← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 133365

كشف النقاب عما في «كلمات» أبي غدة من الأباطيل والافتراءات

ناصر الدين الألباني

Полный текст (109 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

دعاءه، وما في ذلك من شيء من الحرام (! ) وإنما أخطأ هذا الرجل فسأل هذا الإنسان، فطلب منه طلبًا مباشرًا، وحقه أن يتوسل به إلى الله ، ويطلب من الله سبحانه مستقلًّا، فإن الله يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ويقول تعليمًا لنا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ففرق بين خطأ المخطئ وجهل الجاهل، وبين أن نكفره ونعده مشركًا فاجرًا كافرًا لا يلتقي بأمة محمد ﷺ ففرق كبير بين هذا وذاك. تلميحه بأن إنكار الاستغاثة بالميت ليس يقينًا بل ظن ! وشيء آخر، إذا كنا نجد الجهال الذين وصفنا حالهم هذه يخطؤون فعلينا (هنا بعض كلمات لم نتمكن من فهمها والظاهر أنه تكرار لما سبق من بيان الفرق بين أن تعده) كافرًا وقود جهنم، وبين أن تبين له أنه أخطأ فيما تُقدِّر وتَظُنُّ (! ) فحينئذ يمكنه أن يتنازل من خطئه إلى صوابه، أما إذا جئته وأنت مهدد له مرعد مزبد، كأنه استحق القتل، ولكنك عفوت عنه لطفًا وكرمًا (! ). فهذا يقول الشاعر فيه: ولو كان إدراك الهدى بتذلل ... رأيت الهدى أن لا أميل إلى الهدى (! ) جهله بالشرع والحديث النبوي وخلطه فيه ما ليس منه ففرعون الذي ادعى الألوهية وقال ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (الكلام غير متصل في الشريط) فيه مبالغة في المدح، فبال الرجل حتى إذا انتهى من بوله قال النبي صلى الله عليه

стр. 37

وسلم ائتوني بذنوب من ماء، يعني بدلو من ماء، فجاؤوا بدلو من ماء فسفح الدلو، وطهر محل البول وانتهى الأمر، فارتد الرجل إلى النبي ﷺ يقول: اللهم ارحمني وارحم محمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال له النبي ﷺ حجرت واسعًا، يا أخا العرب عَمِّم عَمِّم (! ) فقال ما معناه «لولاك لقتلوني» (! ). والنبي ﷺ أرشد هذا الإنسان الذي تبول في أقدس بقعة من بيوت الله ، أرشده هوينًا. وجاء عن كعب بن عجرة (كذا) أحد الصحابة أنه دخل المسجد فسلم والناس في الصلاة فقال وهم في الصلاة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته (! ) فجعل أصحاب النبي ﷺ يصمتونه، هكذا يعني يصفقون له (! ) هكذا يعني لا يتكلم، فخشي على نفسه ماذا فعل (! ) كأنه وقع في تهلكةٍ، ثم دخل في الصلاة (! ) فلما انتهى من صلاته دعاه النبي ﷺ فيقول كعب بن عجرة: فبأبي وأمي، يعني أفديه بأبي وأمي ﵊ فوالله ما نهرني ولا كهرني ولا زجرني، - يعني ما اشتد علي، ولكن قال: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. يعني أرشده بلطف ولين وتعريف وعرفه بأمره. وجاء في الحديث أن خلاد بن رافع أحد أصحاب النبي ﷺ -وقد دخل الإسلام- فدخل المسجد فصلى، وكان الرسول ﵊ يشهد صلاته، فصلى، فصلى، فما أحسن الصلاة بالمرة، فجاء إلى النبي ﵊، فقال الرسول ﵊: صل فإنك لم تصل. يعني أعد الصلاة، فذهب وصلى، فكانت صلاته في المرة الثانية كصلاته في المرة الأولى ناقصة غير تامة، فلما رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 38

قال له: صل فإنك لم تصل، ثم رجع فصلى ثالثة، فكانت صلاته الثالثة كصلاته الأولى والثانية، فرجع إلى النبي ﷺ فقال له: صل فإنك لم تصل، فقال: يا رسول الله! ما أعرف إلا هذا. فعلمه النبي ﷺ كيف يرفع، وكيف يسجد، وكيف يقوم وكيف يقعد. وكيف يقرأ؟ فأصبحت صلاته كصلاة النبي ﷺ (! ) فما دَحَّ له ولا زجره. وكان في هذا تعليم لنا في أمر يخطئ الناس فيه. عود منه إلى أن الشرك فقط شرك الربوبية، وتصريحه بأن التوسل بالميت صحيح جائز ! فإذا أخطأ إنسان وأمسك بشباك ولي أو نبي ﵊ فنقول له: هذا الشباك، هذا الحجر لا يضر ولا ينفع، ولا يقدم ولا يؤخر، وهذا عبد من عباد الله أكرمه الله بالنبوة، وجعل له منزلة عنده. فأنت تعتقد أنه هو الذي يعطيك ويمنعك؟ ! فكل من تسأله في هذه الحال يقول لك: لا (! ) ولكن أعتقد فيه كرامة ليست موجودة فيّ - أنا صاحب ذنوب وآثام، ومعاصٍ وجرائم، وأعمال يسود منها الوجه والجبين، فأعرف من حالي ما لا أعرفه من الناس، فكيف بهذا الإنسان النبي أو الصالح؟ فلذلك أتوسل به إلى الله ، فلذلك نقول له: لا تطلب من هذا الولي أو النبي، أما توسلك به فصحيح (! ) ولا تجعل الطلب منه، ولكن الطلب من رب الأرباب الذي لا يمنع سائله ولا يمنع مستجديه، فهو (هنا كلمات غير مفهومة) في شراسة وشدة وجفاء، ثم أن يكون مخطئًا في أصل طريقته، ثم يلزمه الناس بها.

стр. 39

تكرار طعنه بالسلفيين واتهامه إياهم بالعمالة وأن الواحد منهم يصرف له المال ليقول للأعوج مستوٍ ! فهذا ما لا يقبله عقل عاقل، أنا أعلم وأرضى أن يكون الإنسان مخطئًا ويدعو الناس إلى خطئه! إذا كان خطؤه نابعًا من قلبه ولبه، وفكره وعقله، فهو إذا رأى أن هذا الخطأ مستقيمًا (! ) بعقله المجرد، ودعا الناس إلى ذلك أن يقولوا كقوله فهو معذور لأنه يرى هذا الخط مستقيمًا في نظره، ولكنه أعوج في نظر الناس، أما أن يدعى إلى خط أعوج ويشترى ويباع ويؤتى المال، ويصرف له حتى يقول للأعوج مستوٍ. فهذا ما لا يتابع عليه (! ) ولا يقلد في وقت من الأوقات (! ) ولا يمش في طريقه إطلاقًا، فالخطأ من حيث هو خطأ يقع من كبير الأئمة. وصغير الناس أما أن يكون الإنسان داعيًا إلى الخطأ بسبب مادي، اشتري به (! ) فهذا هو الخطأ المجسم المكعب الذي لا يغتفر. فلذلك يا معشر الناس كما قال النبي ﷺ : دين الله بين الغالي والمقصر (! ) فنسأل الله أن يهدينا سبيل الحق بالحق، وأن يجعلنا على هدى محمد ﷺ قولًا وفعلًا، وسلوكًا وعملًا وأن يجعلنا من الذين يقولون الحق ويتبعون أحسنه، ويجعلنا من الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله، ويدعون إلى الله على بصيرة وهدى، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم. انتهت خطبة أبي غدة بحروفها كما جاءت في الشريط المسجل المحفوظ لدي ونقلها بالقلم إلى مسودته، ثم بيضها بقلمه أيضًا بكل دقة وتجرد محمد ناصر الدين الألباني. دمشق ٢٤ رمضان المبارك سنة ١٣٩٤

стр. 40

ولعل في خطبة أبي غدة هذه الدليل القاطع على أن الرجل يتظاهر بما ليس فيه فهو فيها مثلًا يجوز التوسل الذي أنكره صاحب الإمامة الملموسة عنده تبعًا للأئمة الثلاثة كما سبق، فلما سألته عنه في جملة الأسئلة السبعة لم يجب بأنه موافق - لأنه يعلم أنه لو فعل قال فيه أهل بلده: صبأ وتوهب! وإن صرح بالجواز في بلد وظيفته كما صرح به في خطبته في بلده تبين لكل ذي عينين أنه ... وربما صرف عن وظيفته! ثالثًا- إصراره على الاتهام: لا يزال أبو غدة مصرًّا على اتهامه للسلفيين بما نسبته إليه سابقًا في المقدمة (ص ٤٤) من قوله في بعض خطبه في حلب: «إن هؤلاء الوهابيين تتقزز نفوسهم أو تشمئز حينما يذكر اسم محمد ﷺ . ومن الواضح عنده أن الوهابيين عنده -وهو يخطب في حلب- إنما يعني بهم السلفيين في حلب وغيرها من البلاد السعودية الذين أقضوا مضجعه بدعوتهم الناس إلى الكتاب والسنة، ومحاربة الشرك والبدعة، فقام أبو غدة يشهر بهم ويشنع عليهم بمثل هذا البهت والافتراء الذي لو صح في أحد لا سمح الله لكان ردة عن الدين والعياذ بالله، ومع ذلك فقد أصر أبو غدة عامله الله بما يستحق على هذا الاتهام الباطل، وذلك بشيء من المكر والدوران وكثير من الخبث وسوء القصد، فقد نقل في كلماته (ص ٧) ما سبق نسبته إليه من المصدر الذي كنت نقلته عنه بزيادة سطرين كنت أعرضت عنهما اختصارًا، ثم نقلهما مع السطر المذكور للرد عليه أبو غدة نفسه فكان في ذلك كالباحث عن حتفه بظلفه» وهما:

