← Фикх общий

Фикх общий · id 133368

تحقيقات وأنظار في القرآن والسنة

ابن عاشور

Полный текст (172 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عصمّة الأنبيَاء العصمة: اسم اصطلح أئمة علم الكلام على وصف الأنبياء بها وبعضهم يعبر عنها بالأمانة، واسم العصمة مأخوذ من قول النبي ﷺ فيما رواه البخاري في صحيحه عن أصبغ عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله تعالى». العصمة: المنع أو الحفظ على الخلاف في أنها منع من المعصية جعله الله في ذات النبي أو هي حفظ من الله للنبي من إتيان المعصية عند إرادتها. وعرَّف السيد الجرجاني العصمة فقال: «العصمة ملكة اجتناب المعاصي مع التمكن منها». والقائلون بالعصمة منهم من يقول: المعصوم هو الذي لا يمكنه الإتيان بالمعاصي، ومنهم من يقول: لا يأتي بها بتوفيق الله تعالى له وتهيئة ما يتوقف عليه الامتناع منها؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠]، مع قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]، وأيضًا لو كان المعصوم مسلوب الاختيار لما استحق على عصمته مدحًا ولبطل الأمر والنهي والثواب والعقاب. وعدت أسباب العصمة أربعة: أحدها: العدالة، والثاني: حصول العلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات، والثالث: تأكد ذلك بالوحي الإلهي، والرابع: خوف المؤاخذة على ترك الأولى والنسيان، فإذا حصلت هذه الأمور صارت النفس معصومة. وقال أبو منصور الماتريدي: العصمة لا تزيل المحنة، يعني لا تجبر المعصوم على الطاعة ولا تجيره من المعصية، بل هي لطف الله تعالى يحمله على فعل الخير ويزجره عن الشر مع بقاء الاختيار تحقيقًا للابتلاء. والمراد بالعصمة: العصمة من ارتكاب الذنوب، أي: المعاصي والذنوب، وهي

стр. 37

تنقسم عند الجمهور إلى كبائر وصغائر، وذهب جمع قليل إلى أن الذنوب والمعاصي ليس منها صغائر ونسب إلى ابن عباس وهو قول القاضي عبد الوهاب المالكي البغدادي من المالكية والأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، والشيخ تقي الدين السبكي من الشافعية، ونسبه ابن عطية إلى القاضي أبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين، والذي في جمع الجوامع أن إمام الحرمين قائل بتقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر، وهو صريح كلامه في كتاب الإرشاد، وأحسن ما حددت به الكبيرة ما قاله إمام الحرمين في الإرشاد: إنها كل جريمة تؤدي بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة، وعدوا ثمانٍ وثلاثين معصية كبائِر. وفي الفقه الأكبر المنسوب إلى أبي حنيفة: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون عن الكبائر، فأما أصحاب الأشعري فمنعوا الكبائر مطلقًا وجوزوا الصغائر سهوًا، وذكر القاضي أبو بكر الباقلاني في الإيجاز أن نبينا محمدًا ﷺ معصوم فيما يؤديه عن الله تعالى وكذا سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قال التفتازاني في المقاصد: «واختلفوا في صدور بعض المعاصي من الأنبياء على التفصيل، والجمهور على وجوب عصمتهم عما ينافي مقتضى المعجزة وهو دلالتها على قول الله تعالى: «صدق عبدي فيما أخبر به عني. لا عمدًا ولا سهوًا» وجوز القاضي أبو بكر الباقلاني وقوع ذلك سهوًا ولم يرتضه الجمهور والمذهب عند جمهور الأشاعرة منع صدور الكبائر بعد البعثة وقبلها، وأما الصغائر فلا تصدر منهم بعد البعثة عمدًا ويجوز صدورها منهم سهوًا لكن لا يصرون عليها ولا يقرون، وذهب إمام الحرمين من الأشاعرة وأبو هاشم الجبائي من المعتزلة إلى تجويز صدور الصغائر منهم عمدًا» ا. هـ. كلام المقاصد. قال إمام الحرمين في الإرشاد: «وأما الذنوب المعدودة من الصغائر فلم يقم عندي قاطع سمعي على نفيها (أي: عدم وقوعها) ولا على إثباتها (أي: جواز وقوعها)؛ إذ القواطع نصوص أو إجماع ولا إجماع؛ إذ العلماء مختلفون في تجويز وقوع الصغائر على سائر الأنبياء، والنصوص التي تُثبت حصولها قطعًا ولا يقبل فحواها التأويل غير موجودة، فغن قيل: إذا كانت المسألة مظنونة فما الأغلب على الظن عندكم؟ قلت: الأغلب جواز وقوعها ا. هـ كلامه. واستدل أبو بكر الباقلاني لرأيه بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]؛ إذ لا يقال لمن لا ذنب كالطفل والمجنون: قد غفرت لك؛

стр. 38

ولأن الآية وردت في معرض الامتنان فلو لم يكن له ذنب لم يكن له وجه، وبقوله تعال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، وبقوله تعالى: ﴿وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه ١٢١]، وبقوله: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وبقوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤]، وبقوله حكاية عن يونس: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وغيرها من الآيات الواردات في هذا المعنى. وقال الشهرستاني في كتابه «نهاية الإقدام»: الأصح أنهم معصومون عن الصغائر؛ لأنها إذا توالت صارت بالاتفاق كبائر؛ لكن المجوز عليهم عقلًا وشرعًا ترك الأولى من الأمرين المتقابلين جوازًا وحظرًا، ولكن التشديد عليهم في ذلك القدر يوازي الشدة على غيرهم في الكبائر ا. هـ. وكلامه لا يدل على وجوب العصمة قبل البعثة، ونقل في الفقه الأكبر ما يقارب كلام الشهرستاني، ووجه آخر وهو أن يَتْركُوا الأفضل كآدم ﵇ حين قاسمه إبليس حتى نسي النهي وظن أنه يحترم اسم الله العظيم وترك الأفضل وهو غاية الأمر؛ ولهذا قال الله تعالى في حقه: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]. فأما ما قبل النبوة أو ما قبل أن يوحى إليه في فعل بعد النبوة فالذي عليه الأكثر منع إنشاء الذنب والإصرار؛ لئلا تزول العصمة أصلًا، وجوزوا وقوع ذلك على سبيل الندرة؛ كقصة يوسف وإخوته، وقد اختلف في كونهم أنبياء، والمرجح أن الأنبياء معصومون بعد النبوة صيانة لمنصب النبوة وحماية لأبهة الرسالة، ألا ترى قوله تعالى حكاية عن نبينا ﷺ : ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ [يونس: ١٦] الآية، يعني: لبثت بين ظهرانيكم (أربعين سنة) وما رأيتم افتراء ولا خيانة؛ فإنه ﷺ كان مشهورًا فيما بينهم بمحمد الأمين ﷺ . قول عياض: قد اهتم أعني عياض ﵀ في الشفاء برد واحد وعشرين دليلًا تمسك بها الذين جوزوا صدور الصغائر من الأنبياء بعد النبوة، الباقلاني، ومن وافقوه، وقد رد التفتازاني في المقاصد من تلك الأدلة اثني عشر دليلًا، ويظهر أنه لم يطلع على كلام عياض في الشفاء، ثم قال عياض بعد أن رد تلك الأدلة أجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر الموبقات، ومستند الجمهور (أي: من

стр. 39

العلماء) في ذلك، الإجماع، وهو قول القاضي أبي بكر، ومنعها غيره لكن بدليل العقل مع الإجماع، وهو قول الكافة واختاره الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني (سيأتي ذكر دليلهم). وأما الصغائر فجوزها جماعة من السلف وغيرهم وهو مذهب أبي جعفر الطبري وغيره من الفقهاء والمحدثين، والمسلمين، وذهبت طائفة أخرى إلى الوقف، وذهبت طائفة من المحققين من الفقهاء والمتكلمين إلى عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر قالوا: لاختلاف الناس في الصغائر (أي: وجودها) وتعيينها من الكبائر؛ لقول ابن عباس وغيره: إن كل ما عُصي الله به فهو كبيرة، وقال القاضي عبد الوهاب: لا يمكن أن يقال: إن معاصي الله صغيرة إلا على أنها تغتفر باجتناب الكبائر، واستدلَّ بعض الأئمة على عصمتهم من الصغائر بالمصير إلى امتثال أفعالهم واتباع آثارهم، وجمهور الفقهاء على ذلك من أصحاب مال والشافعي وأبي حنفية من غير التزام قرينة (أي: دالة على إرادة امتثال أفعالهم) وحكى ابن خُويز منداد، وأبو الفرج عن مالك: التزام ذل وجوبًا وهو قول الأبْهُرِي وابن القصَّار، وأكثر أصحابنا وأكثر أهل العراق وبعض الشافعية، وذهب أكثر الشافعية إلى أنه ندب. قال: ونزيد هذا حجة بأن من جوز الصغائر ومن نفاها عن نبينا ﷺ مجمعون على أنه لا يقر على منكر من قول أو فعل، وأنه متى رأى شيئًا وسكت عنه دل على جوازه، فكيف يكون هذا حاله في حق غيره ثم يجوز وقوعه منه. قال: فبَانَ بذلك عظيم فضل الله على سائر أنبيائه ﵇ أن جعل أفعالهم قربات وطاعات بعيدة عن رسم المعصية. ثم قال: فقد علم من دأب الصحابة الاقتداء بأفعال النبي ﷺ كيف توجهت كالاقتداء بأقواله، فقد نبذوا خواتمهم حين نبذ خاتمه، واحتج غير واحد منهم في غير شيء مما نابه من العبادة أو العادة، بقوله: رأيت رسول الله ﷺ فعله، والآثار في هذا أعظم من أن نحيط بها لكنه يعلم من مجموعها على القطع اتباعهم أفعاله واقتداؤهم بها. ا. هـ. ولم ينقل عن سلف لعياض مثل هذا القول إلا ما نسب إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني (دون استدلال)، وأما ما نقل عن الشهرستاني مما يماثل قول الأستاذ فذلك قد كان في عصر عياض؛ لأنه معاصر للشهرستاني، وعياض أسبق ولادةً

