← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 133365

كشف النقاب عما في «كلمات» أبي غدة من الأباطيل والافتراءات

ناصر الدين الألباني

Полный текст (109 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

كشْف النّقاب عمّا في كلمات أبي غدّة منَ الأباطيل والافتراءات بقلم محمد ناصر الدين الألباني

стр. 2

الطبعة الأولى ١٩٧٥ - ١٣٩٥ الطبعة الثانية ١٩٧٨ - ١٣٩٨

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ﷺ تسليمًا كثيرًا. أما بعد فإن من المصائب الكبرى في العصر الحاضر أن يضطر المسلم الطالب للعلم إلى إضاعة كثير من وقته في الدفاع عن نفسه، ورد التهم والأباطيل عن شخصه التي ألصقها به بعض الناس ممن لا يخشون الله ولا يستحيون من عباد الله، مصداقًا لقوله ﷺ : «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ

стр. 4

فاصنع ما شئت». ومنه قول الشاعر: إذا لم تصن عرضًا ولم تخشَ خالقًا ... وتستحي مخلوقًا* فما شئت فاصنع إذا كنت تأتي المرء تعظم حقه ... ويجهل منك الحق فالصّرم أوسع وإذا كان من المعلوم أن من لا حياء له لا دواء له، فلا تنفع فيه المعاتبة، كان من المتبادر أن الأولى الانصراف عنه، وتركه وشأنه كما قال الشاعر: إذا رزق الفتى وجهًا وقاحًا ... تقلب في الأمور كما يشاء ولم يَكُ للدواء ولا لشيء ... يعالجه به فيه غَناء فما لك في معاتبة الذي لا ... حياء لوجهه إلا العناء بيد أنه لما كان السكوت عن مثله، يعرِّض كثيرًا من الأبرياء للانزلاق من ورائه، والتأثر بتهمه وأباطيله، كان لا بد من الرد عليه، والكشف عن افتراءاته، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾. وفي ذلك فائدة أخرى تعود إلى الباهت نفسه ألا وهي: احتمال أن يعود إلى رشده، والتقليل من أوزاره، من جراء تقليل عدد المتورطين المضللين به الذين سوف يحمل هو أوزارهم فوق أوزاره الخاصة به كما قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ، وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. وفي الآية الأخرى: ﴿لِيَحْمِلُوا

стр. 5

أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾. ولعل في هذا تذكرة وإقناعًا للذين لا تروقهم مثل هذه الردود مطلقًا، ويتمنون أنه لو صرفت مثل هذه الجهود إلى نواحٍ علمية مجردة عن المناقشة والأخذ والرد، وغالبهم ليس عندهم الروح العلمية التي تساعد على تبيّن الحقيقة مما اختلف فيه الناس، ثم على التمسك بها والدعوة إليها. ونحن وإن كنا مع هؤلاء فيما يتمنّون، فيجب أن يتذكروا أن كثيرًا ما تجري الرياح بما لا يشتهي الملاح كما قال الشاعر: ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن وأيضًا فإنه ليس من صفات المؤمنين أن يسكتوا على البغي والظلم، والبهت والكذب الذي يلصق بهم، وهم يجدون وسيلة مشروعة لدفعه ورده على صاحبه، خلافًا لما يُعْزى لسيدنا عيسى ﵇ ويسميه النصارى بالآية الذهبية: «من ضربك على خدّك الأيمن فأدر له الخد الأيسر، ومن طلب منك كساءك فأعطه رداءك، ومن طلب منك تمشي معه ميلًا فامش معه ميلين»! فليس في الإسلام شيء من هذا بل هو على إطلاقه يعارض القرآن الكريم في بيان بعض صفات عباد الرحمن المؤمنين التي منها ما أفادته الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ • وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ

стр. 6

الظَّالِمِينَ • وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ • إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فإن لم يكن في كل ما تقدم مما يقنع أولئك الناس، فلا أقل من أن يعتبر ذلك عذرًا لي، فقد قيل: ليس من العدل سرعة العذل. وقال الشاعر: تأنّ ولا تعجل بلومكَ صاحبًا ... لعل له عذرًا وأنت تلوم بل لقد كان الواجب عليهم أن يعودوا على الجائر الظالم باللوم والإنكار وردعه عن ظلمه، وأن ينتصروا للمظلوم لقوله ﵊: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قيل: * كيف أنصره ظالمًا؟ قال: تحجزه عن الظلم، فإن ذلك نصره». وفي حديث آخر: «لِينصر الرجل أخاه ظالمًا أو مظلومًا: إن كان ظالمًا فلينهه فإنه له نصرة، وإن كان مظلومًا فلينصره»، وقوله: «ما من امرئ يخذل امرءًا مسلمًا في موطن يُنقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحد ينصر مسلمًا في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته» (١). وعلى كل حال فمن المعلوم أن إرضاء الناس غاية لا تدرك، كما جاء في بعض الأمثال: ما قرعت عصا على عصا، إلا حزن لها قوم، وسرَّ

стр. 7

لها آخرون. وقال الشاعر: ولست بناج من مقالة طاعن ... ولو كنت في غار على جبل وعر ومن ذا الذي ينجو من الناس سالمًا ... ولو غاب عنهم بين خافيتي نسر وإذا كان الأمر كذلك فحسبي أنني سألتزم في ردي هذا حدود الشرع فلا أقابل الباغي بشيء من البغي، والباهت بشيء من البهت، وإنما سأصفه بما فيه كي يحذره الناس فلا يضلوا بضلاله، ولا ينحرفوا بانحرافه عن كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، لا سيما من كان منهم حديث صلة به، قد اغتر بمظهره ولا علم عنده بحقيقة أمره كما قال الشاعر: لا يغرنْك صديق أبدًا ... لك في المنظر حتى تخبرُه كم صديق كنت منه في عمى ... غرّني منه زمانًا منظره كان يلقاني بوجه طلق ... وكلام كاللآلي ينشره فإذا فتّشته عن غيبه ... لم أجد ذاك لوجد يضمره فدع الإخوان إلا كل من ... يضمر الود كما قد يظهره فإذا فزت بمن يجمع ذا ... فاجعلنه لك ذَخرًا تذخره

стр. 8

وقديمًا قال العلماء: القدح ليس بغيبة في ستة ... متظلّم ومعرّف ومحذر ومجاهر فسقًا ومستفت ومن ... طلب الإعانة في إزالة منكر وخصلة واحدة من هذه الخصال كافية لتجويز مثل هذا الرد، فكيف، وقد انضم إليها غيرها، وبخاصّة الأولى منها، ودليلها قول الله ﵎: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾. وقوله ﷺ : «لَيُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته» (١) وقال الشاعر: ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى أسأل الله ﵎ أن يعصمنا من الظلم وغمص الناس بغير حق، وأن يجعل ما أكتبه دفاعًا عن سنة النبي ﷺ ونهج السلف الصالح، إنه سميع مجيب. محمد ناصر الدين الألباني

стр. 9

توطِئَة تعرفت على الشيخ عبد الفتاح «أبو غدة» في بلده (حلب) منذ أكثر من عشرين سنة تقريبًا. وقد عرفت فيه رجلًا متعصبًا للمذهب الحنفي تعصّبًا أعمى في درس له في مسجده في حلب قرر فيه جواز التداوي بالخمر بإرشاد طبيب حاذق مسلم. فقلت له: هذا لا يكفي بل لا بدّ أن يكون عالمًا بالسنة. ففي السنة مثلًا وصف الخمر بأنها داء وليست بدواء. فكيف يعقل لطبيب مسلم عالمٍ بشرعه أن يصف دواء وصفه نبيّه ﷺ بأنه داء؟ ! فقال: لعل الحديث ضعيف لا يصح! قلت: كيف وهو في «صحيح مسلم» (١) فقال: نراجع لنتأكد من ذلك. فقال له أحد الحاضرين وهو صديق للفريقين: فإذا تأكدت من صحته أتأخذ به أم بالمذهب؟ فقال: بالمذهب! وتأكدت بعد من تعصبه الشديد مما كان يبلغني من حملاته في خطبه ودروسه على السلفية والدعاة إليها، ومن أجل ذلك كان بعض إخواننا في حلب يسعى حثيثًا لعقد اجتماعات بيني وبينه لمناقشته في تعصبه على السنة وشرح الدعوة له. فكان لا يستجيب لأي اجتماع يدعى إليه ولو على الانفراد.

