← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 133363

نقد «نصوص حديثية في الثقافة العامة»

ناصر الدين الألباني

Полный текст (57 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

نقد «نصوص حديثية في الثقافة العامة جمع وتصنيف محمد المنتصر الكتاني أستاذ الحديث» بقلم محمد ناصر الدين الألباني نشرت في مجلة التمدن الإسلامي، المجلد (٣٣ و ٣٤) مطبعَة الترقي بدمشق

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فهذه بحوث حديثية علمية، في نقد كتاب وضعه بعض أساتذة الجامعة السورية لطلاب كلية الشريعة، أرجو أن يجدوا فيها نموذجًا صالحًا للنقد العلمي النزيه، القائم على البحث والتزام القواعد العلمية الصحيحة، عسى أن يزيدهم ذلك عناية بدراسة الحديث الشريف، دراسة عملية، وبذلك يحيون ما كاد يندرس من هذا العلم العظيم، بسبب اقتصار المدرسين والأساتذة على تدريسه دراسة نظرية محضة، وإصدارهم على أساسها تأليفاتهم التي يؤلفونها لطلابهم أو لغيرهم، غير مراعين فيها أبسط تلك القواعد العلمية، من اختيار النصوص الصحيحة، والأحاديث الثابتة، من المصادر الموثوقة والمراجع المعتمدة، مع العزو إليها، وتخريجها تخريجًا علميًّا دقيقًا، فترى أحدهم -وهو أستاذ هذه المادة: الحديث- يورد حديثًا نبويًّا، أو خبرًا متعلقًا بسيرته ﵊ أو أخلاقه يقول في تخريجه: «رواه أبو داود» أو «رواه ابن هشام في السيرة»! ! وهو يظن أنه بذلك قد أدى الأمانة العلمية المطوقة في عنقه، وأنه نصح طلابه! هيهات هيهات! فإن التزام المنهج العلمي المشار إليه في الدراسة الحديثية يوجب عليه قبل هذا التخريج المقتضب أن يدرس إسناد ذلك الحديث أو الخبر، ويتتبع رجاله، ويتعرف علله، وأقوال أهل الاختصاص فيه، ثم يحكم عليه بما تقتضيه هذه الدراسة من صحة أو ضعف،

стр. 3

ثم يقدم خلاصتها إلى طلابه مع التخريج المذكور، وإلا فمثل هذا التخريج المبتور الذي جرى عليه الأستاذ المشار إليه، مما لا يعجز عنه أحد من الطلاب أنفسهم إن شاء الله تعالى. وليس القصد من تقديم هذه البحوث هو نقد كتاب الأستاذ بالذات، لأن الكتاب مثل أي كتاب يضعه أستاذ مادته، فإذا ما ترك منصبه لحقه كتابه، فصار نسيًا منسيًّا! وإنما الغرض، أن نعرض على الطلاب وغيرهم بعض الأمثلة العملية، من التحقيق العلمي والنقد النزيه، لعلنا بذلك نقوم بشيء من واجب البيان، والنصح للمسلمين. وقد نشرت في خمس مقالات في مجلة التمدن الإسلامي الغراء (المجلد ٣٣ و ٣٤) فرأيت أن أجمعها في هذه الرسالة، تعميمًا للفائدة. راجيًا المولى أن ينفع بها، ويدخر لي ثوابها، إنه خير مسئول، وبه التوفيق. (١) دمشق ١٧ ذي الحجة سنة ١٣٨٧ محمد ناصر الدين الألباني

стр. 4

نصوص حديثية في الثقافة العامة: جمعه وصنفه لطلاب الصف الأول من كلية الشريعة في جامعة دمشق الأستاذ الشيخ محمد الكتاني أستاذ الحديث في الكلية المذكورة، ويقع الكتاب في (٧٠) صفحة. لقد سرني الكتاب كثيرًا إذ قرأت عنوانه، فموضوعه يلبي حاجة الشباب المثقف، وخاصة طلاب كلية الشريعة إلى أحاديث نبوية صحيحة، مخرَّجة وفق قواعد علم المصطلح، منتقاة لمناسبات شتى شاملة، تبين شمول السنة النبوية نواحي الدين والدنيا، ومعالجتها أمورًا عديدة من شؤون الفرد والمجتمع، وتوجيهها العاملين بها توجيهًا رشيدًا سديدًا. وتصفحت الكتاب فبدت لي ملاحظات هامة، رأيت لزامًا علي تبيانها بعد تمهيد عن مسألتين، والحق أحق أن يقال ويتبع: الأولى: أن الأستاذ الكتاني قال في مقدمة كتابه عن هذه النصوص «انتقيتها من الكتب الستة: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وموطأ مالك، والسنن الأربعة لأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة» ومن المعلوم أن "الموطأ" ليس من الكتب الستة في الاصطلاح، وقد غدت سبعة كما أوردها الأستاذ، فهل كان هذا عن سهو أم أن لدى الأستاذ تعليلًا لذلك؟ الثانية: أني افتقدت في الكتاب النهج العلمي الصريح لانتقاء الأحاديث وتخريجها، وتطبيق قواعد علم المصطلح عليها، وطالب الشريعة يجب أن يدرس دراسة علمية تطبيقية، لا دراسة نظرية محضة كما هي الحال في أكثر الكليات، وتبعًا لدراسته النظرية يتخرج ولا يكاد يشعر بثمرة الفرق بين

стр. 5

مصطلح وآخر، بين قول المحدث مثلًا «رواه البخاري» وقوله «رواه البخاري تعليقًا» (١) وقد يؤلف المخرج كتابًا أو يضع رسالة، يورد فيها ما شاء من الأحاديث وكثير منها ضعيف منكر أو موضوع لا يجوز روايته إلا مع بيان حاله، ثم هو يكتفي في كل ذلك بأن يقول في التخريج «رواه أبو داود وفلان» أو «رواه النسائي وفلان» دون أن يرجع إلى إسناده ويدرس أحوال رجاله وما قد يكون فيه من علة تقدح في ثبوته، كالانقطاع والتدليس والإرسال ونحوه، ومن العجيب أن الأستاذ الكتاني صنع هذا نفسه في كتابه، وهو يعلم أنه أستاذ مقتدى به، ينبغي أن يعلم طلابه التحفظ الدقيق في رواية حديث رسول الله ﷺ بدليل قوله ﷺ : «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع» رواه مسلم في مقدمة "الصحيح" بإسناد صحيح. * * * أعود الآن إلى صلب الموضوع، فأورد أهم الملاحظات بخطوط عريضة: ١ - أورد الأستاذ الكتاني أحاديث كثيرة واهية، سكت عنها، ولم يبين ضعفها، وبذلك يتوهم الطلاب صحتها، على أن بعضها مما ضعفه المصدر نفسه الذي عزا إليه الحديث، وهذا أبعد ما يكون عن الغاية من علم الحديث، وفي كلية الشريعة. ٢ - أطلق العزو للبخاري في بعض الأحاديث، فقال "رواه البخاري" وهي عنده معلَّقة، وبعضها مما لا يصح إسناده، وبذلك يتوهم القراء أنها صحيحة على شرط البخاري في "الصحيح" وليست الحال كذلك، وعكس ذلك في بعض آخر، فقال «رواه البخاري معلقًا» وهو عنده موصول!

