Полный текст (413 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
المنزلة الثالثة:
وإذ انتهيت إلى هذا المقام, فللنسخ شرائط أمهاتها ستة:
الأول: أن يكون شرعيا غير عقلي, فإن الموت لا ينسخ التكليف مثلا.
الثاني: أن يكون منفصلا غير متصل, ونحن نعلم أنه لما قال: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ لم يكن نسخا. فلا خلاف فيه إذا كانت الغاية معلومة كما قدمنا. فإن كانت مجهولة كقوله تعالى: ﴿حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ , فاختلف الناس فيه: هل هو نسخ او لا؟ والصحيح أنه نسخ, لأن معاني النسخ فيه موجودة وقد بيناه في الأصول.
الثالث: أن يكون المقتضى بالمنسوخ غير المقتضى بالناسخ حتى لا يكون منه البدل, ولذلك قال كثير من علمائنا: إن النسخ هو النص (الدال) على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل (في الاستقبال) على وجه لولاه لثبت. وقال "أبو المعالي": النسخ ظهور ما ينافي شرط استمرار الحكم, فقوله: افعل, طلب إلا أنه مشروط في المعنى بأن لا ينهى عنه. وحقيقة النسخ إنما تصادف (الظاهر) في اعتقادنا, فأما (عند الله) فالأمر أولا وآخرا على ما ظهر.
الرابع: أن يكون الجمع بين الدليلين غير ممكن.
الخامس: أن يكون الناسخ في العلم والعمل مثل المنسوخ, وذلك مما اختلف الأوائل فيه, وسنبينه (في موضعه) إن شاء الله تعالى.
السادس: معرفة (المتقدم من المتأخر).
стр. 2
المنزلة الرابعة:
وكذلك ليس من شرطه أن يكون إلى بدل, خلافا لما ظنه قوم من المقصرين في ذلك لقول الله تعالى (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها). فإن ذلك مفهوم (حسب) ما يأتي, إذ ترك البدل (كثير) فقد نسخ الله ترك تقديم الصدقة في النجوى (ونسخ التربص حولا كاملا بالنص) على أربعة أشهر وعشرا. كل ذلك إلى غير بدل. ولكنه قد يكون النسخ إلى بدل وهي:
المنزلة الخامسة:
وهو على خمسة أوجه:
الأول: أن الله تعالى نسخ وجوب ثبوت العشرة للمائة في القتال, إلى ثبوت الواحد للأثنين, وبقي ثبوت العشرة ندبا, أو مباحا, أو ممنوعا, على ما يأتي بيانه إن شاء الله.
الثاني: نسخ قيام الليل بالصلوات الخمس على قول, أو (وضع) الندب موضع الوجوب على (آخر).
الثالث: نسخ التخيير (بالإلزام) في الصوم.
стр. 3
الرابع: نسخ القبلة بالقبلة.
الخامس: نسخ التحريم بالإباحة في المباشرة من بعد النوم, والفطر إلى الفطر الآخر, وكذلك زيارة القبور بعد المنع من زيارتها لقوله ﷺ : "إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فالآن زوروها ولا تقولوا هجرا" وكذلك بإباحة لحوم الأضاحي مدخرة, بعد النهي عن ادخارها. وليس من شرطه وهي:
المنزلة السادسة:
أن يعلم أن الأخف قد نسخ بالأشد, لما يعلم الله ذلك, فإن قيل: وكيف هذا؟ قلنا قد ينسخ التخيير في الصوم بالإلزام. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ قلنا: اعتراض على الله الذي لا يُسأل عما يفعل. فإن قيل: إنما هو سؤال إيضاح مشكل, وتأليف متعارض, قلنا: إلزام الصوم لا حرج فيه, والتخيير دونه, فانتقل عما لاحرج فيه إلى ما لا حرج فيه.
المنزلة السابعة:
إذا انتهى بدء التنزيل إلى هذه المنزلة فلا بد من معرفة الناسخ بعد معرفة النسخ, والناسخ فاعل من نسخ, وذلك بالحقيقة لله وحده. زكون كلامه ناسخا مجاز ثان للحقيقة, وكون الشيء المخبر عن الكلام ناسخا مجاز ثالث لهما وجاز إطلاقه على غير الله مع معرفة الحقيقة, قصدا إلى تعريف البيان, وإذا عرفتم فأقسامه أربعة:
الأول: كتاب ينسخ كتابا.
الثاني: سنة تنسخ سنة.
الثالث: كتاب ينسخ سنة.
الرابع: سنة تنسخ كتابا.
стр. 4
والكل من عند الله ينسخ بعضه بعضا. وقيل عن قوم "إنه لا ينسخ الكتاب إلا الكتاب, ولا تنسخ السنة إلا السنة, إذ لا ينسخ الشيء إلا بمثله". وأجل من حُكِيَ عنه ذلك الشافعي في صحيح أقواله, وغاية متعلقهم شيئان: أحدهما أن الرسول ﷺ كان له أن يجتهد واجتهاده واجب الإتباع. فلا يجوز أن يبين الرسول باجتهاده ما يخالف الكتاب.
أما الثاني (في) قوله أن الكتاب لا ينسخ السنة فإن فيه تقرير الرسول ﷺ على الخطأ ما بين العمل بالسنة ثم ورود الكتاب بعدها. وهذا ضعيف جدا. إنما الكل من عند الله (وقد) استوت في العلم, فالعمل بها واجب (وإن اختلفوا في) خبر الواحد (كأن) يأتي خبر الواحد بخلافه فإن الاجماع قد انعقد على أن القرآن لا ينسخ به ( ... ) وقد ظن قوم أن السنة نسخت القرآن في الوصية
стр. 5
للوالدين والأقربين. نسختها السنة. قلنا: ما نسختها غلا آية المواريث على ما نبينه. وكذلك قالوا: الامساك في البيوت قرآن نسختها الرجم سنة, وقد قال قوم: نسختها آية الرجم ثم نسخ لفظها وبقي حكمها, كما قال عمر ﵁, وكذلك قوله تعالى: ﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم﴾ , مثله, على ما يأتي بيانه إن شاء الله. ونسخ الإجماع من هذا القبيل فإن الإجماع إما أن يكون عن خبر أو عن نظر, والنظر لا يرفع النص والخبر قد يظهر وقد يطمسه الإجماع.
المنزلة الثامنة:
فإذا تقرر النسخ فقد ينسخ الحكم مع بقاء التلاوة, ويجوز نسخ التلاوة ويقاء الحكم, ومنعته المعتزلة, وقالوا: كيف ينسخ الأصل ويبقى الفرع؟ قلنا: الحكم وإن ثبت بالتلاوة, إذا استقر ساوى كل حكم ثبت بغير نص, ومنها نسخ الحكم مع بقاء التلاوة ومنها نسخ ما ليس متلوا بما ليس بمتلو, كقول عائشة ﵂ (كان مما أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس رضعات معلومات) إلى أقسام كثيرة أعدادها نضعها في مواضعها.
