Полный текст (696 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
والثاني- أن في وجود الأوصاف التي هي علة، خلل. ومعنى ذلك أنه موجود من وجه دون وجه، ليكون مفارقة فيما هو المؤثر من وجه. مثاله: إنا أثبتنا حل الوطء بعد الطلاق الرجعي لقيام النكاح، فلو أورد علينا الطلاق البائن في العدة. فنقول: النكاح قائم ثم أيضاً، ولهذا قلتم إنه يحرم عليه نكاح أختها، لأنه جمع بينهما في النكاح، أو نقول: ثم النكاح زائل من وجه، فامتنع حل الوطء.
وثالثهما- أن نبين أن وصف العلة موجود في مسألة النقض بأصله، لا بقدره. فتكون مفارقة في الوصف المؤثر أيضاً، لأن المؤثر هو المقدر بالمقدار الموجود في موضع التعليل. مثاله: إنا أوجبنا الكفارة بالإفطار بالأكل والشرب في نهار رمضان، لكونه جنابة إفساد الصوم. فإذا أورد علينا الإفطار بالحصاة والنواة، نقول: ثمة وجدت جناية إفساد الصوم بأصله، لا بقدره، لأنه لم يوجد إفساد معنى الصوم. وكذا قلنا بوجوب الزكاة في الحلي بوصف كونه نعمة وبوصف كونه شكراً، فإذا أورد علينا ما دون النصاب أو [كونه] مالاً غير نام، كثياب البذلة، فنقول: ثم وجد أصل النعمة، لا قدرها.
ورابعها- أن نبين أن الوصف الذي ذكره في معرض العلة لم يختص بالوجه الذي لأجله يؤثر في ثبوت الحكم، أو فيه ضرب خلل ونقصان، لأن العلة الشرعية إنما تكون علة، لوقوعها على وجه يقتضي غلبة الظن، بثبوت الحكم.
стр. 632
فإذا لم يقع مختصاً بتلك الجهة لا يكون علة- مثاله: لو أخبرنا مخبر بعشرة أشياء، وهو معروف بالسداد والديانة والتجنب عن الكذب، يغلب على الظن [عدم] ذلك، لأنه لم يقع على وجه يقتضي غلبة الظن بصدقه، لأن مهتم فيه. ومثاله في الشرعيات: أنا عللنا قبول شهادة الذمي على الذمي بكونه مؤثراً في تغليب الظن، لصدروه عن عقل ودين يعتقد فيه قبح الكذب. فلو أورد علينا شهادته على المسلم، نقول خبر [هـ] عليه لا يؤثر في تغليب الظن، لأنه متهم في حقه، إلى غير ذلك من النظائر.
وخامسها- أن نبين الوصف الذي هو علة مع وجوده واختصاصه بذلك الوجه حقيقة، وأعدمه الشرع أي ألحقه بالعدم، فلا تكون العلة موجودة حكماً، إن كانت موجودة حقيقة. مثاله- قول القائل: إن كون الشخص حياً مكلفاً علة لبقاء أملاكه وعصمة نفسه وأمواله، ليتمكن به من دفع حوائجه. فلو أورد علينا المرتد والحربي، نقول هو حي حقيقة لكن الشرع جعله ميتاً حكماً وألحقه بالأموات. ومعنى ذلك انه خصه بحالة: تقتضي تلك الحالة أن تجري عليه أحكام الأموات، وأبطل عليه الحالة التي تقتضي إجراء أحكام الأحياء عليه، لأنه أجرى عليه أحكام الأموات فقط، فلا تكون العلة موجودة حكماً، فلا يكون تخصيص العلة. وكذا قلنا: إن شهادة الفاسق مقبولة، لكونها مؤثرة في تغليب الظن، لصدروها عن عقل ودين، فيورد علينا شهادة المستأمن والعبد فنقول: الشرع ألحق أهلية المستأمن والعبد وخبرهما بالعدم حكماً- إلى غير ذلك من النظائر- إلا أن في هذا الوجه نظراً.
وسادسها- أن نبين أن الوصف الذي ذكره موجود حقيقة وحكماً، لكنه عارضه علة فوقها وأقوى منها في موضع النقل في تغليب الظن، فيجب تعليق
стр. 633
الحكم بتلك العلة، ويخرج هذا من أن يكون علة في ذلك الموضع. مثاله- لو أخبرنا مخبر بعشرة أشياء وحاله في السداد والأمانة ما ذكرناه، يغلب على الظن ثبوت كلها، فلو كان بعض ذلك محالاً أو مخالفاً للعادة، كصعود السماء ونحو ذلك، أو أخبرنا صادق، لا يثبت ذلك الحكم، لا لخلل في الخبر أو في أوصاف الخبر، لكن لمعارضة دليل فوقه وهو استحالة الفعل في العادة وفى الشرعيات، فلا نعرف ذلك بطريق التفصيل.
مثال الأول- أنا عللنا جواز شراء ما لم يره ونحو ذلك بكون البيع مشتملاً على المصلحة، فلو أورد علينا البيوع المشتملة على الربا- فنقول: ثم وجد فساد أقوى من هذه المصلحة، فألحقت هذه المصلحة بالعدم: عرف ذلك بطريق الإجمال، بتحريم الشرع للربا.
ومثال الثاني- أنا عللنا ثبوت الملك للكافر في أموالنا في دار الحرب بكونه مصلحة دافعة للحاجة. فإذا أورد علينا الغصب في دار الإسلام، نقول: ثم مفسدة عارضة، وهى إزالة إمكان المالك المسلم وتفويت مصلحته، ولم يوجد هذا المعنى هنا، لأن المسلم لا يتمكن من الانتفاع به بعد الإحراز بدار الحرب. وهذا كثير النظير في الشرع. وهو، كما قاله محمد ﵀ في القياس والاستحسان في الكتب- معناه: ليس إلا هذا، وهو أن العلة الفاسدة عارضتا علة أقوى منها، فيمنع العمل بها، إلا أن هذا الوجه فيه نظر أيضاً.
فهذه طرق دفع النقوض إن أمكن للمجيب شيء منها. وإلا فالنقض واقع وتخصيص العلة لازم.