стр. 41

«فقد خطب (أبو غدة) مرة في أحد مساجد حلب، فتطرق إلى الكلام على السلفيين فأسماهم (الوهابيين) تقليدًا للعامة والرَّعاع. وكان مما قاله: إن هؤلاء الوهابيين تتقزز نفوسهم ... (إلخ ما ذكرته) مما لا يجسر على القول به أكذب الناس ... » قال أبو غدة انتهى كلامهم (١). نقل هذا أبو غدة نفسه ليرد عليه فقال عقبه مباشرة: «سقوط البهتان: وأقول الذي تتقزز نفسه بذكر محمد ﷺ خارج عن الملة بيقين، ومن قال هذا في هذه الأيام عن أهل هذه الديار المقدسة التي يدخلها كل عام مئات الألوف من حجاج العالم الإسلامي، فقد حكم على نفسه بالجنون المطبق والتكذيب من كل من سمعه ... ولم يبق إمكان عند أحد من الناس أن يصدق مثل هذه الأكاذيب ... فسبحان الله إن هؤلاء (يعني السلفيين) يكذبون كذبًا مجنونًا ويظنون أن الناس لا عقول لهم، ولا عيون لديهم، ولا موازين عندهم، وأنهم يصدقونه بكل ما يهرفون ويبهتون! ومن المعلوم أن الصلاة على النبي ﷺ ركن من أركان الصلاة عند السادة الحنابلة ... ». إدانة أبي غدة بتكفيره السلفيين إن رد أبي غدة هذا على تلك الفقرة المنسوبة إليه يتضمن أمورًا هامة: الأول: اعترافه بصدورها منه، ونأخذ ذلك، أولًا:

стр. 42

من عدم مبادرته إلى تكذيب ذلك وإبطال نسبته إليه كما هي عادته في مثله، ويجد القارئ في «كلماته» أمثلة عديدة لذلك. وثانيًا من قوله: «ومن قال هذا في هذه الأيام عن أهل هذه الديار المقدسة ... » فإن مفهوم قوله «في هذه الأيام» ومفاهيم المشايخ معتبرة كما تقول الحنفية - أن من قال ذلك قبل هذه الأيام فليس من أولئك الذين حكم عليهم أبو غدة بالجنون المطبق فكأن أبو غدة يريد أن يقول: إنني قد قلت ذلك فعلًا قبل أن أطّلع على الحقيقة بمخالطتي للنجديين في بلادهم وأما بعد ذلك فقد تبين لي بطلان التقزز المنسوب إليهم، فإذا كان هذا الذي يريده فهلا كان عنده شيء من الشجاعة الأدبية بذلك ويصرح بأنه كان مخدوعًا بالدعايات المغرضة التي كان يذيعها في البلاد شرقًا وغربًا كثير من مشايخه المبتدعة كالكوثري وأمثاله ومن قبله زيني دحلان وأضرابه، حتى امتلأت البلاد الإسلامية وخصوصًا منها سورية بهذه التهمة الباطلة. أليس من الواجب عليه وعلى أمثاله ممن عرفوا الحقيقة بعد، أن يعلنوا بها على الناس جميعًا لا تأخذهم في الله لومة لائم؟ الثاني: أنه يصرح بأن نسبة ذلك التقزز إلى أهل هذه الديار المقدسة كذب وجنون على حد قوله، فنسأله من هم أهل البلاد المقدسة التي يعنيها؟ فإن كان يعني أهل البلاد النجدية التي عاصمتها الرياض فمن أين له في الشرع أنها بلاد مقدسة؟ لا سيما والعهد بأمثاله أنهم يطعنون بها وبأهلها، بدليل أن جمهورهم لا يزالون يفسرون أن قوله ﷺ حينما قال: اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا. قالوا: وفي نجدنا يا رسول الله؟

стр. 43

قال: هناك الزلازل والفتن وهناك يخرج قرن الشيطان، فيفسرون قولهم: «وفي نجدنا» على نجد المعروفة اليوم، ويتأولون قوله ﷺ هناك الزلازل ... بأنه إشارة إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته وأتباعه! مع أنه جاء في رواية أنهم قالوا: «وفي عراقنا» فهي مفسرة للرواية الأولى، وعلى ذلك جرى شراح الحديث كالخطابي والعسقلاني وغيرهما، ومع ذلك لا يزال كثير من المشايخ في بلادنا وغيرها يكابرون ويحملون الحديث على خلاف ما أفادته الرواية الأخرى، كل ذلك طعنًا في النجديين ودعوتهم الخالصة في التوحيد ومحاربة الشركيات والوثنيات! بل طعنًا في كل من دعا بهذه الدعوة المباركة ولو كان من غير تلك «البلاد المقدسة»! كالسلفيين في سوريا مثلًا! ! وإن كان يعني بقوله «أهل البلاد المقدسة» أهل مكة والمدينة الذين هم عامة سكانها ولم يستجيبوا لدعوة محمد بن عبد الوهاب، وظلوا على اعتقادهم في الشركيات والوثنيات والقبوريات فيكون الشيخ أبو غدة قد دلس على القراء خاصة والنجديين عامة تدليسًا خبيثًا آخر، ذلك لأن أهل مكة والمدينة بلادهم مقدسة فعلًا ولا يتبادر إلى أذهان أحد من القراء مطلقًا غير ذلك ويؤيده قوله في وصفها «التي يدخلها كل عام مئات الألوف من حجاج العالم الإسلامي» وحينئذ فليسوا هم الذين كان عناهم بقوله حينما كان في ضلاله القديم: «إن هؤلاء الوهابيين تتقزز نفوسهم أو تشمئز حينما يسمعون بذكر (النبي ﷺ لأنه لا يوجد أحد يتهم سكان هذه البلاد المقدسة فعلًا بالوهابية حتى ينزههم أبو غدة من هذه التهمة، وإنما الذين يتهمون بها هم النجديون الحكام فيها، فلم عدل أبو غدة عن التصريح بتنزيه هؤلاء النجديين

стр. 44

من هذه التهمة التي كان ألصقهم بها وهو في حلب قبل أن يصير هو من سكان تلك «البلاد المقدسة»؟ ! والجواب أن مثل هذا التصريح لو أباح به لزمه أمران اثنان أحدهما لا بد منه: ١ - إدانته بالكذب والافتراء على الأبرياء والله يقول: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ فكيف إذا كان يرمي به جماعة بل شعبًا برمته، ولما سكن أرضهم صار يزكيهم ويتزلف إليهم بالثناء عليهم بـ «كلماته» (ص ١٣ و ١٤)! ٢ - طرده من وظيفته التي هو في سبيل الاحتفاظ بها يظهر للناس أنه سلفي يدين بالتوحيد الذي دعا إليه ابن تيمية وابن عبد الوهاب! ! الثالث: * وهب أن أبا غدة عنى بقوله السابق تبرئة النجديين أنفسهم من تهمته إياهم سابقًا، وأنه لم يعن بالديار المقدسة بلادهم النجدية، وإنما عنى الحرمين الشريفين فعلًا وإنما نسبها إليهم على أساس أنهم الحكام عليها فهي حينئذ حيدة ومكر منه خبيث. لأن التهمة المعزوة إليه ليست في حكام هذه البلاد المقدسة مباشرة وإنما هي في جماعة التوحيد الساكنين في حلب وغيرها من البلاد السورية والذين يعرفون فيها بـ «السلفيين» فهؤلاء هم الذين ادعي على أبي غدة بأنه اتهمهم بتلك التهمة الباطلة، فإذا رأيناه، فر من تبرئتهم إياهم منها، إلى تبرئة من لم يدع عليه اتهامهم بها، وإن كان هو وغيره من المبتدعة يشملونهم في اتهامهم بتلك التهم مع السلفيين وغيرهم من أهل التوحيد، فهذا معناه شيئان اثنان:

стр. 45

أولًا: أنه يبرئ النجديين من تلك التهمة، وإن كان الكلام ليس له علاقة بهم، ليرضوا عنه ولا يظنوا به ظن السوء، وأما أن يظل غير هؤلاء من السلفيين وغيرهم من أهل التوحيد ممن يبهتهم أبو غدة بما سبق، يسيئون الظن به فذلك مما لا يهمه الآن، لأن المقياس عنده ليس هو رضى الله والبعد عن سخطه، وإنما المحافظة على الوظيفة التي تدر عليه الأموال والمكاسب المادية، وإلا فقل لي بربك لماذا عدل عن الإجابة عما اتهم به أبو غدة من اتهامه للسلفيين السوريين، فلم يحدد موقفه تجاه اتهامه إياهم بما سبق لا سلبًا ولا إيجابًا فهو لم يقل مثلًا: نعم هم كما قلنا سابقًا «تتقزز نفوسهم أو تشمئز حين يسمعون بذكر النبي ﷺ ». أو يقول كما كنا نأمل أن يقول: «سبحانك هذا بهتان عظيم» وأنا لم أقل شيئًا من ذلك الذي نسبه إلي المعلق على كتاب "التصوف"، أما أن يراوغ، فيحيد عن أن يقول شيئًا في السلفيين وهم الذين اتهمهم بتلك الفرية مباشرة، ويدير الكلام على النجديين الذين ليس لهم ذكر مطلقًا في التهمة التي عزيت إليه ونقلها هو في «كلماته» وإنما هي على السلفيين في حلب خاصة، فما أجدره بالمثل الذي يقول: «أروغانًا يا ثعال وقد علقت بالحبال». والخلاصة ففي الوقت الذي يريد أبو غدة أن يثبت أن ما نسب إليه من الاتهام إنما هو افتراء عليه إذا به يدين نفسه بنفسه، ويحقق هو التهمة بشخصه، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ وتحقيقًا للمثل القائل: «فَرَّ من الموت وفي الموت وقع» و «على نفسها جنت براقش» وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: «من قال في مؤمن ما ليس فيه، أسكنه الله ردغة

