Полный текст (413 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
المقتول؟ قال لآنه كان حريصا على قتل صاحبه". وفي رواية: "لأنه أراد قتل صاحبه" فأخبر بأن العبد يؤاخذ بالإرادة وهي فعل (القلب) , وقد أجاب بعضهم عنه بأن الذي برز للقتال فعل إشهار السلاح ومحاولة القتل بالدفع والضرب فقد وقع منه الفعل فيؤاخذ بما وقع من فعله لا بما أخفى من اعتقاده, وهذا يرده قوله: "لأنه أراد قتل صاحبه" فعلق العقوبة على الإرادة وهي من أفعال القلوب, وليست من أفعال الجوارح. والصحيح في الاعتقاد من ذلك كله أن للخواطر على القلب اضطرابا وهي الوسوسة قال الشاعر (الأعشى):
(تسمع) للحلي وسوسا إذا انصرفت ... كما استعان بريح عشرق زجل
فهذه حالة أولى لابد للقلب منها. ثم تطرأ عليه حالة ثانية وهي التياح بعض الخواطر من بين جملتها إن كان خيرا أو هجومه في حالة واحدة إن كان شرا فذلك الهم تكتب له الأولى ولا يكتب عليه الثاني (بفضل الله وبرحمته وبه فلتفرحوا فذلكم خير لكم مما تظنون) , ثم تطرأ على القلب حالة ثالثة وهي حذف جميع الخواطر إلا واحدا وتلك هي الإرادة, فإن انقطعت عوارضها جملة صارت نية مأخوذة من النوى وهو البعد, وذلك هو الإخلاص لتجردها عن عوارضها وبعدها عن عوائقها وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء﴾ وقوله تعالى: ﴿فادعوا الله مخلصين له الدين﴾ ولا يمتنعان يغفر الله لعبده بعض ذلك من اعتقاده بمقاساة من السموم والأوصاب كما
стр. 37
تقدم في حديث عائشة ﵂ أو بفضل (مبتدأ) كما ورد في الصحيح من حديث ابن عمر: أن الرب تعالى يدني عبده منه حتى يضع عليه كفنه فيقول له: عبدي, أتذكر يوم كذا حين فعلت كذا, فلا يزال يقرره على ذنوبه حتى يرى أنه قد هلك, ثم يقول: عبدي سترتها عليك في الدنيا وأنا أغرها لك اليوم".
صلة: قال رجل من أهل الجفاء: من قال إن قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ نسخه قوله: ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ لا يصح لأنه أهل القبلة مجمعون على أن الله تعالى لم يكلف أحدا إلا ما يطيقه, والقول بذلك تجوير للباري والله أحكم وأرحم من أن يكلف أحدا فوق وسعه ثم ينسخ ذلك بالتخفيف فيكون ذلك قبل النسخ جورا وليس في شيء من الروايات أن الله نسخها.
هداية: أما قوله أن الله تعالى لم يكلف أحدا إلا ما يطيقه, فإنما عرف ذلك بخبره في هذه (الآية) وإلا فجائز في حكم الله سبحانه أن يكلف الخلق ما لا طاقة لهم به وذلك عدل منه لكنه أخبر (أنه) لا يفعله بفضله فعرف ذلك بخبره وليس في القول بذلك تجوير بل هو توحيد. (وفي القول بأن) ذلك لا يجوز حجر على (الله) في فعله (وتحكم عليه) في حكمه وإلزام له مالا يلزمه, وللباري أن يمتحن الخلق بمالا طاقة لهم به من البلاء وأن يكلفهم مالا يطيقون من الأعمال ويكون ذلك عذلا منه, ثم ينسخه ويكون ذلك فضلا منه,
وقد كلف خمسين صلاة كل يوم وليلة وذلك مما لا يطيقه الخلق ثم نسخه (قبل الفعل) وقد بينا حديث ابن عباس ﵁ في الصحيح أن الله كلف ذلك (ثم نسخه) و (من هنا) قال: إن ذلك لا يصح, فنقول له: تزحزح عن ذلك فليست لك معرفة بالحديث إنما شانك أن تحتج بما ليس له أصل إنما تلقفته من
стр. 38
أشياخك المبتدعة وتترك الأصول في الصحاح. وقوله: الأخبار لا تنسخ قلنا قد يدخلها على وجهها النسخ وسيأتي في ذلك مزيد بيان. فهذا تحقيق هذه الآية وبها انتهت الآيات التي خرجت عن حكم الناسخ والمنسوخ إلى التخصيص وهي تسع وعشرون آية.
ابتداء الآيات المخصوصة
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿الذين يومنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾. قال قوم: هي الزكاة. منهم يزيد بن القعقاع وابن عباس رحمهما الله. وقال قوم: هي كل نفقة وهو الضحاك. والصحيح أنه مدرج للنفقة طلقا. ثم إن الله تعالى بين درجات الإنفاق في التكليف وأحكامه في الثواب في سائر الآيات وعلى لسان رسوله ﷺ . وقول من قال إن هذه الآية وكل آية تضمنت النفقة في القرآن منسوخة بالزكاة جهل فإن المخصوص لا يدخل في سيما ولا تعارض فيه .
стр. 39
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون﴾. قد بينا في غير موضع كتبنا أن الإيمان هو التصديق بالقول لما يكنه القلب وبالفعل لما يقتضيه القول ولا يختص بالقلب دون القول والفعل, وجربنا في طلق البيان فيه بما يظهر لمن اطلع عليه في (المشكلين, والمقسط). وإذا كان كذلك, فهؤلاء الذين آمنوا هم الذين صدقوا. وأما الذين هادوا ففيهم ثلاثة أوجه .
الأول: تابوا يعني من عبادة العجل, وذلك لقوله تعالى: ﴿إنا هدنا إليك﴾.
الثاني: قيل: نسبتهم إلى يهوذا وعرب فقيل: يهود, ثم حذفت الياء فقيل هود.
الثالث: أنه اسم "علم" وهو اصحه حسب ما بيناه في (الملجئة).
وأما النصارى ففيه خمسة أقوال: الأول أنه جمع نصران كندمان وندامى وأنشدوا:
كما سجدت نصرانة لم (تحنف)
الثاني: قال الخليل ﵀: واحدهم نصري وقيل في الثالث: واحدهم نصراني.
الرابع: سموا بذلك نسبة إلى ناصرة قرية كان ينزلها عيسى ﵇.
الخامس سموا بذلك لقولهم (نحن أنصار الله) وأنشدوا *لما رأيت نبطا أنصارا*.
стр. 40
وأما الصابئون فواحدهم صابيء, وهو الذي خرج من دين إلى دين وهو قول الخليل, سموا بذلك لخروجهم عن اليهودية والنصرانية, وقيل: هو مأخوذ من صبأ إلى كذا أي مال وهذا لا ( ... ) فهذا اشتقاقهم: وأما تفسيرهم ففيه ثلاثة أقوال: الأول أنهم قوم يعبدون الملائكة قاله "قتادة" الثاني: أنهم طائفة من أهل الكتاب قاله "السدي" الثالث: أنهم نصارى وقبلتهم جهة الجنوب ويزعمون أنهم على دين نوح ﵇.
فأما (الذين آمنوا) فقيل في سلمان وأصحابه كان يطلب (الدين ويسعى في درك الحق) قال السدي وقيل: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾.