فإن قيل: يمكن دفع النقوض بوجه آخر، وهو أن يقول المجيب ما ذكرته علة مؤثرة في إثبات الحكم، إلا أن الشرع متى لم يثبت الحكم مع وجودها
стр. 634
في ذلك الموضع وانعقد الإجماع عليه- دل ذلك، على الإجمال، أن ثم مفسدة أقوى من هذه المصلحة، أو معارض آخر، أو شيء من الوجوه المانعة للحكم، ولم يوجد الإجماع في الفرع، فيجب العمل به- قلنا: لا يمكن دفع النقض بهذا الطريق، ولا التقصي عما يوجب فساد العلة، لأن للسائل أن يقول: لا نسلم انعقاد الإجماع على امتناع الحكم، يدل على ما ذكرتم، بل يدل على فساد العلة، وأن هذا القدر ليس بمؤثر فيه. وليس ما قاله الخصم أولى من هذا- لما مر: أن عدم الأثر المختص بالشيء يدل على عدم ذلك، إلا إذا بين شيئاً من الوجوه التي ذكرناها: إما بطريق الإجمال أو بطريق التفصيل، كما ذكرنا من البيع المشتمل على الربا، وغير ذلك. فأما الإجماع على عدم الحكم من غير أن يستند إلى ما ذكرنا من الوجوه، مجملاً أو مفصلاً، فمردد بين أن يكون دليلاً على ذلك وبين أن يكون دليلاً على فساد العلة.
والله أعلم.
стр. 635
٦
أبواب
أ- الاستحسان.
ب- تعارض العلل وتنافيها. وترجيح البعض على البعض.
ج- اعتدال الأمارات عند المجتهد في مسألة. وحكمه.
د- في القول بالقولين.
هـ- في الحظر والإباحة.
стр. 636
(أ)
باب القول
في: الاستحسان
١٦٠ - أعلم أن المحكي عن أصحاب أبي حنيفة ﵀ القول بالاستحسان .
وقد ظن كثير أنهم عنوا بذلك الحكم بغير دلالة.
وهذا باطل، لأنه لا يليق بأهل العلم المجتهدين الإعراض عن الدليل، ١٩٧/ ١ وإثبات الحكم بغير دليل:
دل عليه أنهم نصوا في كثير من المسائل: "أنا استحسنا هذا الأمر لوجه كذا وكذا"، وهذا لا يكون بغير دليل.
- فنبين حد الاستحسان.
- ونبين أن تسميته استحساناً وجه صحيح.
(أ) -فأما حده- فقد اختلف فيه:
- قال بعضهم: إنه العدول عن موجب القياس إلى قياس أقوى منه. وهذا غير صحيح- لأن العدول إلى النص يسمى استحساناً، كقولنا:
لا قضاء على الأكل الناسي في رمضان قياساً، إلا أنا استحسنا أن عليه القضاء للخبر.
-وقال بعضهم: إنه تخصيص قياس، بدليل أقوي منه.
وهذا أيضاً غير صحيح، لأنهم قد يعدلون في الاستحسان عن قياس
стр. 637
و [عن] غير قياس. ولأن تخصيص القياس لا يجوز- لما مر.
- وقال بعضهم: إنه ترك طريقة الحكم إلى أولي منها، لولاها لوجب الثبات على الأولي. وهذا قريب مما قاله الشيخ أبو الحسن الكرخى ﵀: إن الاستحسان أن يعدل الإنسان عن أن يحكم في المسألة مثلما هو حكم في نظائرها، لوجه هو أقوى من الأول يقتضي العدول عن الأول. ويلزم عليه أن يكون العدول عن العموم إلى التخصيص، استحساناً.
- والقول المختار: أن الاستحسان هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد، غير شامل شمول الألفاظ، لوجه هو أقوى منه.
وهو في حكم الطارئ على الأصل.
ولا يلزم على هذا شيء مما ذكرنا.
ولا يلزم قولهم: تركنا الاستحسان، لأن القياس الذي ترك الاستحسان لأجله، ليس هو في حكم الطارئ، بل هو الأصل. فلذلك لم يوصف بأنه استحسان، وإن كان أقوى منه في ذلك الموضع.
وأما الوجه في تسميتهم استحساناً- أن الاستحسان، وإن وقع على الشهوة والاستحلاء، فقد يقع على العمل بحسن الشيء- يقال: فلان يستحسن
стр. 638
القول بالتوحيد. وقد يقع على الاعتقاد والظن بحسن الشيء. فإذا ظن المجتهد الأمارة وأفضي به ذلك إلى أن يعتقد حسن مدلولها، جاز أن يقول: استحسنت هذا الحكم.
(ب) - فتصح فائدة الاسم، وجاز الاصطلاح عليه.
стр. 639
(ب)
١٦١ - باب في: تعارض العلل، والقول في تنافيها. وترجيح البعض على البعض:
أولاً- أما تعارض العلل وتنافيها- فلسنا نعنى به أنها متضادة لا يتصور اجتماعها، لأن الأكل والاقتيات والكيل التي هي مسألة الربا باختلاف العلماء فيها، لا تتضاد. ولكنا نعني به أنه لا تجتمع عللاً. وذلك ضربان:
-أحدهما- لا يجتمع كونها عللاً- لتنافى أحكامها.
-والآخر- لا يجتمع كونها عللاً، لتنافي أحكامها، فالمتنافية أحكامها لا بد أن يكون أصلها أكثر من واحد، ويستحيل أن يكون أصلها واحداً، لأنه يؤدى إلى أن يجتمع في أصل واحد [حكمان] متنافيان، وذلك محال، فلا بد أن يكون أصلها أكثر من واحد.
ومثاله- وجوب النية في التيمم، ونفي وجوبها في إزالة النجاسة، ورد الوضوء إلى إزالة النجاسة بعلة أنها طهارة بالماء، ورده إلى التيمم بعلة أنه طهارة عن الحدث.
وأما الذي لا يجتمع، كونها عللاً، لوجه سوى تنافي الحكمين- فبأن لا يكون في الأمة من علل ذلك الحكم بعلتين في الأصل، بل كل واحد منهم علله بعلة- كتعليلهم تحريم التفاضل في البر بكونه مكيلاً أو مأكولاً أو مقتاتاً،
стр. 640
وليس فيهم من علل بكل واحد منها. ومتى تنافت العلة، واشتبه القول في فروعها، وجب الترجيح- فنبين:
أولاً- ما الترجيح؟ ، وما الفائدة فيه؟ ثم نبين وجوه الترجيح.
[ثانياً- الترجيح في العلل]
(أ) - أما معني الترجيح- في اللغة: إظهار الزيادة لأحد المثلين على الآخر، بإثبات وصف فيه. من ذلك: أرجحت الوزن، إذا زدت جانب الموزون حتي مالت كفته على كفة السنجات، وضده التطفيف.
فكذا ترجيح العلة على العلة: هو تقوية إحدى العلتين على الأخرى.
ولهذا لا يصح الترجيح بين الشيئين، إلا بعد تكامل كونهما علتين لو انفرد كل واحد منهما، لأنه لا يصح ترجيح علة [على] ما ليس بعلة.