стр. 40

ووفاة بمدة قليلة فيهما، فلعل اتفاقهما من توارد الآراء إن لم يكن الشهرستاني تَبع عياضًا في قوله: توفي الشهرستاني سنة (٥٤٨ هـ)، وتوفي عياض سنة (٥٤٢ هـ). قال تاج الدين السبكي في منظومته في المسائل التي وقع فيها اختلاف بين الأشعري والماتريدي: قالوا وتمتنع الصغائر من نبي ... للإله وعندنا قولان والمنع مروي عن الأستاذ مع ... قاضي عياض وهو ذو رجحان وبه أقول وكان رأي أبي كذا ... صونًا لرتبتهم عن النقصان وقوله: قالوا: أي: قال الماتريدية تمتنع الصغائر ... الخ، وقوله: وعندنا، يعني: نفسه وغيره من الأشعرية. الخلاصة: فيستخلص من هذا المبحث أن حال الأنبياء ﵇ قبل النبوة يجب أن تكون حالة عصمة عن النقائض المتعير بها في عرف أهل العقول السليمة، مثل: السرقة، والكذب، والخيانة، وما عدا ذلك مما يعد ذنوبًا -كبائر أو صغائر- إن كان ذلك النبي متبعًا شريعة سابقة كان معصومًا من ارتكاب ما يعد كبيرة في الشريعة التي هو متبعها؛ ولذلك قال إخوة يوسف في مصر: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ [يوسف: ٧٣]، وأقرَّ الله كلامهم فلم يعقبه بنقضه، كما عقب كلام يوسف بقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٦]. وأما ما هو صغائر في تلك الشريعة فلا يمتنع وقوعها قبل النبوة، وأما ما بعد أن يصير نبيًّا فهو محل البحث؛ إذ بعد نبوته يكون له شرع إما سابق أمر باتباعه مثل أنبياء بني إسرائيل؛ ولذلك لم يسكت يوسف لما قال إخوته في شأن أخيهم بنيامين: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧]؛ لأنهم اتهموا بما هو معصوم منه، فقال: لهم: ﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ٧٧]، فإجراء حاله

стр. 41

على حسب ذلك الشرع، وأما أن يوحى إليه بشرع يخصه مثل لقمان أو يدعو إليه فذلك النبي حينئذٍ رسول. وأيًّا ما كان فليجر البحث في أفعاله على حسب ما أمر باتباعه أو بالدعاء إليه، واختلفوا في صدور بعض المعاصي منهم على التفضيل، والجمهور على وجوب عصمتهم عما ينافي مقتضى المعجزة من دلالتها على قول الله تعالى: «صدق عبدي فيما أخبر به عني لا عمدًا ولا سهوًا»، وجوز القاضي أبو بكر الباقلاني وقوع ذلك سهوًا ولم يرتضه الجمهور. والمذهب عند جمهور الأشاعرة: منع صدور الكبائر بعد البعثة وقبلها. وأما الصغائر فلا تصدر منهم بعد البعثة عمدًا، ويجوز صدورها منهم سهوًا لكن لا يصرون عليها ولا يقرون. وذهب إمام الحرمين من الأشاعرة وأبو هاشم الجبَّائِي من المعتزلة إلى تجويز صدور الصغائر منهم عمدًا، ويظهر أنهم أرادوا بالتجويز عدم الاستحالة ولم يدَّعوا وقوع ذلك، وقد تقدَّم أن عياضًا أبطل الأدلة التي استدل بها مُدَّعُوا وقوع ذلك منهم وكفى بذلك. * * *

стр. 42

المهدي المنتظر طالعت في مجلة هدى الإسلام الغراء في عددها التاسع من سنتها الثالثة اقتراحًا من الأستاذ الفاضل السيد حسين إبراهيم موسى يدعو فيه صاحب المجلة أن يلتمس مني إبانة رأيي في مسألتين: حديث: «شفاعتي لأمتي لأهل الكبائر من أمتي»، وأحاديث ظهور المهدي، ورأيت الفاضل السيد صاحب المجلة يعزز ذلك الاقتراح ويمتح من تمادي ما ينتزعه من العذب القراح، فأسأل من الله الذي حسن بي ظنهما الإعانة على تحصيل ما يقنعهما. فأما حديث: «شفاعتي لأهل الكبائر»، فإني أرجئ الجواب عنه إلى ما بعد، وأما الآثار المروية في مجيء المهدي، فالخوض فيها أولى فنجعل الآخر ما له تعلق بالآخرة والأول ما له تعلق بالأولى. تمهيد: إن واجبات الدين ترجع إلى ثلاثة أنواع: اعتقادات، وأعمال، وآداب، وإن التصديق بظهور المهدي في آخر الزمان لا ينزوي تحت تلك الأنواع؛ إذ ليس هو من الأمور التي يجب اعتقادها في ضمن العقيدة الإسلامية، فسواء على المسلم أن يعتقد ظهور المهدي أو يعتقد عدم ظهوره، وليس العلم بذلك من قبيل العلم الواجب طلبه على الأعيان ولا على وجه الكفاية بحيث إذا قام به البعض سقط عن الباقين؛ إذ ليس العلم بذلك راجعًا إلى الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر ولا إلى ما يتبع ذلك مما يترتب عليه تحقيق وصف الإيمان عند طوائف المسلمين أو عند بعضهم. ولا هو من الأمور العملية؛ إذ ليس بعمل كما هو واضح، ولا يترتب عليه اختلاف أحوال الأعمال الإسلامية، ولا هو من الأمور الراجعة إلى آداب الشريعة التي يجب التحلي بها والتخلي عن أضدادها كأن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يجتنب الكبر والحسد والغيبة ونحوها. فإذ قد خلا عن الاندراج تحت واحد من هذه الأنواع الثلاثة من أمور الدين تبين

стр. 43

أنه ليس مما يتعين على المسلمين العلم به واعتقاده وتمحض لأن يون مسألة علمية من المسائل التي تتعلق بالمعارف الإسلامية التي يؤثر في شأنها خبر عن رسول الله ﷺ أو عن سلف علماء الأمة، فهي بمنزلة الخوض في حديث موسى والخضر، أو في حديث ذي السويقتين من الحبشة الذي يخرب الكعبة حجرًا حجرًا، أو في أشراط الساعة، أو نحو ذلك مما يبحث عنه علماء الأثر رواية ودراية بمعنى أن يكون الخوض فيها خوضًا علميًّا لتوسيع المعرفة والتحقيق والتمحيص للعلوم الإسلامية لمن تفرغ لذلك، ولا يكون من متناول عامة المسلمين؛ إذ ليسوا بمظنة السلوك في تلكم المسالك، وإنما اشتبه هذا المبحث على بعض الناس بالمسائل الاعتقادية لسببين: أحدهما: أنه لما كان متعلق هذا المبحث راجعًا إلى التصديق بوقوع شيء أو عدم وقوعه كان محله الاعتقاد والعقل، وكان من الواضح أنه ليس بعمل ولا أدب فأشبه المسائل الاعتقادية ولكن شتان بين كون الشيء من مطلق المدركات بالعقل وحاصلا اطمئنان القلب بوقوعه أو عدم وقوعه، وبين كونه من خصوص ما يجب اعتقاده شرعًا لتعلقه بتقوم حقيقة الإيمان والإسلام أو توقفهما عليه. وبعد هذا فالواجب التنبيه إلى أن هذا المعلوم لو كان داخلًا في العقيدة الإسلامية التي يطالب المؤمنون بإثباتها لما كفى في إثباته أخبار الآحاد؛ لأن الاعتقاد الديني مما يطلب فيه القطع واليقين، والقطع واليقين لا يحصل في مثل الأمور الاعتقادية إلا بأحد أمرين: البرهان العقلي، والخبر الشرعي القطعي، وهو ما كانت نسبته إلى الشرع قطعية وهو الخبر المتواتر مثل القرآن وأخبار الرسول المتواترة بالنسبة لعصر الصحابة، ثم كانت دلالته على المراد منه قطعية أيضًا؛ كإيجاب الصلاة، وتحريم السرقة؛ إذ قد يكون الخبر مقطوعًا بصدوره من الله أو رسوله، ولكن معناه ليس مقطوعًا به إذا لم يكن من قبيل النص، بل كان من قبيل الظاهر الذي يحتمل معنيين: أحدهما راجح، أو من قبيل المجمل الذي يحتمل معنيين على السواء، وهذا كثير تجد أمثلته فيما اختلف علماء الأمة في المراد منه آيات القرآن. وليس بين أيدينا الآن من المتواتر غير القرآن وما هو معلوم من الدين بالضرورة. وأما الأحاديث المتواترة فقد قال علماؤنا: ليس في السنة متواتر لتعذر وجود العدد الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب في جميع عصور الرواة بيننا وبين

стр. 44

رسول الله ﷺ ، وإنما أكثر الأحاديث رواة لا يعدُو أن يكون من المستفيض كما تقرر في أصول الفقه، من أجل ذلك لا تجد علماء أصول الدين مشتغلين بهذه المسألة إلا أنك تجد في بعض كتبهم ما يشير إليها في أثناء الكلام على مسائل الإمامة التي ألحقوها بمسائل أصول الدين وما هي منها، كما قال إمام الحرمين في الإرشاد؛ لأن مسائل الإمامة قد اختلفت في معظمها فرق المسلمين، وكان خلافهم فيها سببًا في تفسيق بعضهم بعضًا، وتكفير بعضهم بعضًا، فأشبهت الخلاف في أصل الاعتقاد الموجب لا مشاق الحسام، والتهمة بالخروج عن دائرة الإسلام، كما فعل الحرورية والأزارقة في قولهم: «لا حكم إلا لله». وإذا تقصينا أقوال المثبتين للمهدي وجدناها ترجع إلى مذهبين: أحدهما وهو الأشهر، مذهب الأمامية يقول: بأن المهدي الذي يخرج في آخر الزمان هو موجود من قبل وهو مختفٍ، وهذا المذهب قد تصدَّى أصحابنا إلى رده بما لخصه النسفي في عقيدة أهل السنة؛ إذ قال: «ثم ينبغي أن يكون الإمام ظاهرًا لا مختفيًا ولا منتظرًا»، قال التفتازاني في شرحه: «وأنت خبير بأن اختفاء الإمام يساوي عدمه في عدم حصول الأغراض المطلوبة من وجود الإمام، وأن خوفه من الأعداء لا يوجب الاختفاء بحيث لا يوجد منه إلا الاسم، بل غاية الأمر أن يوجب إخفاء دعوى الإمامة كما كان آباؤه الذين كانوا ظاهرين في الناس ولا يدعون الإمامة» ا. هـ. المذهب الثاني مذهب القائلين بخروج المهدي آخر الزمان من غير دعوى أنه موجود الآن ولا أنه مختفٍ، وهذا قد قال به بعض أهل السنة وبعض الصوفية استنادًا للآثار المروية دون تمحيص؛ وذلك مما لصق بهم من أقوال الرافضة والأمامية حين اختلط العلم، وليس اعتقادهم ذلك بشيء عظيم؛ إذ رضوه لأنفسهم فإن اعتقاد مجيئه واعتقاد عدم مجيئه سواء. فإن قال قائل: يترتب على تحقيق أمره عمل إسلامي وهو وجوب اتباعه عند ظهوره. قلت: لهذه النزعة اختلف المختلفون وهم في غفلتهم يعمهون؛ فإن سِمَاتِ الإمام الذي يجب اتباعه لا يتوسمها المتوسمون بملامح وجهه ولا باسمه واسم أبيه، ولا بخفق أعلامه ولا بأفق ظهوره؛ فإن جميع ذلك يمكن تلبيسه وادعاؤه باطلًا كما

