الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين
تأليف
أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي
المتوفى سنة ١٤٢٢ هـ رحمه الله تعالى
الجزء الأول
طبعة جديدة منقحة وتحتوي زيادات وتراجعات تنشر لأول مرة
دار الآثار
صنعاء
стр. 2
مقدمة الناشر للطبعة الثالثة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن من منة الله علينا أن وفقنا لخدمة كتب العلامة المجدد ناصر السنة وقامع البدعة أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى، وهانحن نقدم للمسلمين في أرجاء الدنيا هذا الكتاب الذي هو أجل كتب الشيخ ﵀ وأحبها إليه، حتى أنه إذا أطلق كلمة "الصحيح المسند" فالمراد به هذا الكتاب من بين كتبه التي تسمى بـ"الصحيح المسند"، وقد كان عمل فيه على فترات متفرقة، بدأت من دراسته في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، وكان كثير العناية به، دائم النظر فيه، وكانت عنده نسخة خاصة يضيف إليها ويعدل عليها، ولقد توفي الشيخ ﵀ قبل أن يقدمها للطبع، وقد قمنا بطباعة هذه الطبعة الجديدة من هذه النسخة مع دفتر الزيادات التي زادها ﵀.
وهذه الطبعة الجديدة تتميز باحتوائها على آخر ما زاده الشيخ إلى هذا الكتاب من أحاديث (١)، وتتميز أيضًا بحذف الأحاديث التي تراجع عن
стр. 3
تصحيحها الشيخ ﵀ (١)، وتتميز بجودة الترتيب من تقديم وتأخير، وتتميز بدقة الترقيم (٢)، وغير ذلك مما سيراه القارئ اللبيب؛ ولهذا فإن هذه الطبعة تعتبر ناسخة للطبعات السابقة.
وقد أضفنا في آخر الكتاب فهرسًا شاملًا لأطراف الأحاديث، وفهرسًا للرواة الذين ترجم لهم الشيخ ﵀.
نسأل الله العظيم أن يتقبل منا خدمتنا لكتب الشيخ ﵀، وأن يتغمدنا وإياه بواسع رحمته، وأن يثبتنا على الحق حتى نلقاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
الناشر
سعيد بن عمر حبيشان
стр. 4
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله الذي من علينا، ووفقنا للعلم النافع، وصلى الله على نبينا محمد القائل: «نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا ثُمَّ أَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا».
وعلى آله وصحبه المتمسكين بسنته والداعين إليها، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فإن مما وفقني الله له تأليف "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين"، وبعد خروج الكتاب عُثِرَ فيه على أخطاء، بعضها من أوهامي، والكثير أغلاط مطبعية.
وقد قام الأخ منصور بن علي بن أحمد الأديبي، والأخ محمد بن قائد بن أحمد، والأخ أحمد بن محمد المقدسي بمراجعة الكتاب، وبذلوا فيه جهدًا مشكورًا، فحصل في الكتاب بعض التغيير من تقديم وتأخير وحذف، فأرجو أن يخرج الكتاب إذا وفقهم الله لمراجعته عند الطبع أرجو أن يخرج قليل الأخطاء.
والواقع أنني لست راضيًا عن طباعة كثير من كتبي، أبذل جهدًا في التأليف ثم يخرج الكتاب مشوهًا، فإلى الله المشتكى.
والله أسأل أن يبارك ويجزي الإخوة الذين قاموا بمراجعة هذا الكتاب خيرًا.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله حمدًا مباركًا طيبًا فيه كما يحب ربنا ويرضى.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (١).
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ.
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ.
أما بعد: فإني أحمد الله الذي وفَّقني لطلب العلم النافع، وهيأ لي سُبُله، وحبب إليَّ سنَّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبغَّض إليَّ البدع، فله الحمد حتى يرضى.
وإني بحمد الله أحبُّ كتاب ربي والسنة الغراء، سيما "الصحيحين"،
стр. 6
والقراءة فيهما عندي أحلى لذة في الدنيا، وإني إذا فتحت "صحيح البخاري" وقلت: قال الإمام البخاري ﵀: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا مالك.
أو فتحت "صحيح مسلم" وقلت: قال الإمام مسلم ﵀: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك. أنسى جميع مشاغل الدنيا ومشاكلها.
وكنت أتمنى لو قُدِّر لي أن أجمع مجموعة من الحديث الصحيح، تضاف إلى "الصحيحين"، تكون نقيةً من الأحاديث الضعيفة والموضوعة. وقد قام الحاكم ﵀ بتأليف "المستدرك"، وبعده الضياء المقدسي (١).
فأما المقدسي فلم يتم كتابه (٢)، والظاهر أن منه ما هو مفقود، والموجود ليس مطبوعًا فيُستفاد منه.
[المآخذ على مستدرك الحاكم]
وأما الحاكم ﵀: فإنه واسع الخطو في التصحيح، كما ذكره ابن الصلاح في "المقدمة". وقال الحافظ ابن كثير في "مختصر علوم الحديث": إن الحاكم يلزمهما بإخراج أحاديث لا تلزمهما، لضعف رواتها عندهما، أو لتعليلهما ذلك. اهـ
أقول: الذي يظهر لي أنه لا يصفو للحاكم ثلث الكتاب، الذي لا ينتقد عليه فيه، وإلا فما أكثر ما يخرج أحاديث محمد بن إسحاق -صاحب السيرة- ويقول: صحيح على شرط مسلم. ومسلم إنما روى له قدر خمسة
стр. 7
أحاديث في الشواهد والمتابعات.
وهكذا يخرج لنعيم بن حماد الخزاعي، ويقول: صحيح على شرط البخاري. والبخاري لم يخرج له في "الصحيح" سوى موضع أو موضعين، كما في "مقدمة الفتح"، ثم نعيم مختلف فيه والراجح ضعفه.
وللحاكم أوهامٌ كثيرة، منها قدر ثلاثمائة حديث، الذي يقول فيه: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، أو على شرط البخاري ولم يخرجاه، أو على شرط مسلم ولم يخرجاه، أو صحيح ولم يخرجاه. مع أنهما قد أخرجاه.
