← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 133365

كشف النقاب عما في «كلمات» أبي غدة من الأباطيل والافتراءات

ناصر الدين الألباني

Полный текст (109 стр.). Показаны 71–109 · переход к 76.

стр. 71

«وهو شافعي الفروع إلا أنه مجسم اعتقادًا رغم تبريه منه في كثير من المواضع، وعنده نزعة خارجية، وإن كان أهون شرًّا بكثير من الناظم وشيخه في ذلك كله»! ومن الواضح أن أبا غدة لا يمكن أن يدعي أنه يفرق بين الذهبي من جهة وبين ابن تيمية وابن القيم من جهة أخرى، لعلمه يقينًا بأنهم على نهج واحد في العقيدة السلفية ولمعاداة شيخة الكوثري من أجل ذلك إياهم جميعًا، كما يدل على ذلك قوله السابق فيهم. ومهما حاول أبو غدة التنصل من ذلك فإن آثاره تكفر به فاسمع أيها القارئ الكريم إليه كيف يطعن في ابن القيم ويتهمه بالتجسيم صنع شيخه الكوثري تمامًا ولكن بشيء من المكر والمواربة ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ قال في تعليقه على «الأجوبة الفاضلة» (ص ١٣٠): «أما ابن القيم فمع جلالة قدره ونباهة ذهنه تراه إذا روى حديثًا جاء على (مشربه) المعروف بالغ في تقويته وتمتينه كل المبالغة حتى يخيل للقارئ أن ذلك الحديث من قسم المتواتر في حين أنه قد يكون حديثًا ضعيفًا أو غريبًا أو منكرًا ولكن لما جاء على (مشربه) جمع له جراميزه ... » فما هو مشرب ابن القيم عند أبو غدة؟ هو هذا التجسيم الذي اتهمه به الكوثري آنفًا وفي غيره من كتبه وبخاصة منها تعليقه على السيف الصقيل الذي سماه: «تكملة الرد على نونية ابن القيم» ومن قوله فيه وهو ينصح القراء (ص ٥٧): «وإني أعيذهم بالله من احترام رجل لا يزيد عنه في

стр. 72

الخروج على الإسلام والمسلمين لا الزنادقة ولا الملاحدة»! ولما وصف السبكي الشيخ أبا اسماعيل الهروي بقوله: «الذي تسميه المجسمة شيخ الإسلام» علق عليه أبو غدة بقوله: «وهو صاحب كتاب منازل السائرين الذي شرحه الشيخ ابن القيم بكتاب (مدارج السالكين)». وهو يشير بذلك بمكر وخبث إلى أن ابن القيم من المجسمة فقد وصف فعلًا الهروي بأنه شيخ الإسلام في غير موضع من «المدارج» من ذلك (١/ ١٢٧). وكذلك وصفه الذهبي في «التذكرة» (٣/ ٣٥٤) فهؤلاء عند السبكي وعند أبو غدة من المجسمة لأنه أقره على ذلك! فهل بعد هذا البيان يبقى إنسان في الدنيا يصدق أبا غدة فيما سود به صفحات عدة من «كلماته» في الثناء على شيخ الإسلام ابن تيمية وأنه إمام من كبار أئمة الدين، وعلى تلميذه ابن القيم وأنه من أجلة أئمة المسلمين! ! من (ص ٢٣ - ٣٥) وهو يطعن فيهم تلك الطعون المتقدمة بالإضافة إلى عدم تصريحه بالرد على شيخه الكوثري في تكفيره إياهما مع مطالبتنا إياه بذلك، بل تراه حتى في كلماته لا يزال يذكره بالتبجيل والترحم عليه، بل يعتبر تكفيره للشيخين إنما هو اجتهاد منه يؤجر عليه! (ص ٣٨). وأنت أيها القارئ إذا قابلت هذا بطعن أبي غدة في الإمام البخاري وسائر أئمة الحديث الذين تكلموا في سوء حفظ أبي حنيفة ولا يدافع عنهم بمثل دفاعه عن شيخه الكوثري بل يجزم بأن ذلك إنما كان تعصبًا منهم عليه ﵏ جميعًا. تبين لك انحراف أبو غدة عن أهل السنة، إلى أهل البدعة والضلالة، والله المستعان.

стр. 73

أمثلة جديدة من أكاذيبه وتضليلاته ومن أكاذيبه وتضليلاته للقراء الكرام في سبيل إظهار إجلاله لابن تيمية وبراءته من الطعن فيه قوله (ص ٢٤) وقد ذكر تعليقه على كتاب «الأجوبة الفاضلة»: «فلينظر من الصفحات التالية، وفيها تعليقاتي واستشهاداتي بكلام شيخ الإسلام مع الإجلال والتوقير والترحم عليه كما هو الشأن في الأدب مع كل عالم وإمام وتلك الصفحات هي ٤٧، ٧٨، ٨٠، ٩٢، ٩٦، ٩٧، ٩٨، ١٠٠، ١٠١، ١٠٢، ١٠٣، ١٠٤، ١٠٩، ١١١، ١١٣ - ١٢٠» وأنت إذا رجعت إلى الصفحات التي أشار إليها رأيت العجب العجاب: ١ - ليس في شيء من هذه الصفحات شيء مما زعمه من الإجلال والتوقير إلا قوله (ص ٩٢): شيخ الإسلام، قالها مرة واحدة ثم لم يعد إليها! وقد كنت علقت على قوله هذا في «المقدمة» (ص ٤٧) بما خلاصته أنه يجوز أنه قالها من قبيل الزلفى لأهل بلده المؤقت «الرياض» ويجوز أنه قاله عن اعتقاد منه فطلبنا أن يقول ذلك بأن يعلن براءته من قول شيخه الكوثري في ابن تيمية «إن كان ابن تيمية لا يزال يعد شيخ الإسلام، فعلى الإسلام السلام»! فلم يتبرأ منها مع تسويده صفحات لا طائل تحتها في الثناء على ابن تيمية ليبيض بذلك صفحته العاتمة وهيهات، وكان يغنيه عن كل ذلك لو كان مخلصًا أن يعترف بالحقيقة وهي أنه كان مضللًا ولا أقول: ضالًّا - كغيره من أعداء ابن تيمية الكثر ثم هداه الله وعرف فضل ابن تيمية وعلم سلامة عقيدته مما يتهمه الكوثري فإذ لم يفعل فقد تأكد لدينا ما كنا اتهمناه به سابقًا أنه يلعب على الحبلين، فهو يريد إرضاء الجمهور الذي يعيش بينهم الآن، كما يريد أن لا يغضب أقرانه

стр. 74

وزملاءه وتلامذته الذين يعلمون منه إجلاله حقًّا للكوثري والحقيقة أنه لم يرض لا هؤلاء ولا هؤلاء. سوف ترى إذا انجلى الغبار ... أفرس تحتك أم حمار ٢ - لم يترحم عليه إلا مرتين (ص ٤٧، ٧٨)! ٣ - وصفه في بعض المواطن بـ (الشيخ)، فذكرت في المقدمة أن هذا الوصف ليس نصًّا في المدح والثناء فراجعها. ٤ - في أكثر الصفحات التي أشار إليها ليس فيها شيء من ما تقدم ولا غيره مما يدل على الإجلال والتوقير الذي زعمه وهي الصفحات (٩٧، ٩٨، ١٠٠، ١٠١، ١٠٢، ١٠٣، ١٠٤، ١٠٩، ١١٣) مع أنه في بعض الصفحات ذكره أكثر من مرة كالصفحة الأخيرة فإنه ذكره فيها ثلاث مرات لم يزد على قوله «ابن تيمية» فضن عليه حتى بالترحم عليه ولو مرة واحدة! وهذا كله يبين للقارئ أن أبا غدة حينما يستكثر من الإشارة إلى الصفحات تدليلًا على توقيره لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ثم لا يجد في أكثرها شيئًا من ذلك إنما يصدق فيه قوله ﵊: «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور». نسأل الله العافية والسلامة. وإن مما يؤكد لك ذلك أنه نقل أيضًا عن عدو شيخ الإسلام ابن تيمية رقم واحد ألا وهو شيخه الكوثري في نحو من عدد الصفحات التي نقل فيها عن ابن تيمية، فتراه في أكثرها يصفه بالإمام وفي بعضها «شيخنا» وتارة يقول