стр. 45

وقع غير مرة. إن الله بين لعلماء الأمة أحكام الملة بالقواعد والشروط فأغنى عن وضع الملامح والرموز، فإمام العدل الذي تجب طاعته والدخول في حزبه وأنصاره، وهو الذي استكمل شروط الإمامة والقدرة على حماية البيضة في وقت الحاجة إلى ذلك، فتجتمع على أهليته الأمة ويأمن الناس أن تصيبهم من خروجه فتنة، فإن هو كان كما شرطت الشريعة البيضاء النقية فهو في غنى عن الأخبار الملفقة والرموز الجبرية، وإلا فخير له أن يختبئ في جحره كالخنفساء في الشتاء، وأن يستزيد على ما أحضر له من عسل وماء، فلا يزال عاكفًا على مزج واحتساء إلى أن يفعل الله به ما يشاء. كيف نشأ القول بالمهدي المنتظر ؟ نبتت قصة المهدي من عصف هشيم قصة الإمام المنتظر عند الشيعة، وأصل ذلك كله أن شيعة الهاشميين لما أخفقوا في دعوتهم بعد تنازل سيدنا الحسن، ثم بعد مقتل سيدنا الحسين? وبعد استتاب الأمر لبني أمية، وعلموا أن قوة العرب أصبحت مع بني أمية لأسباب جمَّة ليس هذا محل بسطها، وأيسوا من نوال المقصود بالعصبية العربية تفرقوا في البلاد على حنق وغيظ ودبروا لنجاح دعوتهم بالسعي إليها من ناحية التأثير الديني وبالسعي إلى تكوين عصبية عجمية، وقد علموا أن المسلمين كلهم من عرب وعجم لم يزالوا بإيمان صحيح وتعلق بدينهم وشأن أهل الدعوات السياسية أن يتوسلوا لترويج أعمالهم بين العامة بالوسائل الاعتقادية لعلمهم بأن عقول العامة تقصر عن إدراك الأدلة العقلية وعن توسم عواقب الأمور، ويتوسلوا تلقيهم الأشياء المنسوبة إلى الدين بمزيد الاعتبار من دون تأمل ولا إقامة برهان لثقتهم بأن ما يجيء في الدين هو أمر مقطوع بصدقه سواء اطلعنا على دليله أو لم نطلع، فأصحاب الدعوة يسربون دعوتهم للعموم من مسارب الاعتقاد الديني، وإنما تظهر مقدرة الدعاة في تمويه دعوتهم بطلاء الأمور الدينية حتى لا يشك العموم في أن ما يدعونهم إليه هو من الدين ولا حظَّ فيه لنفوس طالبيه، ويعززون ذلك بما يختلقونه منسوبًا إلى إثارة علم الأولين المنبئة بأن عاقبة الظفر والنجاح والنصر تكون لهم حتى يكونوا في سعيهم على قوة أقل من النجاح فيحصل لهم اليقين بأنهم قد

стр. 46

نجحوا في العاجلة والآجلة، وقد يجمع الدعاة في الصيغة الواحدة بين الأمرين فينتحلون أخبارًا معزوة للرسول ﷺ على أنها مما أخبر عنه الرسول من علم الغيب المقطوع بوقوعه فيحصل بذلك أثران في مؤثر واحد، ومن شأنهم فيما يصنعونه من الأخبار أن يدسوا فيها ذكر أمارات تناسب زمانهم أو حالهم أو أنسابهم أو مواطنهم أو اسم أحد من أئمتهم ليتبين كونهم المقصود من ذلك الخبر، فإن أعوزهم ذلك لقبوا بعض دعاتهم بألقاب تواطئ ما سبق من الأخبار، ولقد تصفَّحنا أنواع ما يعدونه لهذا الغرض فإذا هي ثلاثة أنواع: النوع الأول: آثار مروية يرجعونها إلى رسول الله ﷺ . النوع الثاني: أخبار غيبية يكتبونها بأيديهم ويعزونها امن ينسب إليه الكشف أو التنبؤ بالغيب، ثم يبثونها في العامة ويعبرون عنها بالأجفار؛ لأنها تكتب في رق جفر وهو الصغير من أولاد المعز. النوع الثالث: أخبار اضطهاد فيها مبالغات أو مختلفة من أصلها، من شأنها أن ترقق قلوب سامعيها على الجانب المضطهد علمًا بأن النفوس تميل إلى الضعيف وإن ابتدأ بالظلم، وأن النفوس تتأثر بالشيء المشاهد، ولا تلتفت إلى ما غاب عنها بتعاهد. فإن تحققت أمانيهم من هذه الثلاثة فذاك، وإن خابت اختلفوا أخبارًا يحيون بها لأنصارهم الأمل ويدفعون بها عنهم الفشل حتى يعود نهوضهم بعد دهشة الانهزام، وحتى لا تنقطع آمالهم في مستقبل الأيام، لما سقط في أيدي شيعة الهاشميين، كما قلنا جعلوا الأمر لمن بقي من أبناء أمير المؤمنين سيدنا على ﵁ وهو السيد محمد الملقب بابن الحَنفيَّة. وزعم غلاتهم أنه لم يمت ولا يموت حتى ينصر دين الله؛ ولأنه مختفٍ بغار في جبال رضوى ولقبوه بالمهدي، وقد قال في ذلك شاعر الشيعة إسماعيل الحميري: ألا إن الأئمة من قريش ... ولاة العدل الحق أربعة سواء علي والثلاثة من بنيه ... نعم أسباطه والأوصياء

стр. 47

فسبط سبط إيمان وحلم ... وسبط غيبته كربلاء وسبط لا يذوق الموت حتى ... يقود الخيل يقدمها اللواء تغيب لا يرى فينا زمانًا ... برضوى عنده عسل وماء وله في استبطاء خروج المهدي المختفي أبيات منها: ألا قل للموصي فدتك نفسي ... أطلت بذلك الجبل المقاما وقال جمهور الشيعة الأمامية: إن للسيد الحسن العسكري ولدًا اسمه محمد، وأنه اختفى صغيرًا، وأنه لا يموت، وأنه المهدي المنتظر، وأنه سيخرج فيملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، وفي اعتقادهم أنه لا يصلح جميع الناس حتى يخرج المهدي، وأنه لا يخرج حتى تمتلئ الأرض جورًا، واتفق جمهور علماء الأنساب على أن السيد الحسن العسكري ليس له ولد. ومن اللطائف في هذا المقام الجارية مجرى الإفحام: ما وقع لأبي الفتح المقدسي الشافعي مع أحد رؤساء الشيعة الأمامية، فإن الشيعي أخذ يشكو فساد الخلق، وأن الأمر لا يصلح إلا بخروج المهدي المنتظر، فقال له المقدسي: هل لخروجه ميقات معلوم؟ قال الشيعي: نعم، له ميقات معلوم، قال المقدسي: متى يكون؟ قال الشيعي: إذا فسد الخلق كلهم. قال المقدسي: فلماذا تكونون سببًا في حرمان الأمة من خروجه، قد فسد جميع الناس إلا إياكم فلو فسدتم واتبعتم مذهبنا لخرج المهدي للناس، فلماذا لا تُطلِقونَه من سجنه؟ فأفحم الشيعي. تلقف السامعون قصة الإمام المنتظر فرام كل قائم بدولة أن يدخل تحت مظلتها ويجعل أخبارها مطابقة لنزعته فإن هو روج ذلك بين طوائف من الناس قلب تلك المظلة راية مبرزًا للناس مؤيدًا نحلته ورأيه، وقد قلت آنفًا: إن من شأن الذين يصنعون أخبار المهدي أن يدسوا فيها ذكر أمارات تناسب حالهم أو صفاتهم أو أسماءهم أو مواطنهم، وربما ارتقوا إلى التصريح بأسماء بعض دعاتهم فإن أعوزهم

стр. 48

ذلك جعلوا للداعي لقبًا يناسب انطباق ما سبق من مروي الأخبار إن كانت الأخبار سابقة لوقت ظهورهم، فقد صنع أصحاب الدعوة الهاشمية في خراسان حديثًا عن ابن مسعود، قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ، إذ أقبل فتية من بني هاشم فلما رآهم رسول الله ﷺ ذرفت عيناه وتغير لونه، قال فقلت: ما نزال نوى في وجهك شيئًا نكرهه، فقال: «إنا أهل البيت اختار الله لنا الآخرة ثم الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءً وتشريدًا وتطريدًا حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود فيسألون الخير فلا يعطونه فيقاتلون وينصرون» الخ. فانظر إلى كلمة (تشريد) المنطبق على المستعصين من بني هاشم بخراسان، وإلى كلمة (من قِبَل المشرق) فإن بلاد فارس شرق بلاد العرب، وإلى (الرايات السود)، فإنها شعار أصحاب الدعوة الهاشمية المتمحضة بعد في العباسية، وقريب من هذا جميع الآثار المروية في أن المهدي من أبناء العباس، وأن الحق معه ومع أصحاب الرايات السود ومع الخارجين من المشرق أو من بلاد مصرح بأسمائها من بلدان فارس، فقد كان محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى بالمدينة يتطلع إلى الخلافة ويزعم أن أبا جعفر المنصور بايعه بها في مكة في آخر مدة مروان بن محمد الأموي، وأنه هو الرضي من آل البيت. ولما حج المنصور بالناس في خلافة أخيه السفاح طلب محمد بن عبد الله ابن الحسن في المدينة فاختفى محمد، ثم في خلافة المنصور لم يزل محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى مختفيًا في شعاب جبل رضوى من بلاد جهينة، فمن هنا دخل ذكر جبل رضوى في قصة المهدي المنتظر واختلطت القصة من عدة حوادث، وأيضًا نرى أبا جعفر المنصور وقد لقب ابنه محمدًا بالمهدي وأخذ له العهد بالخلافة وساعده أنه سمي رسول الله ﷺ وأن أباه سمي أبى رسول الله ﷺ ؛ إذ كان من روايات حديث المهدي الرواية القائلة: لما يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي كما سيأتي، فالمهدي العباسي أول من تلقب بالمهدي وتطلع إلى أن يكون هو المعني من الأخبار المروية في شأن القائم المنتظر، وقد كان لصنيعه ذلك فائدته المطلوبة؛ إذ قد انقطعت عند بيعته مطالع العلويين المزاحمين للعباسيين في الخلافة من أواخر مدة مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، ثم انتحل هذا اللقب أناس من الثائرين والناجمين في الممالك والأمم مثل المهدي: الذي قام بالدعوة العبيدية في إفريقية ودبر الثورة على الدولة الأَغلبية، ومثل المهدي: ابن تومرت الذي قام بدعوة الدولة