قال القاضي أبو بكر ﵀:
والصحيح (أنها محكمة) لأنه لا يعارض قوله: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا﴾ ومعناها أن المومنين واليهود والنصارى من آمن بالله منهم وعمل صالحا فلهم أجرهم وأمنهم وسرورهم. فإن قيل: كيف جمع بين المحق والمبطل في خبر واحد, وذلك تناقض والمخبران المتضادان لا يجتمع بينهما في خبر واحد, كما لو قال محمد ﷺ ومسيلمة صادقان أو كاذبان فهما خبران باطلان بجمعهما بين المتضادين, قلنا عنه: إن هذا إنما كان يتضاد ويتناقض لو قال: ﴿إن الذين آمنوا
стр. 41
والذين هادوا والنصارى والصابئين﴾ لهم أجرهم ولا خوف عليهم ولاحزن (ولكنه عقب ذكر ذلك بقوله) ﴿من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا﴾ فرجع الجواب بثبوت الأجر ونفي الخوف والحزن إلى الإيمان والعمل الصالح، فإن قيل وأي فائدة في تكرار الإيمان وقد كان الآخر منه يكفي ذكره عن الأول ويرتفع التشابه؟ قلنا لو ورد القول كذلك لخرجت عنه فائدتان: الأولى من آمن بالله ممن لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا صابئا فأدرج معهم في الخطاب الأولوميز الحكم في الخطاب الثاني بحقيقته الجامعة للكل. الثانية أنه كان يخرج منهم أهل الفترة كقس بن ساعدةوزيد بن عمروابن نفيل والمحترق: أما, قس, ﵁ ففهم التوحيد وعرف حدوث العالم وأنذر بالنبي ﷺ فترحم عليه ﷺ وقال: (إنه يبعث أمة وحده). وأما زيد بن عمرو بن نفيل فحديثه في الصحيح أنه: كان يطلب الحنيفية ويفر من اليهودية والنصرانية ويوحد وينتظر النبي ﷺ ، وأما المحترق فحديثه في الصحيح (أيضا) أن رجلا لم يعمل خيرا قط قال: إذا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم أذروا في يوم رايح نصفي في البر ونصفي في البحر، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين، وفي رواية: لعلي أضل الله. فلما أعاده الله خلقا سويا قال له: ما حملك على مافعلت؟ قال: مخافتك. فما تلافاه غيرها، فهذ رجل جهل صفات وعرف صفاتِ وكان ذلك في زمان الفترة، فعذره الله تعالى وغفر له ما جهل بما علم. بخلاف من يجهل الله اوشيئا من صفاته في زمان البيان والنبوة، فإنه لايغفر له إلا الذنوب العملية خاصة دون الاعتقادات السيئة
стр. 42
(في الإلهية). فأما ورقةبن نوفل ﵀، فمؤمن حقابما جرى له معالنبي ﷺ في الحديث الصحيح، واقراره به وشهادته له، وقد بينا ذلك كله في (المشكلين)، فلما كان لهؤلاء أجوال في الإيمان قبل النبي صلى الله عليه وسلام وابتعاثه، أخبره اللهتعالى أن الطوائف كلها قبل المبعث من آمن منهم بالله، ولو بالوجود وبعض الصفات، وعمل صالحا يعني اجتنب الفواحش والموبقات بالبعث الذي يعدله العملالصالح، فإن الله يأجره ويؤمنه ويسره أجر المؤمن بالنبي (القابل لشريعته) ويومنه ويسره أمنه وسروره.
الآية الثالثة: قوله ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ .
الحسُن والحسَن كالرشد والرشد وقد (قرئ) بهما. والحسن ع وزن فُعلهو الجاري على مصدر الفعل، مثال العمل، هو الجاري على وصف الاسم، وهو على أقسام بيناها في (كتاب المشكلين)، ومن جملتها أن الحسن ينطلق علىلمعتاد (المألوف) وعلى ما حسنه الشرع بالدعاء إليه وندب بالحث عليه. وقد
قال"محمد بن علي أبو جعفر": هي محكمة ومعناها قولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقال عطاء: معناها قولوا للناس ماتحبون (أن يقال) لكم. وقال (ابن جريج): قلت لعطاء: لا، ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾.
стр. 43
وقالت (الجماعة): هي منسوخة بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث
وجدتموهم﴾ وقال "قتادة" مثله. قال القاضي ابن العربي ﵁: والصحيح انها (محكمه)
لأن العلماء بين قائلين: أحدهما أنها عامة موقوفة، وهم القائلون بالوقف في العموميات، فما دل الدليل
عليه من ذلك قلنا به. والثاني: أن العموم صحيح فتكون مخصوصه في الكفار والمجاهر بالمعاصي، وتغيير المنكر مع الخوف ودفع الإنسان عن نفسه بالقول الحسن فيما يحذر ممن يحذر. وفي الصحيح قال النبي ﷺ : (اتقو النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوافبكلمة طيبة) وعلى نحو ما قدمناه جاء قوله تعالى: ﴿فقولا له قولا لينا لعلهيتذكر أو يخشى﴾.
الآية الرابعة: قوله عزوجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا لاتقولوا راعناوقولا انظرنا واسمعوا﴾. كان المسلون يقولون للنبي ﷺ . راعنا استدعاءالرعاية لهم، فاتخذها الكافرون دخلا فكانوا يقولون للنبي ﷺ راعنا، منادى فاعلامن الرعونة، كما تقول: يارجلا، ثم تحذف حرف النداء فتقول: رجلا. فلما اطلعالله تعالى على سهرهم نهى المسلمين عن ذكر هذا حتى يقطع بذلك تذرع الكفار إلى سب رسول الله ﷺ ، فجعل قوم هذا نسخا لأنه نهى بعد إباحة. ولكن لم تكنالإباحة بنص. وإنما كانت داخلة في عموم التعزيز والتوقير، فلما توصل بها الكفار إلى
إذاية النبي ﷺ نهى عنها، فكانت تخصيصا من عموم التعزيز والتوقير
стр. 44
الآية الخامسة: قوله تعالى, ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي اللهبأمره﴾.قال السدي في هذه الآية: إنها منسوخة بالأمر بالقتال، وقد بيناأن الحكم الممدود إلى غاية لاتكون الغاية ناسخةله، فمن ظن ذلك من الجهال فقدسبق بياننا له، ولم يقل ذو تحصيل بنسخ في ذلك فاعلموه من هنالك .
الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾.اختلفالناس في هذه الآيةعلى سبعة أقوال:
الأول أن معناها: صلوا كيف شئتم فإن الله قصدكم وهو تلقاء وجوهكم لايحويه مكان كما لا يشتمل عليه زمان ولا يخلو منه بعلمه موضع، قال معناه" قتادة".
الثاني قال ابن زيد: "هذه الآية اقتضت إباحة الصلاة لهم إلى أي جهةشاءوا، فقال لهم النبي ﷺ ، هذه يهود تصلي إلى بيت من بيوت الله فصلوا إليه، فلمانسخ قالت يهود: ما اهتدوا حتى هديناكم، فكبر ذلك على النبي ﷺ ورفع رأسه إلىلسماء فنزلت ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ماكنتم فولوا وجوهكم
شطره﴾ لئلا يكون للناس عليكم حجة".
الثالث أن معناه: إلى أي جهة أممتم فثم وجه الله أي جهته التي أمركم أنتتوجهوا إليها وهي الكعبة.