стр. 75

«شيخنا الإمام» وفيها كلها يضم إلى ذلك الترحم عليه لم يفته ذلك ولا مرة واحدة! وهي الصفحات (٥٢، ٥٩، ٦٩، ٧١، ٨٣، ٩٢، ٩٥، ٩٧، ١٠٤، ١٠٥، ١٠٧، ١٣٢، ١٣٨، ١٤٨، ١٧٢، ١٧٦، ١٨٤، ٢٠٣، ٢٢١، ٢٣٤). بل إنه في الصفحة (٩٧) ذكره مرتين مع الترحم عليه في كل مرة! وفي الصفحة (١٠٤) ذكر ابن تيمية دون أن يترحم عليه أو غيره مما يدل على التوقير المزعوم، وبعد أربعة أسطر قال: «وقد وجه شيخنا الإمام الكوثري رحمه الله تعالى»! وفي الصفحة المقابلة قال: «انتهى كلام شيخنا الإمام الكوثري رحمه الله تعالى» وأكثر من هذا، فإنه ذكرهما في سطر واحد مترحمًا على الكوثري دون ابن تيمية فقال (ص ٢٧٦): «وقد تعقب شيخنا الإمام الكوثري ﵀ صنيع ابن تيمية في تشدده ... » إلخ كلامه الذي نقلته بتمامه (ص ٧٠). ومن مكره وكيده أنه لم يذكر في الصفحات المتقدمة التي أحال إليها مستدلًّا بها على توقيره لشيخ الإسلام هذه الصفحة (١٧٦) لأن ما فيها من النقل عن الكوثري يكشف عن عورته وتدل على ما يضمره للشيخ من الحقد والطعن تبعًا لشيخه الكوثري عاملهما الله بعدله. ومن مكره وخبثه أنه يقول في ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب (ص ١٩) في تنصله من التكفير المنسوب إليه: «وهؤلاء أئمة أعلام من خيار المؤمنين العالمين العاملين الداعين إلى الله تعالى، ومن أراد أن يحكم عليه بالسفه والعته فليكفر أئمة الإسلام وهؤلاء السادة الأعلام، وهبني قلت هذا الصبح ليل ... أيعمى العالَمون عن الضياء»

стр. 76

يقول هذا وهو يعلم أن شيخه الكوثري يكفر ابن تيمية وابن القيم ويجعلهما في الخروج عن الإسلام والمسلمين كالزنادقة كما تقدم قريبًا فهل تعتقد إذن إن كنت صادقًا في تضليلك المذكورين أن شيخك الكوثري سفيه معتوه! وإن اعتقدت هذا فكيف تجمع في عقلك -عافاك الله منه- بين هذا التسفيه إن التزمته وبين اتخاذك إياه إمامًا، وإن لم تلتزم ذلك وظللت على انتسابك إليه فكيف توفق بين هذا وبين قولك السابق: «وهؤلاء أئمة أعلام ... ومن أراد أن يحكم عليه بالسفه والعته فليكفر أئمة الإسلام ... ». أليس هذا هو النفاق والتدجيل على الناس؟ ! وصدق من قال: ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم ومن ذلك أنه سود أيضًا صفحات تحت عنوان «انتصاري لشيخ الإسلام في أحرج الظروف» وحين تقرأ ما تحته من كلام ينكشف لك شيء من تعصبه على ابن تيمية واعتقاده المنحرف فيه فإنه نقل كلام الشيخ التهانوي فيه الذي أساء الأدب معه وهو قوله فيه: «ومما رده ابن تيمية من الأحاديث الجياد ... حديث رد الشمس لعلي ﵁، ولما رأى الطحاوي قد حسنه وأثبته جعل يجرح الطحاوي بلسان ذلق وكلام طلق، وأيم الله إن درجة الطحاوي في علم الحديث فوق آلاف من مثل ابن تيمية، وأين لابن تيمية أن يكون كتراب نعله، فمثل هؤلاء المتشددين لا يحتج بقولهم إلا بعد التثبت والتأمل».

стр. 77

ثم ركز أبو غدة كلامه على قول التهانوي: «وأين لابن تيمية أن يكون كتراب نعله» وانتقده في هذه العبارة وكتب إلى التهانوي بذلك حتى رجع عنها. فيلاحظ القارئ الكريم أن أبا غدة إنما عني بناحية شكلية متوسلًا بذلك إلى إظهار توقيره لشيخ الإسلام ابن تيمية وعدم تكفيره إياه، وفاته أن الأولى بانتقاده للتهانوي هو زعمه أن درجة الطحاوي في علم الحديث فوق آلاف من مثل ابن تيمية» وقوله فيه إنه من المتشددين، فإعراض أبو غدة عن انتقاده في هذين الأمرين لهو أكبر دليل على موافقته إياه فيهما، ويؤيده ما سبق نقله عن أبي غدة من حشره لابن تيمية في زمرة المتشددين تبعًا لشيخه الكوثري فأين ما زعمه من الإجلال والتوقير لابن تيمية وهو ينظر إليه بتلك النظرة المزرية المنحطة في الحديث، وأنه من المتشددين؟ ! واعلم أيها القارئ الكريم أننا لا نستبعد أن يكون أبو غدة معظمًا لابن تيمية في صفة من الصفات القائمة به كزهده وعلمه في التفسير والحديث والأصول وغيرها وصبره على البلاء والمحن وعليه فما يدعيه من الثناء على ابن تيمية والدفاع عنه فهو من هذه الحيثية. وهذا بطبيعة الحال لا ينافي أنه يعتقد فيه أنه ضال منحرف عن العقيدة كالتجسيم وغيره مما يتهمه به شيخه الكوثري، فهذا شيء وذاك شيء آخر، وقد يلمح المتأمل في كلامه شيئًا من هذا، فقد نقل ص ٢٨ - ٢٩ من كلماته تعليقًا له في بعض الكتب في الثناء على ابن تيمية وصبره في سجنه وعقب على ذلك بقوله: «ورحمه الله تعالى ورزقنا التأسي به فيما يلم من محن وابتلاء واعتداء وافتراء» فلم يطلب أن يرزق التأسي

стр. 78

به أيضًا في دعوته لعقيدة السلف وحسن فهمه للشريعة، لأن ابن تيمية لا يصلح فيهما عنده قدوة للناس، وهذا ما لا يجرأ أبو غدة أن يصرح به، ولذلك يظل يجادل ويكابر ويراوغ. هذا آخر الرد على ما جاء في جوابه عن الفقرة (١٦). ثانيًا: وأجاب عن الفقرة (١٧) بما يدينه بما تضمنته من الإشارة إلى نفاقه في أرض معاشه، فلم ينف ذلك عن نفسه ولو بلسانه، لأنه أخذ يتهكم بتعريفنا للقراء به اسمًا ومذهبًا ومشربًا وكونه حنفيًّا متعصبًا للكوثري فإنه لم يزد على قوله تضليلًا لقرائه عن الحقيقة: «فذكروا اسمي ونسبي واسم بلدي ومذهبي واسم ولدي، وفاتهم ذكر بقية أفراد الأسرة». فهو بذلك يضلل القراء الذين لم يسبق لهم أن اطلعوا على «المقدمة» والقصد الذي حملنا على ذكره بما هو متصف به من نسب ومذهب ومشرب على سبيل التعريف بكاتب ذلك التقرير الجائر. أسلفي وكوثري ؟ ! ثالثًا: وأجاب عن الفقرة (١٨) بأنه ليس كوثريًّا مائة في المائة! ويستدل على ذلك بأن الكوثري كان يجافي (كذا قال ولا يقول: يكفر) ابن تيمية وابن القيم بحسب رأيه واجتهاده (كذا قال عامله الله بما يستحق) ثم قال: «فلو كنت ملتزمًا بكل ما يقول لجفوتهما وتابعته في مشربه هذا نحوهما»! أما طعن الكوثري في أئمة الحديث وفيهم ابن تيمية وابن القيم واتهامه إياهم بالتجسيم وتلقيبهم بالحشوية السخفاء وبالجمود في الفقه والفهم وأنهم حملة أسفار وطعنه في الرواة الثقات وفيهم جماعة من الحفاظ والأئمة الفقهاء

стр. 79

كمالك والشافعي وأحمد وتكذيبه لعبد الله بن أحمد ... إلخ، مما سبق ذكره في الفقرة المذكورة فكل هذا لم يقل أبو غدة إنه ليس مع شيخه الكوثري فيها مع إلحاحنا عليه بالتبرؤ منه جملة وتفصيلًا ثم مع ذلك هو لم يقل ولم يتبرأ إلا من مجافاته لابن تيمية وابن القيم فكل ذي لب يشهد والحالة هذه أن أبو غدة لا يزال كوثريًّا في الأمور الأخرى وما أكثرها وواحدة منها كافية للحكم على أبو غدة بالضلال والخروج عن الفرقة الناجية إذا لم نقل بسقوطه في ساحة الكفر المستوجب الخلود في النار وبئس القرار. لا سيما وهو يتبجح في «كلماته» فيقول (ص ٣٨): « ... وأترك ما أراه بعيدًا عن القبول ولو صدر من أكبر من الشيخ الكوثري». وإذا كان أبو غدة صادقًا في قوله هذا ثم هو لم يتبرأ من تلك المفاسد العديدة المضللة لصاحبها، أليس ينتج من ذلك أن أبو غدة مؤمن بها لأنه لم يعرض عنها لا سيما وقد طلبنا منه ذلك لأننا لا نعاديه لشخصه وإنما نريد الهداية له كغيره، ولذلك أفسحنا المجال له للتراجع فلم يفعل فعلى نفسها جنت براقش. رابعًا: لم يتعرض للإجابة عن هذه الفقرة (١٩) مباشرة بل حاد عن ذلك لكي لا ينكشف تدجيله للقراء متناسيًا قول الله تعالى ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ فإنه قال تحت عنوان «أقوالي في ابن القيم» قال (ص ٣٦): «وإني بحمد لله تعالى وفضله أدين الله تعالى في مقام العقيدة بعقيدة السلف ﵃ فأقول بعقيدتهم في الأسماء والصفات، وأثبت لله سبحانه ما أثبته لنفسه