(ب) - وأما الفائدة في الترجيح- هو أن يقوى الظن الصادر عن إحدى الأمارتين عند تعارضهما. ولذلك لا يصح الترجيح من الأدلة، لأن الأدلة لا تتعارض، ولأن الأدلة لا تقتضي الظن، وإنما تقتضي العلم والتزايد في العلم.
(ج) - وأما وجوه الترجيح- فجملتها من وجوه أربعة:
أحدهما- يرجع إلى طريق الملة.
والثاني- يرجع إلى الحكم الذي هو طريقه.
والثالث- يرجع إلى مكانها، وهو الأصل أو الفرع.
والرابع- يرجع إليها جميعاً.
стр. 641
١ - أما الذي يرجع إلى طريقها:
فمنه- ما يرجع إلى طريقها في الأصل.
ومنه- ما يرجع إلى طريقها في الفرع.
(أ) - أما الأول [الذي في الأصل]: فنوعان:
-أحدهما- أن يكون طريق وجودهما في الأصل أقوي. وذلك بأن يعلم وجود أحدهما في الأصل بالحس والضرورة، نحو كون البر مكيلاً أو مطعوماً، ويكون الآخر معلوماً بالاستدلال وجوده فيه. أو أحدهما معلوم وجوده في الأصل بدليل، والآخر مظنون وجوده فيه بأمارة. أو يكونا جميعاً مظنونين بأمارتين، غير أن أمارة أحدهما أقوي. وذلك وجه في الترجيح، لأن الوصف لا يكون علة في الأصل إلا وهو موجود فيه. فإذا كان علمنا أو ظننا بوجوده فيه أقوى من علمنا وظننا وجود الآخر فيه، صار ظننا، بكونه علة حكم الأصل، أقوي.
-والنوع الثاني- أن يكون طريق كونها علة حكم الأصل أقوى. وذلك بأن يكون طريق كونها علة حكم الأصل نص، وطريق الآخر استنباط، أو أمارة أحدهما أقوى من الأخرى. وذلك يوجب الترجيح، لأن ما قوى طريقه قوى الظن به أو الاعتقاد له.
(ب) -[والثاني- الذي في الفرع]:
وكذا الذي طريق وجودهما وكونها علة في الفرع، أقوى من طريق وجود الأخرى، وكونها علة في الفرع، لأن ثبوت الحكم في الفرع تبع لوجود علته، فإذا قوى علمنا أو ظننا بوجودها في الفرع، قوى علمنا أو ظننا بالحكم فيه.
стр. 642
٢ - أما الراجع إلي الحكم:
فضربان:
أحدهما- يتعلق بحكمها في الأصل.
والآخر- يتعلق بحكمها في الفرع.
(أ) - أما التعلق بالأصل، فضربان:
أحدهما- أن يكون طريق ثبوت أحد الحكمين في الأصل أقوى من طريق ثبوت حكم الآخر في الأصل نحو أن يدل على حكم أصل دليل قاطع، ويدل على حكم الأصل الآخر أمارة، وذلك وجه الترجيح، لأن الوصف لا يكون علة للأصل إلا وحكمه ثابت فيه. فإذا كان أحد الأصلين أقوى ثبوتاً، كان ما يتبعه، من العلة ومن حكم الفرع، أقوى ثبوتاً.
والآخر- أن يكون أحد الحكمين شرعياً والآخر عقلياً. وهو وجه الترجيح، لأن القياس دلالة شرعية. والأولي من الأدلة الشرعية أن تكون أحكامها شرعية، لأنها أشد مطابقة للأدلة.
فإن قيل: كيف يجوز أن نستخرج من أصل عقلي علة شرعية؟ قلنا: يجوز ذلك إذا لم ينقلنا عنه شرع، فنستخرج العلة التي لم ينقلها عنه الشرع.
فأما إذا كان أحد الحكمين نفياً والآخر إثباتاً، وكانا شرعيين:
قال بعضهم: لا يكون أحدها أولى من الآخر. وقد ذكرنا في باب ترجيح الأخبار: أنه لا بد في النفي والإثبات من أن يكون أحدها عقلياً والآخر سمعياً.
(ب) - وأما المتعلق بالفرع- فمن وجوه:
١ - منها- اليسر والعسر: بأن يكون أحد الحكمين فيه يسر والآخر فيه عسر:
стр. 643
فبعضهم- رجحوا باليسر.
وبعضهم- رجحوا بالعسر.
وبعضهم قالوا: يطلب الترجيح بوجه آخر.
ونحن نقول: الكلام فيه كالكلام في النفي والإثبات، إذ لا بد أن يكون أحدهما عقلياً والآخر شرعياً.
٢ - ومنها- أن يكون أحد الحكمين في الفرع حظراً والآخر إباحة: فإن كان الحظر شرعياً، كان أولى، وكانت علته أولى، ولأن الأخذ بالحظر أحوط.
وإن كان الحظر عقلياً، فكونه حظراً جهة ترجيح.
وكون الإباحة شرعية، [جهة] ترجيح الإباحة.
قالوا: يجب الرجوع إلى ترجيح آخر. فلا بد في الحظر والإباحة من أن يكون أحدهما عقلياً والآخر شرعياً، على ما بينا في الأخبار.
٣ - ومنها- أن يكون حكم إحدى العلتين العتق، وحكم الآخر الرق.
فالمثبتة للعتق أولى، لأن تعلق الحرية بالقول ثابت في الشرع، لا بالعقل. وهو من هذه الجهة حكم شرعي. ولأن العتق في الشريعة قوة [لأنه]
стр. 644
لا يلحقه الفسخ، فكانت علته أقوى.
٤ - وأما إذا كان حكم إحداهما في الفرع إسقاط الحد، وحكم الأخرى إثباته، فالمسقطة أولي، لوجهين:
أحدهما- أنه أخذ علينا إسقاط الحدود.
والثاني- أنها تقتضى الحظر، وهو أولى.
٥ - وأما الترجيح بكون أحد حكمي العلة أزيد من الأخرى، وهو أن يكون حكم إحداهما الإباحة، وحكم الأخرى الندب، فالتي حكمها الندب أولى، لأن الندب يتضمن شيئاً من معنى الإباحة الذي هو الحسن، ويزيد عليه، فكان أولى، إذا كانت الزيادة شرعية، ولأنه لا تعارض في اقتضاء الزيادة.
٦ - وأما الترجيح بشهادة الأصول- فهو من وجهين:
أحدهما: أن يكون حسن ذلك ثابتاً في الأصول، مثل تحريم المثلة [في الجملة] فالعلة المحرمة لمثلة مخصوصة أولى، لأن الشريعة في الجملة تشهد لها.
