقوال المروية والأفعال المنقولة عنه ﵇، وإجماع الأمة، والقياس. فلا بد من معرفة هذه الأدلة في نفسها، ومعرفة كونها حجة، ومعرفة كيفية الاستدلال بها، ليكون من أهل الفتوى والاجتهاد. ولهذا أصل وكمال.
أما الكمال- فهو:
أن يحفظ كتاب الله تعالى، والأحاديث التي تتعلق بها الأحكام، قولاً وفعلاً. ويحفظ أقاويل السلف: ما أجمعوا عليه وما اختلفوا فيه، حتى لا يفتى بخلاف الإجماع، كما يلزمه حفظ النصوص، حتى لا يفتى بخلافها. ويعرف أركان القياس وشرائطه ووجه استعماله في الأحكام. ويعرف أن هذه الدلائل حجة في الأحكام.
ومعرفة هذه الجملة تقف على:
- معرفة الصانع القديم وصفاته، وأنه غنى حكيم لا يجوز عليه الكذب- فيعرف ذلك بالدليل ليعرف صدق كلامه.
- ويعرف رسالة الرسول ﵇ وعصمته عن الكذب بإقامة المعجزة،
стр. 678
لأن الله تعالى إذا كان حكيماً غنياً لا يصدق الكاذب بالمعجزة، ولا يخبر بعصمته.
- ويعرف كون الإجماع حجة، لأنه تثبت عصمتهم عن الخطأ بقول الله تعالى وقول الرسول ﵇.
- ويعرف من اللغة والنحو القدر الذي يفهم منه خطاب العرب وعادتهم في الاستعمال إلى حد يميز بين صريح اللفظ وظاهره ومجمله وحقيقته ومجازه وعامه وخاصه ومحكمه ومتشابهه ومطلقه ومقيده، ليمكنه حمل خطاب الله تعالى ورسوله على ما اقتضاه.
- ويعرف الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة.
- ويعرف الرواة ونقلة الحديث. ويميز بين المقبول منهم والمردود.
[و] في الاستدلال بأفعال النبي ﵇ يحتاج إلى العلم بأنها حجة، والعلم بالوجه الذي يقع الفعل عليه.
- وأما القياس- فمن شرط الاستدلال به: أن يكون المستدل به غير عارف [بحكم الفرع] ليصح منه أنه يطلبه، ويثبته في الفرع بالقياس. وأن يكون عارفاً بالأصل وبحكم الأصل، وظاناً لعلته، وعالماً ثبوتها في الفرع، أو ظاناً لذلك، ليصح أن يطلب الحكم في الأصل فيعديه إلى الفرع، لأجل وجود العلة فيه. ويعرف الفرع نفسه ليصح أن يعرف ثبوت العلة وحكمها فيه.
стр. 679
فمن استجمع هذه المعاني- فهو من أهل الاجتهاد والفتوى على الكمال.
أما أصلها- فهو ما لابد منه في ذلك وهو:
- أن يحفظ من كتاب الله تعالى ما يتعلق به من الأحكام، وهى مقدار خمسمائة آية. ألا وإن كان لا يحفظها وراء ظهره، يكفيه أن يكون عالماً بمواضعها حتى يطلب منه الآية المحتاج إليها في وقت الحاجة.
- وأن يحفظ الأحاديث التي يتعلق بها الأحكام. فإن لم يحفظ يكفيه أن يكون عنده أصل مصحح يجمع أحاديث الأحكام. كسنن أبى داود وغيره. ويعرف مواضع كل باب، فيراجعه عند الحاجة.
- وفى الإجماع: إن لم يحفظ جميع أقاويل السلف، يكفيه أن يعلم أن قوله في المسألة التي يفتى فيها ليس مخالفاً للإجماع: إما بأن يعلم أنه يوافق مذهب ذي مذهب من العلماء، أو يعلم أن هذه واقعة حدثت في هذا العصر لم يكن للإجماع فيه خوض.