стр. 45
الرابع قال "إبراهيم النخعي": نزلت في ليلة مطر أظلمت القبلة علىلناس فيها فصلى كل واحد إلى جهة أمها فلما أصبحوا وجدوا أنفسهم إلى غير القبلة،
فأنزل الله هذه الآية، عذرهم فيها وجوز لهم فعلهم.
الخامس: أن النبي ﷺ صلى على النجاشي (حين) مات فقالالناي (كيف) (صلى عليه وهو يصلي (إلى غير قبلتنا) فأنزل الله هذهالآية.
السادس: أنها نزلت في الدعاء.
السابع: أنها نزلت في صلاةالنبي ﷺ في السفرعلى راحلته إلى غير (القبلة).
قال القاضي محمد بن العربي ﵀:
أما القول الأول فهو باطل، فإن الله ما أباح قط الصلاة لأحد حيث شاء، ولاأوقف أمر القبلة على إرادة أحد، ولا أجراها باختيار مكلف، فهذا ممتنع عادة شرعيةمعدوم رواية. أما إن العبد وإن قصد جهة الكعبة فليس الباري بحال في موضع. وأما القول الثاني فإذا أسقطت منه قوله: ثم نسخ، أفتقر إلى نقل وحينئذيعول عليه، وإذا قرنته بقوله ثم نسخ انقلب المعنى مالم ينقل من ذلك (فلا) يلتفت
إلى قوله. وأما سبب صلاة النبي ﷺ إلى بيت المقدس ففيه قولان: أحدهما أن
النبي ﷺ فعل ذلك (تألفا لليهود) وليسهلعليهم اتباع الدين لاستوائهما في
стр. 46
القبلة قاله الطبري. الثاني: أن الله تعالى أراد أن يمتحن العرب بالصلاة إلىغير البيت الذي كانت ألفته، ليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، والأول أصح ويشهد له قوله ﴿وماجعلنا القبلة التي كنت عليها﴾ يعني الصلاة إلى بيت المقدس ﴿إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب علىعقبيه﴾ يعني فلا عبرة بقول السفهاء (من الناس) ﴿ما ولاهم عن قبلتهمالتي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب﴾ (أي الجهات) ﴿يهديمن يشاء إلى صراط مستقيم﴾ في كل ما أمر به من استقبال (القبلة) واستدبار أو إعراض وإقبال، وهذا إخبار من الله تعال فإن النبي ﷺ إلىبيت المقدس بأمر منه (لأن هذا) مما لايدرك بالاجتهاد وكان هذا أمرا منالله تعالى بما كان النبي ﵇ مال إليه غبة في استدعاء اليهود منه، فلما رآهنعلى غلوائهم متمادين أراد الرجوع إلى قبلته (فاستحي) أم يسأل أخيرا خلاف ماسأل أولا، فكان يرفع بصره إلى السماء ليسأل فيصرفه الحياء، حتى نزلت عليه:
﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ الآية، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلمأنهصلى إلى بيت المقدس بمك مرة فكان يجمع بين القبليتين فلما هاجر إلى المدينة صلىإلى بيت المقدس خاصة تسعة عشر شهرا أو ستة عشر شهرا في رواية البراء وابن عباس ﵃ وهوالصحيح، وثلاثة عشر شهرا في رواية معاذ، وعشرة أشهر في روايةأنس، وقد كان كبر على جماعة ممضى من صلاتهم إلى بيت المقدس
стр. 47
وتأسف قوم على من مات وهو يصلي إليها فأنزل الله عزوجل: ﴿وإن كانتلكبيرة الا على الذين هدى الله﴾ لامتثالهم أمره ﴿وما كان الله ليضيعإيمانكم﴾ أي صلاتكم أليها المفعولة لتصديقكم بالأمر بها.
وأما قول من قال إن معناه فثم جهة الله أي الكعبة فهذا محال عقلا وشرعاوإنما المعنى ﴿فأين ماتولوا فثم وجه الله﴾ أي جهته التي أمركم بها سواء كانتالكعبة أو بيت المقدس.
وأما من قال إنها نزلت في الليلة المطيرة فلم يصح نقله، والصحيح فيها حديثابن عمر ﵄ في صلاة النبي ﷺ في السفرالنافلة على الراحلة كماتقدم بيانه.
وأما م قال: الدعاء، فيفتقر إلى نقل (ولم يصح) والسماء قبلة الدعاءوالكعبة قبلة الصلاة تعبدا شرعا وتكليفا، وقد قال لنا شيخنا الإمام الزاهدالصوفي ظبيان الدمشقي: بها قال لنا دانشمند_ ثم لقيته ببغداد فأخبرني
стр. 48
به وحققته معه_ وقاله لنا الإمام الدهستاني وغيره (عن) القاضي أبيزيد الدبوسيوقد قررته في غير موضع ,معناه أن الله تعالىليس في جهة مخصوصة ولا في بقعة معينة كيف ما قدرتها، مرتفع أو منخفضة، شرقية أو غربية، سمائية أو أرضية، وإنما النفس شأنها التشوف والاسترسال، فقصرت على حالة واحدةفي الصلاة والدعاء ليكون أثبت لها وأوقع للتكليف فيها. ولكن العبد إنما يقرب من ربه بالذلة لأنه العزيز، وأذل الأحوال السجود بالوجه الذي هو أرفع الجوارح علىلأرض التي هي أهون الموجودات، وخصت له جهة السماء باستقبالها بالدعاء إشارةإلى تعظيم علو المسافة المحسوسة التي تكسب القلب علو المكانة (المعقولة) ولأنهامحل الأرزاق وموضع الاستقرار في دار النجاة وقد مهدنا ذلك في (كتاب المشكلين)
قال القاضي ابن العربي ﵁: وإذ قد انتهى القول إلى هذاالحد فالمتحصل في الباب المتصدي له من الآية ثلاثة أقوال:
أحدهاأنها ناسخة.
الثاني أنها منسوخة كما تقدمت الإشارة في سرد الأقوال إليه.
الثالث أنها محكمة وهو الصحيح كما تقدم من رواية ابن عمرفيها والله أعلم.
الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وبكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾ قال بعض أهل النسخ: إن آية القتال نسختهااعلمواوفقكم الله أن قوله تعالى: ﴿قل أتحاجوننا في الله﴾ لا يدخله النسخ لأنهتقرير على وقوع الحاجة بين المسلمين والكفار ونهى عنها فلا يصح رده ولا يجوزرفعه إذ النسخ إنما يدخل في الأحكام لا في التوحيد. وكذلك قوله تعالى: ﴿وهوربنا وربكم﴾ مثله. وأما في قوله تعالى: ﴿ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾ فهو
стр. 49
كلام صحيح، لأن عمل كل أحد له حقيقة في الوجود حقيقة في العادة. فوجود منفعةالعمل أو مضرته، وألمه أو لذته، حقيقة شرعا يلقى ثوابه أو عقابه، وهو ايضا خبر لايدخله نسخ. وكذلك أخبر الله عن محمد ﷺ ﴿فقل لي عملي ولكم عملكم﴾ وقوله تعالى: ﴿فعلي اجرامي وأنا برئ مما تجرمون﴾ خبر عن قول نوح ﵇. وهذه كلها حقائق لاتدفع ولاترد. لكنه بقيفي الآية أنها إشارة (إلى المتاركة) وتنبيه على المسألة لمفهومها من الخطاب وقد نسخت المتاركةبالقتال فجاء النسخ في مفهوم الآية وفحواها لا في نصها ومعناها.