стр. 10

اللهم إلا على طعام! ولكنه لا يفسح المجال لأي بحث حول الدعوة السلفية بل يطعم ثم ينصرف! وهو مع ذلك مستمر في الغمز واللمز والتشهير شأنه في ذلك كشأن غيره من الخطباء الجهلاء الحاقدين. ثم أخذت الأيام والسنون تمضي، فإذا بأبو غدة يعين مدرسًا في كلية الشريعة في الرياض، وفي العطلة الصيفية كان يقضيها في لبنان، ويتردد كثيرًا على بيت ومكتبة أخينا الأستاذ زهير الشاويش، وصديقه يومئذٍ، فكنت ألتقي معه فيها أحيانًا وهو مصرٌّ على موقفه السابق من الامتناع عن الدخول في أي نقاش أو بحث على الرغم من توسط الأستاذ زهير ودفعه إياه لقبول البحث، ولكن عبثًا، ولقد كان من سياسة الأخ زهير وحكمته يومئذ معه أنه كان يقدمه أحيانًا ليصلي بنا، ليريه عمليًّا أن ما يشيعه هو وأمثاله من التكفير باطل، بدليل صلاتي خلفه، مع أن صلاته مخالفة للسنة الصحيحة في كثير من أحكامها! وكان يبدو عليه الاغتباط بهذا التقديم، فيتقدم دون أي تردد أو اعتذار أو تقديم منه لغيره! كأنه لا يريد بالمقابل أن يثبت لنا أنه يرى صحة صلاته خلف هذا الذي يصلي خلفه! ! وبينما كانت ظواهر الأمور تدل على أن أبو غدة في الآونة الأخيرة رجل مسالم إلى حد أنه يفرّ من الدخول في مناقشة علمية هادئة، بله مخاصمة مذهبية حامية، قانع بتعصّبه «لإمام الأئمة، ومقدَّم الأمة أبي حنيفة ﵁ ... ». إذا به يكشف عن أن «تحت جلد الضأن قلب الأذؤب» وأن «الطبع غلب التطبع»! فقد عاد إلى القيام بحملة

стр. 11

شديدة من التهويش والتشنيع عليّ في المملكة العربية السعودية موطن وظيفته، ولبنان بلد مصيفه وذلك: ١ - ما أذاعه من الزور، وأشاعه من البهت هنا وهناك حتى بلغ مسامع بعض الطلاب المسلمين في أوربا أن الألباني يطعن في المذاهب الأربعة وبخاصة المذهب الحنفي في تعليقه على كتاب «مختصر صحيح مسلم للحافظ المنذري»، وليس فيه سوى قولي: «إن عيسى ﵇ يحكم بشرعنا ... » مما سيأتي شرحه مع الرد عليه، فإن أبو غدة لم يقنع بإشاعة ذلك بلسانه، حتى كتبه بقلمه (١) فهو بذلك كلابس ثوبي زور: وكان طبع المختصر سنة ١٣٨٨. ٢ - افتراؤه علي تلويحًا وتصريحًا بأني من الشانئين المبغضين للإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، واتّهمني بالتعصب عليه ﵀ وبالخيانة العلمية في ترجمته، وذلك في تعليقه على كتاب «قواعد في علوم الحديث» للشيخ التهانوي، وقد فرغ من التعليق عليه -كما صرّح في خاتمته- في ربيع الآخر سنة ١٣٩٠ بالرياض، أي قبل رفعه لتقريره الجائر، أو على الأقل قبل ردي عليه في «مقدمة شرح الطحاوية» بسنة (٢).

стр. 12

وقد رد عليه الأخ الفاضل الأستاذ زهير الشاويش في رسالة: «التوضيح» أحسن ردٍّ بما كشف عن افترائه واتهامه المذكور بالنقل عن كتبي بما يشهد لأبي حنيفة ﵀ بما يستحق من علم وفضل، وأبان بذلك أن «أبو غدة» هو الذي خان الأمانة العلمية حين نقل كلامي مبتورًا. فليراجع من شاء البيان رسالته المذكورة وهي مطبوعة لوحدها ومع «شرح العقيدة الطحاوية» الطبعة الرابعة.

стр. 13

٣ - تقريره الجائر الذي رفعه إلى بعض المسؤولين في المملكة العربية السعودية سنة ١٣٩١ أو قبلها بقليل، -ولغير المسؤولين أيضًا- حول تخريجي لـ «شرح العقيدة الطحاوية»، وذلك بعد اطلاعه هو عليه بنحو عشر سنوات، دون أن يحدثني مطلقًا بشيء مما في نفسه من النقد عليه، ونحن نلتقي معه في هذه السنوات عند أخينا الأستاذ زهير الشاويش، أو على الأقل أن يحدثه هو بذلك! ! وهو صاحب المكتب الإسلامي والناشر للكتاب (١). كل هذه الأمور وغيرها مما كان يبلغني عنه جعلني أتيقّن أننا قد ابتلينا بعدو ماكر، يظهر خلاف ما يبطن، وأنه لا بد من كتابة ردٍّ عليه، يكشف عن جهله فيما أخذه علي في «تقريره الجائر» وعما ضمنه من الكذب والزور وقلب الحقائق وغير ذلك من الصفات التي لا تليق بمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر، فكتبت الرد وجعلته مقدمة للطبعة الرابعة لشرح العقيدة الطحاوية، ليكون القراء الكرام على علم بالرد على مآخذ أبي غدة عن كثب، ومعرفة بعدائه الشديد لهذه العقيدة المتستر بنقد مخرجها، والمتظاهر بتعظيم شارحها! وبعد صدور هذه الطبعة أواخر سنة ١٣٩١ هـ حججت إلى بيت الله الحرام، فزرت الأستاذ الفاضل الدكتور محمد أمين المصري في بيته في مكة المكرمة، فحدثني بأن الشيخ أبو غدة عنده في غرفة أخرى مع بعض الأساتذة الحلبيين، فقلت له: هل لك أن تتفضّل فتعرض عليه رغبتي بلقائه ومناقشته حول ما جاء في «تقريره»؟ فوافق

стр. 14

مسرورًا، ولكنه سرعان ما رجع آسفًا لأن أبو غدة رفض اللقاء على الرغم من استحسان الأساتذة لعرضي هذا كما حدثني به الدكتور المصري، وهو من أوثق الناس عندي. بدء الرد على كلمات «أبو غدة» وأباطيله وبعد ثلاث سنين تقريبًا من طبع الرد على التقرير الجائر طلع علينا الشيخ أبو غدة برسالته: «كلمات في كشف أباطيل وافتراءات» ذكر في آخرها أنه فرغ منها في ١٢/ ٤/ ١٣٩٤ بمدينة الرياض. وبعد الفراغ من قراءتها تبين لي أنها رد على جماعة ممن ردوا عليه وكشفوا للناس عن جهله بالسنة وعدائه الشديد لأهلها ولأئمتها، وفي مقدمتهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن قيم الجوزية، وداعية التوحيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى، الذين يعاديهم أبو غدة أشد العداء تبعًا لشيخه الكوثري الضال المضل، والذي هو من آثاره! ! وأنه ليس فيها شيء من العلم مطلقًا، بل هي أكاذيب وأباطيل حقًّا، ومن ذلك أنه أفهم القراء أن هناك جماعة من المؤلفين يعملون ضده متعاونين متواطئين «من أصحاب الأغراض السيئة والطوايا المنحرفة الكائدة ... » بزعمه وهذا كذب محض، ولبيان ذلك أقول: إن الكتب أو الرسائل التي يرد أبو غدة على بعض ما جاء فيها ويوهم القراء أن الجماعة تعاونوا على تأليفها ونشرها هي: ١ - كتاب «التصوف بين الحق والخلق» للأستاذ محمد فهر الشقفة الطبعة الثانية مزيدة ومحققة، ومن المعلوم أن الذي قام على نشره والتعليق عليه إنما هو الأستاذ محمود استانبولي.