- وأما العلم بالله تعالى وصفاته ورسالته- فيكفى فيه الاعتقاد الجزم بهذه الأمور. ولا يشترط الوقوف على دقائق الكلام، إذ بهذا القدر يصير مسلماً، وإنه كاف.
- وأما علم اللغة والنحو- فيكفيه أن يعرف القدر الذي يتعلق بالكتاب والسنة، ويقف على مواقع خطاب العرب.
- وأما معرفة الناسخ والمنسوخ-[ف] يكفيه أن يعلم أن الآية التي أفتى بها أو الحديث الذي أفتى به ليس بمنسوخ، وإن لم يعرف جميع ذلك.
- وأما معرفة الرواة والنقلة- فإن كان المنقول بطريق التواتر، فلا حاجة فيه إلى العلم بعدالة الرواة. وإن كان بطريق الآحاد، [ف] يفتقر إلى الفحص عن عدالة الراوي: فمن كان مشهوراً بالعدالة بين النقلة يعتمد عليه.
стр. 680
فهذه جملة لا بد منها في أهلية الاجتهاد مطلقاً، فيصير الإنسان بحال يفتى به في جميع الشرع.
ويجوز أن ينال العالم منصب الاجتهاد والفتوى في بعض الأحكام دون بعض. فيفتى في مسألة من الفرائض مثلاً إذا كان عالماً بالفرائض وإن لم يعرف [ما عداه] من أبواب الفقه، لأن الظاهر أن أحكام الفرائض لا يستنبط من غيرها إلا نادراً، والذهاب عن النادر لا يقدح في الاجتهاد- ألا ترى أن المجتهد قد يخفى عليه من النصوص اليسير، ولا يقدح ذلك في كونه أملاً للاجتهاد.
* * *
١٦٩ - باب في: كيفية فتوى المفتي:
اعلم أن المفتي إذا سئل عن حكم، ولم يتقدم منه اجتهاد وقول في المسألة- يجب عليه الاجتهاد فيها، قبل القول، ليعلم أنه يصيب في فتواه.
وإن تقدم منه اجتهاد وقول فيها، وكان ذاكراً لذلك القول وطريقة الاجتهاد، لم يجب عليه تجديد الاجتهاد، لأنه كالمجتهد في الحال- وإن لم يذكر طريقة الاجتهاد، يجب عليه تجديد الاجتهاد، لأنه في حكم [من لا اجتهاد] له.
стр. 681
ومن أفتى باجتهاد ثم مات- هل يجوز الأخذ بقوله؟
قال بعضهم: لا يجوز، لأنه لا يدرى أنه، لو كان حياً، لكان ذاكراً لطريقة الاجتهاد، راضياً بذلك القول.
والصحيح أنه يجوز ذلك القول، لأن الظاهر من ذلك القول أنه قول ذلك الفقيه إلى أن مات، وموته قد أزال عنه التكليف، ولا يلزمنا إعادة الاجتهاد.
وإذا أفتى المجتهد باجتهاده، ثم تغير اجتهاده، لم يلزمه تعريف المستفتى بتغير اجتهاده إذا كان قد عمل به. وإن لم يكن قد عمل به، فينبغي أن يعرفه، إن تمكن منه، لأن العامي إنما يعمل به، لأنه قول المفتى، وليي له قول في تلك الحال. وإذا أفتاه بقول مجمع عليه، لم يخيره في القبول منه. وإن كان فيه خلاف خيره بين أن يقبل منه أو من غيره، لأن كل واحد منهما صدر عن اجتهاد.
وإذا اعتدل القولان عند المفتى- اختلفوا فيه:
قال بعضهم: يفتى بأيهما شاء.
وقال بعضهم: يخير المستفتى بين القولين.
وجه هذا القول- أنه إنما يفتيه بما يراه والذي يراه هو التخيير، لما ذكرنا في باب تعادل الأمارتين.
стр. 682
وج ه القول الأول- هو أنه كما يجوز للمفتى أن يعمل بأي القولين شاء، جاز له أن يفتى بأيهما شاء، فيفتى غيره كما يفتى نفسه- والله أعلم.