والثاني- أن يراد بها: الكتاب والسنة والإجماع. وهذه إن كانت صريحة،
стр. 645
فهي الأصل في الدلالة، ولا يجوز وقوع الترجيح بها. وإن مسها احتمال شديد، جاز ترجيح القياس بها، لو ترجحت دلالة القياس على دلالتها.
٧ - وأما قول الصحابي فيقع الترجيح به، لأنه أعرف بمقاصد النبي ﵇.
٨ - وكذلك إذا عضدت علة علة، كما ترجح أخبار الآحاد بعضها ببعض. وكما يرجح الخبر [على خبر آخر] بكثرة الرواة.
٩ - وكذا العلة التي لا تخص العموم أولى من التي تخصه، لأن لفظة العموم شهدت لها.
٣ - وأما الذي يرجع إلى مكانها، وهو الأصل أو الفرع
(أ) - وأما الترجيح بما يرجع إلى الأصل:
فهو أن يكون إحدى العلتين منتزعة من أصول كثيرة، والأخرى منتزعة من أقل من تلك الأصول. أو إحداهما منتزعة من أصول، والأخرى من أصل واحد.
فمن الناس من لم يرجح بذلك.
ومنهم من يرجح به، وهو الأولى، لأن كثرة الأصول شاهدة لإحدى العلتين، فيكون حكمها أكثر ثبوتاً في الأصول، من حكم الأخرى، وذلك مقو للظن.
стр. 646
وقال بعضهم: إنما يرجح بذلك إذا كانت الأصول بعلل من طرق مختلفة. أما إذا كانت الأصول تعليلها من طريقة واحدة، فلا رجحان بكثرة أصولها.
(ب) - وأما الترجيح بما يرجع إلى الفرع:
وهو أن يكون فروع إحدى العلتين أكثر من فروع الأخرى:
رجح بذلك قوم، وقالوا: إنها إذا كثرت فروعها، كثرت فائدتها، فكان أولى.
والصحيح خلاف ذلك. لأن إفادتها للفروع لا يحصل إلا بعد ثبوتها عليه، فكيف يستفاد كونها علة من كثرة فروعها؟ ولأن كثرة الفروع إشارة إلى كثرة الحوادث التي يحكم فيها بهذا الحكم، وهذا أمر حقيقي يحدث لخلق الله تعالى، لا [ب] أمر شرعي، فلا يترجح به العلة.
٤ - وأما الترجيح بما يرجع إلى الأصل والفرع
فهو أن تكون إحدى العلتين يرد بها الفرع إلى ما هو من جنسه، كرد كفارة إلى كفارة. والأخرى يرد بها الفرع إلى ما ليس من جنسه، كرد كفارة إلى غير كفارة، فيكون الأول أولى، وهو مذهب الشيخ أبى الحسن الكرخى ﵀. وأكثر الشفعوية، لأن الشيء أكثر بجنسه منه بخلاف جنسه،
стр. 647
فيو ج ب ذلك تقويه وإن [لم] تكن علة في نفسها فتوجب الترجيح- والله أعلم.
(ج)
١٦٢ - باب في: أن المجتهد- هل يجوز أن يعتدل عنده الأمارات في المسألة؟ وإذا اعتدل فما حكمه ؟
- منع بعضهم من جواز ذلك، وقال: لا بد أن تترجح إحداهما على الأخرى، وإن لم يقدر عليه المجتهد في بعض الأحوال- وإليه ذهب الشيخ أبو الحسن الكرخى ﵀.
-وأجاز الباقون ذلك، وقالوا: يكون المجتهد، عند تساوى الأمارتين، مخيراً بين حكميهما.
والدلالة على جواز ذلك:
أن تعارض الأمارتين [يكون] لاستوائهما في الجهة المقتضية للحكم ونفيه، وذلك إما [لتساوى] وجه المصلحة أو التأثير، لمشابهة الفرع الأصل في المقتضي للحكم. ولا يمتنع أن تتعلق المصلحة بإثبات الحكم من وجه، وتتعلق بنفيه
стр. 648
من وجه آخر، ويتساوى الوجهان عند المجتهد. وكذا المشاركة في الوصف المقتضي للحكم: جاز أن يكون في الفرع وجه يشارك أصلاً يثبت الحكم فيه، بناء على وصف، ووجه آخر يشارك أصلاً ينفى الحكم بناء على وصف آخر. وعند ذلك تتعادل الأمارتان، ولا يمكن الترجيح ينهما.
ونظيره أن يخبر اثنان بإثبات الشيء ونفيه، ويستوي عنده عدالتهما وصدق لهجتهما. وكذا قد تتعارض الأمارات الدالة على جهة القبلة عند الاشتباه بحيث يتعذر الترجيح.
فإن قيل، وهو شبهتهم: لو تعادلت الأمارتان، لم يكن الحكم بإحداهما أولى من الحكم بالأخرى. وفى ذلك إثبات حكميهما على الجمع، وهو محال [أ] وإبطال حكميهما، لوقوع الشك في كل واحد منهما، وذلك باطل- قلنا: هنا حكم آخر، وهو تخيير المجتهد في الحكم بأيهما شاء.
وبيان ذلك أن للأقسام هنا خمسة:
- إما العمل بالدليلين جميعاً. أو ٢ - إسقاطهما. أو ٣ - التوقف في الحكم. أو ٤ - تعيين أحدها للعمل به. أو ٥ - التخيير.
١ و ٢ - لا وجه إلى الجمع عملاً وإسقاطاً، لأنه متناقض.
٣ - ولا وجه إلى التوقف، لأن في التوقف إلى غاية تعطيل حكم الحادثة، وحاجة المكلف.
٤ - ولا وجه إلى تعيين أحدهما، لأنه تحكم من غير دليل.
стр. 649
٥ - فلا يبقى إلا الوجه الخامس، وهو التخيير. وصار كاجتماع المفتيين على العامى في الفتوى.
فإن قيل: كما استحالت هذه الأقسام، استحال التخيير أيضاً، لأنه جمع بين النقيضين- قلنا: المحال ما لو صرح الشرع به لم يفعل. فلو قال الشرع: خيرت المجتهد في أن يحكم في هذه الحادثة بأي الحكمين شاء، لا يكون محالاً- ألا ترى أنه خير من اشتبهت عليه أمارات القبلة، وخير من هو داخل الكعبة، في الصلاة إلى أي جهة شاء.
فإن قيل: التخيير إنما يثبت بلفظة موضوعة له، كما في المسائل التي ذكر، ولم يوجد هنا- قلنا: تعادل الأمارتين كلفظ التخيير في الدلالة عليه، إذا لم يكن حكم إحداهما أولى من الأخرى، ولم يمكن الجمع، فليس إلا التخيير. وقد يثبت التخيير من غير لفظه، لأن من ملك مائتين من الإبل السائمة هو مخير بين أداء أربع حقاق أو خمس بنات لبون. وليس في ذلك لفظ التخيير، وإنما قال ﵇: "في كل أربعين بنت لبون. وفى كل خمسين حقة" فإن قال: هذا يقوم مقام لفظ التخيير- قلنا: وكذلك تعادل الأمارتين.