стр. 15

٢ - «السيف الصقيل* العبقري على أباطيل تلميذ الكوثري» وهو للأستاذ عبد العزيز الربيعان المدرس في المعهد الثانوي في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة والذي كان في كلية الشريعة بالرياض يوم أن كان أبو غدة مدرسًا فيها ودعاه للمناظرة معه ورفض. ٣ - مقالة نشرت في جريدة الدعوة عدد ٣٢٣. ٤ - مقدمتي على «شرح العقيدة الطحاوية». ٥ - «المقابلة بين الهدى والضلال» بقلم الشيخ عبد الرزاق حمزة ﵀، وتحقيق عبد الله بن صالح المدني الفقيه. ٦ - «التوضيح» للمقدمة المذكورة للأستاذ زهير الشاويش ولم يفصح أبو غدة عن اسمها ولعل السبب لأن المؤلف صديق أبي غدة القديم! ٧ - «حجة النبي ﷺ » تأليفي. ٨ - تعليقي على «مختصر مسلم» للمنذري. ٩ - «حجاب المرأة المسلمة» تأليفي. ١٠ - «بدعة التعصب المذهبي» للأخ الأستاذ محمد عيد عباسي. فترى أبا غدة إذا رد على جملة ما في كتاب من هذه الكتب عزاها إلى جميع هؤلاء المؤلفين حتى الذي كتبه الشيخ عبد الرزاق ﵀ موهمًا أنهم كتبوا ذلك متواطئين متعاونين! مع أنني لم أشارك مطلقًا في تأليف شيء منها حتى ولا في «التوضيح» فكيف في كتاب الشيخ عبد الرزاق ﵀؟ !

стр. 16

وبالتالي لم يشاركني أحد منهم في تأليف من تأليفاتي المذكورة، وأبو غدة على علم بذلك. ومع ذلك فهو ينسب إليهم جميعًا كل عبارة يرد عليها، فهو يقول في الكتاب الأول ص (٥): «طبعوه في دمشق في سنة ١٣٩٠ ودسوا فيه زورًا وبهتانًا كلامًا حولي ... » والحقيقة أن الذي طبعه إنما هو الأستاذ محمود استانبولي، والدس المزعوم إن ثبت فلا علاقة لنا به مطلقًا، لا سيما وأسلوبي في الكتابة يختلف عن أسلوبه كما هو معلوم لدى الجميع ...

стр. 17

تزوير على لسان الأستاذ الشقفة ثم قال أبو غدة: «فما أن علم مؤلفه بذلك الدس حتى استشاط غضبه عليهم وغيظه منهم وبعث إلي برسالة منه بخطه يعبر ... ويستنكر ما فعلوه من تزوير عليه ... بما اقترفوه من الأكاذيب ... » إلخ. أقول: فمن السهل على كل قارئ أن يكتشف هذا العزو الباطل الكاذب من أبي غدة إلى الجماعة وذلك بأن يرجع إلى نص كتاب الأستاذ فهر المصور من خطه بآخر كلمات «أبي غدة» لترى فيه ما يكذبه فقد جاء فيه: «وقد كان هذا الأمر تزييدًا من الناشر محمود مهدي استانبولي دون علم مني ... فتوسمت فيه خيرًا عندما عرض علي إخراج كتابي ... فاستغل الناشر هذا التفويض ... وقد أنذرت الناشر». ونحو ذلك في كتاب الأستاذ فهر الآخر المنشور صورته عقب الكتاب الأول. ومن ذلك يتبين أن أبا غدة لم يكذب على الجماعة فقط بنسبة الدس المزعوم إليهم جميعًا، لا إلى الناشر وحده كما هو صريح كلام الأستاذ فهر. بل وكذب أيضًا على الأستاذ نفسه في قوله السابق: «فما أن* علم مؤلفه

стр. 18

بذلك الدس حتى استشاط غضبه عليهم ... » وما أظن إلا أن الأستاذ فهرًا قد استشاط غضبه فعلًا على أبي غدة لهذا العزو الباطل إليه! ولم يكتف أبو غدة بما سبق من الكذب بل أكده بقوله (ص ٦): «وقد أذعنوا لطلب المؤلف، ووضعوا على الكتاب المذكور .. » والله يشهد أنه لا علم لنا بالوضع المذكور ولا بالإذعان المفترى إلا حينما قرأنا عبارة أبي غدة هذه، أفلا يحق لنا أن نقول: ألا ... وكذلك قال فيما جاء في سائر الكتب المذكورة سابقًا: «نقلوا» و «قالوا» ونحو ذلك مما هو مخالف للواقع ويأتي ذكر أمثلة منه. فالناقل والقائل إنما هو المؤلف فما بال الآخرين وفيهم من انتقل إلى رحمة الله، وهذا لا علم له بما جد بعده من خصام بين أهل السنة أمثاله وبين أهل الأهواء والبدع أمثال تلميذ الكوثري، ولا علم للآخرين بما ألف هو ﵀ وبالطبع أيضًا بعد انتشار كتابه! فما أشد غفلة أبي غدة، بل وما أكذبه! من أجل ذلك كله رأيت أن أحصر ردي على «أبي غدة» فيما نالني من بغيه وظلمه وافترائه، تاركًا للآخرين أن يردوا عليه إن شاؤوا لكي لا يطول الرد هذا فأهل الدار أدرى بما فيها، والله يقول: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى • وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى • أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى • وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ فأقول وبالله وحده أستعين: أولًا- من غرائب أبي غدة أنه لما تعرض للرد علي فيما قلته فيه بحق في مقدمة شرح الطحاوية «ردًّا على

стр. 19

تقريره الجائر» لم يزد على أن عدد الألفاظ التي وصفناه بها فيها -بحق- فقال (ص ١٠): «فقد حشوها بالألفاظ التالية: «بالتعصب، وتعمد الكذب، ووو ... والجهل ووو والتقليد ... والنفاق ... وبأني حنفي ... وبذم الشيوخ الأحناف وبأنهم على درجة بالغة من التعصب وأنهم يضمرون العداء الشديد لأهل الحديث ... » أقول ووجه الغرابة أنه حكى هذه الألفاظ التي وصفته بها دون أن يرد عليها بالحجة والبرهان مكتفيًا بقوله بأنها «افتراء صريح». مع العلم بأن هذه الألفاظ جاءت في تضاعيف ردي إليه، البالغ عدد صفحاته «٤٤» صفحة. فهذه الألفاظ التي سردها لا تبلغ صفحة واحدة منها فأين الرد على سائر الصفحات التي أدنته فيها بذلك كله، فهل يشك عاقل منصف حين يرى أبا غدة لم يكتب كلمة واحدة في الرد عليها. ليثبت بذلك براءته منها - أنه لو وجد سبيلًا إلى ذلك لما اكتفى بما أشرنا إليه من أقواله. ولا بأس من إعادة خلاصة ما كان أخذ علي وغمزني به في تقريره الجائر وردي عليه وما أدنته به في المقدمة. خلاصة ما أخذه علي أبو غدة، وردي عليه وما أدنته به في «المقدمة» ١ - كان اتهمني بأن قولي في التخريج «صحيح أخرجه مسلم» أو «صحيح متفق عليه» إنما جاءت الصحة من حكمي له بالصحة وليس من حكم الإمام مسلم أو الشيخين، وما قلت فيه «رواه مسلم» أو «متفق عليه» ولم أصدره بقولي «صحيح» فمعنى ذلك عنده أنني متوقف فيه تحت المراجعة! وقال: فجاء بشيء لم يسبقه إليه المتقدمون والمتأخرون، فقلت له:

стр. 20

هذا تخرص واختلاق ... وفصلت القول في ذلك في أربع صفحات من المقدمة «١٧ - ٢٠» وبينت أنني كنت صرحت في مقدمة الطبعة الثالثة عن هدفي من هذا الاصطلاح، وأني مسبوق إلى هذا الاستعمال من الحافظ البغوي في «شرح السنة»، فأثبت بذلك تخرصه وجهله فبماذا أجاب عنه؟ إنه بدل أن يعترف بجهله واتهامه لأخيه المسلم بما ليس فيه -وهو على علم به- أصر على ذلك ولم يتراجع، بل لجأ إلى التعالي والتمسكن في رده بأنه بريء مظلوم أمام القراء الذين لا يعلم أكثرهم ما اجترحته يداه. فهل هذا هو صفة من يقول في أول رسالته: «وبعد فإن الله تعالى شرع لنا هذا الدين الحنيف ليكون حاجزًا للمؤمن به عن كل شر وسوء، وداعيًا إلى القيام بكل خير وفضيلة، وليتحقق المنتسب إليه بالخلق القويم والسلوك المستقيم فلا يقول إلا حقًّا ... » إلخ كلامه الذي يذكر آخره بالمثل السائر «رمتني بدائها وانسلت» لأنه يتهمنا فيه بالأكاذيب والاختلاقات وهو مصدرها ومنبعها وهذا هو المثال الأول أمامك. فهل هذا الإصرار على الاتهام والتجاهل هو من الخلق القويم عند أبي غدة وهو يعلم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ • كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. ٢ - كما انتقدني على قولي في أثر ابن مسعود: «هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف والمنكر»: «لا أعرفه» فقال عقبه ما نصه بالحرف الواحد: «فهل المراد من هذا أنه لا يعرف المعروف من المنكر (! ) أو لا يعرف كلام عبد الله بن مسعود».