وقد ينسخ الأمر أصلا فلا يبقى له ذكر لا في اللفظ ولا في المعنى. فقد روي عن أبي موسى الأشعري أنه قال: إن سورة نحوا من التوبة نزلت ثم رفعت. فهذه منازل النسخ الثمانية التي يتنزل المرء فيها, وتعرض بعد هذا مغالطات نبهنا عليها في كتب الأصول, أمهاتها خمس:
стр. 6
المغالطة الأولى:
قول طائفة إن الناس اختلفوا في الزيادة على النص هل هي نسخ أو لا؟ ولا شك في أنها نسخ وقد بيناها في أصول الفقه, وفي تصويرها عسر وستراه في موضعه إن شاء الله. والذي يحقق ذلك أن الأجزاء دون الزيادة حكما ثم طرأ على الأجزاء زيادة نفته فكانت نسخا.
المغالطة الثانية:
زيادة الشرط في الشيء هل يكون نسخا أولا يكون نسخا؟ وإنما يكون نسخا كزيادة الإيمان في وصف رقبة الظهار تخصيص لا نسخ. وقد بينا الفرق بين التخصيص والنسخ. وكذلك النقصان نسخ وقد بيناه في الأصول, وكل ما تسمع فيه من التطويل ليس وراءه تحصيل.
المغالطة الثالثة:
متى يثبت حكم النسخ: إذا نزل أو بلغ المكلف؟ ولا شك أن حكمه إنما يثبت مع البلوغ فأما قبل ذلك فلا مؤاخذة به سمعا وإن جازت عقلا ولم يرد بذلك سمع فبقينا على أصل النفي.
стр. 7
المغالطة الرابعة:
ظن قوم أن الإجماع نسخ في نفسه وينسخ به, ولا يتصور ذلك فيه لأنه لا دليل يستقر بعد الوحي. فإن قيل: فإذا أجمعت الأمة على قول من قولين تقدما في القرن السابق؟ قلنا: لا يكون نسخا لأن من يقول بأن الخلافلا يرتفع به قد بان ذلك فيه, ومن قال يرتفع الخلاف لم يكن هذا من باب النسخ, فإن الاجتهاد كان سابقا وتردد النظر على قولين ثم انحذف أحد الاجتهادين وبقي الثاني. ولو كان صحيحا لكان القياس نسخا عند النظر به أو فيه, ولا يصح ذلك لجواز الرجوع في كل حال عنه وإنما هي فسحة أذن الشرع فيها ورحمة خص هذه الأمة بها, وضوعف (الأجر) لها عليها.
المغالطة الخامسة:
ظن قوم أن النسخ في جميع القرآن ([طمس]) وهو باطل والذي أوقعهم فيه قوله تعالى: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك). وهذه الآية من المشكلات وقد استوفينا النظر فيها في كتابها ولبابه أن المعلومات على أقسام فيما يتعلق بغرضنا هذا:
منها المحال كاجتماع الضدين.
ومنها خلاف المعلوم الذي وقع الإخبار بعلم الباري فيه وعنه.
ومنها الجائز المطلق الذي لم يتعلق علم عندنا في علمنا به.
فأما المطلق إذا علقت به الإرادة فقال ربنا: لو شئت لكان كذا, فهذا مطلق وإرادة مطلق ومعنى موضح لا إشكال فيه. وإذا علق الإرادة سبحانه بالمحال المعلوم الذي أخبر به, فذلك المشكل الذي يفسره التأويل كقوله تعالى: ﴿لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه﴾ فهذا إن حمل اللفظ فيه على الولد حقيقة كان تقديره: لو أراد الله أن يتخذ ولدا حقيقة لاتخذه.
стр. 8
وذلك لا يتصور فيؤول القول إلى أن معناه لو أراد الله مالا يتصور ولا يصح أن يوجد لوجد فكان ينفي أول الكلام آخره ولا يبقى له معنى, ولو كان معناه لو أراد الله أن يتبنى ولدا لاصطفاه من خلقه باستحالته وتبين بأخباره أن ذلك لا يكون.
وهذا القدر هو الذي جهله المبطلون فقالوا: إن الله قادر على أن يجعل له ولدا.
سبحانه وتعالى عما يقولون. وكقوله تعالى: ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك﴾ إذ كان جائزا ألا يبعث رسولا وإذ بعثه فقد كان جائزا أن يذهب به وبما أرسله به, ولكنه قد أخبر سبحانه أنه لا يفعل ذلك وأبان أنه مبعوث بالرحمة إلى يوم القيامة, فامتنع ذلك بخلاف المعلوم فعلق الارادة به جائز في ذاته وامتناعه من جهة الخبر ظاهر بوروده. ومن أراد الشفاء من داء الغوامض فعليه بكتابها والله الموفق.
وإذ قد بلغ القول إلى هذا المنتهى فلنشرع بعد بعون الله في بيان أعداد الآي المنسوخة والمخصوصة على ترتيب السور كما وعدنا إن شاء الله تعالى, مع ما يتبعها من عوارض ولواحق بحول الله تعالى.
стр. 9
﴿سورة البقرة﴾
مدنية بإجماع ومعرفة المدني من المكي أمر عسير لم تبلغ إليه معرفة العلماء على التحقيق ولا ثبت فيه النقل على الصحيح. وإنما أراد الله أن يكون كذلك في سبيل الاحتمال حتى تختلف بالمجتهدين الأحوال, وأمثل ما تحصل لي في ذلك ما أورده على خلافه.
ذكر ما نزل من القرآن بمكة.
روى محمد بن علي عن أبيه: نزل بمكة: أربع وثمانون سورة وسائره بالمدينة, وعن ابن المسيب نحوه, وقال القاسم بن محمد عن عائشة ﵂: نزلت بمكة ست عشرة سورة قبل الهجرة: (اقرأ باسم ربك, ون والقلم, وتبت يدا أبي لهب, والكوثر, والأعلى, وألم نشرح, والفجر, ولم يكن الذين كفروا, وعبس وتولى, وإنا أنزلناه في ليلة القدر, والرحمن والجن, ويس, ومريم,
стр. 10
والواقعة). وقال مجاهد (نزل بمكة خمس وثمانون سورة. اقرأ باسم ربك, ثم ن والقلم, ثم يا أيها المزمل, وآخرها بطريق مكة ــ ثم تبت يدا, ثم الأعلى, ثم ألم نشرح لك صدرك, ثم العصر, ثم الفجر, ثم الضحى, ثم الليل إذا يغشى, ثم العاديات ضبحا, ثم الكوثر ,ثم ألهاكم, ثم أرأيت, ثم قل يا أيا الكافرون, ثم الفيل, ثم قل هو الله أحد, ثم قل أعوذ برب الفلق, ثم قل أعوذ برب الناس, ويقال إنها مدنية ــ ثم عبس, ثم إنا أنزلناه في ليلة القدر, ثم الشمس وضحاها, ثم والسماء ذات البروج, ثم والتين والزيتون, ثم لإيلاف قريش, ثم القارعة, ثم لا أقسم بيوم القيامة, ثم ويل لكل همزة, ثم المرسلات, ثم ق والقرآن المجيد, ثم لا أقسم بهذا البلد, ثم الرحمن, ثم قل أوحي, ثم يسن, ثم (الفرقان) , ثم ص, ثم المدثر, ثم تبارك, ثم الحمد لله فاطر, ثم سائر الملائكة, ثم مريم, ثم طه, ثم الشعراء, ثم طس, ثم القصص, ثم بني اسرائيل, ثم هود, ثم يونس, ثم يوسف, ثم سبأ, ثم الزمر, ثم الحجر, ثم الصافات, ثم لقمان ــ آخرها مدني ــ ثم الأنبياء, ثم حم المومن, ثم حم السجدة, ثم حم عسق, ــ منها آي مدني ـثم حم الزخرف, ثم حم الدخان, ثم حم الشريعة ثم الأحقاف _ (فيها) مدني _ثم
стр. 11
الذاريات, ثم الغاشية, ثم الكهف, ثم الأنعام, ثم النحل ــ آخرها مدني ــ ثم سورة نوح, ثم سورة إبراهيم, ثم سورة المؤمنون, ثم التنزيل السجدة, ثم الطور, ثم سورة الملك, ثم الحاقة, ثم المعارج, ثم عم يتساءلون, ثم النازعات, ثم الانشقاق, ثم البروج, ثم العنكبوت, ثم ويل للمطففين ــ ويقال إنها مدنية ــ ثم اقتربت, ثم الطارق. انتهى كلام مجاهد بلفظه.