والله أعلم.
стр. 650
(د)
١٦٣ - باب في: القول بالقولين:
جوزه أصحاب الشافعي ﵀. ورجحوا أن له قولين في كثير من المواضع.
وأنكره عامة الفقهاء ﵏.
ونحن نقول: إن ذلك ينقسم إلى خمسة، وهى باطلة.
بيانه- أن القول في المسألة بالقولين:
١ - إما أن يراد به أنه قال في أول عمره قولاً، ونقل عنه آخر.
٢ - أو روى عنه أحد القولين في وقت وموضع، والآخر في وقت آخر وموضع آخر.
٣ - أو أنه أدى اجتهاده إلى قولين مختلفين، ثم رجع أحدهما.
٤ - أو أنه تساويا عنده، ولم يحكم فيه بشيء.
٥ - أو أنه تعادلت الأمارتان عنده، فقال فيه بالتخيير.
أما الأول- فهو باطل. لأن قوله الصحيح قوله الأخير المرجوع إليه. وكان قوله واحداً. كما أن عمر ﵁ كان كافراً ثم آمن، وكان له في كل حال دين واحد.
وأما الثاني- فباطل أيضاً، لأن من اختلفت عنه الروايات في المسألة، كان الصحيح هو الأخير، والأول رجوع عنه- عرفنا التاريخ أو لم نعرفه.
стр. 651
وأما الثالث- فباطل أيضاً، لأنه حينئذ إذا رجح أحدهما كان هو القول الصحيح.
والرابع- لا يكون له قول أصلاً، لأنهما إذا تساويا عنده، وتوقف فيه، لم يكن في المسألة قول أصلاً، بمنزلة العامي غير المجتهد.
وأما الخامس- فالقول بالتخيير عند تعادل الأمارتين غير جائز عند البعض- على ما مر.
وعندنا: إن جاز ذلك، ولكن لا يقال إن له فيه قولين، بل قول واحد، وهو التخيير، فإن أحداً لم يقل إن للمسلمين في كفارة اليمين ثلاثة أقاويل: أحدها أنه يكفر بالعتق، والثاني أنه يكفر بالكسوة، والثالث أنه يكفر بالإطعام. وأن لهم في الصلاة في الكعبة أقاويل كثيرة. وفى الخروج من دار مغصوبة ذات بابين قولان.
فهذا هو حاصل الكلام في هذا الباب.
стр. 652
(ه ـ)
١٦٤ - باب الكلام في الحظ والإباحة. وأن الأشياء قبل الشرع على الحظر أو على الإباحة .
اختلفوا في ذلك:
قال بعضهم: إنها على الإباحة- وإليه ذهب الشيخ أبو الحسن الكرخى.
وقال بعضهم: إنها على الحظ. وهو مذهب أكثر الفقهاء.
وبعضهم توقفوا في حظرها وإباحتها.
وقال إمام الهدى أبو منصور الماتريدى ﵀: التكلم في هذه المسألة ضائع، لأن زماناً ما لم يخل عن الشرع. لأن أول البشر آدم ﵇، وهو كان نبياً، وقد ثبت بقوله إباحة ما أبيح وحظر ما حظر. وبعد لم يخل زمان عن نبي أو ممن يقوم مقامه.
إلا أنا نقول: هذه المسألة تقديرية. ومعناه: لو قدرنا خلو زمان عن شرع- ما قضية العقل فيها؟ وتحقيقه من وجهين:
أحدهما- إن أزمنة الفترة بين بعثة نبيين يخلو عن الشرائع، فما حكم العقل فيما؟ .
стр. 653
والثاني- إن لم يخل زمان عن شرع، لكن إباحة ما أبيح من هذه الأشياء وحظر ما حظر- استفيد بالشرع وحده، أو به وبالعقل؟
ثم إنما اختلفوا فيما ليس يعلم قبحه بالعقل قطعاً، ضرورة أو استدلالاً، كالظلم والكذب والكفر والجهل. ولا حسنه ووجوبه، كالعلم بالله تعالى وشكر المنعم والصدق وغير ذلك. وهى كالانتفاع بالمآكل والمشارب ونحو ذلك.
(أ) - والدليل على أن الانتفاع بهذه الأشياء مباح في العقل: أن الانتفاع به منفعة ومصلحة في حق المكلف، ولا يعلم فيه شيء من وجه القبح. أعنى ما يعلم قبحه قطعاً. وكل ما هذا سبيله، فالعقل يقضى بحسنه وإباحته. أما كونه نفعاً ومصلحة، فلا شبهة فيه. وأما عراؤه عما ذكرنا من وجوه القبح، فلأنا لا نعلم قطعاً أن فيها وجه قبح، كما في الكفر والكذب والجهل.
وإذا ثبت هذا- فكل فعل فيه مصلحة المكلف قطعاً ولا يعلم فيه مفسدة قطعاً، فالعقلاء يستحسنونه ويلومون على المنع منه، كما في الشاهد: إذا منع المولى عبده عن شيء ينفعه ولا يضر المولى ولا أحداً غيره.
فإن قيل، وهو شبهة القائلين بالحظر: لا نسلم أنا لا نعلم فيه وجه قبح، بل إنا نعلم ذلك فيه، وهو:
[الأول]- أنه تصرف في ملك الغير، لأن هذه المخلوقات كلها ملك الله تعالى، وكون الفعل تصرفاً في ملك الغير جهة قبح، كما في الشاهد.
والثاني- إن لم يكن هذا جهة القبح والمفسدة، لكن جواز كونه ضرراً
стр. 654
ومفسدة ثابت، وهذا يكفى للقبح، لأن التحرز عن الضرر المحتمل واحتمال الفساد، واجب، والامتناع عنه قبح.
قلنا: نحن ادعينا أنه ليس في الانتفاع بهذه الأشياء وجه قبح معلوم قطعاً، كعلمنا بوجه النفع فيه، وهذا لا يمكن إنكاره. فمن ادعى أن فيه وجه القبح دون ذلك في العلم، وإنه يكفى للحظر- فعليه الدليل.
أما ما ذكر من الوجهين:
أما الأول- فالجواب عنه من وجوه:
أحدها- أن معنى كون الشيء ملك لنا، يخالف معنى كونه ملكاً لله تعالى، فلا يجوز الاستدلال بالشاهد على. الغالب.