الآية الثامنة: قوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ قال بعضهم، هي ناسخة لصلة النبي ﷺ إلى بيت المقدس وهو أول حكم نسخه اللهلرسوله ﵇، فتناولت على أحد الأقوال قوله: ﴿ولله المشرق والمغربفأين ما تولوا فثم وجه الله﴾ وليس بصحيح كما قدمناه .
وإنما نسخت الأمر الواقع لرسول الله ﷺ بالتوجه الى بيت المقدس وهو أمر لمينقل قولا وأن كان قد وقع فعلا. أما أنه قد قال تعالى: ﴿ولكل وجهة هو موليها﴾ وذلك اشارة، على أظهر التأويلات، إلى الصلاة إلى بيت المقدستارة وإلى الكعبة أخرى، وفي الصحيح عن ابن عمر ﵄ ما لفظه: بينما الناس في الصبح بقباء، إذ جاءهم رجل فقال: قد أنزل الليلة قرآن فأمر أن
стр. 50
تستقبل القبلة فاستقبلوها. فاستداروا كهيئتهم فتوجهوا إلى الكعبة وكانت وجوههم إلى الشام).
الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية. قال بعض القاصرين: معنى قوله تعالى: ﴿فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ فلا يطوف بهما. وكان على الصفا صنم يقال له (أساف) وعلى المروة آخر يقال له نائلة، وكانا رجلا وامرأة زنيا في الكعبةفمسخا فوضعهما المشركون هنالك وعبدوهما من دون الله تعالى، فلماأسلمتالأنصار (رضي) لله عنهم (تحرجوا أن يطوفوا بينهما) فأنزل الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾.ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿ومن
يرغب عن ملة ابراهيم إلا من سفه نفسه﴾.
قال القاضي محمد ابن العربي ﵀:
هذا جهل بالمعنى وجهل بالسنة والنقل. أما جهل المعنى فقد بينته عائشة ﵄ لأبن أختها عروة ﵀. ثبت أن عروة بن الزبير رحمهما الله قال لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم_قال، وأنا يومئذ حديث السن_ أرأيت قول الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا
стр. 51
جناح عليه أن يطوف بهما﴾، فما أرى على أحد شيئا أن لا يطوف بهما؟ فقالت عائشة رحمها الله: لو كانت كما تقول كانت ﴿فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما﴾ وإنما أنزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يهلون لمناة، وكان مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فأنزل الله ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾، فهذا عروة إنما أشكل عليه وعلى غيره وجوب السعي بين الصفا والمروة مع قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ فأما النهي عن الطواف فلا يقتضيه ذلك اللفظ حسبما بينته عائشة رحمها الله. وأما الجهل بالنقل فإنه ثبت أن النبي ﷺ لما طاف في حجته بالكعبة وخرج عن المسجد وقف على الصفا وقال: " نبدأ بما بدأ الله به".
فنص على العمل بمقتضى الآية ولو كانت منسوخة لفعل نسكه ول يستشهد بالآية، وهي مرتبطة بعضها ببعض بحرف الربط وهو الفاء فدل على أن الآية في كون الصفا والمروة من شعائر الله بمقتضي أن يكون آخرها الأمر بالطواف ليس النهي عنه، وهذا ظاهر فتأمله.
الآية العاشرة قوله تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى﴾ إلى قوله: ﴿الرحيم﴾ قال بعض الغافلين: إن قوله: ﴿إن الذين يكتمون﴾ إلى قوله: ﴿اللاعنون﴾ نسخها قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ .
стр. 52
وهذا باطل من ثلاثة أوجه: أحدهما أن هذا وعيد ولا نسخ في الوعد والوعيد وإنما تنسخ الأحكام كما قدمنا بيانه. الثاني أن من شرط الناسخ أن يتأخر عن المنسوخ فأما إن اتصل به فلا يكون نسخا. الثالث أن قوله: ﴿إن الذين يكتمون﴾ عام وقوله: ﴿إلا الذين تابوا﴾ تخصيص وهو أمر خارج عن النسخ كما بيناه فلا معنى لهذا القول بحال، ولا يعجب. في هذا من وهم المفسرين وإنما أعجب من غلط ابن حبيب فيه وهو من الفقهاء، وظني والله أعلم أنه سامح في تسمية التخصيص نسخا على عادة على المفسرين، والله أعلم.
الآية الحادية عشرة قوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم﴾ .
قال بعضهم: نسخ الله من ذلك بالسنة السمك والجراد والكبد والطحال، ونسخ من ذلك ومن قوله: ﴿وما أهل لغير الله به﴾ قوله: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ أكل المضطر. وهذا من تخصيص العام المتقدم في قوله: " أحلت لكم ميتتان ودمان" وإما قوله تعالى: ﴿فمن اضطر﴾ فهو أيضا تخصيص ويمتنع أن يكون نسخا لاتصاله وعدم التأخر فيه كما بيناه وبيان الآية في قسم الأحكام.
стр. 53
الآية الثانية عشرة قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ .
قال القاضي محمد بن العربي:
هذه الآية من أمهات الأحكام وقد بيناها في قسمها.
فأما الذي علق بالنسخ (فيها) فوجهان:
стр. 54
أحدهما ما كانت الجاهلية تفعله من إرادتها (الربا والتعدي بأخذ) الجماعة (عن) الواحد والحر عن العبد والشريف عن الدنيء فأوجب الله تعالى المثل عن المثل (ومنع) من الزيادة والتعدى.
والوجه الثاني ما كانت عليه شريعة بني إسرائيل من التعيين للقصاص في جزاء القاتل دون الفداء بشيء من مال. ثم من الله تعالى على هذه الأمة بالدية فقال النبي ﷺ : من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يفادي وإما أن يقتل". وعن ابن عباس ﵀: كان في بني إسرائيل القصاص ول تكن فيهم الدين فقال الله تعالى لهذه الأمة ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ يعني مما كتب على من كان قبلكم (فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم) يعني بعد قبول الدية.
قال القاضي محمد بن العربي ﵀: وهذا نص من قول ابن عباس ﵁ صحيح نقله: وشريعة محمد ﵇ نسخت شريعة موسى صلوات الله على نبينا وعليه وعلى جميع النبيين. وقبول الدية في هذه الآية نسخت على الخصوص (انختام) القصاص على من سبق من الأمم فهذا نسخ صحيح بشرائطه المتقدمة وفيه خلاف كثير بين العلماء بيناه في قسم الأحكام الثالث، فلأجل هذا الإشكال جعلناها في قسم الخصوص، ورجح مالك وأصحابه العطاء لأن العفو إذا كان بمعنى الإسقاط وصل بكلمة (عن) كقوله تعالى: ﴿واعف عنا﴾.
ورواية أشهب أظهر لوجهين: أحدهما الأثر والآخر النظر، أما الأثر فقوله ﵇: فمن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يفادي وإما أن يقتل.
стр. 55
وأما طريق المعنى والنظر فإن الولي أو القاتل إذا وقع العفو منهما بالدية فإنه واجب على القاتل قبوله دون اعتبار رضا القاتل لأنه عرض عليه بقاء نفسه من مثله كما لو عرض عليه بقاء نفسه في المخمصة بقية الطعام للزمة.
وأما الذي كانت العرب تفعله من الربا في القصاص والاعتداء فليس من النسخ في شيء لأنه لم يكن حكما أحكم ولا شرعا ولا دينا مهد وإنما كان باطلا يفعل وحقا يجهل فقذف الله بالحق على الباطل فدمغه وأعلم الصحيح في ذلك وبلغه، والله أعلم.