قال القاضي أبو بكر ﵀: هذا الذي قاله الراوي عن مجاهد. أو مجاهد, لا سبيل إلى علمه, وفيها ما صح فساده, فإن الصحيح قد نقل أن الذي نزل من القرآن أولا إما القلم وإما المدثر إحداهما تالية الأخرى وثانيتها, فكيف تجعل هاهنا بعد كثير من سور القرآن؟ وليتنا علمنا ما نزل بالمدينة فكيف بنا أن نعلم ترتيب النزول واحدة بعد أخرى؟ هذا ما لا سبيل لمعرفته إلى أحد وقد روي عن أم (عامر) الأشلية ﵂ قالت: "قرأت (قبل) أن يقدم رسول الله ﷺ من مكة للهجرة احدى وعشرين سورة. قلت ماهن؟ قالت: سورة مريم, وطه, وعبس وتولى, وإنا أنزلناه في ليلة القدر والشمس وضحاها, والسماء ذات البروج, والتين والزيتون, ولإيلاف قريش, والقارعة, ولا أقسم بيوم القيامة, وويل لكل همزة, والمرسلات, وق والقرآن, ولا أقسم بهذا البلد, والرحمن, وتبارك الذي بيده الملك, ويوسف حم المومن, وحم السجدة, وحم عسق, وحم (الجاثية) , وثبت عن عبدالله بن مسعود ﵁ أنه قال: " الكهف وبنو اسرائيل, وطه, وسورة الأنبياء, من تلادي الأول".
стр. 12
وروى كريب عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "وجدنا في كتاب ابن عباس ــ وكان الكتاب عند كريب ــ أول ما نزل من القرآن بمكة: اقرأ باسم ربك, والليل إذا يغشى, ون والقلم, ويا أيها المزمل, ويا أيها المدثر, وتبت يدا أبي لهب, وإذا الشمس كورت, والأعلى, والضحى, وألم نشرح, والعصر, والعاديات, والكوثر, والتكاثر, والدين, والكافرون, والفيل, ثم الفلق ثم الناس, ثم قل هو الله أحد, ثم النجم, ثم عبس, ثم القدر, ثم الشمس وضحاها, ثم البروج, ثم التين والزيتون, ثم قريش, ثم القارعة, ثم لا أقسم بيوم القيامة, ثم ويل لكل همزة, ثم والمرسلات عرفا, ثم قاف والقرآن المجيد, ثم البلد, ثم الطارق, ثم اقتربت الساعة, ثم ص, ثم المص, ثم قل أوحي إلي, ثم يس, ثم الفرقان, ثم فاطر, ثم مريم, ثم طه ثم الواقعة, ثم الشعراء, ثم النمل ثم القصص, ثم بني اسرائيل, ثم هود, ثم يوسف, ثم الحجر, ثم الأنعام, ثم الصافات, ثم لقمان, ثم سبأ, ثم الزمر, ثم (المومن) , ثم السجدة ثم حم عسق, (ثم) حم الزخرف, ثم حم الدخان , ثم الجاثية, ثم الأحقاف , ثم الذاريات ثم الغاشية, ثم الكهف, ثم النحل ثم نوح, ثم ابراهيم, ثم الأنبياء, ثم (المومنون) , ثم تنزيل السجدة, ثم الطور, ثم تبارك الذي بيده الملك, ثم الحاقة, ثم سأل سائل, ثم النبأ, ثم النازعاتو ثم إذا السماء انفطرت, ثم ويل للمطففين.
ذكر ما نزل بالمدينة:
قال: "كريب" في كتابه عن ابن عباس ﵁: " نزل على رسول الله ﷺ حين هاجر: البقرة: والأنفال, وآل عمران, والأحزاب, والمائدة, والممتحنة, والنساء, واذا زلزلت, ثم الحديد, ثم الذين كفروا, ثم سورة الرعد, ثم الرحمن, ثم﴾ هل أتى على الأنسان ﴿ثم الطلاق, ثم﴾ لم يكن الذين كفروا ﴿ثم الحشر ثم﴾ إذا جاء نصر الله ﴿, ثم سورة النور, ثم سورة الحج, ثم المنافقون, ثم المجادلة, ثم
стр. 13
الحجرات, ثم التحريم, ثم الجمعة ثم التغابن, ثم الحواريون, ثم ﴿إنا فتحنا لك﴾ , ثم التوبة. فذلك ثماني وعشرون سورة". وكذلك يروى عن ابن الزبير ﵁: " نزل بالمدينة ثمان وعشرون سورة وسائرها بمكة". زاد عبدالله بن عياش بن أبي ربيعة: "والمائدة والممتحنة والحديد, والحج والرعد, واقتربت الساعة".
واتفق كثير من المفسرين على أن قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس﴾ مكي وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ مدني. وروي عن ابن مسعود ﵁: قرأنا المفصل حججا ليس فيه: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾. وقال "يزيد بن رومان: ربما نزل أول السورة بمكة وآخرها بالمدينة. وسورة الأنعام بعضها مكي وبعضها مدني, وسورة النحل والتطفيف كذلك, وروي عن مجاهد في تعداد سور المدينة نحو مما قال كريب, وقد روي أن سورة الأنعام نزلت جملة ليلا على النبي " معها سبعون ألف ملك وخمسون ألف ملك لهم زجل وتسبيح, ولقد جمعت لها الشياطين وجاءني بها جبريل حتى أقرها في صدري كما يقر الماء في الحوض, ولقد
стр. 14
أعزني الله تعالى وإياكم بها عزا لا يذلنا بعه ابدا, فيها دحض حجج المشركين ووعد الله جل ثناؤه لا يخلفه".
ذكر آخر ما نزل من القرآن: قوله تعالى: ﴿اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ الآية. نزلت على النبي ﷺ بعرفة في حجة يوم الجمعة, وثبت أن آخر سورة نزلت التوبة, وآخر آية نزلت ﴿قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ رواه البراء.