стр. 80

وما أثبته له سيدنا رسول الله ﷺ من غير تأويل ولا تحريف ولا تشبيه ولا تمثيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾». فأقول والله المستعان: ١ - أسلفي وكوثري؟ ! فهذان ضدان لا يجتمعان فكيف يصر أبو غدة على كونه كوثريًّا في المسائل التي كنا شرحنا القول فيها في المقدمة وأشرنا إليها فيما سبق وطلبنا منه فيها أن يتبرأ منها فلم يتبرأ ثم هو يعلن هنا أنه سلفي العقيدة! أليس هذا من الأدلة التي تؤيدنا في وصفنا إياه بأنه «يلعب على الحبلين» فهو مع سلفيي العقيدة سلفي، ومع الكوثريين كوثري! تالله إن هذا لشيء عجاب! ولو أن الكوثري نفسه كان حيًّا لتبرأ منك لجمعك بين النقيضين ولعبك على الحبلين وإني لأشهد له على ضلاله أنه خير منك في صراحته، وبعده عن مثل هذا النفاق المكشوف! ! ٢ - إني لأسألك هل تتصور مسلمًا سواء كان سلفيًّا أم خلفيًّا ماتريديًا أم أشعريًّا، ودوبنديًّا أم كوثريًّا يتجرأ أن يقول خلاف هذا القول المعسول الذي قلته لإثبات كونك سلفي العقيدة؟ كل المسلمين يقولون مثل قولك هذا حتى شيخك الكوثري على ضلاله الكبير لا يسعه أن يقول غير ذلك -مع طعنه في حماة عقيدة السلف- وإلا لو قال غير ذلك لانكشف الغطاء، فإذن ما هو الفرق بين السلف والخلف في ذلك؟ والجواب: مذهب السلف في الصفات وموقف الدعاة اليوم فيه ١ - السلف يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه في

стр. 81

كتابه أو أخبر به نبيه ﷺ ويؤمنون بذلك أنه كما وصف به نفسه حقيقة من غير تأويل ... إلخ في هذه اللفظة «حقيقة» هي* الصفة المميزة للسلفي على غيره من الخلفيين فإن هؤلاء على قسمين: قسم مفوضة يؤمنون بألفاظ الآيات وأحاديث الصفات دون الإيمان بحقائق معانيها اللائقة بالله تعالى. وهذا هو الذي عليه الآن كثير من الخلفيين الذين لم يدرسوا عقيدة السلف أو درسوها ولم يفهموها أو فهموها ولم يهضموها ولم يؤمنوا بها. ويغلب هذا على الذين يتظاهرون بأنهم من الدعاة إلى الإسلام (وفاقد الشيء لا يعطيه) وبعضهم يزعم أن هذا هو مذهب السلف جهلًا أو تجاهلًا ومنهم الكوثري شيخ أبو غدة كما صرح بذلك في تعليقه على «الاختلاف في اللفظ» لابن قتيبة (ص ٣٠). وقسم مؤولة معطلة ينكرون حتمًا بعض صفات الله تعالى باسم التأويل وتحريف الكلم عن مواضعه، ومنهم شيخك الكوثري بل هو حامل راية هذا الانحراف في العصر الحاضر. وأنت حين قلت: «من غير تأويل ولا تحريف .. » قد أخرجت نفسك -ولو بلسانك والله حسيبك وسائلك عما في قلبك- من هذا القسم الأخير، ولكنك لم تخرج نفسك أن تكون من المفوضة الذين وقف إيمانهم عند الألفاظ دون المعاني! فيا ترى هل تعمدت أن لا تضم إلى كلامك السابق كلمة «حقيقة» لكي تضلل القراء، ويشهدوا لك بأنك سلفي! أم أنك أنت نفسك لا تدري الفرق بين القسمين المذكورين؟ ! فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

стр. 82

ويشهد الله إنه ليسرني ويسعدني أن تكون مخلصًا في تصريحك هذا الذي تنكر فيه التأويل الذي كان شيخك الكوثري قد دان به، فأودى به أن أخرجه عن طريقة السلف مائة في المائة، بل وحمله على الطعن في عقيدة السلف وعلى تأويل كلماتهم التي تخالف مذهبه في آيات وأحاديث الصفات، ولم لا يؤول كلماتهم وهو يؤول كلام الله وكلام رسوله ﷺ ؟ ! ولا أستبعد أن يكون تصريحك بما تخالف فيه شيخك الكوثري من التأويل، إنما استفدته من مخالطتك للعلماء النجديين الذين هم من أعلم الناس اليوم بهذه العقيدة السلفية. ولكن بقي عليك شيء هام وهام جدًّا، وهو أن يكون إيمانك بعقيدة السلف إيمانًا حقيقيًّا ليس فقط لا تأويل فيه بل ولا تفويض أيضًا، وهذا ما أجزم أنك بعيد كل البعد عن الإيمان به، لأنك لو كنت مؤمنًا حقًّا لبادرت إلى الإجابة عن الأسئلة السبعة المشار إليها في هذه الفقرة وأكثرها متعلقة بالعقيدة عقيدة السلف وحينئذ فلا فائدة كبرى من إنكارك التأويل لأنك لم تؤمن بما يقابله وهو الإيمان بصفاته تعالى حقيقة كما يليق به . فقولك إذن: «فأقول بعقيدتهم في الأسماء والصفات». إما أنه من قبيل ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أو من قبيل قول المنافق حين يسأل في القبر عن النبي ﷺ : «لا أدري أقول كما يقول الناس» فأنت سمعت علماء نجد الموحدين ينكرون التأويل فقلت بقولهم دون أن تفهم لازمه وهو الإيمان بالصفات

стр. 83

حقيقة لا تأويل ولا تفويض. ومن أين لأبي غدة أن يدري العقيدة السلفية وقد عاش حياته في أحضان أكبر عدو لهما في العصر الحاضر وتتلمذ عليه حتى انتسب إليه فخورًا فهو «الحنفي الكوثري» باعترافه! ! ولذلك فنحن لا نزال نطالب بإلحاح بأن تجيب على الأسئلة السبعة جوابًا صريحًا لا مواربة فيه ولا مخادعة، وتعلن أنك بريء من الكوثري جملة وتفصيلًا وأنك لا توافقه في كل ما أخذناه عليه من المطاعن في «المقدمة» (ص ٢٤ - ٤٦) وغيرها كثير وتنتفي من انتسابك إليه صراحة. فإن كل أحد يعلم أنك إذا تبرأت منه لم تتبرأ من الإسلام وأنت تشهد الشهادتين وما تستلزمان من العقيدة الصحيحة ما دمت تقول إنك تقول بعقيدتهم، فأجب عما سئلت، وأعلن براءتك من كوثريتك ليكون أحبابك وأعداؤك على بينة من أمرك، والسلام على من اتبع الهدى. خامسًا: وأما ما يتعلق بالفقرة (٢٠) فإن المسكين لم يصنع شيئًا سوى أنه نقل من «المقدمة» ما كنت ذكرته في خاتمتها عن «التقارير التي يقدمها الجواسيس والمخبرون» دون أن نسمي أحدًا ولكنه عرف نفسه فقال عقبه: «انتهى كلامهم بالحرف الواحد. وهم يعنوني بهذا كله». فأقول: عرفت فالزم، ثم اندم على ما «يداك أوْكتا، وفوك نفخ»! (١) وأما ما تضمنته الفقرات التي قبل هذه

стр. 84

من الإشارة إلى ما في المقدمة من العلم والنقد الصحيح والإلزام، وغير ذلك من الحقائق، فلم يتعرض لهما أبو غدة بذكره مطلقًا لا اعتراضًا ولا اعترافًا، متناسيًا أن الاعتراف بالحق والرجوع عن الخطأ فضيلة. الأمر الذي يذكرنا بالمثل الشامي: «هو كالصوفي لا بينكر ولا بيوفي»! وبالمثل العربي القديم: «تلدغ العقربُ وتصيءُ»: تصيح! و «إن عادت العقرب عدنا لها وكانت النعل لها حاضرة»! رابعًا- بهت جديد واستعداء غير شريف: لم يكتف أبو غدة بكل تلك الافتراءات والطعنات التي وجهها إلي في تقريره الجائر التي رددتها عليه في «المقدمة» ردًّا لم يستطع الجواب عليها البتة كما عرفت من هذا الرد على «كلماته» بل إنه عاد إلى بهت وحقد جديد، مما يذكرني بما في الأمثال: قيل للشقي هلم إلى السعادة فقال: حسبي ما أنا فيه! ذلك أنه بعد أن يئس من تحريك المسئولين هناك ضد تعليقات الألباني وتخريجه لشرح الطحاوية عاد يفتش في كتب الألباني الأخرى لعله يعثر فيها على زلة يتشبث بها - كالغريق يتعلق ولو بخيوط القمر! ليبني عليها قصورًا وعلالي، وقد وجد في بعضها كلمات فيها تذكير للمسؤولين هناك ببعض الأمور المنكرة التي تقع في المدينة المنورة، ليبادروا إلى تلافيها قبل أن يتسع الخرق على الراقع. فاعتبر ذلك أبو غدة تنديدًا ونيلًا من العلماء والمسؤولين هناك ليتقرب بذلك إليهم نفاقًا منه على حساب قلب الحقائق ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ كيف لا وكل مسلم يعلم قوله ﷺ : «الدين النصيحة لله ولكتابه