(هـ)
١٧٠ - باب في: إصابة المجتهدين. وأن الحق عند الله تعالى في المجتهدات واحد أو حقوق:
اعلم أن الاجتهاد نوعان:
أحدهما- في الأصول. أعنى به معرفة الله تعالى بصفاته القديمة، ورسالة رسله، وما يجرى هذا المجرى.
والثاني- في الفروع. أعنى به الشرائع، من العبادات والمعاملات والعقوبات ونحو ذلك.
أما في الأصول:
١ - قال بعضهم: المجتهد فيها مصيب على كل حال. وهو قول أهل الإلحاد.
٢ - وقال بعضهم: إنه يخطئ ويصيب، إلا أن المخطئ فيه معذور.
٣ - وقال أهل الحق: إنه يخطئ تارة ويصيب أخرى. فالمصيب فيه ناج، والمخطئ مؤاخذ غير معذور.
والدليل على فساد قول الأولين- أن أقاويل أهل الملل متناقضة. وهو سلب وإيجاب، ونفى وإثبات. كإثبات الصانع ونفيه وتوحيده وثنيته. وصدق الرسل وكذبهم. والقول بصحة الكل محال عقلاً. ولأنه لا أحد من أهل الملل إلا وهو
стр. 683
مخطئ غيره، فوجب أن يكون مصيباً في تخطئته، فيكونان بأجمعهم مخطئين مصيبين، وهو محال.
والدليل على فساد قول الفريق الثاني- أن أدلة الإصابة في أصل الدين ظاهرة. وهي قاطعة لا ظنية. فإن الآيات الدالة على حدث العالم وقدم الصانع والمعجزات الدالة على صدق الرسل واضحة قطعية، فلا يعذر من لا يعتبرها. ولأنه قد تواتر من النبي ﵇ وكافة المسلمين أن سائر أهل الملل في النار إلا واحدة.
وأما في الفروع:
قال عامة أصحابنا: أن كل مجتهد مصيب في حق العمل، حتى يجوز له العمل باجتهاده. فإن أصاب الحق كان مأجوراً. وإن أخطأ كان معذوراً، وهو مأجور على اجتهاده- لقوله ﵇: "المجتهد إن أصاب الحق فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد".
وهو قول بعض المتكلمين: إلا أن بعضهم قالوا كما قلنا. وقال بعضهم: إن أخطأ فهو مأزور غير معذور.
وقال عامة المتكلمين: كل مجتهد مصيب، لما هو الحق في الحقيقة، والحق عند الله تعالى حقوق.
وقيل: هذا أحد قولي الأشعري. والقول الثاني ما قلناه. وفى المسألة أقاويل آخر ووجوه كثيرة من الكلام. لكنا نذكر المذهب المختار المرضى الملخص من الجملة، فنثبت أن الله تعالى في كل حادثة حكماً واحداً، وهو الحق الذي
стр. 684
يطلب بالاجتهاد. وإذا ثبت ذلك، يثبت بالضرورة أن من أصاب ذلك، فهو المصيب. ومن لم يصبه فهو المخطئ، لأنه قد فاته الحق الذي هو حكم الله تعالى.
فنقول:
الأمر لا يخلو:
١ - إما أن لا يكون لله تعالى في كل حادثة من الحوادث الاجتهادية التي يحتاج إليها المكلفون قبل اجتهاد المجتهد حكم أصلاً. وإما أن يحكم فيه بعد الاجتهاد.
٢ - أو يكون له في كل حادثة أحكام مختلفة، بحسب اختلاف الاجتهادات.
٣ - أو يكون له في كل حادثة حكم معين، كلف المجتهد طلبه وإصابته.
والقسم الأول والثاني- باطل، فتعين الثالث ضرورة.
والدلالة على بطلان [القسم] الأول- وجهان:
أحدهما- أن المجتهد مأمور بطلب حكم الحادثة. لأنه مأمور بالاجتهاد، والاجتهاد ليس إلا بذل الجهود في طلب الشيء، والطلب لا بد له من مطلوب لولاه لكان لغواً، والله تعالى لا يأمر باللغو- فدل الأمر بالاجتهاد وطلب الحكم، على أن لله تعالى حكماً قبل الاجتهاد.