стр. 21

فرددت عليه في خمس صفحات (٢١ - ٢٦) وبينت اصطلاح العلماء في هذه الكلمة «لا أعرفه» مما نقله أبو غدة في مقدمة له على بعض مطبوعاته، فنسبته من أجل ذلك إلى التجاهل، وإلى الجهل أيضًا وأنه لا علاقة لقوله المذكور بهذا الاصطلاح الذي تبعت فيه المحدثين، وأنه إنما قال ذلك ليروي غيظ قلبه، ويظهر للناس كمين حقده، وعظيم حسده بسوء لفظه حتى لا يدري ما يخرج من فمه نسأل الله العافية. فلم يرد أبو غدة أيضًا على هذا بشيء مطلقًا سوى زعمه أنني رميته (وهو يقول تلبيسًا على القراء رموني! ) بالجهل والتجاهل! إن كنت يا أبا غدة صادقًا في هذا القول فهلا بينت علاقة قولك «فهل المراد من هذا أنه لا يعرف المعروف من المنكر» بقولي: «لا أعرفه» وأثبت بذلك أنك غير جاهل ولا متجاهل وأنت القائل في كلماتك «وسلوكي مكشوف وخلقي معروف، والحمد لله»؟ ! نعم سلوكك مكشوف وخلقك معروف، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه. ٣ - و ٤ - كان سجل علي وهمين صرح بأحدهما وهو في ذلك مصيب، ولكنه دلس في صدد بيانه تدليسًا خبيثًا مع قلبه لبعض الحقائق كما بينته (ص ٢٩ - ٣٠)، فلزمه ما أدنته من التدليس وقلب الحقائق، لأنه لم يأت ولو بكلمة واحدة يبين براءته منه، سوى قوله فيه وفي أمثاله: افتراء صريح! ! والوهم الآخر كان أشار إليه، ولم يصرّح به وهو أنني كنت وهّمت الشارح ﵀ في عزوه حديثًا لـ «الصحيح» وليس فيه، فحكى أبو غدة كلامي في ذلك ولم يزد وغرضه من ذلك إيهام القراء أنني واهم في توهيمي

стр. 22

للشارح، والواقع أن لا وهم، وكان يرمي من وراء التسجيل المذكور إسقاط ثقة القراء من أهل العلم والفضل بتخريج الألباني! ! ليتخذ ذلك ذريعة لصرف الناس عن الكتاب نفسه «شرح العقيدة» فرددت عليه في عدة صفحات بما خلاصته: أنه لا يلزم من خطأ الثقة في حديث واحد أو أكثر أن ترفع الثقة عنه مطلقًا، ودعمت ذلك بما كان المتعصب الجائر نفسه نقله في بعض تعليقاته. وألزمته أن يسقط هو الثقة عن شارح الطحاوية. لأخطاء حقيقية غير قليلة، بينتها في تخريجي عليه ثم لخّصتها في «المقدمة» فألزمته بذلك أحد أمرين: الأول أن خطأ الألباني في حديث أو أكثر لا يسقط الثقة عنه. والآخر: أن ذلك إن كان يسقط الثقة عنه، فأخطاء الشارح أكثر، فهو بإسقاط الثقة عنه أولى عند أبي غدة وأظهر. فسكت عن ذلك أيضًا فلزمه ما ألزمته به كما هو ظاهر لا سيما وقد كنت رجوته أن يبين لي إذا كنت مخطئًا في ذلك عنده، فلم يفعل، فمن يقول بعد هذا إنه «لا يلعب على الحبلين»؟ ! ٥ - كان غمزني في قولي في حديث رواه البخاري: «وفي سنده ضعف، ولكن له طرق لعله يتقوَّى بها ... » فرددت عليه من وجهين: خلاصة الأول منهما أنني مسبوق إلى تضعيف إسناده من قبل كبار الأئمة كالذهبي وابن رجب الحنبلي والحافظ العسقلاني، وأنني تحفظت في تضعيف متنه، بل رجوت أن يتقوّى بكثرة طرقه. ثم تأكدت من ذلك كما بيّنته في «الصحيحة» (١٦٤٠). وخلاصة الوجه الآخر أنني ألزمته بأن الغمز والطعن بشيخه الكوثري أولى لأنه نقل الطعن في حديث البخاري

стр. 23

المذكور آنفًا وأقره، دون أن يتحفظ تحفظي المذكور! ثم أتبعته بذكر أربعة عشر حديثًا صحيحًا مما أخرجه البخاري ومسلم أو أحدهما ضعّفها كلها شيخه الكوثري «العلامة المحقق الحجة الإمام .. » كما يزعم تلميذه أبو غدة وبحديث آخر مما رواه مسلم ضعفه المتعصب الجائر نفسه! (انظر (ص ٣٠ - ٣٤) من المقدمة)، وبسكوته على قول الشيخ التهانوي في كتابه «مقدمة إعلاء السنن» تحت عنوان «ذكر بعض المغامز في الصحيحين وتكلف الجواب عنها»: «وما يقوله الناس إن من روى له الشيخان فقد جاوز القنطرة هذا من التجوّه (أي التكلف) ولا يقوى». سكت على هذا أبو غدة في تعليقه على الكتاب (٤٦٣). وعلى ما سبق من الأمثلة مما كتبه هو نفسه أو قرأه لشيخه، ويطعن فيّ لحديث واحد للبخاري ضعّفت إسناده دون متنه، ثم هو يتغافل عن ذلك كله ليقول شاكيًا في «كلماته» أننا رميناه بـ « ... واللعب على الحبلين» وفاته أن يذكر أننا قلنا في مثل صنيعه هذا أنه من باب الوزن بميزانين، والكيل بكيلين، أو من قبيل الجمع بين الصيف والشتاء على سطح واحد! فمن الذي ينكر انطباق هذه الأوصاف كلها على أبي غدة بعد اطلاعه على هذه الحقائق. لو أن المتعصب الجائر كان صادقًا في شكواه تلك لأجاب جوابًا علميًّا عن كل هذه الإلزامات التي ألزمناه بها. ولم يكتف بالرد على ذلك كله بقوله: «افتراء صريح» ونحو ذلك من الأقوال التي لا يعجز عنها أجهل الناس وأشدهم إيغالًا في الباطل والمكابرة على حد قولهم: عنزة ولو طارت. ثانيًا- أليس هذا نفاقًا مكشوفًا ؟ كنت ذكرت في المقدمة أن لدي البرهان القاطع على ما نسبت إلى أبي غدة من المداراة ولم أقل المداهنة.