الآية الثالثة عشر قوله تعالى: ﴿يا أيها الذي آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون. أياما معدودات﴾ .
قال أهل التفسير فيها خمسة أقوال:
الأول أنها ناسخة لصوم عاشوراء، وقد كان يصام في الجاهلية ويصومه اليهود.
الثاني قال عطاء: كان فرض في صدر الإسلام صوم ثلاثة أيام من كل شهر.
الثالث قال أبو العالية وغيره: كان (فرض في صدر الإسلام صوم ثلاثة) الله قد فرض على من كان قبلنا إذا نام بعد المغرب لم يأكل ولم يشرب ولم يقرب النساء ثم كتب ذلك علينا ذلك قوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾.
الرابع: أن الله تعالى كتب علينا الصيام شهرًا قاله مجاهد وقتادة كما كتب على من كان قبلنا.
стр. 56
الخامس أن الله تعالى كتب على النصارى صوم شهر فمرض رجل منهم فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدن عشرا، ثم كان آخر فأكل لحما فأوجع فاه فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدين سبعًا، ثم كان ملك آخر فقال: لنتمن هذا السبع ولنجعلنه في الربيع. فصار خمسين.
قال القاضي ابن العربي ﵀: أما من قال إنه صوم عاشوراء فمتعلقه ما روي عن النبي ﷺ لما قدم على اليهود وجدهم يصومون عاشوراء فسألهم فقالوا: هذا يوم أنجى الله فيه موسى وغرق فرعون فقال لهم النبي ﷺ : نحن أحق بموسى منكم" فصامه النبي ﵇ وأمر بصيامه حتى فرض رمضان فقال النبي ﷺ : (هذا) " يوم عاشوراء لم يكتب الله عليكم صيامه فمن شاء صام ومن شاء أفطر".
وهذا لا حجة فيه لوجهين: أحدهما أن الله تعالى لم يكتب على اليهود صوم عاشوراء وإنما صاموه من قبل أنفسهم شكرا لله تعالى على ما منح قومهم من خلاصة من فرعون وسلامتهم: الثاني أن الله تعالى قال في هذه الآية: ﴿أياما معدودات﴾ وعاشوراء واحد، فخرج بذلك من الآية وأما من قال إنه صوم ثلاثة أيام من كل شهر فلم يصح سنده فلا يشتغل به. وأما قول أبي العالية فهو الصحيح لما ثبت عن البراء ﵁ أنه قال: كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾.
стр. 57
التكليفية على نحو ما كان على ما قبلنا ثم خص الله الليل كله بقوله: ﴿أحل لكم ليلة الصيام﴾ فكان تخصيصا للعموم في صوم الزمان كله، نسخا لما كان عليه من قبلنا، وهذا تحقيق بالغ والله أعلم.
الآية الرابعة عشرة قوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ .
اختلف المفسرون فيها على قولين:
أحدهما أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾ كان فرض القتال أولا لمن قاتل ثم جعل عاما لمن قاتل ولمن لم يقاتل بقوله: ﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾ وقال ابن زيد وأشار بقوله: ﴿ولا تعتدوا﴾ إلى أن معناه ولا تقاتلوا من لم يقاتلكم من الكفار. الثاني أن المراد بذلك لا تعتدوا أي لا تقاتلوا امرأة ولا وليدًا ولا راهبا، روى عن ابن عباس وعمر بن عبد العزيز، ﵃ وغيرهما. والأول أقوى في النظر وإن كان في الكلام محتمل للقول الآخر وإنما دخل التخصيص في قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ ولم يدخل في قوله: ﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾
стр. 58
يقاتلونكم كافة﴾ لأن المرأة والصغير والراهب لا يقاتلون حتى إذا قاتلوا قتلوا بعض القرآن في قتل من قاتل ويكون بقوله: ﴿ولا تعتدوا﴾ (مماثلا) لقوله: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا﴾ المعنى أن من كف عن قتالكم فكفوا عنه. ويدخل من أراد الصلح بوجه من المعنى فيعطي له كما بيناه في كتاب الأحكام ومسائل الفقه والله أعلم.
الآية الخامسة عشرة قوله تعالى: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه﴾ .
اختلف المعترضون لهذا الباب في هذه الآية على قولين: أحدهما أن الآية منسوخة نسخها قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ قال آخرون: هي ناسخة لقوله تعالى: ﴿اقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ ثم نسخ هذه الآية الناسخة قوله في ﴿براءة﴾ ﴿قاتلوا المشركين﴾ والصحيح أن الآية محكمة ليست ناسخة ولا منسوخة إذ لا يصح النسخ بين العام والخاص بل الخاص يقضى على العام إجماعا، وقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾.
стр. 59
و ﴿حيث ثقفتموهم﴾ صحيح على عمومه لا تعترض آية على أخرى، وقوله: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام﴾ خاص في منع القتل والقتال في الحرم فهو على خصوصه لا يعترض عليه قرآن ولا سنة بل تعضده السنة في الحديث الصحيح أن سعد بن عبادة قال يوم الفتح: اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الكعبة. فقال أبو سفيان: يا عباس اليوم يوم الذمار، فلما مر رسول الله ﷺ بأبي سفيان قال: ألم تعلم ما قال سعد قال: ما قال؟ قال: قال كذا وكذا وكذا، فقال: " كذب سعد ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة وتكسى فيه الكعبة" وثبت أنه قال ﷺ إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله (لم حل) لأحد قبلي ولا يحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من النهار (لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها).
وقد ذكرنا (في كتاب تحفة الخواطر) وقسم الأحكام كلام الإمام حسين الصاغاني الحنفي فيها بمدرسة أبي عقبة من بيت المقدس طهره الله وقد
стр. 60
ثبت أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح، وعلى رأسه المغفر قال ابن شهاب: ولم يكن رسول الله ﷺ يومئذ محرما. وذلك قوله ﵇: وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وإذا كان القتال يحل لي فيها فاللباس أولى لأنه إنما تعدى من دخلها بالأمن وأما من دخلها محاربا .. فإنما يدخل شاكا بهمة وقد أمن النبي ﷺ يوم الفتح كل الناس إلا خمسة: ابن خطل ومقيس بن صبابة الكناني والقينتان (أمنتا أيضا إحداهما أم سارة، وقيل في الخامس إنه عبد الله بن سعد بن أبي سرح حتى أخذ له الأمان عثمان بن عفان ﵀.
الآية السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم﴾ قال بعض من اعترض لهذا الفن: هذا من الأخبار التي معناها الأمر وتقديره فاعفوا عنهم واصفحوا عنهم، ثم نسخ ذلك بآية السيف .
قال القاضي محمد بن العربي: هذا قول باطل من ثلاثة أوجه: الأول أن الخبر لا يكون بمعنى الأمر بحال ولا الأمر بمعنى الخبر أبدًا فإنهما قسمان متغايران ذاتا وحقيقة.
стр. 61
الثاني أن الخبر إنما يتقدر في المآل بمعنى الأمر إذا كان في الأحكام التلكيفية فأما المعنى الذي يتعلق بالوعد والوعيد فلا سبيل إلى ذلك فيه – الثالث: أن المراد بقوله: ﴿إن انتهوا﴾ إن آمنوا، بدليل أنه علق على هذا الشرط من الخبر المغفرة والرحمة، ولا يكون ذلك لكافر وإن كف عن القتال حتى يعتقد التوحيد ويعترف بالإيمان. وهذا يدل على أنها على معناها الصحيح من كونها خبرا عن الغفران لمن أمن من الكفار والله أعلم.