بيانه- أن معنى كون الشيء ملكاً لواحد منا، هو أنه اختص به من غيره، بجهة الانتفاع، وهذا مستحيل في حق الله تعالى. بل معنى كون الأشياء ملكاً له، أنه القادر على إيجادها وإثباتها، وهذا لا يمنع من الانتفاع بها. فإن قال: معنى كونه ملكاً له، ليس ما قلتم، بل هو أنه ليس لغيره التصرف فيما إلا بإذنه- قيل له: هذا تعليل الحكم بنفسه، ومع ذلك ممنوع.
وثانيها- أن الانتفاع بملك الغير إنما يحرم في الشاهد، لا لكونه ملكاً للغير، بل لأنه يستضر به المالك، ألا ترى أن الانتفاع على وجه لا يستضر به المالك لا يمنع، كالنظر في مرآة الغير والاستظلال بظل حائط الغير، وهذا لا يتصور فى حقه تعالى.
وثالثها- أن الانتفاع بملك الغير إنما يحرم بغير إذنه، وخلق هذه الأشياء مشتملة على وجوه المنافع وإباحة الانتفاع في العقل، يجرى مجرى الإذن من الله تعالى بذلك.
ورابعها- أن الامتناع من الانتفاع بها إضرار بالنفس، وهى ملك الله تعالى،
стр. 655
وكان الامتناع عنه قبيحاً، فوقع التعارض، فسقط الاحتجاج بجهة الملك.
وأما الثاني- فالجواب عنه من وجوه أيضاً:
-أحدها- أنه ليس في الانتفاع بها احتمال ضرر ومفسدة لوجهين:
أحدهما- أن الأصل في النفع أن يكون خالصاً، لأن الأصل انتفاء اجتماع الجهتين المتنافيتين، وجهة الضرر مخالفة لجهة النفع.
والثاني- لو كان فيه مفسدة لنبهه الله تعالى وأظهره، كما نبه على جهة النفع وأظهره.
هذا قضية الحكمة.
-وثانيها- إن كان فيه احتمال الضرر والمفسدة، لكن الأمارة على ذلك ووجه النفع فيه ثابت بأمارة، والمعتبر هو أمارة الضرر والنفع، لأن الاحتمال بغير أمارة، دل عليه أن العقلاء يلومون من امتنع من الفعل لتجويز الضرر بلا أمارة، ويعذرونه إذا كان فيه أمارة- ألا ترى أنهم يلومون من قام [من] تحت حائط لا ميل فيه لجواز سقوطه، لفساد في أساسه وباطنه، ولا يلومونه إذا كان مائلاً؟ ولا يلومون من امتنع من أكل طعام شهى لأمارة دلت على أنه مسموم، ويلومونه من جهة العقل إذا امتنع منه لتجويز كونه مسموماً.
وثالثها- أنه لو قبح الإقدام على المنافع لتجويز كونه [ا] مفسدة، لقبح الامتناع عنها لتجويز كونه مفسدة، وذلك وجوب ما لا يطاق، فبطل أن يكون تجويز كون الفعل مفسدة وجه قبح- والله أعلم.
стр. 656
(ب) - دليل آخر- خلق الله تعالى الطعوم في الأجسام، مع إمكان أن لا يجعلها فيها، فيقتضى أن يكون [له فيها] حكمة وغرض يخصها، وإلا كان عبثاً وسفهاً. ويستحيل أن يعود إليه ذلك الغرض بنفع أو دفع ضرر، لاستحالتهما على الله تعالى. فبعد ذلك- الأمر لا يخلو: إما إن كان لغرض نفع يعود إليهم: إما بأن يدركها، وإما بأن يجتنبها، فيستحق الثواب، وإما أن يستدل بها على الصانع وتوحيده [فيباح له أن] يدركها. ولا جائز أن يكون الغرض ضرر العباد، لأنه قد لا يكون فيه ضرر. ولأنه لا يحسن الإضرار الخالص لمن لا يستحقه. ولأنها إنما يضرها بإدراكها. وفى ذلك إباحة إدراكها. وأما استحقاق الثواب بتجنبها، فإنما يكون إذا دعت النفس إلى إدراكها، وفى ذلك تقدم إدراكها. وكذلك الاستدلال، لأنه إنما يستدل بها إذا عرفت، والمعرفة بها موقوفة على إدراكها. وهذا لأن الله تعالى لم يخلق فينا العلم بهذه الطعوم دون إدراك، والاستدلال بها لا يكون بدون العلم، فدل ما ذكرناه على أنه لا فائدة فيها إلا إباحة الانتفاع بها. وذلك يقتضى أن يركب الله تعالى في العقول
стр. 657
إباحة الانتفاع بتلك الأجسام، ليعلم حصول الطعوم فيها، فينتفع بها بأحد هذه الوجوه، فنزل ذلك منزلة الاستنشاق بالهواء والتنفس فيه، فإنه مباح بإجماع العقلاء، والوجه فيه ما بين.
стр. 658
وأما من ذهب إلى التوقف -[فـ] تعلق بأشياء:
١ - منها قوله تعالى: [قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ أَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ]- أنكر على من أحل شيئاً أو حرمه بغير إذنه.
٢ - ومنها- أن بالعقل لا يعرف أن فيه مصلحة أو مفسدة، فيجب التوقف فيه.
٣ - ومنها- أنه لو اقتضى العقل في هذه المنافع إباحة أو حظراً، لكان الشرع إذا أباح شيئاً أو حرمه يقتضيه العقل، وذك لا يجوز.
والجواب:
[الأول]- أما الآية- قلنا: هذا إنكار على من استبد بذات نفسه في تحليل شيء أو تحريمه من غير دليل وحجة، ولأن في الآية دلالة الإباحة في هذه الأشياء، لأنه قال: [مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ] وإنزال الرزق فيما يفهم منه إطلاق الانتفاع به، إلا أنه أنكر على من حرم بعض ذلك من تلقاء نفسه ويعتقد حل البعض، وفيه تأكيد الإباحة.
وأما الثاني- فجوابه ما مر: أن جهة الإباحة فيها معلومة.
стр. 659
وأما الثالث- قلنا: إنما يؤدى إلى ما ذكرتم أن لو قضى العقل بالحظر أو الإباحة مطلقاً عاماً، وليس كذلك. بل اقتضاؤه ذلك مشروط بشرط أن لا يلوح فيها مفسدة بالشرع. فإذا لاحت لا يقتضى ذلك، فلا يتحقق النسخ.
والله أعلم.
стр. 660
٧
أبواب
أ- في استصحاب الحال.
ب- فيما يعلم بأدلة العقل، وما يعلم بأدلة الشرع.
ج- في تعبد النبي الثاني بشريعة الأول.
د- في صفة المفتى، وفى كيفية فتوى المفتى.
هـ- في إصابة المجتهدين.