стр. 6

ومن المقرر في علم الحديث أن أحاديث "صحيح البخاري" تنقسم إلى قسمين: الأول: هي التي يسندها البخاري إلى النبي ﷺ ، أي يسوق أسانيدها متصلة منه إلى النبي ﷺ . وهذا القسم كله صحيح عند العلماء إلا أحرفًا يسيرة جدًّا وهم فيها بعض الرواة. والآخر: هي التي يذكرها بدون إسناد متصل إلى النبي ﷺ وله صور كثيرة لا مجال لذكرها الآن، وهذا القسم يسمى بالحديث المعلق، وقد اتفقوا أن فيه الصحيح والحسن والضعيف، ولا يمكن العلم بمعرفة رتبة هذا القسم من مجرد إيراد البخاري إياه في "صحيحه" بخلاف القسم الأول، اللهم إلا إذا صدر الحديث المعلق بصيغة الجزم مثل «قال وروى وذكر» ونحوها، فإنه يدل على أنه صحيح عنده، وإذا صدره بصيغة التمريض، مثل «رُوي» و «ذكر» ونحوهما، فإنه يدل على ضعفه عنده، على أن هذا ليس مضطردًا عنده، فكثيرًا ما يصدره بصيغة الجزم، ويكون ضعيفًا، وقد يصدره بصيغة التمريض وهو عنده صحيح لأسباب لا مجال لذكرها الآن، وقد أوردها الحافظ ابن حجر العقلاني في "مقدمة فتح الباري" فمن شاء الاطلاع عليها فليرجع إليه. وإنما الطريق الوحيد لمعرفة ذلك الرجوع إلى سند الحديث الذي علقه البخاري، في كتب السنة الأخرى كالسنن وغيرها، فيدرس سنده ثم يعطى ما يستحقه من رتبة. إذا عرفنا هذا، فإن كثيرًا من الناس ممن لا علم عندهم بهذا التفصيل في أحاديث البخاري يتوهم أن كل حديث فيه صحيح، وعلى ذلك فهو ينقل منه بعض الأحاديث المعلقة، ثم يعزوها إليه عزوًا مطلقًا، فيوهم الناس ما توهمه هو نفسه أن الحديث صحيح، وقد يكون ضعيفًا، فيخطئ ويكون سببًا لخطأ غيره، من أجل ذلك اتفق علماء الحديث على أنهم

стр. 7

إذا نقلوا من صحيح البخاري حديثًا من القسم الثاني أن يشار إلى ذلك بمثل قولهم «رواه البخاري معلقًا»، أو «ذكره البخاري بدون إسناد» وذلك لكي لا يوهموا الناس أن الحديث من القسم الأول الصحيح! وقد أخل بذلك كثير من المصنفين، خاصة منهم المتأخرين، مثل مؤلف كتاب "الجامع للأصول الخمسة"، فكثيرًا ما رأيناه يقول في تخريجه لبعض الأحاديث «رواه البخاري»، وهي عنده معلقة! وجرى على نسقه الشيخ الكتاني، فوجب التنبيه عليها، مع ذكر الصحيح والضعيف منها. ٣ - عزى أحاديث إلى بعض "السنن الأربعة" بينا جاءت في "الصحيحين" أو في أحدهما موصولة لا معلقة، وهذا مما لا يجوز، لأن العزو للسنن لا يفيد الصحة بخلاف العزو لـ"الصحيحين" أو أحدهما، ففي ترك العزو إليهما إلى العزو إلى غيرهما، ما يوهم عدم إخراجهما إياه، فضلًا عن تشكيك الطلاب في صحة الحديث، لأن السنن فيها الصحيح والضعيف كما هو معلوم. ٤ - عزا أحاديث إلى "الصحيحين" وغيرهما من الستة، وهي ليست عندهم على خلاف ما صنع في الفصل السابق، وعزى إلى من ليس من "الستة" ولا من هو من الأئمة، مع كون الحديث عند بعض أئمة الستة، وعزى حديثًا آخر لصحابي وهو لغيره! وساق زيادة في حديث صحيح لا يعرف لها أصل، والمصدر الذي عزاها إليه مما لا يوثق به! ٥ - ترجم لأحاديث كثيرة بما لا تدل عليه. ٦ - أورد أحاديث كثيرة لا يترتب عليها اليوم كبير فائدة، بل هي مما يستغله بعض ذوي الأهواء والبدع، مع أن غالب تلك الأحاديث خاصة بالرسول ﷺ ، فلا يصح أن يقاس به أحد من المشايخ، فإذا كان غرض الأستاذ صاحب الكتاب من إيرادها مجرد التعريف بها ومبلغ تعظيم الأصحاب الكرام لرسول الله ﷺ ، فكان من تمام التأليف التنبيه إلى ذلك.

стр. 8

١ - الأحاديث الضعيفة: الحديث الأول: قال (ص ٤): «عن جرير بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى أوحى إلي: أي هؤلاء الثلاث نزلت فهي دار هجرتك: المدينة، أو البحرين، أو قنسرين». قلت هذا حديث منكر ضعفه المخرج نفسه، ألا وهو الترمذي فقد أخرجه في «المناقب» من طريق عيسى بن عبيد عن غيلان بن عبد الله العامري عن أبي زرعة عن عمرو بن جرير عن جرير بن عبد الله، وقال: «هذا حديث غريب». قلت: يعني ضعيف كما هو اصطلاحه حينما يفرد الحديث بهذا الوصف: «غريب»، بخلاف ما إذا قال «حديث صحيح غريب» أو «حديث حسن غريب» كما هو معلوم عند أهل العلم. وعلته غيلان هذا أورده الذهبي في "ميزان الاعتدال في نقد الرجال" وقال: «ما علمت روى عنه سوى عيسى بن عبيد الكندي، حديثه منكر، ما أقدم الترمذي على تحسينه، بل قال «غريب»، وهو عن أبي زرعة ... ». قلت: ثم ذكر هذا الحديث. وإن مما يؤسف له أن الحديث المنكر الذي ضعفه الترمذي، هو أول حديث في كتاب الشيخ الكتاني تَوجهُ به!

стр. 9

الحديث الثاني: «عن أبي نضرة العبدي (الأصل (١) العبوي! ) قال حدثني شيخ من طفاية قال: تثويت (أي نزل ثاويًا) أبا هريرة بالمدينة ... قال: فبينا أنا عنده يومًا وهو على سرير له، ومعه كيس فيه حصى أو نوى، وأسفل منه جارية له سوداء، وهو يسبح بها، حتى إذا ما أنفذ ما في الكيس ألقاه إليها، فأعادته في الكيس، فدفعته إليه ... الحديث. قال أخرجه أبو داود». قلت: فيه علتان: الأولى: جهالة الشيخ الطفاوي، فإنه لم يسم ولا يدرى من هو؟ والأخرى: أن راويه عند أبي داود في «النكاح» الجُريري، واسمه سعيد بن إياس، وهو ثقة، ولكنه كان اختلط قبل موته ثلاث سنوات كما قال الحافظ في "التقريب" ولا يدرى أحدث بهذا الحديث قبل الاختلاط أم بعده؟ وما كان كذلك فلا يحتج به كما هو مقرر عند المحدثين في بحث الاختلاط والمختلطين. ولعل المصنف أراد بذكره لهذا الحديث أن يقدم إلى بعض الدراويش من الطرقيين دليلًا على ما أحدثوه من تقييد الذكر والتسبيح والصلاة على النبي ﷺ بعدد لم يشرعه رسول الله ﷺ ! فهو دليل واه جدًّا لسببين أساسيين: الأول: ضعف السند بذلك إلى أبي هريرة ﵁.

стр. 10

الثاني: أنه قد أنكر ذلك من الصحابة من هو أقدم صحبة، وأعلى كعبًا في الفقه والعلم منه، ألا وهو عبد الله بن مسعود ﵁ في القصة المشهورة عنه، المروية من طرق بعضها صحيح السند، وفيها إنكار ابن مسعود على الذين جلسوا حلقات يعدون الذكر بالحصى، فأنكر ذلك عليهم أشد الإنكار، وقال لهم: أعلى الله تعدون؟ ! أم على الله تحصون؟ ! عدوا سيئاتكم وأنا الضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء! ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم ... إلخ القصة. وفي آخرها أن أصحاب تلك الحلقات صاروا فيما بعد من الخوارج الذين قاتلهم الخليفة الراشد علي بن أبي طالب فليراجعها من شاء في "سنن الدارمي" أو في رسالتنا "الرد على التعقيب الحثيث". نعم ما جاء في آخر الحديث من الأدب في الجماع، وفي طيب الرجال والنساء ثابت في أحاديث أخرى. الحديث الثالث: (ص ١٣) «عن زيد بن أسلم ﵁ «أن رجلًا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله ﷺ ، فدعا رسول الله ﷺ بسوط، فأتي بسوط مكسور، فقال: فوق هذا، فأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته، فقال دون هذا، فأتي بسوط قد ركب به ولان، فأمر به فجلد، ثم قال: أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، من أصاب هذه القاذورات (كذا الأصل، والصواب: من هذه القاذورات) شيئًا فليستتر بستر الله، فإنه من يُبد لنا صفحته نُقم عليه كتاب الله». قلت: وهذا إسناد ضعيف لإرساله، لأن زيد بن أسلم وهو مولى عمر، هو تابعي معروف، ولعل الشيخ توهم أنه صحابي، ولذلك ترضي عنه!