стр. 46

الخبال، حتى يخرج مما قال، وليس بخارج» وهو حديث صحيح مخرج في «الصحيحة» (٤٣٨) و «إرواء الغليل» (٢٣٧٦) وردغة الخبال هي كما في حديث آخر عرق أهل النار أو عصارة أهل النار. والعياذ بالله منها ومن أسبابها والآخذين بها! وإذا كان أبو غدة قد صرح بقوله المتقدم نقله عنه: «الذي تتقزز نفسه بذكر محمد ﷺ خارج عن الملة بيقين» وهذا في نفسه حق لا ريب فيه، وكان لا يزال يتهم السلفيين بالتقزز المذكور على ما سلف بيانه وإدانته به، فينتج من هاتين المقدمتين أن السلفيين عنده كفار خارجون عن ملة الإسلام يقينًا. وقد يصر بعض القراء على تبرئة أبي غدة من اتهامه للسلفيين بالتقزز المذكور على الرغم من عدم إنكار أبي غدة ذلك لو وجد سبيلًا إليه - لفحش التهمة وفظاعتها وسوء ما نتج منها من التكفير ولكن ماذا يقول القراء في تهمته الأخرى إياهم وهي: «إنهم يصغروا (كذا) شأن النبي ﷺ » هذه التهمة المسجلة في شريط محفوظ عندي كما تقدم ونحن مستعدون أن نسمع من شك في ذلك صوت أبي غدة بذلك بالحرف الواحد مع لحنه المشار إليه (! ) وهي لا تقل عن سابقتها في الفحش والفظاعة. ومثل هذه الاتهامات التي يلقيها أبو غدة بين الناس جزافًا «شنشنة نعرفها من أخزم» مما لم يتفرد هو به -مع الأسف الشديد- بل ذلك سنة معروفة لأعداء السنة والحديث جميعًا بدون أي خوف أو شعور بالمسئولية وفي كل زمان ومكان، أن يتهموهم بما هم براء منه، وإذا كان القراء الكرام يعلمون أن سيد البشرية عليه الصلاة والسلام

стр. 47

قد رماه أعداؤه بأنه شاعر، ساحر مجنون، أفليس من باب أولى أن يرمي أعداءُ السنة أهلَ السنة بما هم منه براء. ولئن كان يصعب عليهم أن يصدقوا بهذه التهم الكاذبة الصادرة من أبي غدة بحجة أنه غير مسطور في شيء من كتبه، فليعلموا أن الحجة تقوم بغير الكتب أيضًا حتى عند أبي غدة نفسه فقد قال في «كلماته» (ص ٢١): «على أني أتحدى أي إنسان أن يثبت أني قلت شيئًا من هذا الذي ادعوه زورًا وبهتانًا -في كتبي ودروسي- أو فيما صنفت أو ألفت». والتهمة الأولى -تهمة التقزز- يكفي في إثبات صدورها من أبي غدة إقراره إياها وعدم مبادرته إلى إنكارها كما سبق، ولو فرضنا أنه تدارك الأمر بعدما ألزمناه به من تكفيره للسلفيين، وعلى حد المثل السائر «في الصيف ضيعت اللبن» عند ذلك تبرز أسماء شهود عيان عدول يشهدون عليه بذلك، ولذلك فخير له أن يعترف بأن تصريحه بذلك كان زلة أغواه الشيطان بها، فهو يتوب منها، ولعله فاعل فإن لم يفعل فهو الكبر نفسه الذي قال فيه رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة من كان في قلبة مثال ذرة من كبر» ثم فسره بقوله: «الكبر بطر الحق (أي رده بعد ظهوره) وغمط الناس» أي الطعن فيهم بغير حق تمامًا كما فعل أبو غدة هداه الله. والتهمة الأخرى صوته بها مسجل عندنا كما ذكرنا ففي ذلك أكبر إثبات لها وإدانة له بها. ثم ما لنا نذهب بعيدًا، فهذا دكتور من الدكاترة والمدرسين في كلية من كليات الشريعة يقول في كتاب له مطبوع

стр. 48

ما نصه بالحرف الواحد: «ضل قوم (يعني السلفيين) لم تشعر أفئدتهم بمحبة رسول الله ﷺ وراحوا يستنكرون التوسل بذاته ﷺ بعد وفاته» (١). فهذه كالتهمتين السابقتين فظاعة لأن معناها أيضًا أنهم كفار عنده ولا يشعر هذا الجاهل الغبي أنه قد سبقنا إلى استنكار التوسل المذكور كبار الذين يوجب هو وأمثاله من المتعصبة المقلدة على الناس أن يقلدوهم، وفي مقدمتهم الإمام أبو حنيفة ﵀، أفتراه هو وغيره ضالًّا أيها الغبي أم أنت لا تدري ما يخرج من فيك؟ ! وبعد فهل من الصدق قول أبي غدة (ص ١٩): «فليس تكفير الناس فضلًا عن العلماء من شيمتي ولا خلقي والحمد لله. فقد حفظني الله تعالى بما أكرمني به من عقل (! ) وما أدبني به من أدب الإسلام أن أقع في هذه المكفرات والموبقات. فإنه من كفر مؤمنًا فقد كفر»؟ وأقول: صدق رسول الله ﷺ : من كفر مسلمًا فقد كفر. وإذا كان أبو غدة يقول: إن السلفيين تتقزز نفوسهم حينما يسمعون ذكر النبي ﷺ ثم يقول: إن الذي تتقزز نفسه بذكر محمد ﷺ خارج عن الملة بيقين». وبعد هذا مباشرة يبرئ من هذا التقزز المخرج عن الملة (أهل الديار المقدسة التي

стр. 49

يدخلها كل عام مئات الألوف من الحجاج ... ) ولا يخص بالتبرئة السلفيين الذي صب عليهم مباشرة تهمته، أفليس معنى ذلك أن السلفيين عنده خارجون عن الملة بيقين، فأين تلك الشيمة والخلق الذي تبجح به؟ ! وههنا أذكره بقوله ﷺ : «أيما رجل مسلم أكفر رجلًا مسلمًا فإن كان كافرًا وإلا كان هو الكافر» لعله يخجل أن يدعي ما ليس فيه وعسى أن يرتدع ويرعوي عن تكفير المسلمين الموحدين، ويتوب إلى الله مما بدر منه توبة نصوحًا، لا مواربة فيها ولا مكابرة. رابعًا- من أكاذيبه التي لا تتناهى: ذكر أبو غدة (ص ١٠ - ١١) ما كنا وصفناه بحق في «المقدمة» من أوصاف تلبس بها في تقريره الجائر، متظاهرًا بأنه بريء من ذلك كله دون أن يحاول أن يقيم على ذلك ولو شبه دليل الأمر الذي يجعل كل منصف متجرد عن الهوى والغرض، يدينه بذلك كله حينما يرانا قد أقمنا الدليل على كل ما وصفناه به في المقدمة، ويرى أبا غدة يتنصل من ذلك في «كلماته» بمجرد أن يقول: «هذا افتراء صريح». إن أكبر مجرم على وجه الأرض لا يعجز أن يبرئ نفسه بمثل هذا القول الرخيص «افتراء صريح» وأما الرجل البريء الشريف حقًّا فهو الذي يقرع الحجة بالحجة والدليل بالدليل وهذا ما لم يفعله أبو غدة ولن يفعله، لأنه يعلم أنه لو فعل فيكون كالباحث عن حتفه بظلفه. ولا تتسع هذه العجالة لإعادة ما ذكرنا من الأدلة في «المقدمة» على ما وصفناه به لا سيما وفي «كلماته» من

стр. 50

الأمثلة الجديدة التي تشهد لبعض ما وصفناه به هناك من الخصال ما يغنيني عن الإعادة هنا، فلنذكر بعض هذه الأمثلة ليعلم القارئ أن أبا غدة فوق ذلك بكثير! أمثلة جديدة على ذلك أولًا: قال (ص ١٠) وقد ذكر المقدمة لشرح «العقيدة الطحاوية»: «وقد شحن بما يتجافى مع سمو العقيدة السامية، من إقذاع وقذف وطعن وتكفير». فأقول: فقوله «وتكفير» فهو من أكاذيبه التي تدل على خبيئة نفسه، ليثبت بذلك للقراء الخرافة الباطلة التي يشيعها هو وأمثاله من الخرافيين أن السلفيين يكفرون المسلمين. فنحن نتحداه ليثبت المكان الذي رميته فيه بالتكفير المزعوم من «المقدمة» وهي في صفحات معدودة فإن لم يفعل ولن يفعل فقد تبين للناس أنه أفاك كذاب، وإن أصر باهلناه إن شاء ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾. وأما الطعن فلا بأس علينا منه، لأنه بحق وهو مشروع كما أثبته في المقدمة (ص ٤٣) وأما القذف، فإن أراد به السب، فهو كالطعن وقد عرفت جوابه، وإنما هو يستكثر من الألفاظ للتهويش، وإن أراد به القذف بالزنا فهو زور كسابقه ومثله قوله: «إقذاع». في القاموس: «قذعه كمنعه رماه بالفحش وسوء القول كأقذعه»! ثانيًا: قال (ص ١٠ - ١١): «ووصفني المرات تلو المرات بأني حنفي مسوقة مساق التعيير والمسبة، إذ يرون الانتساب إلى الإمام أبي حنيفة أو غيره من الأئمة المتبوعين الأجلة سبة ونقصًا».