وثبت أنه روي عن عمرو بن العاص ﵁: آخر سورة نزلت المائدة.
وروي عن ابن عباس ﵁: " آخر آية نزلت: الربا "وقد ثبت ذلك ايضا من غير طريقة, وروى عن ابن عباس ﵁: آخر سورة نزلت سورة الفتح" ولم يصح.
مدرجة:
تعرض بعض المفسرون لتنويع السور في الناسخ والمنسوخ فقال: سورة الفتح, والحشر, والمنافقين والتغابن, والطلاق, والأعلى, ليس فيها ناسخ ولا منسوخ فهذه
стр. 15
ست. وسورة الأنعام, والأعراف ويونس, وهود, والرعد, والحجر, وبنو إسرائيل, والكهف, وطه, والمومنون, والنمل, والقصص, والعنكبوت, والروم, ولقمان, والمضاجع, والملائكة, والصافات, وص, والزمر, والمصابيح, والزخرف, والدخان, والجاثية, والاحقاف, وسورة محمد ﵇, والباسقات والنجم والقمر, والامتحان, ون, والمعارج, والمدثر, و (القيامة) , والإنسان, وعبس, والطلاق, والغاشية, و (التين) , والكافرون, فهذه أربعون سورة فيها منسوخ وليس فيها ناسخ. وأما البقرة, وآل عمران, والنساء, والمائدة, و (الأعراف الأنفال) والتوبة وابراهيم, والنحل, والأنبياء والحج والنور, والفرقان, والشعراء, والأحزاب وسبأ, والمومن والشورى, والذاريات, والطور, والواقعة والمجادلة, والمزمل, والكوثر, والعصر, فيدخلها الناسخ والمنسوخ.
قال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: وفي هذا تجاوز عظيم, سترى تحقيقها واردة على السور إن شاء الله, على مدارج كمدارج النجوم, جارية
стр. 16
على ما ينبغي معرفته فيها من العلوم, والذي علمناه على الجملة من القرآن في هذه الطريق, أن منه مكيا ومدنيا, وسفريا وحضريا, وليليا ونهاريا, وسمائيا أرضيا, وما نزل بين السماء والأرض, وما نزل تحت الأرض في الغار.
أخبرنا أبو بكر الفهري قرأته عليه: اخبرنا التميمي, أخبرنا هبة الله المفسر أنه قال: القرآن نزل بين مكة والمدينة إلا ست آيات لم تنزل في الأرض ولا في السماء: ثلاثة في سورة الصافات وهي قوله تعالى: ﴿وما منا إلا له مقام معلوم﴾ إلى آخر الثلاث الآيات, وواحة في الزخرف ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا, أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾. والآيتان الآخرتان من سورة البقرة.
قال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: في صحيح مسلم عن ابن عباس قال: " بينا جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليم فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يوتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة, لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته".
стр. 17
ذكر تعداد الآيات:
قال الإمام القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: ذكر أصحاب التفسير في هذه السورة نحوا من ثلاثين آية, الداخل منها في قسم النسخ سبع آيات, ومنها في قسم المخصوص والمحكم ما بقي بعد هذا العدد.
الآية الأولى: ﴿قوله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خير الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف, حقا على المتقين﴾ .
قال علماؤنا وابن القاسم عن مالك": هذه الآية نزلت قبل الفرائض ثم أنزل الله الفرائض في المواريث فنسخت الوصية للوالدين ولكل وارث إلا أن تأذن الورثة في شيء فيجوز".
اتفق الكل على أنها منسوخة واختلفوا في ناسخها على أربعة أقوال:
الأول: أن ناسخها آية المواريث.
стр. 18
الثاني: أن ناسخها قوله تعالى: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا﴾.
الثالث: أنه نسخها أن الله أعطى كل ذى حق حقه لا وصية لوارث.
الرابع: أنه نسخها بإجماع الأمة على إبطالها وأن الوصية لا تجوز لأحد ممن سمى الله له فرضامعروفا او جعل له النبي ﷺ حقا مفروضا.
قال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: قد بينا في شروط النسخ استحالة الجمع بين الدليلين, وشرطنا أيضا معرفة التأخر والتقدم, وليس بين آية الوصية وآية المواريث هاتين تعارض, ولا عندنا من معرفة المتقدمة منهما من المتأخرة أصل ولا سيما والوصية مشروعة لبعض الأقربين. وأما من قال إن ناسخها قوله تعالى في سورة النساء ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه﴾ فلا يصح لأنه لا مضادة بينهما أصلا. وقد (بينا) أن القسمة تكون بين الورثة فمن حضرها من غيرهم ففيهم تكون القسمة من ذي القربى وغيره.
وقد بيناه في الأحكام وأما من قال إنه نسخها (لا وصية لوارث) فنقول بذلك لو كان خبرا صحيحا متواترا حتى يماثل الناسخ المنسوخ ي العلم والعمل كما شرطناه بيد أنه ليس له في الصحة اصل, وأما من قال نسخها إجماع الأمة, فقد
стр. 19
اتفق علماؤنا على أن الإجماع لا ينسخ لأنه ينعقد بعد موت النبي ﷺ وتجديد شرع بعده لا يتصور. هذا الظاهر على الجملة, بيد أن فيه تفصيلا بديعا: وذلك أن الإجماع ينعقد على أثر ونظر, فأن كان ناسخا, ويكون الناسخ الخبر الذي انبنى عليه الإجماع, وهذه مسألتنا بعينها, فإن الأمة إنما جمعت رأيها على اسقاط الوصية للوالدين لقول النبي ﷺ لكنه درس وبقي الاجماع الممهد المقطوع بصحته. أما أنه قد بقي ما يدل عليه في الحديث الصحيح وهو قول النبي ﷺ (ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت القسمة فهو لأولى عصبة ذكر).
تكملة:
لما نسخت الوصية للوالدين بالمواريث بقيت الوصية فيمن لم يرث من القرابة مندوبا فنسخ من الآية حتم الوصية بالمال للقرابة ونسخ جوازها أصلا لمن يرث وبقي ندبها فيمن لا يرث وهذا تحقيق بالغ. فأما فرض الوصية على المسلمين فقد بيناها في موضعها والله أعلم.
стр. 20
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين﴾ هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ لأن الله سبحانه فرض رمضان وأباح الفدية. يروى عن معاذ وغيره .
قال: " ثم أوجب الله على الصحيح المقيم بقوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وثبت الإطعام على من لم يطق الصيام إذا أفطر من كبر" وهو قول ابن عمر, وعكرمة, والحسن, وقتادة, ﵃ وروي عن عائشة ﵂ مثله وقرأته " وعلى الذين يطوقونه" وبه قال
стр. 21
مالك في إحدى رواياته فهذا قول الثاني أن الإطعام يستحب للكبير. قاله مالك, والحامل تفطر وتقضي دون فدية وتفطر المرضع وتفدي.
الثالث: قال وهب عنه: المراد بهذه الآية الرجل يفطر لمرض أو سفر ثم لا يقضي حتى يأتي عام آخر فيصومه ثم يقضي ما فاته من العام قبله ثم يفتدي عن التأخير وهذا قول زيد بن أسلم.