стр. 661
(أ)
باب
في: استصحاب الحال
١٦٥ - أعلم أن استصحاب الحال هو أن يكون [حكم] ثابتاً في حالة من الحالات ، وتتغير الحالة ولا دليل على بقائه ولا على زواله، فيستصحب الإنسان ذلك [الحكم] بعينه مع الحالة المتغيرة- فنقول: من ادعى تغير الحكم فعليه الدليل.
وهذا ليس بحجة عند عامة العلماء.
وذهب قوم من أصحاب الظواهر إلى الاحتجاج به.
مثاله:
قول القائل: المتيمم إذا رأى الماء قبل الصلاة، يجب عليه الوضوء، وكذلك بعد دخوله في الصلاة. ومن زعم أن فرض الوضوء يتغير بالدخول في الصلاة، فعليه الدليل.
وكذا قول القائل: التبر سبب لوجوب الزكاة بشرط تمام الحول،
стр. 662
فكذا بعد اتخاذه حلياً- فمن ادعى أن اتخاذه حلياً يغير فرض الزكاة- فعليه الدليل.
والدليل على بطلانه- أن المستصحب للحال: ١ - إما أن يجمع بين الحالتين لاشتراكهما في دليل الوجوب من نص وغيره، أو لاشتراكهما في علة الوجوب، أو ٢ - يجمع بينهما من غير دلالة ولا علة.
إن قال بالأول:
فهو إثبات الحكم بدليله، وليس باستصحاب [الحال] الذي ذكروه.
وإن قال بالتالي:
فهذا جمع من غير دليل، وليس بأن يجمع بينهما بأولى من أن لا يجمع، أو بأن يجمع بين المسألة وغيرها.
فإن قيل: هذا إثبات الحكم بالدليل، أعنى بأمارة شرعية، لأن الأمارة الشرعية ما يوجب غلبة الظن، وقد وجد، لأنا إذا عرفنا الحكم ثابتاً في حالة، ولم نعلم وجود المزيل له بعد تغير الحالة وبعد بذل المجهود في البحث والطلب، غلب على ظننا إبقاه- قلنا: لا نسلم غلبة الطن بالقدر الذي ذكرتم ثمة- بيانه: أن الدليل النافي للحكم إذا لم يكن ثابتاً، وقد تغيرت الحالة، والحكم قابل للزوال بمزيل، والمزيل جائز الثبوت، يحتمل بقاء الحكم وزواله، ووقع الشك في ثبوته في هذه الحالة، ومع وقوع الشك- كيف يثبت الظن؟
стр. 663
فإن قيل: إذا احتمل بقاء الحكم وزواله كما ذكرتم، ولكن جانب البقاء راجح، لأن الأصل في الموجود البقاء- قلنا: الأصل في الموجود البقاء بشرط عدم المزيل، وفى المزيل احتمال، فكان في البقاء احتمال على السواء.
أقصى ما في الباب أن الخصم يقول: ما عثرت على المزيل بعد الطلب والبحث- ولكن هذا لا يلزم الخصم، فكيف يصلح للدفع؟ هذا معنى قول مشايخنا: إن استصحاب الحال حجة للدفع لا للإلزام.
والمخالف احتج بأشياء:
١ - منها- ما روى عن النبي ﵇ أنه قال: "إن الشيطان يأتي أحدكم، فيخيل إليه أنه قد أحدث، فلا يصرفه حتى يجد ريحاً أو يسمع صوتاً"- أوجب استدامة الحكم مع تغير الحال.
٢ - ومنها- أن الفقهاء أجمعوا على ذلك، لأنهم قالوا: حكم الشاك في الحدث بعد تيقن الطهارة، كحكمه قبل الشك. وإذا اختلف العلماء في المسألة على أقاويل، أخذوا بالأقل منها، وتمسكوا في نفى الزيادة بالنفي الأصلي.
٣ - ومنها- أن حدوث الحوادث لا تأثير له في تغيير الأحكام الشرعية.
٤ - ومنها- أنه لو لم يتعد الحكم من حالة إلى حالة، يوجب ذلك قصره على الزمان الواحد.
والجواب:
أما الأول- قلنا: نحن لا نمنع من تعدى الحكم من حالة إلى حالة، لدلالة. وإنما نمنع ذلك لا لدلالة، وقوله ﵇ في ذلك الحكم دلالة.
стр. 664
وأما الثاني- قلنا: المتكلمون خالفوا الفقهاء في الشك في الحدث، وأوجبوا عليه تجديد الطهارة. وأما الفقهاء فإنما قالوا ذلك، لأن الأصل في الوضوء أن لا يجب إلا بدليل شرعي. فإذا لم يدل على وجوبه على الشاك دليل شرعي، فالواجب البقاء على حكم الأصل، لأنه لو كان واجباً لدل الله عليه. ولا كذلك وجوب الوضوء، على من رأى الماء، لأن وجوب الوضوء ليس هو حكم العقل حتى يلزم البقاء عليه.
وأما الأخذ بالأقل من الأقاويل، فلأنه متفق عليه، والزيادة عليه حكم شرعي، ولم يدل عليها دليل.
وأما الثالث- قلنا: ثبوت الأحكام الشرعية بناء على المصالح، فلا يمتنع تبدل المصالح بتغير الأحوال.
وأما الرابع- قلنا: الأمر كذلك، إلا أن يكون دليل الحكم وعلته قد عم الأزمنة كلها.
والله أعلم.
стр. 665
(ب)
١٦٦ - باب في: ما يعلم بأدلة العقل، وما يعلم بأدلة الشرع:
اعلم أن الأشياء المعلومة بالدليل- إما أن يصح أن تعرف بالعقل فقط، وإما بالشرع فقط، وإما بالشرع والعقل جميعاً.
فالأول- كل ما كان في العقل دليل عليه، وكان العلم بصحة الشرع موقوفاً على العلم به، كالمعرفة بالله تعالى وصفاته وأنه غنى لا يفعل القبيح.
وإنما قلنا: "إن العلم بصحة الشرع موقوف على العلم بذلك" لأنا إنما نعلم صحة الشرع إذا علمنا أنه لا يجوز أن يظهره الله تعالى على [يد] كذاب، وإنما يعلم ذلك إذا علمنا أن إظهاره قبيح، وأنه لا يفعل القبيح، وإنما علمنا أنه لا يفعل القبيح إذا علمنا أنه عالم بقبح القبيح عالم باستغنائه عنه، والعلم بذلك، فرع على علمنا المعرفة به ، فيجب تقدم هذه المعارف على المعرفة بالشرع، فلا يجوز كون الشرع طريقاً إليها.
