Полный текст (172 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
تحقيقات وأنظار
في القُرآنِ والسُّنَّةِ
تَأليفُ
فضِيْلَةِ الشيَّخِ محَّمد الَّطاهرِ ابْنِ عاشوُرِ
стр. 2
تمهيد
تنبيه ونصيحة
إن واجب النصح في الدين والتنبيه إلى ما يغفل عنه المسلمون مما يحسبونه هيَّنَّا وهو عند الله عظيم قضى عليَّ أن أنبه إخواننا إلى خطر أمر تفسير كتاب الله والقول فيه دون مستند من نقل صحيح عن أساطين المفسرين، أو من إبداء تفسير أو تأويل من قائله إلا إذا كان القائل قد توفرت فيه شروط المفسر من الضلاعة في علوم الشريعة وعلوم العربية ولا سيما علمي المعاني والبيان اللذين بدونهما لا يأمن المرء من تكرر الخطأ في فهم معاني القرآن فيضل المقدم على ذلك ويضل غيره، وقد قال العلامة الزمخشري في خطبة الكشاف: «إن أملأ العلوم بما يغمر القرائح وأنهضها بما يبهر الألباب القوارح ... علم التفسير الذي لا يتم لتعاطيه وإجالة النظر فيه كل ذي علم.
فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام، والمتكلم وإن بزَّ أهل الدنيا في صناعة الكلام ... والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه، واللغوي وإن علك اللغات بقوة لحييه، لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق، إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن، وهما: علم المعاني، وعلم البيان، وتمهل في ارتيادهما آونة، وتعب في التنقير عنهما أزمنة، بعد أن يكون آخذًا من سائر العلوم بحظ، جامعًا بين أمرين تحقيق وحفظ، كثير المطالعات، طويل المراجعات، قد رجع زمانًا ورجع إليه ورد عليه فارسًا في علم الإعراب، مقدمًا في جملة الكتاب (يعني كتاب سيبويه) وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة منقادها، مشتعل القريحة وقادها، يقظان النفس، دراكًا للمحة وإن لطف شأنها، منبهًا على الرَّمزَة وإن خفي مكانها) ا. هـ.
وقال العلامة السكاكي في المفتاح: «وفيما ذكرنا ما ينبه على أن الواقف على تمام مراد الحكيم تعالى وتقدَّس من كلامه مفتقر إلى هذين العملين المعاني والبيان أشد الافتقار، فالويل كل الويل لمن تعاطى التفسير وهو فيهما راجل» ا. هـ.
стр. 3
وقد ذكر القرطبي في مقدمة التفسير: «إن من فسَّر شيئًا من القرآن بدون مستند من نقل صحيح أو دليل اقتضته قوانين العلم؛ كالنحو، والأصول، والبلاغة فهو متبع لهواه ورأيه المجرد، واقع في الوعيد الوارد فيمن فسر القرآن بهواه ورأيه».
وبرغم هذا ونحوه قد رأينا تهافت كثير من الناس على الخوض في تفسير آيات من القرآن. فمنهم من يتصدى لبيان معاني الآيات على طريقة كتب التفسير، ومنهم من يضع الآية ثم يركض في مجالات من أساليب المقالات تاركًا معنى الآية جانبًا، جالبًا من معاني الدعوة والموعظة ما كان جالبًا، وقد دلَّت شواهد الحال على ضعف كفاءة البعض لهذا العمل العلمي الجليل، فيجب على العاقل أن يعرف قدره، وأن لا يتعدى طوره، وأن يرد الأشياء إلى أربابها، ويأتي البيوت من أبوابها. وعلى من لا يأنس من نفسه الكفاءة وهو يرغب في إفادة العموم بمعاني القرآن أن يقتصر على نقل كلام المفسرين في التفاسير المشتهرة عازيًا ذلك إلى مواقعه مع التحفظ على عباراته. وفي الناس طبقة ترتقي كفاءتها إلى درجة تخولها التصرف في جمع كلام المفسرين وترتيبه واختصاره. والواجب على كل راغب في التحلي بذلك أن يدقق النظر في ميزان نفسه ليقف عند الحد الذي يثق به عندها حتى لا يختلط الخاثر بالزباد، ولا يكون كحاطب في حالك سواد، وبذلك تحصل الفائدة والاستبراء للدين والعرض. وإن سكوت العلماء على زيادة في الورطة، وإفحاش لأهل هذه الغلطة، فمن يركب متن عمياء، ويخبط خبط عشواء، فحق على أساطين العلم تقويم اعوجاجه، وتمييز حلوه من أجابه، تحذيرًا للمطالع، وتنزيلًا في البرج والطالع.
محمد الطاهر ابن عاشوُر
* * *
стр. 4
تحقيْقات وأنظار
في القُرآنِ والسُّنَّةِ
القسم الأول
في القرآن
стр. 5
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾
«كتب إليَّ أحد الفضلاء من بلد طولقة من عمالة قسنطينة يسألني عن قوله تعالى في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وذكر أنه عجز عن فهم المراد منها وأنه تطلب كشف الإشكال فلم يحظ بكشفه، ولما رأيت من حذقه وسُمُوَّ همته أحببت أن أتحفه بتفسير هذه الآية على وجه أرجو أن يزيل إشكاله ويزيد على مثل هذا اللمم الشريف إقباله.
هذه الآية تندرج تحت القسم الثاني من أقسام المتشابه العشرة التي تعرضت لتأصيلها وفرعتها في تفسير سورة آل عمران ونشرت خلاصة ما كتبته فيها في مجلة الهداية الإسلامية في (ج ١٢) من المجلد (٢) لسنة (١٣٤٨ هـ) وحاصله أن هذا القسم هو من المتشابه الذي نشأ التشابه فيه من القصد إلى إعلام الأمة بمعانٍ من شؤون عظمة الله تعالى تعين إيرادها مجملة لتعظيم وقعها في نفوس السامعين حتى يستحضر كل لبٍّ مقدارًا من مدلولها على مقدار تفاوت القرائح والأفهام مع الاعتماد على إيمان المخاطبين بها أن لا يحملوها على ما يظهر بادئ الرأي من معانٍ لا تليق بجلال الله تعالى، وهذه الآية ونحوها كقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤، يونس: ٣، الرعد: ٢، الفرقان: ٥٩، السَّجدة: ٤، الحديد: ٤]، لكونها من المتشابه كانت طرائق علماء الإسلام في الكلام عليها مختلفة متفاوتة.
فأما السلف من الصحابة فلم يخض منهم فيه سائل ولا مسؤول، ولا تطلبوا بيانه من الرسول، وتلك سنتهم في أمثالها حين كانت عقائد الأمة سالمة من الدَّغل، وحين كان معظم انصرافها إلى حسن العمل، ثم حدث التشوف إلى الغوص على المعاني في عصر التابعين، وربما ظنت بكذابهم أسئلة السائلين، فأخذوا يسدون باب الخوض في مثل هذا، ويبتعدون عنه لِوَاذًا، وألحقوه بالمتشابه فقضوا بالإمساك عن تأويله، ويقولون آمنا به، ويتأولون لطريقتهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، ثم بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]؛ ولذلك نقل عن جماعة منهم أنهم قالوا في آيات المتشابه: «نمرها
стр. 6
إمرارًا كما جاءت بلا كيف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل».
ودرج على ذلك معظم أئمة العصر الذي بعد عصر التابعين مثل: مالك، وأبي حنيفة، والأوزاعي، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة ومن تبع طريقتهم من أصحابهم والطبقة التي تليهم مثل: الشافعي، وعبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه، ونعيم بن حماد شيخ البخاري، وأحمد بن حنبل، والبخاري.
وقد سئل مالك ﵀ عن هذه الآية، فقال للسائل: «الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، وفي رواية: (الكيف غير معقول)، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأظنك رجل سوء أخرجوه عني». وعن سفيان الثوري أنه سئل عن الآية، فقال: «فعل فعلًا في العرش سماه استواء». ثم طلع الشك بقرنه في نفوس مَنْ لم يزنوا الإيمان حق وزنه، فاضطر المتكلمون من أئمة الإسلام فيما اضطروا إليه من تبيين حقائق الصفات وتعلقاتها، إلى أن يخوضوا في الآيات وتأويل متشابهاتها؛ إقناعًا للمرتاب وإقماعًا لمن جاء يفتح لإلحاده الباب. ولم يروا عملهم هذا مخالفًا لما درج عليه السلف ولكنهم رأوا السلف سلكوا التأويل بإجمال، ورأوا أنفسهم في حاجة إلى تفصيل التأويل ورأوا أن كلتا الطريقتين تأويل. وفسروا قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]، بمعنى عطف قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ على اسم الجلالة. ولقد أبدع إمام الحرمين في بيان وجه عدم الإمساك عن تفصيل التأويل؛ إذ قال: «إن كل مؤمن مجمع على أن لفظة الاستواء ليست على عرفها في الكلام العربي فإذا فعل ذلك فهو قد فسر لا محالة (يعني حيث لم يحمل اللفظ على ظاهر معناه) فلا فائدة في تأخيره عن طلب الوجه والمخرج البين، بل في تأخره عن ذلك إلباس على الناس وإيهام للعوام، وقال الغزالي: «لا خلاف في وجوب التأويل عند تعين شبهة لا ترتفع إلا به» ا. هـ. وتسمَّى هذه الطريقة طريقة الخلف وهي الطريقة المثلى المناسبة لما عدا القرون الثلاثة الأولى، ومن ثمَّ قال بعض العلماء: «طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم».
ومعنى هذا الكلام فيما أفهم أنا: أن السلف أرشدوا إلى تطلب السلامة من الخوض في مثله خشية قصور الأفهام والتورط في الشك، فلما لم ينصع الناس إلى نصحهم وأبوا إلا السؤال وإدخال الشك تعين سلوك طريقة الخلف فهي أعلم، أي: أدخل في العلم، أي: أكثر علمًا؛ لأن بيان التأويل وتفصيله يكثر فيه الاحتياج إلى الاستدلال بالعلم والقواعد.
стр. 7
وكلتا الطريقتين طريقة هدي يسع المسلم سلوكها. قال ابن السبكي في خاتمة جمع الجوامع: «وما صح في الكتاب والسنة من الصفات نعتقد ظاهر المعنى، وننزه عند سماع المشكل. ثم اختلف أئمتنا أنؤول أم نفوض منزهين مع اتفاقهم على أن جهلنا بتفصيله لا يقدح».
فعلى طريقة الخلف تأولوا قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] بتأويلات ثلاثة: التأويل الأول: قال جمهور الأشاعرة وفي مقدمتهم إمام الحرمين: إن معنى الاستواء القهر والغلبة والاستيلاء، كما في قول الأخطل:
قد استوى بِشْرٌ على العراق ... من غير سيف ودم مهراق
وقول الآخر:
فلما علونا واستوينا عليهم ... جعلناهم مرعى لنسر وطائر
وهذا هو التأويل الشائع بين طلبة العلم. وعندي أن معناه ضعيف؛ إذ لا مناسبة لأن تستعمل غلبة العرش في معنى عظمة الله تعالى؛ إذ ليس العرش بمتوهم فيه خالقية ولا تعاص حتى يعبر بغلبته عن عظمة الغالب وعلى هذا التأويل. فالمراد بالعرش: العرش الذي هو من عالم السماوات.
التأويل الثاني: للإمام الرازي قال: الاستواء الاقتدار، وزعم أنه أحسن تأويل. والحق عندي أنه تأويل ضعيف؛ إذ لا كبير معنى للاقتدار هنا، والمراد بالعرش على هذا مثل المراد به على التأويل الأول.