فإن مد الله في العمر فإني إن شاء الله أجمع ذلك في مؤلف مستقل (١)، حتى يستريح الباحث من البحث في سند الحاكم الطويل، ويثق بأن الحديث في "الصحيح".
أما أوهامه في تصحيح الموضوعات ، فشيء كثير. وإني ذاكر لك جملة من الأحاديث التي تعقبه عليها الحافظ الذهبي بشدة:
١ - ذكر الحاكم (ج ١ ص ٢٣٤) حديث أنس: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، وَخَلْفَ عُمَرَ، وَخَلْفَ عُثْمَانَ، وَخَلْفَ عَلِيٍّ، فَكُلُّهُمْ كَانُوا يَجْهَرُونَ بِقِرَاءَةِ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
فتعقبه الذهبي فقال: قلت: أما اسْتَحْيَى المؤلف أن يورد هذا الحديث الموضوع، فأشهد بالله ولله بأنه كذب.
стр. 8
٢ - (ج ٣ ص ٣٢) ذكر الحاكم حديث مبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن ود يوم الخندق: «أَفْضَلُ مِنْ أَعْمَالِ أُمَّتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
قال الذهبي: قلت: قبح الله رافضيًّا افتراه.
٣ - وقال الحاكم (ج ٣ ص ٦٠) في حديث ابن مسعود، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أَوَّلُ مَنْ يُصَلِّي عَلَيَّ جِبْرِيلُ ... » إلخ.
قال الحاكم: عبد الملك بن عبد الرحمن الذي في هذا الإسناد مجهول، لا نعرفه بعدالةٍ ولا جرحٍ، والباقون كلهم ثقات.
فقال الذهبي: قلت: بل كذبه الفلَّاس، قال -يعني الحاكم-: والباقون ثقات. قلت: وهذا شأن الموضوع، يكون كل رواته ثقات سوى واحد، فلو استحيى الحاكم لما أورد مثل هذا.
٤ - قال الحاكم ﵀ (ج ٣ ص ٩٨) في حديث سهل بن سعد: «أَفِي الْجَنَّةِ بَرْقٌ؟ ... » الحديث، قال الحاكم: إن كان الحسين بن عبيد الله هذا حفظه عن عبد العزيز بن أبي حازم، فإنه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
فقال الذهبي متعقبًا للحاكم: قلت: ذا موضوع، وهذا هو الحسين بن عبيد الله العجلي الذي يروي عن مالك وغيره الموضوعات، أفيحتج عاقل بمثله، فضلًا عن أن يورد له في الصحاح؟
٥ - ذكر الحاكم (ج ٣ ص ١٢٧) حديث: «أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا».
فقال الذهبي: قلت: العجب من الحاكم وجرأته في تصحيح هذا وأمثاله من البواطيل، وأحمد هذا (يعني أحمد بن عبد الله بن يزيد الحراني
стр. 9
أحد رجال السند) دجال كذاب.
٦ - قال الحاكم (ج ٣ ص ١٢٩) في حديث: «عَلِيٌّ إِمَامُ الْبَرَرَةِ»: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
فقال الذهبي: بل والله موضوع، وأحمد كذاب (يعني أحمد بن عبد الله المتقدم)، ثم قال الذهبي: فما أجهلك على سعة معرفتك.
٧ - قال الحاكم (ج ٣ ص ١٣١) في الكلام على حديث الطير: وقد قال صحيح على شرط الشيخين. فتعقبه الذهبي فقال: قلت: ابن عياض لا أعرفه (يعني محمد بن أحمد بن عياض)، ولقد كنت زمانًا طويلًا أظن أن حديث الطير لم يجسر الحاكم أن يودعه في "مستدركه"، فلما علقت هذا الكتاب رأيت الهول من الموضوعات التي فيه، فإذا حديث الطير بالنسبة إليها سماء.
٨ - وقال الحاكم (ج ٣ ص ١٦٠) في حديث ميناء: «أَنَا الشَّجَرَةُ وَفَاطِمَةُ فَرْعُهَا ... » الحديث: هذا متنٌ شاذٌّ، وإن كان كذلك فإن إسحاق الدبري صدوق، وعبد الرزاق وأبوه وجده ثقات، وميناء مولى عبد الرحمن بن عوف قد أدرك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسمع منه، والله أعلم.
قتعقبه الذهبي فقال: قلت: ما قال هذا بشر سوى الحاكم، وإنما ذا تابعيٌّ ساقط، وقال أبو حاتم: كذاب يكذب. وقال ابن معين: ليس بثقة. ولكن أظن أن هذا وضع على الدبري، فإن ابن حيويه متهم بالكذب. أفما استحييت أيها المؤلف أن تورد هذه الأخلوقات من أقوال الطرقية فيما يستدرك على الشيخين؟ !
стр. 10
٩ - قال الحاكم ﵀ (ج ٣ ص ٢١٥) في الكلام على حديث عائشة: «مَا بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فِي جَيْشٍ قَطُّ إِلَّا أَمَّرَهُ ... » الحديث.
قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
قال الذهبي ﵀: قلت: سهل، قال الحاكم في "تاريخه": كذاب. وهنا يصحح له، فأين الدين؟ !
ويعني: سهل بن عمار، أحد رجال السند.
١٠ - ذكر الحاكم حديث جابر في خاتم الذهب وحرمته، من طريق حرام بن عثمان.
فتعقبه الذهبي فقال: قلت: حرام هالك، فليت شعري أما سمع المؤلف قول الشافعي رحمه الله تعالى: الرواية عن حرامٍ حرامٌ؟ ثم إن الحديث باطل ... وذكر العلة في بطلان متنه.
أوهام الحاكم في استدراكه أحاديث قد أخرجاها:
للحاكم أوهام متكاثرة في أحاديث "مستدركه على الشيخين"، وقد أخرجاها أو أخرجها أحدهما. وأنا أذكر مثلًا من صفحات متوالية:
١ - حديث أنس (ج ٤ ص ٢٧٣): أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ ثَلَاثًا. قال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وقد رواه البخاري كما في "تحفة الأشراف" في ترجمة ثمامة، عن أنس.
