← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 133364

فصل في تزكية النفس

ابن تيمية

Полный текст (60 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة: إِنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً رسول الله ﷺ . أما بعد، ، ، فإن العبادة والزهد وترقيق القلوب وتزكية النفوس وتطهيرها من الأمراض ومعالجتها من الأهواء: يجب فيها اتباع الصحابة ﵃، فهم أعرف الناس وأفقههم بالقرآن والسنة، فقد زكّاهم الله في القرآن العظيم وعلى لسان رسوله الكريم ﷺ بأفضل التزكيات، فلا توجد هذه التزكيات في أحد ممن جاء بعدهم، ونحن مأمورون باقتفاء آثارهم والاقتداء بهديهم والتمسك بسننهم، فهديهم هو الفارق بين السنة والبدعة، فكان الصحابة ﵃ يستدلون على ضلال أهل البدع بمفارقتهم للصحابة ﵃، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁ لأهل الحلق إنكاراً عليهم: لقد فضلتم أصحاب محمد علما (١).

стр. 2

وكما قال ابن عباس للخوارج الذين خرجوا على علي ﵁: أتيتكم من عند أصحاب النبي ﷺ المهاجرين، والأنصار، ومن عند ابن عم النبي ﷺ وصهره، وعليهم نزل القرآن، فهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد (١). فعلامة الإحداث في العبادات: حينما لا ترى الصحابة ﵃ يتعبدون بها، فالشيطان يزيّن العبادة ويُبهرجها في نظر العابد من حيث الذوق والوجد لا من حيث الوحي، فينبغي الحذر من إحداث منسك يُتنسك به مبني على ما تهواه النفس، قال حذيفة ﵁: كل عبادة لم يتعبد بها أصحاب رسول الله، فلا تتعبدوا بها؛ فإن الأول لم يدع للآخر مقالاً؛ فاتقوا الله يا معشر القراء، خذوا طريق من كان قبلكم (٢). فلو كان خيراً لكانوا أسبق الناس إليه، فما تركوا من خير إلا ودلّونا عليه، فإنه ما حدثت البدع ولا ظهرت الأهواء إلا لما اتخذ الناس مسلكاً وطريقاً غير طريق الصحابة ﵃.

стр. 3

وقد تنوعت تصانيف أئمة السلف في الزهد ورقائق القلوب مثل كتاب الزهد لعبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وأبي داود السجستاني وأبي حاتم الرازي وغيرهم، فكانوا يحرصون أشد الحرص على ذكر آثار الصحابة والتابعين وضمّها مع أحاديث المرفوعة إلى النبي ﷺ لعلمهم أن العبادات لا تقبل إلا ما جاء عنهم. بخلاف المتنسكين بالتزهد البدعي فإنهم يعظّمون شيوخهم ويتبعونهم ويُعرضون عن آثار الصحابة والتابعين، ويرققون قلوبهم بالمحدثات من العبادات كالأذكار المحدثة والسماع البدعي الذي يسمونه بالأناشيد، فأصبحت تلك شعارات الجماعات الحركية والطوائف البدعية كالتبليغية الصوفية وغيرهم. وتلك الجماعات الحركية السياسية يجمعون بين التظاهر في التدين والحث على العبادات وبين الخروج على الحكام والأمراء وتكفيرهم، وهذا الذي أخبر به النبي ﷺ في هيئة الخوارج وأنهم لهم من النسك والعبادات مما يُغتر بهم، فقال: «يخرج فيكم، أو يكون فيكم، قوم يتعبدون ويتدينون، حتى يعجبوكم وتعجبهم أنفسهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» (١).

стр. 4

وفي رواية: «يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» (١). فإخلاص العبادة لله تعالى وخشيته واتباع سنن النبي ﷺ على فهم الصحابة الأخيار هو من أعظم ما تتزكى به النفس، ولذا خاف النبي ﷺ على أمته من الرياء فقال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال: «الرياء» (٢). فيُبتلى العابد بشيء من الرياء فيحب أن يختص بعبادة ويتميز بها عن الناس، وهذا حال بعض السالكين والمتنسكين لا يطلبون التقرب الى الله بل مطلوبهم نوع من العلو على الخلق (٣) فكم من مذنب عاصي يكون محباً لله ورسوله ﷺ ، كما قال النبي ﷺ في شارب الخمر الذي أمر بجلده: «إنه يحب الله