التأويل الثالث: قال صاحب الكشاف: «لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك (بكسر اللام) يرادف المُلْك (بضم الميم وسكون اللام) عرفًا (أي: يلازم وصف الملك جعله العرب كناية عن المُلْك (بضم الميم)، فقالوا: استوى فلان على العرش يريدون مَلِك وإن لم يقعد على السرير ألبتة» ا. هـ، «يريد أن ذلك من الكناية باللازم المتعارف عن الملزوم، ومعلوم أن اللفظ المستعمل كناية عن لازم معناه لا يلزم فيه صحة إرادة الملزوم؛ فلذلك زاد صاحب الكشاف قوله: «وإن لم يقعد على السرير ألبتة»، فالمراد بالاستواء فيه هو معنى الجلوس، والمراد بالعرش
стр. 8
كرسي الملك فحصلت الكناية بذلك عن الملك ولا استواء ولا عرش.
ويظهر لي تأويل رابع، وميزانه في سورة الحق ماتع، وهو أن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، مركب دال على هيئة جلوس الملك على العرش، وتلك هيئة عظيمة في عقول السامعين فقد عرف العرب ملوك الفرس وملوك الروم وتبابعة اليمن ودخلت وفودهم إليهم، وتحدَّثوا بعظمتهم في سوامرهم ونواديهم حتى تقرر في أذهان أهل الصناعة اللسانية منهم ما لهؤلاء الملوك عند جلوسهم على عرضهم من العظمة المفرطة والجلالة البالغة، فجاء في هذه الآية تشبيه عظمة الله تعالى التي لا تصل العقول إلى كنه هيئتها، بهيئة عظمة هؤلاء الملوك تشبيهًا مقصودًا به التقريب وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس، واستعمل المركب الدال على الهيئة المشبه بها في معنى الهيئة المشبهة استعمال الاستعارة التمثيلية. وقد تقرر في علم البيان أن التمثيل هو أعلى أنواع الاستعارة؛ لابتنائه على التشبيه المركب الذي هو أبدع من التشبيه البسيط وقد نشأت عنه أمثال العرب كما هو مقرر، وعلى هذا الوجه فالمراد بالاستواء وبالعرش مثل المراد به في التأويل الثالث، وإنما ترجح عندي كون الآية استعارة تمثيلية وليست بكناية وإن كانت الكناية تجيء بالمركب نحو قول زياد الأعجم:
إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج
لوجهين: أحدهما: اعتبار رشاقة المعنى فإن الكناية تنبني على صحة إرادة المعنى الصريح وذلك أصل الفرق بينها وبين المجاز المرسل الذي علاقته اللزوم، فقولهم: طويل النجاد، لا يفهم منه السامع إلا أن له نجادًا طويلًا، وأن ذلك يلزمه طول القامة، وأن المتكلم ما أراد إلا الإخبار عن طول القامة، فالسامع يظن أنه طويل النجاد حقيقة، وكذلك جبان الكلب، ومهزول الفصيل، ألا ترى أن قول عنترة:
فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم
لا يفهم منه السامع إلا أن الشاعر شبك بالرمح جَسدًا لعلمه بأنه لا يشك ثيابه بالرمح لقصده تخريق ثيابه، بل إنما أراد أنه شك جسده، ولما كان شك الجسد لا يكون إلا مع شك الثياب صح التكني عنه بشك الثياب والمقصود شك الجسد، أي: طعنه، وهنا لا يحصل المعنى الكنائي إلا مع المعنى الأصلي، وقد يكون المتحدث عنه لا نجاد له ولا كلب له ولا فصيل إلا أن ذلك أمر قلما يعلمه السامع.
стр. 9
وأما الآية فلا يصح فيها إرادة المعنى الأصلي لما هو معلوم لكل مؤمن من استحالة جلوس الرحمن على العرش فلا يصح التكني به عن معنى الملك المقصود من الآية. ولا يغني عن ذلك قول صاحب الكشاف: «وإن كان لم يقعد على السرير ألبتة»؛ لأن الذي نظر به تجوز فيه إرادة المعنى الأصلي والآية لا يجوز فيها ذلك، فكيف يصح في الآية الانتقال من المعنى الأصلي إلى المعنى الكنائي مع أن المنتقل منه لا يستقر فيه الذهن فضلًا على أن ينتقل منه، فلزم سلوك طريقة الاستعارة التمثيلية، ونظير الآية قول أبي تمام:
من شاعر وقف الكلام ببابه ... وَاكتنَّ في كنفي ذراه المنطق
فقوله: وقف الكلام ببابه، ليس كناية عن ملازمة صنعة الكلام لهذا الشاعر، بل هو تمثيل لتسخير الكلام حتى صارت هيئة مقدرته على الكلام الذي يريده تشبه هيئة تسخير عبد واقف ببابه لخدمته يتوجه أينما وجهه، أو هيئة عاف واقف ببابه لطلب معروفه، وكذلك قوله: واكتن في كنفي ذراه المنطق، لظهور أن الشاعر لم يثبت لنفسه ذرى يسكنها المنطق، بخلاف بيت زياد الأعجم فإن المروءة والسماحة والندى مشتمل عليها ابن الحشرج فتكون قبة ابن الحشرج مشتملة على السماحة والمروءة والندى لاشتمالها على الموصوف بها.
الوجه الثاني: بقاء لفظ الاستواء ولفظ العرش لمعنييهما الحقيقيين؛ لأن المركب في الاستعارة التمثيلية ليس فيها إطلاق مفرداته على غير ما وضعت له بل مفرداته باقية في معانيها، وإنما الاستعارة في مجموع المركب. وهذا الوجه أحسن تأويلًا، وأقوم قيلًا، وأوضح حجةً ودليلًا.
* * *
стр. 10
تَفْسير آيّة التَّغَابن
سألني عالم فاضل صديق، اعتاد تأنيسي بزيارته، عن تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩]، وما وجه تسمية يوم القيامة في هذه الآية بيوم التغابن غير منثلج لما قاله بعض المفسرين في وجه هذه التسمية من أن التغابن هو أن أهل الجنة يغبنون أهل النار، وذكر أنه راجع تفاسير كثيرة فلم يجد فيها ما يقنعه، وحاورني في ذلك محاورة هزَّت من عطفي إلى أن أفصح في تفسير هذه الآية بما عسى أن يكون فيه مقنع، واللبيب يتبع أحسن القول ويسمع، ذهب الجمهور: إلى أن سورة التغابن مكية إلا الآيات الأخيرة من آخرها التي أولها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] الآيات، وأحسب أن هذه الآيات هي التي بعثت القائلين بأن السورة مدنية، إذن نعلم أن المقصود من الخطاب بالآية هم أهل مكة ابتداء وهم قريش؛ ولذلك جاء فيها: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن ٧ - ٩]، وقد قال أئمة من المفسرين: إن عادة القرآن أنه يريد بالذين كفروا متى ذكر في القرآن المشركين من قريش، وقوله ﴿قُلْ بَلَى﴾ كلمة (بلى) فيه إبطال للنفي الواقع في قوله: ﴿لَنْ يُبْعَثُوا﴾، فإنها حرف يفيد عكس معنى (نعم) ويقع بعد النفي في الاستفهام وفي الخبر، وقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩]، ظرف متعلق بقوله: ﴿لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ ويجوز أن يتعلق بقوله: ﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾ باعتبار عطف قوله: ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ﴾ عليه، أي: يبعثكم فينبؤكم يوم يجمعكم ليوم الجمع؛ لأن البعث حاصل قبل الجمع، وقوله: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التغابن: ٧] ... إلخ، جملة معترضة بين الفعل والظرف، و ﴿لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ يوم القيامة، وقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ جاء فيه اسم الإشارة للبعيد؛ لتهويله ولفت العقول إليه؛ فذلك عدل عن وصفه بيوم بعده، فلم يقل: ليوم الجمع يوم التغابن؛ لئلا يفوت معنى الحصر المقصود، وسيعلم ما فيه من النكبة، وجملة: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ جملة اسمية معرفة الجزأين فكان حقها أن تفيد الحصر، أي: هو يوم التغابن وليس غيره من الأيام يوم تغابن، ومعنى هذا الحصر: أن ذلك اليوم لما حصل فيه التغابن في أهم الفضائل جعل ما عداه من الأيام التي يقع فيها
стр. 11
التغابن؛ كالعدم فحصر جنس يوم التغابن في ذلك اليوم بتنزيل الواقع غيره منزلة العدم.
وهذا من قصر الصفة على الموصوف على وجه المبالغة، وهذا الوجه من الحصر يسمى بالحصر الادعائي؛ لأن المتكلم يدعي أن الوصف بيوم التغابن محصور في ذلك اليوم وهو يوم الجمع؛ كقولهم: أنت الحبيب.
واعلم أن الحصر إنما حصل هنا من صيغة القصر التي هي تعريف المسند والمسند إليه ولم يحصل الحصر من التعريف باللام في قوله: ﴿التَّغَابُنِ﴾ بناء على أن اللام فيه دالة على معنى الكمال؛ لأن معنى الجنس الذي هو أصل معنى اللام صالح هنا فلا يعدل عنه إلى حمل اللام على معنى الكمال؛ إذ لا يحمل عليه إلا عند تعين الحمل عليه بالقرينة وهي منفية هنا لاستقامة الحمل على تعريف الجنس وهو أكثر معاني اللام، ولولا صيغة القصر لما استفيد معنى الحصر، فكيف يكون حاصلًا من معنى الكمال الذي لم ينشأ في هذا المقام إلا من حصول معنى الحصر، فلا يختلط عليك كما اختلط على بعض العلماء.
والتغابن مشتق من الغبن، والغبن: الحط من قيمة المبيع عند شرائه، فكل شراء بأقل من القيمة فهو غبن، ومادة التغابن تفاعل من الغبن، وأصل مادة التفاعل تدل على وقوع الفعل من جانبين فصاعدًا؛ كالتقاتل، والتسابق، فلفظ: ﴿التَّغَابُنِ﴾ يدل على وقوع غبن حاصل بين جوانب في يوم القيامة، وقد اتفق المفسرون على أن المفاعلة غير مقصود منها هنا وقوع الفعل من جوانب ولكنهم اختلفوا في تحصيل المعنى.
فذهب الزمخشري ومن تبعه مثل: الفخر والبيضاوي إلى أن المفاعلة هنا هي أن يغبن أهل السعادة أهل الشقاوة؛ إذ ينزلون منازل الجنة التي كان يمكن لأهل الشقاوة أن ينزلوها لو عملوا عمل السعداء، وهذا يشبه الغبن، فالغبن المستفاد من هذا الجانب استعارة وهذا أحد جانبي الفعل، وأما جانب غبن أهل الشقاوة فجعله الزمخشري تهكمًا؛ لأن نزولهم في منازل النار ليس غبنًا لأهل السعادة، وعلى هذا الوجه يكون اللفظ مستعملًا في مجازين مختلفين على وجه يشبه المشاكلة التقديرية، وهذا المعنى ينحو إلى تفصيل كلام مجمل نقل عن ابن عباس وهو تفسير بعيد جد البعد.
стр. 12
وذهب ابن عطية إلى أن صيغة التفاعل هنا غير مستعملة في معناها الأصلي وهو الدلالة على وقوع الفعل من جانبين فأكثر، بل هنا لحصول الفعل من جانب واحد للمبالغة مثل: التواضع والتمايل، فيكون المعنى: ذلك يوم الغبن، أي: يوم غبن الكافرين، وهو ينحو إلى تفصيل كلام نقل عن مجاهد في تفسير الآية هو أقرب إلى الاستعمال وأبعد عن التعسف ولكنه لا يشفي الغليل؛ لأن الأشقياء والكفار لم يغبنوا فيما لقوه، بل أخذوا حقهم من العذاب فلم يحصل معنى أصل الغبن فضلًا عن المبالغة فيه المستفادة من مادة التفاعل التي لا يحسن ادعاؤها إلا إذا كان أصل الفعل واقعًا، فهذا التفسير وإن خرج من ورطة عدم صحة التفاعل لم يخرج من ورطة عدم وجود أصل مادة الغبن.
