← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 133367

الناسخ والمنسوخ - ابن العربي

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (413 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مزيد بيان: قال بعض من تعاطى هذا الفن: نزلت ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ في كعب بن عجرة الأنصاري. قال: نزلنا مع النبي ﷺ بالحديبية فمر بي وأنا أطبخ قدرا لي والقمل تتهافت على وجهي فقال النبي ﷺ يا كعب بن عجرة أتؤذيك هوام رأسك؟ فقلت: نعم يا رسول الله فقال لي: ادع حلاقا يحلق رأسك، فنزلت ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية﴾ التقدير فحلق ففدية. قال القاضي أبو بكر بن العربي: يريد أن هذا راجع لقوله تعالى: ﴿ولا تلحقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله﴾ فهذا حالق قبل أن يبلغ الهدى محله بأمر الشرع فيجب أن يكون نسخا لما تقدم، وهذا جهل إنما هو تخصيص لهذا العموم وبيان أن المراد به من كان صحيحا لم ينزل به مرض ولا أدركه أذى. وأغفل البائس ما كان عليه أوكد من هذا، وذلك أن النبي ﵇ سئل عمن حلق قبل أن يذبح فقال: ولا حرج، وهذا مخالف للآية لا يجتمع معها بحال فإنه تقديم المؤخر منها وتأخير المقدم، وهو خبر واحد جاء معارضا لنص القرآن ولم يعتده أحد من العلماء نسخا ولا كتبه في ديوانه، وإنما اختلفوا هل يلزم من فعل دم أم لا، في تفصيل طويل لبابه ان من فعل ذلك مخطئا أو جاهلا فقال ابن القاسم: لا شيء عليه، وقال ابن الماجشون وأبو حنيفة: عليه الهدي، فإن فعله عمدا ففي رواية عنه أنه لا شيء عليه، وبه قال الشافعي جوز تقديم الحلق على النحر وهو الصحيح لقول النبي ﷺ لمن قدم الحلق النحر: انحر ولا حرج، فرفع الحرج في موضع التعليم مطلقا من غير أن يفصل بين لزوم هدي أو سقوطه. فلا سؤال عن جهل وقع من الفاعل عن خطأ أو عمد، ولو كان الحكم يختلف لاستفحل حتى إنه ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال لا حرج في كل شيء سئل عنه في ذلك اليوم من التقديم والتأخير، يعني عما يختص بذلك اليوم من

стр. 72

المناسك من رمي وحلق ونحر وطواف، وعلى كل حال فلا يكون نسخا لأن معنى قوله: ﴿حتى يبلغ الهدي محله﴾ محتمل لأن يريد به موضعه الذي ينحر فيه أو زمانه أو حله لتناول الكل، فبين النبي ﷺ في هذا الحديث أن ذلك كله مراد بالآية مطلق في الاحتمال بالمراد منه أو من بعضه، أما أن النبي ﷺ نحر هديه ثم حلق رأسه فكان ذلك بيانا بفعله للأفضل وكان قوله: (اذبح ولا حرج) بيانا لجواز ذلك الفعل حسشب ما قررناه من ترتيب التنزيل والله أعلم. الآية الموفية عشرين قوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ الآية . قال قوم، هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها﴾. قال القاضي: وقبل وبعد، فلو علمنا المتاخر من هاتين الآيتين من المتقدمة لتكلمنا على الناسخ منها من المنسوخة فلما خفي ذلك حملنا هذه الآية على صدقة التطوع وحملنا الآية الأخرى على صدقة الفرض جمعا بين الأمرين، وقد قال النبي ﷺ يوما للنساء: تصدقن ولو من حليكن، فقال زينب امرأة عبد الله لزوجها: إني أراك خفيف ذات اليد فإن أجزت عني فيك صرفتها إليك، فسألت النبي ﷺ عن ذلك فقال لها زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم، وقد روى النسائي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: يد المعطي العليا أمك وأباك، وأختك وأخاك، وأدناك فأدناك، وهذا كله في صدقة التطوع.

стр. 73

فأما صدقة الفرض فإنها حق عام في الأباعد، والأقارب فمن لزمتك نفقته من الأقارب فلا يجوز لك صرف صدقتك إليه لأنك تكون منتفعا بها عائدا على نفسك بعطائها والعائد في صدقته كالكلب يعود في قيئة وأما من لا تلزمك نفقته فجائز لك أن تعطيه من صدقتك، بيد أن مالكا ﵀ كره أن تتناول ذلك بيدك خوف قصد المحمدة، وتناول ذلك باليد عندي أولى في ذلك من القيام بحق الفرض علينا وصلة الرحم ظاهرا واستجلاب المودة. وإن كانت هذه محمدة فالله يحب الحمد على نعمه والخلق، كذلك لكن الباري تعالى يمن بعطائه ولا يجوز ذلك للعباد بحال. الآية الواحدة والعشرون: قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم﴾ اعلموا، علمكم الله مراتب الشريعة أن الشريعة كلها مكتوبة والدين بأجمعه مسطور وكل كائن في لوح محفوظ، بيد أن لفظ كتب جرت في عرف الشرع عما انحتم فعله وحق أمره وشأنه، فلذلك كان قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القتال﴾ عبارة عن فرض وجب وألزم وحتم. وقد اختلف المعترضون لهذا الباب في هذه الآية، فمنهم من قال: إنها ناسخة للإعراض والصفح والغفران والعفو الكائن في صدر الإسلام. وقال آخرون هي منسوخة بعد كونها ناسخة بقوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾ وقال قوم منهم عطاء إن الذين خوطبوا بها هم الصحابة رضوان الله عليهم، وقال قوم هي على الندب. فأما من قال إنها مندوبة فهو باطل لأنه عدول عن ظاهر اللفظ بغير دليل، وأما من قال إنها منسوخة فضعيف من الرأي لأن النسخ إنما يكون مع التعارض وتعذر الجمع ولا

стр. 74

معارضة ها هنا لأن قوله: ﴿كتب عليكم القتال﴾ نزل مجملا أو عامًا كقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ قول مجمل أو عام فإن كان مجملا فقد فسره النبي بقوله (وإن كان عاما) فقد خصه أيضا بكلامه، وبما في القرآن من أوصافه فلا سبيل إلى الحكم بالنسخ، وأما من قال إنها فرض على الصحابة خاصة فهو قول باطل لأن كل خطاب في كتاب الله أو سنة رسوله للناس هو مسترسل على الصحابة وعلى باقي الأمة إلى يوم القيامة لا يقال في خطاب إنه مقصور على الصحابة دون غيرهم فذلك تحكم لا دليل عليه ولا معنى له. فبهذا القانون تجري كل مسألة إلى بابها وتستقر كل قاعدة من الشرع (في موضعها) ونصابها والله أعلم. وأما من قال إنها محمولة على الندب فساقط، فإن الجهاد فرض بإجماع الأمة لكن فريضته (تتنوع تارة) على الأعيان بنزول العدو على موضع أو تضييقه على أرض فلزم جميع الخلق النفير إليه والنصر وتارة على الكفاية. وأما اليوم فهو على الأعيان لأن العدو في كل قطر قد استولى على بلاد الإسلام واستفاء أموال أهلها فيتعين دفعه عما بقي واستخراج بما استطال عليه من يده، ولكن ذنوب الخلق غلبت عليهم فتقاعدت بهم حتى. تكون الغلبة للكفار بوعيد الله تعالى النافذ في الناس حتى لا يبقى في الأرض من يقول الله بالرفع وبغلبة الباطل حتى لا يبقى من يقول الله بالنصب. ونسأل الله الهداية فالآية على الخصوص إذ يستحيل وقوعها على العموم والحمد لله رب العالمين. تم الجزء الأول من القسم الثاني في معرفة الناسخ والمنسوخ ويتلوه في الجزء الثاني الآية الثانية والعشرون.