стр. 49

الموحدية بإفريقية، ومثل الحاكم بأمر الله الفاطمي بمصر الذي انقطع خبره، وزعم أصحابه أنه اختفى فلا يظهر إلا في زمن مرقوب. الآثار المروية في المهدي: لقد كثرت الآثار المروية في المهدي المتضمنة أنه يجيْ في آخر الزمان فيملأ الأرض عدلًا مبعد أن ملئت جورًا، وربما خلا بعضها عن ذكر وصف المهدي؛ ولكنه يذكر من صفاته ما يوافق الصفة التي ذكرت في الأحاديث المذكور فيها وصف المهدي، وقد أسندها رواتها إلى ثمانية عشر من الصحابة وهم عثمان وعلي وطلحة وعبد الله بن مسعود وعائشة وأم سلمة وأم حبيبة وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وأبو هريرة وعبد الله بن عمر وأبو أيوب وحذيفة وأبو أمامة وعمران بن حصين وثوبان مولى رسول الله وقرة بن إياس وعبد الله بن الحارث بأسانيد مختلفة. ورجال تلك الأسانيد على تفاوتها قسمان: قسم اختلف أئمة الحديث ونقد الرجال اختلافًا متكافئًا في تعديلهم وتجريحهم، وأسانيدهم هي أمثل أسانيد هذه الآثار، وتلك هي التي رواها الترمذي وأبو داود وابن ماجه ومجموعها ثمانية طرق سنذكرها. وقسم يأبى جمهور أهل النقد قبولهم وهم الذين انفردت بإخراج أحاديثهم في هذا الشأن المصنفات المعروفة بالخلط بين الصحيح والحسن والضعيف والموضوع، والتساهل في قبول الرواة مثل: معاجم الطبراني، ودلائل النبوة للبيهقي، وتاريخ ابن عساكر، وتاريخ الخطيب، ومستدرك الحاكم، وحلية أبي نعيم. ونحن نقتصر هنا على أسانيد القسم الأول فإنها أشبه ما روي في هذا الشأن ونترك بقيتها الكثيرة تجنبًا للتطويل، ومجموع أسانيد القسم الأول يرجع إلى ثمانية طرق: الطريق الأول: روى الترمذي وأبو داود من طريق عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش إلى ابن مسعود عن رسول الله ﷺ : «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوَّل الله ذلك اليوم ثم اتفقوا حتى يبعث الله فيه رجلًا من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي». الطريق الثاني: روى أبو داود من طريق فطر بن خليفة بسنده إلى علي عن رسول الله ﷺ : «لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلًا من أهل بيتي يملؤها

стр. 50

عَدْلًا كما مُلئت جورًا». الطريق الثالث: روى أبو داود من طريق علي بن نفيل بسنده إلى أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة». الطريق الرابع: روى أبو داود من طريق عمران القطان إلى أبي سعيد الخدري قال رسول الله ﷺ : «المهدي مني، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا يملك سبع سنين». الطريق الخامس: روى الترمذي وابن ماجه من طريق زيدٍ العمَّي إلى أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «إن في أمتي المهدي يخرج يعيش خمسًا أو سبعًا أو تسعًا من سنين فيجيء إليه رجلٌ، فيقول: يا مهدي أعطني، قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله» وفي بعض رواياته زيادة قليلة. الطريق السادس: روى ابن ماجه من طريق ياسين العجلي إلى علي أن رسول الله ﷺ قال: «المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة». الطريق السابع: روى ابن ماجه من طريق فيه عبد الرزاق بن همَّام إلى ثوبان أن رسول الله ﷺ : قال: «يقتتل عند كَنْزِكُمْ ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلًا لم يُقْتله قوم، ثم ذكر شيئًا لا أحفظه، فقال: فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوًا على الثلج فإنه خليفة الله المهدي». الطريق الثامن: روى ابن ماجه من طريق عبد الله بن لهيعة إلى عبد الله ابن الحارث الصحابي، قال رسول الله ﷺ : «يخرج ناس من المشرق فَيُوَطَّئُون للمهديَّ». وهذه الطرق كملها متكلم فيها: فأما الأول ففيه عاصم بن بهدلة المعروف بابن أبي النجود عن زر بن حبيش، وقد ضعفه من جهة ضبطه وحفظه ابن سعد ويعقوب وأبو حاتم وابن علية وابن حراش والعقيلي ويحيي القطان، وضعفه العجلي في روايته عن زر بن حبيش؛ ولذلك لم يخرج له البخاري ومسلم إلا مقرونًا بغيره،

стр. 51

فحديثه قيل حسن لا يبلغ مرتبة الصحة، وقيل: دون الحسن وهو الظاهر الجاري على قاعدة الحديث الحسن وإن كان الترمذي وسمه بالحسن والصحة، قلت: على أنه ليس فيه ذكر المهدي، ولكن ذكر رجل من آل البيت يلي أمر المسلمين. وأما الطريق الثاني ففيه فطر بن خليفة، وقد طعن فيه أحمد بن عبد الله بن يونس والدارقطني وابن عياش والجرجاني، على أنه ليس فيه ذكر المهدي. واما الطريق الثالث ففيه علي بن نفيل، وقد ضعفه أبو جعفر العقيلي وابن عدي في الكامل بنقل المقدسي في ذخيرة الحفاظ. وأما الطريق الرابع ففيه عمران القطان، وقد ضعفه ابن معين والنسائي، وطعن فيه يزيد بن زريع بأنه كان حروريًّا أي: من الخوارج الغلاة. وأما الطريق الخامس ففيه زيد العمي، وقد ضعفه أبو حاتم والنسائي وابن عدي وابن معين وأبو زرعة. وأما الطريق السادس ففيه ياسين العجلي، وقد ضعفه البخاري وابن عدي، وقال: إنه يعرف بهذا الحديث حديث المهدي. وأما الطريق السابع ففيه عبد الرزاق بن همام، وقد ابتدع في آخر عمره ولا يحتج بغير ما هو في مسنده، وهذا الحديث لم يذكروا أنه في مسند عبد الرزاق بل هو مما روي عنه من غير مسنده. وأما الطريق الثامن ففيه عبد الله بن لهيعة، وقد ضعفه ابن معين ووكيع ويحيي القطان وابن مهدي. الرأي في هذه الآثار من جهة علم الحديث: إذا علمت حال أسانيد هذه الأخبار المروية في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه علمت أنها ليست من مرتبة الأحاديث الصحيحة ولا هي من مرتبة الحسن؛ إذ لم تستوف شرط الحسن، وهو أن يكون رجال سنده سالمين من التهمة، معروفين بالضبط، مقبولي الحديث لكنهم لم يصلوا في تمام الضبط إلى مرتبة أهل الصحيح، فتكون هذه الأحاديث من قسم الحديث الضعيف؛ لأن أسانيدها لم تسلم من الاشتمال على راوٍ ضعيف، وبعض رواة أسانيدها مطعون فيهم، وأن من تكلم فيه منهم وإن كانوا قد قبلهم بعض أهل النقد فقد ردهم بعضهم فتعارض فيهم الجرح والتعديل والرد والقبول، وقد استقر عند علماء الحديث وأصول الفقه أن

стр. 52

الجرح إذا صدر من أهل المعرفة مقدم على التعديل الصادر منهم فيقدم الجرح، ولدى غير الطائفتين المجرحين والمعدلين، أي: لدى من يعتمد على أقوال أئمة هذا العلم، وهذه القاعدة مسلَّمة معمول بها. ولم يزل أئمة العلماء مثل: مالك وأصحابه والبخاري ومسلم يتحرون في أخذ الحديث أن يكون من أهل العدالة والضبط والبصر بالرجال، وقد ترجم مسلم في مقدمة صحيحه باب النهي عن الرواية عن الضعفاء ومن يرغب عن حديثهم، وأن الإسناد عن رسول الله ﷺ هو من أُسُس الدين فلا يقبل فيه إلا الثقات الأثبات، وروي عن ابن سيرين أنه قال: «إن هذا الحديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم»، وروى ابن وهب عن مالك ﵀ أنه قال: أدركت بالمدينة أقوامًا لو استسقى بهم القطر لسقوا قد سمعوا الحديث كثيرًا ما حدثت عن أحد منهم شيئًا؛ لأنهم كانوا ألزموا أنفسهم خوف الله والزهد وهذا الشأن (يعني: الحديث) يحتاج إلى رجل معه تقى وورع وإتقان وفهم وعلم، فيعلم ما يخرج من رأسه وما يصل إليه غدًا. وروى مسلم عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: لم نر أهل الخير في شيء أكذب منهم في الحديث (يريد أنهم يكذبون عن توهم وغلط وحسن ظن بمن يروي لهم شيئًا إلا عن عمد؛ إذ لو كان عن عمد لم يكونوا أهل الخير). وقد قرر أئمة الحديث أن أسباب الوضع كثيرة، منها: الافتراء والنسيان والغلط، ومنها: التعمد عن حسن نية باعتقاد أن فيما يرويه حمل الناس على فعل الخير كما قال بعض الوضاعين لما قيل له: إن رسول الله ﷺ قال «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»، فقال: إنما كذبت له لا عليه، ويكون لتأييد المذاهب والآراء، وأن ستور التمويه والتلبيس في أحوال الرواة وأسمائهم الخلابة أصناف منها الخصيب ومنها الشفاف. واتفق علماء السنة على عدم قبول الحديث الضعيف فيما عدا فضائل الأعمال، واختلفوا في قبوله في خصوص فضائل الأعمال بناء على أن فضائل الأعمال داخلة تحت كليات شرعية هي الشاهدة لقبولها بوجه كلي فلا يفيدها الحديث الضعيف إلا تعيين وقت أو عدد. الرأي فيها من جهة النظر: لعل فيما مهدته أول هذا المقال مقنعًا للفظه لا تفوته معه الدواعي الوافرة التي