стр. 24

وهكذا قلت يومئذٍ متحفظًا ومتأنيًا حتى نرى جواب أبي غدة على ما ادعيته برهانًا قاطعًا، ثم نقلت عنه قوله في تقريره الجائر في شارح الطحاوية: «إنه من التوثق و ... بإمامة ملموسة مشهورة». ولعلمي بأن أبا غدة حنفي متعصب، والأحناف ماتريدية، والشارح يرد عليهم في مواطن كثيرة، خاصة في صفة الكلام الإلهي، بدا لي أن أبا غدة يقول فيه ما لا يعتقد لغرض شرحته هناك ولذلك أتبعت قوله المذكور بقولي: «قلت: فإذا كان أبو غدة مؤمنًا حقًّا بهذه الإمامة الملموسة المشهورة فأنا أختار له من كلام هذا الإمام سبع مسائل، فإن أجاب عنها بما يوافق ما ذهب إليه هذا الإمام المشهور من قلب مخلص فذلك ما نرجوه، وأعتذر إليه من إساءة الظن به، وإن كانت الأخرى فذلك مما يؤيد -مع الأسف- ما رميته به من المداراة». ثم سردت المسائل السبع مع شيء من التعليق عليها وبيان موقف شيخه الكوثري ضدها وهي: الأولى: وأهل الكلام المذموم يطلقون نفي حلول الحوادث. الثانية: وأن القرآن من كلام الله، منه بدا بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًّا، وأيقنوا أن كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية. (١) الثالثة: وهو تعالى مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه.

стр. 25

الرابعة: يثبت الإمام السؤال عن الفوقية بلفظ أين الله الذي سأل به رسول الله ﷺ الجارية ليتعرف على إيمانها. وقلت له هناك: وشيخك يا أبا غدة ينكر مثل هذا السؤال تبعًا لتشكيكه في صحة الحديث كما سبق (ص ٢٢). فهل تؤمن أنت بهذا الحديث وتجيز هذا السؤال الذي سأله الرسول ﷺ ؟ الخامسة: يقول الإمام تبعًا للأئمة الثلاثة وغيرهم: إن الإيمان هو تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، وقالوا: يزيد وينقص. السادسة: ذهب الإمام إلى جواز الاستثناء في الإيمان وهو قول المؤمن: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى خلافًا للحنفية. بل إن طائفة منهم ذهبوا إلى تكفير من قال ذلك. السابعة: ذهب الإمام تبعًا لإمامه أبي حنيفة وصاحبيه إلى كراهة التوسل بحق الأنبياء وجاههم. ثم قلت عقبها: «قلت: فهذه سبع مسائل هامة، كلها في العقيدة إلا الأخيرة منها، قد وجهتها إلى أبي غدة الذي تظاهر بالثناء على شارح الطحاوية ووصفه بأنه صاحب «إمامة ملموسة مشهورة» فإذا أجاب بمتابعته له فيها، وهذا ما أستبعده على كوثريته - فالحمد لله، وإن خالفه فيها وظل على كوثريته فقد تبين للناس -إن شاء الله تعالى- أن ثناءه على شارح الطحاوية (الإمام) لم يكن عن اعتقاد وثقة به كما زعم، وإنما ليتخذه سلمًا للطعن بمخرج أحاديثه، وإلا كيف ساغ له أن يسكت عن الشارح في هذه الأخطاء بل الضلالات

стр. 26

السبع بزعمه تبعًا للكوثري وعن أخطائه الأخرى الحديثية التي سبقت الإشارة إلى أنواع منها، وينتقدني شاكيًا إلى بعض رؤسائه أو المسؤولين هناك وغيرهم - في أمور -لو صح نقده فيها- لا تكاد تذكر تجاه تلك كمًّا ولا كيفًا؟ ! ». فماذا كان جواب المتعصب الجائر عن هذه الأسئلة السبع؟ ! إن القارئ الكريم ليعجب إذا قلت: إنه أعرض عن الإجابة عنها مطلقًا، وصمت تجاهها صموت أهل الكهف، فلا هو صرح بأنه متابع فيها لصاحب «الإمامة الملموسة المشهورة» ولا أنه لا يزال على كوثريته فيها، فمن يقول بعد هذا أن هذا ليس نفاقًا مكشوفًا أو أنه لا يزال كوثريًّا كما وصفه به بعض زملائه في التتلمذ على الكوثري فيما نقلته عنه (ص ٤٦ من المقدمة) وقد أقر هو ذلك ولم ينكره في «كلماته»، بل أكده بقوله فيها (ص ٣٨): «هم يعلمون من نحوه ٢٥ سنة أني تلميذ الكوثري، فما معنى أني صرت تلميذه الآن». وأقول: وهذه كذبة من كذباته التي لا تتناهى فمن قال ممن أشرت إليهم ووصفتهم بالعلم أنك صرت تلميذه الآن؟ وإنما الحقيقة أنك انكشفت للناس الذين لا يعرفونك من قبل تعليقاتك التي سودتها بالنقل عن شيخك الكوثري ومبالغتك في الثناء عليه مع عدائه الشديد للحديث وأهله، ودفعتنا دفعًا بذلك - وبتشنيعك علينا في حملاتك المسعورة لأقل هفوة تظنها، وخاصة في تقريرك الجائر الذي تضع فيه شخصًا وترفع آخر -مع اشتراكهما في الخطأ- على الرد عليك وكشف النقاب عن هويتك وبيان ما أنت فيه من الصفات التي لخصتها أنت في (كلماتك) (ص ١٠) وكنت متحفظًا في

стр. 27

بعضها لما يوجبه الشرع علينا من التبين والتثبت وأما الآن فقد تجلت الحقيقة لكل ذي عينين. وإن مما يؤكد بقاءه على كوثريته، وإيثاره تقليده على تقليد إمامه أبي حنيفة وصاحبيه ﵏ في كثير من المسائل، منها أن للكوثري رسالة بعنوان «محق* التقول في مسألة التوسل» ذهب فيها إلى جوازه وسلك فيه مسلك الاجتهاد المطلق واستدل بأحاديث بعضها صحيح لا يدل عليه، وبعضها ضعيف حاول تقويته بتقوية من هو ضعيف من الرواة اتباعًا لهواه، مخالفًا بذلك تصريحه هو نفسه بضعفه في حديث آخر كما بينت بعض ذلك في أول كتابي «سلسلة الأحاديث الضعيفة» ومن اتباعه لهواه ومتابعته للعامة لم يتعرض فيها بذكر لأقوال أئمته الثلاثة لأنها تمحق رسالته من أصلها محقًا (١) فتجد أبا غدة يقلده في هذه المسألة، مع مخالفته لأئمته الثلاثة في خطبة خطبها في مسجده في حلب، وطبعًا كان ذلك قبل توظفه في السعودية، وقد حصلت على شريط مسجل لخطبته، فيها التصريح ببعض أفكاره وعقائده التي يخالف فيها عقيدة السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان كشيخ الإسلام ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهما، مثل اعتقاده أن الشرك إنما هو شرك الربوبية فقط فيجوز عنده التوسل بالنبي والولي إلى الله دون أن يناديه ويطلب منه، ولئن طلب خطأ فهذا المنادي لا يعتقد فيه أنه يحل ويربط ويعطي ويمنع، ويخفض ويرفع ويتصرف في مقدرات الله ! ! وعلى ذلك فالاستغاثة بالميت من دون الله تعالى ليست شركًا عنده لأن المستغيث لا يعتقد أن

стр. 28

الميت يضر وينفع وإنما هو خطأ لفظي فقط! ومع ذلك لا يخجل الشيخ أبو غدة أن يصرح في كلماته (ص ٣٦) بأنه يدين الله تعالى بعقيدة السلف ﵃، وأنه يقول بتقسيم التوحيد إلى توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية! وفاته القسم الثالث، وهو توحيد الصفات، ولعله عمدًا تركه. لأن الخلف وهو منهم لا يعرفون هذا النوع من التوحيد، ولو عرفوه لما نفوا كثيرًا من صفاته تعالى باسم التأويل كنفيهم استعلاءه على خلقه. خطبة لأبي غدة في الطعن في السلفيين ولا بد بهذه المناسبة من أن أسوق بعض خطبة الشيخ أبي غدة محررًا من شريط مسجل محفوظ عندي ومن شك فيه أسمعته إياه بصوته وحرارته فيها ليتبين للقارئ مبلغ عدائه لأهل التوحيد والدعاة للسنة وحقده عليهم وبغضه لهم، واتهامه إياهم بشتى التهم على طريقة شيخه الكوثري في ذلك بل وأسوأ منه. فهو في ذلك نسيج وحده! اتهامه للسلفيين بتجهيل الأئمة وتصغير شأن العلماء والاجتهاد قال بعد توطئة وجيزة في فضل الأئمة المجتهدين وتمسكهم بالسنة: «نقول هذا لبيان ما يكون من بعض الناس، من تجهيل الأئمة، وتصغير شأن العلماء، وتسفيه بعض آرائهم ظنًّا منهم أنهم على صواب، وأنهم إذا كانوا قد شموا رائحة العلم فإنهم على يقين مما يعلمون وأنهم في قدرتهم أن يخطئوا العلماء ويجهلوا الأئمة، ويصغروا شأن الاجتهاد، ويهونوه على الناس حتى على أبسط الناس،