٢ - حديث جبير بن مطعم، في عَدِّ أسماء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ج ٤ ص ٢٧٣) قال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
стр. 11
وقد أخرجاه، كما في "تحفة الأشراف" في ترجمة محمد بن جبير بن مطعم، أن له خمسة أسماء.
٣ - حديث ابن عمر: «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللهِ: عَبْدُ اللهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ»، (ج ٤ ص ٢٧٤) قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقد أخرجه مسلم، كما في "فيض القدير".
٤ - حديث جابر: «لَا تُسَمِّ غُلَامَكَ رَبَاحًا وَأَفْلَحَ وَنَجِيحًا ... » الحديث. وقد وهم فيه أبو أحمد، فجعله عن جابر عن عمر، وهو في "صحيح مسلم" (ج ٣ ص ١٦٨٦) بتحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
٥ - حديث أبي هريرة: «أَخْنَعَ الْأَسْمَاءِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ» (ج ٤ ص ٢٧٤).
قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وقد أخرجاه، كما في "فيض القدير".
وأنت إذا نظرت إلى (ج ٤ ص ٢٧٤) وجدته قد وهم في أحاديث الصفحة كلها. فَأَعْجَبُ لهذا "المستدرك" الذي أتعب من بعده بسبب أوهامه الشنيعة!
٦ - حديث مطيع: «لَا يُقْتَلَنَّ قُرَشِيٌّ بَعْدَ الْيَوْمِ» (ج ٤ ص ٢٧٥) قال: صحيح ولم يخرجاه.
وقد أخرجه مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي (ج ٣ ص ١٤٠٨).
نعم، إن للحاكم ﵀ جهدًا يشكر عليه، وهو جمع الطرق لبعض
стр. 12
الأحاديث، مثل حديث البراء بن عازب: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» (ج ١ ص ٥٧١)، وهكذا حديث: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ».
وحديث أسامة بن شريك: «عِبَادَ اللهِ، إِنَّ اللهَ وَضَعَ الْحَرَجَ» (ج ٤ ص ٣٩٩ و ٤٠٠ و ٤٠١)، فجزاه الله خيرًا.
وأنا بحمد الله أتتبع أوهام الحاكم التي سكت عليها الذهبي، ولعلها قد بلغت نحو الألفين. وإن شاء الله بعد الانتهاء ستخرج مع "المستدرك".
[شرطي في "الصحيح المسند "]
أما "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" فإني بحمد الله قد نظرت في أكثر كتب السنة الموجودة بمكتبتي، ولكن شرطي فيه شديد:
• فإني إذا أردت أن أكتب الحديث أنظر في "تحفة الأشراف"، هل اختلف في رفع الحديث ووقفه، أو وصله وانقطاعه؟ فإن ترجح لي الرفع كتبته.
• وهكذا أنظر في كتب العلل، إذا كان الحديث معللًا بعلةٍ قادحةٍ تركته. وإذا شككت في الحديث تركته، وقد فعل هذا الإمام مالك بن أنس كما في "مناقب الشافعي" (ج ١ ص ٥٠٣)، وعفان بن مسلم، ففي "تقريب التهذيب" قال ابن المديني: كان إذا شك في حرف من الحديث تركه، وربما وهم. وفي "تهذيب التهذيب" أن علي بن المديني قال: إن عفان شك في حرف فضرب على خمسة أسطر.
ورب حديث سنده كالشمس، بعد النظر في كتب أهل العلم تظهر فيه علة. وقد جمعت من هذا نحو خمسمائة حديث (١).
стр. 13
[أمثلة لأحاديث ظاهرها الصحة وهي معلة]
وإليك أمثلة من هذا:
١ - قال الإمام الترمذي ﵀ (ج ٩ ص ٣٨٣): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، أخبرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، أخبرَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي سُجُودِ القُرْآنِ بِاللَّيْلِ: «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وأخرجه النسائي (ج ٢ ص ٢٢٢).
فأنت إذا نظرت في رجاله وجدتهم رجال الصحيح، ولكنه منقطع. ففي "تهذيب التهذيب" قال أحمد: لم يسمع خالد بن مهران الحذاء من أبي العالية.
٢ - قال الإمام الترمذي ﵀ (ج ٩ ص ٣٨٥): حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، أخبرَنَا وَكِيعٌ، أخبرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نَزِلَّ، أَوْ نَضِلَّ، أَوْ نَظْلِمَ، أَوْ نُظْلَمَ، أَوْ نَجْهَلَ، أَوْ يُجْهَلَ عَلَيْنَا».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
فأنت إذا نظرت في سنده وجدته مسلسلًا بالأثبات، ولكنه منقطع. ففي "تهذيب التهذيب" في ترجمة الشعبي، عن علي بن المديني: لم يسمع من زيد بن ثابت، ولم يلقَ أبا سعيد الخدري، ولا أم سلمة. اهـ
стр. 14
وللحديث علة أخرى، ففي "عمل اليوم والليلة" للنسائي (ج ١٧٦): ورواه زبيد، عن الشعبي مرسلًا: أخبرنا محمد بن بشار، عن حديث عبد الرحمن، عن سفيان، عن زبيد، عن الشعبي، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثله، ولم يذكر: بسم الله.
٣ - قال أبو داود ﵀ (ج ١٣ ص ١٧٣): حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أخبرَنَا أَبَانُ، أخبرَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنِي أَبُو مِجْلَزٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ مَنْ جَلَسَ وَسْطَ الْحَلْقَةِ.
الحديث أخرجه الترمذي (ج ٨ ص ٢٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
فأنت إذا نظرت إلى رجال السند وجدتهم رجال الصحيح، ولكن في "تهذيب التهذيب" في ترجمة أبي مجلز لاحق بن حميد: وأرسل عن عمر وحذيفة. وفي "تهذيب التهذيب" أيضًا قال الدوري عن ابن معين: لم يسمع من حذيفة.
٤ - قال أبو داود ﵀ (ج ٤ ص ٣٦٤): حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أخبرَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سُرِقَتْ مِلْحَفَةٌ لَهَا، فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَى مَنْ سَرَقَهَا، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا تُسَبِّخِي عَنْهُ».
عطاء هو ابن أبي رباح.