стр. 53

بعثت على ظهور هذه الأخبار بين الناس وتطايرها في الآفاق وكثرة رواتها. وأزيد هنا ما هو أخص بغرضنا وهو أن أخبار المهدي لو كانت من الشهرة الصحيحة بالحال التي نشاهد عليه أسانيدها من عزوها إلى رواية ثمانية عشر من الصحابة بأسانيد مختلفة، وكانت تلك النسبة حقًّا وأسانيدها مقبولة لما فات جميعها أو بعضها الإمامين الجليلين البخاري ومسلم في صحيحهما المجعولين لرواية ما صح عن رسول الله ﷺ في جميع أنحاء العلم حتى كيفية الأكل والاضطجاع؛ إذ لا يجوز أن يفوت مثلهما في إحاطتهما وحفظهما وخبرتهما بالرجال حديث بلغ من الشهرة ذلك المبلغ لو كانت شهرة صادقة. ومن هنا نتيقن إلى مغمز لطيف وهو أن كثرة أسانيد هذا الحديث ورواياته مما يثير لنا ريبة قوية في حرص مشيعيه على رواجه بين الناس فيكتسب بتلك الطرق المختلفة شهرة وقوة حتى يطمئن له عامة المسلمين، وهل نظن أن رسول الله ﷺ الذي سكت عن التعرض للخلافة من بعده مع عظم أمرها وشرف منصبها في الدين ومع ما يتوقع من الفتنة بين المسلمين عقب وفاة الرسول ﷺ لولا أن عصم الله هذه الأمة ببركة نبيها حتى التجأ كبراء الصحابة يوم السقيفة إلى استنباط شروط الخليفة من طريق ترسم إشارات أفعال رسول الله في حياته، مثل: وصايته بالأنصار ولم يوص بالمهاجرين، ومثل تقديمه أبا بكر للصلاة في مرضه، ومن طريق المصلحة العامة مثل قول أبي بكر: «إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش» أيترك رسول الله ذلك كله ويهتم ببيان قائم يقوم في أمته في آخر الزمان فيملأ الأرض عدلًا بعد أن ملئت جورًا. هذا حال أمثل الروايات في شأن المهدي، وخلاصة القول فيها من جهة النظر: إنها مستبعدة مسترابة، وإننا لو سلمنا جدلا بارتفاعها على رتبة الضعف؛ فإنا لا نستثمر منها عقيدة لازمة ولا مأمورات مندوبة بله الجازمة. أما بقية الآثار المروَّية في هذا الشأن مما هو نازل في الضعف عن مرتبة هذه الطريق وتلك، ما زادتها كثرتها إلا اضطرابًا وتناقضًا ونَدًّا على قصد صانعيها، هذا ملاك حالها ولا حاجة إلى التطويل بتشخيص ذلك تفصيلًا، فمن شاء فليرجع إليها في مظانها، فإذا تأملها تأمل الناقد البصير وجد مخيلة التحزب والعصبية واضحة فيها، ووجد معظمها يرمي إلى اليأس من نجاح أمر الأمة على أيدي خلفاء بني أمية وأنها

стр. 54

لا نجاح لها إلا بولاة من بني هاشم وأنصارهم، ثم وجد جميعها لا يعدو خدمة ثلاثة أحزاب، فقسم يلمح إلى العلويين وهو معظمها، وقسم يلوح إلى العباسيين، وقسم بقي مطلقًا لبني هاشم، ومن هذا القسم ما يظهر أنه قصد منه الانتصار للزبيرية والقصد من ذلك الحط من الأمويين، ومن العجب أنك تجد في بعض رواياتها التجاوز إلى تعيين المقصود الأخص من منحليها، فبعضها يسمي القبائل مثل: تميم وكلب وأهل الشام وأهل العراق، وبعضها يسمي البلاد: مكة والمدينة والشام والعراق والكوفة والزوراء ودمشق وبيت المقدس وطبرية والأردن ومصر والقسطنطينية وكركة وخراسان وإصطخر والمشرق، وبعضها يسمي الأشخاص: السفياني والقحطاني والنفس الزكية والمنصور والسفاح وشعيب بن صالح التميمي، وكثير منها تصرح بأن اسم المهدي محمد واسم أبيه عبد الله، فإذا رجعت إلى ما قدمته لك في التمهيد لم يعوزك التحكم في شأنها فبصرك اليوم حديد. وهذا المبحث على تقادم عهده وإخفاق زنده هو من المباحث التي رأى للمسلمين الإعراض عن الاشتغال بها تعضيدًا أو تزييفًا، وأعجب لتفاقم الجدال في شأنها، وشأنه أن يكون خفيفًا؛ إذ هي مسألة لا تفيدهم عملًا في دينهم ولا في دنياهم، فما كان لها من الأهمية لدى طوائفهم أن تكون شغل أُولَاهُم وأُخْرَاهُم، ولكن حين عنَّ فيها الجدال وكثر القيل والقال فحقيق بالعلم عندئذٍ إظهار سلطانه، ليحق الحق ويدع الباطل راسبًا في أشطانه. * * *

стр. 55

دَرس في موطأ الإمَام مالك ﵁ جامع القضاء وكراهيته «مالك عن يحيى بن سعيد أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان الفارسي أن هَلُمَّ إلى الأرض المقدسة فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدًا وإنما يقدس الإنسانَ عملُهُ، وقد بلغني أنك جُعِلْتَ طبيبًا تداوي فإن كنت تبرئ فنعمَّا لك، وإن كنت متطببًا فاحذر أن تقتل إنسانًا فتدخل النار، فكان أبو الدرداء إذا قضى بين اثنين ثم أدبرا عنه نظر إليهما، وقال: ارجعا إلي أعيدا قصتكما. متطببٌ، والله». لم يترك الإمام رحمه الله تعالى في تبوبيه هذا حقًّا من المناسبة في التبويب إلا قضاه؛ إذ أخر التحذير من القضاء إلى آخر كتاب الأقضية، واستهل كتاب الأقضية بالترغيب في القضاء بالحق، آثر بذلك التقديم وهذا التأخير ترتبًا طبيعيًّا من وجهين: أولهما: أن الناس لو سلك بهم مسلك الاقتصار على الترهيب من القضاء ثم تمشي ذلك في عقول العلماء العدول، فعافت نفوسهم القضاء وتمالؤوا على التقصي منه لكان من أثر ذلك أن يصبح الناس فوضى ويرجعوا إلى الهمجية الأولى يقتصون لأنفسهم تلك الهمجية التي كان من جهد الشريعة إبعاد الناس عنها، قال الحماسي: فلسنا كما كنتم تصيبون سلة ... فنقبل ضيمًا أو نحكم قاضيا ولكن حكم السيف فينا مسلط ... فنرضى إذا ما أصبح السيف راضيا من أجل ذلك جاء بالترغيب في القضاء بالحق، كأنه يأخذ بيد الخائف الوجل من هذا الأمر، ويطل به عليه يبين له أن إكباره خيال كبير، وأن المرء إذا شاء إجراء العدل كان يلي بولايته القضاء أكبر خطة وأصلحها للكون، ثم جاء الإمام في آخر كتاب الأقضية بالترهيب منه؛ إيقاظًا لنفوس ربما خامرها الذهول فاستهونت أمره بعد استكباره ولم ترقب حق الله من الاحتياط فيه وأخْرج في هذا الأخير هاتيكم الكلمة الفذة كلمة سلمان ﵁. وثانيهما: يناسب حال المرء الذي يلي القضاء أي أن يكون مكتوبًا على هذا

стр. 56

السطر القويم فتكون رهبته من القضاء بعد ولايته أشد من نفوره عنه من قبل، فإن الولاية ربما خيبت أماني وبدَّلت أخلاقًا، قد تغر بوارق البرق فيظن سحابه ماطرًا وما هو إلا جهام لا ينشئ إلا غمًّا للكون وساكنيه، وحرارة يوقدها برقه الخلب فيه: خلق أفادته الولاية أنها ... خلق يغير أهله ويبدل أراد الله تعالى عمران هذا الكون ففطر البشر على الدأب نحو استحصال منافعه، وإجابة طلبات نفسه تلك الفطرة التي هي أصل التسابق لاقتضاء ما يستتب به العمران، ولكن هاته الفطرة كانت بحكم الضرورة ميالة إلى استلاب المنافع من أيدي أصحابها وروم انضمامها إلى المصالح الذاتية إحساسًا يجده الحي في نفسه ويسمعه يوحي إليه في باطنه أن لو استطعت أن تملك الدنيا فافعل بما أمكن أن يسعى المرء في نيل ما يحب، ولكنه سيجد المدافع عن أخذ ما بيده فيضطر إلى الفكر في استخراج ما يطلب من غير يد مالكه بأن يسعى إليه من جهة لم يسبق عليها، تلك جهة الإحياء والاختراع التي لا ينطفئ نبراسها من الأمم ولكنه يَنُوسُ بمقدار الحاجة الداعية كما قيل: «الحاجة أم الاختراع» ولن النفوس من قبل أميل إلى الدعة والراحة وأعشق إلى الشيء المشاهد الحاصل؛ فلذلك يكون ميلها إلى استلاب المملوكات أسبق من تفكرها في ابتداع ما تشتهيه. هكذا كان يجري هذا بين الأفراد في خاصتها والقوم في قراها والأمم في وحدتها والذي يظهره لكم في مظهر واضح اختلاف الملوك والفاتحين في توسيع الممالك وطموح كل أمة إلى تعميرها الأرض وفناء ما سواها بالوجه الذي تراه، فكان التدافع بين أفراد النوع لذلك طبيعيًّا ناشئًا عن تحرك القوتين الشاهية والغاضبة عند التزاحم في مزدحم الحياة، وكذلك تكون المصالح غالبًا غير سالمة من أضرار تعقبها هي منها بمنزلة ما تشتمل عليه الثمرة الطيبة من البذور والحلفايات، فللتشريع في هذا أن ينظر بعد اقتضاء المصلحة العمرانية إلى ما تخلفه فيكفي الناس مضرته بوجه تسلم به تلك المصلحة من الأضرار، هذا الوجه هو حماية الحقوق، أي: رد يد الظالم عن تناول ما للغير بدون رضى، وهو أمر حسن توافق عليه الفطرة ما دامت غير مستهواة لهوى غالب في جزئية خاصة، ولا تستقل أمة عن الحاجة إليه مهما بلغت من الرقي، فإن الأمم المنحطَّة لا يمكنها الوصول إلى إيفاء الحقوق أهلها، فضرورتها إلى القضاء ليست بالأمر الخفي، وأما الراقية فإنها تتألف من جماعات فاضلة ومن أضدادها، فلا غنى بها عن تأسيس قواعد العدل لإصلاح الدهماء، ولإقناع الحكماء والعلماء؛