стр. 75

الآية الثانية والعشرون: قوله تعالى: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ . قال القاضي محمد بن العربي ﵁: هذه الآية بالأحكام أقعد منها بالناسخ والمنسوخ وبيانها فيها وقد ذكرها المفسرون وغيرهم في قسم الناسخ وليس منه. وقد قال قوم إنها منسوخة بالزكاة قاله ابن عباس وسواه، وقال آخرون إنها محكمة المراد بها الزكاة، الثالث أنها مخصوصة بالزكاة أيضا. فأما النسخ فلا سبيل إليه لعدم شرطه من التعاون والتقديم والتأخير وغير ذلك. وتحقيق العفو وأقسامه في اللغة في الأحكام مشروح. ومن معانيه اليسير والكثير ولا يصح أن يكون المراد به ها هنا الكثير لأن الله تعالى لم يسأل من الناس أكثر أموالهم وإنما سأل أقلها ولذلك قال الحسن وعطاء وطاووس العفو اليسير ما لم يكن إسرافا وإقتارا وقال مجاهد: العفو ما كان من الصدقة عن ظهر غني وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غني وأبدأ بمن تعول.

стр. 76

وكأن هذه الآية مركبة على الآية التي قبلها لأن الله تعالى مدح قوما فقال ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ فسألوا: ماذا ينفقون فقيل لهم: ﴿العفو﴾ وهو اليسير من أموالكم وما فضل منها، وصار هذا مجملا لا يتحصل به مقدار، أو عاما يجري فيه القليل والكثير وهو الأصح، ثم بين الله وجوه الانفاق من فرض وهي الزكاة فقدرها ورتبها ومن ندب وهي صدقة التطوع وليس فيها تقدير بل أقلها الظلف المحرق وليس لأكثرها قدر تحقق. الآية الثالثة والعشرون: قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ . زعم قوم أنها ناسخة لقوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ وذلك أن هذه الآية لما نزلت تحرج الناس أن يخالطوا اليتامى وشق عليهم عزل أموالهم عن أموالهم وعزل طعامهم عن طعامهم وإفرادهم بمعاشهم ورياشهم فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير﴾ يعني أن قصد الإصلاح لهم والرفق بهم خير من إبعادهم وإعتزالهم. قال القاضي ﵀: وهذه جهالة عمن صحت عنه فليس بين الآيتين تعارض يوجب نسخا ولا هناك تاريخ يتحقق له وقتا وإنما المعنى فيه أن الله نهى عن ظلم اليتيم في ماله بأكله بغير حق وإضافته إلى مال الغير قصد التكثر به والاستئثار بمنفعته فيحتمل أنه لما سمع ذلك الناس أرادوا مباعدة الأيتام وثقل على كل واحد ما كان يفعله مع يتيمه من خلط الأمور معهم والمشاركة لهم، في مأكلهم مخافة التزيد منهم والأثرة عليهم وذلك وإن لم يكن يقصد في الحال مباشرة فربما كان التسبب بالخلط إليهم قصدًا في العادة فإن

стр. 77

التعرض للسبب تعرض للمسبب، والحمي أول: ما يحمى فتوقفوا فيهم وسألوا رسول الله عنهم فأنزل الله هذه الآية: ﴿يسألونك عن اليتامى﴾ المعنى قل لهم يا محمد: القصد إلى إصلاحهم لمخالطتهم هو الخير وإذا كان أصل نيتكم على هذا فلا حرج عليكم. في مخالطتهم في الظاهر والله يعلم المفسد نيته من المصلح بها، وإن كان الظاهر حسنا فالأعمال إنما روحها النيات وعلى حكمها تنبني الأحكام في العبادات وفي المعاملات تتميم: قوله تعالى: ﴿فإخوانكم﴾ معناه يجمعكم نسب الإسلام فإنما المؤمنون إخوة، الدين أبوهم. والملة أمهم فهم أولاد أعيان ليسوا بعلات ولا أخياف. قال النبي ﷺ الأنبياء أولاد علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد. فأخبر تعالى أن اليتيم أخوك، المسلم لا تسلمه ولا تظلمه أما إنك تحكم عليه وتحكمه إذا كان حضينك وتحت حضنك ينفذ فعلك عليه ويمضى قضاؤك فيه، وقد ورد النبي ﷺ المدينة فقال يا بني النجار ثامنوني بحائطم فقالو: لانطلب ثمنه إلا من الله، وكان لا ينام تحت حائطهم فكلمهم النبي ﷺ في ابتياعه منهم إذ الحكم لهم عليهم. وهذا نص في المسألة وقد أوضحناه في شرح الحديث والأحكام، وكتب الفروع، فصار هذا بيانا لحال الأيتام في المخالطة ورفع الظنة والتقية، عن ملابستهم وهو حكم مبين منشأ ليس برافع لغيره ولا مرتفع بسواء. مجهلة: قال بعضهم: قوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ وعيد والوعيد لا يدخله نسخ.

стр. 78

مبهة: قوله: (إن الوعيد لا يدخله نسخ كلام رواه وما وعاه) وهي مسألة من قواعد العقائد عظيمة اختلف الناس فيها، فمنهم من قال (إن الوعد محك كما أن الوعيد مبرم) ومنهم من قال إن الوعيد قد يسقط معناه والوعد لا سبيل إلى تغيير حكمه، ثقة بعفو الكريم وعطائه، وهي سيرة العرب وعادة كرمائهم وبلغتهم، نزل القرآن، وقد قال شاعرهم. إني إذا أوعدته أو وعدته ... لأخلف إيعادي وأنجز موعدي والصحيح أن الوعيد والوعد من أنواع الكلام لا يتطرق إلى انتظامه اخترام ولابد من نفوذهما معا، لكن أكثر الناس لم يفهموا عتها أن الوعد حيث جاء محكم والوعيد متشابه بينه المحكم، وآية الأحكام العظمى قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ وقد تتبعنا الاي في كتاب المشكلين بالبيان وإنه لا آية في الوعيد إلا محتملة بيانها في غيرها وفيما عينت السنة الصحيحة فيها. وهذا كله إنما هو في العقائد التي لا يدخلها تبديل. وأما الأحكام في الأفعال فإن الوعيد يرد على الفعل المحرم ثم يرفع الله التحريم بحق ذلك الفعل. بإباحته فيذهب الوعيد بذهاب الوصف الذي ترتب عليه من التحريم، وهذا واضح في التعليم والتعلم. والوعيد في هذه الآية إنما ترتب على أكل مال اليتيم المنوع، وليس يمتنع عقلا أن يكون مباحًا فيرتفع عنه ما تعلق

стр. 79

به من الوعيد، وإنما علمنا ذلك بانقطاع النسخ بموت النبي ﷺ وانعقاد الإجماع على بقاء تحريم أكل مال اليتيم ما بقي، بقاء الوعيد عليه. الآية الرابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة﴾ ذكر أهل التفسير فيها ثلاثة أقوال: الأول: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ روى عن ابن عباس وغيره وعزي إلى مالك. الثاني: أنها ناسخة لآية المائدة فلا يجوز نكاح مشركة كانت كتابية أو غيرها، ويعزي هذا القول إلى ابن عمر، فمن حديث الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر أنه سئل عن نكاح المسلم اليهودية والنصرانية قال: حرم الله المشركات على المؤمنين، ولا أعرف شركا أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى أو عبد من عبيد الله. الثالث: أن الآية محكمة يراد بها نساء غير أهل الكتاب. قال القاضي محمد بن العربي: تحقيق المسألة ينبني على حرفين الحرف الأول معرفة المراد بالنكاح.