الرابع: قراءة مجاهد (يطوقونه) وروى عن ابن عباس أنه قرأها (يطيقونه) وهو نحو من الأول.
الخامس: المعنى بقوله (يطيقونه) يعني يطيقون الإطعام ولا يقدرون على الصيام وقد يرجع الضمير على ما بعده كما قال: ﴿فأصلح بينهم﴾ فرجع الضمير على متقدم الذكر قاله ابن الأنباري قال القاضي أبو بكر رحمه
стр. 22
الله: أما القول بأن الضمير يرجع إلى الإطعام فهو قول ضعيف لن الضمير إنما يرجع إلى ما بعده لضرورة لا يمكن غيرها كقول الشاعر:
جزى ربه عني عدي بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
فصرف الضمير في الرب إلى المتأخر الذكر لأنه لم يمكن غيرة وإن كان جاء ذكره بعد ذلك, وأما قوله تعالى: ﴿فأصلح بينهم﴾ فإنما يرجع إلى متقدم الذكر في الكلام لأنه قال: ﴿فمن خاف من موص جنفا﴾ فاقتضى قوله سبحانه ﴿من موص﴾ موصى عليه وموصى به, والموصى إليه المقتضى هاهنا هم الوالدان والأقربون الذين تقدم ذكرهم, فرجع الضمير إليهم في قول: (بينهم) وهذا لا خفاء به على الشاذين فضلا عن الراسخين.
وأما من قال يطوقونه بضم الياء وبفتحها وكذلك ما ينسب إلى ابن عباس ﵁ فلا يعول عليه لأنه شاذ لا (يوجب علما ولا) عملا لاتفاق الأمة على رفضه في ذلك.
وأما من قال إنه مبين لحكم القادرين الأصحاء الحاضرين أن من شاء صام منهم ومن شاء أفطر ثم نسخه قول: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ لأنه معارض له إذ الناس على قسمين: مسافر وحاضر, والحاضر على قسمين: مريض وصحيح. فخرج البيان في المريض والمسافر بعدة من أيام أخر, وبقي الصحيح القادر المقيم على رسم الازام, فهذا بحكم
стр. 23
المعارضة, وأما بحكم التأخير فثبت برواية البخاري وغيره عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال لما نزلت: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين﴾ كان من أراد أن يفطر يفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها, وأما من قال إنه يستحب الإطعام للشيخ الكبير فليس من الآية لأن المنسوخ لا يؤخذ منه حكم.
وأما قوله: ﴿فمن تطوع خيرا فهو خير له﴾ فإنما هو إشارة إلى زيادة على قدر طعام مسكين في الفدية, على هذا يدل ظاهر الآية ومساقها. وإنما يؤخذ الاستحباب من دليل آخر حسب ما نبهنا عليه في كتب الفقه. ولهذا تفطن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضوان الله عليه فقال: إن هذه الآية منسوخة إلا الحامل والمرضع فإنهما يفطران ويطعمان. وهو أحد أقوال مالك. والصحيح أن الحامل في حكم المريض ولذلك كانت أفعالها في (الثلث والمرضع) هي التي يصح أن يبقى الحكم فيها ويتناول لفظ الآية أمرها لأنها قادة على الصيام ولأنها تفطر لأجل الغير.
وأما قول ابن وهب: "أن المراد بالآية" من فاته قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر فلا وجه له في الفقه, ولا يدل عليه ظاهر الآية, فتعين الإعراض عنه فلم يبق إلا قول ابن عباس ﵁ وفيه نوع من التحقيق بديع, وذلك.
стр. 24
أن إخراج القادرين عن الآية خلا المرضع وحدها أو الحامل والمرضع كلتيهما تخصيص غير نسخ في بادي الرأي. إلا أن النكتة العظمى فيه أن التخصيص هو إخراج ما تناوله اللفظ ولم يكن به عمل, فبين المراد به والتكليف فيه. فأما أنه أوقع العمل بالعموم ثم جاء التخصيص فهو نسخ ظاهر فيما خرج, تخصيص فيما بقي, وذلك من غرائب الآيات والله أعلم.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ إلى قوله: ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ .
هذه الآية في كتاب الأحكام, وهو القسم الثالث من علوم القرآن, بيانها على التفصيل, وهي ناسخة للآية التي قبلها وهي قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾.
стр. 25
وذلك أن المفسرين قالوا: إن المراد بقوله: ﴿كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. هم أهل الكتاب, وكان من شأن صومهم إذا جاء وقت الفطر فأفطر من أفطر وترك من ترك إذا نام لا يحل له وطء ولا أكل إلى حين الفطر من اليوم الثاني, فكان صوم المسلمين على هذا (السبيل) حتى جاءت هذه الآية فثبت حكم الصوم والفطر في هذه المسألة من قوله تعالى: ﴿من الفجر﴾ , وكان سبب ذلك فيما نقلوه أن عمر بن الخطاب ﵁ وروي (عن صرمة) بن قيس وهو أصح ــ نام فاختان نفسه (بعد) النوم ووطئ أهله. فنزلت الرخصة فيهم (والجميع) الآية من أجلهم. والجملة الصحيحة في ذلك ما رواه البخاري وغيرة عن البراء بن عازب, قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء (رمضان) كله وكان رجال يخونون أنفسهم "فأنزل الله تعالى" ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ الآية. فجاء قول البراء هكذا مطلقا صحيحا وما تقدم تفسير له والله أعلم.
وعلى مساق قول (البراء) المطلق تكون هذه الآية ناسخة للسنة وعلى ما روى المفسرون تكون الآية ناسخة لآية أخرى وهو الصحيح, وفي مضمون الآية ما يدل على ما في السنة من طريق البراء وما روى المفسرون وهو قوله تعالى: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ , فإخبار الله بالخيانة دليل على ما تقدم من فرض الإمساك عن النساء ليلة الصيام وكذلك قوله: ﴿فالآن باشروهن﴾ دليل عليه
стр. 26
وهذا الذي قلنا هو الذي روى "ابن القاسم" عن مالك: "كان أول الإسلام من رقد قبل أن يطعم لم يطعم شيئا من الليل فأنزل الله تعالى﴾ فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم ﴿وعرض هاهنا تخصيصان:
أحدهما قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ خصتها السنة في الحائض لا تصوم وتقضي.
الثاني قوله تعالى: ﴿وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ خصها في الحائض قوله: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ وخصها النهي عن نكاح المحرمة فلا يحل وطء الحائض ولا المحرمة. وذلك كثير.