стр. 57

لأن هؤلاء وإن كانوا يعرفون العدل ويجزمون بحسنه إلا أنهم في الأحوال الخاصة مأسورة للشهوة أو الغضب، فكأنهم يحبون أن يكونوا في تلك الحالة الخاصة استثناء من هاته المصلحة الكلية لما يغلب من الهوى على التعقل، وهكذا يبقى ذو الهوى في كل مسألة يحب الاستثناء، فإذا جاءت النوبة غيره أحب أن يكون مستثنى أيضًا وأغراه الطمع أن يقاس على سالفه؛ فكان العدل إذن أصل العمران وبه قامت الأرض ودامت الدولات، وكان أهم ما ينشأ عنه صفتين إن هما تحققتا سعدت الأمة ودام بقاؤها ألا وهما: الحرية والأخوة. فإن الحرية إن لم يكن معها عدل ذبلت حتى تسَّاقط إلى الحضيض؛ إذ حقيقتها أن يأخذ المرء بكل حقوقه، وأن يفي بجميع حقوق غيره، وأن يصدع بآرائه، وهذا كله لا يكون بغير العدل، كيف يجد المرء بغير العدل الأخذ بكل حقوقه وهو يرى الكثير منها مستترًا في حصون العظماء، فلا تستطيع يده وصولًا إليه ولا فمه أن يبدي حنينًا إليه؟ أم كيف يمكنه أن يسلم حقوق غيره وهو إن ترك أخذ حقه وزاد، فسلَّم للناس حقوقهم رجعت كفه صفرًا فلم يجد في حياته ما يتخذه ذخرًا؟ وكيف يمكنه التجاهر برأيه وهو يعلم أن كلمة تغضب زيدًا وعملًا يسوء عمرًا فلا يأمن من الأذى بأصنافه؟ وبهذا ينمحي تغيير المنكر والأمر بالمعروف من الناس؛ ذلك الوصف الذي إن فقدوه فسدوا وذلوا، قال عمر بن الخطاب لأبي مريم الحنفي يومًا: إني أبغضك لأن قتلت أخي زيدًا، قال أبو مريم: يا أمير المؤمنين هل يعدمني بغضك إياي حقًّا لي في الإسلام؟ قال عمر: اللَّهم لا، قال أبو مريم: إذن، لا يرغب في الحب إلا النَّساء. أما التآخي فضروري أنه لا يحصل ما دامت الأمة متنافرة، هذا يسلب حقًّا والآخر يسترجعه، وثالث يرى سلب الأول إياه ملكًا، فيثأر بحب أخذه من يد مسترجعه، وكذلك يكون أمرهم تنازعًا حتى يفشلوا وتذهب ريحهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال رسول الله ﷺ : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله» فانظر كيف قرن بين الأخوة ونفي الظلم. لعل في هذا المقدار مقنعًا لكم إن أردتم أن تعرفوا مرتبة القضاء بالحق ومكانه من الفضيلة، قال ابن فرحون: «اعلم أن أكثر المؤلفين من أصحابنا بالغوا في الترهيب من الدخول في ولاية القضاء ... ورغبوا في الإعراض عنها حتى تقرر في ذهن كثير من الفقهاء والصلحاء أن من ولي القضاء فقد سهل عليه دينه، وهذا غلط فاحش

стр. 58

يجب الرجوع عنه والتوبة منه. واعلم أن ما جاء من الآثار التي فيها تخويف ووعيد فإنما هو في حق قضاة الجور العلماء أو الجهال الذين يزجون بأنفسهم في هذا المنصب بغير علم، وأما قولهم: «من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين»، فهو بمعنى المجاهدة للنفس وهو دليل على فضيلة من قضى بالحق إذ جعله ذبيح الحق»، وقوله: تجب التوبة منه صحيح؛ لأنه يجر إلى تنقص رسول الله ﷺ ؛ إذ كان القضاء من تصرفاته وتصرفات خلفائه المتأسين به في سنته، وبه يعلم سر ما أخرجه الإمام ﵀ في هذا الكتاب تحت ترجمة الترغيب في القضاء بالحق حديث: «إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إليَّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع» لينبه على أن رسول الله ﷺ كان قاضيًا بين الناس، ثم كان القضاء من شأن الخلفاء الراشدين، فلما آلت الخلافة إلى من لم يكن لهم من العلم بالسنة مكانة تخولهم السلامة من الخطأ غالبًا آل ذلك إلى إسنادهم هذه الولاية إلى أحد العلماء المسَلَّم لهم العلم والعدل ليأمنوا يوم القيامة حمل حسابهم، أما إن بعدت الأقطار فإن من السنة إرسال القضاة تخفيفًا من مشقة المتداعين وسرعة بإنفاذ الحق المبين، استقضى رسول الله ﷺ معاذًا باليمن، وأول من استقضى بالمصر من الخلفاء علي ﵁ استقضى شريحًا بالكوفة أيام شغلته الخوارج بحروبها. «مالك عن يحيى بن سعيد أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان الفارسي أَنْ هَلُمَّ إلى الأرض المقدسة». أبو الدرداء هو عويمر بن عامر الخزرجي أحد الثلاثة الذين نزلوا دمشق من الصحابة مع بلال ومعاوية، توفي سنة (٣١ هـ) ولي قضاء القدس في خلافة عثمان وأمير الشام يومئذٍ معاوية، وقيل بل ولاه عمر، قال رسول الله ﷺ : «حكيم أمتي أبو الدرداء»، وسلمان هو سلمان الفارسي من رامهرمز. قال في الاستيعاب: شهد له رسول الله ﷺ بالحكمة في قوله: «لو كان الدين أو العلم بالثريا لناله سلمان» وفي رواية: «رجل من فارس» والمراد به سلمان، توفي سنة (٣٥ هـ)، شهد وقعة الأحزاب وهو الذي أشار أن تحصن المدينة بخندق يحيط

стр. 59

بها، سلمان وأبو الدرداء آخى بينهما النبي ﷺ حين آخى بين المهاجرين والأنصار، وقد ورد دخول سلمان بين أبي الدرداء وأنه وجد أم الدرداء متبذلة وأنه لاَمَ أبا الدرداء على ذلك، وهما من الأربعة الذين شهد لهم معاذ، إذ قال: اطلبوا العلم عند أربعة رَهْط عند: عويمر أبي الدرداء، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام، وباعتبار الشهادة النبوية لأبي الدرداء وسلمان يكون الحوار الذي دار بينهما ملحقًا بالحديث النبوي؛ إذ هو دائر بين الحكمة والعلم المشهود بهما لهما. وهَلُمَّ: اسم فعل بمعنى أقبل إليَّ، يلازم حالة واحدة فلا يتغير باختلاف المخاطب به من تعدد أو تأنيث، استوفد أبو الدرداء سلمان لمساكنته رغبة في جوار أهل الفضل من الأخلاء؛ لأنهم رهط الرجل الذين يعتضد بهم وهم أنفع إليه من أقاربه المنافرين لشربه، فالعاقل في مواصلة أهل رأيه أرغب منه في مجاورة أهل نسبه، وكذلك يكون الجوار خلة متى جلبه الود والاصطحاب، سئل الحكيم: أي الرجلين أحب إليك أخوك أم صديقك؟ فقال: إنما أحب أخي إذا كان صديقي. قال أبو الوليد الباجي في المنتقى: «قول أبي الدرداء: أن هَلُمَّ إلى الأرض المقدسة يريد المطهرة، والمقدس في كلام العرب المطهر، وإنما أراد موضعًا من الشام يسمى المقدس، ومنه سمي مسجد إيليا: البيت المقدس، ومعناه: أنه مطهر مما كان فيه غيره من الكفر، وكان ذلك في وقت من الأوقات فلزمه الوصف بذلك، ويحتمل أن يكون معنى تقديسها أنها تطهر من الذنوب والخطايا، فيكون المعنى: المقدس أهله، ويدل على هذا قول سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدًا، فيكون إنما وصف أهل بيت المقدس بذلك في زمان عملوا فيه بالطاعة، وكان كثير منهم أنبياء وسائرهم أتباعٌ لهم» ا. هـ. وأقول: تقديس البقاع مثل تقديس الأوقات هو أمر جعلي من الله تعالى تبعًا لما رسم لها من إيقاع الأعمال الصالحة التي أهمها التوحيد، وقد كان المسجد المقدس ثاني بيت وضع للناس لإعلان توحيد الله وتنزيهه وذلك أساس فضائل الأعمال. (فكتب إليه سلمان أن الأرض لا تقدس أحدًا) لم يشتمل جواب سلمان على تقرير لما يخالف اعتقاده كالذي تشتمل عليه مخاطبات الناس ورسائلهم من الإطراء لما قد يعتقده المرء فاسدًا بعلة المداهنة التي علق عليها الناس اسم المداراة، فعدموا بذلك فائدة النصيحة والتواصي بالحق؛ ذلك أن سلمان وأمثاله صدقوا ما عاهدوا الله من بذل النصيحة لكل مسلم، وكذلك يكون الأمر بين أقوياء النفوس وراجحي الأحلام