стр. 85

ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم»، فأبو غدة يتجاهل هذا الحديث مع النصوص الأخرى من الكتاب والسنة التي توجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح لأئمة المسلمين وعامتهم، ويجعل ذلك طعنًا في الأئمة، ويستعديهم علي زاعمًا أنني نددت بهم فيقول بعد أن توسل إليهم بإطرائهم والثناء عليهم بما يعلم أصحابه وتلامذته قبل غيرهم أنه يقول بلسانه ما ليس في قلبه فإنه بعد أن عاد إلى الإشارة إلى المقدمة وما فيها من الأوصاف التي كشفنا فيها اتصافه بها وإلى الطعن في كاتبها وناشرها بقوله: «أولئك الذين يدعون السلفية والغيرة على العقيدة لمنافع وغايات شخصية وهم أشد الأعداء لما يدعون»؟ هكذا فليكن قلب الحقائق، أبو غدة الكوثري سلفي، والألباني وإخوانه السلفيون المعروفون بذلك منذ ثلث قرن من الزمان أو أكثر، هم أشد الأعداء لما يدعون وليس هو الكوثري وتلميذ الكوثري! تالله لقد حق فيه قول من قال: «جاء بقرني حمار». قال أبو غدة الكوثري بعد ذلك تحت عنوان: استغلال للسلفية وتهجم عليها: «نشروا في بعض كتبهم ما نالوا به من العلماء والمسئولين في هذه المملكة الكريمة التي قامت على العقيدة وحمايتها ورعايتها ونشرها وما تزال هي الحامية الراعية لها، وتضع في سبيل نشرها والدعوة إليها والذود عنها كل إمكاناتها. قالوا في كتاب «حجة النبي ﷺ » (ص ١٤٥) منددين بالمملكة العربية السعودية الموقرة والعلماء والمشايخ المعروفين فيها ما أضعه بالحرف الواحد بين قوسين: «إن دولة التوحيد بدأت

стр. 86

تتهاون بالقضاء على ما ينافي توحيدها الذي هو رأس مالها، والمشايخ وجماعة الأمر بالمعروف هيئة! إلا ما شاء الله» انتهى كلامهم». فانظر أيها القارئ الكريم إلى هذا الكوثري الأتب الأخسر بحق كيف يقلب الحقائق فيجعل المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، فبدل أن يضم صوته إلى صوتي ويذكر تذكيري بضرورة محاربة ما بدأ يظهر من الشركيات والوثنيات إذا به يعتبر تذكيري هذا تنديدًا بالحكام والعلماء السعوديين! فأنا إنما قلت ما نقله عني تعليقًا على إحدى البدع التي سردتها في آخر «حجة النبي ﷺ » وهي: «١٢٣ - ربط الخرق بالمقام والمنبر لقضاء الحاجات» فقلت تعليقًا عليها: «هذه الظاهرة قد تضخمت في الآونة الأخيرة تضخمًا لم يكن فيما سبق مما يدل على أن دولة التوحيد ... » إلخ. فتأمل كيف حذف الكوثري هذه الجملة التي تدل القارئ على السبب الذي دفعني إلى تذكير الدولة بالتهاون المذكور عسى أن تعالج الأمر بما يلزم من حزم وعزم، فاعتبر تذكيري هذا ونصحي للدولة وعلمائها طعنًا فيهم! أليس يدل صنيع أبي غدة هذا على أنه يغار فيما يظهر على المملكة السعودية وعلمائها أكثر مما يغار على شرع الله، على افتراض أن غيرته خالصة منه لهم، ولم ذلك يا ترى؟ الجواب واضح عند القراء، ومع ذلك فحسبي أن أعتقد أن الحكماء والعلماء والمشايخ المخلصين منهم لا يشاركون «أبو غدة» في هذه الطعنة بل يعتقدون بأنني قمت بشيء مما يجب

стр. 87

علي من التنبيه والتذكير وهم يقدرون ذلك، كما صارحني به بعضهم، وإن كان أعداء التوحيد يستغلون مثل هذا ويحاولون إثارة الحكام علينا هناك ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وليت شعري ماذا يريد أبو غدة من استعدائه الحكام هناك علينا، فلو أنني كنت موظفًا مثله عندهم لقيل: إنه يسعى إلى الإضرار بك بطردك من وظيفتك - وقطع الرزق عنك، ولكن وأنا أعيش في سورية أكسب رزقي بكد يميني وعرق جبيني فماذا يبغي أبو غدة من ذلك الاستعداء؟ لم يبق إلا أن يقال يبغي بذلك منعك من الحج والعمرة الذي اعتدته كل سنة غالبًا منذ بضع سنين، فليتأمل القارئ في صنيع هذا الأتب الذي تبجح في «كلماته» بقوله: «وسلوكي مكشوف، وخلقي معروف»! وقبل ذلك رضي بأن ينشر عنه بعض إخوانه تلك التزكية التي جاء فيها: «جمع إلى علمه الغزير التقوى والخشية من الله في السر والعلن (! )، فهو وقاف عند حدود الله لا يتعداها، مبتعد عن الشبهات والمكروهات (! ) ما عرف عنه قط أنه أمر بمعروف إلا وطبقه على نفسه (! ) ومن يعول (! ) ولا نهى عن منكر إلا وقد اجتنبه هو ومن يعول (! )» (١). فهل يستعدي ذاك الاستعداء من قام فيه بعض هذا الثناء أم هو النفاق المتحكم في الشيخ نفسه وبعض تلامذته؟ !

стр. 88

ثم قال أبو غدة هداه الله وأماط عنه بغضه وحقده: «وقالوا في هذا الكتاب أيضًا (ص ١٥١) منددين بالمسؤولين عن المسجد النبوي واصفين لهم بمسايرة الأهواء وضعف الإيمان وغلبة الهوى: « ... ولقد تحدثت مع بعض الفضلاء بضرورة الحيلولة بين هؤلاء الجهال وما يأتون من المخالفات، ولكن المسؤول الذي يستطيع ذلك لم يفعل، ولن يفعل إلا أن يشاء الله! ذلك أنه يساير بعض أهل المدينة على رغباتهم وأهوائهم، ولا يستجيب للناصحين من أهل العلم، ولو كانوا من أهل البلاد! وإلى الله المشتكى من ضعف الإيمان، وغلبة الهوى، الذي لم يفد فيه حتى التوحيد! لغلبة حب المال على أهله إلا من شاء الله وقليل ما هم، وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: «فتنة أمتي المال». انتهى كلامهم». قلت: هذا النص كسابقه في الدلالة على أنني ذكرت المسؤولين هناك بما يقع في المسجد النبوي من المنكرات، ولكن أبو غدة على عادته في قلب الحقائق يعتبر ذلك تنديدًا بالمسؤولين ومن هنا عرفت السبب في كون أبي غدة استطاع أن يستمر موظفًا عندهم نحو عشر سنين مع أنهم في العقيدة سلفيون وهو خلفي*! وذلك بتزلفه لديهم، ومنافقته إياهم، بينما غيره لم يطل مكثه لديهم إلا ثلاث سنوات مع اعتقادهم فيه أنه سلفي، وما ذلك إلا لنصحه وتذكيره مع تقصير لا يخلو منه إنسان، وذاك متفوق في ترك النصح والتذكير ليحظى منهم بـ «عدد من القرش ليملأ به الكرش! ». وقبل أن أنتقل بالقراء إلى فقرة أخرى أريد أن ألفت النظر إلى تمام الكلام الذي تعمد أبو غدة حذفه في أول