هذا الحديث إذا نظرت إذا سنده وجدتهم رجال الصحيح، لكن سفيان الثوري قد رواه عن حبيب، عن عطاء مرسلًا، كما في "تحفة الأشراف".
стр. 15
والإمام العقيلي ﵀ قد ذكره في ترجمة حبيب بن أبي ثابت، وقال: وله عن عطاء غير حديث لا يتابع عليه. وقال: إن يحيى بن سعيد يقول: حبيب عن عطاء ليست بمحفوظة. وذكر هذا الحافظ في "تهذيب التهذيب" مُقِرًّا له، وكذا الحافظ ابن رجب ذكر هذا في "شرح علل الترمذي" (ج ٢ ص ٦٥٤).
٥ - قال الإمام الترمذي ﵀ (ج ٦ ص ٢٠٦): حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، أخبرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كَوَى أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ مِنَ الشَّوْكَةِ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
فأنت إذا نظرت إلى سنده وجدتهم رجال الصحيح، ولكن الحافظ في "الإصابة" يقول: إن هذه الطريق شاذة، وإن المحفوظ رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل، وهو مرسل.
ويقول ابن رجب في "شرح علل الترمذي": والصواب المرسل، وقد جعلته مثالًا لما اختلف فيه على معمر باليمن وبالبصرة؛ فرواه باليمن مرسلًا، وبالبصرة متصلًا، ثم قال: والصواب المرسل.
وقال ابن أبي حاتم في "العلل" (ج ٢ ص ٢٦١): سألت أبي عن حديث رواه يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كوى أسعد بن زرارة من الشوكة؟ فقال أبي: هذا خطأ، أخطأ فيه معمر، إنما هو الزهري، عن أبي أمامة بن سهل: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كوى أسعد؛ مرسل.
стр. 16
٦ - قال أبو داود ﵀ (ج ٨ ص ٤٦٤): حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ.
هذا الحديث إذا نظرت إلى سنده قلت: هو في غاية من الصحة، وإليك ما قاله الإمام الترمذي ﵀ حول هذا الحديث (ج ٤ ص ٨٨) بعد أن ساقه بسنده من طريق سفيان بن عيينة متصلًا، ثم قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الخَلَّالُ، أخبرَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، أخبرنا هَمَّامٍ، عَنْ مَنْصُورٍ وَبَكْرٍ الكُوفِيِّ وَزِيَادٍ وَسُفْيَانَ، كُلُّهُمْ يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الجَنَازَةِ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أخبرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ يَمْشُونَ أَمَامَ الجَنَازَةِ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي سَالِمٌ: أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَمْشِي أَمَامَ الجَنَازَةِ.
قال أبو عيسى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ هَكَذَا، رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ وَزِيَادُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ.
وَرَوَى مَعْمَرٌ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَمَالِكٌ مِنَ الحُفَّاظِ وَغَيْرُهُمْ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْشِي أَمَامَ الجَنَازَةِ.
وَأَهْلُ الحَدِيثِ كُلُّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الحَدِيثَ المُرْسَلَ فِي ذَلِكَ أَصَحُّ.
قال أبو عيسى: وَسَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مُوسَى، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّزَّاقِ، يَقُولُ: قَالَ ابْنُ المُبَارَكِ: حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا مُرْسَلٌ، أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ
стр. 17
عُيَيْنَةَ». قَالَ ابْنُ المُبَارَكِ: وَأَرَى ابْنَ جُرَيْجٍ أَخَذَهُ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ.
قال أبو عيسى: وَرَوَى هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ زِيَادٍ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ وَمَنْصُورٍ وَبَكْرٍ وَسُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ. وَإِنَّمَا هُوَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، رَوَى عَنْهُ هَمَّامٌ. اهـ
يقصد الترمذي من هذا أن همام بن يحيى وَهِمَ فيه، وقال النسائي (ج ٤ ص ٥٦): هذا خطأ، والصواب مرسل. وراجع "التلخيص الحبير" للحافظ ابن حجر ﵀.
وهذا الحديث كما ترى سكت عنه أبو داود، فعلى هذا فقوله رحمه الله تعالى: وما سَكَتُّ عنه فهو صالح، يحتاج إلى بحث. فقد سكت عن أحاديث وتعقبه الحافظ المنذري، وسكت المنذري عن أشياء فتعقبه الحافظ ابن القيم، كما يُعلم من كتابيهما.
٧ - قال الإمام أحمد ﵀ (ج ٦ ص ٤٤٤): حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، لَا تَخْتَصَّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ دُونَ اللَّيَالِي، وَلَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ دُونَ الْأَيَّامِ».
عاصم هو ابن سليمان الأحول، والحديث ظاهر سنده أنه صحيح على شرط الشيخين، ولكن في "جامع التحصيل" في ترجمة محمد بن سيرين عن أبي حاتم: ولا أظنه سمع من أبي الدرداء، ذاك بالشام وذاك بالبصرة. وفيه أيضًا: وقال في "التهذيب": إن روايته عن حذيفة وأبي الدرداء مرسلة. اهـ
٨ - قال الإمام أحمد ﵀ (ج ٢ ص ٨٨): حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا
стр. 18
مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى عُمَرَ ثَوْبًا أَبْيَضَ، فَقَالَ: «أَجَدِيدٌ ثَوْبُكَ أَمْ غَسِيلٌ؟ » فَقَالَ: فَلَا أَدْرِي مَا رَدَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «الْبَسْ جَدِيدًا، وَعِشْ حَمِيدًا، وَمُتْ شَهِيدًا» أَظُنُّهُ قَالَ: «وَيَرْزُقُكَ اللهُ قُرَّةَ عَيْنٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ».
هذا الحديث إذا نظرت إليه تقول: هو صحيح على شرط الشيخين، ولكن ابن أبي حاتم يذكره في "العلل" (ج ١ ص ٤٩٠) ثم قال بعد أن سأل أباه عنه: ورواه عبد الرزاق أيضًا، عن الثوري، عن عاصم بن عبيد الله، عن سالم، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مثله. فأنكر الناس ذلك، وهو حديث باطل، فالتمس الحديث: هل رواه أحد؟ فوجدوه قد رواه ابن إدريس، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي الأشهب النخعي، عن رجل من مزينة، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فذكر مثله.