стр. 51

فأقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، وزور جسيم، من مثل هذا الأفاك الأثيم، فإنه يعلم أننا على النقيض من ذلك مما هو مطبوع في كثير من مؤلفاتي وبخاصة مقدمتي لكتابي «صفة صلاة النبي ﷺ من التكبير إلى التسليم كأنك تراها» وهي في تسع وخمسين صفحة. طبعت منذ سنين عدة مرات وأبو غدة على علم بها قطعًا، ولكن صدق رسول الله ﷺ : «إذا لم تستح فاصنع ما شئت» ولا بأس من أن أقتطف منها ما يناسب المقام، فقد قلت فيها (ص ٢٦) بعد الاعتذار لأبي حنيفة رحمه الله تعالى عما وقع له من المخالفة لبعض الأحاديث الصحيحة، مع أمره أتباعه بالعمل بما صح منها عندهم في نصوص كثيرة ثابتة عنه: «قلت: فإذا كان هذا عذر أبي حنيفة فيما وقع منه من المخالفة للأحاديث الصحيحة دون قصد -وهو عذر مقبول مطلقًا لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها- فلا يجوز الطعن فيه بسببها كما قد يفعل بعض الجهال، بل يجب التأدب معه لأنه إمام من أئمة المسلمين الذين بهم حفظ هذا الدين ووصل إلينا، ما وصل من فروعه، وأنه مأجور على كل حال أصاب أم أخطأ، كما أنه لا يجوز لمعظميه أن يظلوا متمسكين بأقواله المخالفة للأحاديث لأنها ليست من مذهبه كما رأيت نصوصه في ذلك، فهؤلاء في واد وأولئك في واد، والحق بين هؤلاء وهؤلاء ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ، وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. هذا طرف مما ذكرته هناك من الثناء على الأئمة المتبوعين والذب عن بعضهم وما يجب أن يكون عليه

стр. 52

أتباعهم، وفيه التصريح بإقرار الانتساب بشرط إيثار الحديث على التقليد وأستطيع أن ألخص ذلك هنا بما يلي: إن الانتساب إلى أحد من الأئمة كوسيلة للتعرف على ما قد يفوت طالب العلم من الفقه بالكتاب والسنة، أمر لا بد منه شرعًا وقدرًا، فإن ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب، وعلى هذا جرى السلف والخلف جميعًا، يتلقى بعضهم العلم عن بعض، ولكن الخلف -إلا قليلًا منهم- خالف السلف حين جعل الوسيلة غاية، فأوجب على كل مسلم مهما سما في العلم والفقه عن الله ورسوله من بعد الأئمة الأربعة أن يقلد واحدًا منهم، لا يميل عنه إلى غيره كما قال أحدهم: وواجب تقليد حبر منهمُ. ونتج من ذلك أن يتعصب كل منهم لمذهبه، دون أن يتذكروا أن اتباع المذهب وسيلة، وأن الغاية اتباع الكتاب والسنة، فأصبحت الغاية عندهم نسيًا منسيًّا، وجعلوا القرآن وراءهم ظهريًّا، وتمسكوا بالمذهب وتدينوا به، وتعصبوا له على السنة الصحيحة، فكلما جئت أحدهم بحديث صحيح أعرض عنه ونأى بجانبه، ومن العجائب أن بعضهم يبرر ذلك بقوله: «نحن أسراء النصوص» يعني أقوال العلماء على ما بينها من تعارض واختلاف في المذهب الواحد فضلًا عن المذاهب الأخرى. فقلنا: ونحن كذلك ولكن بفارق كبير، نحن أسراء النصوص المعصومة من الكتاب والسنة، والمحفوظة عن الاختلاف والاضطراب ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ وأما أنتم فأسراء النصوص المختلفة والمضطربة اختلافًا كثيرًا يحار الخريت منكم في الفقه التقليدي في التوفيق بينها أو ترجيح وجه من وجوه

стр. 53

الاختلاف فيها! وهنا يتدخل الهوى والعادة وإرضاء الغوغاء والعامة فيجعلونه مرجحًا شاؤوا أم أبوا. فإذا كان أبو غدة يعني بالانتساب المذكور في كلامه مطلق الانتساب هذا الذي هو وسيلة لا غاية وهو الظاهر من إطلاقه لكلامه فقد افترى علينا والله حسيبه، وإن كان الانتساب الذي عليه الأغلبية الساحقة من المقلدة -وهذا ما لا أظن أنه يستطيع أن يبوح به- فنحن نقول بكل صراحة: إننا نراه سبة ونقصًا. ونزيد فنقول إن ذلك مما تلقيناه من الأئمة الذين نهوا عن التقليد وأوجبوا الاتباع للكتاب والسنة في نصوص عديدة استوعبتها في المقدمة المشار إليها آنفًا، ومن ذلك قول بعضهم «لا يقلد إلا عصبي أو غبي» (١). وقوله فيما تقدم: «ووصفني المرات تلو المرات بأني حنفي مسوقة مساق التعيير والمسبة». هو من ذاك القبيل في الافتراء والبهت. فإننا لا نعير أحدًا لمجرد كونه منتسبًا لأبي حنيفة أو غيره من الأئمة ﵏ جميعًا، وإنما نعير من كان متعصبًا لمذهبه مؤثرًا له على كتاب ربه، وسنة نبيه ﷺ ، وأبو غدة من هذا الجنس قطعًا شديد التعصب لمذهبه، فخور به، فإنه يحمد الله على

стр. 54

تقليده إياه كما سبق، فبتعصبه هذا عيرناه، وليس بأنه (حنفي) كما افترى علينا، وأنت إذا قرأت المقدمة لم تجد فيها هذا الذي زعم، وإنما تجد فيها وصفي إياه بأنه «من متعصبة الحنفية» (ص ١٥) ونحوه في (ص ٢٩، ٧٦) أو بـ «المتعصب*» (ص ١٩ - ٢٢، ٢٧، ٣٠، ٣١)، وتارة** بـ «المتعصب الجائر» (ص ١٩ - ٢٢ و ٢٧ - ٣٠ - ٣١ - ٣٤، ٣٥، ٣٧، ٥٦) ومرة قلت فيه: «على بالغ تعصبه»! فهذا هو الذي نأخذه عليه إنما هو التعصب وليس مجرد التحنف! وقد عرفت الفرق بينهما، وعلى هذا أهل العلم والإنصاف (١). أمثلة من تعصبه وقد يتساءل البعض فيقول: صحيح أنك لم تُعَيِّرهُ بمجرد كونه حنفيًّا، وإنما لتعصبه لمذهبه وإيثاره إياه على كتاب الله وسنة نبيه، فما الدليل عندك على ذلك؟ فأقول: قد أودعت «المقدمة» بعض ما شئت من الأدلة، وأنا لم أستجز لنفسي وصفه بذلك إلا بعدما تحققت منه، ولا بأس من الإشارة إلى شيء من ذلك.

стр. 55

١ - متابعته للتهانوي مؤلف «مقدمة إعلاء السنن» (١) على الطعن في «الصحيحين» وأئمة الحديث، ونقده إياهما نقدًا عامًّا انتصارًا لمذهبهما الحنفي الذي لا يأخذ بكثير من أحاديثهما (ص ٣٥ مقدمة شرح الطحاوية) ولم يرد عليه في «كلماته» ولا بكلمة واحدة. ٢ - طعنه في الإمام البخاري ونسبته إياه إلى الانحراف عن أبي حنيفة وتعصبه عليه وغمزه به تحت عنوان «سبب انحراف البخاري عن أبي حنيفة» (ص ٣٨٠ - الطبعة الثالثة). وكان أخونا الأستاذ زهير نقل طرفًا منه في «التوضيح» فلم يرد عليه ولا بكلمة. ٣ - طعنه في المحدثين قديمًا وحديثًا وسوء ظنه بهم، ومما يدل عليه ما نقله عن الشيخ الكشميري الحنفي في توجيه تضعيف المحدثين للإمام محمد بن الحسن الشيباني وهو أنه كان أول من جرد الفقه من الحديث وكانت مشاكلة التصنيف قبل ذلك* ذكر الآثار والفقه مختلطًا، فلما خالف رأيهم طعنوا عليه في ذلك! فقلت معقبًا عليه في «المقدمة» (ص ٣٩): «هكذا قال! مع أنه يعلم أن الطعن عندهم إنما هو سوء الحفظ، قال الذهبي في ترجمته محمد بن الحسن في «الميزان»: «ليّنه النسائي وغيره من قبل حفظه». وقد حكاه المؤلف نفسه** عن (التهانوي) (ص ٣٤٤) ولكنه جاء بباقعة أخرى فقال في التعليق عليه: «قلت: تشدده معلوم»! يعني الإمام النسائي!