стр. 11

والعرف عند العلماء جرى على تخصيص الترضي بالصحابة، والترحم بمن بعدهم، دفعًا لمثل هذا الإيهام فيكون الحديث عن تابعي مرسلًا ضعيفًا، وبالترضي عنه يصير عند عامة الناس المتأثرين بذلك العرف، مسندًا موصولًا، فينبغي مراعاة العرف دفعًا للإيهام. قلت: «لعل» ولم أجزم بذلك التوهم، لأني رأيت الشيخ قد ترضى عن غير ما واحد من التابعين الآخرين فانظر الأحاديث الآتية (٤ و ٧ و ١٠ و ٢٣ و ٢٥ و ٢٨) وغيرها. الحديث الرابع: (ص ١٧) «وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : الحناء، والتعطر، والسواك، والنكاح من سنن المرسلين. أخرجه الترمذي». ثم أعاده في الصفحة التالية عن ذات الصحابي ونفس المخرج لكن بلفظ «أربع من سنن المرسلين: الحياء، والتعطر، والنكاح، والسواك». قلت: أولًا: الحديث ضعيف الإسناد مضطرب المتن، فيه الحجاج وهو ابن أرطاة قال الحافظ في "التقريب": «صدوق كثير الخطأ والتدليس». قلت: وقد عنعنه. وأما الاضطراب في المتن، فراجعه في "فيض القدير" للمناوي. ثانيًا: الحديث عند الترمذي في أول «النكاح» باللفظ الثاني، مع شيء من التقديم والتأخير يأتي بيانه. وأما اللفظ الأول، فليس له أصل عند الترمذي، ولا عند غيره ممن أخرج الحديث كأحمد في "مسنده" (٥/ ٤٢١) فكيف عزاه المصنف للترمذي؟ ! ومن أين نقله؟ !

стр. 12

لقد ذكر في مقدمة الكتاب أنه انتقى أحاديثه من الكتب الستة، وهذا الحديث يصلح شاهدًا على أن الانتقاء لم يكن من الكتب الستة مباشرة، وإنما انتقى بعضها منها، والبعض الآخر من الكتب الأخرى التي تنقل من الكتب الستة وغيرها، وإلا فكيف نستطيع أن نقنع أنفسنا بأن المصنف نقلها كلها من الكتب الستة مباشرة، وهذا الحديث بلفظه الأول لا أصل له في شيء منها! ومما يؤيد ما ذكرت، أن اللفظ الثاني نفسه مغاير في سياقه لسياقه في الترمذي كما سبقت الإشارة إليه، فهو فيه بلفظ: «والسواك والنكاح». ولفظ المصنف بتقديم النكاح على السواك! وأيضًا، فقد ذكر (ص ١٩) حديث «ما من ثلاثة في قرية، لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية». أخرجه أبو داود والنسائي. قلت: وهذا السياق يخالف ما عندهما في موضعين: الأول: أنهما زادا بعد قوله: «قرية»: «ولا بدو». والآخر: أنه ليس عندهما «من الغنم» وإنما هي عند الحاكم. فلو أن المصنف نقل هذا الحديث من «أبي داود والنسائي» مباشرة لذكره بنصهما كما تقتضيه الأمانة العلمية، دون زيادة أو نقص، فإن زاد فيه زيادة ما من مصدر آخر نبه عليه كما هي طريقة أهل العلم. وسيأتي معنا أمثلة أخرى تؤكد أن النقل لم يكن من "الستة" مباشرة، فانتظر.

стр. 13

الحديث الخامس: «عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن رقيقًا لحاطب سرقوا ناقة لرجل من مزينة فانتحروها، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمر عمر كثير بن الصلت أن يقطع أيديهم، ثم قال عمر: أراك تجيعهم، ثم قال عمر: والله لأغرمنك غرمًا يشق عليك، ثم قال للمزني كم ثمن ناقتك؟ فقال المزني: كنت والله أمنعها من أربعمائة درهم، فقال عمر: أعطه ثمانمائة درهم. أخرجه في الموطأ». قلت: هذا مع كونه ليس حديثًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، فهو لا يصح عن عمر لانقطاعه بينه وبين يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، فإنه ولد في خلافة عثمان ﵁، كما قال أبو حاتم الرازي. على أن مالكًا نفسه قال عقبه: «وليس على هذا العمل عندنا في تضعيف القيمة»! فالأثر ضعيف السند، ومع ذلك فليس عليه العمل، فما قيمته؟ ! الحديث السادس: «عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ أنه كان في سرية من سرايا رسول الله عليه وسلم، قال: فحاص الناس حيصة ... فلما خرج قمنا إليه، فقلنا نحن الفرارين، فأقبل علينا، وقال: لا بل أنتم العكارون، قال: فدنونا فقبلنا يده، فقال: أنا فئة المسلمين. أخرجه أبو داود والترمذي».

стр. 14

قلت: في إسناده عندهما يزيد بن أبي زياد وهو الهاشمي مولاهم الكوفي قال الحافظ: «ضعيف، كبر فتغير، فصار يتلقن، وكان شيعيًّا». ومن طريقه رواه جماعة آخرون ذكرتهم في كتابي "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" رقم (١١٨٩) يسر الله إتمامه. الحديث السابع: (ص ٢٣) «وعن صفوان بن عسال (الأصل عباد! ) ﵁ قال: قال بعض اليهود لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي ... فأتينا رسول الله ﷺ ... فقبلا يده ورجله ... أخرجه الترمذي والنسائي». قلت: في صحة إسناده نظر، وإن قال الترمذي: «حديث حسن صحيح» فإنه متساهل في التصحيح، ولذلك لا يعتمد العلماء على تصحيحه كما قال الحافظ الذهبي، فهو من رواية عبد الله بن سلمة عن صفوان. وعبد الله هذا مع كونه ليس بالمشهور حتى قال أحمد: لا أعلم روى عنه غير أبي إسحاق السبيعي وعمرو بن مرة، ومع ذلك فقد تكلموا في حفظه، وقد أورده الذهبي في "الضعفاء" وقال: «قال النسائي: يعرف وينكر». وقال الحافظ في "التقريب": «صدوق تغير حفظه». ثم إن سياق الحديث للنسائي، ولكنه مخالف في بعض الأحرف لما في كتابه، فقد أخرجه في «تحريم الدم» بلفظ: «فقبلوا يديه ورجليه» وكذا هو عند الترمذي في «التفسير» إلا أنه قال: «فقبلا» وعكس ذلك في «الاستئذان» فقال: «فقبلوا يده ورجله».