وجميع التفاسير مع رأينا لم يخرج عن هذين المعنيين إما مع ضبط أو مع تخليط، ومنهم من مرَّ بالآية مرًّا ولم يحتلب منها درًّا، أما أنا فأكد ثمادي، وأستهدي بالهادي فأقول
ليس المعنى في الآية حاصلًا من مراعاة معاني المفردات لا على وجه الحقيقة ولا على وجه المجاز، ولكنه معنى عزيز جليل حاصل من مجموع التركيب، وهو قوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ فقد أشار الحصر الادعائي الذي قدمنا بيانه إلى أن المخاطبين يحسبون أيامًا كثيرة أيام تغابن قد عرفوها واشتهرت، وأن المتكلم يحسب أن تلك الأيام التي عرفها الناس ليست بأيام تغابن، وأن هذا اليوم المتحدث عنه هو يوم التغابن لا غيره من الأيام، فبنا أن نتعرَّف الأيام التي يعدها المخاطبون أيام تغابن، وأن نرجع إلى أحوال المخاطبين وهم أهل مكة ومن حولهم ذلك أن ﴿التَّغَابُنِ﴾ هنا قد أضيف إليه ﴿يَوْمُ﴾ فعملنا أن ليس المراد من التغابن تغابن آحاد الناس في بيوعاتهم الخاصة التي تعرض من شاعة إلى أخرى وفي يوم وآخر، بل المراد تغابن يحصل في يوم معين يكثر فيه التبايع فيغبن فيه ناس كثير ويتربص فيه بعض الناس ببعض لإلحاق الغبن والخسارة، ولا نجد أيامًا بهذه الصفة غير أيام الأسواق، وقد كانت قريش أهل تجارة وكانت الأسواق حول مكة في الحج سوق عكاظ، وسوق ذي المجاز، وسوق مجنة، فكل داخل إلى الأسواق يحرص على أن يجلب الربح إلى نفسه ويغبن غيره ويحذر من أن يغبنه غيره، فكل يترقب الربح ويحذر الخسارة ولا يرضى لنفسه أن يكون مغبونًا؛ لأن الغبن يؤذن بغباوة المغبون واستخفاف الناس به وتمشي الحيلة عليه، وكل هذه أوصاف يأباها العربي، فشبه في الآية حال الناس يوم القيامة بحال
стр. 13
الناس يوم السوق في ترقب ما ينفع والإشفاق مما يضر، وهو تشيبه هيئة بهيئة، وليس تشبيه معنى لفظ مفرد بمعنى مفرد آخر، واستعمل المركب الدال على الهيئة المشبه بها فأطلق على الهيئة المشبهة على طريقة الاستعارة التمثيلية وهي أعلى أنواع الاستعارة، والمقصود من ذلك: تذكير الكفار والمؤمنين بتلك الحالة بين الرغبة والرهبة حتى يستحضروا كأنهم قد تلبَّسوا بها فيحذروا سوء عاقبتها من الآن؛ وذلك بأن يسعوا إلى ما يجلب الربح ويتقوا ما يجلب الخسارة الحقة، قال تعالى: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩]، وقد تكرر في القرآن تمثيل حال أهل الفوز وأهل الثبور في الآخرة بحال التجارة، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦].
ونظير هذا المعنى قول النبي ﷺ فيما رواه الترمذي، وذكره البخاري تعليقًا في بعض أبواب الأدب: «إنما المفلس الذي يفلس يوم القيامة»، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ [النبأ: ٣٩]، أي: يوم القيامة هو يوم النصر؛ لأن اليوم إذا أطلق فهو يوم النصر لبعض جيوش العرب أو بعض ملوكهم كما قالوا يوم تحلاف اللمم، وفي الحديث: «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة» فإنه اشتهر بين الناس الغنيمة الباردة، بمعنى الغنيمة بلا مشقة عمل من شأنه اصعاد مرادة البدن لكن الصيام في الشتاء هو الغنيمة الباردة؛ لأنه غنيمة أجر عظيم حصلت في برودة الجسم وهو الآمن بهذا الوصف الذي هو وصف مدح في عرفهم، ومن هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ١٥]، أي: إذا كنتم تعلمون وصف الخاسر فالخاسرون حقَّا هم الذين خسروا أنفسهم ... إلخ.
ولذلك جاء هذا الكلام المجموع في قوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ مجيء الدليل والمقدمة، وهو أسلوب عجيب في صناعة التخاطب فهو بمنزلة الدليل، لقوله: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن: ٨]، وهو أيضًا بمنزلة المقدمة لقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)﴾ [التغابن: ٩، ١٠]، فلا جرم أن يحصل للسامعين بعد سماع تلك المقدمة وهذه النتيجة روعة الخائف الوجل، فتحملهم على توخي خير العمل.
* * *
стр. 14
مراجعة في تفسير قوله تعالى:
﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [ الشورى: ٢٣]
طالعت في الجزء السادس من المجلة الزيتونية بحثًا نفسيًا دبجه قلم الأستاذ الفاضل المنزل مني منزلة الابن البار الشيخ الناصر الصدام في ما يعول عليه من تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، فرأيته ختم بحثه بالرغبة في إحقاق الحق من معنى الآية، وعلمت أنه يحب مجاذبة البحث مما أكده من الرجاء والحث، فهز عطفي إلى تذكر عهد زمن مديد، بأن أسايره بتكملة وتأييد، وفصل بين قريب وبعيد، أقول:
إن ما استظهره في معنى الآية الأظهر وهو المأثور عن ابن عباس في صحيح البخاري وغيره وتابعه عليه أساطين المفسرين من التابعين مجاهد وقتادة وعكرمة ومقاتل وطاوس والشعبي والسدي والضحاك، وهو الذي اقتصر عليه البخاري في كتاب التفسير وعياض في الباب الأول من كتاب الشفاء، وعلى ذلك التفسير تكون ﴿فيِ﴾ من قوله تعالى: ﴿فِي الْقُرْبَى﴾ تعليلية، ومما لا يشك فيه المضطلع بأسرار كلام البلغاء أن التعليل الذي يستفاد بـ ﴿فيِ﴾ غير التعليل الذي يستفاد بلام التعليل؛ لأن التعليل بـ ﴿فيِ﴾ إنما هو معنى عارض لها متفرع عن معنى الظرفية الأصلي فيها، فإن ﴿فيِ﴾ قد تستعار للظرفية المجازية، ومن صور تلك الظرفية المجازية: أن تنزل علة الشيء وسببه منزلة الظرف الواقع الشيء فيه لما في المجاز من الدقة والبيان؛ وذلك مقتضى العدول عن الحقيقة إلى المجاز، فللَّه در الشيخ صاحب البحث من تطرقه إلى بيان موجب العدول عن لام التعليل إلى حرف الظرفية.
أما ما ارتآه من إشعار حرف الظرفية بأضعف مما يشعر به حرف التعليل في التسبب فلا أشايعه عليه ولا أحسبه مرادًا من استعمال العرب، ألا ترى قول الحماسي وهو سبرة الفقعسي من شعراء الجاهلية:
نحابي بها أكفاءنا ونهينها ... ونشرب في أثمانها ونقامر
وقد كنت ذكرت في شرحي على الحماسة المسمى «فوائد الأمالي التونسية على فرائد اللآلي الحماسية»، أن ﴿فيَ﴾ للظرفية المجازية، أي: تحصل معاقرة الخمر ومعاطاة الميسر بأثمان تلك الإبل، فربما كان الأكثر للشرب، وربما كان الأكثر للقمار، والكل
стр. 15
مظروف في أثمانها فجعلها ظرفًا ليتطرق بذلك إلى إرادة إتلاف جميع أثمانها في ذلك؛ فالظرفية على معنى باء السببية، والمقصود هذا المسبب وهو ما يرضيهم من الشراب والميسر؛ ولذلك لم يأت بـ (من) لئلا يوهم أنهم يشربون ويقامرون ببعض أثمانهم ويستبقون بعضها اكتنازًا فهم يتعيرون بذلك، ونظير الظرفية قوله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]، أي: ارزقوهم بها، ولم يقل منها؛ للإشارة إلى عدم التقتير عليهم في أموالهم وإنما هي أسباب لرزقهم وكسوتهم، فالمنظور إليه هو المسبب، والسبب، تبع الحال المسبب، ويكون التعريف في قوله تعالى ﴿الْقُرْبَى﴾ تعريف الأجل، أي: لأجل حقيقة القرابة بيننا، وهذا الوجه في معنى الآية هو الأنسب بالسياق؛ لأن الخطاب مؤجَّه إلى المشركين وكانوا عادوا النبي ﷺ وتداعوا للتألب عليه، فناسب أن يذكروا بوشائج الأرحام والتذكير بها سنة عربية مألوفة، كما قال القتال الكلابي:
نشدتُ زيادًا والمقامةُ بيننا ... وذكرته أرحام سعر وهيتم
وليس من مناسب المقام أن يسألهم مودة أهل بيته وأقاربه؛ لأن ذلك لا غناء له في غرض الآية.
وأما الوجه الثاني في تفسيرها فليس بباطل؛ إذ قد قال به جمع من التابعين، مثل: عمرو بن شعيب، وسعيد بن جبير، وعلي بن الحسين، وذكره صاحب الكشاف ولم يذهب إليه أحد من الصحابة وإني أراه مرجوحًا وضعيفًا، وقد روى البخاري إنكار ابن عباس على سعيد بن جبير تفسير الآية به، ولم يعرج على ذكره عياض في فصل وجوب البر بآل محمد ﷺ من كتاب الشفاء، وعلى هذا الوجه يكون في قوله تعالى: ﴿فِي الْقُرْبَى﴾ حذف مضاف، أي: في ذوي القربى، وتكون ﴿فِي﴾ مستعملة في الظرفية المجازية بأن جعل أهل قرابة الرسول كالمكان لاستقرار لمودة كما صرح به في الكشاف، وقد ذكر بعض المفسر ين في تر جيح كون هذا الوجه هو المراد من الآية حديثًا عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية، قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم؟ فقال: «فاطمة وولدها» ا. هـ.
وهذا الحديث شديد الضعف؛ لأن في سنده حسينًا الأشقر وكان مشهورًا بالغلو في التشيع، وكان مع ذلك مجهولًا غير مقبول الحديث، وأما ما يرمي إليه الكميت في أبياته وشريح بن أوفى العبسي في بيته، فإنما هو تقليد لهذا التأويل في معنى الآية.
ثم لا حاجة بنا إلى التخليط الذي وقع فيه بعض المفسرين في ترجيح هذا التأويل
стр. 16
بجلب الأدلة على وجوب مودة أهل قرابة رسول الله ﷺ فإن إبطال كون ذلك مستفادًا من هذه الآية لا يوهم إبطاله في نفسه؛ إذ لم يدع أحد انحصار الدليل في هذه الآية.