стр. 60

أن لا يكتموا شيئًا يرون منه صلاحًا ونصحًا؛ لأن الكذب هو علة انقلاب الحقائق وموجب ارتفاع الاطمئنان؛ وذلك يسبب التخاذل والتفريق فللا يرجى اتحاد ما دام هذا سائدًا في أمة. «قوله: إن الأرض لا تقدس أحدًا» هو رد لما تضمنه كلام أبي الدرداء حين دعاه إلى سكني الأرض المقدسة؛ لأن الصفة تؤذن بالتعليل فيتضمن انه يكتسب من السكنى بها تقديسًا في نفسه، وقصد سلمان أن يدفع ما وقر في صدور الناس من الشعور بأن المرء قد تغني عنه ملابساته حتى الأرض التي هو فيها، وأبو الدرداء وإن كان منزهًا في نظر سلمان عن اعتقاد هذا لعلمه وصحبته ولكنه رأى لسانه جرى على ما تجري به ألسنة العموم أو أنه رام ترغيبه في القرب منه بمرغَّب ما، وهو فضل الأرض التي يسكنها استكمالًا للفضيلة. «وإنما يقدس الإنسان عمله» جاء بقضية كلية بعد أن نفى التقديس في جزئية؛ لأن تلك الجزئية المنفية ليست أولى الجزئيات بثبوت الحكم بحيث إن نُفِيَ عنها اقتنع المتكلم عن نفي ما عداها من الجزئيات، ما الشبهة فيه أشد والخطأ إليه أسرع نحو قرابة من المقدس أو صلة به، فأورد هذا الحصر بإنما تنبيهًا على تعميم القضية، فقصر بذلك صفة تقديس الإنسان على العمل لا تتجاوزه إلى غيره وهو قصر حقيقي، وليس ورود القصر بعد النفي بجاعله إضافيًّا؛ لأن النفي إنما يلمح إلى الاعتقاد المردود الباعث على سلوك طريق القصر، على أن النفي هنا متقدم وهو عند التقديم صريح في أنه الداعي إلى الخطاب بالقصر يفيد ووزانه وزان «إنما الولاء لمن أعتق» بعد كلام أشار إلى أن البائع لا يستحقه؛ ولذا اتفق جمهور الفقهاء على أن لا ولاء إلا لمن أعتق. «وقد بلغني أنك جعلت طبيبًا تداوي» أشار إلى ولاية أبي الدرداء قضاء بلد القدس، ومراد سلمان ظاهر؛ إذ قد علم أبو الدرداء أنه لم يكن طبيبًا فهو يعلم أن سلمان أراد تمثيل حاله في القضاء بحال الطبيب أو المتطبب، وسمي القاضي طبيبًا على طريقة الاستعارة لمشابهة القاضي الطبيب في إصلاح حال البشر وإزالة أدواء الظلم، فإن كان الطب يصلح مزاج المرضى، فالقضاء بالحق يصلح مزاج العالم أجمع، كما قال الله تعالى ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]؛ لأن الناس إن اطرد بينهم القضاء بالحق زالت طماعيتهم في استلاب

стр. 61

حقوق الغير فاستقاموا من تلقاء أنفسهم متى علموا أن لا غاية يجتنبونها من وراء الظلم، فأما متى كان القضاء مختلًّا، فغن للظالم أمنية الانزواء تحت التخفيف، هب أن الجوار كان يقضي أن يشدد على البريّ تارة فغن ذلك لا يرفع المظالم؛ لأن النفوس عند الشهوات تتمسك بالطمع، ولهذا حظرت الشريعة الشفاعة لمن بلغ الإمام في الحدود وغيرها، وجاء بكلمة «تداوي» ترشيحًا للاستعارة وإيماء إلى وجه الشبه؛ إذ كانت الاستعارة من الغرابة بالمكان الذي ربما أبهم أمرهم على السامع. «فإن كنت تبرئ» طرد الاستعارة، ومن محاسن التشبيه: أن يكون مطردًا في جميع أصوله وفروعه، وأراد بكونه يبرئ المقدرة على إصابة الحق، وحمل الناس عليه بتنفيذه فيهم، وتحمل مصاعب القضاء التي أقل ما فيها أنه يقضي على ذويه وأصحابه وهو كاره وهم كارهون. قال الباجي: «يريد بالإبراء إصابة الحق ورفع الباطل؛ لأن الباطل هو الداء الذي يسأل عنه المفتي لإزالته». «فنعمَّا لك»: نعم: فعل غير متصرف عند محققي النحاة، وتدخل عليها (ما) التي هي في الأصل معرفة غير موصولة هي بمعنى الشيء، فتدغم ميم (نعم) في ميم (ما)، والغالب أن يقع بعدها ضمير مخصوص بالمدح نحو قوله تعالى: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١]، فإن وقع فعل بعد (ما) صارت موصولة نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء: ٥٨]، فلا يذكر بعدها مخصوص بالمدح استغناء عنه بما أشعر به من الكلام، وإذا وقع بعد (ما) حرف جر كما هنا صح أن يجعل صلة (ما) أو صفة لها، أي: نعم الشيء لك أو نعم الذي لك، وفي الحديث: «بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كذا وآية كذا» الخ، والمعنى: فنعم الشيء لك القضاء بين الناس لما فيه من إيصال الحق. «وإن كنت متطببًا فاحذر أن تقتل إنسانًا»، أراد بالمتطبب هنا: المتفعل المتكلف من الطب المراد هناك، أي: غير عالم بوجوه القضاء، ورشح هاته الاستعارة بقوله: «أن تقتل إنسانًا»، وقد شبه بقتل المتطبب مريضه ما يحدثه قضاء القاصر من ضياع الحقوق المفضي إلى الفساد، فيكون الترشيح مستعارًا للازم المشبه من لوازم المشبه به على نحو: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، فيفيد الترشيح بلفظه الاستعارة بمعناه وقرينته، وأراد بالمتطبب الذي ليس على بيَّنة من أمره فهو يقصد

стр. 62

الحق فيقع في الباطل كشأن كل من لم يكن متحققًا من شيء، فسلمان لا يخشى على أبي الدرداء الجور، ولا يحذره منه؛ لأنه آمن عليه منه لعدالته؛ إذ هو من أصحاب رسول الله وهم عدول، وإنما خشي عليه أن لا يتأمل جيد التأمل من بعض القضايا مبالغة في النصح له؛ وذلك لأن القضاء بغير الحق جهلًا يساوي قصد الجور في عدم الوصول إلى الحق. وفي حديث النسائي عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : «القضاة ثلاثة؛ اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق ولم يقض به وجار فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس فهو في النار». وهذا يدل على اشتراط العلم في القاضي، والعلم مهما أطلق في لسان أهل الأصول والمتقدمين فإنما يراد به أصدق معانيه هو الفكر والنظر فلا يصح عند الأئمة ولاية قاض عامي أو مقلد لا يستطيع النظر في مدارك الأحكام أو في مسائل الخلاف، قال عبد الوهاب في التلقين: «ولا يستقضَى إلا فقيه من أهل الاجتهاد لا عامي مقلد»، وشرحه المازري فقال: «وقد قال مالك في كتاب ابن حبيب، لا أرى خصال القضاء تجتمع اليوم في أحد، ولكن يجب أن يكون عالمًا عدلًا، قال ابن حبيب: فإن لم يكن عالم فعاقل ورع، فإنه بالعقل يقف وبالورع يسأل، فهذا قول ابن حبيب سهل في ولاية القضاء المقلد، ولكنه لم يصرح بجواز هذا مع القدرة على قاض نظار، بل أشار إلى كون الضرورة تدعو إلى ولاية مقلد ولا خلاف أن ولاية النظار أجدر من ولاية المقلد، وإنما الخلاف هل تصح ولاية المقلد وتنفيذ أحكامه أم لا؟ فيمنع من ذلك الشافعي وهو الذي يحكيه أئمة مذهبنا عن المذهب، ويجيز ذلك أبو حنيفة ويأمره بمشاورة النظار، واحتج أصحابنا وأصحاب الشافعي بقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] وبقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، أما عصرنا هذا ففي إقليم المغرب لا يوجد مفتٍ نظار، فالمنع من ولاية المقلد تعطيل للأحكام ولكن تختلف أحوال المقلدين، ثم إذا كان النظر شرطًا فهو يتضمن المنع من اشتراط الإمام على رجل نظار أن لا يحكم إلا بمذهب أحد الأئمة؛ لأن الرجل إذا أداه اجتهاده إلى الصواب وأمر أن يقضي بخلاف ما عنده فقد صار مأمورًا بمخالفة الحق في اعتقاده، فإذا انعقدت الولاية على هذا الوجه فإن هذا عقد لا يجوز وينبغي فسخه ورده، وذهب بعض الناس إلى أن القضاء على هذه الصفة لا يفسخ بل يمضي ويبطل الشرط؛ لأن الفساد في الشرط لا في التولية» ا. هـ.

стр. 63

وقال أبو بكر بن العربي: «الذي يقضي بالحق إن كان عن علم قهو الذي تقدم، وإن كان عن تقليد فلا يجوز أن يتخذ قاضيًا إلا عند الضرورة فيقضي بفتوى عالم رآه ورواه بنص النازلة فإن قاس على قوله أو قال: يخرج من هذا كذا أو نحوه فهو تعدًّ» ا. هـ. وقال خليل: «مجتهد إن أمكن وإن لا فأمثل مقلد» وشذ ابن رشد وابن زرقون فقالا: ذلك مستحب، صرح بذلك في المقدمات وعليه قال ابن عاصم: «ويستحب العلم فيه» فلما اطلع على هذا اللفظ من لا وقوف له على اصطلاح الناس في العلم ظن أن المستحب العلم المقابل للجهل. هكذا يتم تشبيه سلمان؛ لأن العالم بالحق يقضي وهو عالم أن ذلك هو الصواب فهو كالطبيب المعتمد فيما يشير به على تجربة النفع، أما المقلد فهو كرجل بلغه أن الدواء نافع ولم يجربه أو اقتضب دواء من تلقاء نفسه يريد أن يجربه في ذلك المريض، فهذا إذا ناول المريض شيئًا لم يكن آمنًا من سوء المغبة. وإذا نظرنا إلى الشروط الواجبة في القاضي نجدها ترجع إلى دفع وصف المتطبب عنه، وهي: ١ - التكليف؛ لأن غير المكلف قاصر النظر قطعًا. ٢ - والذكورة؛ لضعف المرأة عن الأخذ بالحقوق ونزوعها إلى الرحمة والشفقة. ٣ - والحرية؛ لأن المملوك لا يرجى لإقامة الحق ما دام يخاف غيره، فربما قضى بهوى سيده، هذا هو الذي تشدون عليه من سر اشتراط الحرية في القاضي ولا تصغوا إلى ما يذكرونه من أن الرق أثر الكفر؛ لأنه لو صح لبطل استقصاء المولى. ٤ - والعدالة وأمرها واضح. ٥ - والسلامة من فقد الحس أو المنطق؛ لأنه لا يتوصل إلى الحقيقة إلا بالفهم والاستفهام. وبقي شرط الاتحاد على خلاف فيه، فدليل مشترطة أنه أعون على اتحاد الأحكام والسلامة من التشويش على الخلق. «فتدخل النار» لقد أبدع كلام سلمان في التفنن؛ إذ تخلص من المشابهة التمثيلية على طريقة الخطابة البلاغية إلى المشابهة الشرعية المسماة بالقياس، فرتب على تمثيل القضاء بالطب تمثيل القضاء بغير الحق بقتل النفس تحذيرًا من العقاب