стр. 80

الحرف الثاني معرفة الشرك من الكفر. فأما معرفة الحرف الأول وهو المراد بالنكاح فإن أصله الذي يؤخذ منه في اللغة هو الجمع والضم، ولذلك تقول العرب أنكحنا الفرى فسرى أي ضممناه إلى الأنثى وبه سمى التزويج نكاحا، قال ابن دريد: وهو كناية عن الجماع، قال الأعشى. فلا تقربن جارة إن سرها ... عليك حرام فانكحن أو تأبدا ويروى: فلا تنكحن جارة، فجاء في الأول كناية عن الوطء وجاء في الثاني عبارة عن التزويج وسمى تزويجا لما قلناه من أن المرء يكون فردًا فإذا عقد على المرأة كان زوجا لها. وهي له، ويقال ناكح لمن بلغ سن النكاح، وقال الزجاج وقطرب كل نكاح في كتاب الله تزويج وهذا ممكن عند التتبع إلا أنه لا يفيد في مقصودنا شيئا فإنه إن كان لم يرد في كتاب الله فقد ورد في حديث رسول الله ﷺ وكلاهما من مشكاة

стр. 81

واحدة، وإذا ثبت هذا فإنما يكون حمل اللفظ فيه على أحد المعنيين بحسب ما يقتضيه مساق الكلام وتعضده قوانين القول أو يأتي من الأدلة عليه في موضع آخر. وأما الحرف الثاني وهو معرفة الشرك فإن حقيقته في اللغة النصيب، قال تعالى: ﴿فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فما آتاهما﴾ أي نصيبا وقد غلط قوم من أهل اللغة فيه فقال بعضهم الشركة مخالطة الشريكين وقال بعضهم الشركة استواء النصيبين، وليس لشيء من هذا في حقيقة اللفظ وإنما المخالطة من ضرورة اجتماع النصيبين فأما الاستواء فقد يكون في النصيبين وقد يتفاضلان، وكل منهما يقع له اسم اشتراك وهذا ضروري لا مدفع فيه. وفي الحديث الصحيح إني لا أقبل عملا أشرك معى فيه غيري أنا أغني الأغنبياء عن الشرك، والمراد به بالإجماع من قصد به في الظاهر وجه الله وفي الباطن وجها من وجوه الدنيا وإن لم يستويا. وقال تعالى: ﴿أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه﴾ فجعلهم شركاء بالمساواة في الخلق التي زعموها دون الاستواء في سائر الصفات فإذا تبين لكم معرفة هذين الحرفين نظرنا بعد هذا في المراد من الآية فنقول: إن قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا﴾ عام في كل نكاح على أي وجه تصرف إطلاقه سواء قلنا إن اللفظ الواحد يحمل على معنيين مختلفين وعلى الحقيقة والمجاز وكل مختلف ومتفق، أو لمنقل ذلك لأنها قد بينا في أصول الفقه أن العام يتناول الحقيقة والمجاز وكل مختلف ومتفق لأنه لس في كل ذلك

стр. 82

تناف وإنما التنافي في اجتماع الذوات فأما المعاني تجتمع تحت الألفاظ فلا تضاد فيه. على أنه إذا نهي عن العقد فالوطء نهي عنه. وتحقيقه أن الخطاب بنفي النكاح إذا ورد على المنكوحة يتناول الوطء حقا، وإذا ورد على الأجنبية تناول العقد والوطء. فأما الوطء الصادر عن العقد فيتناول من طريق الأولى، وأما وطء لا يصدر عن العقد ويكون لسبب آخر فهذا موضع الكلام وهي آيتنا هذه فإن الله تعالى قال: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ فتناول ذلك العقد قطعا. وقلنا نحن أنه يتناول الوطء أيضا، والمعنى لا تعقدوا عليهن نكاحا ولا تطؤوهن بسبب غير النكاح، وهو ملك اليمن أو يكون المعنى لا تطؤوهن بنكاح ولا بملك يمين ويجري العموم في ذلك مجراه لكن وقع التخصيص في ملك اليمين بالسنة الصحيحة وهي إباحة النبي ﷺ الوطء في كل سبي حصل مع العرب وهم عبدة أوثان يشركون بالله ويدعون معه إلها غيره حسبما أخبر الله تعالى عنهم. وأما قوله تعالى: ﴿المشركات﴾ فاليهود والنصارى مشركون بالله داخلون تحت لفظ الشرك إلا أن لهم اسما خاصا وهو أهل الكتاب، قال الله تعالى: ﴿ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم﴾ وقال تعالى: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين﴾ فغاير بينهم وخص كل واحد باسمه تنبيها على ذلك فيه فصار اطلاق لفظ المشركين على عبدة الأوثان عرفا فيجري اللفظ على عرف الشرع كما يجري على عرف اللغة، وهذه طريقة أخرى صحيحة في معنى الآية. فعلى الطريقة الأولى يكون اللفظ عاما يتناول الجميع من أصناف الكفر وتخص جواز الوطء بملك اليمين السنة حسب ما أوضحناه. وعلى القول الثاني تكون الآية محمولة على عرف الشرع وهم عبدة الأوثان، وقد أبان الله تفصيل ذلك في سورة المائدة، فقال تعالى: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ فأباح نكاح الحرائر من

стр. 83

المؤمنات والكافرات ها هنا وأباح نكاح الإماء من المؤمنات خاصة وقد بيناه في الأحكام فإنه في غاية الإشكال ويعضده قوله ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ فأباح نكاح الإماء بشرط الإيمان، وأطلق إباحة نكاح الحرة كانت مؤمنة أو كتابية، وحرم نكاح المشركة كانت حرة أو أمة وذلك كله محقق في الأحكام ومسائل الخلاف والله أعلم. الآية الخامسة والعشرون قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو اذى﴾ قال بعضهم: هذه الآية ناسخة لشريعة من قبلنا لأن شريعة اليهود كانت على مجانبة الحائض في البيت فضلا عن غيره ونسخ الله تعالى ذلك بإباحة كل شيء حتى النكاح، وهذا على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا وهو صحيح عندنا وهو صريح مذهبا وقد ثبت من رواية الأئمة عن أنس بن مالك قال: كانت اليهود إذا حاضت امرأة منهم لم يواكلوها ولم يشاربوها ولم يجاعوها في البيوت فسئل النبي ﷺ عن ذلك فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء﴾ الآية فأمرهم ﵇ أن يواكوهن وأن يشاربوهن وأن يكونوا في البيوت معهن وأن يفعلوا كل شيء ما خلا النكاح، فقالت اليهود: ما يريد محمد أن يدع شيئا من أمرنا إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن

стр. 84

الخضير وعباد بن بشر إلى النبي ﷺ فقالا: يا رسول الله، ألا نخالف اليهود فنطأ النساء في المحيض؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أنه قد وجد عليهما فاستقبلتهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ فبعث في آثارهما فسقاهما، فعلمنا أنه لم يجد عليهما"، فكان فعل اليهود مشهورا في عملهم لكنا لا نعلم هل كان حكما في التوراة أو كان فيما ابتدعوه، فسألت الصحابة عن ذلك رسول الله ﷺ فأمر باعتزال النساء، في الوطء خاصة، فإن كان ما فعلته اليهود شرعا فقد نسخه حديث النبي ﷺ لأنه نص في خلافه، ليس الآية لأنها لا تتعارض معه، وإن كان ذلك من اليهود ابتداء ورهبانية اختراعا فهذا شرع مستأنف بيانه في ديننا والكلام على هذه الآية في الأحكام على نظام من العجب العجاب في لباب الألباب. الآية السادسة والعشرون قوله تعالى: ﴿للذين يولون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ الآية، قال بعضهم عن ابن عباس: كان إيلاء الجاهلية سنة أو سنتين أو أكثر فوقت الله من ذلك أربعة أشهر. وليس هذا من كتابنا في ورد ولا صدر لأن فعل الجاهلية ليس بحكم فيرفعه آخر، وإنما هو كله باطل فنسخ الله الباطل بالحق ونصر الدين على لسان رسوله بالصدق . الآية السابعة والعشرون، قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ .

стр. 85

فنسخ الله من هذه الآية المطلقات اللواتي لم يدخل بهن فقال: ﴿يا أيها الذين أمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾. قال القاضي محمد بن العربي ﵀: هذا تخصيص وليس بنسخ قال قتادة: ونسخ الله من ذلك أولات الأحمال فقال: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾. قال القاضي: أوامر الله لعباده وتكليفه خلقه على قسمين: منها ما هو عبادة لا يعقل معناها ولا يفهم المقصود منها وإنما هو تعبد مطلق، ومنها ما يعقل معناها ويفهم المقصود منه. فإذا كان لا يعقل معناه تعين (الامتثال) ووجب الانقياد إليه ولزم فعله، وإذا كان معقول المعنى تعين اتباعه ووجب مراعاة ذلك المعنى فيه وبناء الأحكام عليه، وهكذا حكمة الشريعة وحكمها. فإذا تقررت هذه القاعدة وسمعنا قول الله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ فهمنا أن المراد بذلك استبراء الرحم من الماء المتقدم ليرد الماء المتأخر بعده على رحم فارغة لئلا تختلط الأنساب وقد تفسد الفرش، فإذا كان العقد ولم يكن دخول هنالك للاستبراء معنى، وإذا وقع الوضع من الحامل تيقنا براءة الرحم قطعا عادة فلم يكن سبيل إلى العادة. فلو لم نسمع قول الله تعالى بنفي العدة عن

стр. 86

المطلقة قبل الدخول ولا سمعنا عن النبي ﷺ بقطع العدة عند وضع الحمل لحكمنا بما قلنا على المعنى فعلمنا الله نصا ما فهمناه عنه معنى، ولله الحكمة البالغة في أن ينص على الموضع البين ويسكت عن المشكل ليكل العلماء إلى النظر ويرفعهم بالعلم درجات. فمثل هذا لا يقال فيه نسخ ولكنه تخصيص عضده المعنى وشهدت له أصول الشريعة. فإن قيل: فإذا كانت العدة ساقطة عن التي لم يدخل بها للمعنى الذي أشرتم إليه فلم قلتم أن الولد يلحق به وإن لم يعلم دخول؟ قلنا حكمنا بذلك لقول النبي ﷺ الولد للفراش وللعاهر الحجر. فأتبع الولد الفراش حيث ما كان، والمراد بالفراش الزوج كنى به عنه لأنه له. قال الشاعر: باتت تضاجعني وبات فراشها ... خلق العباءة في الدماء قتيلا وكانت الحكمة في ذلك أن النكاح لما انعقد على المرأة والحل للرجل لما ثبت فيها وظهر كنا بين ثلاثة خطط: إما أن تجعلالحمل لغوا وذلك لا يجوز لأنه موجودًا حسا والوجود الحكمي مترتب على الوجود الحسي، وإما أن نجعل الحمل غير منسوب فنحكم بزنا المرأة فنقطع النسب وننفي الرحم ونوجب الحد، وذلك إنما يكون عند انحسام الأسباب وقد وجدنا سببا عظيما وهو الزوج الموجود والحل القائم فألحقناه به وهي الخطة الثالثة ونسبناه إليه وكل ذلك هو الواجب فيه. الآية الثامنة والعشرون: قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ .

стр. 87

قال بعضهم: هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه في الجاهلية وفي أول الإسلام، كان الرجل يطلق ثم يراجع امرأته قبل أن تنقضى عدتها ما شاء الله من الطلاق فنسخ الله ذلك بأنه إذا طلقها ثلاثا لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره. قال القاضي محمد بن العربي ﵁: لو ثبت بنقل صحيح أن هذا الحكم كان من النبي ﷺ في صدر الإسلام قائما لكان من باب نسخ السنة بالقرآن وأما إن كان في أيام الجاهلية فلا يكون ذلك نسخا كما قدمناه والذي يقول إنها منسوخة بقوله: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ أبعد من الصواب، فإن قوله هذا بيان لوقت الطلاق وقوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ فليس بينهما تعارض يوجب نسخا والصحيح أنها محكمة في بيان عدد الطلاق وأنه ثلاث: هذه المنصوص عليها طلقتان والثالثة قوله تعالى: ﴿أو تسريح بإحسان﴾ وقيل هي قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ والأقوى في النظر أنها قوله: ﴿أو تسريح بإحسان﴾ عند تمام ملك الطلاق ومدة العدة، ويكون قوله: ﴿فإن طلقها﴾ معناه فإن سرحها بإحسان. بوقوع الثالثة فلا تحل له بابتداء نكاح حتى تنكح زوجا غيره إرغاما لأنفه وتحذيرا لغيره عن الوقوع في مثله ولله الحكمة البالغة. غائلة: لما قال تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ زل قوم في آخر الزمان فقالوا: إن الطلاق في كلمة لا يلزم وجعلوه واحدة ونسبوه إلى السلف الأول وحكوه عن علي والزبير وعبد

стр. 88

الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عباس ﵃، وعزوه إلى الحجاج بن أرطاة الضعيف المنزلة المغمور المرتبة .. ورووا في ذلك حديثا ليس له أصل. وغوى قوم من أهل المسائل فتبعوا لهؤلاء المبتدعة فيه وقالوا: إن قوله أنت طالق ثلاثا كذب لأنه لم يطلق ثلاثا كما لو قال طلقت ثلاثا ولم يطلق إلا واحدة وكما لو قال أحلف ثلاثا يمينا واحدة. منبهة: قد طوفت في الآفاق ولقيت من علماء الإسلام وأرباب المذاهب كل صفاق آفاق فما سمعت لهذه المقالة بخبر ولا أحسست لها بأثر إلا الشيعة من الذين يرون نكاح المتعة جائزا ولا يرون الطلاق واقعا، ولذلك قال فيهم ابن سكرة السني الهاشمي: يا من يرى المتعة في دينه ... حلالا وإن كانت بلا مهر ولا يرى سبعين تطليقة ... تبين منه ربة الخدر من ها هنا طابت مواليدكم ... فاغتنموها يا بني (صخر)

стр. 89

وقد اتفقوا علماء الإسلام وأرباب الحل والعقد في الأحكام على أن الطلاق الثلاث في كلمة وإن كان حرامًا في قول بعضهم وبدعة في قول الآخرين لازم. وأين هؤلاء البؤساء من عالم الدين وعلم الإسلام محمد بن إسماعيل البخاري وقد قال في صحيحه باب جواز الثلاث لقوله: ﴿الطلاق مرتان﴾ وذكر حديث اللعان: فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله ولم يغير عليه النبي ولم يقر على الباطل ولأنه جمع ما فسح له في تفريقه فألزمته الشريعة حكمه. وما نسبوه إلى الصحابة كذب بحث لا أصل له في كتاب ولا رواية له عن أحد، وقد أدخل مالك في موطئه عن علي أن الحرام ثلاث لازمة في كلمة فهذا في معناها فكيف إذا صرح بها. وأما حديث الحجاج بن أرطان فغير (مقبول) في الملة ولا عند أحد من الأئمة، فإن قيل: في صحيح مسلم عن ابن عباس أنه قال: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول لله ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر واحدة، فلما تتابع الناس في الطلاق قال عمر: لا أرى هؤلاء إلا وقد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه، قلنا: هذا لا متعلق فيه من خمسة أوجه: الأول: أنه حديث مختلف في صحته فكيف يقدم على إجماع الأمة ولم يعرف في هذه المسألة خلاف إلا عن قوم انحطوا عن مرتبة التابعين وقد سبق