стр. 56

وراجع ص ١٩٣ من «قواعده» لتطلع على نماذج أخرى من الطعن في المحدثين وتعليقه على «التكميل» (ص ٢١ و ٣٠ و ٣١ و ١٤٢ و ١٨٣ و ١٨٨) وترجمته للحارث المحاسبي في رسالة (المسترشدين) (ص ١٣ وص ٣٨ - ٣٩) من المقدمة، ولم يرد عليه أبو غدة ولو بكلمة! ٤ - إصراره على القول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص تعصبًا لحنفيته وكوثريته خلافًا للآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة وأقوال السلف، وأخيرًا خلافًا لشارح الطحاوية الذي مجده أبو غدة ووصفه بحق بأنه «من أهل التوثق والضبط وإمامة ملموسة مشهورة»، ولكنها كلمة حق أريد بها باطل. بدليل إصراره على عدم متابعته إياه على هذه المسألة في جملة المسائل السبع التي سألته عن موقفه تجاهها فلم يتعرض لها بجواب خشية انكشاف أمره لمن لا يزال يحسن الظن به من أهل التوحيد، وإن سايرهم أو وافق الحق نبذه أصحابه الذين لا يقدرونه إلا لتعصبه المذهبي! ! فآثر السكوت عن الإجابة لكي لا يتورط مع هؤلاء أو هؤلاء! ! وذلك هو السبب أيضًا في سكوته على تصريح الإمام ابن القيم بتصحيح القول بأن الإيمان يزيد وينقص وأنه إجماع السلف حكاه الشافعي وغيره، فلم يعلق عليه أبو غدة بشيء! ! (١) ٥ - لم يوافق على قول الإمام الطحاوي: القرآن كلام الله تعالى منه بدا بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًّا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية، وأنه تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء، ومتى شاء*، وكيف شاء، وأنه يتكلم

стр. 57

بصوت. ومن قرأ بحثه في مسألة خلق القرآن التي أطال الكلام عليها في تعليقه على «القواعد» (ص ٣٦١ - ٣٧٩) يتبين له جليًّا أنه جهمي جعدي فكيف يوافق صاحب الإمامة الملموسة المشهورة على عقيدته السلفية؟ وراجع تعليقه على الرفع والتكميل (ص ١٨٨) لترى إقراره شيخه الكوثري على طعنه في رواة الحديث لقولهم بأن القرآن كلام الله غير مخلوق وأن الخلاف بينهم من جهة، وبين الحنفية والمعتزلة من جهة أخرى خلاف لفظي، «وعلى تقدير كونه حقيقيًّا يكون المغمز في جانبهم حتمًا»! ! ٦ - ولا على أن الله تعالى فوق عرشه كما يليق بجلاله، وكيف يمكن لأبي غدة أن يؤمن بذلك كله وشيخه الكوثري يصرح بأن ذلك تشبيه وتجسيم! ! بل أبو غدة نفسه أشار إلى ذلك حين طعن في الإمام ابن القيم فقال في تعليقه على «الأجوبة الفاضلة» (ص ١٣٠): تراه إذا روى حديثًا جاء على (مشربه) المعروف (! ) (يعني التجسيم) بالغ في تقويته ... ثم أعاد ذكر (مشربه) بعد سطر! ! ٧ - ولا يجيز للمسلم أن يسأل فيقول: «أين الله» كما سأل رسول الله ﷺ على الرغم من صحة الحديث عند مسلم وغيره لتشكيك شيخه في صحته، وإلا فلماذا لم يجب عن أي سؤال من تلك الأسئلة، وبخاصة هذا فقد قلت له صراحة (ص ٥٢): «فهل تؤمن أنت بهذا الحديث، وتجيز هذا السؤال الذي سأله الرسول ﷺ ؟ ». فلم يجب -كعادته- ولا بحرف واحد، فهل بقي بعد ذلك أدنى ريب في تعصبه لمذهبه وإعراضه عن كتاب ربه وسنة نبيه ﷺ ؟ !

стр. 58

وإن شئت المزيد من الأمثلة مما نعرفه عنه ولم يسبق لنا أن تعرضنا لذكرها فإليك بعض ما تيسر منها. ٨ - تقويته لحديث «أقل الحيض ثلاث وأكثره عشر» انتصارًا لمذهبه وردًّا لقول ابن القيم في «المنار» إنه ليس فيه شيء صحيح بل كله باطل، فتعقبه في تعليقه عليه (ص ١٢٢) تبعًا لعلي القاري وغيره بأن له طرقًا متعددة، وقد جهلوا أو تجاهلوا أنها شديدة الضعف لا تصلح للتقوية، كما فصلته في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» برقم (١١١٤). ٩ - مخالفته اتفاق علماء الحديث على تضعيفهم لبعض الأحاديث، منها حديث «لا يجب الوضوء على من نام جالسًا» تعصبًا لمذهبه وتقليدًا منه للشيخ علي القاري في «فتح باب العناية» (١/ ٦٧) وقد فصلت القول في ضعف الحديث مع الرد عليهما في المصدر السابق (٤٣٨٤) وبينت أن طرقه شديدة الضعف لا يصلح أن يتقوى بعضها ببعض مع مخالفته لعموم قوله ﷺ : «من نام فليتوضأ». ثالثًا: قوله (ص ١١) عطفًا على قوله «بأني حنفي»: «ويذم الشيوخ الأحناف». قلت: هذا الإطلاق كذب، لأنه يوهم شمول الذم لجميع شيوخ الأحناف المتقدمين منهم والمتأخرين، المنصفين منهم والمتعصبين، وليس كذلك، وإنما كلامي في شيوخ المتعصب الجائر نفسه، ولست أعنيهم أيضًا جميعًا وإنما أعني بداهة الذين شاركوه في التعصب على أئمة الحديث كالبخاري ومسلم وطعنوا فيهم، وهذا نص كلامي في ذلك (ص ٣٦): «إن مبلغ تعصب هذا

стр. 59

الحنفي تبعًا لشيوخه الأحناف على أهل الحديث عامة والبخاري ومسلم خاصة، لا يعلمه إلا من تتبع مؤلفاتهم أو تعليقاتهم على غيرها، وقد سبق ذكر بعض النماذج منها (أعني الكوثري وتلميذ الكوثري) ومن الأدلة الجديدة التي وقفت عليها تلك المقدمة التي مضت الإشارة إليها، والتي قام هذا المتعصب الجائر على طبعها حديثًا والتعليق عليها». هذا هو مناط كلامي، إنما هو في بعض شيوخ هذا المتعصب من الحنفية، فانظر كيف حرف قولي «لشيوخه الأحناف» إلى «الشيوخ الأحناف» الذي لا يمكن فهمه في الدائرة الضيقة التي تفيده إضافة الشيوخ إليه دون الإطلاق الذي عزاه إلي فصنيع مَنْ هذا التبديل والتحريف من الأقوام؟ ! قائمة بما دمغنا به أبا غدة من الجهل بهذا العلم الشريف والتهويش على خادمه والطعن فيه بالباطل ثم صمت في «أباطيله وافتراءاته» عنها ! ١ - أنكر علي قولي «صحيح متفق عليه» لما فيه من الجمع بين التصحيح والعزو للصحيحين وبنى عليه ما شاء له هواه من الاتهام بالباطل وقال بجهله: «فجاء بشيء لم يسبقه إليه المتقدمون ولا المتأخرون»! فأثبت له أن هذا الذي أنكره هو صنيع الحافظ البغوي، والنقاد الذهبي. ٢ - أنكر علي قولي في بعض الآثار: «لا أعرفه». فأثبت له أنه اصطلاح معروف عند المحدثين وأتيت له بشواهد عديدة من كلامه نفسه في مقدمة له!

стр. 60

٣ - أنكر علي استدراكي على شارح الطحاوية عزوه لـ «الصحيح» وبينت أنه ليس في «الصحيح» وهو البخاري ومسلم فلم يثبت المتعصب الجائر خلافه. ٤ - أنكر علي نقدي لإسناد حديث «من عادى لي وليًّا ... » فأثبت له أنه نقد علمي صحيح، سبقني إليه غير واحد من الأئمة، وأنني تحفظت في الحكم على متنه، وصرحت بأنه تبين لي بعد صحته، بينما شيخه الكوثري حكم بنكارته فكان هو الأولى بالإنكار عليه! ٥ - أنكرت عليه ميله إلى تصحيح حديث رد الشمس على علي ﵁ من حيث الصناعة الحديثية تقليدًا لشيخه الكوثري وقوله: «فلا بد على هذا من تأويل الخبر مع قولنا بصحته لمخالفته ما هو من الأمور العلمية». وبينت أن هذه فلسفة تفتح باب رد الأحاديث الصحيحة لمثل هذه الشبهة. ٦ - كما أنكرت عليه نقله عقب ذلك عن ابن تيمية أنه جزم بوضع الحديث! وأدنته بجهله بهذا العلم، وإلا لما حار بين الحكمين المتناقضين، وذكرت السر في حكايته إياها! ٧ - أثبت له تحامله عليّ بسبب وهم وقع لي في تخريج حديث كنت نبهت عليه في استدراك لي طبع في آخر الكتاب قبل تحامله المشار إليه بسنتين، وأقمت الدليل من كلامه أنه لا يلزم من ذلك الوهم إسقاط الثقة عن الواهم كما يحاول هو ذلك. ٨ - وألزمته بناء على تحامله المذكور -إن كان فيه مخلصًا- أن يسقط الثقة أيضًا عن شارح الطحاوية لبعض

стр. 61

الأوهام التي وقعت له في «الشرح» وإلا فهو يلعب على الحبلين. ٩ - نسبت إليه تدليسًا خبيثًا حول الاستدراك المشار إليه وأنه يقلب الحقائق. ١٠ - سردت له أربعة عشر حديثًا صحيحًا من الصحيحين أو أحدهما ضعفها شيخه الكوثري كلها، وسألته عن رأيه في شيخه هذا ألا يزال مع ذلك عنده في موضع وصفه إياه بـ «العلامة المحقق الحجة الإمام ... » أم أنه لا يوثق به لتضعيفه لهذه الأحاديث الصحيحة؟ ! ١١ - بل أثبت له حديثًا صحيحًا رواه مسلم ضعف المتعصب نفسه متنه، مبينًا له الفرق بين تضعيفه إياه، وتضعيفي لسند الحديث المشار إليه في الفقرة السابقة برقم (٤). ١٢ - كما أثبت له الفرق بتضعيفي السند المذكور آنفًا دون المتن وبين ما جاء في مقدمة إعلاء السنن للتهانوي من الطعن في «الصحيحين» وذكر بعض المغامز عليهما، وإقرار المتعصب الجائر إياه في تعليقه عليه! إنما يلزمهم أنهم هم الطاعنون في «الصحيحين» لا غيرهم. ١٣ - أخذت على مؤلف المقدمة المذكور والمعلق عليها وضعهم قواعد حديثية خالفوا فيها أئمة الحديث منها أن المجتهد إذا استدل بحديث كان تصحيحًا له، ومنها قبول مرسل غير الصحابي من أهل القرن الثاني والثالث والرابع، فإذا قال راو ولو في القرن الرابع أو بعد الأئمة الستة: قال رسول الله ﷺ كان ذلك حديثًا صحيحًا! ! وبينت له خطورة مثل هذه القواعد المزعومة المنافية لما هو متفق عليه حتى عند بعض الحنفية من أن الإسناد من الدين،