الآية السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص﴾. قد قدمنا في غير موضع من كتاب الأحكام أن الآية نزلت في قضاء النبي ﷺ العمرة سنة القضية عما كما صده المشركين عام الحديبة فقال الله لنا أن الشهر الحرام عام القضية قصاص بالشهر الحرام عام الحديبية ذو القعدة كذي القعدة وحرمة كحرمة، وزمان كزمان- وقيل إن المشركين أرادت أن تقاتل النبي ﷺ في الشهر الحرام حين احترمه النبي ﷺ وامتنع من القتال فيه فأنزل الله في ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص﴾ المعنى إن استحلوا فيكم الشهر الحرام فاستحلوا فيه، ومن استحل دما أو مالا فاستحلوا دمه وماله، وهذا لا كلام فيه على تفصيل بيناه في كتاب الأحكام والمسائل
стр. 62
الفقهية، ثم قال بعد ذلك: ﴿فمن اعتدى عليك فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدي عليكم﴾ فروى أهل التفسير عن ابن عباس أن إباحة الاعتداء من المعتدى عليه على المعتدى منسوخ برد ذلك إلى الإمام وذلك موجود في قوله: ﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا﴾ فنسخ ذلك السنة المتواترة أو هذه الآية.
قال القاضي محمد بن العربي ﵁:
ليس في الشريعة سنة نصية بأن أحدا لا يقتضي حقه لنفسه إنما هو إجماع الأمة وأما الآية المذكورة فقد قيل إن الولي ها هنا القريب وليس المراد به الوالي، وقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه﴾ أي جازوه كما فعل بكم وسمى الأول باسم الثاني كما قال تعالى. ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ وليس الجزاء بسيئة سيئة وإنما حسنة محضة ولكنه لما كانت جزاء لها سماها باسمها وعلى هذا جاء قوله: ﴿الله يستهزيء بهم﴾ والمراد بذلك من قاتلكم في الحرم فقاتلوه فيه ولا تنشئوا القتال ابتداء كما تقدم بيانه،
стр. 63
وكفوا عن الأموال والأنفس إلا لمن طلب أنفسكم وأموالكم مستبيحا لذلك فإن دمه وماله مباح لكم، بتفاصيل بيانها في كتاب الأحكام.
القسم الثالث: وفي كتب الفروع وليس للنسخ إلى ذلك طريق.
فأما اقتضاء الإمام حقوق العدوان فإنما كان ذلك لأن الخلق لو تركوا يتهارجون ويتناصفون بالاقتدار والتعاون من ذات أنفسهم لكانت فيه (فتنة عمياء) وجاهلية جهلاء وعاقبة مفسدة حال الدهماء، فنصب الإمام ليفصل بالقانون الشرعي ويكف عادية الباغي وعدوان البغية والبغي حسب ما اقتضته المصلحة الإيالية والسياسة الدينية والله أعلم.
الآية الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ .
قد بينا القول في وجوب الحج وشرع العمرة في قسم الأحكام بما يغني على إعادته ها هنا، وقد قرأها ابن مسعود ﵁: "وأتموا الحج والعمرة للبيت" وقرأها الشعبي: العمرة، بالرفع وقرأها: العمرة لله إلى البيت، وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية ناسخة لفسخ الحج إلى العمرة
стр. 64
(الذي) أمر النبي ﷺ أصحابه، به فإن الأمر بالاتمام لما وقع به الابتداء يمنع من نسخه ورده إلى غيره. وقد أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على أن ذلك مخصوص بالنبي ﵇ وزمانه وحجته تلك الأخيرة، حاش ابن عباس ﵀ فإنه رأي ذلك باقيا إلى يوم القيامة وروى أبو عبيد أن الناسخ لذلك فعل الخلفاء الراشدين. وأطالوا النفس في ذلك وهو كله سقط من القول غلط في الاعتقاد وإنما الأمر بإتمام الحج والعمرة في هذه الآية ما قدمنا بيانه في مجالسنا بأنوار الفجر في مجالس الذكر، وبيناه مختصرا في أحكام القرآن.
فأما الذي جرى في حجة النبي ﷺ فلا يصح أن تكون هذه الآية ناسخة له لوجهين: أحدهما أن هذه الآية نزلت في عمرة الحديبية وما جرى من النبي ﵇ في حجة الوداع بعده، والمتقدم لا ينسخ المتاخر عقلا ولا شرعا. وما قال أبو عبيد من أن فعل الخلفاء نسخه، ساقط أيضا فإن القرآن لا
стр. 65
ينسخه فعل أحد، نعم ولا ينسخ القرآن والسنة الإجماع وحسب ما بيناه، وما روى عن ابن عباس ليس بناسخ للآية فإن إتمام الحج هو البلوغ إلى البيت بما انعقد في أصل النية والقصد ولا يؤثر في ذلك اختلاف الصفة بنقل الحج إلى العمرة إذ هو كله إتمام بلوغ القاصد إلى البيت حسب ما نوي بقلبه وشخص إلى فعله.
وبقيت بعد هذا مسألة من الفقه لا تعلق لها بالنسخ وهي جواز نقل نية العمرة إلى نية الحج ونقل نية الحج إلى نية العمرة، والاتيان بعمل بدلا من عمل هذا كم نوى في عقد الصلاة أربع ركعات ثم صلى ركعتين في النفل وكمسافر نوى صلاة الظهر حصرية أربعا ثم انتقل فصلى ركعتين سفرية، وفي ذلك اختلاف كثير بيانه في مسائل الفقه وهو من باب نقل النيات من فعل إلى فعل من جنسه فرأى ابن ابن عباس ﵁ خاصة جواز نقل نية الحج وهو الأكثر إلى العمرة وهي الأقل، وقد روى ابن أبي مليكة أن عروة قال لابن عباس: أضللت الناس، فقال بم ذلك يا عرية؟ قال بفتواك أن من طاف بالبتي حل، وقد حج أبو بكر وعمر فلم يحل أحد منهما إلا يوم النحر. فقال له ابن عباس: قال الله تعالى: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ أقول لك: قال الله، وتقول قال أبو بكر وعمر وقد أمر رسول الله ﷺ بالفسخ ورضي الله عن السلف ليس في قول ابن أبي مليكة عن عروة حجة كما قدمنا في أفعال الصحابة وإجماع الأمة أنه ليس بنسخ للقرآن ولا للسنة، وليس في قول ابن عباس ثم محلها إلى البيت العتيق حجة.
وقد بينا ذلك في موضعه من الأحكام والناسخ والمنسوخ.
стр. 66
فإن قيل فاكشف غطاء ذلك حتى يتجلى في منصة البيان، قلنا قد فعلنا ذلك في موضعه ونحن نشير إليه فنقول:
لما خرج رسول الله ﷺ إلى الحج وكان بذي الحليفة قال: من شاء أن يهل بالحج فليهل ومن شاء أن يهل بعمرة فليهل فلولا إني أهديت لأهللت بعمرة قالت عائشة رضي اله عنها: وكنت ممن أهل بالعمرة فلما كنا في بعض الطريق حضت فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي فقال: ما يبكيك؟ قلت وددت أني لم أكن خرجت العام، قال: إقضي عمرتك. وانفضي شعرك وامتشطي وأهلي بالحج. فلما كان ليلة الصدر أمر عبد الرحمن بن أبي بكر فذهب بي إلى التنعيم فأهللت بعمرة" وقد أبدى الصريح عن الرغوة على لسان ابن عمر في الصحيح واللفظ للبخاري قال: تمتع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج في حجة الوداع وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فتمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى ومنهم من لم يهد فلما قدم النبي ﵇ مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر بالبيت وليحل ثم ليهل بالحج".