стр. 29

ولو كان محترفًا لا يدري حرفته بل لا يجيدها! يمكنه أن يقول: هذا حلال وهذا حرام بمجرد رأيه أو بمجرد أنه حفظ حديثًا أو حديثين، فهذا خطأ بين وانحراف عن الجادة. فالاجتهاد في هذه الأمة ما يحرزه فحول الناس ولا أذكياؤهم إلا إذا أحرزوا آلات الاجتهاد، هذه الآلات التي تكون مقدمة لتحصيل الاجتهاد (هنا محو من الشريط نحو سطر) من القرآن الكريم والحديث الشريف ومنها معرفة منافسات (كذا) العرب وأساليبهم، ومنها أيضًا فهم كلام رسول الله ﷺ على قواعد الإسلام الحنيف، كما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم، أما من كان لديه شيء من المعرفة، وظن أنه يستطيع أن يتسلق قمة الاجتهاد، فهذا إنسان نائم، رأى نفسه أنه نائم أيضًا (! ) ومشى يجتهد في منامه الذي رآه في نومه (! ) فهو على ضعف وخطأ ما يدري قدره. لأن الاجتهاد يحتاج إلى ثقة بالغة من الفهم، ومعرفة تامة بالعلم وبآثار الفقهاء وأقوالهم، واجتهاد أصحاب النبي ﷺ وأفعالهم، وأقوال رسول الله ﷺ وكلام الله ، وما إلى ذلك من وسائل العلم التي قررها العلماء في موضعها. عودة إلى اتهامهم بتصغير شأن العلماء والرمي باجتهاداتهم إلى الأرض، وبالغرور والجهل فلذلك يخطئ من خطأ العلماء أو صغر شأنهم. أو زعم أنه يستطيع أن يتسلط على هؤلاء الأئمة فيرمي باجتهاداتهم واحدًا واحدًا إلى الأرض. هذا منشؤه من الغرور والنقص في العلم، والجهل بقدر العلماء أيضًا، وذلك أن أولئك الناس جهلوا أشياء كثيرة، فوقعوا في أخطاء كثيرة.

стр. 30

اتهامه إياهم بتصغير شأن النبي ﷺ وإنكار معجزاته ! ! من جملة هذه الأخطاء أنهم يصغروا (كذا) شأن النبي ﷺ فيجعلوه (كذا) أحد الناس بعد مماته وحين حياته، لا يتميز عن أحد من البشر، وهو كذلك إلا فيما أكرمه الله ، وقد أكرم الله رسوله ﷺ كرامات وأي كرامات، فالنبي ﵊ حي بعد مماته الذي انتقل به من الدنيا في قبره، فإن الأنبياء أحياء في قبورهم، فالذي يزعم أن الأنبياء موتى كحال موتى الناس: هذا إنسان ما يفرق بين الحي والميت، ولا النبي ولا المتنبي، فحقه أن يعيد دراسته من ألفها إلى يائها، لأن رسول الله ﷺ دلنا أن الشهداء أحياء في قبورهم (! ) وسيدنا رسول الله ﷺ فوق الشهداء منزلة وتكرمة ومقامًا وتعظيمًا. فلذلك فتصغير شأن الرسول ﵊ بدعوى تنزيه العقيدة خطأ وانحراف. ونشاهد من أولئك الناس أنهم ما يذكرون من كرامات النبي ﷺ ومعجزاته الشريفة، وأحواله المنيفة قدرًا تنشرح به الصدور (! ) إنما يدورون على أشياء يشعرون منها، أو يشعر الإنسان فيها أنها تصغر من شأن النبوة وتقلص ظل النبي ﵊ وتجعله كبشر من البشر، لا أقل ولا أزيد (! ) فهذا يدعوهم أن يتورطوا في أخطاء كثيرة. فلذلك هؤلاء الناس يخطؤون في هذه المزاعم التي ألمعت إليها أخطاء متعددة، ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يغتر بهذه الأقوال أو بمثل هذه الدعاوي التي يدعونها: فإن سيدنا رسول الله ﷺ أمرنا

стр. 31

أن نقتدي بالعلماء الذين لهم قبول ومعرفة واستعداد تام. يؤهلهم لأن يكونوا أئمة في الدين. ونحن إذا نظرنا في سيرة الإمام أبي حنيفة، أو الإمام الشافعي، أو الإمام مالك، أو الإمام أحمد بن حنبل ﵃، وجدنا في سيرة كل منهم إمامة جديدة (! ) يعني لو نظرنا في سلوكه في بيته وجدناه إمامًا. لو نظرنا في سلوكه مع الناس وجدناه إمامًا، ولو نظرنا في عبادته وجدناه إمامًا، لو نظرنا في حفظه للعلم وجدناه إمامًا، لو نظرنا في فهمه للنصوص لوجدناه إمامًا، لو نظرنا في تعبده (! ) وتقواه وخروجه عن نفسه (! ) لوجدناه إمامًا، فكل خلق من أخلاق أولئك الأئمة مصباح من مصابيح الهدى والرشاد، فهذا مقياس المعرفة ومقياس الاهتداء بالناس. عودة إلى اتهامه السلفيين بالاستهتار بالمجتهدين وتصغير شأنهم وتحظيرهم على الناس اتباعهم بينما يدعونهم إلى اتباع أنفسهم فلذلك الاستهتار بالمجتهدين والتصغير من شأنهم، ودعوى (كذا) الناس أن يجتهدوا، أو حظر أولئك الناس على (! ) أن يتبعوا الأئمة المجتهدين فيه خطأ كبير، لأنهم يحظرون على الناس أن يتبعوا أبا حنيفة والشافعي وأحمد ومالكًا ﵃ ويدعونهم إلى اتباع أنفسهم (! ) فيحظرونهم أن يقلدوا الأئمة، ويدعونهم إلى تقليد أنفسهم (! ) فكأنهم يحرمون هذا على غيرهم، ويبيحونه لأنفسهم. وإذا كنا نحن مقلدين وخطيبكم من المقلدين، ومن هو أعلى منه علمًا من المقلدين (كذا)، إذا كنا كذلك، فهل نقلد

стр. 32

من شهد لهم الناس وخبر الناس علمهم، وخدم الناس مذهبهم، من آلاف الناس المسلمون (! ) لا ناس لا يدرون ناسخ الحديث من منسوخه، ولا يدرون مفاهيم اللغة العربية على حقيقتها، فهذا التقليد يكون تقليدًا مذمومًا مشؤومًا، لأن الذي يفعل هذا ينتقل من النهار إلى الليل، ومن الضوء إلى الظلام، ومن الصواب إلى الخطأ، فالنبي ﷺ أمرنا أن نأخذ العلم من العلماء الذين هم في أخلاقهم علماء، وفي سلوكهم علماء. غمزه إياهم بأنهم مستغلون مستأجرون لنزعة (الوهابية)! وأنهم متمجهدون ! وفي حرية فكرهم علماء، لا يُسْتَغلون لدعوة أو نزعة ولا يستأجرون لجماعة أو تبعة، إنما هم مستقلون، لو راودهم السلطان أن يقولوا قولًا يكون في مصلحته لرفضوا السلطان وملكه، وقد وثقوا ونالهم العذاب مسرورين بذلك، وأذكر لكم رجلًا ليس كأبي حنيفة والشافعي ولكن من أتباعهم: شمس الأئمة السرخسي، إمام كان في القرن التاسع من الهجرة، كان في زمنه سلطان استأثر في الحكم، فأفتى الإمام السرخسي فتوى ضد السلطان فحبسه السلطان في البئر قريبًا من عشرين سنة، حبسه في البئر قريبًا من عشرين سنة (كذا مكررة) أو أكثر منها. فألف وهو في البئر محبوس، يأتيه طلبته هناك وهو في البئر، فيملي عليهم إملاء كما أقول هكذا من غير نظر في ورق، أو قراءة في كتاب أو إمساك بقلمه أو مسطرة (! ) إنما هو فيض علم منحه الله لذلك الإنسان أملى عليهم ستًّا وثلاثين مجلدًا، ترتفع عن الأرض بطول متر تمامًا، أملاها من صدره وهذا الإنسان على سعة علمه ما خرج عن تقليد أولئك