[والثاني]- وأما ما يصح أن يعرف بالشرع والعقل، فهو كل ما كان في العقل دليل عليه، ولم تكن المعرفة بصحة الشرع موقوفة على المعرفة [به]، كالعلم بأن الله تعالى واحد لا ثاني له في حكمته، وأنه تعالى جائز الرؤية،
стр. 666
لأنه إذا ثبتت حكمته لا يجوز أن يرسل من يكذب. فإذا أخبر الرسول أن الإله واحد لا قديم سواه، وأنه يراه المؤمنون في الآخرة- ثبت ذلك بقوله. وكذلك وجوب رد الودائع والغصوب والانتفاع بما لا مضرة فيه على أحد.
[والثالث] وأما ما يعلم بالشرع وحده- فهو ما كان في السمع دليل عليه دون العقل، كوجوب الأفعال التي تعبدنا الله تعالى بها أو بتركها، كوجوب الصلاة والصوم وترك شرب الخمر ونحو ذلك، فإنا لا نعقل استحسان الذم على من أخل بصوم أول يوم من شهر رمضان دون الذي قبله، أو أخل بأداء أربع بعد الزوال دون ما قبله، أو شرب الخمر دون الخل. وهذا لأن وجوب الأفعال، لما فيها من المصالح ودفع المضار، وذلك لا يعلم بمجرد العقل، فيقف على ورود الشرع.
والله أعلم.
стр. 667
(ج)
١٦٧ - باب في: تعبد النبي الثاني بشريعة الأول . وأن نبينا ﵇ لم يكن متعبداً قبل النبوة ولا بعدها بشريعة من تقدم، لا هو ولا أمته:
(أ) - أما جواز تعبد النبي ﵇ الثاني بشريعة الأول:
فالدلالة عليه- أن شرع هذه الشرائع لمصلحة العباد. [و] كما لا يمتنع في العقل أن تكون مصلحة النبي الثاني مع أمته، مخالفة لمصلحة الأول، لذلك لا يمتنع أن تكون مصلحة [الثاني] موافقة لمصلحة [الأول] في كل ما شرعه أو في بعضه.
فإن قيل: مجيء الثاني بعين شريعة الأول لا يفيد وكان عبثاً- قلنا: لا يمتنع أن يتعبد الثاني بالرجوع إلى ما جاء به الأول، ويوحي إليه بعبادات زائدة على العبادات التي علمها من الأول، أو يوحى إليه بشريعة الأول، لأنها قد درست، أو يوحى إليه بها ويبعث إلى غير من بعث إليه الأول. ومع هذه الوجوه لا يحصل العبث.
стр. 668
ومن منع جواز ذلك تعلق بقوله تعالى: [لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً] خص كل نبي بشريعة على حدة.
والجواب- أن الآية تقتضى أن كل نبي يختص بطريقة لم تكن للأول. أما لا يقتضى انتساخ شريعة الأول كله، لأن ذلك سبب نقض الأحكام. ألا ترى أنهم أجمعوا على طريقة واحدة في الإيمان بالله تعالى وتوحيده والطاعة له على أوامراه.
(ب) - وأما كون نبينا ﵇ متعبداً بشريعة من قبلنا قبل البعثة- فقد منح منه قوم. وتوقف فيه آخرون.
واختلفوا بعد البعثة- قال بعضهم: كان متعبداً بشريعة من قبله، إلا ما استثني بدليل وعرف نسخه.
وقال آخرون: ما كان متعبداً بذلك.
واختلف من قال: كان متعبداً بذلك قبل النبوة وبعدها:
قال بعضهم: كان متعبداً بشريعة نوح ﵇.
وقال بعضهم: بشريعة إبراهيم ﵇.
وقال بعضهم: بشريعة موسى ﵇.
والدلالة على أنه لم يكن متعبداً قبل البعثة بذلك- أنه لو كان متعبداً بذلك، لكان يفعل ما تعبد به ولو فعل ذلك، لكان يخالط من ينقل ذلك الشرع
стр. 669
من النصارى وغيرهم، ويفعل فعلهم، إذ لا طريق لمعرفته إلا ذلك. وقد نقلت أفعاله قبل البعثة وعرفت أحواله ولم ينقل أنه كان يفعل ما كان يفعله النصارى، ولا كان يخالطهم، ولا يخالط غيرهم ويسألهم عن شرعهم.
واحتج المخالف- بأنه كان قبل البعثة يحج ويعتمر ويطوف بالبيت ويذكي ويأكل اللحم ويركب البهائم ويحمل عليها- وكل ذلك لا يحسن إلا شرعاً.
والجواب- أنه [لم يثبت أنه] حج واعتمر قبل البعثة، وتولى التذكية بنفسه ولا أمر بها. وأما أكل اللحم المذكي فحسن في العقل، إذ هو نوع نفع ليس فيه ضرر، على ما مر تقريره في باب الحظر. وأما ركوب البهائم والحمل عليها فحسن أيضاً في العقل، لأنه ضرر يؤدى إلى نفع أعظم منه، وهو القيام بمصالحها وإيصال النفع إليها. وأما الطواف بالبيت: فيحتمل أنه فعل ذلك ليتشاغل به، كما يتشاغل الإنسان بالمشي ويستروح إليه إذا كان مفكراً. وأما تعظيمه البيت: فيحتمل أنه كان [يعظمه]، لأن إبراهيم ﵇ عظمه، والعقل يقتضى حسن تعظيم أماكن الأنبياء وتمييزها وتعظيم ما عظموه ما لم يعرف نسخه.
стр. 670
(ج) - وأما الدلالة على أنه ما كان متعبداً بشرع من قبله بعد البعثة فمن وجوه:
١ - منها- أن النبي ﵇ لما قال له معاذ: "أحكم بكتاب الله وسنة رسوله". وقال من بعد: "أجتهد رأيي"- صوبه، ولم يعرفه أنه يجب [عليه] الحكم بما في التوراة والإنجيل.
فإن قيل: إنما لم يعرفه لوجهين:
أحدهما- أن التوراة والإنجيل اندرجا تحت قوله: "أحكم بكتاب الله تعالى": فإنه اسم يعم لكل كتاب الله تعالى.
والثاني- إنما لم يذكر التوراة والإنجيل لأن في الكتاب آيات تدل على الرجوع إليها، لما نذكره.
قلنا:
أما الأول- فكتاب الله تعالى إذا أطلق لا يسبق إلى فهم المسلم إلا القرآن. ألا ترى أن المفهوم من قولنا "قرآناً" كتاب الله تعالى. و"حكمنا بكتاب الله تعالى" هو "القرآن". ولأن معاذاً ﵁ لم يعهد منه تعلم التوراة والإنجيل، والعناية بتمييز المعرف عن غيره، كما عهد منه تعلم القرآن-
следующие страницы →