стр. 5

ورسوله» (١)، وكم من عابد زاهد قد يكون في قلبه من البدعة والكبر ما يكون منحرفاً عن السنة، فالبدعة أشد من الكبائر كما قال سفيان الثوري: «البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها» (٢). فنسأل الله تعالى أن يهدينا ويثبتنا على دينه وسنة نبيه ﷺ ويجعلنا لآثار أصحابه ﵃ مقتدين متمسكين بهم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وصف الرسالة: هذا الفصل جزء منه مطبوع من ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ويقع في المجلد (١٠/ ٦٢٥)، والجزء الآخر قد سقط منه قرابة النصف الثاني من الرسالة، وزاد الاهتمام بها حيث قد حصل سقط من الكلمات والجُمل

стр. 6

الكثيرة تصل إلى عدة أسطر مما يخلّ في فهم كلام شيخ الإسلام ﵀ كما سيجده القارئ. والمخطوط من ضمن مخطوطات تركيا، في مكتبة عاشر أفندي تحت رقم (١١٥٤) وهناك تصحيح لرقم المخطوط قد شُطب عليه وكتب (١١٥٣) كما في بداية المخطوط، وهو مجموع من رسائل لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، كلها مطبوعة، قد استخرج بعضها الشيخ محمد رشاد سالم ﵀، وذكر وصف المخطوط في مقدمة جامع الرسائل، وقد نسخت بعض الرسائل في سنة (٧٣٥ هـ)، وتقع رسالتنا في ورقة (١٩٠ - ١٩٨). وربما فاتت هذه الرسالة على البعض بسبب أن الباحث ينظر في بداية المخطوط، فيجدها قد طُبعت، ولا يتنبه إلى وسط المخطوط أو آخره، حيث لا يجده مطبوعاً. والمطبوع من الرسالة فيها زيادات ما لا يوجد في المخطوط فأثبت الزيادات منها.

стр. 7

[صورة الصفحة الأولى من المخطوط]

стр. 8

[صورة الصفحة الأخيرة من المخطوط]

стр. 9

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين وسلم تسليماً. فصل في تزكية النفس وكيف تزكو بترك المحرمات مع فعل المأمورات . قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى • وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]. وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا • وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩ - ١٠]. قال سفيان بن عيينة وقتادة وغيرهما: قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله وصالح الأعمال (١). وقال أبو الفرج: (معنى زكّاها: طهّرها من الذنوب وأصلحها بالطاعة) (٢). وقيل: قد أفلحت نفس زكاها الله وقد خابت نفس دساها الله. وهذا قول الفراء والزجاج (٣).

стр. 10

وكذلك ذكره الوالي عن ابن عباس وهو منقطع (لا يثبت) (١). وليس هذا مراد الآية؛ بل المراد بها هو الأول قطعا لفظا ومعنى. أما «اللفظ» فقوله: من زكاها اسم موصول فلا بد فيه من عائد على «مَنْ». فإذا قيل: قد أفلح الشخص الذي زكاها كان ضمير (الفاعل) (٢) في زكاها يعود على «مَنْ». وهذا وجه الكلام الذي لا ريب في صحته كما يقال: قد أفلح من اتقى الله ربّه، وقد أفلح من أطاع ربه، (وقد أفلح من خاف منه) (٣). وأما إذا كان المعنى: قد أفلح من زكاه الله لم يبق في الجملة ضمير يعود على «مَنْ». فإن الضمير على هذا (المعنى) (٤) يعود على الله (على هذا القول) (٥). وليس هو «مَنْ». وضمير المفعول يعود

стр. 11

على النفس المتقدمة فلا يعود على «مَنْ»، لا ضمير الفاعل ولا ضمير المفعول. فتخلو الصلة عن عائد وهذا لا يجوز. نعم لو قيل: قد أفلح من زكاها الله نفسه أو من زكاها الله له ونحو ذلك صح الكلام. وخفاء (مثل) (١) هذا على من قال بهذا من النحاة عجب. وهو لم يقل: قد أفلحت نفس زكاها. فإنه هنا كانت تكون زكاها صفة لنفس لا صلة؛ بل قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ ... فالجملة (صفة) (٢) لمَنْ لا صفة لها. ولا قال أيضا: قد أفلحت النفس التي زكاها؛ فإنه لو قيل ذلك وجعل في زكاها ضمير يعود على اسم الله صح، (وإنما قال قد أفلح من زكاها) (٣) فإذا (تكلف أهل هذا القول) (٤) وقال: التقدير ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ ... أي النفس التي زكاها. وقالوا: في زكيّ ضمير والمفعول يعود على «مَنْ»، (وقالوا: «مَنْ») (٥) تصلح للمذكر والمؤنث والواحد والعدد فالضمير عائد على معناها المؤنث وتأنيثها غير حقيقي، فلهذا قيل:

стр. 12

﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ ... ولم يقل قد أفلحت. قيل لهم: هذا مع أنه خروج عن اللغة الفصيحة فإنما يصح إذا دلّ الكلام على ذلك في مثل قوله: (﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [الأحزاب: ٣١] فإن قوله: منكن دلّ) (١) على أن المراد النساء فقيل: تعمل. وكذلك قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] ونحو ذلك. وأما هنا فليس في لفظ «مَن» وما بعدها ما يدل على أن المراد بهذا النفس المؤنثة (فإنه لم يقل: قد أفلحت. ولا قال: قد أفلح من النفوس من زكاها. وقد تقدمها قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا • فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧، ٨] ثم قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا • وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ فتقدم ما يصح عود ضمير المؤنث إليه، ولم يتقدم دليل على عوده إلى غير ذلك) (٢). فلا يجوز أن يراد بالكلام ما ليس فيه دليل على إرادته؛ فإن مثل هذ (تلبيس) (٣) يصان كلام الله عنه، فلو

стр. 13

قدر احتمال عود ضمير «زكاها» إلى «نفس» وإلى «منْ» مع أن لفظ «منْ» لا دليل يوجب عوده إليه لكان إعادته إلى المؤنث (المعلوم تأنيثه) (١) أولى من إعادته إلى ما يحتمل التذكير والتأنيث، وهو في التذكير أظهر لعدم دلالته على التأنيث، فإن الكلام (إذا) (٢) احتمل معنيين وجب حمله على أظهرهما (الذي يدل على الكلام ولا يجوز حمله على الآخر بلا دليل إرادته) (٣) ومن تكّلف غير ذلك فقد خرج عن كلام العرب المعروف، والقرآن منزّه عن ذلك والعدول عما يدل عليه ظاهر الكلام إلى ما لا يدل عليه بلا دليل لا يجوز البتة، فكيف إذا كان نصًّا من جهة المعنى فقد أخبر الله أنه يلهم التقوى والفجور. ولبسط هذا موضع آخر. والمقصود هنا أمر الناس بتزكية أنفسهم (والتحذير من) (٤) (تدسيسها) (٥) (كما قال في السورة الأخرى) (٦): ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ

стр. 14

تَزَكَّى﴾ فلو قُدّر أن المعنى: أفلح من زكى الله نفسه: لم يكن في هذا أمر لهم ولا نهي؛ ولا ترغيب ولا ترهيب. والقرآن إذا أمر أو نهى لا يذكر مجرد القدر فلا يقول: من جعله الله مؤمناً. بل يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ • الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ و ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى • وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ إذ ذكر مجرد القدر (في الأمر والنهي والترغيب والترهيب) (١) يناقض المقصود، ولا يليق هذا بأضعف الناس عقلاً، فكيف بكلام الله تعالى ألا ترى أنه في مقام الأمر والنهي والترغيب والترهيب يذكر ما يناسب ذلك من الوعد والوعيد والمدح والذم (والتحضيض والترهيب) (٢)، وإنما يذكر القدر عند بيان نعمه عليهم: إما بما ليس من أفعالهم، وإما بإنعامه بالإيمان والعمل الصالح، ويذكره في سياق قدرته ومشيئته، وأما في معرض الأمر فلا يذكره إلا عند النعم. كقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٢١] فهذا هناك مناسب. وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ معنى آخر، وهذه الآية من جنس الثانية لا

стр. 15

(من جنس) (١) الأولى. والمقصود ذكر التزكية، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ الآية [النور: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ • الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ (وقال موسى لفرعون ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى • وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٨، ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه: ٧٦]) (٢). وأصل الزكاة الزيادة في الخير. ومنه يقال: زكا الزرع (وزكا المال) (٣) إذا نما. ولن ينمو الخير إلا بترك الشر، كالزرع الذي لا يزكو حتى يزال عنه الدغل، فكذلك النفس والأعمال لا تزكوا (حتى يزال عنها ما يناقضها) (٤)، ولا يكون الرجل متزكيا قد زُكّي إلا مع ترك الشر؛ (ومن لم يترك الشر لا يكون زاكياً البته فإن الشر) (٥) يدنّس النفس ويدسيها.