وهنالك وجه ثالث في تفسير الآية هو أبعد الوجوه، فقد روي عن ابن عباس والحسن البصري: أن المعنى إلا أن تودوا الله وتتقربوا إليه بالطاعة، فيكون المراد القربى المجازية، أي: الموالاة وتطلب الرضا، ويكون التعريف للعهد بقرينة من مقام الخطاب لا وجود لها في لفظ الآية، وقد ذكر أبو بكر بن العربي الوجوه الثلاثة وقال إثرها: «وليس يبعد أن يكون الكل معنيًّا من الآية». ا. هـ. ويتعين أن يكون أراد من نفي الاستبعاد نفي استبعاد يقتضي البطلان بحيق يكون احتمالًا لا يسمح به لفظ الآية، وليس يعني به استواء الوجوه الثلاثة في المتبادر من الآية، وكيف -وهو بصدد شرح الخبر الذي أخرجه الترمذي عن ابن عباس- أنه أنكر على سعيد عن جبير تفسيره الآية بالوجه الثاني وفسرها ابن عباس بالوجه الأول؟ !
وأما الاستثناء الواقع في قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ﴾ فهو منقطع على جميع الوجوه؛ لأن المودة ليست بأجر، فالاستثناء في المعنى الاستدراك، وقد استعملت أداة الاستثناء في معنى أداة الاستدراك ولذلك جعل العلماء الاستثناء في مثله منقطعًا، ثم فسروه بأنه على ادعاء أنه إن كان أجر فهذا هو أجري، ويسمى هذا الاستعمال في اصطلاح الأدباء تأكيد المدح بما يشبه الذم وهو معدود في المحسنات البديعة بهذا الاسم وبضده وهو تأكيد الذم يشبه المدح، وقال العلامة التفتازاني: الأجدر أن يسمى تأكيد الشيء بما يشبه نقيضه ا. هـ. وأنا سميته في كتاب موجز البلاغة تأكيد الشيء بما يشبه ضده توسعة في التسمية؛ لئلا يختص بالنقيض ثم أرى أنه يتعين في مثل هذا الاستثناء أنه إن وقع في مقام تعتبر في مثله المحسنات فليسم استثناءً ادعائيًّا، كما سمى البلغاء بعض أنواع القصر قصرًا ادعائيًّا، وإن كان عريًّا عن قصد التحسين سمي استثناءً منقطعًا، وللأديب تتبع فروقه، وتعين صوبه من شيم بروقه.
* * *
стр. 17
شرف الكعْبَة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٦، ٩٧].
الغرض من هذه الآية: بيان شرف الكعبة لوقوع هذه الآية عقب قوله تعالى ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٩٥]، وقبل قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، فعلمنا أنها مسوقة مساق الدليل لما قبلها؛ لأن شأن الدليل أن يقع عقب المطلوب ومساق المقدمة لما بعدها، وكلاهما مؤذن بالتعليل، والعلة أوضح دلالة من المعلول، فكان ذلك مؤذنًا بتقرر شرف الكعبة، وكل من الدليل والمقدمة طريق في صناعة الخطابة لإثبات مقصود الخطيب، والاستدلال يكون بطريق التدليل والتعقيب والمقدمة بطريق التصدير والتقديم، فالجمع في موقع هذه الآية بين الطريقتين من بلاغة القرآن وإعجازه الذي لم أر من نبه عليه، وتصدير الآية بحرف التأكيد من دون تقدم إنكار منكر ولا تردد تأكيد مقصود منه الاهتمام بالخبر، ومن شأن ﴿إنَّ﴾ إذا جاءت لمجرد الاهتمام أن تغني غناء فاء العطف وتفيد من التعليل والربط شيئًا عجيبًا، فيكون الكلام بها مستأنفًا غير مستأنف، مقطوعًا موصولًا معًا، كما فصله الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز، ومثله بقول بشار بن برد:
بَكَّرَا صاحِبَيَّ قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير
وذكر قصة خلف الأحمر وأبي عمرو بن العلاء مع بشار في شأن هذا البيت، وإيقاع (إنَّ) في أول هذه الآية أدخل في الإعجاز بحيث نجد وقوعها متعينًا في بلوغ الكلام حد الإعجاز؛ لأنها مفيدة لتعليل ما قبلها؛ إذ هي بمنزلة فاء التفريع كما تقدم، وهي أيضًا مفيدة مفاد أداة الاستفتاح لما فيها من معنى الاهتمام الذي يناسب صدر الكلام؛ ولذلك قال الشيخ عبد القاهر: «فترى الكلام معها مستأنفًا غير مستأنف مقطوعًا موصولًا معًا» ولو وقعت الفاء في أول الآية لما صلحت إلا لتكون
стр. 18
تفريغًا عما قبلها فتفيد التعليل ولا تفيد الاهتمام ولا تصلح الجملة حينئذٍ لأن تكون مقدمة لما بعدها، هذا وجه إفادة شرف الكعبة على وجه الإجمال وسنجيئك بتفصيله من بعد بيان معنى الآية.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ الأول اسم يدل على السابق في حال من الأحوال، فإذا أطلق فهو الأول المطلق؛ وذلك كما في اسمه تعالى (الأول) وإذا أضيف إلى اسم جنس ظاهر أو مقدر فهو الأول في ذلك الجنس؛ كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾، وقول الفرزدق:
ومهلهل الشعراء ذاك الأول
أي: أول الشعراء، وقد يطلق الأول ويراد به السابق في الفضل والكمال في أحوال ما أضيف إليه كقوله ﷺ : «نحن الأولون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا»، والأولية عند العرب من شعار التفضيل فيما يتنافس فيه المتنافسون كما قال حسان في رثاء أبي بكر الصديق:
أول الناس حقًّا صدق الرسلا
ومن ذلك إطلاق العتيق عندهم على الشريف؛ إذ العتيق عندهم في الحقيقة هو القديم، والقديم شيء أول، وقد فسر به قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، والبيت محتجر من الأرض بحجارة أو بنسيج من ثياب الشعر يتخذ للإيواء والسكني، فإن كان من أدم فهو القبة، وقد يطلق البيت على المسجد بتقدير: أنه بيت الله أو بيت الصلاة، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]، وقال حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، وسموا المسجد الأقصى بيت المقدس.
ومعنى ﴿وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾: أقيم واتخذ، وأصل الوضع في كلام العرب ضد الرفع، يقولون: وضعت لك الشيء في محل كذا، أي: قربته لك وهيأته، ثم استعمل بمعنى مطلق الجهل والإقامة، والناس: اسم جمع لطائفة من البشر لا واحد له من لفظه في كلام العرب، فإذا دخل عليه حرف التعريف دل غالبًا على الاستغراق الحقيقي نحو: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]، ويكون التعريف فيه للعهد أيضًا نحو قول الخطيب: أيها الناس، يعني: سامعيه، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، يعني: قريشًا.
стр. 19
وقوله تعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦]، جاء بالموصولية دون أن يقول الكعبة الذي هو علم البيت الحرام لزيادة الإيضاح؛ إذ قد اتخذت الحبشة الكعبة اليمانية في صنعاء فحجت إليها خثعم وبعض قبائل العرب.
«وبكة» اسم البلد الذي به الكعبة وهو مكة، فهو بالباء وبالميم في أوله، وقد ورد الاستعمالان معًا في القرآن، قال تعالى: ﴿بَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤]، والعرب يبدلون الباء ميمًا وعكسه إبدالًا غير قياسي ولا سيما مازن يقولون: با اسمك، أي ما اسمك، وقد نبه على هذا الإبدال أبو علي القالي في أماليه كقولهم: لازب ولازم، وقولهم: أربد وأرمد، وفي سماع ابن القاسم من العتبية أم مالكًا رحمه الله تعالى قال: بكة بالباء اسم موضع الكعبة، وبالميم اسم بقية البلاد، وقد اقتضت الآية أن الكعبة أول بيت وضع للناس، وظاهر هذا التركيب أنها أول بيت بني للبشر، وقد تناولت أفهام المفسرين هذه الآية بتفاسير مختلفة ونحن نشير إلى مجمل أقوالهم، ثم نتبعها بما نختاره في تفسيرها.
حمل قتادة ومجاهد والسدي وقليل من المفسرين الآية على ظاهرها بجعل الأولية حقيقية والناس على عمومه، فأما مجاهد وغيره فقد أحسوا بأن في بني آدم مباني سابقة الكعبة، فقالوا: إن أول من بنى الكعبة آدم، وكانت تسمى الضُّراح -بضم الضاد المعجمة- وأنه رفع إلى السماء في وقت الطوفان، فصارت الملائكة تطوف به وتسكنه في السماء، ثم بنى إبراهيم الكعبة في موضعه، ولهم في ذلك أحاديث وقصص، قال الشيخ ابن عطية في تفسيره: وقد رويت في ذلك أقاصيص ضعيفة الإسناد تركت ذكرها، وقال الفخر: أنكر ذلك الباقلاني وعلى هذه القصة بنى المعري قوله:
وقد بلغ الضراح وساكنيه ... ثناك وزار من سكن الضريحا
وأما السدي فقال: كانت الكعبة أول بناء في الأرض ولم يلتفت إلى ما كان قبل ذلك من البنيان، وهذا القول غير مستقيم، فقد كانت قبل إبراهيم مبانٍ كثيرة منها صرح بابل بُني بعد الطوفان، ومنها بيت الأصنام في بلد الكلدان، وهو البيت الذي دخله إبراهيم وكسر الأصنام التي فيه كما أشار إليه القرآن وورد بيانه في الحديث الصحيح، وروي عن علي ﵁ أنه سئل عن هذه الآية: أكانت الكعبة أول بيت؟
стр. 20
قال: لا، قد كان قبله بيوت ولكنه كان ﴿أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٦، ٩٧]، فجعل الأولية المقصودة هي المقيدة بالحالين ﴿مُبَارَكًا وَهُدًى﴾ وأنا أستبعد صحة هذه الرواية عنه؛ إذ هو عربي بليغ، وهذه الأحوال غير صالحة لتقييد الأولية؛ إذ ليست هي أحوالًا من المضاف إليه، بل هي أحوال من خبر إن، ولا يجوز جعلها أحوالًا من المضاف إليه؛ لأنه يقتضي الفصل بين الحال وصاحبه؛ وذلك يوجب اللبس بجعل ﴿مُبَارَكًا﴾ حالًا من ﴿بَيْتٍ﴾ تقييدًا للعامل وهو: ﴿أَوَّلَ﴾، وفي رواية عنه: أنه أول بيت وضع لعبادة الله، وهذا أحسن، ومن المفسرين من يجعل ﴿أَوَّلَ﴾ هنا بمعنى الشرف، أي كقوله: ﴿الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ومنهم من حمل ﴿النَّاسَ﴾ على خصوص العرب، وعن مجاهد ما يقتضي جعله أول بالنسبة إلى خصوص بيت المقدس.
وهذه الأقوال راجعة إلى التأويل إما بتأويل لفظ ﴿أَوَّلَ﴾ أو بتأويل معنى البيت، أو بتأويل معنى الوضع، أو بتأويل المراد بالناس، أو بتأويل نظم الآية ولا حاجة بنا إلى استيعابها استدلالًا وردًّا؛ إذ ليس ذلك من غرضنا.