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ هذه الآية نص في تحريم القتال في الأشهر الحرم لا خلاف فيه. وردت
стр. 27
الشريعة على تعظيم الشهر الحرم عند الناس وتحريم القتل والقتال فيها, فأقرت الشريعة حرمتها وعظمت القتل والقتال فيها. ثم نسخت في القتل التحريم وأبقت فيه الحرمة والتعظيم. فأما إبقاء الحرمة والتعظيم, ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال في حجة الوداع: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض. السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم, ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم, ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" فنص على إبقاء الحرمة والتعظيم, ثم انزل الله تعالى سورة براءة سنة تسع بعد نزول آية البقرة هذه بثمانية أعوام وهي قوله سبحانه: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾. إلى قوله ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ فرجع ذكر الأشهر إلى ما تقدم من ذكرها لينتظم معنى الآية ويكون آخرها مرتبطا بأولها ويكون الكلام مقيدا بها وفيها. وقد روى المفسرون عن عطاء أنه قال: إن هذه الآية محكمة, وأن القتال في الأشهر الحرم لا يجوز, وهذا القول من عطاء مسبوق بالإجماع من الصحابة والأخبار الواردة عن النبي ﷺ بقتاله في الأشهر الحرم وإرساله سراياه فيها, وعليه يدل قوله تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾. فنهى عن ظلم النفس فيها وأمر بقتال المشركين كافة. فإن قيل إنما يعتقد عطاء ومن قال بقوله أن قوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾ يعني به ذا القعدة وذا الحجة والمحرم ورجب. قلنا لو كلن هذا لكان قوله: (مضمنا بمعنى) هو سيحوا في الأرض ثمانية أشهر: أربعة تسيير النبي للكفار وأربعة بحكم التحريم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 28
لصفوان: انزل أبا وهب. قال: على أن تسير في شهرين. قال: "بل لك أربعة أشهر" فمن الحكم أن تكون أشهر السياحة الأربعة متصلة من يوم النداء بها وهو يوم النحر ولا يكون قبلها تحريم ولا بعدها وهذا بالغ (فيه).
الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ .
اختلف الناس في عذه الآية أهي ناسخة أو منسوخة؟ فمن قال إنها ناسخة التفت إلى قوله تعالى: ﴿فيهما إثم كبير﴾ فأثبت لها صفة الإثم وقد كانت مباحة لا إثم فيها, ومن قال منسوخة التفت إلى قوله تعالى: ﴿ومنافع للناس﴾ وذلك منسوخ, فإنها لما حرمت لم تبق فيها منفعة.
وتحقيق القول أن الله تعالى ألزم الشرائع بشرا متفرقا حكما بعد آخر ووظيفته تتلو أخرى, والناس قبل ذلك مسترسلون على أفعالهم مستمرون في أحوالهم فجرى أمر الخبر على صفة مروية وهي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء. فنزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾. وكان منادي رسول الله ﷺ ينادي وقت الصلاة: لا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بينا شافيا.
стр. 29
فنزلت: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾.
فدعي عمر فقرئت عليه فقال: انتهينا انتهينا. ففي الصحيح أن منادي رسول الله ﷺ خرج ينادي: (ألا إن الخمر حرمت فكسرت الدنان حتى جرت الخمر في سكك المدينة).
وتحقيق المعاني التي توقف فيها "عمر ﵁" أنه لما نزلت ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾. علم عمر ﵁ أن الإثم فيها ما يتعلق بها من زوال العقل والوقوع فيما لا ينبغي بذهابه من قول قبيح وفعل سيء. وقد روي عن (علي) رضوان الله عليه أنه قال: "إذا سكر هذى وإذا هذى افترى (فاجلدوه) حد المفتري". وكما روى "النسائي" وغيره أن عثمان ﵀ ورضي عنه قال: "اجتنبوا الخمر فغنها أم الخبائث, إنه كان رجل ممن خلا قبلكم يتعبد فعلقته امرأة غوية فأرسلت إليه جاريتها فقالت له إنا ندهوك للشهادة. فانطلق مع جارتها فطفقت كلما دخل عليها بابا أغلقته دونه حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر فقالت: إني والله ما دعوتك للشهادة, ولكني دعوتك لتقع علي, أو تشرب من هذه الخمر كأسا, أو تقتل هذا الغلام. قال: فاسقني من هذا الخمر كأسا, فسقته فقال: زيدوني. فلم يرم حتى وقع عليها وقتل النفس. فاجتنبوا الخمر فإنه والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر إلا أوشك أن يخرج أحدهما صاحبه"
стр. 30
وهذا حديث صحيح. فكان الناس مرخصا لهم في الشراب مالم ينته إلى هذا الحد, وقد قيل لهم ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ فروي أن أحدهم كان يصلي العشاء الآخرة ثم يشرب ويقوم فيصلي الفجر ثم يشرب إن شاء بعد صلاة الفجر فيصحو عند صلاة الظهر ثم لا يشرب حتى يصلي العشاء الآخرة. ثم نزل بسعد ابن أبي وقاص ما روى مصعب ابنه عنه قال: "مررت بنفر من المهاجرين والأنصار فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمرا ــ وذلك قبل أن تحرم الخمر ــ فأتيتهم في حش ــ قال: والحش البستان ــ فإذا عندهم رأس جزور مشوي و (زق) خمر فأكلنا وشربنا, فذكرت الأنصار فقلت: المهاجرون خير من الأنصار. فاخذ رجل منهم أحد لحيي الرأس فجرح به أنفي. فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته, فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾. وأما المنافع فكان جواز شربها ــ (والتجارة) بها قبل نزول هذه الآية. وكان الإثم فيما يحدث عنها أعظم من المنفعة التي تقع, فلما حرمها الله تعالى وأمر باجتنابها سقطت المنفعة بها. وقال النبي ﷺ : "إن الذي حرم شربها حرم ثمنها" وروي عنه ﷺ أنه نهى عن ثمن الخمر ولم يبق بعد قوله تعالى: ﴿فاجتنبوه﴾ فيما منفعة ولا علاقة لذي تعلق في تطبب ولا غيره. لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " ليست بدواء ولكنها داء" فليست بدواء ولا غذاء بل تجتنب من كل طريق. وجوز ابن
стр. 31
شهاب. وأبو الدرداء. المدي الذي يصنع من الخمر والحيتان ويوضع في الشمس حتى تطبخه وقالوا ذبح الخمر النيتان والشمس وذلك ظن قائل ليس له طائل وقد قدمنا ما يدل على التحريم فيه ويقيم البرهان عليه فليعد الناظر إليه يجده كذلك إن شاء الله تعالى.
الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف﴾ .
قال القاضي أبو بكر محمد بن العربي ﵀: هذه آية مشكلة وبيانها في الحكام. والمتعلق بهذا القسم منها أنها منسوخة. ثبت أن ابن الزبير قال لعثمان رضي عنهما ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا﴾ نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها قال: ابن أخي لا أغير منه شيئا وروى عطاء
стр. 32
عن ابن عباس ﵄ (نسخت) هذه الآية عدتها عند أهلها فتعتد حيث شاءت وقال مجاهد: قوله تعالى ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا﴾ قال: كانت هذه المعتدة تعتد عند أهل زوجها واجب فأنزل الله تعالى: ﴿وصية لأزواجهم﴾ إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت وهو قوله تعالى: ﴿غير إخراج﴾ جعل الله لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية إن شاءت على الوجه الأول, فجعلها مجاهد على هذا القول ثابتة, وذر قوم أن الحرة كانت إذا توفى عنها زوجها خيرت أن شاءت أن تقيم في بيت زوجها وينفق عليها من ماله سنة, فغن أبت إلا الخروج لم يكن لها شيء فنسخ ذلك بآية المواريث.