стр. 62

ولذلك اقترحت عليه أن يضم إلى الاسم الجديد الذي وضعه للمقدمة: «قواعد في علوم الحديث» قوله: «على مذهب الحنفية»! ١٤ - وأخذت على بعض مشايخه وهو صاحب المقدمة قوله: «لا يقبل قول أئمة الحديث: هذا الحديث غير ثابت أو منكر من غير أن يذكر الطعن» مع قولهم السابق المفيد أنه يقبل حديث المجتهد لمجرد استدلاله به! ! ١٥ - وأثبت تعصبهم لإمامهم بقوله: «شيوخ إمامنا الأعظم أبو حنيفة ﵁ ثقات» مع أن واقع الأمر يكذبه كما أثبته هناك، بإيراد أسماء بعض شيوخه ﵀، ومنهم جابر الجعفي الذي ثبت عن أبي حنيفة نفسه أنه قال فيه: «ما رأيت أكذب منه»! ١٦ - كشفنا له شدة عدائه لأهل السنة والحديث وطعنه في خطبة على منبر مسجده، في أهل التوحيد المعروفين في بلده بالسلفيين خاصة وفي أهل التوحيد السعوديين وغيرهم عامة، الذين ينبزهم بلقب الوهابية ويصرح بتضليلهم ... إلخ ويقول فيهم: «إن هؤلاء الوهابيين تتقزز نفوسهم أو تشمئز حينما يذكر اسم محمد ﷺ ». ١٧ - أثبتا له أنه حين ينقل في تعليقاته عن الشيخين ابن تيمية وابن القيم أنه إنما يفعل ذلك تظاهرًا بأنه من المحبين لهما ولسان حاله ينشد: وأرضهم ما دمت في أرضهم وهو يزين ما يطبع من الكتب بالنقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى، وذكرنا شكنا وترددنا في الغرض الذي يرمي بذلك إليه وفي الوقت نفسه يكثر النقل عن عدوهما اللدود والمسمى بزاهد الكوثري ويبالغ في تمجيده والثناء عليه إلى حد أنه نسب نفسه إليه فهو الشيخ عبد الفتاح أبو غدة الحنفي الكوثري،

стр. 63

وليس هذا فحسب بل إنه سمى ابنه الكبير باسم: «زاهد» تبركًا به وإحياء لذكره. وبينا له أن ذلك من باب الجمع بين النور والظلام، والحق والباطل. ١٨ - وكشفنا ما عند أبي غدة وغيره من العداوة الشديدة التي كان الكوثري يظهرها بل ينادي بها في كتبه وتعليقاته تجاه أهل الحديث عامة وابن تيمية وابن القيم خاصة. فهو يتهمهم بالتشبيه والتجسيم ويلقبهم بالحشوية السخفاء، ويسمي كتاب التوحيد للإمام ابن خزيمة «كتاب الشرك» ويرمي الإمام نفسه بأنه مجسم جاهل بأصول الدين، وبالجمود في الفقه وقلة الفهم، وأنهم حملة أسفار، وطعن في نحو ثلاثمائة من الرواة الثقات، وفيهم جماعة من الحفاظ والأئمة والفقهاء، كمالك، والشافعي وأحمد، ويكذب ابنه عبد الله راوي «المسند» ولذلك فهو لا يراه صالحًا للاعتماد عليه، ويصف الحافظ العقيلي: بـ «المتعصب الخاسر» ويقول في شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن كان ابن تيمية لا يزال بعد شيخ الإسلام فعلى الإسلام السلام». وأبو غدة على علم بهذا كله وهو مع ذلك يضفي عليه تلك الألقاب الضخمة «العلامة المحقق الحجة المحدث الفقيه الأصولي المتكلم النظار المؤرخ النقاد الإمام»! ! ! واستنتجت من ذلك بالإضافة إلى معلوماتنا الخاصة عنه وعدم استنكاره لشيء من أقوال شيخه الكوثري في شيء من تعليقاته مع كثرة المناسبات للاستنكار - أنه كوثري مائة بالمائة في عدائه لأهل الحديث والسنة وشيخ الإسلام ابن تيمية، ولم يغب عن بالي احتمال أن يكون قد تاب من تتلمذه عليه وتبنيه لضلالاته فأفسحت له المجال للتراجع وطلبنا

стр. 64

منه أن يعلن براءته منه جملة وتفصيلًا، وقلت: «فإن فعل -وما إخاله- أخذنا بظاهر كلامه، ووكلنا سريرته إلى ربه »! ١٩ - وعلمًا مني بأنه من المحتمل أن يعلن براءته من شيخه الكوثري بلسانه أتبعت ذلك بسؤالي إياه عن سبعة أسئلة تتضمن عقيدة السلف فيها من كتاب شرح العقيدة الطحاوية الذي أثنى أبو غدة على الشارح ووصفه بالإمامة الملموسة، والكوثري مخالف لهم فيها مثل قولهم في القرآن وأنه غير مخلوق، وأن الله تعالى فوق مخلوقاته كلها، وجواز السؤال بأين الله، وأن الإيمان يزيد وينقص وغير ذلك مما هو مبسوط هناك. سألته عنها لأكشف عن حقيقة اعتقاده وخشية أن يخدع الناس بلسانه اعتقادًا مني بما يروى عن عمر ﵁ أنه قال: «لست بالخب ولا الخب يخدعني». ٢٠ - لقد أدنته بأن رفعه تقريره الجائر خلسة دون علمي أو علم صديقه يومئذ صاحب المكتب الإسلامي مع التقائي وإياه في المكتب المذكور مرارًا وتكرارًا في سنوات بعد طبع الكتاب دون أن يباحثني ويلفت نظري في أي موضوع من المواضيع التي أثارها في تقريره الجائر فيرفعه بعد سنين، حينما ظن أن الفرصة قد سنحت له ليروي غليل حقده ويشفي غيظ قلبه بالطعن في الألباني والإضرار بناشر كتابه الأستاذ زهير الشاويش إنه إنما يفعل ذلك الجواسيس والمخبرون. هذا بعض ما أدنت به الشيخ أبو غدة في «المقدمة» البالغ عدد صفحاتها (٤٤) من (ص ١٣ - ٥٧) وما قبل

стр. 65

الصفحة (١٣) هي من مقدمة الناشر الأستاذ زهير الشاويش وترجمته للإمام الطحاوي، فماذا فعل أبو غدة في «أباطيله وافتراءاته»؟ إنه صمت تجاه كل هذا الذي دمغناه به صموت الحجر الأصم، فلم يتعرض للجواب عنها بشيء مطلقًا الأمر الذي يدل كل منصف متجرد عن الهوى أن «أبو غدة» في «أباطيله وافتراءاته» أدان نفسه بنفسه حين سكت عن كل ذلك، ولم يجب عن أي سؤال وجه إليه يكشف عن حقيقة أمره وعقيدته، ولم يتنصل بحجة البتة عن كل ما أدنته به من الجهل والتزوير والعداء الشديد لأهل السنة والحديث ومخالفته لهم في العقيدة اتباعًا منه لشيخه الكوثري، سوى قوله: «افتراء صريح» ومثل هذا الدفاع الرخيص يستطيعه أشقى الناس وأفسقهم إذا ما أدينوا بما هم عليه من الضلال مقرونًا بالحجة والبرهان! جوابه عن بعض الأسئلة وبيان ما فيه من المواربة المؤكدة لكوثريته وعدائه لابن تيمية نعم لقد تعرض للإجابة عما جاء في الفقرات الأربع الأخيرة بشيء من الشرح ولكنه في الحقيقة كان كمن يحاول أن يطعن عين الشمس، بل هو فيه كالباحث عن حتفه بظلفه. أو كمن فر من الموت وفي الموت وقع، وإليك البيان: أولًا: أجاب عما جاء في الفقرة (١٦) قوله: «سقوط البهتان: وأقول الذي تتقزز نفسه بذكر محمد ﷺ خارج عن الملة بيقين، ومن قال هذا في هذه الأيام عن أهل هذه الديار المقدسة، التي يدخلها كل عام مئات الألوف من حجاج العالم الإسلامي، فقد حكم على نفسه بالجنون المطبق ... » انظر (ص ٨) من