стр. 89

الكلمة السابقة التي نقلها عن كتابي وأشار إليه بثلاث نقط في أولها « ... » أقول تعمد أبو غدة حذفه لغاية معروفة لا تخفى على القارئ وهو قولي تعليقًا على البدعة: ١٤٧ - قصد الصلاة تجاه قبره ﷺ : «لقد رأيت في السنوات الثلاث التي قضيتها في المدينة المنورة (١٣٨١ - ١٣٨٣) أستاذًا في الجامعة الإسلامية، بدعًا كثيرة جدًّا تفعل في المسجد النبوي، والمسؤولون فيه عن كل ذلك ساكتون، كما هو الشأن عندنا في سورية تمامًا. ومن هذه البدع ما هو شرك صريح، كهذه البدعة، فإن كثيرًا من الحجاج يتقصدون الصلاة تجاه القبر الشريف، حتى بعد صلاة العصر في وقت الكراهة، ويشجعهم على ذلك أنهم يرون في جدار القبر الذي يستقبلون محرابًا صغيرًا من آثار الأتراك ينادي بلسان حاله الجهال إلى الصلاة عنده، زد على ذلك أن المكان الذي يصلون فيه إنما هو سدة مفروشة بأحسن السجاد، ولقد تحدثت مع بعض الفضلاء ... » إلخ. فهل في هذا الكلام إلا تذكير المسؤولين هناك بما يجب عليهم من السعي لإزالة هذه المنكرات من المسجد النبوي مما لا يرضاه هو نفسه صلوات الله وسلامه عليه، قبل أن يستفحل الداء ويعز الدواء. ونحو ذلك قوله تحت عنوان: «تطاول على المسؤولين»: مثال جديد لكذبه في النقل «وقالوا في هذا الكتاب أيضًا ص ١٥٦ في معرض انتقادهم على إنشاء حكومة المملكة العربية السعودية الموقرة

стр. 90

جدارًا على قبور شهداء أحد لمنع الدخول والتمسح بها، مدعين قرب عودة مظاهر الوثنية إلى أرض دولة التوحيد في ظل الحكم السعودي القائم، قالوا ما أضعه بالحرف الواحد (! ) بين قوسين: «كانت الأرض التي فيها قبر حمزة وغيره من شهداء أحد لا بناء عليها إلى السنة الماضية ١٣٨٣ هـ ولكن الحكومة السعودية في هذه السنة أقامت على أرضهم حائطًا مبنيًّا بالأسمنت، وجعلت له بابًا كبيرًا من الحديد من الجهة القبلية، ونافذة من الحديد في آخر الجدار الشرقي فلما رأينا ذلك استبشرنا شرًّا! وقلنا: هذا نذير شر! ولا يبعد أن يكون توطئة لإعادة المسجد والقبب على قبورهم، كما كان الأمر قبل الحكم السعودي الأول، حين كان القوم متحمسين للدين، عاملين بأحكامه، وهذا أول الشر. وإذا استمر الأمر على هذا المنوال من التساهل في تطبيق الشرع، والتجرؤ على مخالفته، فلا أستبعد أن تعود مظاهر الوثنية إلى أرض دولة التوحيد كما كان الشأن قبل حكمها» انتهى كلامهم وفيه تهجمهم على علماء المملكة وتطاولهم على المسؤولين فيها». أقول وبالله المستعان فإن أصعب شيء مناقشة من لا يخشى الله، ويكابر حتى يقول: عنزة ولو طارت فإن: قوله: ما أضعه بالحرف الواحد. كذب مكشوف فقد حذف من كلامي جملًا لغاية التضليل وإثبات التهجم المزعوم. ١ - قلت بعد قولي عاملين بأحكامه: «والله غالب على أمره. وهذا أول الشر، فقد رأيت الخرق على النافذة

стр. 91

تتكاثر، ولما يتكامل بناء الحائط، وقيل لي: إن بعضهم صاروا يصلون داخل البناء تبركًا، وإذا استمر الأمر على هذا المنوال ... » وإذا علمت هذا الكلام المحذوف يتبين لك أن «أبو غدة» لا يزال يحرف الكلم عن مواضعه شأن الذين قال الله فيهم ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ فإنه بالحذف المذكور حرف المعنى عن القصد الذي رميت إليه بتمام الكلام فإن اسم الإشارة في قولي (هذا أول الشر) إنما يعود إلى ما رأيته من الخرق على النافذة. وعلى حذفه المذكور يعود إلى ما سبق ذكره من بناء الحائط على المقبرة! ٢ - قوله: انتهى كلامهم وفيه تهجمهم ... فيه كذبتان بل ثلاث: الأولى: أن الكلام لم ينته، بل قد جاء في آخره ما نصه: «ثبت الله خطاها، ووجهها إلى العمل بالشرع كاملًا، لا تأخذها في الله لومة لائم، وهو المستعان». وحذفه لهذه الجملة من أبين التحريف لأنه لو أثبتها لانكشف افتراؤه للقراء بداهة، ولذلك حذفها تضليلًا للقراء وبهتًا للأبرياء، فعليه من الله ما يستحق وهذه الجملة لأكبر دليل على أننا نريد النصح بهذه الكلمات للدولة السعودية وحكامها ولا نريد النيل والطعن منهم كما يريد أن يقول هذا الأفاك الأثيم. الثانية: قوله: كلامهم، فإن هذا كلامي وحدي، والناشر لا يتحمل مسؤوليته لو كان خطأ وكذلك غيره. فهو من تضليله أيضًا للقراء كما شرحته من قبل.

стр. 92

الثالثة: قوله: تهجمهم فإنه كذب مزدوج، فإنه لا تهجم مطلقًا، إنما هو النصح والتذكير، ولو فرض أنه تهجم، فعلي وحدي مسؤوليته لا علاقة للناشر ولا لغيره به. ٥ - تكراره الاتهام بالطعن في المذاهب والرد عليه فيه وفي زعمه إنها هي الشرع ! هذا وكأن أبو غدة يشعر في قرارة نفسه أن هذه التهمة التي حاول إلصاقها بي لاستعداء الحكام هناك علي سيعود عنها فاشلًا إن لم تكن سهمًا في نحره، ولذلك سلك سبيلًا أخرى كان قد طرقها من قبل إشاعة بلسانه، والآن يعود إليها إذاعة بقلمه فكشف بذلك عن نواح أخرى من جهله بالإسلام وعديد من الاتهامات الأخرى. وبذلك يكون كالباحث عن حتفه بظلفه، والحافر لقبره بنفسه، فبعد أن نسب إلي أنني اعتبرت انتسابه إلى المذهب الحنفي مجالًا للانتقاص من أبو غدة، وهذا كذب أيضًا قال تحت عنوان: «طعنهم في المذاهب الأربعة»: «وما كان لي أن أستغرب ذلك منهم ما داموا يعتقدون الانتساب إلى أي إمام من أئمة المذاهب المتبعة سبة وعارًا يُوصم به المنتسبون إلى تلك المذاهب فقد قرنوا المذاهب المتبعة بالإنجيل، وأخرجوها عن دائرة شرعنا وعن الكتاب والسنة وزعموا أنها غيرهما، نعم زعموا أنها غير الكتاب والسنة، فما أدري ماذا يعنون؟ ! وماذا -من وراء ذلك- يقصدون؟ ! فهذا قولهم في حاشية «مختصر صحيح مسلم للحافظ المنذري» المطبوع في الكويت الطبعة الأولى والثانية جميعًا في الجزء الثاني منه في ص (٣٠٨) بالحرف الواحد:

стр. 93

« ... إن عيسى ﵇ -أي عند نزوله- يحكم بشرعنا، ويقضي بالكتاب والسنة لا بغيرهما من الإنجيل أو الفقه الحنفي ونحوه» انتهى قولهم بالحرف الواحد. وهيهات أن يغطوا ما صدر منهم بأي تأويل أو تعليل؟ ! وقد أفاد قولهم هذا: أن (الفقه الحنفي ونحوه) ليس من شرعنا وليس من الكتاب والسنة». بيان ما في كلامه على «حاشية مختصر مسلم» من الكذب والضلال أقول: في هذا الكلام من الكذب والضلال ما لا يصدر من إنسان يحترم دينه وعقله، بل يحترم إخوانه وأصدقاءه وإليك البيان: أولًا: لقد أثبتنا فيما تقدم كذبه فيما نسب وينسب إلينا من الطعن في المذاهب وأننا نعتبر الانتساب إليها سبة وعارًا، فهذا كذب جهارًا، وقد سبق بيان ذلك مفصلًا فلا نعود إليه، وإن جعل هذا الضال إعادة التهمة في ذلك ديدنه، فالله حسيبه. ثانيًا: قوله «وأخرجوها (أي المذاهب) عن دائرة شرعنا وعن الكتاب والسنة وزعموا أنها غيرها». موقفنا من المذاهب فأقول: هذا كذب أيضًا بهذا الإطلاق، ولا يقول بذلك مسلم على وجه الأرض إذ من المعلوم ضرورة أن في المذاهب كثيرًا وكثيرًا جدًّا من المسائل المتفق عليها بين المسلمين، ولها أدلتها من الكتاب والسنة وفي كل منها مما اختلفوا فيه كثير من الصواب الذي ترجح بدليل من الكتاب والسنة. ولكن في مقابل هذا كثير من المسائل في كل مذهب مما قام