فإن قيل: لم قلتم بأن المجتهد مكلف بطلب الحكم، بل هو مكلف بطلب شيء آخر. وبيانه من وجوه:
أحدها- أنه مكلف بطلب الأجر والثواب من الله تعالى بالاجتهاد.
وثانيها- أنه مكلف بطلب غلبة الظن، كالمتحرى في القبلة: يطلب غلبة الظن بأشياء أخر.
وثالثها- أن المطلوب هو الأشبه بالأصول، لا ما هو حكم الله تعالى من الحقيقة.
стр. 685
ورابعها- أن المطلوب أن يعلم أو يظن أن الله تعالى فيه حكماً أم لا؟ لا أن فيه حكماً هو يطلبه.
قلنا: [الأول]- الاجتهاد طلب الشيء بالنظر والفكر، وذا يقتضي منظوراً فيه، يستكشف عنه نظره، وهو الحكم المجتهد فيه. ثم الثواب قد يبتنى عليه، لا أن الاجتهاد طلب الثواب.
وأما الثاني- قلنا: الظن لا بد له من مظنون. وليس ذلك إلا حكم الحادثة.
وكذا المتحرى يجتهد في أمور القبلة، فيظن أن القبلة إلى الجهة التي توجه إليها.
وأما الثالث- قلنا: [هل] الأشبه هو واجب العمل به والمصير إليه، وهو أولى من غيره أم لا؟ إن قال: لا، فما الفائدة في طلبه؟ وإن قال: نعم- فهو حكم الله تعالى، إذ لا معنى له إلا ما يجب إتباعه دون غيره.
وأما الرابع- قلنا: إن اجتهد وغلب على ظنه، تبين أن الحكم كان ثابتاً، أو يثبت الآن.
[والوجه] الثاني- باطل [لوجهين]:
[الوجه الأول]- لأنه لا يكون طلبا مكان الأول، وهو الذي نريده: أن لله تعالى حكماً يعرف بالاجتهاد.
والوجه الثاني- القول بأن لا حكم لله تعالى قبل الاجتهاد أصلاً، يؤدى إلى تعطيل الأحكام في الحوادث المحتاج إليها. لأن ثبوت الحكم: إذن كان يقف على الاجتهاد في حق المجتهد والمستفتى من المجتهد، فلو لم يجتهد لا يثبت الحكم،
стр. 686
كمن لا يحنث لا تلزمه الكفارة، ومن لا يكتسب المال لا يجب عليه الزكاة. أو ربما يجتهد فيتعارض عنده الأمارات، ولا يغلب على الظن شيء، فلا يثبت حكم الحادثة، فيؤدى إلى ما ذكرناه.
فإن قيل: ما أنكرتم أن لله تعالى في الحوادث حكماً متروكاً، كما قاله البعض. قلنا- معنى حكم الله تعالى ما يجب إتباعه أولى من غيره. وغير المستدل لا يتأتى منه ذلك، فلا يكون حكماً.
والدلالة على بطلان القسم الثاني:
أنه مؤدى إلى اجتماع أمور متنافية- بيانه: هو أن أحد المجتهدين قد اجتهد في حادثة، وغلب على ظنه ثبوت الحل، وغيره اجتهد وغلب على ظنه ثبوت الحرمة، أو أفضى اجتهاد واحد إلى الحل في حالة وإلى الحرمة في حالة أخرى. فيجتمع الحل والحرمة في فعل واحد، من شخص واحد، في حالة واحدة. وهذا ليس كذلك، لأن أحد المجتهدين إذا غلب على ظنه الحل، صار الحكم في حقه الحل دون غيره. وإذا غلب على ظن مجتهد آخر الحل، في زمان، صار الحكم في حقه الحل في ذلك الزمان دون غيره. وإذا غلب على ظنه الحرمة، صار الحكم في حقه الحرمة دون غيره. وإذا غلب على ظن مجتهد آخر الحرمة في زمان آخر، صار الحكم في حقه الحرمة، في ذلك الزمان، دون غيره. ويجوز أن تكون مصلحة هذا المجتهد في ثبوت الحل، ومصلحة المجتهد الآخر في ثبوت الحرمة، ومصلحة المجتهد الآخر الحل في زمان والحرمة في زمان آخر- فالمصالح تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، والأحكام الشرعية تتبع المصالح.