والذي أراه وأجزم به في معنى الآية: أن القرآن كتاب شريعة وهدى، وليس من أغراضه تاريخ المباني ولا تاريخ أطوار مساكن البشر فلا يعبأ بذكر المباني غير الدينية ولا بذكر الهياكل الدينية الضالة، وأن الآية مسوقة كما بيناه آنفًا للاستدلال على وجوب اتباع ملة إبراهيم معنيَّا بها الإسلام ووجوب الحج؛ فتعين أن يكون المراد من الأول: الأول في نوع، وبالبيوت: بيوت العبادة الحقة والهدى إلى الحق؛ وذلك أن الله تعالى بعث الرسل قبل إبراهيم فدعوا إلى عبادة الله وتوحيده، وكانت الأمم في ضلالتهم إذا أشركوا بالله أقاموا لمعبوداتهم ولشُرَكَائِهم تماثيل وهياكل كما فعل قوم نوح وقوم إبراهيم الكلدانيون، وقامت الرسل تدعو إلى التوحيد بالقول؛ ولكن لم يؤمر أحد منهم بأن يقيم هيكلًا ينادي فيه لعبادة الله ولتوحيده، ويناغي بذلك تماثيل المشركين، ويردد ذلك على مسامع الناس، فلما بعث الله إبراهيم أمره بإقامة هيكل لعبادة الرب الحق الواحد ليدافع بذلك تظاهر المشركين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٦، ٢٧]؛ فكان بناء الكعبة رمزًا
стр. 21
للتوحيد؛ ولذلك قال: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾، ثم قال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾، أي: بالحج لله فاتخذ إبراهيم الكعبة ودعا الناس إلى الحج لعبادة الله الصادقة، فكان الحج مجمعًا لأهل التوحيد يجددون ذكراهم ويدعون إليه من عداهم، وإقام ولده فيها داعيًا بعده وجعل من ذريته سدنة لذلك، وأوصاهم بكلمة التوحيد وبثها، قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، وقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨]، وبهذا المعنى يظهر وجه وصف البيت بأنه ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ كما سيأتي، فالكعبة أول بيت توحيد وضع للناس، أي: البشر؛ لأن واضع معابد الوحدانية هو إبراهيم ﵇ والكعبة أول مسجد وضعه إبراهيم.
ففي صحيح مسلم عن أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ أي مسجد وضع أول؟ قال: «المسجد الحرام»، قلت: ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى»، قلت: كم كان بينهما؟ قال «أربعون سنة»، ولا شك أن مراد رسول الله بالمسجد الأقصى المسجد الذي بناه إبراهيم هنالك لا المسجد المعروف الذي بناه سليمان ابن داود، ويكون مسجد سليمان مبنيًّا على موضع مسجد إبراهيم، وهذا ما تقتضيه الفقرة السادسة من الإصحاح (١٢) من سفر التكوين: إن إبراهيم لما مرَّ بأرض كنعان بنى مذبحًا لله في بلوطة مورة في مكان شكيم ومذبحًا غربي بيت إيل، ويؤخذ من تاريخ ابن العربي والقديس أبروسيمرس: أن ذلك في الجبل الذي بنى عليه داود خيمته، وبنى عليه سليمان هيكله فيندفع الإشكال عن الحديث؛ إذ قد ثبت في التوراة أن إبراهيم بنى مذابح، أي مساجد في كثير من البلاد التي مرَّ عليها وحقيق من بينها بذلك البلد الذي أراه الله ووعده أن يعطيه ذريته بلاد العرب سابقًا على الوعد بإعطاء بني إسرائيل بلاد الشام فظهر معنى الحديث أتم الظهور.
وهذا الوجه فيه بقاء الأولية على ظاهرها وبقاء لفظ (الناس) على ظاهر عمومه، وإبقاء نظم القرآن على ظاهره دون صرف الأولية إلى أولية مقيدة بالحال أو بالنسبة إلى بيت المقدس، وليس فيه إلا تأويل البيت بأنه بيت العبادة الحق؛ وذلك تأويل قريب لشيوع إطلاق البيت على بيت العبادة؛ ولأن قرينة السياق تقرب هذا التأويل ويكون مناط التشريف والثناء هو الخبر بأن الكعبة أول بيت؛ إذ الخبر هو محط الفائدة ويكون
стр. 22
الحالان في قوله: ﴿مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ زيادة في تمجيده وتشريفه وليس هما غرض المخبر، إذ ليست الحال عمدة الكلام وكذلك ما بعدها من الصفات.
فكانت الكعبة بهذا أفضل المساجد، وإنما كانت أولية السبق مقتضية التفضيل؛ لأن هذا المسجد كان أصلًا للبقية، فكل فضل لغيره بعده يكون له منه حظ فلا يزال فضله يتزايد؛ ولأن مواضع العبادة لا تتفاضل من جهة وقوع العبادة فيها؛ إذ هي في ذلك سواء، وإنما تتفاضل بما يحف بها من طول الزمان في عمرانها بالأنوار الملكية وبإخلاص مؤسسيها في تأسيسها، وأي إخلاص أعظم من إخلاص تأسيس أصل معابد التوحيد التي كانت المعابد بعده تقليدًا له محاكاةً لغرضه؛ وإذ قد تبينت أن مساق الآية مساق الاستدلال على علة الأمر باتباع ملة إبراهيم، فكأنك قد استشرفت إلى بيان وجه هذا الدليل، وكيف تمام التقريب فيه؟ .
ووجهه أن الكعبة لما كانت أول هيكل أقيم لإعلان توحيد الله وهو مبدأ الحنيفية فقد ثبتت لهذا البيت أفضلية على كل مسجد تقام فيه دلائل التوحيد، وهذا الأثر أقامه إبراهيم ﵇ كما دل عليه آخر الآية، وإبراهيم هو رسول الحنيفية الأول، فإذا استقرت فضيلة هذا الأثر على بقية الآثار الدينية الحقة ثبتت الفضيلة لا محالة للملة التي أقيم هذا الأثر دليلًا عليها ومناديًا بها على ممر الأحقاب لكونه دليلها وفيه ظهرت، فتكون أشرف الملل، وهذا الاستدلال جارٍ على طريق دلالة الالتزام فهو استدلال بطريقة الكفاية بشرف المحل على شرف الحال فيه؛ كقول زياد الأعجم (شاعر أموي):
إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج
وهذه الطريقة في صناعة البلاغة كإثبات الشيء بحجة ولها تأثير على المخاطبين فكانت الحنيفية بذلك أفضل الملل؛ لأنها أقامت للتوحيد أول معبد ومسجد، ولأنها جمعت للدعوة الحق بالقول الدعوة له بالمشاهدة؛ ولأن الملل التي تقدمتها كانت تنسى بوفاة رسلها وانقطاع أقوالهم، والحنفية بقي أثرها ناطقًا، فإذا كان أول مسجد بناه إبراهيم للتوحيد هو الكعبة تكون الملة التي نبعت منه وظهرت فيه أفضل الملل بحكم إعطاء شرف القرين لقرينه.
وقوله تعالى: ﴿مُبَارَكًا﴾ حال من اسم الموصول الصادق على البيت، أي:
стр. 23
مجعولًا ذا بركة، والبركة كثرة الخير ونماؤه من جانب الله تعالى دون سبب عادي، ووصف البيت بذلك باعتبار ذاته؛ إذ كان قد باشر بناءه رسول الله إبراهيم وابنه إسماعيل رسول الله، فلامست أيديهما حجارته وطينه، ثم أعان فيه محمد ﷺ حين بنتْه قريش، ثم ان هو الواضع للحجر الأسود منه بيده لما اختلف بطون قريش في الذي يتولى وضعه في موضعه، فقد توالى على بنائه ثلاثة رسل وذلك لم يكن لبناء غيره، وذلك الحجر الأسود الذي وضعته أيدي ثلاثة رسل هو لم يزل قائمًا ماثلًا للناس.
وقوله: ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ حال ثانية من الموصول، ويجيّ الحال مصدرًا كالوصف بالمصدر، وكالإخبار بالمصدر لقصد المبالغة، أي: هاديًا للعالمين فجعل كأنه نفس الهدى، ووصف البيت بذلك؛ لأن وضعه كان للدلالة على توحيد الله كما علمت، فكل من يراه يسأل عنه وعن سبب وضعه وعن واضعه فيخبر بذلك فينظر فيهتدي إلى التوحيد؛ ولأن سدنته وحفظته وهم ذرية واضعه قد وكلن إليهم الدعوة إلى ذلك الهدى الذي أراده جدهم، وفي هذا تعريض بالمشركين؛ إذ جعلوا مصدر الهدى إشراكًا، ولذلك لما أزال النبي ﷺ الأصنام من الكعبة يوم الفتح قرأ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ ولم يأمر بذلك في إزالة الأصنام الأخرى؛ لأن وضع الأصنام في هيكل التوحيد من أعظم الباطل والاعتداء زيادة على كون مجرد اتخاذ الأصنام هو من الباطل.
وقوله تعالى: ﴿فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ يجوز أن يكون استئناف كلام، ويجوز أن يكون حالًا ثالثة، وكيفما كان فهو من تفصيل التفضيل، والآيات: جمع آية وهي العلامة المصدقة للدعوى، فالمراد هنا آيات على كونه مباركًا وهدى سواء اشترك في الاهتداء بها سائر الناس أم اختص بها البعض على تفاوتهم في الاختصاص بها بحسب ما يفتح الله لهم من أبواب الإرشاد الإلهي والفتح النوراني.
وقد اقتضى الكلام أن الآيات كائنة في البيت، فإن كانت الظرفية المستفادة من (في) ظرفية حقيقة، فالمراد من الآيات آيات ظاهرة كائنة في المسجد الحرام، وهل عدة، منها: الحجر الأسود، فالمتواتر أنه نزل من السماء رآه إبراهيم حين نزل على جبل أبي قبيس فأخذه وجعله في ركن الكعبة زيادة في تشريفها؛ إذ كان من حجارة جدرانها حجارة نزلت من السماء، ومعنى ذلك: أن يكون الحجر الأسود من الحجارة التي ترمي بها النجوم فتصادف ظهر الأرض تارات، وتكون هذه خصوصية
стр. 24
له لثبوت نزوله برؤية الرسول إبراهيم إياه حين نزوله ولتواتر ذلك عن خبره في العرب، والآية الثانية أثر أقدام إبراهيم في الحجر الذي كان يقف عليه وذلك متواتر عند الناس إلى اليوم، ومن المأثور عند العرب قول أبي طالب من قصيدته:
وموطئ إبراهيم في الصخر قائمًا ... على قدميه حافيًا غير ناعل
ومنها: بئر زمزم الذي تواتر عند العرب أن الله فجره لهاجر لما ظمئت وظمئ ولدها إسماعيل، ومنها: أن البيت هو الأثر الوحيد المقطوع بأن إبراهيم أقامه هنالك؛ لأنه لما أقامه أقام له أهله شهداء عليه وتناقلته الأجيال بالتواتر، وهذا لا يوجد في أثر آخر من آثار إبراهيم ﵇ بل كلها قد اندثرت وما تعين موضع بيت المقدس إلا بوحي وخبر.
وإن كانت الظرفية مجازية، فالمعنى أنه يشتمل على دلائل الوحدانية والرسالة بالدلائل المحسوسة التي ذكرناها وبما علمناه مما حدث فيه من المعجزات لإبراهيم وإسماعيل ﵇، ومعجزات محمد ﷺ مثل: شق صدره، والإسراء به، ونزول الوحي عليه، وعصمة الله تعالى إياه من أعدائه، كل ذلك كائن فيه وحواليه، وبما لم نعلمه من المعجزات والأسرار الواقعة فيه بين الله ورسله مما لا يعلمه إلا الله؛ ومن أطلعه من خاصة عباده.