стр. 16

قال الزجاج: معنى دساها جعلها ذليلة (حقيرة) (١) خسيسة (٢). وقال الفراء: دسسها؛ لأن البخيل يخفي نفسه ومنزله وماله (٣). قال ابن قتيبة: أي أخفاها بالفجور والمعصية (٤). فالفاجر (بارتكاب الفواحش) (٥) دس نفسه؛ أي قمعها (وخباها) (٦)، وصانع المعروف شهر نفسه ورفعها. وكانت أجواد العرب تنزل الرُّبا (٧) تشتهر (بذلك) (٨) أنفسها، واللئام تنزل الأطراف (والوديان) (٩). فالبر والتقوى يبسط النفس ويشرح الصدر بحيث يجد الإنسان في نفسه أنه (اتسع وعظم) (١٠) عما كان عليه قبل

стр. 17

ذلك؛ (فإنه لما اتسع بالبر والتقوى والإحسان بسطه الله وشرح صدره) (١)، والفجور والبخل يقمع النفس (ويصغرها) (٢) ويهينها بحيث يجد البخيل في نفسه أنه ضيق. وقد بين النبي ﷺ ذلك في الحديث الصحيح فقال: «مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى تراقيهما، فجعل المتصدق كلما (تصدق) (٣) بصدقة (اتسعت) (٤) وانبسطت عنه حتى تغشى أنامله وتعفو أثره، وجعل البخيل كلما همّ بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة بمكانها وأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول بإصبعه في جيبه فلو رأيتها يوسعها فلا تتسع». أخرجاه (٥)، (وهذا لفظ مسلم) (٦). وإخفاء المنزل وإظهاره تبعا لذلك، قال الله تعالى: ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل: ٥٩]. فهكذا النفس البخيلة الفاجرة قد دسها صاحبها في البدن وبعضها في

стр. 18

بعض، ولهذا وقت الموت تنزع من بدنه كما ينزع السفود من الصوف المبتل، والنفس البرة النقية التقية (التي) (١) قد زكاها صاحبها فارتفعت واتسعت ومجدت ونبلت فوقت الموت تخرج من البدن (تسيل كالقطرة من فَيّ السقاء) (٢) وكالشعرة من العجين. قال ابن عباس: «إن للحسنة لنوراً في القلب وضياء في الوجه وقوة في البدن وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق وإن للسيئة لظلمة في القلب وسواداً في الوجه ووهنا في البدن وضيقاً في الرزق وبغضاً في قلوب الخلق» (٣). وقد قال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]. وهذا مثل البخيل والمنفق. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].

стр. 19

وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] الآية ونحوها. وقوله تعالى في سياق ذكر الرمي بالفاحشة وذم (المظهر لها) (١) والمتكلم بما لا يعلم: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٢١]. بيّن أن الزكاة إنما تحصل بترك الفاحشة، ولهذا قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]. وذلك أن ترك السيئات هو من أعمال (النفس) (٢) فإنه (يؤمن) (٣) أن السيئات مذمومة ويكره فعلها ويجاهد نفسه إذا دعته إليها (إن كان مصدقا لكتاب ربه مؤمناً بما جاء عن نبيه ﷺ (٤)، وهذا التصديق (والإيمان) (٥) والكراهة وجهاد النفس أعمال تعملها النفس المزكاة فتزكو (النفس) (٦) بذلك أيضا؛ بخلاف ما إذا عملت السيئات فإنها (تتدنس) (٧) وتندس وتنقمع كالزرع إذا نبت معه الدغل. والثواب إنما يكون على

стр. 20

عمل موجود، (والعقاب إنما يكون على عمل موجود) (١). فأما العدم المحض فلا ثواب فيه ولا عقاب لكن فيه عدم الثواب والعقاب. والله ﵎ (٢) أمر (الناس) (٣) بالخير ونهاهم عن الشر، وقد اتفق الناس على أن المطلوب بالأمر فعل موجود، واختلفوا في (المطلوب) (٤) بالنهي وهو الترك: هل (هو) (٥) أمر وجودي أم أمر عدمي؟ فقيل: (المطلوب أمر) (٦) وجودي وهو الترك وهذا قول الأكثرين. وقيل: المطلوب عدم الشر وهو أن لا يفعله. (ومن قال هذا قال: لو لم يخطر النهي عنه بباله بحال لكان ممتثلاً) (٧). والتحقيق (الأمر) (٨) أن المؤمن إذا نهى عن المنكر (فلا بد أن يقر بهذا النهي) (٩) ويعزم على ترك (المنهي عنه) (١٠)،