стр. 15

الحديث الثامن: (ص ٢٣) «عن عائشة ﵂ قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة، ورسول الله ﷺ في بيتي، فقرع الباب، فقام إليه رسول الله ﷺ عريانًا يجر ثوبه، والله ما رأيته عريانًا قبله ولا بعده، فاعتنقه وقبله. أخرجه الترمذي». قلت: وقال: «حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه». قلت: وهو منتقد، فإنه يرويه من طريق إبراهيم بن يحيى بن محمد بن عباد المدني حدثني أبي يحيى عن محمد بن إسحاق عن الزهري. وابن إسحاق مدلس، وقد عنعنه. وإبراهيم بن يحيى وأبوه ضعيفان. قال الحافظ في الأول منهما «لين الحديث». وقال في أبيه: «ضعيف، وكان ضريرًا يتلقن». وقال الذهبي: «هذا حديث منكر تفرد به إبراهيم عن أبيه». الحديث التاسع: (٢٦) «عن بكر بن مبشر الأنصاري ﵁ قال: كنت أغدو مع أصحاب رسول الله ﷺ إلى المصلى يوم الفطر، ويوم الأضحى، فنسلك بطن بطحان حتى نأتي المصلى فنصلي مع رسول الله ﷺ ، ثم نرجع من بطحان إلى بيوتنا. أخرجه أبو داود». قلت: كذا وقع الحديث عنده «من بطحان» والصواب «من بطن بطحان» كذا هو في أبي داود (١١٥٨) وغيره.

стр. 16

وإسناده ضعيف، فيه إسحاق بن سالم، قال الذهبي: «لا يعرف» وقال الحافظ: «مجهول». ثم إن ظاهره مخالف لما ثبت في "الصحيحين" وغيرهما أن السنة الذهاب إلى المصلى من طريق، والرجوع من طريق أخرى. والمصنف ترجم لهذا الحديث بـ «صلاة العيد في المصلى لا في المسجد» وفي الباب مما صح عنه ﷺ ما يغني عنه، مثل حديث أبي سعيد الخدري قال: «كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى ... » الحديث أخرجه البخاري وغيره. وبوب له البخاري بـ «باب الخروج إلى المصلى» فلو أن المصنف ذكره بدل هذا لكان أصاب. الحديث العاشر: (ص ٢٨) «عن أبي الأسود الدؤلي ﵀ قال: أتي معاذ بميراث يهودي فورثه ابنًا له مسلمًا، وقال: قال رسول الله ﷺ : الإسلام يعلو ولا يعلى، ويزيد ولا ينقص. أخرجه أبو داود». قلت: وفي هذا أمران: الأول: أن إسناده ضعيف منقطع كما بينه البيهقي في "السنن الكبرى" (٦/ ٢٩٥) والحافظ في "الفتح" وزدته بيانًا في "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة" رقم (١١٢٣). وذكرت هناك أن بعض المحدثين أخرج الحديث من طريق أخرى ضعيفة عن شعبة به، إلا أنه قال: «الإيمان يعلو ولا يعلى» مكان «يزيد وينقص». الأمر الآخر: أنه ليس في الحديث عند أبي داود ولا عند غيره ممن

стр. 17

ذكرنا: «الإسلام يعلو ولا يعلى»، وإنما هذا حديث آخر، لم يخرجه أبو داود ولا غيره من الستة، وأنما روي عن غير معاذ (١)، اللهم إلا ما أشرت إليه آنفًا من أن بعض الضعفاء رواه عن شعبة في هذا الحديث، فكان المصنف اختلط عليه الأمر، فجعل الحديثين حديثًا واحدًا، ثم عزاه لأبي داود، ولا أصل لذلك عنده. بل إن الحديث الذي رواه أبو داود بدون الزيادة ليخالف سياقه سياق المصنف في بعض الأحرف، كقوله: «فورثه ابنًا له» وهذا لا يوجد عند أبي داود، فمن أين جاء به المصنف؟ ! وهل هذا يشهد لقوله في المقدمة أنه انتقاها من الكتب الستة؟ ! الحديث الحادي عشر: (ص ٣٢) «عن سراقة بن مالك بن جعشم ﵁ أن رسول الله ﷺ خطبنا فقال: خيركم المدافع عن عشيرته ما لم يأثم. أخرجه أبو داود». قلت: إسناده ضعيف، وممن ضعفه أبو داود نفسه، فقال عقبه «أيوب بن سويد (يعني الذي في إسناده) ضعيف». الحديث الثاني عشر: (ص ٣٢) «عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قلت يا رسول الله ما العصبية؟ قال: أن تعين قومك على الظلم. أخرجه أبو داود». قلت: هو عنده (٥١١٩) عقب الحديث السابق من طريق سلمة بن بشر الدمشقي عن بنت واثلة بن الأسقع أنها سمعت أباها يقول: فذكره. وهذا إسناد مجهول، سلمة بن بشر وابنة واثلة واسمها جميلة ويقال خصيلة»، لم يوثقهما من يوثق بتوثيقه، ولذلك قال الحافظ فيهما: "مقبول"، يعني عند

стр. 18

المتابعة، وإلا فلين الحديث عند التفرد كما هنا. وسلمة رماه الذهبي بالتدليس فقال: «روى حديث خصيلة بنت واثلة، فدلسه». وكأنه يعني أن بينهما عباد بن كثير الفلسطيني، وهو ضعيف. والله أعلم. الحديث الثالث عشر: (ص ٣٨) «عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي ﵁ قال: بينا نحن جلوس عند رسول ﷺ ، إذ جاءه رجل من بني سلمة، فقال يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما بعد موتهما فقال: نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما. أخرجه أبو داود». قلت: إسناده ضعيف، فيه علي بن عبيد الأنصاري، قال الذهبي «لا يعرف». الحديث الرابع عشر: (ص ٤١) «عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ أن رسول ﷺ قال: أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة -وأومأ بيده (١) يزيد بالوسطى والسبابة- وامرأة آمنت مع (٢) زوجها، ذات منصب وجمال حبست نفسها على يتاماها حتى بانوا أو ماتوا. أخرجه أبو داود». قلت: إسناده ضعيف، فيه النهاس بن فهم وهو ضعيف كما قال الحافظ في "التقريب" وأورده الذهبي في "الضعفاء" وقال: «تركه القطان، وضعفه النسائي».

стр. 19

الحديث الخامس عشر: (ص ٤٢) «عن حشرج بن زياد ﵀ عن جدته أم أبيه أنها خرجت مع رسول الله ﷺ ... الحديث. أخرجه أبو داود». قلت: حشرج هذا لا يعرف كما قال الذهبي، فالسند ضعيف. الحديث السادس عشر: (ص ٤٣) «عن عبد الخبير (١) بن ثابت بن قيس بن شماس عن أبيه عن جده قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ يقال لها أم خلاد وهي منتقبة ... فقال لها رسول الله ﷺ ابنك له أجر شهيدين، قالت: ولم؟ قال لأنه قتله أهل الكتاب. أخرجه أبو داود». قلت: وهذا إسناد ضعيف، علته من عبد الخبير هذا والراوي عنه فرج بن فضالة، وقد ضعف حديثهما هذا إمام الأئمة البخاري فقال: «عبد الخبير، روى عنه فرج بن فضالة، حديثه ليس بالقائم، فرج عنده منا كير». وراجع إن شئت الزيادة "مختصر السنن" للحافظ المنذري (٣/ ٣٥٩) و"حجاب المرأة المسلمة" (ص ٣٣) الطبعة الأولى من تآليفنا. الحديث السابع عشر: (ص ٢٨) «عن سعيد بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ما نحل والد ولدًا من نحل أفضل من أدب حسن. أخرجه الترمذي». قلت: فيه مع ضعفه خطيئتان:

стр. 20

الأولى: حذفه لكلام الترمذي الدال على ضعفه! فقد قال عقبه: «حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عمار بن أبي عامر الخزاز وأيوب بن موسى هو ابن عمرو بن سعيد بن العاصي، وهذا عندي حديث مرسل». فقوله: «غريب» يعني أنه ضعيف كما سبق التنبيه عليه في الحديث الأول، وتأيد ذلك هنا بقوله في هذا «حديث مرسل» فإن المرسل من أقسام الحديث الضعيف عند المحدثين. الأخرى: أنه جعله من مسند سعيد بن العاص الصحابي، ولا دخل له فيه وإنما هو من مسند ابنه عمرو، وهو جد أيوب كما يدل عليه كلام الترمذي السابق وهو تابعي، ولذلك أعله بالإرسال، وكذلك أعله الذهبي، وزاد فيه علة أخرى وهي أن الخزاز هذا واه، وله عندي علة ثالثة وهي جهالة موسى بن عمرو والد أيوب، وليس هذا مجال تفصيل ذلك، ومحله في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم ١١٢١. الحديث الثامن عشر (ص ٥١) «عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف. أخرجه الترمذي». قلت: إسناده ضعيف، فيه عيسى بن ميمون الأنصاري ضعفه الترمذي نفسه في هذا الحديث، وكذلك البيهقي، وقد تفرد بقوله: «واجعلوه في المساجد»، فهو منكر، لتفرد الضعيف به، زد على ذلك أنه منكر من حيث المعنى، فإن معناه في سياق الحديث أن الضرب بالدفوف جائز في المسجد للإعلان، وذلك مما لا يجوز، دون خلاف أعلمه، فكان