стр. 94

على الاجتهاد والرأي، ودلت السنة على خطئها، فالمخطئ فيها مأجور أجرًا واحدًا، ولذلك لما جمع العلامة ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى المسائل التي خالف مذهب كل واحد من الأئمة الأربعة الحديث الصحيح انفرادًا واجتماعًا في مجلد ضخم ذكر في أوله أن نسبة هذه المسائل إلى الأئمة المجتهدين حرام وأنه يجب على الفقهاء المقلدين لهم معرفتها لئلا يعزوها إليهم، فيكذبوا عليهم (١). من أجل ذلك صح عن الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى النهي عن تقليدهم، والأمر بالرجوع إلى الكتاب والسنة كما هو مفصل في أول كتابي «صفة صلاة النبي ﷺ » وغيره، وفيه بيان الموقف الوسط الذي ينبغي على المسلم أن يقفه تجاه الأئمة رحمهم الله تعالى، وأبو غدة على علم بذلك، ولكنه يكابر على عادته وينسب إلي ما هو نفسه على علم ببطلانه فالله حسيبه. من أجل هذا النوع من المسائل المخالفة للسنة لدى كل مذهب من المذاهب الأربعة فضلًا عن غيرها لا يجوز القول بأنها هي الكتاب والسنة، وأنها بكل ما فيها من تفاصيل وأخطاء هي من شرعنا. وإذا كان الإمام ابن دقيق العيد يحرم كما سبق نسبة هذه المسائل إلى الأئمة الأربعة، فكيف يجوز نسبتها إلى الشرع الإسلامي؟ ! ولذلك برأت عيسى ﵇ أن يحكم بمذهب من المذاهب حين قلت تعليقًا على قول الإمام ابن أبي ذئب الراوي لحديث: «كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم فأمكم منكم» قال ابن أبي ذئب مفسرًا له: «فأمكم بكتاب ربكم وسنة نبيكم» فقلت تعليقًا عليه:

стр. 95

«هذا صريح في أن عيسى ﵇ يحكم بشرعنا، ويقضي بالكتاب والسنة، لا بغيرهما من الإنجيل، أو الفقه الحنفي ونحوه». وأشرت فيه بذكر الإنجيل إلى الرد على النصارى الذين يزعمون أن عيسى عند نزوله لا يحكم بالقرآن، وإنما بالإنجيل، وبذكر الفقه الحنفي الرد على بعض متعصبة الحنفية الذين يجزمون بأن عيسى ﵇ سيحكم بالمذهب الحنفي. وقصدت بقولي: «ونحوه» دَفْعُ ما قد يخطر في بال بعض متعصبة الحنفية أن ذكري للفقه الحنفي دون غيره، إنما هو تعصب مني عليه وميل إلى غيره فقلت: «ونحوه» تسوية بينه وبين المذاهب كلها في أن عيسى لا يحكم بشيء منها، وإنما بالكتاب والسنة فقط، وما كان ليخطر في البال أن يستغل هذا الكلام الموجز مثل هذا الاستغلال الرخيص الذي صدر عن أبو غدة سابقًا ولاحقًا، أما سابقًا، فذلك حين تم طبع الكتاب في طبعته الأولى، فإنه أقام الدنيا وأقعدها، بإشاعته بين الناس أن الألباني يطعن في المذاهب الأربعة وأنه لا يجوز الانتساب إليها كما لا يجوز الانتساب إلى الإنجيل، ونحو ذلك من الزور الذي أفصح عنه الآن كتابة في «كلماته» فكم من شخص سألني عن هذه الإشاعة، فكان جوابي تجاهها: سبحانك هذا بهتان عظيم، ولما عرفنا يومئذ أن مصدرها أبو غدة سارعت إلى كتابة استدراك ضمنته الرد على هذه الإشاعة وإبطالها، مع الإشارة إلى أن الذي تولى كبرها هو أحد متعصبة الحنفية ووضحت فيه هذا التعليق الوجيز بنحو ما بينه الناشر للطبعة الثانية في مقدمته للطبعة الثانية، وأرسلت الاستدراك إلى وكيل الناشر الأول، والقائم على طبع الكتاب في بيروت يومئذ لكي يطبع الاستدراك ويلحقه

стр. 96

بالكتاب قبل توزيعه، أتبعت ذلك ببرقية أرسلتها إلى الناشر وهو في الكويت راجيًا أن لا ينزل الكتاب في الأسواق قبل أن يأتيه الاستدراك مطبوعًا ليلحق بالكتاب، وأردفتها بخطاب أرسلته إليه مفصلًا للأمر، ولكن الكتاب وزع، دون الاستدراك! وقد قيل إن السبب أن أبا غدة صديق ذاك الوكيل، وكان يتردد عليه حينذاك فأطلعه على الاستدراك، فأوعز إليه بعد نشره. فكان له ما أراد. وبعد أشهر لقيت الناشر فسألته عن سبب عدم نشر الاستدراك فأجاب بجواب لا طائل تحته، ولا أدري حتى اليوم ما هي نسبة المسئولية التي يتحملها لعدم طبع الاستدراك المذكور. ثالثًا: ومن العجائب أن الناشر المشار إليه هو من أصدقاء أبو غدة الحميمين، ولا يزال يبيع له كتبه على ما فيها من طعن في الأئمة في مكتبته في الكويت حتى اليوم. وأبو غدة يعلم يقينًا أنه هو الناشر، ومع ذلك فهو يحمله، أيضًا مسئولية قولي على الحاشية بإشراكه معي في أكذوبته المعتادة: «قولهم»، والقائل إنما هو أنا فقط، وليس للناشر أو الطابع أي علاقة به فانظر إليه كيف يقول: «فهذا قولهم في حاشية «مختصر مسلم ... » المطبوع في الكويت ... » فإنه في العادة يعني بمثل هذا اللفظ: «قولهم» المؤلف والناشر له كتبه وهو الأخ زهير الشاويش «صاحب المكتب المعروف»! فغلبته عادته الجائرة فعنى معي غيره من الناشرين، ألا وهو الناشر الأول الكويتي المصري وهو من أصدقائه الحميمين كما ذكرنا فأضر به وهو لا يشعر، مما يذكرني بالمثل المشهور: «عدو عاقل خير من صديق جاهل»! رابعًا: قوله «المطبوع في الكويت في الطبعة الأولى والثانية» تضليل مقصود منه، فإنه يعلم أنه طبع في بيروت

стр. 97

الطبعة الأولى والثانية، وقد صرح بذلك الناشر للطبعة الثانية الأخ الشاويش في مقدمة الطبعة الثانية، وأبو غدة على علم بها كما هو صريح قوله هذا وغرضه من هذا التضليل صرف الناس عما نسب إليه من السعي لدى القائم على الطبعة الأولى في بيروت بعدم طبع الاستدراك المشار إليه آنفًا. خامسًا: قوله: «وهيهات أن يغطوا ما صدر منهم بأي تأويل أو تعليل». قلت: وهذا من مكابرة هذا المتعصب الجائر وإنكاره للحقائق، فهو يسمي البيان والتوضيح الذي طبعه الناشر في مقدمة الطبعة الثانية تغطيةً! ولو شئنا أن نعامله بمثل عمله هذا لقلنا إن تأليفه لرسالته هذه «كلمات في كشف أباطيل وافتراءات» إنما هو تغطية لأباطيله وافتراءاته وتدجيله على الناس وكفى، ولما أضعنا وقتًا عزيزًا علينا في الكشف عنها مقرونًا بالدليل والبرهان كما هو منهج القرآن ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. أما أبو غدة فتراه يرسل كلامه إرسالًا فيما يقذف به خصمه من أباطيل وتهم دون أن يحاول دعم ذلك بالدليل. ولكنه في الحقيقة معذور عند نفسه، لأنه يعلم أنه ليس لديه أي دليل على ذلك، ولهذا يكتفي بأن يلدغ ويصيء؟ توضيح المقصود من الحاشية على «المختصر» وزعم بعض الحنفية في عيسى ﵇ وتأكيدًا لذلك أنقل إلى القراء الكرام نص كلمة الناشر الفاضل الأستاذ زهير الشاويش -جزاه الله خيرًا- في مقدمة الطبعة الثانية، بعد أن أشار إلى تعليقي الذي استغله المتعصب الجائر فقال:

стр. 98

«وكان الاقتصار في التعليق على ما رآه المحقق كافيًا، غير أن ذوي الأغراض استغلوا ذاك التعليق أسوأ استغلال. وحجة المحقق فيه هي الرد على المتعصبة الذين ضاهوا بكلامهم وتعصبهم لإمامهم ومذهبهم قول الضالين الذين زعموا بأن سيدنا رسول الله (عيسى ابن مريم ﵇ يجيء مؤيدًا لما هم عليه من كفر بالله وبعيسى وأمه البتول. والواقع أن قول المحقق كان ردًّا على ما جاء من رسائل وفتاوى وأقوال تزعم بأن سيدنا عيسى ﵇ سوف يحكم بالمذهب الحنفي عندما ينزل في آخر الزمن، مستدلين على ذلك بقصة حُلُم سخيف رواها مجهول يقول ببقاء أقوال مذهبه محفوظة في صندوق في نهر جيحون وفيه ما علمه أبو حنيفة للخضر. وقبل أن ينزل عيسى يرفع القرآن والعلم، فيذهب عيسى إلى النهر حائرًا يطلب العلم من النهر، فتخرج له يد فيها صندوق العلم الذي أودعه الخضر النهر مما تعلمه من الإمام أبو حنيفة عليه رحمة الله). هذا هو الذي رد عليه المحقق بسطر واحد موجز، يعرف مدلوله أهل العلم، ظنًّا منه بأن هذا الرد يكون عونًا لهم على الاستدلال بحديث النبي ﷺ : كيف أنتم إذا نزل ... » فذكر الحديث - والتعليق المتقدم عليه. ثم قال الأخ ناشر الطبعة الثانية: «وممن روى قصة النهر والخضر وأبي حنيفة الإمام الحصكفي وهو من كبار رجال مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ في مقدمة كتابه المشهور (الدر المختار) الذي جعلت عليه حاشية ابن عابدين أعظم كتب الأحناف في العصور المتأخرة، بل هي من أهم المراجع للفقه الإسلامي كله. وقد تجنب المحقق ذكر القصة بالتفصيل، لأن تتبع