стр. 90

العصران الكريمان والإصفاق على لزوم الثلاث، فإن رووا لك عن أحد مذهبهم فلا تقبل منهم إلا ما يقبلون منك: نقل العدل عن العدل ولا تجد هذه المسألة منسوبة إلى أحد من السلف الأول أبدًا. الثاني أن هذا حديث لم يرو إلا عن ابن عباس ولم يرو عن ابن عباس إلا من طريق طاووس، فكيف يقبل مالم يروه أحد من الصحابة إلا واحد وما لم يروه عن ذلك الصحابي إلا واحد، وكيف خفي هذا على جميع الصحابة أو سكتوا عنه إلا ابن عباس وكيف خفي على جميع أصحاب ابن عباس إلا طاوسا؟ الثالث: يحتمل أن يراد به قبل الدخول كذلك تأوله النسائي فقال: باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة، وذكر هذا الحديث عن طاوس بنصه. الرابع: أنه يعارضه حديث محمود بن لبيد خرجه النسائي وغيره، ولفظ النسائي: قال محمود بن لبيد: أخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام غضبان فقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ حتى قام رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله؟ فهذا ولم يرده رسول الله ﷺ بل أمضاه في حديث عويمر وسيأتي بعد هذا إن شاء الله. الخامس: وهو قوي جدًا في النظر والتأويل أن قوله: كانت الطلاق الثلاث على عهد، رسول الله ﷺ واحدة، تحتمل أن يريد به كان حكم الثلات إذا

стр. 91

وقعت على عهد رسول الله تجعل واحدة، ويحتمل أن يريد به كانت عادة الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ أن تذكر واحدة فلما تتابع الناس في الطلاق وذكروا الثلاث بدل الواحدة أمضى ذلك عليهم عمر لإمضاء رسول الله ﷺ ذلك على عويمر حين قال: كذبت عليها يارسول الله إن أمسكتها. فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ فكانت تلك سنة المتلاعنين، وبعد هذا لا يبقي في المسألة مشكل والله أعلم. مجهلة: قال بعضهم قوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ نسخها قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ وذلك أن الرجل كان يطلق المرأة وهي حالم فيكون بالخيار في مراجعتها ما لم تضع فقام رجل من أشجع ويقال من بني غفار، يعرف بإسماعيل بن عبد الله طلق امرأته وهي حامل ثم لم يطل حكمها كما طال حكم المنسوخ فلم تضع امرأته حتى نسخت. معرفة: لولا أن هذا الكلام سودت به القراطيس وخط ببطون الأقلام على ظهور الأوراق ورواه الأئمة وتداولته أيدي الأشياخ ما ذكرناه لسفسفته وبطلانه أما الرواية لحديث الغفاري فلا أصل لها وأما المعنى فجلي لأن الله سبحانه جعل المطلقة في استبراء الرحم ثلاثة أقراء أو وضع الحمل، وجعل الأزواج أحق بردهن منهن ما دمن في عدة الطلاق إما بالإقراء وإما بالحمل لقوله تعالى: ﴿وأولادت الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ فهذا عقد مبرم وأمر محكم وشرع متمم بيان وهدى، فأي مدخل هنا لناسخ أو لمنسوخ، أو لعام أو مخصوص والله أعلم. وهم: لقوم في قوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ فيها غلطان لرجلين: أحدهما بكر بن عبد

стр. 92

الله المزني، قال إذا خالع الرجل امرأته لا يحل له أن يأخذ منها شيئا قيل له فأين قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ قال: نسخت بقوله: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا﴾ والثاني روينا عن أبي عبيد ﵀: باب الطلاق وما جاء فيه من ناسخ ومنسوخ: وقال ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا﴾ ثم استثنى ﴿إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح علهما فيما افتدت به﴾ وقد قيل عن قوم إنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾. تنبيه عليهم: اعلموا وفقكم الله أن ها هنا فائدة قوية وهي أن الباري تعالى لم يظهر الشريعة جملة على لسان نبيه ﷺ وإنما أنزل القرآن نجوما وبين الأحكام جملة وتفصيلا وظيفة بعد اخرى وعبادة تتلو عبادة ورسما يقفو آخر، ذلك بحكمته البالغة ولطفه الخفي الاظهر، فقد بين بعض الأمر في آية أو أشار ثم يعقبه تماما ببيان ثان ثم يتلوه بشرط ثالثا ثم يعقبه بتفصيل رابعا هكذا حتى ينتهي منتهاه وتنتظم أولاه مع أخراه فيكون هذا الترتيب أسرع إلى القبول وأثبت في النفوس. ومن روى من عليل الجهالة بشر بالعلم، تحقق هذا في مقاطع

стр. 93

الشريعة وفهم مواردها. فإذا فهمتم هذا فاعلموا أن الله تعالى شرع النكاح حكمة وأذن في الطلاق فيه رحمة إذ الزوجان قد يتفقان ويلتئمان وقد يختلفان، فإن لم يكن فراق كان حسرة الأبد وذهاب الدين وفقد طيبة العيش. ولهذا ضلت الرهبانية في ابتداعها على دين عيسى أنه لا فرقة في النكاح إلا بالموت وإنما وضعوه حيلة ليفر الناس عنه فتكثر المعتزلة في الصوامع ويغلب بزعمهم الزهاد على الطامعين ففاتهم في هذا الموضع من الزوائد ما لم يتحصل لهم. ولم يخل قط شرع من الطلاق وقد ثبت في صحيح الحديث باتفاق من الأئمة أن إبراهيم الخليل صلوات الله عليه لما ورد ليطلع تركته بمكة شرفها الله قال: أين إسماعيل؟ قال له امرأته: ذهب يصيد، أو قالت: يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشتهم فقالت: نحن بشر في ضيق وشدة، قال: فإذا جاء زوجك إقرئي ﵇ وقولي له يغير عتبة بابه. ولما جاء إسماعيل ﵇ كأنه آنس شيئا فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم شيخ كذا وكذا، فسألني عنك فأخبرته وسألني كيف عيشتنا. فأخبرته أنا في جهد وشدة. قال هل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول: غير عتبة بابك، قال: ذلك أبي وقد أمرني أن أفارقك، إلحقي بأهلك: فطلقها وتزوج منهم امرأة أخرى، وذكر الحديث ولم يأت بعد ذلك شرع إلا جرى على هذه السنن وفتح هذا الباب وسلك هذا السبيل. فجاءت الشريعة في الطلاق على هذا المنحى فقال الله تعالى مبينا لحكم الشريعة في النكاح ما قال في كتابه وعلى لسان رسوله، وشرع أيضا في الطلاق ما شرع منها قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ فجعله للرجال، مطقا وأذن فيه مفسرا قال: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وأتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا﴾ فحرم أخذ ما أصدقه المرأة لأنه حق وجب لها من أشرف ما لها وقال تعالى: ﴿ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين

стр. 94

بفاحشة مبينة﴾ وكما حرم أخذ شيء من كل ما أعطيته المرأة على النكاح أو من أجله وحرمته، حرم مضارتها حتى يأخذ بعض ما أعطاها فضلا عن أخذ جميعه. ثم استثنى من ذلك إتيان المرأة بفاحشة مبينة فحينئذ يجوز له استنقاذ بعض ما أخذت منه او كله على قدر الفاحشة من زنا وإيذاء، وحرم أيضا أخذ شيء من ذلك إلا عند وقوع النفرة وتعذر الألفة والخوف من التقصير في حقوق الله وعدم الإقامة لحدوده، فيجوز حينئذ أخذ ذلك كله أو بعضه حسب قوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا إلا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ وجاء بيان ذلك وتفصيله نصا، فروى ابن عباس ﵁ أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس جاءت النبي ﷺ فقالت يا رسول الله ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق إلا أني أخاف الكفر، فقال رسول الله ﷺ ، أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، قال رسول الله ﷺ : اقبل الحديقة وطلقها تطليقة، فهذا تحقيق القول في الايات والله أعلم. الآية التاسعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ .

стр. 95

بيان لحال الإحلال الذي أذن الله فيه بعد التحري الواقع بالطلاق وربط له بنكاح مستأنف من غيره، فاحتمل قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ وقوع لفظ النكاح على العقد واحتمل أن يكون على الوطء، والذين قالوا: إن لفظ النكاح حيث ورد في القرآن إنما هو العقد ليس الوطء يرون أن السنة زادت شرطا آخر هو وطء الثاني بعد تزوجه لحديث عائشة الصحيح في الصحاح قالت: جاءت امرأة رفاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسل فقالت: إن رفاعه طلقني فأبت طلاقي وإني تزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وما معه إلا مثل الهدبة. فضحك رسول الله ﷺ وقال: تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك. فيكون هذا من باب الزيادة على النص. وقد اختلف العلماء في ذلك فمنهم من قال: هي نسخ، ومنهم من قال ليست بنسخ، ومنهم من قال إن غيرت حكم المزيد فإنها نسخ وإن لم تغيره فليست بنسخ، وقد بيناها في أصول الفقه، ونحن الذين نقول إن النكاح ينطلق على العقد والوطء انطلاقا واحدا، نرى أن القرآن يقتضي وجوب الوطء لأنه آخذ بأواخر الأسماء واستيفاؤها بمعانيها، وهو مذهب مالك ﵀. والذين يرون الزيادة على النص نسخا وهم أصحاب أبي حنيفة يعسر عليهم هذا المأخذ ويلزمهم أن هذه زيادة بخبر الواحد، وخبر الواحد لا ينسخ القرآن إجماعًا، وعن هذا قال سعيد بن المسيب: إن المطلقة

стр. 96

ثلاثا تحل بالعقد أخذا بأوائل الأسماء ولعله لم يبلغه الحديث، على أنه مدني مداره على عروة عن عائشة. وقد رواه القاسم بن محمد عنها، وقد رواه سليمان بن يسار عن ابن عباس وسالم عن ابن عمر وفي رواية، سالم عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر وهو غريب، وإنما سقنا هذا لاعتقاد قوم أن الزيادة على النص نسخ، فلو كان ذلك صحيحا لما عمل بحديث العسيلة في الزيادة على القرآن، فدار الأمر على حرفين إما أن لفظ النكاح يقتضي الوطء وإما أن الزيادة على النص ليست نسخا وبيان ذلك في كتاب الأحكام والله أعلم. الآية الموفية ثلاثين: قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾. قال بعضهم منهم هبة الله المفسر، ثم استثنى فقال: ﴿فإذا أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما﴾ فصارت هذه الآية إرادة بالاتفاق ناسخة للحولين الكاملين . قال القاضي محمد بن العربي ﵁: هذا كلا من لا بصر له بالحقائق لأنه قال: ثم استثني أولا، ثم قال فصارت هذه الآية ناسخة للحولين فجعله أولا استثناء وهذا ينفي النسخ، وجعله آخرا ناسخًا وهذا إثبات لما ينفي أولا.

стр. 97

ولو لم يكن هناك عندنا قوله: ﴿فإن أرادا فصالا﴾ لاقتضاه الأول في قوله: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ فلم يجعله تقديرا شرعيا، ولا حتما مقضيا وإنما أوقفه على الإرادة لينظر الأبوان في حال المولود واحتماله للفطم وانفصاله ودوام الرضاع واتصاله فجاءت الآية الثانية مؤكدة للأولى ونظيرة لها في الحك لا رادة ولا ناسخة والله أعلم. الآية الحادية والثلاثون، قوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ ثبت في الأسدية عن مالك بن أنس من رواية عبد الرحمن بن القاسم قال: لا يلزم الرجل نفقة أخ ولا ذي قرابة ولا رحم منه . وقول الله : ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ منسوخ ولم يبين ما الناسخ.

стр. 98

قال القاضي محمد بن العربي: أصل هذا القول في الآية أن قول الله تعالى في هذه الآية تضمن أربعة أحكام: رضاع الوالدة مدتة للمولود، والنفقة والكسوة ونفي المضارة ثم قال: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ فقال قوم: يرجع قوله ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ إلى جميع ما تقدم، وقال قوم: يرجع إلى نفي المضارة خاصة ولو كان قوله: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ نصا لكان لنا أن نبديء القول في ذلك ونعيده ولكنه محتمل أن قوله ذلك يحتمل أن يرجع إلى الجميع ويحتمل أن يرجع إلى بعضه وإن كان الظاهر أن يرجع إلى الجميع ولكن نتبع الأدلة فنسير حيث سارت وتقف حيث وقفت. وقد اختلف العلماء في جريان النفقة بين ذوي القرابات اختلافا كثيرا واضطربت الآراء المالكية فيه بأنواع، وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف، وسنشير إليه في القسم الثالث من الأحكام، وحققنا في موضعه أن الدليل يقتضي وجوب النفقة على الأب دون غيره فبقي الحكم دائرا على نفي المضارة وهو الحكم العام الثابت بين القرابات بل بين جميع المسلمين والمسلمات وهذا كاف في هذا الموضوع. فأما قول مالك إنه منسوخ فهو تسامح في تسمية المخصوص منسوخا لأن التخصيص نسخ لغة ولكنه ليس به عرفا، فأجراه مالك على الأصل في الاقتضاء اللغوي، وقد قيل إنه أراد بذلك أصلا آخر من أصول النفقة وهو أن الحكم في صدر الإسلام كان بوجوب النفقة والسكنى للمتوفي عنها زوجها حولا ثم نسخ على ما يأتي بيانه بعد إن شاء الله، فإذا ارتفع ذلك عن الأصل فارتفاعه عن الوارث

стр. 99

الذي هو فرضه أولى وهذا أصل محقق من مسائل الأصول، والأول أقوي فعليه المعول والله أعلم. الآية الثانية والثلاثون: قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء﴾ . قال القاضي محمد بن العربي: روى عن سعيد بن المسيب أنه قال: كانت المتعة واجبة لمن لم يدخل بها من النساء في سورة الأحزاب ثم نسختها الآية التي في البقرة، قال الراوي: الآية التي في الأحزاب قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالك عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا﴾ والآية التي في البقرة ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ وقد بينا في الأحكام حقائق هذه الآية ومعانيها فإنها منها ليست من النسخ في سبيل، لأنه أوجب في سورة البقرة للمطلقة قبل الدخول نصف المفروض ولم يذكر سواه، وأمر في سورة الأحزاب بمتعتها ولم يذكر المفروض فصار ذكرا لحكمين مختلفين في آيتين في نازلة واحدة وهي المطلقة قبل الدخول فاحتمل ذلك أن يكون إيجابا للمفروض والمتعة بقوله: ﴿وللمطلقات متاع﴾ وبقوله: ﴿ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾ واحتمل أن يكون ذلك في هذه النازلة بيانا لحالين إحداهما مطلقة لم يفرض لها والأخرى مطلقة فرض لها، وجاء العموم للمطلقات مطلقا فاختلف لذلك الناس في المتعة وجوبا ومقدارا ووقتا، ولم يكن في شيء ممن ذلك نسخ وإنما كان حملا لمطق على مقيد وعملا بخاص على عام، وتحقيق ذلك في الأحكام فلينظر هنالك إن شاء الله.