هذا هو تقرير قاعدة الخصوم. وهذا إشكال هذا الوجه- قلنا: هذا إنما يستقيم أن لو صح كون الاجتهاد مفضياً إلى الحل في حق المجتهد دون غيره. وذلك غير صحيح، لأن الاجتهاد إنما يفضى إلى الحكم، بقوة الأمارة وغلبة الظن
стр. 687
بثبوت الحكم. وهذا نفع صفة في أمارة المنظور فيها، لأن الاجتهاد رد الفرع إلى الأصل، بمعنى جامع بينهما، هي العلة، وذلك لا يختص ببعض المجتهدين دون البعض. فأحد المجتهدين إذا قويت عنده أمارة الحل، غلب على ظنه ثبوت الحل في حق الكل، فلزم الحكم، فيؤدى إلى ما ذكرناه من المحال. مثاله- إن من حرم لحم الخيل يعتبر فيه كونه مركوباً لقوله تعالى: [وَزِينَةً]، وكونه مركوباً لا يختص بشخص دون شخص [ومن أجله] يعتبر فيه جهة كونه غذاء، وتعلق البقاء، وهذا لا يختص بشخص دون شخص. فلو كان كل واحد منهما مصيباً لزم الحل والحرمة في حق الكل على ما ذكرناه، وإنه محال. على أن الحكم قد يكون حكماً يتعلق بالمجتهدين، بأن قال الرجل لامرأته "أنت بائن"، ثم أراد مراجعتها. وهما مجتهدان، وأحدهما يرى أن الكنايات بوائن، والآخر أنها رواجع- كان الحكم في هذا النكاح صحة المراجعة وبطلانها معاً- وكذلك المفتى إذا أفتاه أحد المجتهدين بحكم والآخر بخلافه، وكل واحد منهما حكم الله تعالى، لزم الحل والحرمة معاً، وإنه محال.
وإذا بطل هذان القسمان ثبت أن الله تعالى في كل واحدة حكم واحد، والمجتهد قد يصيب ذلك الحكم وقد يخطئ- على ما مر. والله أعلم.
وقد استدل في المسألة بوجوه أخر:
١ - منها- قوله تعالى: [وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ- إلى قوله تعالى: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ]، فلو كانا مصيبين، لما خص
стр. 688
[سليمان] بأنه فهم الحكم، وكان داود ﵇ قد فهم من الصواب ما فهمه سليمان ﵉. إلا أن لقائل أن يقول: إن الله تعالى لم يقل: إنه "فهمه الصواب"- فيحتمل: ففهمناها سليمان مثلما فهم داود، ويحتمل: فهمناه الناسخ ولم يفهم داود، لأنه لم يبلغه، وكل واحد منهما مصيب فيما يحكم به. [على أن] أكثر ما في الباب أن الآية تدل على أن داود وسليمان ﵉ ما كانا مصيبين جميعاً، وذلك لا يوجب كون المجتهدين في مسألتنا غير مصيبين- ولله أعلم.
٢ - ومنها- إجماع السلف. وروى عن أبى بكر ﵁ أنه قال في الكلالة: "أقول فيها برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله تعالى وإن يكن خطأ فمنى ومن الشيطان والله ورسوله منه بريئان". وقال عبد الله بن مسعود ﵁ في قصة بروع بنت واشق: "أقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله تعالى، وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان". وقال عمر ﵁ لكاتبه: اكتب: "هذا ما رآه عمر. فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمن عمر". وقال على ﵁ في مسألة أفتى فيها جماعة من الصحابة بحضرة عمر ﵁ فقال: "إن كانوا قد اجتهدوا فقد أخطأوا". وقال ابن عباس ﵄: "أما يخشى الله زيد: يجعل ابن الابن ابناً،
стр. 689
ولا يجعل أب الأب أباً" وهذا مبالغة في التخطئة- هذا شيء نقل عنهم، ولم ينقل عنهم خلافه. ولا يجوز تأويله وحمله على المجاز بغير دليل.