стр. 99

سقطات العلماء مما نهينا عنه، واكتفى برد الفرية عند من كان يعرفها، وبذلك حال بين إشاعة ما يدل على الاعتماد بالعقائد والأحكام على الأحلام والأقوال غير الصحيحة مما يفعله البعض، فلو أدرك ذلك الذين استغلوا التعليق، وعملوا بموجبه لكان خيرًا لهم». سادسًا: قال عقب ما سبق: «وقد أفاد قولهم هذا: «أن الفقه الحنفي ونحوه» ليس من شرعنا وليس من الكتاب والسنة». فأقول: هذا تكرار لقوله المتقدم: «وأخرجوها عن دائرة شرعنا ... » وقد سبق بيان ما فيه من الكذب والتضليل والصواب الذي نعتقده حول المذاهب وهل يقال هي من الشرع مطلقًا أم لا فلا داعي للإعادة. سؤال إلى «أبو غدة» فهل يجيب ؟ ولكني أريد أن أسأل هذا المتعصب الذي يحاول أن يصطاد في الماء العكر: مفهوم كلامك هذا ... -ومفاهيم الكتب معتبرة عند الحنفية- أن الفقه الحنفي هو كله من الكتاب والسنة فهل تقول بهذا؟ ! فإن أجبت بالنفي فقد صرت إلى قولي فما الذي تنكره علي؟ ! وإن أجبت بالإيجاب، فقد كشفت عن ضلالك وتناقضك! أما الضلال، فهو أن في المذهب الحنفي -كغيره من المذاهب- كثيرًا من المسائل المخالفة لأدلة الكتاب والسنة كما سبق بيانه ودعمه بكلام ابن دقيق العيد، فإذا قلت: إنها من الكتاب والسنة فقد نسبت الاختلاف والتناقض والخطأ إلى الشريعة والله يقول ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ

стр. 100

لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ وليس وراء ذلك الضلال ضلال. وأما التناقض فهو أنك اعترفت في «كلماتك» (ص ٤٤) بأن في «كل مذهب الفروع الشواذ مما لا يعمل به». فكيف يقال: إن الفقه الحنفي كله من شرعنا وفيه الشواذ التي لا يعمل بها؟ ! فهل ينطق بمثل هذا إلا مغفل لا يدري ما يخرج من فيه، ثم هو لا يكتفي بهذه الحماقة حتى يضم إليها أخرى فينكر على من ينكر أن يكون كل ما في الفقه الحنفي من الشرع الإسلامي! أقول هذا، وأنا لا أستبعد على مثل هذا الأنوك (١) أن يجمع بين النقيضين في ذهنه، فهو تارة يتكلم بما هو الصواب كمثل اعترافه بوجود فروع شواذ في المذهب الحنفي لا يعمل بها، وتارة يقول بما يذكرنا بالضلالة الكبرى التي تقول: «كل مجتهد مصيب» وأن المذاهب على ما بينها من اختلاف واسع كشرائع متعددة لا حرج على المسلم أن يأخذ من أيها ما شاء ويدع ما شاء إذ الكل شرع (٢) فإنه علق على قول الشيخ القاري في «فتح باب العناية» (١/ ٢٦١): «ويصلى على ثوب بطانته نجسة عند محمد، وعند أبي يوسف لا يجوز». ثم نقل عن حاشية ابن عابدين أنه قال: وظاهر «البدائع» ترجيح قول محمد، وهو الأشبه ورجح في «الحاشية» قول «أبي يوسف» قال أبو غدة: «فالقولان مرجحان يسوغ العمل بكل منهما»! أليس هذا يدل على أن أبا غدة يرى أن الأقوال

стр. 101

المتناقضة -وما أكثرها في مذهبه- كلها شرع يجوز العمل بما شئت منها؟ وقد يقول قائل: لعل هذا خاص بما كان من الاختلاف في المذهب الحنفي فقط! فأقول: كلا، فقد رأيته رجح مذهب الإمام مالك في جواز قراءة القرآن ومس المصحف للحائض والنفساء للتعلم والتعليم وجواز قراءة الجنب ما الشأن أن يتعوذ به كآية الكرسي وسورة الإخلاص وسورتي المعوذتين عند خوف أو نوم ... إلخ ما صرح بتجويزه خلافًا لمذهبه الحنفي الذي لا يجيز ذلك. وختم كلامه بقوله: «وفي هذا من سماحة الإسلام ورحابته بتيسير المحافظة على أداء الأوراد المطلوبة من المؤمن قراءتها عند نومه ولو كان جنبًا أو حائضًا أو نفساء» (١). فأقول: ولكن في مذهبك الحنفي -الذي تدين الله به- خلاف ما ذكرت من السماحة والتيسير وهو باعترافك (ص ٤٠) ليس شيئًا غير الشريعة الإسلامية التي هي الكتاب والسنة فهل الإسلام عندك دينان، أحدهما يسر، والآخر عسر؟ ! فاعتبروا يا أولي الأبصار. والآن وبعد هذا البيان وقبل الانتقال إلى الرد عليه في

стр. 102

آخر ما تلفظ به من الزور والجهل أريد أن أسأل المتعصب الجائر عن رأيه فيما يأتي: ١ - نحن نعتقد أن عيسى حين ينزل يحكم بالكتاب والسنة، وليس بمذهب من المذاهب الأربعة، فهل تعتقد أنت ذلك معنا، أم تعتقد العكس الذي رددنا عليه في تعليقنا الموجز؟ ٢ - نحن نعتقد أن في كل مذهب من المذاهب صوابًا وخطأ، وليس هناك مذهب معصوم عن الخطأ، فهل تعتقد أنت هذا معنا، أم تقول: مذهبك الحنفي صواب كله، ومذهب غيرك خطأ كله، فإن قلت في كل من السؤالين بما يوافق ما عندنا، فقد ظهر للقراء أن ردك علينا إنما هو مجادلة بالباطل واصطياد في الماء العكر حقدًا وحسدًا وتقربًا إلى العامة الذين يظنون بسبب أمثالك أن المذهبي هو الأحق بالاتباع، وأن الحق* يتعدد وفي كل ذلك يقولون: «وكلهم من رسول الله ملتمس». وإن كان جوابك على خلاف اعتقادنا، فأنت حينئذ مع ضلالك متناقض كما سبق بيانه. فنسأل الله الهداية إلى الحق والخلق الكريم! وأزيد الآن فأقول: قال أبو غدة في تعليقه على «التصريح بما تواتر في نزول المسيح» (ص ٥٨): «وقال العلامة الآلوسي في تفسيره: «ثم إن عيسى ﵇ حين ينزل باق على نبوته السابقة لم يعزل عنها بحال، لكنه لا يتعبد بها لنسخها في حقه وحق غيره. وتكليفه بأحكام هذه الشريعة أصلًا وفرعًا، فلا يكون إليه ﵇ وحي ولا نصب أحكام، بل يكون

стр. 103

خليفة لرسول الله ﷺ ، وحاكمًا من حكام ملته بين أمته بما علم في السماء قبل نزوله من شريعته ﵊ كما في بعض الآثار». نقل هذا أبو غدة وأقره ولم يتعقبه بشيء مما يدل بمجموعه على أنه قد ارتضاه لنفسه مذهبًا، وعليه أليس معنى ذلك أن عيسى ﵊ لا يحكم بالمذهب الحنفي ولا بغيره، وإنما يحكم بالكتاب والسنة، فما الذي تنقمه منا أشل الله يدك وقطع لسانك؟ ! سابعًا وأخيرًا: قال فُض فُوه (ص ٤٣): «وقد وزعوا سمومهم وطعونهم في الأئمة المتبوعين في كتب متعددة. لتؤدي الغاية التي يبتغون، ودون أن تنكشف خبيئة نفوسهم التي يضمرونها ويتظاهرون معها بالغيرة على الكتاب والسنة، فقد قالوا في كتاب «حجاب المرأة المسلمة» (ص ٦١) ما يلي: وقد أغرب الشافعية فقالوا: أما لو ستر اللون -أي العورة في الصلاة- (١) ووصف [حجم] الأعضاء فلا بأس كما لو لبس سروالًا ضيقًا». قالوا: ويستحب أن تصلي المرأة في قميص سابغ وخمار وتتخذ جلبابًا كثيفًا فوق ثيابها ليتجافى عنها، ولا يتبين حجم أعضائها، ذكره الرافعي في شرحه (٤/ ٩٢، ١٠٥ بشرح المهذب) انتهى كلامهم. ثم علقوا عليه بقولهم بالحرف الواحد:

стр. 104

«قلت: فعلى رأيهم هذا، يجوز للمرأة اليوم أن تخرج لابسة هذه الثياب الضيقة التي تلتصق بالجسم، وتصفه وصفًا دقيقًا، حتى ليخال من كان بعيدًا عنها أنها عارية! كهذه الجوارب اللحمية التي تصف حجم الساقين والفخذين وتزيدهما جمالًا، بل التبان الذي يصف العضو نفسه! لو أن امرأة لبست مثل هذا اللباس جاز لها ذلك عندهم لأنها سترت اللون به، ولو أعطت المرأة لونًا أجمل من لونها الطبيعي! فهل يقول بجواز هذا اليوم مسلم؟ ! فهذا من الأدلة الكثيرة على وجوب الاجتهاد وترك التقليد، فهل من مدكر؟ ! » انتهى كلامهم بالحرف». أقول: هكذا استدل هذا المتعصب الجائر الحاقد الأنوك بهذه الكلمات التي نقلها عني على ما زعمه من الطعن في الأئمة المتبوعين ... إلخ كلامه الذي قدمه بين يديها (شنشنة نعرفها من أخزم) والمتأمل في صنيعه هذا لا يمكن أن يفهم منه إلا أحد أمرين: الأول: أنه لا يوافقني على ما ذهب إليه من وجوب كون الثوب الساتر للعورة فضفاضًا واسعًا غير ضيق بحيث يحجم العورة، ويرى تقليدًا منه للشافعية أنه لا بأس من لبس السروال الضيق، وبالتالي يرى ما ألزمتهم به من تجويز هذه الثياب الضيقة التي تلتصق بالجسم، وتصفه .. إلخ لأنها سترت اللون، وهذا ما لا أظنه يذهب إليه إن كان قد بقي لديه ذرة من عقل ودين! فإن كان هذا الذي يعنيه فليفصح به لنرد عليه من مذهبه، إن كان ما يترتب من المفاسد والفتنة من لبس هذه الثياب الضيقة لا يقنعه بخطئه،

стр. 105

وصواب ما ذهبت إليه، فقد جاء في «باب الحظر والإباحة» من حاشية ابن عابدين (٥/ ٢٤٢) بعد نقل بعض النقول عن علماء الحنفية حول الثياب الضيقة: «وعلى هذا لا يحل النظر إلى عورة غيره فوق ثوب ملتزق بها يصف حجمها». ظنه أن التخطئة ظنة في المخطئ والرد عليه بأقوال العلماء والآخر: أنه يوافقني على ذلك، ولكنه لا يرى من الصواب الصدع بتخطئة الشافعية في قولهم بعدم الوجوب أو يرى أن التخطئة معناها الطعن في المخالفين، فإن كان هذا هو الذي يعنيه -وهو الذي يترجح لدي- فهذا من بالغ جهله، أو من تورعه البارد، فإن التخطئة لا تستلزم الطعن في المخطئ عن اجتهاد إلا عند الجهال، لأن المخطئ له أجر واحد كما صرح الرسول ﷺ ، ولمثل قوله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُمْ بِهِ﴾. فكيف يتصور أن يجتمع في ذهن المسلم اعتقادان متباينان في آن واحد، المخطئ، مأجور ومطعون فيه؟ ! ومن أبواب الحافظ ابن عبد البر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله»: «باب ذكر الدليل في أقاويل السلف على أن الاختلاف خطأ وصواب يلزم طلب الحجة عنده، وذكر بعض ما خطأ فيه بعضهم بعضًا، وأنكره بعضهم على بعض عند اختلافهم». وها أنا أنقل للقارئ الكريم بعض النصوص التي ساقها الحافظ في الباب المذكور، مختصرًا للأسانيد لتبين له منزلة هذا الطاعن الجائر من العلم بأقوال العلماء

стр. 106

ومذاهبهم، وإن تظاهر بالتأدب معهم لكنه تأدب بارد لا يرضونه من أحد لأنه خلاف أدب السلف بعضهم مع بعض! ١ - عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن نوفًا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل! فقال: كذب! ٢ - وردت عائشة قول [ابن] عمر: الميت يعذب ببكاء أهله عليه، وقالت: وهم أبو عبد الرحمن أو أخطأ. ٣ - ورفع إلى علي بن أبي طالب أن شريحًا قضى في رجل وجد آبقًا فأخذه ثم أبق منه: أنه يضمن العبد. فقال علي: أخطأ شريح وأساء القضاء، بل يحلف بالله لأبق منه وهو لا يعلم، وليس عليه شيء. ٤ - وروى وكيع عن إسماعيل بن عبد الملك قال: سألت سعيد بن جبير عن ابنة وابن عم أحدهما أخ لأم؟ فقال: للابنة النصف وما بقي فلابن العم الذي ليس بأخ لأم قال: وسألت عطاء؟ فقال: أخطأ سعيد بن جبير للابنة النصف، وما بقي بينهما نصفان. ٥ - وذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت للشعبي إن ابراهيم قال في الرجل يكون له الدّين على الرجل إلى أجل فيضع له بعضًا ويعجل بعضًا: أنه لا بأس به، وكرهه الحكم؟ فقال الشعبي: أصاب الحكم وأخطأ إبراهيم. ٦ - وقيل لسعيد بن جبير إن الشعبي يقول: العمرة

стр. 107

تطوع. فقال: أخطأ الشعبي. ٧ - وذكر لسعيد بن المسيب: قول شريح في الكاتب، فقال: أخطأ شريح. ٨ - وروى همام عن قتادة أن إياس بن معاوية أجاز شهادة رجل وامرأتين في الطلاق. قال قتادة: فسئل الحسن عن ذلك فقال: لا تجوز شهادة النساء في الطلاق قال: فكتب إلى عمر بن عبد العزيز بقول الحسن وقضاء إياس. فكتب عمر: أصاب الحسن وأخطأ إياس. قال أبو عمر ابن عبد البر: هذا كثير في كتب العلماء، وكذلك اختلاف أصحاب الرسول ﷺ والتابعين ومن بعدهم من الخالفين، وما رد فيه بعضهم على بعض لا يكاد يحيط به كتاب فضلًا عن أن يجمع في باب، وفي رجوع أصحاب رسول الله ﷺ بعضهم إلى بعض، ورد بعضهم على بعض دليل واضح على أن اختلافهم عندهم خطأ وصواب، ولو كان الصواب في وجهين متدافعين ما خطأ السلف بعضهم بعضًا في اجتهادهم وقضائهم وفتواهم، والنظر يأبى أن يكون شيء وضده صوابًا كله، ولقد أحسن من قال: إثبات ضدين معًا في حال ... أقبح ما يأتي من المحال وقال أشهب سمعت مالكًا يقول: ما الحق إلا واحد، قولان مختلفان لا يكونان صوابًا جميعًا، ما الحق والصواب إلا واحد، قال أشهب: وبه يقول الليث*. قال أبو عمر: الاختلاف ليس بحجة عند أحد علمته من فقهاء الأمة إلا من لا بصر له ولا معرفة عنده، ولا حجة في قوله.

стр. 108

قلت: ومستند تخطئة الصحابة ومن بعدهم بعضهم لبعض، بدون أي تحرج إنما هو رسول الله ﷺ فهو الذي سن لهم ذلك، فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال لأبي بكر الصديق بعد أن عبر رؤيا لرجل: «أصبت بعضًا، وأخطأت بعضًا». ولم يكن لمثل هذه التخطئة أي أثر سيء في قلوبهم، لسلامتها أولًا من الضغينة وسوء الظن، ولعلمهم ثانيًا أنها لا تستلزم شيئًا من الطعن الذي لا يليق بحق مسلم بخلاف هؤلاء المتعصبة الذين امتلأت قلوبهم بالبغض والحقد على أهل السنة وسوء الظن بهم فما يكاد السني ينطق بكلمة الحق نصحًا وتذكيرًا وتعليمًا إلا سارع أعداء السنة بحقدهم وسوء ظنهم إلى تفسيرها بنقيضها، وعلى هذا جرى أبو غدة في «كلماته»، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾. ومما سبق تعلم أن أبا غدة قد رجع خاسرًا خائبًا بهذا السهم الأخير الذي وجهه إلي، شأنه فيه شأنه في كل السهام والطعون التي سبق الكشف عنها وتسديدها إليه. وهكذا شأن كل باغ معتد أثيم يظن أنه بمكره وكيده إنما يضر غيره وينفث فيه سمه والحقيقة أنه بذلك كمن يسعى إلى حتفه بظلفه. أسأل الله تعالى أن يؤدبنا بآداب الإسلام، ويخلقنا بأخلاق المؤمنين المخلصين الصادقين، الذين طهر الله قلوبهم

стр. 109

من الحقد والحسد والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق. إنه خير مسؤول. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. دمشق/ ١٨ ربيع الثاني ١٣٩٥ وكتبه محمد ناصر الدين الألباني