وقال الحافظ المزي في "تحفة الأشراف" (ج ٥ ص ٣٩٧): قال حمزة بن محمد الكناني الحافظ: لا أعلم أحدًا رواه عن الزهري غير معمر، وما أحسبه بالصحيح، والله.
وقال الحافظ في "النكت الظراف": قلت: قال النسائي: هذا حديث منكر، أنكره يحيى القطان على عبد الرزاق، ولم يروه عن معمر غيره. وقد روي عن معقل واختلف عليه فيه، فقيل: عنه، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري مرسلًا، وليس هذا الحديث من حديث الزهري. هكذا وقع في رواية ابن الأحمر. اهـ
قلت: وهو كذلك في "عمل اليوم والليلة" (ص ٢٧٦).
стр. 19
٩ - قال أبو داود ﵀ (ج ٧ ص ٢٣٦): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، أخبرَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَحْيَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «تَكُونُ إِبِلٌ لِلشَّيَاطِينِ، وَبُيُوتٌ لِلشَّيَاطِينِ؛ فَأَمَّا إِبِلُ الشَّيَاطِينِ فَقَدْ رَأَيْتُهَا، يَخْرُجُ أَحَدُكُمْ بِجُنَيْبَاتٍ مَعَهُ قَدْ أَسْمَنَهَا فَلَا يَعْلُو بَعِيرًا مِنْهَا، وَيَمُرُّ بِأَخِيهِ قَدِ انْقَطَعَ بِهِ فَلَا يَحْمِلُهُ، وَأَمَّا بُيُوتُ الشَّيَاطِينِ فَلَمْ أَرَهَا». كَانَ سَعِيدٌ يَقُولُ: لَا أُرَاهَا إِلَّا هَذِهِ الْأَقْفَاصُ الَّتِي يَسْتُرُ النَّاسُ بِالدِّيبَاجِ.
هذا الحديث إذا نظرت إلى سنده وجدته رجال الصحيح، إلا عبد الله بن أبي يحيى، وقد وثَّقه أحمد وابن معين وأبو داود، كما في "تهذيب التهذيب"، ولكن سعيد بن أبي هند لم يلقَ أبا هريرة، كما في "عون المعبود" عن أبي حاتم. اهـ
١٠ - قال الإمام أبو داود ﵀ (ج ١ ص ٢٤٩): حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً، فَأَصَابَهُمُ الْبَرْدُ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ». اهـ
ثور هو ابن يزيد. وهذا الحديث إذا نظرت في سنده وجدتهم ثقات، ولكن راشد بن سعد لم يسمع من ثوبان، قاله أبو حاتم وإبراهيم الحربي، وقال الخلال عن أحمد: لا ينبغي أن يكون سمع. اهـ من "تهذيب التهذيب". ثم وجدت أن البخاري يقول: في "التاريخ الكبير": سمع ثوبان. فعلى هذا فليس معلًّا.
стр. 20
١١ - قال الإمام أحمد ﵀ (ج ٣ ص ٣٦٤): حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَاتَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ مُحَارِبَ خَصَفَةَ بِنَخْلٍ، فَرَأَوْا مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِرَّةً، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالَ لَهُ: غَوْرَثُ بْنُ الْحَارِثِ، حَتَّى قَامَ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: «اللهُ » فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ » قَالَ: كُنْ كَخَيْرِ آخِذٍ. قَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ » قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أُعَاهِدُكَ أَنْ لَا أُقَاتِلَكَ، وَلَا أَكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ. فَخَلَّى سَبِيلَهُ، قَالَ: فَذَهَبَ إِلَى أَصْحَابِهِ، قَالَ: قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ. فَلَمَّا كَانَ الظُّهْرُ أَوِ الْعَصْرُ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَكَانَ النَّاسُ طَائِفَتَيْنِ: طَائِفَةً بِإِزَاءِ عَدُوِّهِمْ، وَطَائِفَةً صَلَّوْا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَكَانُوا مَكَانَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا بِإِزَاءِ عَدُوِّهِمْ، وَجَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ، فَكَانَ لِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ، وَلِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ.
وقال ﵀ (ص ٣٩٠): ثنا سريج، ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس.
أنت إذا نظرت في سند هذا الحديث وجدتهم ثقات رجال الصحيح، إلا سليمان بن قيس، وقد وثقه أبو زرعة والنسائي، كما في "تهذيب التهذيب".
ولكن أبا بشر وهو جعفر بن أبي وحشية لم يسمع من سليمان بن قيس، كما في "تهذيب التهذيب" عن البخاري وابن حبان.
стр. 21
والحديث صحيح عن جابر من طرق أخرى، رواه مسلم (ج ١ ص ٥٧٦) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بنحوه.
* * *
• هذا، ومما لا أعرِّج عليه: ما إذا كان التابعي يرسل، ولم يذكروا أنه سمع من ذلك الصحابي ولا أنه لم يسمع منه، ولم أجد الشيخين رحمهما الله قد أخرجا له عن ذلك الصحابي، فهذا مما أتوقف في الإخراج عنه.
• ومنها: أن يكون التابعي مكثرًا والصحابي مكثرًا أيضًا، ولم يُصرح بالتحديث عن ذلك الصحابي، ولم يخرج له الشيخان عنه، فهذا مما أتوقف فيه، وإن لم يكن التابعي ممن قيل فيه: يرسل. ولا يقال: إن عنعنة غير المدلس مقبولة، فإنه مقيد بما إذا قد سمع منه، فعنعنة غير المدلس عمن سمع منه محمولة على السماع.
• ومنها: أن يكون الراوي لم يوثقه معتبر، وليس مشهورًا بالطلب، فإني أتوقف فيه. فإن كان قد روى له الشيخان، فإني أتوقف فيما إذا كان خارج "الصحيحين". ولست بحمد الله أجهل انتقاد الحافظ الذهبي في "الميزان" لابن القطان، حيث جهَّل بعض من روى عنه جماعة، كمالك بن الخير المصري، ولكني غير مقتنع بكلام الحافظ الذهبي، فالذي يظهر لي أنه لا بد من توثيق من معتبر، أو شهرة في الطلب، كما في "فتح المغيث". والله أعلم.