стр. 66

أباطيله وافتراءاته. ثانيًا: لقد أشار إلى شيء مما جاء في الفقرة (١٧) مع شيء من التهويش والتضليل للقراء كعادته فقال: «فذكروا اسمي ونسبي وبلدي ومذهبي واسم ولدي، وفاتهم ذكر بقية أفراد الأسرة ... ». فأقول: إن ذكر اسم ولده إنما كان لنثبت للقراء ضلاله وراء شيخه الكوثري حتى سمى ابنه باسمه، فقوله: «وفاتهم ذكر بقية أفراد الأسرة ... » تهويش رخيص وتهكم يعود وباله على صاحبه. وقد اعترف في غير مكان من «كلماته» أنه كوثري فالذي نسبناه إليه قد اعترف به وهذا هو المراد من ذكرنا لاسمه واسم ابنه، فمن فمك أدينك، وقديمًا قالوا: «ما فيك ظهر على فيك»! ثالثًا: لقد تأكد ظني فيه مع الأسف فلم يعلن براءته من شيخه الكوثري جملة وتفصيلًا، فإنه في الوقت الذي استمر يفخر بالانتساب إليه قال (ص ٣٧) «فدعواهم أني ملتزم بكل ما يقوله الكوثري دعوى باطلة». وجوابه هذا يذكرني بقول الشاعر: والدعاوي ما لم تقيموا عليها ... بينات أبناؤها أدعياء فأين الدليل على بطلان الدعوى المذكورة مع كثرة الأخطاء والضلالات التي حكيناها عن شيخك الكوثري مع تعظيمك إياه بما سبق بيانه وطلبنا منك أن تتبرأ منها فلم تفعل، فالدعوى الباطلة هي دعواك، فلا تزال مدانًا بأنك كوثري جملة وتفصيلًا حتى تحقق طلبنا بإعلان براءتك منه جملة وتفصيلًا، فنستريح منك ومن مناقشتك جملة

стр. 67

وتفصيلًا، والله حسيبك. نعم لقد جاء ببرهان على دعواه بزعمه فقال (ص ٣٨): «وأقرب برهان لدفع افترائهم هذا أني قد حشوت كتبي وتعليقاتي من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم رحمهما الله تعالى كما أني أثنيت عليهما ... وكان الشيخ الكوثري رحمه الله تعالى وغفر لنا وله يجافي هذين الإمامين بحسب رأيه واجتهاده (! ) فلو كنت ملتزمًا له بكل ما يقول لجفوتهما وتابعته في مشربه نحوهما رحمهما الله تعالى والواقع يثبت خلاف ذلك»! ! والجواب عن هذا الهراء من وجوه: ١ - لقد جعلت الدليل على أنك لست ملتزمًا بكل ما يقوله الكوثري أنك لا تجافي الشيخين كما كان يجافيهما شيخك الكوثري، وهذا والله مهزلة الدهر، فإنك إن كنت تتظاهر الآن بأنك لا تجافيهما، فهل ذلك يخرجك عما اعترفت به من أنك لا تزال كوثريًّا؟ ! وبمعنى آخر أن الحنفي مثلًا إذا خالف إمامه في مسألة ما أيخرج بذلك عن كونه حنفيًّا؟ ! الجواب لا، كما هو واضح لدى جميع العقلاء. وصرح به مخدومك أبو الحسنات اللكنوي في «الفوائد البهية» (١) وإذن فبرهانك هذا يشهد عليك بأنك كوثري في كل ما وصفنا به الكوثري من الضلال والانحراف عن السلف وأئمة الحديث. ولولا ذلك لصرحت ببراءتك من كل ذلك كما صرحت ببراءتك من مجافاته لا سيما وقد أفسحنا لك المجال في ذلك بطلبنا إعلانك البراءة من كل ذلك، فهل يفسر عاقل امتناعك من الإعلان إلا بأنه دليل قاطع بأنك كوثري مائة

стр. 68

في المائة، والآن نقول: مائة إلا واحد بعد اعترافك بتبرؤك من مجافاة شيخك للشيخين وحسيبك الله! ولكنك بذلك لم تدفع التهمة عن نفسك بأنك كوثري لأن المخالفة الواحدة لا تبرئك من النسبة إليه كما سبق بيانه، فهل عندك من العقيدة الصحيحة والجرأة العلمية ما تبين لنا تفصيلًا وبخاصة عما سألناك عنه من اتهامه للشيخين وأهل السنة بالتجسيم وانحرافه عن الصحيحين وتضعيفه لكثير من أحاديثهما وغير ذلك مما قلناه في المقدمة وأوجزناه في هذه الفقرة. لو كنت بريئًا لفعلت، فإذا لم تفعل فأنت عدو للشيخين وأهل الحديث حتى تعلن براءتك من كل مخالفات الكوثري لهم. ٢ - تقول إنك أثنيت على الشيخين رحمهما الله تعالى: فالجواب أن مثل هذا الثناء عليهما الذي سودت صفحات عديدة من «كلماتك» في النقل من تعليقاتك على بعض الكتب مما لا يدل عند أهل المعرفة والعلم أنك حسن الاعتقاد فيهما وأن لا انحراف برأيك في علمهما، وهذا هو موضع النزاع بين السلفيين أمثالنا والخلفيين أمثالك، بدليل أن كل تلك الكلمات ليس فيها جملة واحدة بل ولا قطعة واحدة يستشم منها تقديرك إياهما في عقيدتهما وأنهما غير منحرفين في علمهما. هذا مع ملاحظة أن عامة تلك التعليقات إنما نشرتها وأنت موظف في المملكة السعودية وتعيش بين قوم يعرفون فضل ابن تيمية وتلميذه ويتبعون عقيدتهما فلقائل أن يقول: إن ذلك إنما صدر منك للاستهلاك المحلي! وقد قيل فعلًا. أمثلة من طعنه في ابن تيمية وابن القيم وشيء آخر: وهو أنه قد ينطلي ثناؤك على من لا علم عنده بما صدر منك من الطعن في عقيدتهما وعلمهما ولست

стр. 69

أحاسبك بما صدر منك في بعض خطبك في بلدك حلب، فذلك مما يعود أمره إلى غيري ممن تتهمهم بالكذب عليك، وإنما أنا سأدينك بما كتبه قلمك المنحرف عن الشيخين رحمهما الله تعالى: ١ - أقررت في تعليقك على كتاب «إقامة الحجة» (ص ٢٩) المؤلف على ما ذكره في ترجمة ابن تيمية أنه نقل عنه عقائد فاسدة شنع عليه بها اليافعي وابن حجر المكي وغيرهما! وليس هذا فقط بل نقلت هذه العبارة في تعليقك على «الرفع والتكميل» (ص ١٣٥) من باب التأييد لها. وإذا رجع القارئ الكريم إلى كلام ابن حجر المكي، وجد فيه اتهام الشيخ ابن تيمية بكثير مما يتهمه به الكوثري كالتشبيه والتجسيم وغير ذلك مما لا مجال لذكره الآن، مع التشنيع عليه والطعن فيه أشد الطعن في أول كلامه وآخره بمثل طعن الكوثري فيه: «والحاصل أن لا يقام لكلامه وزن، بل يرمى في وعر وحزن ويعتقد فيه أنه مبتدع ضال، ومضل جاهل غال، عاجله الله بعدله، وأجازنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله، وخذل متبعيه، وشتت شمل معتقديه». هذا كلامه في شيخ الإسلام ابن تيمية في «الفتاوى الحديثية» (ص ٨٦، ٨٧). فمن كان صادقًا في توقير الشيخ وإجلاله، هل يحمل القراء على كلام الهيتمي هذا، وفيه ما عرفت من ما سمعت من التكفير والتضليل أم ذلك مما يدل على أن المحيل عدو لدود للشيخ ﵀، وذلك ما فعله قبل أبو غدة أمثاله من أعداء الشيخ ابن تيمية كالشيخ محمد بخيت المطيعي في رسالة «تطهير الفؤاد من دنس الاعتقاد» فقد طعن فيها في ابن تيمية ما شاء له هواه، واعتمد في ذلك على كلمة ابن حجر المكي المشار إليها في «الفتاوى» ونقلها برمتها! !

стр. 70

٢ - أقر مؤلف «الرفع والتكميل» (ص ٩٠ - ٩١ و ١٣٥) وفي «الأجوبة الفاضلة» (ص ١٧٤) على حشر شيخ الإسلام ابن تيمية في زمرة المتعنتين في جرح الأحاديث بجرح رواتها وأيده بقوله: «ولشيخنا الكوثري رحمه الله تعالى: «التعقيب الحثيث لما ينفيه ابن تيمية من الحديث» ما يزال مخطوطًا». وأعاد هذا في تعليقه على «الأجوبة» (ص ١٧٦): «وقد تعقب شيخنا الإمام (كذا) الكوثري رحمه الله تعالى صنيع ابن تيمية في تشدده بنفي ما هو ثابت في كتاب أسماه: «التعقيب الحثيث .. » ما يزال مخطوطًا»! ٣ - قال تعليقًا على ما جاء في «الرفع والتكميل» (ص ١٣١) من الطعن في الإمام الذهبي: «ولشيخنا الكوثري رحمه الله تعالى كلمة جامعة في حال الذهبي فقف عليها في تعليقه على رد السبكي على نونية ابن القيم المسمى «السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل» (ص ١٧٦): والعالم اللبيب يكفيه دلالة على صحة ما اتهمناه مما يضمره أبو غدة من العداء الشديد لأهل الحديث هذه الإحالة على كلمة شيخه في حال الإمام الذهبي، فإنه يعلم قطعًا أنها ليست في تزكيته والثناء عليه وعلى من كان على نهجه في العقيدة كشيخه ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ﵏، وإنما في الطعن فيهم جميعًا، فهو يرمي فيها الذهبي بالتجسيم وقلة الدين وأن عقليته من أسخف العقليات ... إلخ ما هذى به وفي ختام ذلك يقول الكوثري: «ومع ذلك هو أهون شرًّا من الناظم وشيخه كما سبق» يعني ابن تيمية وابن القيم وقال في المكان الذي أشار إليه وهو (ص ١٧٧):