فإن قيل: لم قلم بأن المراد من هذه الأخبار الخطأ في الحكم المجتهد فيه؟ بيانه من وجوه:
أحدها- أن المراد منه أنه أخطأ نصاً لو ظفر به أوجب عليه حكمه، لكنهم إنما أخطأوا وقصروا في النظر، ولم يبالغوا فيه، ولم يستوفوا شرائط الاجتهاد، فلذلك أخطأوا فيها.
[أو معناه: أخطأوا حكماً لو حكم به كان ثوابه أكثر].
والثاني- إن أخطأوا مع تمام الاجتهاد، فهذا يدل على أن الحق في هذه المسائل واحد- وبه نقول.
قلنا:
أما الأول- قلنا: المفهوم من قولنا: "أخطأ فلان" عند الإطلاق العدول عما طلبه وكلف به. والمطلوب والمكلف به إصابة الحكم، فيحمل عليه قوله إنه أخطأ نصاً فيه. قلنا: هذا باطل، لأن المجتهد: إن كان استقصي طلب النص، فلم يظفر به، فهو مصيب عندكم، لأنه لا يلزمه أن يحكم بما لم يبلغه من النصوص، ولا سبيل إلى الوصول إليه. وإن لم يستقص النظر كان مخطئاً في الحكم والاجتهاد جميعاً. والصحابة ﵃ اجتهدوا ولم يمنع واحد منهم صاحبه من الاجتهاد في هذه المسائل.
стр. 690
وأما قوله: أخطأ حكماً ثوابه أكثر- قلنا: العدول عما ثوابه أكثر إلى ما ثوابه أقل، لا يسمى خطأ مطلقاً. ولا يقال: "هو من الشيطان"، [وقد أضاف الصحابة الخطأ في ذلك إلى الشيطان].
على أن إطلاق قولنا: "أخطأ"، يفهم منه العدول عن المقصود- على ما مر.
وأما الثاني- قلنا: المخالف يقول في هذه المسائل: إن المختلفين في هذا مصيبون فلا نفصل بينها وبين نحوها من المسائل الاجتهادية، فلا نظن بالصحابة الكبار أنهم لم ينظروا وحكموا فيها جزافاً.
وأما الثالث- فهو باطل، لأن من يقول: "كل مجتهد مصيب" يجعل هذه المسائل من مسائل الاجتهاد.
هذا وجه الاستدلال بهذه الأحاديث.
إلا أن لقائل أن يقول: كل واحد من هذه الأخبار خبر واحد، ولم يبلغ في الكثرة إلى حد يصير معه متواتراً في المعنى، فلا يصح الاحتجاج بها في أصل من الأصول المعلومة- والله أعلم.
٣ - ومنها- قوله ﵇: "إذا اجتهد الحاكم وأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ نقله أجر واحد": حكم على بعض المجتهدين بالخطأ.
стр. 691
فإن قيل: المراد منه من الوجوه التي بيناها: دل عليه أنه أوجب الأجر مع الخطأ، وكيف يستحق الأجر مع الخطأ في الحكم- قلنا: أما الأول فجوابه ما مر. وأما استحقاق الأجر فلأنه يصيب فيما فعله من الاجتهاد المكلف به مغفور له ما وراء ذلك، إلا أن الاعتراض على التعلق به ما مر.