ومن آياته ما جعل له من الحرمة في نفوس الخلق من العرب وغيرهم من سائر الملل فقد حجته الجبابرة من الملوك والأكاسرة وكسته التبابعة وقدسته سائر العرب واحترموا قريشًا؛ لأنهم سدنته وذرية مؤسسه، وقد قال أبو طالب في خطبته: «وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه، وجعلنا الحكام على الناس»، ومنها ما يسر الله لسكانه من الأرزاق بسببه وذلك بمجيء الناس للحج من كل فج عميق، قال الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧]، وإن من أكبر الآيات فيه للمتهدي أنه مصدر التوحيد والحنيفية، ثم انشقت منه جداول الشرائع. والهدي اشتقاق الجداول من النهر، ثم اجتمعت وأوت إليه في شريعة الإسلام، فعاد النهر إلى مجراه وفي ذلك رمز إلهي إلى أن الدين عند الله هو الإسلام وأنه ابتدأ على يد إبراهيم في مكة كالحبة المزروعة إلى أن آن أوان جناه، فظهر من حيث بدئ ليدل على أن الزرع قد نضج وأن الغرس قد أثمر.
стр. 25
وقوله تعالى: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ المقام اسم على وزن المفعل مشتق من القيام مراد به مكان القيام، والقيام يطلق أيضًا على الوقوف للدعاء والعبادة كالصلاة، فمقام إبراهيم يصح أن يكون المراد منه مسجد إبراهيم مصلى ومحل وقوفه بين يدي ربه، كما قال زيد بن عمرو بن نفيل:
عذت بما عاذ به إبراهيم ... مستقبل الكعبة وهو قائم
وعليه فمقام إبراهيم هو البيت فيكون قوله: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ مرفوعًا على الاستئناف كالنعت المقطوع، أي: هو مسجد إبراهيم، والغرض من الإضافة لهذا الاسم التنويه بالمضاف لزيادة تشريف المضاف، ويصح أن يكون المقام مشتقَّا من مطلق القيام، أي: محل قيام إبراهيم لبناء الكعبة، كقول أبي طالب المتقدم.
وموطئ إبراهيم في الصخر قائمًا ... ... (البيت).
فيكون المراد بالمقام الحجر الذي فيه أثر قدمي إبراهيم ﵇ وهو مما أطلق عليه المقام من عهد الجاهلية وفي الإسلام، وقد قيل إنه المراد في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقال الفرزدق: ...
ألم ترني عاهدت ربي وإنني ... لبين رتاج قائمًا ومقام
فيكون رفعه على أنه بدل من «آيات» بدل مفصل من مجمل غير أن المبدل منه جمع والبدل مفرد فلم يذكر بقية المفصل اكتفاء بالمهم من الآيات، وعلى هذا المعنى فسر الزجاج وتبعه الزمخشري، وزاد فجعل مقام إبراهيم بمنزلة آيات كثيرة لقوة دلالته أو لأنه يشتمل على آيات؛ لأن بقاء أثر القدم في الصخرة الصمَّاء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، ولأنه بعض الصخرة دون بعض آية ا. هـ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، لفظه لفظ الخبر، والظاهر أن معناه كذلك فيكون من جملة صفات البيت، ويكون هذا من دلائل عناية الله بما سخر الأمم وألهمهم لاحترامه وتأمين داخله؛ فقد كان العرب مع شدة حقهم على أعدائهم يلقى الرجل في المسجد الحرام قاتل ابنه أو أبيه فلا يتعرض له، ويكون هذا المعنى آية ثانية؛ فيكون البدل من الجمع قد وقع باثنين وسكت عن الثالث، ونظيره في الكشاف بقول جرير:
كانت حنيفة أثلاثًا فثلثهم ... من العبيد وثلثٌ من مواليها
стр. 26
ولم يذكر الثلث الثالث، ثم يبقى على هذا الوجه أن بقية الآيات ترك ذكرها اكتفاءً بهاتين الآيتين العظيمتين أو بما يتضمنه قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، من آيات كثيرة منها تيسير الأرزاق ولذلك جمع إبراهيم في دعوته للبلد الحرام ملاك الخيرات؛ إذ قال فيما حكى الله عنه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٢٦]، ويجوز أن تكون الآية الثالثة هي مضمون قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، الخ، لما يقتضيه الحج من الخيرات لأهل مكة.
وقيل: إن معنى هذا الخبر الأمر أي أمَّنُوا من دخله؛ كقوله ﷺ يوم الفتح «من دخل دار أبى سفيان فهو آمن»، أي فأمَّنوه وهو لا يفيد المقصود من التشريف؛ ولكنه يدل على تشريف مقرر قديم والحمل على الأول أولى، ولا يرد عليه أنه قد انتهكت حرمة أمنه في بعض الأزمنة مثل ما فعله القرامطة؛ لأن الآية هي أمنة فيما مضى، يسَّره الله لهم ليكون ملجأ قائمًا مقام العدل، ثم أتى الله بعد ذلك بالإسلام، ولأن القضايا النادرة لا تقدح في الشرف الأثيل، على أن أمن من دخل البيت لا يقتضي أمن كل من كان بالمسجد الحرام أو ببلد مكة.
واعلم أن مغزى هذه الآية مع سابقتها هو التنويه بملة الإسلام وبيان أنها هي الحنيفية التي فضلها الله تعالى والتي بعث إبراهيم بأصولها، أو أنها دعوة إبراهيم فيما حكى الله عنه من قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، فكانت ملة الإسلام هي كمال الحنيفية وتفصيلها، وقد نصب الله على ذلك آية خفية تظهر للمهتدي وهي أن إبراهيم أظهر الحنيفية في مكة وأقام لذلك علمًا وهو المسجد الحرام، وأقام ابنه إسماعيل داعيًا لها هنالك، ثم لم يبعث الله رسولًا بعد إبراهيم وابنه في ذلك البلد فتطوحت الشرائع في بلاد الله حتى جاء الدين الذي أراده الله لإظهار الشريعة الجامعة، وفي بقاء هذا الأثر المبارك من آثار إبراهيم واندثار غيره معجزة خفية وإشارة إلهية إلى أن جميع الشرائع التي تفرعت عن ملة إبراهيم من شريعة موسى وغيره شرائع زائلة، وأن الشريعة الخالدة هي الشريعة التي تظهر مرة أخرى من جانب هذا الأثر، فبعث الله من مكة رسولًا يلم بدعوته أشتات الأمم، ويزجي بهم إلى الانضواء تحت ذلك العلم، وبذلك حق مراد الله تعالى وتم.
стр. 27
تَكليم الله لموسى ﵇ -
قد أعلمنا الدليل العقلي بأن الله تعالى يستحيل عليه السمات المحدثات من الصوت والجهر ونحوه، وقد أعلمنا أنه كلم موسى تكليمًا، ونحن نعلم أيضًا أن موسى ﵇ كان يومئذٍ في شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة وقد سمع صوتًا يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ١٤ - ٤٤]، فهل يجوز أن يكون هذا الصوت قائمًا بالله تعالى؟ حاشا لله لم يكن لله أن يقوم به صوت وموسى قد سمع صوتًا، سمعه بأذنه الحادثة، فهل يكون ذلك هو الكلام النفسي القديم؟ أم هل يكون موسى قد سمع ذلك بقلبه؟ كلَّا، لو كان ذلك لم يفضل موسى ﵇ على النَّحلة التي أوحى الله إليها: أن اتخذي من الجبال بيوتًا؛ ولكن نجزم أنه صوت كلَّامه بلا واسطة، فقل: إن تثبيت كلمته الشجرة، أو كلمه شاطئ الواد، أو كلمه الجو، بل ذلك يفضي إلى كلامه ووحي من الله تعالى بدون واسطة، فمن قال: كلمته شجرة، أراد التمثيل والاحتمال كالتعيين، ولا يصح قول من قال من أصحابنا: إن الكلام الذي كلم الله به موسى هو كلامه الذي هو صفة ذاته؛ لأنه يفضي إما إلى حدوث الله (جل وعلا) لأنه يستلزم أن تكون ألفاظًا صادرة عن شفتي الله (تعالى وتقدس). نعم، عندهم شيء سهل المبدأ صعب الغاية وهو أن يقولوا: إن الله خلق لموسى سمعًا قديمًا في صماخه يسْمَعَهُ؛ وهاته مضحكة؛ لأنه يلزم عليه تركيب موسى من قديم وحادث فاتضح أن الكلام الذي سمعه موسى على ما تَعَارَفَهُ الناس.
ستقولون فما هاته المنقبة لموسى التي يعدها الله تعالى وهو لم يزد على سماع كلام متعارف، فالجواب أن المنقبة لموسى التي يعدها الله تعالى وهو لم يزد على سماع كلام متعارف، فالجواب أن المنقبة في اللاجئ إليه بلا واسطة، وذلك كما يلقي الله الوحي إلى جبريل، فإنه يكون بكتابة تظهر له أو نطق من بعض الأشياء، مما يدله على أن هذا قول الله، والذي سوغ إطلاق إضافته إلى الله في قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، هو انقطاع الواسطة، ودلالة تلك الألفاظ المخلوقة على كلام الله النفسي ومراده من موسى كما يسمى القرآن كلام الله وكتاب الله بهذا المعنى وهو بناء على الشايع المتعارف من إسناد الأمور التي خفيت أسبابها إلى الله تعالى وإن كان الكل من عند الله، يقول العامة اليوم في السؤال عن
стр. 28
الميت: قتله أحد أم مات موت ربي؟ وبهذا يتضح لكم أن الاختلاف بيننا وبين المعتزلة في هذا الشأن، وأن من قال غير هذا فقد توقف في فهم معنى الآية وعسر عليه الأمر وإنكم إلى اليوم لم تفهموا هذا إلا بتقليد محض لا يمكنكم الركون إليه ولا التعبير عنه لشدة اضطرابه.
انظر الحديث الذي ذكر صورة إلقاء الوحي إلى جبريل أظنه في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣]، من سورة سبأ من صحيح البخاري.
* * *
стр. 29
تفسير قوله تعالى:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾
قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠].
كلما لمح آيات القرآن قارئها المتبصر وتدبرها حق التدبُّر وجد فصاحة إعجازه الدالة على أنه ليس من مألوف كلام البشر، سارية في كل ما يحتويه مما له دلالة على مقدار من معاني الكلام البليغ، سواء كان جملًا تامة الإفادة، أو تراكيب مكلمة إفادة ما معها، أو روابط تشد بين كلماته وتراكيبه عرى الالتئام، فتكون للكلام كالسلك للعقد النظيم، أو القالب الذي يفرغ فيه الذهب الكريم.
فبهذه المثابة، وعلى هذا النعت، نجد موقع الفاء، التي افتتحت بها هذه الآيات، تلك هي الفاء التي يسميها علماء العربية فاء الفصيحة، ويحق لها هنا أن يقال لها الفاء الفصيحة.
فاء الفصيحة هي التي تقع بعد كلام يفيد غرضًا من الأغراض، فتوزن بشيء مقدر كشرط تكون تلك الفاء رابطة لجوابه لقصد الإيجاز، فيقدر هنا إجمالًا: إذا علمت ما قيل لك ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾، وقد يكون المقدر غير شرط في كلام آخر؛ ذلك أن الآيات السابقة تحوم حول إثبات أن الله واحد في الألوهية، وأنه لا شريك له، وأن قدرته لا يتعاصى عليها شيء من الممكنات إبطالًا لتكذيب المشركين بالبعث، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠]، وما عطف عليه من الدلائل والأمثال بتقدير الكلام تفصيلًا: إذ علمت أنك على الحق وعلمت أن المعرضين عن دعوتك معاندون مبطلون ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾.
فالأمر مستعمل في طلب الدوام على الفعل، لا في ابتداء إيجابه وهو مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦].
والخطاب للرسول ﷺ تثبيتًا لفؤاده وتأييدًا له، وهو شامل للمسلمين؛ لأن الرسول ﷺ قدوتهم؛ ولذلك قال في الآية التي بعدها: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ [الروم: ٣١].