ثم إن هذه ليست قاعدة مطردة، فرُبَّ راوٍ يروي عنه جماعة ويقول الحافظ الذهبي في "الميزان": لم يوثَّق، ويقول الحافظ فيه: مقبول. فهي
стр. 22
مسألة اجتهادية.
• ورُبَّ حديث قد صححه علماؤنا الأفاضل المعاصرون فأرى فيه علة، فأعرض عنه صفحًا، وربما ذكرته في "أحاديث ظاهرها الصحة وهي معلة".
الحكم على الحديث:
كنت في أول الأمر أقول: صحيح على شرط الشيخين، أو على شرط أحدهما، أو صحيح. فلما طال عليَّ الزمن اقتصرت على: صحيح، أو حسن. والله المستعان.
الحسن لغيره:
لم أتمكن من كتابة الحسن لغيره، إذ هو يحتاج إلى وقت طويل، والبحث واسع كما ترى، فلم أتمكن.
زيادات الثقات:
كذلك زيادات الثقات لم أتمكن من كتابتها، إذ هي تحتاج إلى جمع طرق الحديث، ثم النظر فيها هل هي محفوظة أم شاذة؟ من أجل هذا لم تتيسر كتابتها.
بقي كتب ينظر فيها إن شاء الله:
بعد الانتهاء من "السنن" ومن "مسند الإمام أحمد" لم يبقَ كثير، بل في آخر الأمر كان ينتهي النهار في البحث وأنا أقلب ورقًا فلا أجد
стр. 23
حديثًا أكتبه. من أجل هذا رأيت إخراج ما تيسَّر، وأنا عازم إن شاء الله على المرور على "المطالب العالية"، و"معجم الطبراني الكبير"، و"صحيح ابن حبان"، وبقية الكتب التي في متناولي، فإن عثرت على شيء فسينشر إن شاء الله في طبعات قادمة (١)، والله المستعان.
أوهام:
كنت أكتب وأنا على وجل من تكرار الحديث، وقد حصل، ولكن إن شاء الله عند الجمع سيحذف المكرر.
وعلى وجل من أن يكون الحديث في "الصحيحين" أو في أحدهما، فأكون كالحاكم الذي يقول: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، والواقع أنهما قد أخرجاه.
وكذا أخاف أن أصحح حديثًا وهو ضعيف. ولكن الذي يسليني أن لا تكون أوهامي كالحاكم إن شاء الله، بل ليست بشيء بالنسبة لأوهام الحاكم ﵀.
وعلى كُلٍّ، فهذا عنواني من أجل من اطلع على وَهَمٍ يفيدني، وجزاه الله خيرًا: (اليمن - صعدة - ص. ب: ٩٠٠٧٠).
التخريج:
لم أهتم بكثرة التخريج عن عمد، لكي أقدم للقارئ نبذة يسيرة تضم إلى "الصحيحين". وقد اخترت من الأسانيد أحسنها، وربما أكتب الحديث
стр. 24
بسند حسن، فأراه بسند صحيح فأضيفه، وأنبه على ذلك، والحمد لله.
الاستدراك:
استفسر مني بعض إخواني في الله: هل تسمح بالاستدراك؟
فأقول لهم: إن كان بيان ضعيف قد صححته، أو وَهَمٍ قد وهمت فيه، فأقول: جزى الله من فعل ذلك خيرًا. وإن كان لما فاتني، فبعد انتهائي إن شاء الله من كتب السنَّة التي في متناولي.
نسأل الله أن يتمم ذلك بخير، وأن يعيذ بلدنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، إنه على كل شيء قدير.
ترتيب الكتاب:
رأيت أن أرتبه على المسانيد وعلى ترتيب "تقريب التهذيب"، لأنه قد أَلِفَهُ الباحثون. وإني عازم إن شاء الله بعد الانتهاء منه، على ترتيبه على الأبواب الفقهية، محليًا له بالآيات القرآنية، وبفوائد تتعلق بالأحاديث. ويصير -إن شاء الله- كتابين، فمن أحب أن يقرأ في "المسند"، ومن أحب أن يقرأ المرتب على الأبواب الفقهية، يسر الله ذلك، إنه على كل شيء قدير.
стр. 25
كلمة شكر
أشكر ربي الذي وفقني لطلب العلم، وهيَّأ لي سبله، فهو علَّمني ما لم أكن أعلم، وكان فضل الله عليَّ عظيمًا، وأسأله أن يختم لي بالحسنى.
ثم أشكر لمشايخي، وأخص من بينهم الشيخ عبد الله بن محمد بن حُمَيْد، إذ درَّسنا في "التحفة السنية" في الحرم المكي بعد العشاء، ثم الشيخ السيد محمد الحكيم، والشيخ محمود بن عبد الوهاب بن فائد، المدرِّسَيْن في الجامعة الإسلامية.
وأشكر لجميع من ساعدني على تبليغ الدعوة ومواصلة طلب العلم والتعليم، أثابهم الله على ما قدموا من خدمة للدعوة، وجزاهم الله عن الدعوة خيرًا.
ثم إني أشكر لإخواني في الله الذين ساعدوني على الكتابة والمقابلة، وهم: الأخ محمد بن ناجي العودي، والأخ حسين بن محمد مناع، والأخ عبد الرحمن بن محمد النمراني، والأخ أحمد بن سالم الزبيدي، والأخ محمد بن قائد الحجري، والأخ عيسى بن يحيى بن معافى، والأخ محمد بن صالح النوبي المحويتي، والأخ عثمان، والأخ أحمد بن علي الوصابي، فجزاهم الله خيرًا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 26
مسند أُبَيِّ بن كعب ﵁
١ - قال عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (ج ٥ ص ١٣٦): حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو يَحْيَى الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عُتَىٍّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مَطْعَمَ ابْنِ آدَمَ جُعِلَ مَثَلًا لِلدُّنْيَا، وَإِنْ قَزَّحَهُ وَمَلَّحَهُ، فَانْظُرُوا إِلَى مَاذَا يَصِيرُ».
هذا حديث حسنٌ.