стр. 21

ويكره فعله وهذا أمر وجودي بلا ريب؛ فلا يتصور أن المؤمن الذي قد علم أنه (نهي عن فعل لا يصدر منه أمر) (١) وجودي لكن قد لا يكون مريداً (لما نهي عنه بل هو كارها له طبعاً) (٢) كما يكره (الإنسان) (٣) أكل الميتة (والعذرة مع نهي الشارع له عن ذلك لكن مع نهي الشارع) (٤) فلا بد له من اعتقاد التحريم والعزم على تركه لطاعة الشارع، وهذا قدر زائد على كراهة الطبع وهذا أمر وجودي يثاب عليه؛ ولكن ليس ثواب من كف نفسه وجاهدها (لطلبها الفعل) (٥) المحرم (كثواب من يكرهه طبعه) (٦). ومن كانت كراهته للمحرمات كراهة إيمان وقد غمر إيمانه حكم طبعه؛ فهذا أعلى الأقسام الثلاثة وهذا صاحب النفس المطمئنة، وهو أرفع من صاحب (النفس) (٧) اللوّامة التي تفعل الذنب وتلوم صاحبها عليه وتتلوّم وتتردّد هل يفعل أو لا

стр. 22

(يفعل) (١)، وأما من لم يخطر بقلبه أن الله حرمه ولا هو مريد له؛ بل لم يفعله فهذا لا يعاقب عليه ولا يثاب إذا لم يحصل منه أمر وجودي يثاب عليه (أو يعاقب) (٢)، فمن قال: المطلوب ألا يفعل: إن أراد أن هذا المطلوب يكفي في عدم العقاب فقد صدق (فإن إذا لم يصدر منه ذنب لم يعاقب) (٣). وإن أراد أنه يثاب على هذا العدم فليس كذلك (فإن الثواب لا يكون إلا على أمر وجودي وكذلك العقاب أيضاً) (٤). فإن الكافر إذا لم يؤمن بالله ورسوله فلا بد (أن يكون) (٥) لنفسه أعمال تشتغل بها عن الإيمان (وتلك) (٦) الأعمال كفر يعاقب عليها. ولهذا لما ذكر الله عقوبة الكفار في النار ذكر أموراً وجودية (عوقبوا عليها وتلك الأمور المباينة للإيمان هي) (٧) تدس النفس؛ ولهذا كان التوحيد والإيمان أعظم ما تتزكى به

стр. 23

النفس، وكان الشرك أعظم ما يدسسها، وتتزكى بالأعمال الصالحة والصدقة وهذا كله مما ذكره السلف (في التزكي) (١). قالوا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ من تطهر من الشرك ومن المعصية بالتوبة (٢). وعن أبي سعيد وعطاء وقتادة: صدقة الفطر (٣). وهؤلاء لم يريدوا أن الآية لم تتناول إلا (صدقة الفطر) (٤) بل مقصودهم: أن من أعطى صدقة الفطر وصلى صلاة العيد فقد تناوله قوله: (﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى • وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]) (٥). ولهذا كان يزيد بن أبي حبيب كلما خرج إلى الصلاة خرج معه بصدقة يتصدق بها قبل الصلاة ولو لم يجد إلا بصلاً (٦).

стр. 24

وقال الحسن: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ من كان عمله زاكياً (١). وقال أبو الأحوص: (زكوات الأموال) (٢) كلها (٣). وقال الزجاج: (تزكو بتقوى) (٤) الله ومعنى الزاكي النامي الكثير (٥). كذلك قالوا في قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ • الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧] قال ابن عباس: لا يشهدون أن لا إله إلا الله (٦). (وهو قول عكرمة. قيل: المعنى لا يطهرون أنفسهم من الشرك التوحيد) (٧). وقال مجاهد: لا يزكون أعمالهم أي ليست

стр. 25

(أعمالهم) (١) زاكية. (وقيل: لا يطهرونها بالإخلاص. كأنه أراد - والله أعلم - أهل الرياء فإنه شرك) (٢). وعن الحسن: لا يؤمنون بالزكاة ولا يقرون بها. وعن الضحاك: لا يتصدقون ولا ينفقون في الطاعة. وعن ابن السائب: لا يعطون زكاة أموالهم. قال: كانوا يحجون ويعتمرون ولا يزكون (٣). والتحقيق أن الآية تتناول كل ما يتزكى به الإنسان من التوحيد والأعمال الصالحة. (كما قال موسى لفرعون) (٤): ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات: ١٨]، وكما قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾. والصدقة المفروضة لم تكن فرضت عند نزول (هذه الآية وهي قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ • الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧]) (٥). فإن قيل: يؤتى فعل متعد قيل: هذا كقوله: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ [الأحزاب: ١٤] (وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، وقد قرئ: (ما