وتحقيق القول فيه ما ثبت في الصحيح من (أن المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها كانت تدخل حفشا وتلبس شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا ثم تمر بها سنة ثم توتي بداية حمار أو طائر فتفتض به, فقلما تفتض بشيء إلا مات, ثم تخرج فتعطى بعرة فترمى بها, ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره. فلما جاء الإسلام أبقى الله تعالى التربص كما كانوا يفعلون ثم أسقط الله ذلك إلى أربعة أشهر وعشر فكان هذا نسخا. وإن كان من نقصان فعندما أن الزيارة والنقصان نشخ كما تقدم إيضاحه وتفصيله, فهذا مقتضى صحيح الحديث وظاهر القرآن.
فأما الأخذ من مال الزوج فليس في قرآن ولا حديث وكذلك السكنى في المنزل لا يؤخذ من هذه الآية بنص, لأن قوله ﴿يتربصن﴾ لا يعطي مقتضاه لزوم المسكن وإنما استفيد اللزوم من آية النساء الصغرى وستراه مبينا في هذا القسم وفي قسم الأحكام هناك إن شاء الله, وقد استغرب الناس كن الناسخ قبل المنسوخ في (الخطاب) وليس ذلك بغريب فإن إثبات (الاي والسور) في الكتاب لم يكن على الترتيب في النزول وربك أعلم (بترتيب الإنزال) وترتيب الكتاب وهو بكل شيء عليم.
стр. 33
ثم جاء حديث (سبيعة) الأساسية أنها ولدت بعد وفاة زوجها بليال فاستأذنت رسول الله ﷺ فقال لها: "انكحي من شئت فقد حللت" فخص من المتربصات للمدة الحوال في سقوط العدة, فصات هذه الآية ناسخة لغيرها مخصوصة بالسنة (في) نفسها, وخفي هذا على جماعة منهم ابن عباس ﵁ فقال: "إن المتوفى عنها زوجها تعتد أخر الآجلين إما الوضع وإما انقضاء مائة ليلة وثلاثين ليلة" ولو بلغهم هذا الحديث ما تخلفوا عنه وإذ لم يبلغهم فالذي يقتضيه القياس ما ذكروه والله أعلم.
الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير﴾ .
اختلف الناس في هذه الآية على خمسة أقوال:
الأول: أن عائشة ﵂ سئلت عن قوله الله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنقسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ وعن قوله تعالى: ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ فقالت: "ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله ﷺ " فقال: "هذه معاتبة العبد فيما يصيبه من الحمى والنكبة حتى البضاعة يضعها في كم قميصه فيفقدها فيفزع لها, حتى إن العبد ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير".
стр. 34
الثاني: أن كل أحد يحاسب بما أبدى وما أخفى فيغفر للمؤمنين ويعاقب الكفار والمنافقون.
الثالث: أنها في كتمان الشهادة الواجبة وإظهار مالم يكن (منها) روي ذلك كله عن ابن عباس ﵀.
الرابع: روي عن مجاهد أنه قال: إنها منسوخة.
فقال القاضي أبو بكر ﵀:
الصحيح لما ثبت أن هذه الآية لما نزلت جاء أصحاب رسول الله ﷺ إلى النبي فجثوا بين يديه للركب وقالوا: يا رسول الله إن كنا نؤاخذ بما أبدينا وأخفينا لقد هلكنا. فقال رسول الله ﷺ : أتريدون أن تقولوا كما قال من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ قولوا سمعنا وأطعنا. فلما اقترأوها وذلت بهم ألسنتهم أنزل الله تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمومنون﴾ إلى قول: ﴿وقالوا سمعنا وأطعنا, غفرانك ربنا وأليك المصير. لا يكلف الله نفسها إلا وسعها, لها ما كسبت عليها ما اكتسبت. ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾. قال: قد فعلت ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا﴾. قال: قد فعلت ﴿ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾. قال: قد فعلت. وفي رواية: نعم. وهذا نص صريح فإن قيل: وكيف يدخل النسخ في الأخبار؟ قلنا: إن كان الخبر عن الشرع فيدخل فيه النسخ, لدخوله في المخبر عنه, غنما يكون على وفق المخبر عنه, وإن كان القول في الوعد والوعيد فلا يدخل فيه النسخ بحال لآنه لا يحتمل التبديل إذ التبديل (فيه) كذب ولا يجوز ذلك على الله سبحانه, على أن هذه الآية خارجة عن ذلك لأنه الله
стр. 35
سبحانه أخبر في هذه الآية أنه يحاسب العبد بما أبدى وبما أخفى وهذا خبر واقع لا محالة, ثم أخبر أنه يغفر ذلك لمن يشاء ويعذب من يشاء, ثم رفع من ذلك عن الأمة مالا طاقة (لها به بسؤالها) ذلك منه وكان هذا تخصيصا لولا أن النبي ﷺ أقرها على العموم حتى قال لهم: أتريدون أن تقولوا كما قال من قبلكم "سمعنا وعصينا؟ قولوا: سمعنا وأطعنا" فقالوها, وهي مربوطة بمشيئة (المغفرة فأنبأ الله بمغفرة البعض) وهو ما لا يمكن العبد دفعه من ذلك عن قبله من حديث النفس و (في) الصحيح: "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا من خلق كذا؟ فيقول: الله. حتى يقول له: من خلق (الله)؟ فإذا وجد ذلك أحدكم (فليقل لا إله) إلا الله" فأمر ﷺ برفع حديث النفس باعتقاد التوحيد. وفي الصحيح أيضا أن الصحابة (رضوان الله عليهم) قالوا للنبي ﷺ : إنا نجد في أنفسنا شيئا لأن نخر من السماء فتخطفنا الطير أحب إلينا من أن نجده. فقال لهم النبي ﷺ (أو قد وجدتموه؟ ) قالوا نعم. قال: "ذلك محض الإيمان". يعني دفعه عن النفس وكراهيته, إذ لا يمكن دفع ترداده لأنه قضاء الله في قلوب عباده.