стр. 27
٢ - قال الإمام أبو داود ﵀ (ج ٧ ص ١٣٥): حدثنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا حماد، أنبأنا ثابت، عن أبي رافع، عن أبي بن كعب: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عامًا، فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين ليلة.
هذا حديث صحيحٌ على شرط مسلم. وحماد هو ابن سلمة، وأبو رافع هو نُفَيْعُ بن رافع الصائغ.
الحديث أخرجه ابن ماجه (ج ١ ص ٥٦٢).
٥ - قال أبو داود ﵀ (ج ١ ص ٣٦٤): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الْبَزَّازُ الرَّازِيُّ، قال: حَدَّثَنَا مُبَشِّرٌ الْحَلَبِيُّ، عَنْ مُحَمَّدٍ أَبِي غَسَّانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، [ص: ٣١] عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قال: حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: أَنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يَفْتُونَ أَنَّ الْمَاءَ مِنْ الْمَاءِ، كَانَتْ رُخْصَةً رَخَّصَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ بَعْدُ.
هذا حديث صحيحٌ على شرط الشَّيخين. ومبشر هو ابن إسماعيل، ومحمد أبو غسان هو محمد بن مُطَرِّفٍ، وأبو حازم هو سلمة بن دينار.
وأخرجه الترمذي (ج ١ ص ٣٦٥) فقال ﵀: حدثنا أحمد بن مَنِيْع، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا يونس، عن الزهري، عن سهل بن سعد، عن أبي بن كعب ... فذكره، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه ابن ماجه (ج ١ ص ٢٠٠) فقال ﵀: حدثنا محمد بن بشار، ثنا عثمان بن عمر، أنبأنا يونس به.
وأخرجه عبد الرزاق (ج ١ ص ٢٤٨) عن معمر، عن الزهري، ولم يذكر أُبيًّا، وكذا ابن أبي شيبة (ج ١ ص ٨٩) من حديث عبد الأعلى، عن معمر به، ولم يذكر أُبيًّا.
стр. 31
٦ - قال الإمام الترمذي ﵀ (ج ٦ ص ٥٢٧): حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، أخبرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ، وَخَيْرِ مَا فِيهَا، وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ».
هذا حديث حسن صحيح غريب.
[ص: ٣٢] قال أبو عبد الرحمن: هو حديث صحيحٌ، ورجاله رجال الصحيح، إلا إسحاق بن إبراهيم بن الشهيد، وقد وثقه النسائي والدارقطني.
والحديث قد روي عن الأعمش موقوفًا ومرفوعًا، فيُحمل على الوجهين.
стр. 32
٧ - قال الإمام الترمذي ﵀ (ج ٨ ص ٥٥٩): حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أُصِيبَ مِنْ الْأَنْصَارِ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا، وَمِنْ الْمُهَاجِرِينَ سِتَّةٌ، فِيهِمْ حَمْزَةُ، فَمَثَّلُوا بِهِمْ، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: لَئِنْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ يَوْمًا مِثْلَ هَذَا لَنُرْبِيَنَّ عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (١) فَقَالَ رَجُلٌ: لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «كُفُّوا عَنْ الْقَوْمِ إِلَّا أَرْبَعَةً».
هذا حديث حسن غريب من حديث أبي بن كعب.
قال أبو عبد الرحمن: هو حديث حسنٌ.
стр. 33
٨ - قال الإمام النسائي ﵀ (ج ٢ ص ٨٨): أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسِ بنِ عُبَادٍ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ، فَجَبَذَنِي رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي جَبْذَةً فَنَحَّانِي وَقَامَ مَقَامِي، فَوَاللهِ مَا عَقَلْتُ صَلَاتِي، فَلَمَّا انْصَرَفَ فَإِذَا هُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَقَالَ: يَا فَتَى، لَا يَسُؤْكَ اللهُ إِنَّ هَذَا عَهْدٌ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ إِلَيْنَا أَنْ نَلِيَهُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَقَالَ: «هَلَكَ [ص: ٣٣] أَهْلُ الْعُقَدِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ» ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «وَاللهِ مَا عَلَيْهِمْ آسَى وَلَكِنْ آسَى عَلَى مَنْ أَضَلُّوا». قُلْتُ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ، مَا يَعْنِي بِأَهْلِ الْعُقَدِ؟ قَالَ الْأُمَرَاءُ.
هذا حديث صحيحٌ، رجاله رجال الصحيح، إلا محمد بن عمر المقدمي وهو ثقة.
* وقال الإمام أحمد ﵀ (ج ٥ ص ١٤٠): حدثنا سليمان بن داود ووهب بن جرير، قالا: حدثنا شعبة، عن أبي جمرة (١)، قال: سمعت إياس بن قتادة يحدث، عن قيس بن عباد، قال: أتيت المدينة للقي أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يكن فيهم رجل ألقاه أحب إلي من أُبي، فأقيمت الصلاة وخرج عمر مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقمت في الصف الأول، فجاء رجل فنظر في وجوه القوم فعرفهم غيري، فنحاني وقام في مكاني، فما عقلت صلاتي، فلما صلى قال: يا بني، لا يسوءك الله، فإني لم آتك الذي أتيتك بجهالة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لنا: «كونوا في الصف الذي يليني»، وإني نظرت في وجوه القوم فعرفتهم غيرك، ثم حدَّث، فما رأيت الرجال مَتَحَتْ (٢) أعناقها إلى شيء مُتُوحَهَا إليه، قال: فسمعته يقول: «هلك أهل العقدة ورب الكعبة، ألا لا عليهم آسى، ولكن آسى على من يهلكون من المسلمين» وإذا هو أُبي.
والحديث على لفظ سليمان بن داود.
[ص: ٣٤] هذا حديث صحيحٌ.
وإياس بن قتادة ترجمته في "تعجيل المنفعة" قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث.
стр. 34
٩ - قال عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (ج ٥ ص ١٢٣): حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أبو حفص الأبار، عن الأعمش، عن طلحة وزبيد، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب قال: إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يوتر بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾.
حدثني أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن أبي عبيده، حدثنا أبي، عن الأعمش، عن طلحة اليامي، عن ذر، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقرأ في الوتر بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ فإذا سلم قال: «سبحان الملك القدوس» ثلاث مرات.