стр. 26

أَتوا) (١). وذلك لأنهم طلب منهم ذلك في الدنيا فلم يعطوه كما في قوله: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾، وقد تقدم هذا قوله: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ • بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فصلت: ٣، ٤] الآية وما بعدها، فقد أخبر) (٢) أن الرسول دعاهم (ودعاه إياهم إلى ما دعاهم) (٣)، وهو طلب منه (كذلك قال: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ • الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي لا يؤتونه ما طلب منهم) (٤) فكان هذا اللفظ متضمناً قيام الحجة عليهم بالرسل وهو إنما يدعوهم لما تزكوا به أنفسهم. ومما يبين: أن الزكاة تستلزم الطهارة ؛ لأن معناها معنى الطهارة، قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٣٠] (تطهرهم) (٥) من الشر وتزكيهم بالخير (فتذهب عنهم السيئات فيصيرون طاهرين منها وتزكو أنفسهم حينئذ بالعمل الصالح مع زوال الذنوب) (٦) قال النبي ﷺ : «اللهم طهرني بالماء والثلج والبرد، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب

стр. 27

الأبيض من الدنس اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب» (١). وهذا كان يدعو به في الاستفتاح الصلاة وفي الاعتدال من الركوع. (وكذلك في الحديث الصحيح أنه ﷺ صلى على ميت فقال: «اللهم اغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس») (٢)، والغسل بهذه الأمور توجب تبريد المغسول، والبرد يعطي قوة وصلابة وما يُسرّ يوصف بالبرد، (ويقال) (٣): قرة العين ولهذا كان دمع السرور بارداً ودمع الحزن حاراً؛ لأن ما يسوء النفس يوجب حزنها وغمها (وذلك بسخن الباطن) (٤)، وما يسرها يوجب فرحها وسرورها وذلك مما يبرّد الباطن، (ولهذا يقال: برد قلبي) (٥). فسأل النبي ﷺ أن يغسل الذنوب على وجه يبرد القلوب أعظم برد يكون بما فيه من الفرح والسرور الذي أزال عنه ما يسوء النفس من الذنوب.

стр. 28

وقوله: «بالثلج والبرد والماء البارد» تمثيل بما هو من هذا الجنس وإلا فنفس الذنوب لا تغسل (بالثلج) (١)، ويقال: أذقنا برد عفوك وحلاوة مغفرتك. ولما قضى أبو قتادة دين المدين قال النبي ﷺ : «الآن بردت جلدته» (٢). ويقال: برد اليقين وحرارة الشك. ويقال: هذا (الأمر) (٣) يثلج له الصدر إذا كان حقاً يعرفه القلب ويفرح به حتى يصير في مثل برد الثلج (يقال: هذا يثلج له الصدر) (٤). ومرض النفس: إما بشبهة وإما (هوى) (٥) شهوة أو غضب والثلاثة توجب السخونة. ويقال لمن نال مطلوبه: برد قلبه (ولمن لم يحصل مطلوبه: ما في هذا ما يبرد قلبه) (٦). فإن الطالب فيه حرارة (حركة) (٧) الطلب، (وإذا وجد المطلوب سكن واطمأن

стр. 29

وبرد قلبه) (١) وقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٣٠] دليل على أن عمل الحسنات يطهر النفس ويزكيها من الذنوب السالفة، فإنه قال هذا بعد قوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] الآية وما بعدها. فالتوبة والعمل الصالح يحصل بهما التطهير والتزكية ولهذا قال في سياق قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. فأمرهم جميعا بالتوبة في سياق ما ذكره (من الأمر بغض البصر وحفظ الفرج) (٢)؛ لأنه لا يسلم أحد من ذنب من هذا الجنس. كما في الصحيح عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة، عن النبي ﷺ (٣): «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، فهو يدرك (ذلك) (٤) لا محالة، فالعينان تزنيان وزناهما النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واللسان يزني وزناه النطق، واليدان تزني وزناهما

стр. 30

اللمس، والرجلان تزني وزناهما المشي، والقلب يتمنى ويشتهي، والفرج يصدق ذلك ويكذبه» (١). وكذلك في الصحيح إن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] نزلت بسبب رجل نال من امرأة كل شيء إلا الجماع ثم ندم (وجاء تائباً فأنزل الله تعالى هذه الآية) (٢). ويحتاج المسلم في ذلك إلى أن يخاف الله وينهى النفس عن الهوى (كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى • فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١]) (٣) ونفس الهوى والشهوة لا يعاقب عليه (وإنما يعاقب) (٤) على اتباع ذلك (وفعله) (٥)، فإذا كانت النفس تهوى (وتشتهي) (٦) وهو ينهاها كان نهيه إياها عبادة لله تعالى وعملاً صالحاً (يثاب عليه) (٧).