стр. 21

في استطاعة المصنف أن يتحاشى هذا الحديث لضعفه وإيهامه ما لا يجوز شرعًا، إلى أحاديث أخرى ثابتة في الباب الذي ترجم له بـ «الدف والغناء في حفلات الزفاف»، وقد أوردت طائفة منها في كتابي "آداب الزفاف" (ص ١٠١ - ١٠٥)، فليراجعها من شاء. الحديث التاسع عشر (ص ٥٢) «عن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء. أخرجه الترمذي». قلت: هذا حديث ضعيف السند منكر المتن، تفرد برفعه حريث بن السائب، وهو مختلف فيه رواه عن الحسن عن حمران عن عثمان به وخالفه الثقة، فقال أحمد في حريث هذا: «روى حديثًا منكرًا عن الحسن عن حمران عن عثمان يعني هذا، وذكر أن قتادة خالفه فقال عن الحسن عن حمران عن رجل من أهل الكتاب. قال أحمد: ثنا روح ثنا سعيد يعني عن قتادة به». قلت: فعاد الحديث إلى أنه من الإسرائيليات، التي تشبه الرقائق من الصوفيات، وأين هو من قول الله ﵎ في بعض المحكمات من الآيات: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فقد تفضل ربنا ﵎ على عباده المؤمنين، فجعل من الحق لهم أن يلبسوا ويتزينوا بما شاؤوا من أنواع الألبسة والزينة مما أباح لهم، كما جعل من الحق لهم أن يتمتعوا بما شاءوا من الطيبات من الرزق ولم يضيق عليهم في شيء من ذلك البتة، على خلاف هذا الحديث الإسرائيلي! وإن سيرة الرسول ﷺ العملية الثابتة عنه لتناقضه أشد المناقضة، بل إنها

стр. 22

لتثبت بطلانه، فقد كان ﷺ يأكل طيبًا، ويشرب طيبًا، ويلبس من الثياب الحسنة ما تيسرت له، كيف لا وهو القائل بمثل هذه المناسبة «إن الله جميل يحب الجمال». رواه مسلم في «صحيحه». الحديث العشرون (ص ٥٣ - ٥٤) «عن عبد الله بن حسان العنبري قال: حدثتني (١) جدتاي صفية ودحيبة ابنتا عليبة، وكانتا ربيبتي قيلة بنت مخرمة، وكانت جدة أبيهما أنها أخبرتهما قالت: قدمنا على رسول الله ﷺ ... (الحديث وفيه): المسلم أخو المسلم يسعهما الماء والشجر، ويتعاونان على الفتان. أخرجه أبو داود». قلت: إسناده فيه جهالة، والترمذي مع تساهله لم يحسنه فقد قال عقبه (٢/ ١٣٣). «لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن حسان». قلت: لم يوثقه أحد، حتى ابن حبان! فهو مجهول الحال، وقد ضعفه الحافظ بقوله: «مقبول»! واعلم أن في الباب ما يغني عن هذا الحديث مثل قوله ﷺ : «المسلمون شركاء في ثلاثة: في الكلأ، والماء، والنار». وقد أورده المصنف عقب هذا بحديث. (فائدة): هذا هو لفظ الحديث: (المسلمون)، وقد اشتهر اليوم وتداوله الكتاب والمحاضرون وغيرهم بلفظ (الناس ... ) وهو شاذ لا يصح، كما بينته في "إرواء الغليل" رقم الحديث (١٥٥٠). الحديث الواحد والعشرون (ص ٥٤) «عن أبيض بن حمال «أنه وفد إلى رسول الله ﷺ فاستقطعه الملح

стр. 23

الذي في مأرب. فقطعه له، فلما أن ولى، قال رجل من المجلس: أتدري ما قطعت له يا رسول الله؟ إنما قطعت له الماء العِدَّ، فانتزعه منه، قال: وسألته عما يحمى من الأراك؟ قال: ما لم تنله أخفاف الإبل». أخرجه أبو داود والترمذي». قلت: وضعفه الترمذي نفسه بقوله «حديث غريب»! قلت: وفيه علتان: الأولى: سمي بن قيس، وهو مجهول. والأخرى: محمد بن يحيى بن قيس المأربي، وهو لين الحديث كما قال الحافظ في "التقريب" وأورده الذهبي في "الميزان" وساق له حديثًا من رواية خطاب بن عمر الصفار عنه، وقال: «هذا باطل، فما أدري من افتراه؟ خطاب أو شيخه». قلت: فهو إذن في موضع التهمة! الحديث الثاني والعشرون (ص ٥٦) «عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «الجهاد واجب مع كل أمير، برًّا كان أو فاجرًا ... » الحديث. أخرجه أبو داود». قلت: وإسناده ضعيف، فيه مكحول عن أبي هريرة ولم يسمع منه، وعن مكحول العلاء بن الحارث وقد اختلط كما قال الحافظ في "التقريب". الحديث الثالث والعشرون (ص ٦٠) «عن أبي المليح عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 24

«اعتموا تزدادوا حلمًا، وقال علي: العمائم تيجان العرب» أخرجه أبو داود». قلت: هذا العزو لأبي داود باطل، وهو دليل من أدلة كثيرة سبقت الإشارة إليها - على أن المصنف لم يجمع أحاديث كتابه من الكتب الستة مباشرة، وإلا لما وقع في مثل هذا العزو الفاحش، والحديث ليس له ذكر في شيء من أمهات كتب الحديث المطبوعة أصلًا، وإنما أخرجه أبو عبد الله الضبي في «المجلس الحادي والستون» من "الأمالي" (ق ٢/ ٢) باللفظ الذي في الكتاب، وأخرجه ابن عدي في "الكامل" (ق ٣٣٣/ ٢) دون ذكر علي فيه، فصار الشطر الثاني بذلك مرفوعًا أيضًا. وإسناده ضعيف جدًّا مداره على عبيد الله بن أبي حميد، قال الحافظ ابن حجر في "التقريب": «متروك الحديث». وقال البخاري فيه: «يروي عن أبي المليح عجائب»! قلت: أفليس هذا منها؟ الحديث الرابع والعشرون (ص ٦٣) «عن أبي هريرة ﵁ يرفعه إن الله يقول: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما. أخرجه أبو داود». قلت: إسناده ضعيف، وفيه علتان: الأولى: جهالة أبي حيان التميمي أحد رواته. قال الذهبي: «لا يكاد يعرف، وللحديث علة». قلت: وهي:

стр. 25

الأخرى: وهي الاختلاف على أبي حيان في وصله وإرساله، ورجح الدارقطني إرساله، وبيانه في "إرواء الغليل" (١٤٦١). الحديث الخامس والعشرون (ص ٦٤) «عن حذيفة وابن مسعود ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : لا يكن أحدكم إمعة، يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساؤوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا ألا تظلموا. أخرجه الترمذي». قلت: عليه ثلاثة مآخذ: الأول: أنه ليس عند الترمذي إلا من حديث حذيفة وحده! الثاني: أنه ليس عنده باللفظ المذكور، وإنما هو بلفظ: «لا تكونوا إمعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم ... » الخ. الثالث: أنه ضعيف الإسناد، وقول الترمذي: «حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه»، من تساهله الذي سبق أن تحدثنا عنه. وفيه علتان: الأولى: الوليد بن عبد الله بن جميع، مختلف فيه، وقد أورده الذهبي في "الضعفاء" وقال الحافظ في "التقريب": «صدوق يهم». والأخرى: أبو هشام محمد بن يزيد، قال الحافظ: «ليس بالقوي، وقد قال البخاري: رأيتهم مجمعين على ضعفه». وأورده الذهبي في "الضعفاء". وهو معروف عن ابن مسعود موقوفًا عليه مختصرًا بلفظ:

стр. 26

«اغد عالمًا أو متعلمًا، ولا تغد إمعة بين ذلك». أخرجه ابن عبد البر في "جامع العلم" (٢/ ١١٢) بسند حسن عنه. الحديث السادس والعشرون (ص ٦٤) «عن رافع بن مكيث ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: حسن الملكة نماء، وسوء الخلق شؤم. أخرجه أبو داود». قلت: إسناده ضعيف، فيه عثمان بن زفر وهو مجهول، وقد اضطرب في إسناده، ولا مجال لبيانه الآن ومحله "الأحاديث الضعيفة والموضوعة" رقم (٧٩٤). الحديث السابع والعشرون (ص ٦٧) «عن أبي أمامة الشيباني (كذا الأصل! ) (١) - واسمه محمد (كذا الأصل! ) -، شامي، قال: سألت أبا ثعلبة الخشني ﵁ قال: قلت: يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية (٥: ١٠٥) ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: أما والله سألت عنها خبيرًا، سألت عنها رسول الله ﷺ ، فقال: ائتمروا بالمعروف وانتهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم شحًّا مطاعًا، وهوى متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه. فعليك بنفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيامًا الصبر فيهن مثل القبض على جمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عملكم. أخرجه أبو داود والترمذي». قلت: وقال الترمذي: «حديث حسن غريب». وأقول: إسناده ضعيف، فإنه من رواية عتبة بن أبي حكيم حدثنا عمرو بن جاربة اللخمي عن أبي أمية الشعباني به.

стр. 27

وهذا سند مسلسل بالعلل. الأولى: أبو أمية الشعباني، لم يوثقه أحد غير ابن حبان وهو متساهل في التوثيق، ولذلك لم يوثقه الحافظ، وإنما قال: مقبول، يعني لين الحديث عند التفرد، كما هو الحال في هذا الحديث. الثانية: عمرو بن جارية، والقول فيه مثل ما قلنا في شيخه. الثالثة: عتبة بن أبي حكيم، ضعيف لسوء حفظه، وقال الحافظ في "التقريب": «صدوق يخطئ كثيرًا». قلت: وقد ذكر الترمذي عن ابن المبارك أنه حدثه بهذا الحديث غير عتبة بن أبي حكيم، ولكنه لم يسمه، حتى ننظر فيه هل يستشهد به أم لا. الحديث الثامن والعشرون (ص ٧٠) «عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم من الدعاء بعد التشهد: «ألف اللهم على الخير قلوبنا، وأصلح ذات بيننا ... » الخ الدعاء. أخرجه أبو داود». قلت فيه مؤاخذتان: الأولى: أنه ليس عند أبي داود هذا اللفظ، ولا فيه التصريح بأن الدعاء بعد التشهد، وبيانه: أخرجه أبو داود في «باب التشهد» من طريق شريك عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: «كنا لا ندري ما نقول إذا جلسنا في الصلاة، وكان رسول الله ﷺ قد عُلم ... فذكر نحوه».

стр. 28

قلت: يعني نحو حديث آخر قبله من طريق أخرى عن ابن مسعود فيه صيغة التشهد المعروف به. ثم قال شريك: وحدثنا جامع يعني ابن شداد عن أبي وائل عن عبد الله بمثله، قال: وكان يعلمنا كلمات ولم يكن يعلمناهن كما يعلمنا التشهد «اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا ... » الخ. والأخرى: أن إسناده ضعيف، من أجل شريك هذا وهو ابن عبد الله القاضي، قال الحافظ: «صدوق، يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة». الحديث التاسع والعشرون (ص ٦) «عن جميع بن عمير التيمي ﵀ قال دخلت مع عمتي على عائشة، فسألت: أي الناس كان أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: فاطمة، قيل: من الرجال؟ فقالت: زوجها، لقد كان صوامًا قوامًا. أخرجه الترمذي». قلت: إسناده ضعيف، قال الترمذي في «المناقب»: حدثنا حسين بن يزيد الكوفي: حدثنا عبد السلام بن حرب عن أبي الجحاف عن جميع بن عمير به. قلت: وله علتان: الأولى: أن جميع هذا قال الحافظ في "التقريب": «صدوق يخطئ ويتشيع». وأورده الذهبي في "الضعفاء" وقال: «تابعي مشهور، اتهم بالكذب».

стр. 29

قلت: فمثله لا يحتج به ولا كرامة، لاسيما وهو شيعي يروي في فضل علي ﵁. والأخرى: حسين بن يزيد الكوفي، قال الحافظ: «لين الحديث». وأخرجه الترمذي أيضًا من طريق جعفر الأحمر عن عبد الله بن عطاء عن ابن بريدة عن أبيه قال: كان أحب النساء إلى رسول الله ﷺ فاطمة، ومن الرجال علي». وهذا ضعيف الإسناد أيضًا، وعلته من عبد الله بن عطاء، فإنه مع كونه كان يخطئ، فإنه كان يدلس، كما في "التقريب" وقد عنعنه. وجعفر الأحمر هو ابن زياد، وهو كوفي صدوق يتشيع! وأنا أرى أن الحديث عن عائشة باطل، وعن غيرها منكر، لمخالفته ما ثبت عن جماعة من الصحابة منهم السيدة عائشة نفسها ﵂، فروى أحمد (٦/ ٢٤١) عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة: أي الناس كان أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: عائشة، قلت: فمن الرجال؟ قالت: أبوها. قلت: وإسناده صحيح. وقد سئل النبي ﷺ ذاته هذا السؤال، فأجاب بنفس جواب عائشة مما يدل على أنها لم تقل ذلك بالرأي، وإنما توقيفًا. وهو في "الصحيحين" من حديث عمرو بن العاص ﵁. وله شاهد من حديث أنس عند ابن ماجه (١٠١) بإسناد صحيح على شرط الشيخين. فدل ذلك كله على بطلان حديث الترمذي، إذ كيف يعقل أن تجيب

стр. 30

السيدة عائشة بجواب تخالف به جوابها الثابت عنها، وتخالف جواب رسول الله ﷺ نفسه؟ ! وبعد كتابة ما تقدم رأيت الذهبي يقول في "تلخيص المستدرك" (٣/ ١٥٤) متعقبًا على الحاكم تصحيحه للحديث: «قلت: جميع متهم، ولم تقل عائشة هذا أصلًا»! الحديث الثلاثون (ص ٨) «عن بريدة ﵀ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من البيان سحرًا، وإن من العلم جهلًا، ومن الشعر حكمًا، وإن من القول عيالًا» أخرجه أبو داود». قلت: إسناده ضعيف، لأنه يرويه من طريق أبي جعفر النحوي عبد الله بن ثابت قال: حدثني صخر بن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن جده. وفيه علتان: الأولى: صخر هذا لين الحديث كما في "التقريب". والأخرى: عبد الله بن ثابت قال الحافظ: «مجهول». وإنما يثبت من الحديث الجملة الأولى والثالثة، أخرجهما أبو داود وغيره عن ابن عباس بسند حسن، وعند البخاري الأولى منهما من حديث ابن عمر، والأخرى من حديث أبي. الحديث الواحد والثلاثون (ص ٣٥) «عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قلت: يا رسول الله إن قريشًا جلسوا يتذاكرون أحسابهم بينهم، فجعلوا مثل ذلك كمثل نخلة