стр. 100

الآية الثالثة والثلاثون: قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ . قال القاضي محمد بن العربي: أدخل قوم هذه الآية في سبيل النسخ لأجل ما ثبت عن عائشة انها أمرت كاتبا لها بكتب مصحف وقالت له: إذا بلغت هذه الآية حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فآذني، فلما بلغها آذنها فأملت عليه (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر) وقالوا في هذا منسوخ أو كتب للقرآن على التفسير على ما يروى عن ابن مسعود، وقد بينا في أصول الفقه أن خبر الواحد لا يثبت به قرآن، وإنما يثبت بالخبر المتواتر الذي يوجب العلم ويقطع العذر فأما هذا المروي من طريق الآحاد فليس به اعتبار في قراءة ولا ثبوت حكم لأن ثبوت الحكم فرع مبني على كونها قرآنا وكونها قرآنا لم يثبت، فالحكم الذي ترتب عليه لا ثبوت له. الآية الرابعة والثلاثون: قوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾ . قال سليمان بن موسى: نسخها قوله: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين﴾. قال القاضي محمد بن العربي: أن بينهما من التعارض في وجه ما يوجب أن يكون نسخا لو تحققنا تاريخيهما، وإذا جهل التاريخ بطلت دعوى النسخ بكل حال فلا معنى لتتبع ذلك فيها، أما أنه قد روى النسائي وغيره واللفظ للنسائي:

стр. 101

حدثنا محمد بن بشار عن ابن أبي عدي عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال: كانت المرأة تجعل عن نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار قالت الأنصار: لا ندع أبناءنا فأنزل الله تعالى: ﴿لا أكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾ وهذا نص صريح، فأما معنى الدين والإكراه وأحكامه فبيانه في القسم الثالث من الأحكام إن شاء الله فلينظر هنالك. الآية الخامسة والثلاثون: قوله تعالى: ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾ ذكر الله هذا الحكم عقيب ذكر الربا وأمره برد رأس المال عند التوبة فقال قوم أنه مقصور على دين الربا، وقد روي أن رجلا خاصم آخر إلى شريح

стр. 102

القاضي في دين له فقيل: يعذر صاحب فإنه معسر وقد قال الله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ فقال شريح: كان هذا في دين الربا وإنما كان في الأنصار وإن الله يقول: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ ولا يأمر الله بشيء ثم يخالفه، احبسوه إلى جنب السارية حتى يوفيه فجعله شرح مخصوصا. وقال قوم إنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لايؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما﴾ فيرى أن يلازم الغريم مديانه حيثما كان. حتى يضجر منه (ويأخذ ما) عليه منه. وقال آخرون: إن قوله: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ ناسخ لما كان عليه الأمر في شرع من قبلنا وفي صدر الإسلام من بيع الأحرار في الدين المتعين عليهم، فقد روى مطلقا أن النبي ﷺ باع حرًا في دين وروى مفسرا أن عبد الله بن البيلماني قال: كنت بمصر فقال لي رجل: ألا أدلك على رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فقلت: بأبي أنت، فأشار إلى رجل فجئته فقلتك من أنت يرحمك الله؟ فقال: أنا سرق، فقلت: سبحان الله ما ينبغي لك أن تسمى بهذا الاسم وأنت رجل من أصحاب النبي ﷺ ، فقال: إن رسول الله سماني سرقا فلن ادع ذلك ابدا، قلت ولم سماك سرقا؟ قال: لقيت رجلا من أهل البادية ببعيرين ليبيعهما فابتعتهما منه قلت انطلق معي حتى أعطيك. فدخلت بيتي ثم خرجت من خلف آخر وقضيت بثمن البعيرين حاجة وتغيبت حتى ظننت أن الأعرابي خرج والأعرابي مقيم، فأخذني فقدمني إلى رسول الله ﷺ .

стр. 103

فأخبرته الخبر فقال رسول الله ﷺ : وما حملك على ما صنعت؟ قلت: قضيت منهما حاجتي يا رسول الله؟ قال: فاقضه قلت ليس عندي، قال: أنت سرق، إذهب يا أعرابي فبعه حتى تستوفي حقك، قال فجعل الناس يسومونه في ويلتفت إليهم فيقول ماذا تريدون؟ فيقولون: نريد ابتياعه منك، قال فوالله إن منكم من أحد أحوج إليه منى: إذهب فقد أعتقتك. وقد روي أن الخضر ﵇ باع نفسه لرجل تصدق بثمنه عليه حتى نسخ الله ذلك بقوله: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾. قال القاضي محمد بن العربي ﵁: لو ثبت أن شيئا من هذه الأحاديث على رسم الصحة لكان لقائل أن يقول: إن ذلك منسوخ بهذه الآية. وقد قال الزهري: أدان معاذ فباع النبي ماله حتى قضى دينه، ولم يعرض لغيره وروى ان رجلا ابتاع تمرا في عهد النبي ﷺ فأصيب به فقال النبي ﷺ تصدقوا عليه، فتصدق عليه فلم يبلغ وفاء دينه فقال: (خذوا ما معه ليس لكم غيره) وقال عمر بن الخطاب بمحضر سادة الصحابة رضوان الله عليهم: (ألا إن الأسيفع) رضي من دينه وأمانته أن يقال سبق الحاج فأدان معرضا فأصبح وقد رين به، ألا وإنا بايعو ماله وقاسموه بين غرمائه، فلم يرد عليه فصار إجماعا، كما أن قول شريح أن هذا مخصوص بدين الربا لا يصح لأن خصوص أول الآية يقضى على عموم آخرها، وقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ عام في كل معسر بكل دين. فإن قيل / هذا إثبات في نكرة يعم النفي في النكرات تقول: رأيت رجلا فهذا خاص وتقول لم أر رجلا هذا عام قلنا: هذا وإن كان

стр. 104

خصوصا فإن معناه العموم كقوله: ﴿إن رأيت﴾ فقيرا فاعطف عليه، لا يراد بهذا فقير مخصوص معين وإنما هو عام في كل فقير. وأما قول من قال إنه منسوخ بقوله: ﴿إلا ما دمت عليه قائما﴾ فإنما يصح هذا على حال إذا كانت هذه الآية بعد قوله: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ وقد ثبت أن آية الربا من آخر آية نزلت وهذا حرف من ذلك، فقد ثبت تأخره ولو لم يثبت ذلك لم تكن فيه حجة لأن قوله تعالى: ﴿لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما﴾ إنما معناه لا يؤده إليك إلا أن تكون ملازما من حين العطاء إلى حين الأداء، فإن فارقته، قال: ليس لك عندي شيء، وهذا محتمل يسقط التعلق به لأبي حنيفة، وأصحاب الملازمة توحيد: لما قال الله تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك﴾ وجب صدق الله في خبره وصدق النبي في تبليغه، وقد شاهدنا من ذلك بثغر الإسكندرية دليلا وذلك أن على الروم في تعشيرهم بها من الذهب الثلث، فخرج بعضهم بجملة عظيمة من الذهب على اختفاء فرأى رجلا عليه شارة بهية من عمة عليه وصفحة وضية وكسرة نية فالتزمه وعرض عليه ما عنده من تلك الجملة من الذهب وسأله أن يدخله متسترا به حتى لا يمكس فيه فقبله واحتمله وسار إلى البلد ورجع الرومي إلى باقي رحله فأخرجه ثم رفعه على الحمالين وجاء به إلى باب البلد ووقف بين يدي المكاس في ديوان المكس حتى يأخذ من رحله ما يجب له، فلا مثل بين يديه إذا به صاحب الوديعة فسقط في يده واستسلم إليه وحاسبه على الواجب في رحله، فلما وفاه إياه قال له: خذ واجبك من تلك الوديعة وسلمها إلي. فقال له: خذها كلها لا يلزك فيها شيء لأنا إنما أخذنا

стр. 105

منك على الأمانة والاختفاء لا على التغريم والاقتضاء فطارت له منقبة وثبت لرسول الله ﷺ معجزة. الآية السادسة والثلاثون: آية الدين . قال بعض المفسرين هذا منسوخ، وروى عن أبي سعيد الخدري قال: يا أيها الذين أمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه. إلى ﴿فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أؤتمن أمانته﴾ قال: نسخت هذه التي قبلها. قال القاضي محمد بن العربي: هذه غفلة لا تصح نسبتها إلى أبي سعيد لأن هذا ليس بنسخ والله تعالى بين حكم المداينة وحض فيها على الكتابة والشهادة عند الكتابة معينا وعند الابتياع مطلقا، تحصينا للحقوق ونظرًا إلى العواقب، ثم قال في الآة الأخرى ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾، فالمنى إذا تعذر الكتب وابتغينا المعاملة فليأخذ صاحب الدين رهنا بإزاء دينه وثيقة له نظرا إلى العواقب ثم قال تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا﴾ فلم يكتب ولم يشهد ولم يرتهن ﴿فليؤد الذي أؤتمن أمانته﴾ فبين تعالى أن ما تقدم من لفظ الأمر بالكتابة والإشهاد ليس على الحتم والوجوب وإنما هو للإرشاد والتحضيض.