٤ - ومنها- أن تصويب المجتهدين أجمع لا يتم إلا بتناقض صريح. فإن من المجتهدين من يخطئ تصويب المجتهدين، ليلزمكم تصويبه: تصويب من يخطئ، المصوب للكل، وهو تخطئة الشيء مع تصويبه، وهذا تناقض صريح. إلا أن لقائل أن يقول: نحن نصوب المجتهد في الفروع، وهذا من الأصول، فلا يلزمنا التصويب، فلا يؤدى إلى التناقض.
٥ - ومنها- أنه لو كان المجتهدون على اختلافهم مصيبين لم يكن في مناظرة بعضهم بعضاً معنى، لأن كل واحد منهم يعتقد أن الآخر قد أدى اجتهاده إلى ما كلف به، واختار حكم الشرع، فما وجه مناظرته لهم. ونحن نعلم أن كل واحد منهم يناظر صاحبه ليرده عما هو عليه: فلو كان مصيباً به لكان ذلك مردوداً عن الصواب.
إلا أن لقائل أن يقول: في المناظرة فوائد مع تصويب المجتهدين كلهم:
أحدهما- أنه يجوز أن يكون في المسألة دليل قاطع من نص أو ما هو في معنى النص أو دليل عقلي قاطع فيما يتنازع فيه من تحقيق نقاط الحكم، وبالمناظرة يكشف انتفاء ذلك.
стр. 692
والثاني- أن يتعارض عنده دليلان ويعسر عليه الترجيح، فيستقصي بالمناظرة والمباحثة على طلب الترجيح.
وثالثها- أن ينبه الخصم على طريقة الاجتهاد، حتى لو أفسد ما عنده لا يتوقف، ولا ينجبر ويرجع إلى طريقه.
ورابعها- أن يعتقد أن مذهبه أثقل وأشق، وهو لذلك أفضل وأجزل ثواباً، ويسعى في استخراج الخصم من الفاضل إلى الأفضل.
وخامسها- أن يستفيد هو وخصمه طريق النظر في الدلائل القاطعة حتى يستوفى بالظنيات إلى ما الحق فيه واحد، من الأصول والكلام، فيتمكن به من النظر الذي هو فرض عين في حقه، أو فرض كفاية- على ما عرف.
وسادسها- أن كل مجتهد من المجتهدين غلب على ظنه أن أمارته أقوى من أمارة خصمه، فيتناظران في ذلك. وإن كان فرض خصمه ما هو عليه. ولكن إذا أبان له أن أمارة من ناظره أقوى تغير فرضه وصارت مصلحته قران الحكم بالأمارة الأخرى. فإن قيل: فما فائدة من ناظره في أن يتغير فرضه- قلنا: كثرة الثواب بإرشاد خصمه إلى أقوى الأمارتين.
والمخالف احتج في المسألة بأشياء:
١ - منها- قوله تعالى: [وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ- إلى قوله: وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً] فلو كان أحدهما مخطئاً، لم يكن الذي قاله عن علم.
стр. 693
٢ - ومنها- أن الصحابة ﵃ صوب بعضهم بعضاً، فيما اختلفوا فيه من الفروع. فلو كان بعضهم مخطئاً، لكان تصويبه كذباً، والأمة لا تجتمع على الكذب. ولأن بعضهم [كان] يعظم بعضاً، ولو لم يصوبه لما عظمه. ولأنه لو لم يصوبوا كل المجتهدين لأنكروا قول المخطئ، لأنه لا يجوز أن يتركوا إنكار المنكر.
٣ - ومنها- قولهم: لو كان الحق واحداً من الأقاويل، وما عداه خطأ- لكان الله تعالى قد كلفنا العدول إليه، ولوجب أن ينصب دلالة قاطعة. ولو كان عليه دليل قاطع، لفسق مخالفه ومنع من أن يفتى به ولمنع [العامي] من استفتائه، ولنقض حكمه، وليس كذلك.
٤ - ومنها- أن المجتهد كلف بالاجتهاد لإصابة الحق. فإذا أتى بما كلف به، وبذل مجهوده، ولم ينل مقصوده- كان ذلك تكليف ما ليس في الوسع.