стр. 31

في كبوة من الأرض، فقال رسول الله ﷺ : إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم، وخير الفريقين، ثم خير القبائل، فجعلني في خير قبيلة، ثم تخير (الأصل: خير! ) البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسًا وخيرهم بيتًا. أخرجه الترمذي». قلت: إسناده ضعيف، فيه يزيد بن أبي زياد وهو الهاشمي مولاهم الكوفي قال الحافظ: «ضعيف كبر فتغير، صار يتلقن». والمصنف ترجم له بقوله: «العرب خيرة الله من خلقه»! فكان الصواب إيراد حديث مسلم عن واثلة بن الأسقع فإنه يغني عنه في الباب ولفظه: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم». على أن الترجمة المذكورة لا تخلو من نظر يأتي بيانه فيما بعد إن شاء الله. الحديث الثاني والثلاثون (ص ٦٠) «عن إسماعيل بن عبد الله بن الحارث ﵁ قال: «إن رسول الله ﷺ اشترى حلة ببضعة وعشرون قلوصًا فأهداها إلى ذي يزن». أخرجه أبو داود». قلت: إسناده ضعيف، أخرجه في «اللباس» من طريق علي بن زيد عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث أن رسول الله ﷺ ... الحديث. ومنه يتبين أن إسناده انقلب على المصنف فقال: «إسماعيل» بدل «إسحاق»! وإسحاق هذا هو تابعي كما في "التقريب" فالحديث مرسل، وترضي المصنف عنه يشعر بأنه صحابي، وذلك يوهم بأن الحديث موصول! ! وللحديث علة أخرى وهي ضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان، قال الحافظ: «ضعيف».

стр. 32

وعند أبي داود حديث آخر عن أنس: «أن ملك ذي يزن أهدى إلى رسول الله ﷺ ، حلة أخذ بثلاثة وثلاثين بعيرًا، أو ثلاث وثلاثين ناقة، فقبلها». وإسناده ضعيف أيضًا. الحديث الثالث والثلاثون (ص ٦٣) «عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق» أخرجه الترمذي». قلت: الترمذي مع تساهله لم يحسنه، بل ضعفه بقوله: «حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صدقة بن موسى». قال المناوي في "فيض القدير": «قال الذهبي: وصدقة ضعيف، ضعفه ابن معين وغيره. وقال المنذري: ضعيف». وقال الحافظ: «صدوق له أوهام». الحديث الرابع والثلاثون (ص ٦٩) «عن ثوبان ﵁ أن النبي ﷺ قال: من قال حين يمسي: رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًّا، كان حقًّا على الله أن يرضيه. أخرجه الترمذي». قلت: إسناده ضعيف، فيه سعيد بن المرزبان قال الحافظ: «ضعيف، مدلس». قلت: وقد عنعنه! وقد تكلمت على الحديث في تعليقي على "الكلم الطيب" (ص ٣٣ - ٣٤ طبع المكتب الإسلامي). الحديث الخامس والثلاثون (ص ٦٩) «عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : كان من دعاء داود يقول: اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك، والعمل

стр. 33

الذي يُبلغني حبك، اللهم اجعل لي حبًّا أحب إلي من نفسي ومالي وأهلي ومن الماء البارد. قال: وكان رسول الله ﷺ إذا ذكر داود يحدث عنه قال (الأصل: ويقول! ) كان أعبد البشر. أخرجه الترمذي». قلت: إسناده ضعيف، فيه عبد الله بن ربيعة الدمشقي، قال الحافظ: «مجهول». ٢ - ما عزاه للبخاري مطلقًا وهو عنده معلق: الحديث الأول: «عن زيد بن ثابت ﵁ قال: «أمرني رسول الله ﷺ فتعلمت له كتاب اليهود، وفي رواية السريانية وقال إني والله ما آمن يهود على كتابي، فما مر لي نصف شهر حتى تعلمته، وحذقته، فكنت أكتب له إليهم، وأقرأ له كتبهم». أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي». قلت: هو عند البخاري معلق غير موصول، فقال في «كتاب الأحكام»: وقال خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت به نحوه. قال الحافظ ابن حجر في "شرحه" (١٣/ ١٦١): «وهذا التعليق من الأحاديث التي لم يخرجها البخاري إلا معلقة، وقد وصله مطولًا في "كتاب التاريخ" ... وأخرجه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح ... وأخرجه أحمد وإسحاق في "مسنديهما" ... ». الحديث الثاني (ص ١٥): «عن الشريد بن سويد الثقفي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته» أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي». قلت: أخرجه البخاري معلقًا بصيغة التمريض فقال في «الاستقراض»: «ويذكر عن النبي ﷺ ... » فذكره. وقال الحافظ في "شرحه" (٥/ ٤٦): «وصله أحمد وإسحاق في "مسنديهما" وأبو داود والنسائي ... و ... وإسناده حسن». وقد بينت وجه حسنه في "إرواء الغليل" (١٤٢٤).

стр. 34

الحديث الثالث (ص ١٧): «عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أفطر يومًا من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقضه صوم الدهر كله وإن صامه». أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي». قلت: علقه البخاري بصيغة التمريض فقال: «ويذكر عن أبي هريرة رفعه ... » فذكره. وقد وصله أصحاب السنن وغيرهم من طريق حبيب بن أبي ثابت حدثنا أبو المطوس عن أبيه عن أبي هريرة. وهذا سند ضعيف، والترمذي مع تساهله لم يحسنه، وفيه ثلاث علل: الاضطراب، والجهل بحال أبي المطوس، والشك في سماع أبيه من أبي هريرة. راجع تفصيل ذلك في "الفتح" (٤/ ١٣٩)، ولذلك ضعف الحديث جماعة من الأئمة منهم البغوي والقرطبي والذهبي والدميري. راجع "فيض القدير" للمناوي. هذا، وإن من غرائب المصنف، أنه في الوقت الذي أطلق عزو الأحاديث المتقدمة إلى البخاري، وأوهم الطلاب صحتها كلها، وفيها ما هو ضعيف، كما بينا - فإنه عكس ذلك في بعض الأحيان فعزاها إليه معلقة وهي عنده موصولة! فأوهم من كان على علم بالفرق بين القسمين على ما سبق بيانه - أنه ضعيف! وهو عند البخاري صحيح موصول! فقال المؤلف (ص ٨): «عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله. أخرجه البخاري تعليقًا». فقال البخاري في «الطب» من "صحيحه" (٤/ ٦١ - طبع أوربا): حدثني سِيدان بن مضارب أبو محمد الباهلي حدثنا أبو معشر يوسف بن

стр. 35

يزيد البراء حدثني عبيد الله بن الأخنس أبو مالك عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس به. وفيه قصة. نعم قد علقه البخاري في موضعين منه، الأول في «الإجارة» والآخر في «الطب» أيضًا، في الباب الذي قبل باب هذا الموصول. وهذا من الأدلة الكثيرة على أن المصنف لم ينقل أحاديث كتابه كلها من الكتب الستة مباشرة، وإلا لكان رأى هذا الحديث موصولًا عند البخاري وهو عنده بعد المعلق بسطور! وقد وصل الحديث أيضًا الدارقطني وصححه والبيهقي، وقد خرجته في "الإرواء" (١٤٨٩). ٣ - عزوه الحديث لبعض "السنن" وهو في "الصحيحين" أو أحدهما ، وإليك الأمثلة: الحديث الأول: «عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله ﵎ يتلون كتاب الله ، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». أخرجه أبو داود». قلت: هو في "صحيح مسلم" في «كتاب الذكر» (٨/ ٧١) بالحرف الواحد! الحديث الثاني (ص ١٨): «عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يومًا: «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكر أحدكم