وفي الصحيح عن النبي ﷺ واللفظ لمسلم قال جابر: قدمناه مع رسول الله ﷺ ونحن نقول: لبيك بالحج، فأمرنا أن نجعلها عمرة حتى
стр. 67
كان آخر طواف على العمرة قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة فقام سراقة بن مالك فقال: يا رسول الله ألقامنا هذا ام للأبد؟ فقال بل للأبد، إنه دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. وشبك بين أصابعه. وفيه عن ابن عباس ﵁ قال: كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويقولون إذا برأ الدبر وعفا الأثر وانسلخ الصفر حلت العمرة لم اعتمر.
قال القاضي ﵁: بين ابن عباس في روايته المعنى الذي لأجله أمرهم النبي ﷺ بنسخ الحج إلى العمرة ليبين لهم جواز الاعتمار بأبلغ وجوه البيان وهو ترك الذي كانوا يرونه جائزا وجعله الله واجبًا إلى العمرة التي كانوا يرونها حراما.
وهذا نحو ما روي عنه ﷺ أنه قال لعائشة في شأن بريرة: اشتريها واعتقيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق" ثم خطب الناس فقال: ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليس في كتاب الله؟ من اشترط شرطًا ليس في
стр. 68
كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط. فرده رسول الله ﷺ ، بعد شرطه ليبين بذلك أن من أعتق فله الولاء وأن من شرطه لا ينفعه شرطه. وتحقيق هذا ما روى مسلم عن أبي ذر ﵁ أنه قال: كان المتعة في الحج لأصحاب محمد خاصة. ولفظ آخر: لا تصح المتعتان إلا لنا، يعني متعة النساء ومتعة الحج، وعن عمر ﵁ أنه قال: إن نأخذ بكتاب الله، فإن الله أمرنا بالاتمام فقال: وأتموا الحج والعمرة لله، وإن نأخذ بسنة رسول الله فإن رسول الله ﷺ " لم يحل حتى بلغ الهدي محله" فإن قيل نأخذ بسنة رسول الله ﷺ في أمره لأصحابه بنسخ الحج إلى العمرة، قلنا إذا عاد الكلام إلى (أوله وقد أوضحنا معناه وتمامه) في شرح الحديث وبالله التوفيق.
الآية التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾ .
قد بينا في كتاب الأحكام والمسائل أن الحلاق نسك خلافا لمن يقول إنه القاء تفث، وحققناه بأدلته وبقي القول في بقاء هذه الآية أو نسخها وقد نزلت باتفاق في الصحيح وغيره في كعب بن عجرة، قال: حملت إلى النبي ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، وفي رواية: مر بي النبي ﷺ ، وأنا أوقد
стр. 69
تحت قدر لي والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا، أما تجد شاة؟ قلت: لا، قال: صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك، ونزلت هذه الآية في خاصة وهي لكم عامة". وهي نص في أنه لا يكون الحلق إلا بعد النحر للهدي، والقول فيه طويل وحيزه الذي يفعل يوم النحر أربعة أشياء: الرمي والنحر، والحلق والطواف، والمستحب أن يأتي بهذه الأشياء على الترتيب لما روي أنس ﵀ أن النبي ﷺ رمى جمرة العقبة يوم النحر ثم رجع إلى منزله بمنى فدعا بذبح فذبح ثم دعا بالحلاق فأخذ شق رأسه الأيمن فحلقه فجعل يقسم بين الناس ثم أخذ شق رأسه الآخر فحلقه ثم قال: ها هنا. فدفعه إلى أبي طلحة".
وهذا الترتيب مستحب غير واجب فإن قدم منه شيئا على آخر يشبه أن يكون بعده فإنه يجزئه، وسواء كان عامدا أو ناسيا أو جاهلا لما روى الأئمة في الصحاح عن عبد الله بن عمرو وغيره أن النبي ﷺ جاءه رجل فقال: يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح. فقال: ولا حرج، وجاءه آخر فقال: يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، فقال: ارم ولا حرج، وقال أبو حنيفة: إن قدم الحلاق على الذبح لزمه دم لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا
стр. 70
رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ وقد نفي النبي ﷺ عنه الحرج ولو كان فيه دم لبينه لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة أو السؤال لا يجوز. وقد كان تكون هذه الآية نصا في تقديم الذبح قبل الحلق فيهل ولا هذا الحديث الصحيح، فدل على أن ذلك محمول على الاستحباب ولا يجعل نسخا بحال.
أما أن مالكا قال: من حلق قبل أن يرمي فعليه دم خلافا للشافعي فقد ثبت أن النبي قيل له: نحرت قبل أن أرمي. قال: ارم ولا حرج.
وتعلق مالك بفعل النبي ﵇ وفعله محمول على الاستحباب بدليل رفع الحرج عمن قدم أو أخر، وفي الحديث الصحيح فما سئل النبي ﵇ عن شيء قدمه رجل أو أخره إلا قال افعل ولا حرج، وكذلك أيضا ثبت عن النبي ﷺ قال: يرحم الله المحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله. قال: يرحم الله المحلقين والمقصرين. فأفاد هذا الحديث أن ذكر الحلاق في الرأس في الحج أفضل وأن التقصير جائز. وقد ثبت أن النبي ﷺ أخذ عنه معاوية ﵁ بمشقص على المروة. وليس في ذلك خلاف والله أعلم. فلأجل ذلك لم تكن هذه الآية محمولة على النسخ وإنما تلقاها العلماء على أنها محمولة على الأفضل والاستحباب لا على الإيجاب، والله برحمته الموفق للصواب.
стр. 71
مزيد بيان: قال بعض من تعاطى هذا الفن: نزلت ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ في كعب بن عجرة الأنصاري. قال: نزلنا مع النبي ﷺ بالحديبية فمر بي وأنا أطبخ قدرا لي والقمل تتهافت على وجهي فقال النبي ﷺ يا كعب بن عجرة أتؤذيك هوام رأسك؟ فقلت: نعم يا رسول الله فقال لي: ادع حلاقا يحلق رأسك، فنزلت ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية﴾ التقدير فحلق ففدية.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: يريد أن هذا راجع لقوله تعالى: ﴿ولا تلحقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله﴾ فهذا حالق قبل أن يبلغ الهدى محله بأمر الشرع فيجب أن يكون نسخا لما تقدم، وهذا جهل إنما هو تخصيص لهذا العموم وبيان أن المراد به من كان صحيحا لم ينزل به مرض ولا أدركه أذى.