стр. 71

«وهو شافعي الفروع إلا أنه مجسم اعتقادًا رغم تبريه منه في كثير من المواضع، وعنده نزعة خارجية، وإن كان أهون شرًّا بكثير من الناظم وشيخه في ذلك كله»! ومن الواضح أن أبا غدة لا يمكن أن يدعي أنه يفرق بين الذهبي من جهة وبين ابن تيمية وابن القيم من جهة أخرى، لعلمه يقينًا بأنهم على نهج واحد في العقيدة السلفية ولمعاداة شيخة الكوثري من أجل ذلك إياهم جميعًا، كما يدل على ذلك قوله السابق فيهم. ومهما حاول أبو غدة التنصل من ذلك فإن آثاره تكفر به فاسمع أيها القارئ الكريم إليه كيف يطعن في ابن القيم ويتهمه بالتجسيم صنع شيخه الكوثري تمامًا ولكن بشيء من المكر والمواربة ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ قال في تعليقه على «الأجوبة الفاضلة» (ص ١٣٠): «أما ابن القيم فمع جلالة قدره ونباهة ذهنه تراه إذا روى حديثًا جاء على (مشربه) المعروف بالغ في تقويته وتمتينه كل المبالغة حتى يخيل للقارئ أن ذلك الحديث من قسم المتواتر في حين أنه قد يكون حديثًا ضعيفًا أو غريبًا أو منكرًا ولكن لما جاء على (مشربه) جمع له جراميزه ... » فما هو مشرب ابن القيم عند أبو غدة؟ هو هذا التجسيم الذي اتهمه به الكوثري آنفًا وفي غيره من كتبه وبخاصة منها تعليقه على السيف الصقيل الذي سماه: «تكملة الرد على نونية ابن القيم» ومن قوله فيه وهو ينصح القراء (ص ٥٧): «وإني أعيذهم بالله من احترام رجل لا يزيد عنه في

стр. 72

الخروج على الإسلام والمسلمين لا الزنادقة ولا الملاحدة»! ولما وصف السبكي الشيخ أبا اسماعيل الهروي بقوله: «الذي تسميه المجسمة شيخ الإسلام» علق عليه أبو غدة بقوله: «وهو صاحب كتاب منازل السائرين الذي شرحه الشيخ ابن القيم بكتاب (مدارج السالكين)». وهو يشير بذلك بمكر وخبث إلى أن ابن القيم من المجسمة فقد وصف فعلًا الهروي بأنه شيخ الإسلام في غير موضع من «المدارج» من ذلك (١/ ١٢٧). وكذلك وصفه الذهبي في «التذكرة» (٣/ ٣٥٤) فهؤلاء عند السبكي وعند أبو غدة من المجسمة لأنه أقره على ذلك! فهل بعد هذا البيان يبقى إنسان في الدنيا يصدق أبا غدة فيما سود به صفحات عدة من «كلماته» في الثناء على شيخ الإسلام ابن تيمية وأنه إمام من كبار أئمة الدين، وعلى تلميذه ابن القيم وأنه من أجلة أئمة المسلمين! ! من (ص ٢٣ - ٣٥) وهو يطعن فيهم تلك الطعون المتقدمة بالإضافة إلى عدم تصريحه بالرد على شيخه الكوثري في تكفيره إياهما مع مطالبتنا إياه بذلك، بل تراه حتى في كلماته لا يزال يذكره بالتبجيل والترحم عليه، بل يعتبر تكفيره للشيخين إنما هو اجتهاد منه يؤجر عليه! (ص ٣٨). وأنت أيها القارئ إذا قابلت هذا بطعن أبي غدة في الإمام البخاري وسائر أئمة الحديث الذين تكلموا في سوء حفظ أبي حنيفة ولا يدافع عنهم بمثل دفاعه عن شيخه الكوثري بل يجزم بأن ذلك إنما كان تعصبًا منهم عليه ﵏ جميعًا. تبين لك انحراف أبو غدة عن أهل السنة، إلى أهل البدعة والضلالة، والله المستعان.

стр. 73

أمثلة جديدة من أكاذيبه وتضليلاته ومن أكاذيبه وتضليلاته للقراء الكرام في سبيل إظهار إجلاله لابن تيمية وبراءته من الطعن فيه قوله (ص ٢٤) وقد ذكر تعليقه على كتاب «الأجوبة الفاضلة»: «فلينظر من الصفحات التالية، وفيها تعليقاتي واستشهاداتي بكلام شيخ الإسلام مع الإجلال والتوقير والترحم عليه كما هو الشأن في الأدب مع كل عالم وإمام وتلك الصفحات هي ٤٧، ٧٨، ٨٠، ٩٢، ٩٦، ٩٧، ٩٨، ١٠٠، ١٠١، ١٠٢، ١٠٣، ١٠٤، ١٠٩، ١١١، ١١٣ - ١٢٠» وأنت إذا رجعت إلى الصفحات التي أشار إليها رأيت العجب العجاب: ١ - ليس في شيء من هذه الصفحات شيء مما زعمه من الإجلال والتوقير إلا قوله (ص ٩٢): شيخ الإسلام، قالها مرة واحدة ثم لم يعد إليها! وقد كنت علقت على قوله هذا في «المقدمة» (ص ٤٧) بما خلاصته أنه يجوز أنه قالها من قبيل الزلفى لأهل بلده المؤقت «الرياض» ويجوز أنه قاله عن اعتقاد منه فطلبنا أن يقول ذلك بأن يعلن براءته من قول شيخه الكوثري في ابن تيمية «إن كان ابن تيمية لا يزال يعد شيخ الإسلام، فعلى الإسلام السلام»! فلم يتبرأ منها مع تسويده صفحات لا طائل تحتها في الثناء على ابن تيمية ليبيض بذلك صفحته العاتمة وهيهات، وكان يغنيه عن كل ذلك لو كان مخلصًا أن يعترف بالحقيقة وهي أنه كان مضللًا ولا أقول: ضالًّا - كغيره من أعداء ابن تيمية الكثر ثم هداه الله وعرف فضل ابن تيمية وعلم سلامة عقيدته مما يتهمه الكوثري فإذ لم يفعل فقد تأكد لدينا ما كنا اتهمناه به سابقًا أنه يلعب على الحبلين، فهو يريد إرضاء الجمهور الذي يعيش بينهم الآن، كما يريد أن لا يغضب أقرانه

стр. 74

وزملاءه وتلامذته الذين يعلمون منه إجلاله حقًّا للكوثري والحقيقة أنه لم يرض لا هؤلاء ولا هؤلاء. سوف ترى إذا انجلى الغبار ... أفرس تحتك أم حمار ٢ - لم يترحم عليه إلا مرتين (ص ٤٧، ٧٨)! ٣ - وصفه في بعض المواطن بـ (الشيخ)، فذكرت في المقدمة أن هذا الوصف ليس نصًّا في المدح والثناء فراجعها. ٤ - في أكثر الصفحات التي أشار إليها ليس فيها شيء من ما تقدم ولا غيره مما يدل على الإجلال والتوقير الذي زعمه وهي الصفحات (٩٧، ٩٨، ١٠٠، ١٠١، ١٠٢، ١٠٣، ١٠٤، ١٠٩، ١١٣) مع أنه في بعض الصفحات ذكره أكثر من مرة كالصفحة الأخيرة فإنه ذكره فيها ثلاث مرات لم يزد على قوله «ابن تيمية» فضن عليه حتى بالترحم عليه ولو مرة واحدة! وهذا كله يبين للقارئ أن أبا غدة حينما يستكثر من الإشارة إلى الصفحات تدليلًا على توقيره لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ثم لا يجد في أكثرها شيئًا من ذلك إنما يصدق فيه قوله ﵊: «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور». نسأل الله العافية والسلامة. وإن مما يؤكد لك ذلك أنه نقل أيضًا عن عدو شيخ الإسلام ابن تيمية رقم واحد ألا وهو شيخه الكوثري في نحو من عدد الصفحات التي نقل فيها عن ابن تيمية، فتراه في أكثرها يصفه بالإمام وفي بعضها «شيخنا» وتارة يقول

стр. 75

«شيخنا الإمام» وفيها كلها يضم إلى ذلك الترحم عليه لم يفته ذلك ولا مرة واحدة! وهي الصفحات (٥٢، ٥٩، ٦٩، ٧١، ٨٣، ٩٢، ٩٥، ٩٧، ١٠٤، ١٠٥، ١٠٧، ١٣٢، ١٣٨، ١٤٨، ١٧٢، ١٧٦، ١٨٤، ٢٠٣، ٢٢١، ٢٣٤). بل إنه في الصفحة (٩٧) ذكره مرتين مع الترحم عليه في كل مرة! وفي الصفحة (١٠٤) ذكر ابن تيمية دون أن يترحم عليه أو غيره مما يدل على التوقير المزعوم، وبعد أربعة أسطر قال: «وقد وجه شيخنا الإمام الكوثري رحمه الله تعالى»! وفي الصفحة المقابلة قال: «انتهى كلام شيخنا الإمام الكوثري رحمه الله تعالى» وأكثر من هذا، فإنه ذكرهما في سطر واحد مترحمًا على الكوثري دون ابن تيمية فقال (ص ٢٧٦): «وقد تعقب شيخنا الإمام الكوثري ﵀ صنيع ابن تيمية في تشدده ... » إلخ كلامه الذي نقلته بتمامه (ص ٧٠). ومن مكره وكيده أنه لم يذكر في الصفحات المتقدمة التي أحال إليها مستدلًّا بها على توقيره لشيخ الإسلام هذه الصفحة (١٧٦) لأن ما فيها من النقل عن الكوثري يكشف عن عورته وتدل على ما يضمره للشيخ من الحقد والطعن تبعًا لشيخه الكوثري عاملهما الله بعدله. ومن مكره وخبثه أنه يقول في ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب (ص ١٩) في تنصله من التكفير المنسوب إليه: «وهؤلاء أئمة أعلام من خيار المؤمنين العالمين العاملين الداعين إلى الله تعالى، ومن أراد أن يحكم عليه بالسفه والعته فليكفر أئمة الإسلام وهؤلاء السادة الأعلام، وهبني قلت هذا الصبح ليل ... أيعمى العالَمون عن الضياء»
следующие страницы →