وفي الصحيح "قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن" ثم زادنا من فضله تعالى جدة, ففي الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا هم العبد بحسنة كتبت له حسنة وإذا هم بسيئة لم تكتب عليه" وفي معارضه: "إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار. قالوا: يا رسول الله, هذا القاتل فما بال
стр. 36
المقتول؟ قال لآنه كان حريصا على قتل صاحبه". وفي رواية: "لأنه أراد قتل صاحبه" فأخبر بأن العبد يؤاخذ بالإرادة وهي فعل (القلب) , وقد أجاب بعضهم عنه بأن الذي برز للقتال فعل إشهار السلاح ومحاولة القتل بالدفع والضرب فقد وقع منه الفعل فيؤاخذ بما وقع من فعله لا بما أخفى من اعتقاده, وهذا يرده قوله: "لأنه أراد قتل صاحبه" فعلق العقوبة على الإرادة وهي من أفعال القلوب, وليست من أفعال الجوارح. والصحيح في الاعتقاد من ذلك كله أن للخواطر على القلب اضطرابا وهي الوسوسة قال الشاعر (الأعشى):
(تسمع) للحلي وسوسا إذا انصرفت ... كما استعان بريح عشرق زجل
فهذه حالة أولى لابد للقلب منها. ثم تطرأ عليه حالة ثانية وهي التياح بعض الخواطر من بين جملتها إن كان خيرا أو هجومه في حالة واحدة إن كان شرا فذلك الهم تكتب له الأولى ولا يكتب عليه الثاني (بفضل الله وبرحمته وبه فلتفرحوا فذلكم خير لكم مما تظنون) , ثم تطرأ على القلب حالة ثالثة وهي حذف جميع الخواطر إلا واحدا وتلك هي الإرادة, فإن انقطعت عوارضها جملة صارت نية مأخوذة من النوى وهو البعد, وذلك هو الإخلاص لتجردها عن عوارضها وبعدها عن عوائقها وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء﴾ وقوله تعالى: ﴿فادعوا الله مخلصين له الدين﴾ ولا يمتنعان يغفر الله لعبده بعض ذلك من اعتقاده بمقاساة من السموم والأوصاب كما
стр. 37
تقدم في حديث عائشة ﵂ أو بفضل (مبتدأ) كما ورد في الصحيح من حديث ابن عمر: أن الرب تعالى يدني عبده منه حتى يضع عليه كفنه فيقول له: عبدي, أتذكر يوم كذا حين فعلت كذا, فلا يزال يقرره على ذنوبه حتى يرى أنه قد هلك, ثم يقول: عبدي سترتها عليك في الدنيا وأنا أغرها لك اليوم".
صلة: قال رجل من أهل الجفاء: من قال إن قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ نسخه قوله: ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ لا يصح لأنه أهل القبلة مجمعون على أن الله تعالى لم يكلف أحدا إلا ما يطيقه, والقول بذلك تجوير للباري والله أحكم وأرحم من أن يكلف أحدا فوق وسعه ثم ينسخ ذلك بالتخفيف فيكون ذلك قبل النسخ جورا وليس في شيء من الروايات أن الله نسخها.
هداية: أما قوله أن الله تعالى لم يكلف أحدا إلا ما يطيقه, فإنما عرف ذلك بخبره في هذه (الآية) وإلا فجائز في حكم الله سبحانه أن يكلف الخلق ما لا طاقة لهم به وذلك عدل منه لكنه أخبر (أنه) لا يفعله بفضله فعرف ذلك بخبره وليس في القول بذلك تجوير بل هو توحيد. (وفي القول بأن) ذلك لا يجوز حجر على (الله) في فعله (وتحكم عليه) في حكمه وإلزام له مالا يلزمه, وللباري أن يمتحن الخلق بمالا طاقة لهم به من البلاء وأن يكلفهم مالا يطيقون من الأعمال ويكون ذلك عذلا منه, ثم ينسخه ويكون ذلك فضلا منه,
وقد كلف خمسين صلاة كل يوم وليلة وذلك مما لا يطيقه الخلق ثم نسخه (قبل الفعل) وقد بينا حديث ابن عباس ﵁ في الصحيح أن الله كلف ذلك (ثم نسخه) و (من هنا) قال: إن ذلك لا يصح, فنقول له: تزحزح عن ذلك فليست لك معرفة بالحديث إنما شانك أن تحتج بما ليس له أصل إنما تلقفته من
стр. 38
أشياخك المبتدعة وتترك الأصول في الصحاح. وقوله: الأخبار لا تنسخ قلنا قد يدخلها على وجهها النسخ وسيأتي في ذلك مزيد بيان. فهذا تحقيق هذه الآية وبها انتهت الآيات التي خرجت عن حكم الناسخ والمنسوخ إلى التخصيص وهي تسع وعشرون آية.
ابتداء الآيات المخصوصة
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿الذين يومنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾. قال قوم: هي الزكاة. منهم يزيد بن القعقاع وابن عباس رحمهما الله. وقال قوم: هي كل نفقة وهو الضحاك. والصحيح أنه مدرج للنفقة طلقا. ثم إن الله تعالى بين درجات الإنفاق في التكليف وأحكامه في الثواب في سائر الآيات وعلى لسان رسوله ﷺ . وقول من قال إن هذه الآية وكل آية تضمنت النفقة في القرآن منسوخة بالزكاة جهل فإن المخصوص لا يدخل في سيما ولا تعارض فيه .
стр. 39
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون﴾. قد بينا في غير موضع كتبنا أن الإيمان هو التصديق بالقول لما يكنه القلب وبالفعل لما يقتضيه القول ولا يختص بالقلب دون القول والفعل, وجربنا في طلق البيان فيه بما يظهر لمن اطلع عليه في (المشكلين, والمقسط). وإذا كان كذلك, فهؤلاء الذين آمنوا هم الذين صدقوا. وأما الذين هادوا ففيهم ثلاثة أوجه .
الأول: تابوا يعني من عبادة العجل, وذلك لقوله تعالى: ﴿إنا هدنا إليك﴾.
الثاني: قيل: نسبتهم إلى يهوذا وعرب فقيل: يهود, ثم حذفت الياء فقيل هود.
الثالث: أنه اسم "علم" وهو اصحه حسب ما بيناه في (الملجئة).
وأما النصارى ففيه خمسة أقوال: الأول أنه جمع نصران كندمان وندامى وأنشدوا:
كما سجدت نصرانة لم (تحنف)
الثاني: قال الخليل ﵀: واحدهم نصري وقيل في الثالث: واحدهم نصراني.
الرابع: سموا بذلك نسبة إلى ناصرة قرية كان ينزلها عيسى ﵇.
الخامس سموا بذلك لقولهم (نحن أنصار الله) وأنشدوا *لما رأيت نبطا أنصارا*.
стр. 40
وأما الصابئون فواحدهم صابيء, وهو الذي خرج من دين إلى دين وهو قول الخليل, سموا بذلك لخروجهم عن اليهودية والنصرانية, وقيل: هو مأخوذ من صبأ إلى كذا أي مال وهذا لا ( ... ) فهذا اشتقاقهم: وأما تفسيرهم ففيه ثلاثة أقوال: الأول أنهم قوم يعبدون الملائكة قاله "قتادة" الثاني: أنهم طائفة من أهل الكتاب قاله "السدي" الثالث: أنهم نصارى وقبلتهم جهة الجنوب ويزعمون أنهم على دين نوح ﵇.
فأما (الذين آمنوا) فقيل في سلمان وأصحابه كان يطلب (الدين ويسعى في درك الحق) قال السدي وقيل: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾.
قال القاضي أبو بكر ﵀:
والصحيح (أنها محكمة) لأنه لا يعارض قوله: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا﴾ ومعناها أن المومنين واليهود والنصارى من آمن بالله منهم وعمل صالحا فلهم أجرهم وأمنهم وسرورهم. فإن قيل: كيف جمع بين المحق والمبطل في خبر واحد, وذلك تناقض والمخبران المتضادان لا يجتمع بينهما في خبر واحد, كما لو قال محمد ﷺ ومسيلمة صادقان أو كاذبان فهما خبران باطلان بجمعهما بين المتضادين, قلنا عنه: إن هذا إنما كان يتضاد ويتناقض لو قال: ﴿إن الذين آمنوا
следующие страницы →