стр. 36

أخاه بما يكره، فقال رجل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته». أخرجه أبو داود والترمذي». قلت: هو في "صحيح مسلم" في «البر والصلة والآداب» (٧/ ٢١) من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة به. ورواه مالك في "الموطأ" (٢/ ٩٨٧/١٠ - تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي) عن المطلب بن عبد الله بن خطب المخزومي مرسلًا. وبهذه المناسبة لا بد من التنبيه على خطيئة فاحشة، وقعت للمحقق المذكور في تخريجه لأثر ذكره الإمام مالك في الباب الذي قبل باب هذا الحديث، فقد جاء فيه: «مالك أنه بلغه أن عيسى ابن مريم كان يقول: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسوا قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله ... » الخ، فجاء تحته في التخريج المشار إليه ما نصه: «مرسل. وقد وصله العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة. أخرجه مسلم في: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب، ٢٠ - باب تحريم الغيبة، حديث ٧٠». ولما رجعت إلى الحديث الذي أشار إليه والباب، تبين أنه يعني حديث أبي هريرة هذا في الغيبة، وليس له أية صلة بقول عيسى ﵇ الذي ذكره مالك ﵀ بلاغًا. فكيف وقعت هذه الخطيئة؟ يبدو -والله أعلم- أن المحقق محمد فؤاد عبد الباقي ﵀ كان ربط ورقة هذا التخريج بحديث المطلب الذي رواه مالك عنه مرسلًا كما ذكرنا، ليطبع تحته، فأخطأ الطابع فطبعه تحت قول عيسى ﵇، ثم انطلى ذلك على المصحح، ولا أستبعد

стр. 37

أن يكون هو المحقق نفسه، لأنه ليس من العلماء بالحديث ولا حفظ عنده فيه ولا عناية له به. وإنما هو مفهرس فقط، وليس كل من قال «أخرج فلان» أو «روى فلان» صار من أهل الحديث! وأما السبب في اكتشاف هذه الخطيئة، فله قصة مضحكة مبكية، يحسن ذكرها لما فيها من عبرة: منذ بضع سنين جاءني أحد الخطباء في بعض مساجد دمشق ومن الوعاظ المتجولين، فذكر لي أنه ألف كتابًا، أورد فيه أحاديث انتقاها من كتب السنة، وأنه طلب من بعض الأغنياء المحسنين أن يساعده على طبع الكتاب، قال: فقال له ذلك المحسن: إذا كان الأستاذ ناصر الدين الألباني يوافق على طبعه فأنا أساعدك على ذلك. ثم طلب موافقتي، فأبيت حتى أطلع على الكتاب، فأرسله إلي. فلما تصفحته، وجدت فيه أشياء عجيبة مستنكرة، من ذلك أنه عزى قول عيسى هذا ﵇ الذي رواه مالك بلاغًا إلى صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا إلى النبي ﷺ قال: قال عيسى ... ! ! فلما رأيت هذا عجبت منه أشد العجب لتيقني بأن مثل هذا الحديث لا أصل له في "صحيح مسلم"، ولا في غيره من الكتب الستة اللهم إلا الجملة الأولى منه، فهي عند الترمذي من حديث ابن عمر بسند ضعيف كما بينته في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (٩٢٤) أو ما بعده. فاتصلت به هاتفيًّا، وذكرت له رأيي في الكتاب، وما فيه من مآخذ وأخطاء، أشدها هذا العزو، ثم قلت له: فمن أين لك هذا، فسكت برهة، ثم قال: اصبر قليلًا حتى آتي بالكتاب، ثم هتف إلي

стр. 38

قائلًا -ويا لهول ما قال-: إن الإمام مالك هو الذي عزى الحديث لمسلم في كتاب البر والصلة ... الخ! ! فقلت: ما هذا أيها الشيخ! ألا تعلم أن بين مسلم ومالك مفاوز، وأن مسلمًا متأخر عن مالك، فإن من شيوخ مسلم الإمام أحمد، ومن شيوخ هذا الإمام الشافعي، ومن شيوخ الشافعي مالك، فكيف يعزو مالك الحديث إلى مسلم، وهو قد مات قبله بسنين؟ ! ثم سكت متحيرًا، وتكلم بكلمات فهمت منها أن مالكًا قال ذلك في كتابه "الموطأ"! فقلت: هذا مستحيل، وسأدرس الموضوع، وأبين لك الحقيقة إن شاء الله تعالى. فعدت إلى المكتبة الظاهرية، وراجعت "الموطأ" بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، فكان ذلك هو السبب لاكتشاف تلك الخطيئة الفاحشة التي أنبتت أفحش منها، بسبب جهل الناس بالحديث وقلة عنايتهم به حتى في المدارس الشرعية والكليات. والله المستعان. الحديث الثالث (ص ٣١): «عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فقتل أحدهما صاحبه فهما في النار ... أخرجه النسائي». قلت: قد أخرجه الشيخان من حديث أبي بكرة ﵁، فكان الواجب أن يعزو إليهما، ويذكره بلفظهما وهو قريب من هذا لا سيما وهو عند النسائي في «تحريم الدم» من طرق عن الحسن عن أبي موسى، والحسن هو البصري وهو مدلس عن الصحابة، وقد عنعنه في

стр. 39

جميع الطرق عنه، بل قال البزار وقد ذكر جماعة من الصحابة روى عنهم الحسن ولم يسمع منهم: «وروى عن أبي موسى الأشعري، وأبو موسى إنما كان بالبصرة أيام عمر، فلا أحسبه سمع منه». وأما الشيخان: فقد أخرجاه من طرق عن الحسن أيضًا عن الأحنف بن قيس عن أبي بكرة. وتابعه ربعي بن حراش عن أبي بكرة. عند مسلم والنسائي. فتأمل كيف آثر المصنف الطريق الغريبة المعلولة، وأعرض عن الطريق الصحيحة السليمة من العلة، مع المتابعة، وإخراج الشيخين لها! ! الحديث الرابع: (ص ٣٢) «عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض». أخرجه أبو داود والنسائي». قلت: هذا عند البخاري ومسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي ومن حديث ابن عمر أيضًا، ومن الغريب أن المصنف أورده بعد هذا في خطبة الوداع معزوًّا إليهما! وأخرجه البخاري أيضًا من حديث ابن عباس وأبي بكرة الثقفي. الحديث الخامس: (ص ٦٨) «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا، وحتى يسير الراكب بين العراق ومكة لا يخاف إلا ضلال الطريق، وحتى يكثر الهرج، قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: القتل القتل. أخرجه أحمد في "المسند" والحاكم في "المستدرك"».

стр. 40

قلت: كذا وقع في الأصل، لم يذكر صحابي الحديث، وهو أبو هريرة ﵁. ولفظ الحديث لأحمد (٢/ ٣٧٠ - ٣٧١)، وليس للحاكم منه إلا الجملة الأولى، وقال (٤/ ٤٧٧) «صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي. ولقد وهم الحاكم ثم الذهبي في استدراكه على مسلم، ووهم المصنف أشد، فإنه إذا استجاز عزو الحديث كله للحاكم أيضًا، وليس له منه إلا ما ذكرنا، فكان يلزم أن يعزوه لمسلم أيضًا، بل هو بذلك أولى على طريقته! فقد أخرج مسلم الشطر الأول منه في «الزكاة» (٣/ ٨٤) ولفظه: «لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدًا يقبلها، وحتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا». وأخرج الشطر الأخير منه في «الفتن» (٨/ ١٧٠ - ١٧١). «لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج، قالوا ... ». والحديثان عند مسلم من نفس الطريق الذي عند أحمد والحاكم، عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. والحديث الأول عند مسلم هكذا: «حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يعقوب وهو ابن عبد الرحمن القاري عن سهيل» به. وبهذا السند عينه أخرج الحديث الثاني، وجمعهما الإمام أحمد في سياق واحد بسند مسلم المذكور وجعل الثاني تمام الأول، فقال (٢/ ٤١٧): «ثنا قتيبة بن سعيد ... » فذكره. إذا عرفت ما تقدم فالصواب في تخريج الحديث أن يقال ما مثاله: أخرجه الإمام أحمد بتمامه، ومسلم دون الجملة الوسطى، واستدرك عليه الحاكم الجملة الأولى فوهم!
следующие страницы →