وأغفل البائس ما كان عليه أوكد من هذا، وذلك أن النبي ﵇ سئل عمن حلق قبل أن يذبح فقال: ولا حرج، وهذا مخالف للآية لا يجتمع معها بحال فإنه تقديم المؤخر منها وتأخير المقدم، وهو خبر واحد جاء معارضا لنص القرآن ولم يعتده أحد من العلماء نسخا ولا كتبه في ديوانه، وإنما اختلفوا هل يلزم من فعل دم أم لا، في تفصيل طويل لبابه ان من فعل ذلك مخطئا أو جاهلا فقال ابن القاسم: لا شيء عليه، وقال ابن الماجشون وأبو حنيفة: عليه الهدي، فإن فعله عمدا ففي رواية عنه أنه لا شيء عليه، وبه قال الشافعي جوز تقديم الحلق على النحر وهو الصحيح لقول النبي ﷺ لمن قدم الحلق النحر: انحر ولا حرج، فرفع الحرج في موضع التعليم مطلقا من غير أن يفصل بين لزوم هدي أو سقوطه. فلا سؤال عن جهل وقع من الفاعل عن خطأ أو عمد، ولو كان الحكم يختلف لاستفحل حتى إنه ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال لا حرج في كل شيء سئل عنه في ذلك اليوم من التقديم والتأخير، يعني عما يختص بذلك اليوم من
стр. 72
المناسك من رمي وحلق ونحر وطواف، وعلى كل حال فلا يكون نسخا لأن معنى قوله: ﴿حتى يبلغ الهدي محله﴾ محتمل لأن يريد به موضعه الذي ينحر فيه أو زمانه أو حله لتناول الكل، فبين النبي ﷺ في هذا الحديث أن ذلك كله مراد بالآية مطلق في الاحتمال بالمراد منه أو من بعضه، أما أن النبي ﷺ نحر هديه ثم حلق رأسه فكان ذلك بيانا بفعله للأفضل وكان قوله: (اذبح ولا حرج) بيانا لجواز ذلك الفعل حسشب ما قررناه من ترتيب التنزيل والله أعلم.
الآية الموفية عشرين قوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ الآية .
قال قوم، هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها﴾.
قال القاضي: وقبل وبعد، فلو علمنا المتاخر من هاتين الآيتين من المتقدمة لتكلمنا على الناسخ منها من المنسوخة فلما خفي ذلك حملنا هذه الآية على صدقة التطوع وحملنا الآية الأخرى على صدقة الفرض جمعا بين الأمرين، وقد قال النبي ﷺ يوما للنساء: تصدقن ولو من حليكن، فقال زينب امرأة عبد الله لزوجها: إني أراك خفيف ذات اليد فإن أجزت عني فيك صرفتها إليك، فسألت النبي ﷺ عن ذلك فقال لها زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم، وقد روى النسائي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: يد المعطي العليا أمك وأباك، وأختك وأخاك، وأدناك فأدناك، وهذا كله في صدقة التطوع.
стр. 73
فأما صدقة الفرض فإنها حق عام في الأباعد، والأقارب فمن لزمتك نفقته من الأقارب فلا يجوز لك صرف صدقتك إليه لأنك تكون منتفعا بها عائدا على نفسك بعطائها والعائد في صدقته كالكلب يعود في قيئة وأما من لا تلزمك نفقته فجائز لك أن تعطيه من صدقتك، بيد أن مالكا ﵀ كره أن تتناول ذلك بيدك خوف قصد المحمدة، وتناول ذلك باليد عندي أولى في ذلك من القيام بحق الفرض علينا وصلة الرحم ظاهرا واستجلاب المودة.
وإن كانت هذه محمدة فالله يحب الحمد على نعمه والخلق، كذلك لكن الباري تعالى يمن بعطائه ولا يجوز ذلك للعباد بحال.
الآية الواحدة والعشرون: قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم﴾ اعلموا، علمكم الله مراتب الشريعة أن الشريعة كلها مكتوبة والدين بأجمعه مسطور وكل كائن في لوح محفوظ، بيد أن لفظ كتب جرت في عرف الشرع عما انحتم فعله وحق أمره وشأنه، فلذلك كان قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القتال﴾ عبارة عن فرض وجب وألزم وحتم. وقد اختلف المعترضون لهذا الباب في هذه الآية، فمنهم من قال: إنها ناسخة للإعراض والصفح والغفران والعفو الكائن في صدر الإسلام. وقال آخرون هي منسوخة بعد كونها ناسخة بقوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾ وقال قوم منهم عطاء إن الذين خوطبوا بها هم الصحابة رضوان الله عليهم، وقال قوم هي على الندب. فأما من قال إنها مندوبة فهو باطل لأنه عدول عن ظاهر اللفظ بغير دليل، وأما من قال إنها منسوخة فضعيف من الرأي لأن النسخ إنما يكون مع التعارض وتعذر الجمع ولا
стр. 74
معارضة ها هنا لأن قوله: ﴿كتب عليكم القتال﴾ نزل مجملا أو عامًا كقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ قول مجمل أو عام فإن كان مجملا فقد فسره النبي بقوله (وإن كان عاما) فقد خصه أيضا بكلامه، وبما في القرآن من أوصافه فلا سبيل إلى الحكم بالنسخ، وأما من قال إنها فرض على الصحابة خاصة فهو قول باطل لأن كل خطاب في كتاب الله أو سنة رسوله للناس هو مسترسل على الصحابة وعلى باقي الأمة إلى يوم القيامة لا يقال في خطاب إنه مقصور على الصحابة دون غيرهم فذلك تحكم لا دليل عليه ولا معنى له. فبهذا القانون تجري كل مسألة إلى بابها وتستقر كل قاعدة من الشرع (في موضعها) ونصابها والله أعلم. وأما من قال إنها محمولة على الندب فساقط، فإن الجهاد فرض بإجماع الأمة لكن فريضته (تتنوع تارة) على الأعيان بنزول العدو على موضع أو تضييقه على أرض فلزم جميع الخلق النفير إليه والنصر وتارة على الكفاية. وأما اليوم فهو على الأعيان لأن العدو في كل قطر قد استولى على بلاد الإسلام واستفاء أموال أهلها فيتعين دفعه عما بقي واستخراج بما استطال عليه من يده، ولكن ذنوب الخلق غلبت عليهم فتقاعدت بهم حتى. تكون الغلبة للكفار بوعيد الله تعالى النافذ في الناس حتى لا يبقى في الأرض من يقول الله بالرفع وبغلبة الباطل حتى لا يبقى من يقول الله بالنصب. ونسأل الله الهداية فالآية على الخصوص إذ يستحيل وقوعها على العموم والحمد لله رب العالمين.
تم الجزء الأول من القسم الثاني في معرفة الناسخ والمنسوخ ويتلوه في الجزء الثاني الآية الثانية والعشرون.
стр. 75
الآية الثانية والعشرون: قوله تعالى: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ .
قال القاضي محمد بن العربي ﵁: هذه الآية بالأحكام أقعد منها بالناسخ والمنسوخ وبيانها فيها وقد ذكرها المفسرون وغيرهم في قسم الناسخ وليس منه. وقد قال قوم إنها منسوخة بالزكاة قاله ابن عباس وسواه، وقال آخرون إنها محكمة المراد بها الزكاة، الثالث أنها مخصوصة بالزكاة أيضا.
فأما النسخ فلا سبيل إليه لعدم شرطه من التعاون والتقديم والتأخير وغير ذلك. وتحقيق العفو وأقسامه في اللغة في الأحكام مشروح. ومن معانيه اليسير والكثير ولا يصح أن يكون المراد به ها هنا الكثير لأن الله تعالى لم يسأل من الناس أكثر أموالهم وإنما سأل أقلها ولذلك قال الحسن وعطاء وطاووس العفو اليسير ما لم يكن إسرافا وإقتارا وقال مجاهد: العفو ما كان من الصدقة عن ظهر غني وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غني وأبدأ بمن تعول.
следующие страницы →