стр. 31

وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله» (١). (فإذا كانت النفس تهوي المحرم وتدعوا إليه أُمر بنهيها ومجاهدتها) (٢) كما يؤمر بجهاد من يأمر بمعاصي الله من الناس ويدعو إليها وهو إلى جهاد نفسه أحوج منه إلى ذلك، فإن هذا فرض عين عليه وذلك فرض على الكفاية، والصبر في هذا الجهاد من أفضل الأعمال فإن هذا الجهاد حقيقة ذلك الجهاد، فالصبر عليه صبر على ذلك الجهاد. كما قال: «والمهاجر من هجر السيئات» (٣). (ومن هجر ما نهى الله عنه ثم جاهد النفس) (٤) لا يكون محموداً فيه إلا إذا غلب بخلاف (جهاد الكفار) (٥) فإنه من

стр. 32

يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف يؤتيه أجراً عظيماً. (وأما هذا فإذا غلب كان ملوماً مذموماً) (١) ولهذا قال ﷺ (في الحديث الصحيح) (٢): «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (٣). وذلك لأن الله أمر الإنسان أن ينهى نفسه عن الهوى وخوّف مقام ربه فجعل له من الإيمان ما يعينه على الجهاد فإذا غلب كان لضعف إيمانه فيكون مفرطاً بترك المأمور؛ بخلاف العدو الكافر فإن ذلك قد يكون بدنه أقوى (من بدن المؤمن فيغلبه فيستشهد المؤمن فيثيبه الله على مجاهدته، وإن قيل إذ لا ذنب له هناك) (٤) فالذنوب إنما تقع إذا لم تكن النفس ممتثلة لما أمرت به ومع امتثال المأمور لا تفعل المحظور فإنهما ضدان، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] (وقال الشيطان: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ • إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾) (٥) [الحجر: ٣٩، ٤٠].

стр. 33

وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] الآية ونحوها. فعباد الله المخلصون لا يغويهم الشيطان، والغي خلاف الرشد وهو اتباع الهوى، فمن مالت نفسه إلى محرم فليأت بعبادة الله كما أمر الله تعالى مخلصا له الدين فإن ذلك يصرف عنه السوء والفحشاء. (وإخلاص الدين له يتضمن) (١) خشيته ومحبته والعبادة له وحده وهذا يكون مانعاً للسيئات من الوقوع إذا كان تاماً. فإن كان ناقصاً فوقعت السيئات من صاحبه كان ماحياً لها بعد الوقوع فهو كالترياق الذي يدفع أثر السم ويرفعه بعد حصوله (فهو دافع للسيئات ورافع لها) (٢) كالغذاء من الطعام والشراب (الذي يمنع حصول العطش ويرفع الجوع والعطش بعد حصوله) (٣) وكالاستمتاع بالحلال الذي يمنع النفس عن طلب الحرام، فإذا حصل فيها طلب ذلك منعه وأزاله، وكالعلم الذي يمنع النفس أن تشك وترتاب ويرفع الشك والإرتياب بعد وقوعه، وكالطب الذي يحفظ الصحة ويدفع المرض (والصحة يحفظ بالمثل والمرض يدفع بالضد) (٤)، وكذلك ما في القلب

стр. 34

من الإيمان (وعبادة الله وأشباهه بما يقوي الإيمان والعبادة) (١). وإذا حصل (في القلب) (٢) مرض من الشبهات والشهوات أزيل (ذلك بضده) (٣)، ولا يحصل المرض إلا لنقص أسباب الصحة، كذلك القلب لا يمرض (بالشهوات والشبهات) (٤) إلا لنقص إيمانه (وعبادته لربه) (٥). وكذلك الإيمان والكفر والبر والفجور هما متضادان فكل ضدين: فأحدهما يمنع الآخر تارة ويرفعه أخرى كالسواد والبياض (فالسواد يمنع البياض أن) (٦) يحصل موضعه ويدفعه إذا كان حاصلاً، كذلك الحسنات تمنع السيئات (أن تحصل وتدفعها بعد الحصول، وكذلك بالعكس فالكفر يمنع الإيمان وقد يرفعه بعد حصوله، والسيئات قد تمنع الحسنات وقد ترفعها بعد الحصول) (٧). والإحباط (الذي ينكره سلف الأمة