стр. 30
وإقامة الوجه تقويمه، أي: تعديله بتوجيهه قبالة نظرك غير ملتفت يمينًا ولا شمالًا، فالإقامة في هذه الآية تمثيل لحالة التمحض للشغل بشيء بحالة قصر النظر على صوب المقابلة دون التفات إلى يمنة ولا يسْرَة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقوله حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩].
والتعريف في قوله: ﴿لِلدِّينِ﴾ تعريف للعهد وهو الدين المعهود للنبي ﷺ وهو الإسلام وهو المعهود للمسلمين الذين تقلدوه.
ووصف ﴿حَنِيفًا﴾ وصف بوزن فعيل وهو مبالغة في الاتصاف بالحنف، والحنف الميل عن شيء، وغلب إطلاق الحنيف على المايل عن الباطل، أي: العادل عن الباطل إلى الحق، فالحنيف الموحد غير المشرك، قال تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وقد اشتهر وصف إبراهيم ﵇ بالحنيف كما اشتهرت ملة إبراهيم باسم الحنيفية، والتحف عبادة الله وحده دون إشراك واشتهر دين الإسلام بالحنيف؛ لأنه أشد الأديان في قطع دابر الإشراك، قال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨].
ولذلك فوصف ﴿حَنِيفًا﴾ هنا منصوب على الحال يصح أن يكون حالًا من الضمير المستتر في فعل ﴿فَأَقِمْ﴾، ويصح أن يكون حالًا من الدين على تشبيه الدين الإسلامي في خلوه من شوائب الإشراك برجل تجنب الشرك وعدل عنه، فيكون في صفة (حنيف) تمثيل، وفي إجراء تلك الصفة على الدين استعارة مصرحة، وفي الآية محسن الطباق وهو الجمع بين معنيين متضادين ولو في الجملة؛ وذلك في الجمع بين ﴿فَأَقِمْ﴾ الذي هو من الإقامة والاعتدال وبين ﴿حَنِيفًا﴾ الذي هو في معنى الميل والانحراف.
وأما قوله: ﴿فِطْرَتَ اللهِ﴾ فهو حال من ﴿الدِّينُ﴾ حالًا أولى أو ثانية فإن الحال تتعدد بعاطف وبدون عاطف على التحقيق.
والفطرة مصدر بوزن فعلة مثل الخلقة، يقال: فطر الله الإنسان، أي" خَلقه، ومعنى كون الدين فطرة أن ما يدعو إليه يناسب ما فُطر عليه الإنسان ولا يجافيه
стр. 31
بحيث لا يلحق الإنسان من أحكام الإسلام حرج ولا مشقة، قال الله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وفي الحديث: «إن هذا الدين يُسر».
ولذلك بينَّ الله كون الدين فطرة، بقوله: ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ﴾، أي: خلقهم قابلين لأحكام هذا الدين وتعاليمه، صالحين بالعمل بها في نظام أمورهم وحياتهم؛ لأنها تساوي العمل السليم والفكر الصحيح.
بيان ذلك أن الفطرة هي النظام الجبلي الذي أوجده الله في الإنسان جسدًا وعقلًا، فمشي الإنسان على رجليه فطرة جسدية، فلو حاول أن يتناول الأشياء برجليه كان محاولًا خلاف الفطرة الجسدية، واستنتاج المسببات من أسبابها والنتائج من مقدَّماتها فطرة عقلية، فإن حاول الإنسان استنتاج أمر من غير سبب كان محاولًا خلاف الفطرة العقلية، وجزمنا بأن ما نبصر من المبصرات هو حقائق ثابتة في عالم الوجود فطرة عقلية، ولكن إنكار السوفسطائية ثبوت المحسوسات في نفس الأمر تحريف للفطرة العقلية.
وقد بيَّن أبو علي بن سينا حقيقة الفطرة، فقال: «ومعنى الفطرة أن يتوهم الإنسان نفسه حصل في الدنيا دفعة وهو عاقل، لكنه لم يسمع رأيًا ولم يعتقد مذهبًا ولم يعاشر أمة، ولم يعرف سياسة، ولكنه شاهد المحسوسات وأخذ منها الحالات، ثم يعرض على ذهنه شيئًا ويتشكك فيه فإن لأمكنه الشك فالفطرة لا تشهد به، وإن لم يمكنه الشك فهو ما توجيه الفطرة، وليس كل ما توجبه فطرة الإنسان بصادق، إنما الصادق فطرة القوة التي تسمى عقلًا وأنها فطرة الذهن بالجملة فربما كانت كاذبة، وإنما يكون هذا الكذب في الأمور التي ليست محسوسة بالذات بل هي مبادئ للمحسوسات.
فالفطرة الصادقة هي مقدمات وآراء مشهورة محمودة، أوجبت التصديق بها إما شهادة الكل مثل: إن العدل جميل، وإما شهادة الأكثر، وإما شهادة العلماء والأفاضل منهم، وليست الذايعات من جهة ما هي ذايعات مما يقع التصديق بها في الفطرة، فما كان من الذايعات ليس بأوليَّ عقليَّ ولا وهمي فإنها غير فطرية ولكنها متقررة عند الأنفس؛ لأن العادة مستمرة عليها منذ الصبا، وربما دعا إليها محبة التسالم والاصطناع المضطر إليهما الإنسان، أو شيء من الأخلاق الإنسانية مثل:
стр. 32
الحياء، والاستئناس، أو الاستقراء الكثير، أو كون القول في نفسه ذا شرط دقيق لأن يكون حقَّا صرفًا، فلا يمكن لذلك الشرط ويؤخذ على الإطلاق». انتهى كلام الشيخ ابن سينا.
فوصف دين الإسلام بأنه فطرة الله، معناه: أن أصول الاعتقاد جارية على مقتضى الفطرة العقلية، وأن تشريعه جارٍ على وفق ما يدرك العقل فائدته، ويشهد بصلاحه، وأن النواهي والزواجر وقوانين المعاملات جارية على ما تشهد به الفطرة؛ لأن طلب صلاح المجتمع محبوب في الفطرة؛ ولهذا فإن شواهد الفطرة قد تكون واضحة بينة، وقد تكون خفية، فإذا خفيت المعاني الفطرية أو التبست بما ليس فطريًّا؛ فالمضطلعون بتمييزها وكشفها هم العلماء الحكماء أهل النظر الذين تمرسوا بممارسة الحقائق والتفريق بين متشابهاتها وسبر أحوال البشر، وتعرضت أفهامهم زمانًا لتعاريف الشريعة وتوسموا مراميها وغاياتها، وعصموا أنفسهم بوازع الحق عن أن يميلوا مع الأهواء.
إن المجتمع الإنساني قد مُنِيَ بأوهام وعوائد وبمألوفات أدخلها عليه أهل التضليل فاختلطت فيه بالعلوم الحقة، وتقاول الناس عليها، وارتاضوا على قبولها فالتصقت بعقولهم التصاق العنكبوت ببيته، فتلك التي يخاف منها أن تتلقى بالتسليم على مرور العصور فيعسر إقلاعهم عنها وإدراكهم ما بينها من انحراف عن الحق فليس لتمييزها إلا أهل الرسوخ أصحاب العلوم الصحيحة الذين ضربوا في الوصول إلى الحقائق كل سبيل، واستوضحوا خطيرها وسليمها فكانوا للماشين خير دليل.
وكون الإسلام دين الفطرة وصف اختص به الإسلام من بين سائر الأديان؛ لأن مسايرته الفطرة مطَّردة في أصوله وفروعه، وأما سائر الأديان فقد بنيت أصول الاعتقاد فيها على مراعاة الفطرة ولم يطرد ذلك في شرائعها الفرعية، وهذا ما أفاده قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾؛ لأن الله جعله خاتمة الأديان وجعله باقيًا في جميع العصور وصالحًا بجميع الأمم فجعله مساوقًا للفطرة البشرية ليكون صالحًا للناس كافة، وللعصور عامة، وفي قوله ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، بيان لوجه الإضافة في وصفه بفطرة الله وتصريح بأن الله خلق الإنسان سليم العقل مما ينافي الفطرة من العقائد الضالة والعوائد الذميمة بما يدخل عليها من ذلك ما هو
стр. 33
إلا من جرَّاء التلقي الضال والتعود الذميم، وقد قال النبي ﷺ : «يولد الولد على الفطرة ثم يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»، روى مسلم في صحيحه عن عياض المجاشعي أن النبي ﷺ قال فيما يرويه عن ربه: «وأني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وأنهم أتتهم الشياطين فأجالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا» لهذا كان قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، مقررًا لكون هذا الدين فطرة الله، أي: لا تبديل في أحكامه لما خلق الله الناس عليه.
وقد حصل من مجموع هذه الوصاة والصفات التي تضمنتها الآية إيذان بفضل هذا الدين ومزيته على سائر الأديان الحقة الماضية بطريقة الكناية العرضية، فكان من مزيد العناية بتشريفه إفادة هذا التفضيل بصريح المقال، فذَيَّل الكلام بقوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠].
فلاسم الإشارة وقعه البليغ من الإشعار بتعظيم المشار إليه؛ إذ جعل بمرتبة البعيد بُعد رقعة وعلو على حد ﴿ذَلِكَ الدِّينُ﴾ [الروم: ٣٠]، والمعنى: هو الدين القيم.
والقيم: وصف على صيغة فَيْعل وهي أشد مبالغة من صيغة فَعَّل، مثل: هين وليَّن، فيفيد قوة معنى الوصف فيه وهو القيام، أعني القيام المجازي الذي هو ضد الاعوجاج يقال: عود مستقيم وقيم، فوصف الدين بالقيم هنا استعارة بتشبيه الدين بالعود المستقيم في انتفاء العيب عنه والخطأ تشبيهًا للمعنى المعقول بالشيء المحسوس.
وموقع الاستدراك بـ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣]، تبيين أن إعراض أكثر الناس عن هذا الدين ليس لكون الأديان الأخرى أرجح منه في صلاح الناس ولأجل شدة أو إرهاق في تشريعاته؛ بل لأن المعرضين عنه لا علم عندهم، فأزال هذا الاستدراك ما قد يتوهمه من تَغرُّه كثرة المنصرفين عنه فيخالهم انصرفوا عنه على بصيرة في أحواله وتدبر في مراميه.
والمراد بأكثر الناس: المشركون وغيرهم ممن يدعون إلى الإسلام فيعرضون عن قبوله.
وفعل ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، منزل منزلة اللازم فلا يقدر له مفعول، ولا يُطلب دليل على تقدير مفعوله فإذن يكون مفاد نفي العلم عنهم أنهم فاقدون العلم؛ فلذلك لم تبلغ
стр. 34
مداركهم إلى إدراك الدلائل الواضحة في أحوال هذا الدين؛ حيثما توجد فلذلك كان ما عندهم من الإدراك والعقل شبيهًا بالعدم، فنفي العلم عنهم على سبيل المبالغة؛ إذ اعتبار الأوصاف بآثارها.
* * *
стр. 35
تحقيْقات وأنظار
في القُرآنِ والسُّنَّةِ
القسم الثَّاني
في السُّنَّة
стр. 36
عصمّة الأنبيَاء
العصمة: اسم اصطلح أئمة علم الكلام على وصف الأنبياء بها وبعضهم يعبر عنها بالأمانة، واسم العصمة مأخوذ من قول النبي ﷺ فيما رواه البخاري في صحيحه عن أصبغ عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله تعالى».
العصمة: المنع أو الحفظ على الخلاف في أنها منع من المعصية جعله الله في ذات النبي أو هي حفظ من الله للنبي من إتيان المعصية عند إرادتها.