والجواب:
أما الأول- قلنا: الله تعالى لم يقل، [إن كلا] آتيناه حكماً وعلماً بما يحكم، ويجوز أن يكون آتاه علماً بوجوه الاجتهاد وطرق الأحكام.
стр. 694
على أنه ليس يجب إذا كانا قد أصابا، أن يكون كل مجتهد في الشريعة مصيباً.
وأما الثاني- قلنا: لا نسلم أن بعضهم صوب بعضاً في الفروع، ولا يمكن إقامته الدلالة على ذلك [أي] على أن كل واحد منهم قال لصاحبه "أصبت في ذلك".
وأما تعظيم بعضهم بعضاً [فإنه] لم يدل على التصويب، بل إنما عظم بعضهم بعضاً، لأن فيه معاني موجبة للتعظيم، والخطأ الذي وقع فيه مغفور غير مانع من التعظيم.
وقوله بأنه يجب الإنكار عليه- قلنا: إن أريد به التبرئ والذم، فقد ذكرنا أنه غير واجب، لأنه مغفور. وإن أريد المنع والتخطئة والمناظرة، فكل ذلك قد جرى بينهم على ما ذكرنا. وقال ابن عباس ﵄: "أما يتقى الله زيد بن ثابت؟ " وقال: "من شاء باهلته" وهذه مبالغة في الإنكار.
وأما الثالث- قد نصب الله تعالى على الحق في المجتمعات دلالة. إلا أنها غامضة يعذر الإنسان في الذهول عنها. بخلاف الدلالة على الحق في الأصول، لأنها ظاهرة لا عذر فيها. على أنا نقول: قد دلنا الله تعالى على الحكم الذي كلفنا به بدلالة ظاهرة. وإن لم يدلنا بدلالة قاطعة على أن العلة هي علة حكم الأصل. وذلك أنه تعالى إنما كلفنا العمل على أولى العلل وأقوى الأمارات.
стр. 695
فقد جعل لنا طريقاً إلى ذلك، فيلزمنا العمل به. إلا أنا نعذر في الخطأ لغموضه.
وقولهم: لو كان عليه دليل لفسق مخالفه ومنع من الفتوى ونقض الحكم به- قلنا: لا يلزم ما ذكرتموه، وإن كان على الحكم دلالة قاطعة. ألا ترى أن كثيراً من المسائل يستدل عليها بالنصوص نحو الترتيب في الوضوء، وغيره. لأن كل فريق يستدل بالآية. ففريق يقول: إن الواو للترتيب. وفريق يقول: أن الواو لا توجب الترتيب. وكل ذلك طريقه العلم، ولا يفسق قائله وساغ الفتوى بكل واحد من القولين. على أنه ليس كل خطأ دل الدليل عليه، فهو فسق، بل قد لا يكون فسقاً لغموض الدليل عليه.
وأما المنع من الفتوى ونقض الحكم، فذلك بالمناظرة والإيضاح والاجتهاد: يناظر بعضهم بعضاً.
وأما الرابع- قلنا: المكلف يكلف بالاجتهاد لا بإصابة الحق. وهو واحد. وقد نصب الله تعالى عليه الدلائل ومكنه من الوصول إليه. فإذا اجتهد وأصاب الحق فله أجران: أجر بذل المجهود في طاعة الله تعالى بالاجتهاد، وأجر إصابة الحق. وإن أخطأ فله أجر واحد، وهو أجر بذل المجهود في طاعة الله تعالى، وهو مغفور في الذهاب عن حكم الله تعالى كما نطق به الحديث الذي رويناه.
والله تعالى أعلم.
стр. 696
تم كتاب الميزان في أصول الفقه
والحمد لله رب العالمين
وصلواته على سيدنا محمد وآله
في أواخر ربيع الآخر لسنة تسع وستين وستمائة
بمدينة السلام عمرها الله تعالى
كتبه محمد بن محمد بن محمود السمرقندى
مولداً ومنشأ والحمد لوليه
وقد بينا في المقدمة (ص ٤٢ - ٤٣) أن الصحيح أن اسم الكتاب:
"بذل النظر في الأصول"
والله الموفق