стр. 35

وأهل السنة ليس هو ما تقوله الخوارج) (١) والمعتزلة من أن (السيئة الواحدة) (٢) الكبيرة تحبط (جميع) (٣) الحسنات حتى الإيمان، وإن من مات (مصراً على كبيرة لم يكن معه من الإيمان شيء أصلاً بل هو مخلد في النار ولا يخرج منها لا بشفاعة ولا غيرها. وقال كثير منهم) (٤) الجبائي وابنه بالموازنة (بين الحسنات والسيئات) (٥). لكن قالوا: من ترجحت سيئاته خُلّد في النار، وأما الموازنة بلا تخليد (في النار فهو قول عامة السلف وأكثر أهل السنة) (٦). ومن الإحباط ما اتفق المسلون عليه وهو حبوط الحسنات كلها بالكفر (فهذا مما اتفق عليه الناس أن الردة التي يموت صاحبها عليها تحبط الأعمال، كلها لأن الكافر ليس له حسنة يدخل بها الجنة) (٧) قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ

стр. 36

وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]. وقال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]. (فهذا الإحباط متفق عليه، وذاك الإحباط مخالف لأقوال الصحابة والتابعين وأئمة الدين) (١) فإن الله سبحانه ذكر في القرآن حد الزاني (والسارق والقاذف) (٢) ولم يجعلهم كفارا (مرتدين) (٣) حابطي الأعمال ولا أمر بقتلهم كما أمر بقتل المرتدين، (ومعلوم أن كل من أظهر الردة يجب قتله) (٤)، والمنافقون لم يكونوا يظهرون كفرهم (فلو كان القذف والسرقة والزنا كفراً لوجب قتل صاحبه إذا لم يتب، والقرآن لم يأمر إلا بالجلد أو القطع) (٥). والنبي ﷺ قد أمر بالصلاة على الغال وعلى قاتل نفسه، ولو كانوا كفاراً أو منافقين لم تجز الصلاة

стр. 37

عليهم. فعُلم أنهم لم تحبط إيمانهم كله. (وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال لمن كان مدمن الخمر، وكلما أتي به إليه حدّه فلعنه رجل) (١) فقال: «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله» (٢). (وحب الله ورسوله) (٣) من أعظم شعب الإيمان. فعلم أن إدمان (شرب الخمر) (٤) لا يذهب (جميع الإيمان وإن أذهب بعضها) (٥). وثبت عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة: «أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان» (٦). ولو (كان إيمانهم كله قد) (٧) حبط لم يكن في قلوبهم شيء منه (ولم يخرجوا) (٨). وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢].

стр. 38

فجعلهم من المصطفين (مع ظلمهم لأنفسهم، فلو كان الذنب يحبط جميع الإيمان لم يكن منهم ظالم لنفسه بل كان من غيرهم من الكفار. والمعتزلة يدّعون أنهم العدلية، فأي عدل في أن تكون سيئة واحدة تحبط حسنات كثيرة أعظم منها قدراً ووصفاً، وقد ثبت في الصحاح حديث أبي ذر: «وإن زنا وإن سرق» (١). فلو كان الزنا والسرقة كفراً محبطاً لجميع الإيمان لكان التقدير: وإن كفر) (٢). فإذا كانت (السيئات) (٣) لا تحبط جميع الحسنات، فهل تحبط بقدرها (من الحسنات) (٤)؟ وهل تحبط بعض الحسنات بذنب دون الكفر؟ هذا فيه قولان للمنتسبين إلى السنة: منهم من ينكر (الإحباط مطلقاً فيقول: ما ثَم إحباط، لا في الجميع ولا في البعض) (٥)، ومنهم من يقول بذلك (في البعض) (٦) كما دلت عليه

стр. 39

النصوص. مثل قوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ الآية. فدل ذلك على أن هذه السيئة تبطل الصدقة، وقد ضرب مثله (بالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله ولا باليوم [الآخر] (١) وجعل مثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً) (٢) وقالت عائشة: أخبري زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول ﷺ إلا أن يتوب (٣).

стр. 40

وأما قوله: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ وحديث صلاة العصر ففيه نزاع. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] قال الحسن: بالمعاصي والكبائر. وعن عطاء: بالشرك والنفاق. وعن ابن السائب: بالرياء والسمعة وعن مقاتل: بالمن (١). وذلك أن قوما (من الأعراب قدموا على رسول الله ﷺ وقالوا: أتينا طائعين، فلنا عليك حق. فنزلت هذه الآية ونزل قوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾) (٢). فما ذكر عن الحسن يدل على أن المعاصي والكبائر تحبط (بعض) (٣) الأعمال. فإن قيل: لم يرد بذلك إلا إبطالها بالكفر. قيل: الكفر منهي عنه في نفسه وموجب للخلود الدائم،
следующие страницы →