وعرَّف السيد الجرجاني العصمة فقال: «العصمة ملكة اجتناب المعاصي مع التمكن منها».
والقائلون بالعصمة منهم من يقول: المعصوم هو الذي لا يمكنه الإتيان بالمعاصي، ومنهم من يقول: لا يأتي بها بتوفيق الله تعالى له وتهيئة ما يتوقف عليه الامتناع منها؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠]، مع قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]، وأيضًا لو كان المعصوم مسلوب الاختيار لما استحق على عصمته مدحًا ولبطل الأمر والنهي والثواب والعقاب.
وعدت أسباب العصمة أربعة: أحدها: العدالة، والثاني: حصول العلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات، والثالث: تأكد ذلك بالوحي الإلهي، والرابع: خوف المؤاخذة على ترك الأولى والنسيان، فإذا حصلت هذه الأمور صارت النفس معصومة.
وقال أبو منصور الماتريدي: العصمة لا تزيل المحنة، يعني لا تجبر المعصوم على الطاعة ولا تجيره من المعصية، بل هي لطف الله تعالى يحمله على فعل الخير ويزجره عن الشر مع بقاء الاختيار تحقيقًا للابتلاء.
والمراد بالعصمة: العصمة من ارتكاب الذنوب، أي: المعاصي والذنوب، وهي
стр. 37
تنقسم عند الجمهور إلى كبائر وصغائر، وذهب جمع قليل إلى أن الذنوب والمعاصي ليس منها صغائر ونسب إلى ابن عباس وهو قول القاضي عبد الوهاب المالكي البغدادي من المالكية والأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، والشيخ تقي الدين السبكي من الشافعية، ونسبه ابن عطية إلى القاضي أبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين، والذي في جمع الجوامع أن إمام الحرمين قائل بتقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر، وهو صريح كلامه في كتاب الإرشاد، وأحسن ما حددت به الكبيرة ما قاله إمام الحرمين في الإرشاد: إنها كل جريمة تؤدي بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة، وعدوا ثمانٍ وثلاثين معصية كبائِر. وفي الفقه الأكبر المنسوب إلى أبي حنيفة: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون عن الكبائر، فأما أصحاب الأشعري فمنعوا الكبائر مطلقًا وجوزوا الصغائر سهوًا، وذكر القاضي أبو بكر الباقلاني في الإيجاز أن نبينا محمدًا ﷺ معصوم فيما يؤديه عن الله تعالى وكذا سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
قال التفتازاني في المقاصد: «واختلفوا في صدور بعض المعاصي من الأنبياء على التفصيل، والجمهور على وجوب عصمتهم عما ينافي مقتضى المعجزة وهو دلالتها على قول الله تعالى: «صدق عبدي فيما أخبر به عني. لا عمدًا ولا سهوًا» وجوز القاضي أبو بكر الباقلاني وقوع ذلك سهوًا ولم يرتضه الجمهور والمذهب عند جمهور الأشاعرة منع صدور الكبائر بعد البعثة وقبلها، وأما الصغائر فلا تصدر منهم بعد البعثة عمدًا ويجوز صدورها منهم سهوًا لكن لا يصرون عليها ولا يقرون، وذهب إمام الحرمين من الأشاعرة وأبو هاشم الجبائي من المعتزلة إلى تجويز صدور الصغائر منهم عمدًا» ا. هـ. كلام المقاصد.
قال إمام الحرمين في الإرشاد: «وأما الذنوب المعدودة من الصغائر فلم يقم عندي قاطع سمعي على نفيها (أي: عدم وقوعها) ولا على إثباتها (أي: جواز وقوعها)؛ إذ القواطع نصوص أو إجماع ولا إجماع؛ إذ العلماء مختلفون في تجويز وقوع الصغائر على سائر الأنبياء، والنصوص التي تُثبت حصولها قطعًا ولا يقبل فحواها التأويل غير موجودة، فغن قيل: إذا كانت المسألة مظنونة فما الأغلب على الظن عندكم؟ قلت: الأغلب جواز وقوعها ا. هـ كلامه.
واستدل أبو بكر الباقلاني لرأيه بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]؛ إذ لا يقال لمن لا ذنب كالطفل والمجنون: قد غفرت لك؛
стр. 38
ولأن الآية وردت في معرض الامتنان فلو لم يكن له ذنب لم يكن له وجه، وبقوله تعال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، وبقوله تعالى: ﴿وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه ١٢١]، وبقوله: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وبقوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤]، وبقوله حكاية عن يونس: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وغيرها من الآيات الواردات في هذا المعنى.
وقال الشهرستاني في كتابه «نهاية الإقدام»: الأصح أنهم معصومون عن الصغائر؛ لأنها إذا توالت صارت بالاتفاق كبائر؛ لكن المجوز عليهم عقلًا وشرعًا ترك الأولى من الأمرين المتقابلين جوازًا وحظرًا، ولكن التشديد عليهم في ذلك القدر يوازي الشدة على غيرهم في الكبائر ا. هـ. وكلامه لا يدل على وجوب العصمة قبل البعثة، ونقل في الفقه الأكبر ما يقارب كلام الشهرستاني، ووجه آخر وهو أن يَتْركُوا الأفضل كآدم ﵇ حين قاسمه إبليس حتى نسي النهي وظن أنه يحترم اسم الله العظيم وترك الأفضل وهو غاية الأمر؛ ولهذا قال الله تعالى في حقه: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥].
فأما ما قبل النبوة أو ما قبل أن يوحى إليه في فعل بعد النبوة فالذي عليه الأكثر منع إنشاء الذنب والإصرار؛ لئلا تزول العصمة أصلًا، وجوزوا وقوع ذلك على سبيل الندرة؛ كقصة يوسف وإخوته، وقد اختلف في كونهم أنبياء، والمرجح أن الأنبياء معصومون بعد النبوة صيانة لمنصب النبوة وحماية لأبهة الرسالة، ألا ترى قوله تعالى حكاية عن نبينا ﷺ : ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ [يونس: ١٦] الآية، يعني: لبثت بين ظهرانيكم (أربعين سنة) وما رأيتم افتراء ولا خيانة؛ فإنه ﷺ كان مشهورًا فيما بينهم بمحمد الأمين ﷺ .
قول عياض:
قد اهتم أعني عياض ﵀ في الشفاء برد واحد وعشرين دليلًا تمسك بها الذين جوزوا صدور الصغائر من الأنبياء بعد النبوة، الباقلاني، ومن وافقوه، وقد رد التفتازاني في المقاصد من تلك الأدلة اثني عشر دليلًا، ويظهر أنه لم يطلع على كلام عياض في الشفاء، ثم قال عياض بعد أن رد تلك الأدلة أجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر الموبقات، ومستند الجمهور (أي: من
стр. 39
العلماء) في ذلك، الإجماع، وهو قول القاضي أبي بكر، ومنعها غيره لكن بدليل العقل مع الإجماع، وهو قول الكافة واختاره الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني (سيأتي ذكر دليلهم).
وأما الصغائر فجوزها جماعة من السلف وغيرهم وهو مذهب أبي جعفر الطبري وغيره من الفقهاء والمحدثين، والمسلمين، وذهبت طائفة أخرى إلى الوقف، وذهبت طائفة من المحققين من الفقهاء والمتكلمين إلى عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر قالوا: لاختلاف الناس في الصغائر (أي: وجودها) وتعيينها من الكبائر؛ لقول ابن عباس وغيره: إن كل ما عُصي الله به فهو كبيرة، وقال القاضي عبد الوهاب: لا يمكن أن يقال: إن معاصي الله صغيرة إلا على أنها تغتفر باجتناب الكبائر، واستدلَّ بعض الأئمة على عصمتهم من الصغائر بالمصير إلى امتثال أفعالهم واتباع آثارهم، وجمهور الفقهاء على ذلك من أصحاب مال والشافعي وأبي حنفية من غير التزام قرينة (أي: دالة على إرادة امتثال أفعالهم) وحكى ابن خُويز منداد، وأبو الفرج عن مالك: التزام ذل وجوبًا وهو قول الأبْهُرِي وابن القصَّار، وأكثر أصحابنا وأكثر أهل العراق وبعض الشافعية، وذهب أكثر الشافعية إلى أنه ندب.
قال: ونزيد هذا حجة بأن من جوز الصغائر ومن نفاها عن نبينا ﷺ مجمعون على أنه لا يقر على منكر من قول أو فعل، وأنه متى رأى شيئًا وسكت عنه دل على جوازه، فكيف يكون هذا حاله في حق غيره ثم يجوز وقوعه منه.
قال: فبَانَ بذلك عظيم فضل الله على سائر أنبيائه ﵇ أن جعل أفعالهم قربات وطاعات بعيدة عن رسم المعصية.
ثم قال: فقد علم من دأب الصحابة الاقتداء بأفعال النبي ﷺ كيف توجهت كالاقتداء بأقواله، فقد نبذوا خواتمهم حين نبذ خاتمه، واحتج غير واحد منهم في غير شيء مما نابه من العبادة أو العادة، بقوله: رأيت رسول الله ﷺ فعله، والآثار في هذا أعظم من أن نحيط بها لكنه يعلم من مجموعها على القطع اتباعهم أفعاله واقتداؤهم بها. ا. هـ.
ولم ينقل عن سلف لعياض مثل هذا القول إلا ما نسب إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني (دون استدلال)، وأما ما نقل عن الشهرستاني مما يماثل قول الأستاذ فذلك قد كان في عصر عياض؛ لأنه معاصر للشهرستاني، وعياض أسبق ولادةً
стр. 40
ووفاة بمدة قليلة فيهما، فلعل اتفاقهما من توارد الآراء إن لم يكن الشهرستاني تَبع عياضًا في قوله: توفي الشهرستاني سنة (٥٤٨ هـ)، وتوفي عياض سنة (٥٤٢ هـ).
قال تاج الدين السبكي في منظومته في المسائل التي وقع فيها اختلاف بين الأشعري والماتريدي:
قالوا وتمتنع الصغائر من نبي ... للإله وعندنا قولان
والمنع مروي عن الأستاذ مع ... قاضي عياض وهو ذو رجحان
وبه أقول وكان رأي أبي كذا ... صونًا لرتبتهم عن النقصان
وقوله: قالوا: أي: قال الماتريدية تمتنع الصغائر ... الخ، وقوله: وعندنا، يعني: نفسه وغيره من الأشعرية.
الخلاصة:
فيستخلص من هذا المبحث أن حال الأنبياء ﵇ قبل النبوة يجب أن تكون حالة عصمة عن النقائض المتعير بها في عرف أهل العقول السليمة، مثل: السرقة، والكذب، والخيانة، وما عدا ذلك مما يعد ذنوبًا -كبائر أو صغائر- إن كان ذلك النبي متبعًا شريعة سابقة كان معصومًا من ارتكاب ما يعد كبيرة في الشريعة التي هو متبعها؛ ولذلك قال إخوة يوسف في مصر: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ [يوسف: ٧٣]، وأقرَّ الله كلامهم فلم يعقبه بنقضه، كما عقب كلام يوسف بقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٦].
وأما ما هو صغائر في تلك الشريعة فلا يمتنع وقوعها قبل النبوة، وأما ما بعد أن يصير نبيًّا فهو محل البحث؛ إذ بعد نبوته يكون له شرع إما سابق أمر باتباعه مثل أنبياء بني إسرائيل؛ ولذلك لم يسكت يوسف لما قال إخوته في شأن أخيهم بنيامين: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧]؛ لأنهم اتهموا بما هو معصوم منه، فقال: لهم: ﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ٧٧]، فإجراء حاله
следующие страницы →