стр. 33

الأئمة. لا متابعة لهم ضعفًا، ولكن متابعة لهم اعتقادًا، لأنهم إنما يستحقون أن يقتدى بهم، فالأئمة السلف الصالح ما كانوا يبالون بالسلطان، ولا يبالون بدعوة من الدعوات (هنا كلمات غير مفهومة)، وقد مات كثير مضطهدًا وناله العذاب، كأبي حنيفة ﵁ -على قول- مات معذبًا في السجن لأنه أنكر السلطان (كذا). وأما الإمام أحمد بن حنبل ﵁ فقد ناله العذاب بشكل لا يتصور. ضرب بالسياط لم تُعَدّ عددًا حتى يقول كلمة في أمر القرآن الكريم كان يريد أن يتبناها السلطان ويدعو العلماء لقولها الأئمة منهم، كأحمد بن حنبل، فلقي أحمد بن حنبل ﵁ ألوان العذاب، وما خرج عن رأيه، ولا باع رأيه بدريهمات لدعوة دعاه السلطان إليها، فكانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم. فكانوا يقولون القول واضحًا من علمهم واعتقادهم ومعرفتهم فإذا عرفوا خطأهم في هذا القول نادوا عليه ثاني يوم أو بعد سنين أنه خطأ. ورجعوا عنه رجوع الإنسان عن الشيء غير المأسوف عليه. فهذا الإمام الشافعي ﵁ أسس مذهبًا (! ) طويلًا عريضًا، ثم انتقل إلى العراق، وجال في بعض البلاد الإسلامية، فبلغه من السُّنَن عن النبي ﷺ وأحاديث ما لم يكن يبلغه (! ) من قبل، فغير اجتهاده كله (! ) حتى كأنه نسخ مذهبه القديم، وأثبت مذهبًا جديدًا. وما بالى أن يقول الناس. كان بالأمس يقول كذا، واليوم يغير رأيه. وواحد من أتباع أبي حنيفة الحسن بن زياد كان في موطن أن يرجع الناس إليه في الاستفتاء، فأفتى فتوى، فتبين له أنه أخطأ فيها، فبعث مناديًا ينادي في الناس ويقول في البلد: أن (كذا) الحسن بن زياد استفتاه إنسان

стр. 34

لا يدري من هو؟ فأفتاه غلطًا بكذا وكذا والصواب كذا وكذا، فقد أخطأ الحسن بن زياد، فكانوا ينادون على أنفسهم إذا جاوزوا الشرع أنهم أخطأوا. وأبو حنيفة الإمام الأعظم ﵁ وعن سائر الأئمة له أقوال في المذهب معروفة أنه رجع عنها والإمام أحمد بن حنبل ﵁ أكثر الناس وأكثر الأئمة رجوعًا عن أقواله حينما ينتقل إلى علم جديد فيها، ذلك لأنهم يخلصون الدين لا ينتمون لجماعة (! ) ولا يتعبدون لرغبة أو طمع أو فزع، إنما مبتغاهم تحقيق هدى الله ، وبيان شرع الله ، فهؤلاء الأئمة هم محل القدوة من الناس حاضرهم وغابرهم وآخرهم حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. رأيه في الاجتهاد والمتمجهدين وفي أي شيء ينبغي الاجتهاد ومن المفرح جدًّا أن يخرج في الناس أناس فيهم أهلية الاجتهاد، وآلات الاجتهاد فيجتهدون في الناس اليوم وغدًا في الوقائع والحوادث التي تجد، وتحير العلماء في تخليص أحكامها، وبيان موقفها من حلال الله وحرامه، فإذا كان لأولئك الناس المتمجهدون (! ) مجال في الاجتهاد، فينبغي أن لا يجتهدوا في تخطئة ما هو مجتهد فيه، وقد مضى الناس عليه (! ) بل يجتهدوا فيما حدث للناس من أحكام وأفعال ما يدري العلماء تخريج أحكامها، وتنزيلها على موطنها مما أحل الله أو حرمه، فلذلك ما ينبغي للإنسان أن يقصر تقصيرًا مزدوجًا فيُجَهِّل العالم، ويقول جهلًا أيضًا، فهذا نقص كبير.

стр. 35

اتهامه السلفيين بتكفير المتوسل بصاحب قبر وأنه مشرك حلال الدم ! ومن النقص الذي يقع فيه هؤلاء الناس أنهم إذا وجدوا إنسانًا يتلمّس قبرًا، أو يتوسل بصاحب قبر، يعدونه مشركًا كافرًا، حلال الدم ما يدفن في مقابر المسلمين ولا يصلى عليه ولا يورث، ولا يزوج، ولا ينكح منه، ولا ينكح إليه، ذلك لأنه في اعتقادهم مشرك. تجويزه التوسل بالميت ! وهذا ظلم عظيم وجهل مبين، هذا الإنسان لا نقره على توسله بالقبر، أو تلمسه للحجر، إنما نقول له: إنه جاهل مخطئ في ضلال، ولكن فرق بين الضلال والجهل والانحراف وبين الحكم على الإنسان بالكفر الذي يستحق به إراقة الدم وتحريم أن يدفن في مقابر المسلمين، وأنه يدفن كما تدفن الجيفة من الكلاب والحيوانات القاتلة، فرق كبير بين هذا وذاك. إشعاره الناس أن الشرك فقط إنما هو شرك الربوبية، وتأويله لنوايا المستغيثين بالموتى وتصريحه بأن التوسل بالميت إلى الله تعالى حق جائز ! وما نشعر من إنسان خطّاء كهذا الذي صورناه أنه يعتقد أن هذا النبي أو هذا الولي يحل ويربط، ويعطي ويمنع، ويخفض ويرفع ويتصرف في مقدرات الله (! ! ) إنما يعتقد هذا الإنسان أن لهذا الذي يتوسل به منزلة (كذا) عند الله ومكان (كذا) كريم، فيطلب من الله بكرامة هذا الإنسان عليه وتقدمه لديه أن يستجيب

стр. 36

دعاءه، وما في ذلك من شيء من الحرام (! ) وإنما أخطأ هذا الرجل فسأل هذا الإنسان، فطلب منه طلبًا مباشرًا، وحقه أن يتوسل به إلى الله ، ويطلب من الله سبحانه مستقلًّا، فإن الله يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ويقول تعليمًا لنا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ففرق بين خطأ المخطئ وجهل الجاهل، وبين أن نكفره ونعده مشركًا فاجرًا كافرًا لا يلتقي بأمة محمد ﷺ ففرق كبير بين هذا وذاك. تلميحه بأن إنكار الاستغاثة بالميت ليس يقينًا بل ظن ! وشيء آخر، إذا كنا نجد الجهال الذين وصفنا حالهم هذه يخطؤون فعلينا (هنا بعض كلمات لم نتمكن من فهمها والظاهر أنه تكرار لما سبق من بيان الفرق بين أن تعده) كافرًا وقود جهنم، وبين أن تبين له أنه أخطأ فيما تُقدِّر وتَظُنُّ (! ) فحينئذ يمكنه أن يتنازل من خطئه إلى صوابه، أما إذا جئته وأنت مهدد له مرعد مزبد، كأنه استحق القتل، ولكنك عفوت عنه لطفًا وكرمًا (! ). فهذا يقول الشاعر فيه: ولو كان إدراك الهدى بتذلل ... رأيت الهدى أن لا أميل إلى الهدى (! ) جهله بالشرع والحديث النبوي وخلطه فيه ما ليس منه ففرعون الذي ادعى الألوهية وقال ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (الكلام غير متصل في الشريط) فيه مبالغة في المدح، فبال الرجل حتى إذا انتهى من بوله قال النبي صلى الله عليه