حدثني محمد بن عبد الرحيم البزاز، حدثنا أبو عمر الضرير البصري، حدثنا جرير بن حازم، عن زبيد، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثله.
هذا حديث صحيحٌ.
стр. 35
١٠ - قال الإمام أحمد ﵀ (ج ٤ ص ٣٠): حدثنا عتاب بن زياد، حدثنا عبد الله يعنى ابن المبارك، حدثنا موسى بن عقبة، عن عبد الرحمن بن زيد بن عقبة، عن أنس بن مالك، قال: كنت أنا وأُبي بن كعب [ص: ٣٥] وأبو طلحة جلوسًا، فأكلنا لحمًا وخبزًا، ثم دعوت بوضوء، فقالا: لم تتوضأ؟ فقلت: لهذا الطعام الذي أكلنا. فقال (١): أتتوضأ من الطيبات؟ ! لم يتوضأ من هو خير منك.
هذا حديث حسنٌ.
وعبد الرحمن بن زيد بن عقبة ترجمته في "تعجيل المنفعة"، قال أبو حاتم: ما بحديثه بأس.
стр. 36
١١ - قال الإمام النسائي في "عمل اليوم والليلة" (ص ٥٤٠): أخبرنا أحمد بن محمد بن المغيرة، قال: حدثنا معاوية هو ابن حفص، قال: حدثنا السري بن يحيى، عن الحسن، عن عتي، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من سمعتموه يدعو بدعوى الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا».
هذا حديث حسنٌ.
* قال الإمام النسائي ﵀ في "عمل اليوم والليلة" (ص ٥٤٠): أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا خالد، قال: حدثنا عوف، عن الحسن، عن عتي بن ضمرة، قال: شهدته يومًا يعني أبي بن كعب وإذا رجل يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضه بأير أبيه ولم يكنه، فكأن القوم استنكروا ذلك منه فقال: لا تلوموني فإن نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لنا: «من رأيتموه يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه ولا تكنوا».
هذا حديث حسنٌ. وهو الحديث الأول إلا أنه خالف في اللفظ.
[ص: ٣٦] * الحديث أخرجه الإمام أحمد (ج ٥ ص ١٣٦) فقال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف، عن الحسن، عن عتي بن ضمرة، عن أبي بن كعب: أن رجلًا اعتزى بعزاء الجاهلية فأعضه ولم يكنه، فنظر القوم إليه، فقال للقوم: إني قد أرى الذي في أنفسكم، إني لم أستطع إلا أن أقول هذا، إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمرنا: «إذا سمعتم من يعتزي بعزاء الجاهلية فأعضوه ولا تكنوا».
حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عوف، عن الحسن، عن عتي، عن أبي بن كعب به.
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عيسى بن يونس، عن عوف، عن الحسن، عن عتي، عن أبي به.
حدثنا إسماعيل، عن يونس، عن الحسن، عن عتي، قال: قال أبي به. قال: كنا نؤمر إذا اعتزى رجل ... فذكر مثله.
* قال الإمام عبد الله بن أحمد كما في "زوائد المسند" (ج ٥ ص ١٣٣): حدثنا محمد بن عمرو بن العباس الباهلي، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن أبي ﵁: أن رجلًا اعتزى، فأعضه أُبي بهن أبيه، فقالوا: ما كنت فحاشًا. قال: إنا أمرنا بذلك.
هذا حديث صحيحٌ.
وعاصم هو ابن سليمان الأحول.
стр. 37
١٢ - قال البخاري ﵀ في "خلق أفعال العباد" (ص ١٧١): حدثنا بذلك قبيصة، ثنا سفيان، عن أسلم المنقري، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، قال أُبي: قال لي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أنزلت علي سورة أُمرت أن أقرئكها» قلت: سُميت لك؟ قال: «نعم». قلت لأُبي: يا أبا المنذر، [ص: ٣٧] فرحت بذلك؟ قال: وما يمنعني وهو يقول: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾ (١).
حدثنا محمد بن يوسف، ثنا سفيان، عن أسلم المنقري، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب ﵁، قال: قال لي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نحوه.
هذا حديث حسنٌ.
стр. 38
١٣ - قال الإمام أحمد ﵀ (ج ٥ ص ١٢٣): حدثنا سليمان بن داود، حدثنا شعبة، عن حبيب بن الزبير، قال: سمعت عبد الله بن أبي الهذيل، سمع ابن أبزى، سمع عبد الله بن خباب، سمع أُبيًّا يحدث: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر الدجال، فقال: «إحدى عينيه كأنها زجاجة خضراء، وتعوذوا بالله ﵎ من عذاب القبر».
وقال أيضًا (ج ٥ ص ١٢٤): ثنا محمد بن جعفر ورَوْحٌ، قالا: حدثنا شعبة به.
وقال: ثنا وهب بن جرير، حدثنا شعبة، بمثله.
هذا حديث صحيحٌ.
стр. 39
مسند أُبَيِّ بن مالك ﵁
١٤ - قال الإمام أحمد ﵀ (ج ٤ ص ٣٤٤): حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال سمعت قتادة يحدث عن زرارة بن أوفى عن أبي بن مالك: عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال «من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار من بعد ذلك فأبعده الله وأسحقه».
حدثنا حجاج حدثني شعبة عن قتادة قال سمعت زرارة بن أوفي يحدث عن أبي بن مالك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وحدثني بهز قال ثنا شعبة عن قتادة عن زرارة بن أوفي عن رجل من قومه يقال له أبي بن مالك: أنه سمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «من أدرك والديه أو أحدهما فدخل النار فأبعده الله».
هذا حديث صحيحٌ.
стр. 40
مسند أسامة بن أَخْدَرِيٍّ ﵁
١٥ - قال أبو داود ﵀ (ج ١٣ ص ٢٩٥): حدثنا مسدد أخبرنا بشر يعني ابن المفضل حدثني بشير بن ميمون عن عمه أسامة بن أخدري: أن رجلًا يقال له أصرم كان في النفر الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم «ما اسمك؟ » قال أنا أصرم قال «بل أنت زرعة».
هذا حديث حسنٌ.