стр. 106

فإن قيل إنما يرجع قوله: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا﴾ إلى أخذ الرهن خاصة في السفر دون ما تقدم من مطلق القول في المداينة والكتابة والشهادة فيها والشهادة عند المبايعة ولا تدخل آية في آية. قلنا بل يرجع قوله: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا﴾ إلى جميع ما تقدم في الإشهاد في الإية التي قبلها، وفي الكتابة وفي الإشهاد عند المبالغة مطلقا وإنما هذه الأوامر تحضيض وإرشاد ليس للوجوب فيها أثر، والدليل عليه كثير قد أوردناه في مسائل الخلاف ويختص منها بهذا الموضع ثلاثة أدلة: الدليل الأول: حديث الإسرائيلي قال النبي ﷺ إن رجلا فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل سأل رجلا أن يسلفه قال له ائتني بالشهود قال له: كفى بالله شهيدًا، قال فائتني بالكفيل، قال كفى بالله كفيلا، قال صدقت: فدفعها إليه إلى أجل مسمى فخرج في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركبا يركبها يقدم عليها للاجل الذي أجله فلم يجد مركبا فأخذ خشبة فنقرها فأدخل بها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه ورجح موضعها ثم أتى إلى البحر بها فقال: اللهم إنك تعلم أني تسلقت فلانا ألف دينار فسألني كفيلا فقالت كفى بالله كفيلا فرضي بذلك وسألني شهيدًا فقلت كفى بالله شهيدا فرضي بك، وإني جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له فلم أقدر وإني أستودعتكها فرمي بها في البحر حتى ولجت فيه ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده فخرج الرجل الذي كان أسفله ينظر لعل مركبا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطبا فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسفله فأتاه بالألف الدينار فقال: والله مازلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبا قبل الذي جئت به، قال إن الله قد أدى عنك الذي بعثت والخشبة فانصرف بالألف الدنيار راشدا، فهذا نص في إسقاط الإشهاد في شرع من قبلنا وهو شرع لنا.

стр. 107

الدليل الثاني أن الأئمة رووا أن النبي ﷺ رهن درعه في ثلاثين وسقا من شعير عند يهودي ولم يذكر شهادة. الدليل الثالث حديث الزهري عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عمه وكان من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ اشترى فرسا من أعرابي ثم استتبعه ليدفع إليه ثمنه فأسرع المشي فساوم قوم الأعرابي بالفرس ولم يعلموا فصاح الأعرابي بالنبي ﵇: اتبتاعه مني أم أبيعه؟ فقال: أليس قد ابتعته منك؟ قال لا والله ما ابتعته مني، فأقبل الناس يقولون: ويحك إن رسول الله ﷺ ، لا يقول إلا حقا، فقال هل من شاهد فقال خزيمة أنا أشهد، فقال النبي بم تشهد؟ فقال أشهد بتصديقك، فجعل النبي شهادته شهادة رجلين، ويعضد هذا ما أخبرنا أبو الحسين الصيرفي بالكرخ، أخبرنا القاضي أبو الطيب الطبري أخبرنا الدارقطني حدثنا أبو عبيد القاسم بن إسماعيل قال حدثنا أحمد

стр. 108

بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان حدثنا ابن نمير عن يزيد، زياد بن أبي الجعد حدثنا أبو صخرة جامع بن شداد عن طارق بن عبد الله المحاربي قال رأيت النبي ﷺ مر بسوق ذي المجاز وأنا في بياعة لي أبيعها فمر وعليه حلة حمراء وهو ينادي بأعلى صوته: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. ورجل يتبعه بالحجارة قد أدمى كعبية وعرقوبيه وهو يقول: يا أيها الناس لا تطيعوه لأنه كذاب، قلت: من هذا؟ قالوا هذا غلام من بني عبد المطلب؟ قلت من هذا الذي يتبعه يرميه؟ قالوا هذا عمه عبد العزي وهو أبو لهب لعنة الله عليه، فلما ظهر الإسلام وقدم المدينة أقبلنا في ركب الربذة وجنوب الربذة حتى نزلنا قريبا من المدينة ومعنا ظعينة لنا فبيا نحن قعود إذ أتانا رجل عليه ثوبان أبيضان فسلم فرددنا عليه فقال: من أين أقبل القوم قلتا من الربذة وجنوب الربذة قال ومعنا جمل أحمر، قال: تبيعوني جملكم قلنا نعم قال بكم؟ قلنا بكذا وكذا صاعا من تمر، قال فما استوضعنا شيئا وقال: قد أخذته ثم أخذ برأس الجمل حتى دخل المدينة فتوارى عنا فتلاومنا بيننا وقلنا: أعطيتكم جملكم من لا تعرفونه، فقال الظعينة، لا تلاوموا فقد رأيت وجه رجل ما

стр. 109

كان ليخفركم، ما رأيت وجه رجل أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه، فلما كان العشى أتانا رجل فقال: السلام عليكم، إني رسول رسول الله إليكم وإنه امركم أن تأكلوا من هذا حتى تشبعوا وتكتالوا حتى تستوفوا فأكلنا حتى شبعنا واكتلنا حتى استوفينا، فلما كان من الغد دخلنا المدينة فإذا رسول الله ﷺ قائم على المنبر يخطب الناس وهو يقول: يد المعطى العليا وابدأ بمن تعول، أمك وأباك فأختك وأخاك وأدناك فأدناك، فقام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع قتلوا فلانا في الجاهلية فخذ لنا بثأرنا، فرفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه، وقال: ألا لا يجني والد على ولده. ولو كان الإشهاد واجبا لكان اعظم الخلق إليه انقيادا رسول الله ﷺ وأولهم امتثالا له وقد كتب النبي ﷺ في البيع ولم يشهد، كما أخبرنا أبو طاهر البغدادي أخبرنا ابن زوح الحرة أخبرنا أبو علي أخبرنا أبو العباس أخبرنا أبو عيسى. وأخبرنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار أخبرنا ابو الطيب الطبري أخبرنا الدارقطني واللفظ له حدثنا محمد بن أحمد بن أبي الثلج: حدثنا أبو بدر عباد بن الوليد، قال حدثنا عباد بن ليث صاحب الكرابيس وحدثنا عثمان بن أحمد الدقاق، حدثنا أبو خالد عبد العزيز بن معاوية القرشي حدثنا عباد بن

стр. 110

ليث صاحب الكرابيس، حدثنا عبد المجيد ابن وهب أبو وهب قال قال لي العداء بن خالد بن هوذة: ألا أقرئك كتابا كتبه لي رسول الله ﷺ ؟ هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله عبدًا أو أمة شك عباد، ليث لأداء ولا غائلة ولا خبثة، بيع المسلم للمسلم، وقال ابن أبي الثلج فأخرج لي كتابا: هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة بن محمد رسول الله اشترى منه عبدًا أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم المسلم، فهكذا جاء ذكر الكتاب باختلاف الروايات ولم يكن فيه ذكر اشهاد ولكن فيه من الفقه كتب البائع خطه للمبتاع بالبيع. وإن كتب الكاتب المخصوص بالرجل حكم على صاحب الكتاب فيتعين به عليه الحق فإن أنكره حلف أنه ما أمره به ولو كان خط البائع نفسه أو المقر لكان أصلا. وفي تفصيله خلاف بيانه في كتب المسائل والله أعلم.
следующие страницы →