стр. 37

وسلم ائتوني بذنوب من ماء، يعني بدلو من ماء، فجاؤوا بدلو من ماء فسفح الدلو، وطهر محل البول وانتهى الأمر، فارتد الرجل إلى النبي ﷺ يقول: اللهم ارحمني وارحم محمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال له النبي ﷺ حجرت واسعًا، يا أخا العرب عَمِّم عَمِّم (! ) فقال ما معناه «لولاك لقتلوني» (! ). والنبي ﷺ أرشد هذا الإنسان الذي تبول في أقدس بقعة من بيوت الله ، أرشده هوينًا. وجاء عن كعب بن عجرة (كذا) أحد الصحابة أنه دخل المسجد فسلم والناس في الصلاة فقال وهم في الصلاة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته (! ) فجعل أصحاب النبي ﷺ يصمتونه، هكذا يعني يصفقون له (! ) هكذا يعني لا يتكلم، فخشي على نفسه ماذا فعل (! ) كأنه وقع في تهلكةٍ، ثم دخل في الصلاة (! ) فلما انتهى من صلاته دعاه النبي ﷺ فيقول كعب بن عجرة: فبأبي وأمي، يعني أفديه بأبي وأمي ﵊ فوالله ما نهرني ولا كهرني ولا زجرني، - يعني ما اشتد علي، ولكن قال: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. يعني أرشده بلطف ولين وتعريف وعرفه بأمره. وجاء في الحديث أن خلاد بن رافع أحد أصحاب النبي ﷺ -وقد دخل الإسلام- فدخل المسجد فصلى، وكان الرسول ﵊ يشهد صلاته، فصلى، فصلى، فما أحسن الصلاة بالمرة، فجاء إلى النبي ﵊، فقال الرسول ﵊: صل فإنك لم تصل. يعني أعد الصلاة، فذهب وصلى، فكانت صلاته في المرة الثانية كصلاته في المرة الأولى ناقصة غير تامة، فلما رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 38

قال له: صل فإنك لم تصل، ثم رجع فصلى ثالثة، فكانت صلاته الثالثة كصلاته الأولى والثانية، فرجع إلى النبي ﷺ فقال له: صل فإنك لم تصل، فقال: يا رسول الله! ما أعرف إلا هذا. فعلمه النبي ﷺ كيف يرفع، وكيف يسجد، وكيف يقوم وكيف يقعد. وكيف يقرأ؟ فأصبحت صلاته كصلاة النبي ﷺ (! ) فما دَحَّ له ولا زجره. وكان في هذا تعليم لنا في أمر يخطئ الناس فيه. عود منه إلى أن الشرك فقط شرك الربوبية، وتصريحه بأن التوسل بالميت صحيح جائز ! فإذا أخطأ إنسان وأمسك بشباك ولي أو نبي ﵊ فنقول له: هذا الشباك، هذا الحجر لا يضر ولا ينفع، ولا يقدم ولا يؤخر، وهذا عبد من عباد الله أكرمه الله بالنبوة، وجعل له منزلة عنده. فأنت تعتقد أنه هو الذي يعطيك ويمنعك؟ ! فكل من تسأله في هذه الحال يقول لك: لا (! ) ولكن أعتقد فيه كرامة ليست موجودة فيّ - أنا صاحب ذنوب وآثام، ومعاصٍ وجرائم، وأعمال يسود منها الوجه والجبين، فأعرف من حالي ما لا أعرفه من الناس، فكيف بهذا الإنسان النبي أو الصالح؟ فلذلك أتوسل به إلى الله ، فلذلك نقول له: لا تطلب من هذا الولي أو النبي، أما توسلك به فصحيح (! ) ولا تجعل الطلب منه، ولكن الطلب من رب الأرباب الذي لا يمنع سائله ولا يمنع مستجديه، فهو (هنا كلمات غير مفهومة) في شراسة وشدة وجفاء، ثم أن يكون مخطئًا في أصل طريقته، ثم يلزمه الناس بها.

стр. 39

تكرار طعنه بالسلفيين واتهامه إياهم بالعمالة وأن الواحد منهم يصرف له المال ليقول للأعوج مستوٍ ! فهذا ما لا يقبله عقل عاقل، أنا أعلم وأرضى أن يكون الإنسان مخطئًا ويدعو الناس إلى خطئه! إذا كان خطؤه نابعًا من قلبه ولبه، وفكره وعقله، فهو إذا رأى أن هذا الخطأ مستقيمًا (! ) بعقله المجرد، ودعا الناس إلى ذلك أن يقولوا كقوله فهو معذور لأنه يرى هذا الخط مستقيمًا في نظره، ولكنه أعوج في نظر الناس، أما أن يدعى إلى خط أعوج ويشترى ويباع ويؤتى المال، ويصرف له حتى يقول للأعوج مستوٍ. فهذا ما لا يتابع عليه (! ) ولا يقلد في وقت من الأوقات (! ) ولا يمش في طريقه إطلاقًا، فالخطأ من حيث هو خطأ يقع من كبير الأئمة. وصغير الناس أما أن يكون الإنسان داعيًا إلى الخطأ بسبب مادي، اشتري به (! ) فهذا هو الخطأ المجسم المكعب الذي لا يغتفر. فلذلك يا معشر الناس كما قال النبي ﷺ : دين الله بين الغالي والمقصر (! ) فنسأل الله أن يهدينا سبيل الحق بالحق، وأن يجعلنا على هدى محمد ﷺ قولًا وفعلًا، وسلوكًا وعملًا وأن يجعلنا من الذين يقولون الحق ويتبعون أحسنه، ويجعلنا من الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله، ويدعون إلى الله على بصيرة وهدى، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم. انتهت خطبة أبي غدة بحروفها كما جاءت في الشريط المسجل المحفوظ لدي ونقلها بالقلم إلى مسودته، ثم بيضها بقلمه أيضًا بكل دقة وتجرد محمد ناصر الدين الألباني. دمشق ٢٤ رمضان المبارك سنة ١٣٩٤

стр. 40

ولعل في خطبة أبي غدة هذه الدليل القاطع على أن الرجل يتظاهر بما ليس فيه فهو فيها مثلًا يجوز التوسل الذي أنكره صاحب الإمامة الملموسة عنده تبعًا للأئمة الثلاثة كما سبق، فلما سألته عنه في جملة الأسئلة السبعة لم يجب بأنه موافق - لأنه يعلم أنه لو فعل قال فيه أهل بلده: صبأ وتوهب! وإن صرح بالجواز في بلد وظيفته كما صرح به في خطبته في بلده تبين لكل ذي عينين أنه ... وربما صرف عن وظيفته! ثالثًا- إصراره على الاتهام: لا يزال أبو غدة مصرًّا على اتهامه للسلفيين بما نسبته إليه سابقًا في المقدمة (ص ٤٤) من قوله في بعض خطبه في حلب: «إن هؤلاء الوهابيين تتقزز نفوسهم أو تشمئز حينما يذكر اسم محمد ﷺ . ومن الواضح عنده أن الوهابيين عنده -وهو يخطب في حلب- إنما يعني بهم السلفيين في حلب وغيرها من البلاد السعودية الذين أقضوا مضجعه بدعوتهم الناس إلى الكتاب والسنة، ومحاربة الشرك والبدعة، فقام أبو غدة يشهر بهم ويشنع عليهم بمثل هذا البهت والافتراء الذي لو صح في أحد لا سمح الله لكان ردة عن الدين والعياذ بالله، ومع ذلك فقد أصر أبو غدة عامله الله بما يستحق على هذا الاتهام الباطل، وذلك بشيء من المكر والدوران وكثير من الخبث وسوء القصد، فقد نقل في كلماته (ص ٧) ما سبق نسبته إليه من المصدر الذي كنت نقلته عنه بزيادة سطرين كنت أعرضت عنهما اختصارًا، ثم نقلهما مع السطر المذكور للرد عليه أبو غدة نفسه فكان في ذلك كالباحث عن حتفه بظلفه» وهما:
следующие страницы →