стр. 64

المشهور لقاتل النفس وهو دخول النار بجامع إضاعةِ الحق فيهما؛ ولأن القضاء قد يتعلق بالقصاص، فإذا تساهل فيه قتل نفسًا خطأ قريبًا من العمد لأجل التساهل. وقد بلَّغ سلمان النصيحة والتذكير بخوف الله تعالى فاستقاموا وأقاموا العدل وسادوا العالم، فلما انقلبت الحال في عقائد الناس إلى المساهلة في أمر الله، والاستخفاف بالوعيد تحت اسم الرجاء وما هو إلا الإرجاء، واتكل الناس على الطمع في المغفرة آل بهم الأمر إلى الإدبار. قال حجة الإسلام أبو حامد في كتاب الرجاء من إحياء علوم الدين: «المحبوب المتوقع لا بد أن تكون له أسباب، فإن كان انتظاره لأجل حصول أكثر أسبابه فهو الرجاء حقيقة، وإن كان مع انخرام أسبابه فهو الغرور، وإن لم تكن الأسباب معلومة الوجود ولا العدم فهو التمني» ا. هـ. ومعرفة الأسباب تسهل لم يعرض نفسه على كتاب الله تعالى ولا يصغي إلى ما يغر به الغرور من الاستخفاف وتهوين أمر الله عند عامة عباده. «فكان أبو الدرداء إذا قضى بين اثنين ثم أدبرا عنه نظر إليهما، ثم قال: ارجعا إليَّ أعيدا عليَّ قصتكما» هذا أصل عظيم في أن المرء لا يأمن من الخطأ مهما بلغ به العلم وأنه يجب تعقب الأحكام لإزالة الخطأ عنها وإن تقرر الخطأ للقاضي إذا لاح له، فاستنكافه عن نقض حكمه شر الجورين، فإن جعل ذلك إليه بالولاية فظاهر وإن لم يجعل إليه نقض أحكامه وجب عليه رفعها لمن إليه النقض والإبرام. «متطبب والله» قد يقف النظر هنا ريثما يستبين أمر هاته الكلمة فإنه يرى أبا الدرداء بعد أن نصح له سلمان بأن المتطبب لا يأمن أن يقع فيما يدخله النار وقبل النصيحة منه أخبر عن نفسه بأنه متطبب فيتساءل: لماذا لم يترك هاته الخطة لطبيب فيظن أن هاته كلمة تواضع منه، ولكنه ما يقدم خطوته حتى يرى يمين أبي الدرداء على ذلك الذي يعين كلامه للحقيقة، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ اعتادوا من قدوتهم الأعظم العصمة فصاروا على وجل من اقتحام القضاء بين الناس مع انتفاء العصمة؛ ولذلك قال أبو بكر ﵁: «أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في كتاب الله شيئًا من رأيي؟ ! »، فكذلك أبو الدرداء لما اعتبر بكلام سلمان رأى أن التطبب لا يفارق غير المعصوم، فقال: متطبب والله، فينبغي أن يكون مراده تطببًا غير التطبب الذي أراده سلمان، وأحسب أنه أراد به عدم أمن المجتهدين من الخطأ في اجتهادهم، فهم لا يسلم من الوعيد إلا إذا بذل مقدار استطاعته مع

стр. 65

مظنة المقدرة والتأهل من نفسه؛ لأن الخطأ لا ينافي العلم والنظر، ولا يلام في ذلك إلا حيث يكون الخطأ في محل الوضوح والحياد عن الدليل إلى غيره، أو مع التقصير في تقصي النظر ومعرفة الحجج، فهو بإعادة النازلة يستدرك ما عسى أن يلم به من خطأ على غرة، ولو كان أبو الدرداء شاكًّا في كفاءته لمنعته عدالته من أن يلي هذا الأمر، وفي كلام أبي الدرداء ما يصدق قول رسول الله ﷺ فيه: «إنه حكيم»، فقد دلَّ على سعة صدره وترحابه بما يسدي إليه من النصائح؛ وذلك آية الكمال ومحبة الحق؛ لأن النفوس الكبيرة لا يهمها إلا المشي على الصواب أبدًا؛ فهي لا تحب أن تخالفه؛ ولذلك تبتهج بكل ما يجنبها الضلال عنه، أما النفوس المستضعفة والعقول السخيفة فإنها تستنكف عن شعور الناس بحالها؛ إذ ليس لها ما تقنع به نفسها إلا المغالطة والتناسي، فهي لا تستطيع كمالًا مع شعورها بالعجز عنه؛ فلذلك يكون ذكره لها تعبًا ونكدًا خلاف الأخرى، فإنها إن لاح لها خطأ في بعض أعمالها تعزت بالصواب في بقيتها، فأنشد حالها قول أبي الطيب: ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلًا أن تعد معايبه قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤٢، ١٢٥]، وفي ملازمة أبي الدرداء لهاته الكلمة إشعار بتحفظه على النصيحة حتى لقد اتخذ لفظها شعارًا له لا يفارقه ذكره في كل قضية، وكذلك حكماء الناس إذا اهتموا بأمر ربما اتخذوا اسمه شعارًا لهم حتى لقد كانت تعرف أخلاق الرجل منهم في اختيار نفش خاتمه، وهذه سنة كل قول إنما يعتد به إذا تبعه عمل وبمقدار ذلك يكون النفع والتأثير، فأيما قول أو علم لم يتبعه عمل فهو تبعات على صاحبه؛ لهذا تعوذ رسول الله ﷺ من علم لا ينفع، أي: لا ينشأ عنه عمل، قد كان من دعاء رسول الله ﷺ : «اللهم انفعني بما علَّمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا»، والله أعلم. * * *

стр. 66

التعريف بكتَاب الموطأ للإمَام بن أّنس ﵀ نشأة علم الحديث: علم الحديث ويسمى علم السنة هو العلم الباحث عن أقوال النبي ﷺ وأفعاله، ظهرت العناية بتدوينه في أواخر القرن الأول لما اتسعت أقطار الإسلام وكثر الداخلون فيه وتنوعت النوازل، فصار الصحابة يتقصون ما يؤثر عن النبي ﷺ في أمثال تلك النوازل مثل: توريث الجدة، وجزية المجوس، ومعنى الربا، فكان الخلفاء الراشدون وأمراؤهم يعتمدون ما علموه من ذلك ويتلقون ممن له علم من الصحابة ما حفظوه مما لم يكن للخلفاء علم به، ولم يكن الصحابة يكتبون من سنة رسول الله ﷺ إلا شيئًا قليلًا كُتب بأمر رسول الله ﷺ مثل: كتاب الصدقات الذي كتبه أبو بكر ﵁ إلى أنس بن مالك لما وجَّهه إلى البحرين عاملًا عليها فكتب إليه: «هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين» إلخ (رواه البخاري في كتاب الزكاة»، ومثل كتاب رسول الله ﷺ إلى عمرو بن حزم الأنصاري في الصدقة (أخرجه أبو داود والنسائي)، وقد كان عمر بن الخطاب استشار الصحابة في كتابة السنن فأشار جميعهم بالكتابة فلبث عمر شهرًا يستخير الله، ثم عزم على عدم فعله، وقال: «إني كنت ذكرتُ لكم من كتابة السنن ما قد علمتم ثم تذكرت فإذا أناس من أهل الكتاب قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتبًا؛ فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله (يريد: اليهود) وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء»، ثم قد كان الخلفاء من بعد الصحابة يسألون من بقي من الصحابة فيما أشكل من الأحكام، فقد روي أن عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير كانا يكتبان لعبد الله بن عمر بن الخطاب يَستشِيرانه، وأمر عبد الملك الحجاج بن يوسف وهو أمير للحج أن يقتدي في مناسك الحج بعبد الله بن عمر. فلما انقرض عصر الصحابة أو كاد رأى أولو الأمر من المسلمين اشتداد الحاجة إلى تدوين ما أثر عن رسول الله ﷺ لئلا يفوت ذلك بانقراض حملته فهرعوا إلى

стр. 67

الذين تلقوا العلم عن الصحابة وهم المعروفون بالتابعين، فكان ابتداء تدوين علم الحديث في خلافة عمر بن العزيز ﵀ (وكان من أهل العلم وممن سكن المدينة مدة وشاهد علماءها وروى عنهم)، فكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم من فقهاء المدينة أن اكتب إليَّ ما كان من سنَّة أو حديث، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، وكان ذلك أواخر القرن الأول فكتب إليه أبو بكر الحزمي كتبًا، توفي عمر بن عبد العزيز قبل أن يبعث بها إليه، قال مالك: لولا أن عمر بن عبد العزيز أخذ هذا العلم بالمدينة لشككه كثير من الناس، يريد أنه حين كان أمير المدينة وكان أبوه قبله أميرها فقد علم مراتب العلماء فعرف من يستحق أن يؤخذ عنه العلم، ولم تظهر كتب أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم. وقد قيل: إن عبد الملك بن جريج ألَّف كتابًا في تفسير آيات، وذكر آثار فقيل: إنه أول كتاب ألَّفَ في الإسلام، ومات سنة (١٤٩ هـ)، وقال ابن حجر: أول من جمع الحديث الربيع بن صبيح، وسعيد بن أبي عروبة، فكانا يصنفان كل باب على حدة ولم يظهر شيء مما كتباه. وتبعت أثر ذلك المذاهب والنحل، وحدثت الأحزاب في مسألة الخلافة وغيرها، ودخل في المسلمين كثير من المتظاهرين بالدين يكيدون إليه في السر ويُسرون حَسْوًا في ارتغاء، فلم يجدوا سبيلًا لترويج مذاهبهم إلا سلكوها، وأكبر ذلك وأهمه عندهم الاحتجاج لمذهبهم بما يروى عن رسول الله ﷺ ، فكثر الكذب على النبي ﷺ عمدًا أو جهلًا أو تحريفًا أو تقليدًا، فلم يتوانَ أهل العلم بالحديث في الذب عن السنة بالتزام إخراج ما صح عن النبي ﷺ وذلك بنقد الرواة وضبط أحوالهم وعرض مروياتهم على أصول الشريعة ومشهور السنة. الاهتمام بتدوين ما صحَّت روايته عن رسول الله ﷺ -: أول من ألَّف كتابًا على شرط صحة السند هو الإمام مالك بن أنس رحمه ألفَّ كتاب الموطأ، فالموطأ أول تأليف ظهر في الإسلام، وقد قيل: إن عبد الملك ابن جريج المكي أول من ألَّف، ولعل كتاب ابن جريج لم يتم أو لم يظهر، وليس البحث عن تحقيق كون كتاب ابن جريج أول كتاب ألف أو كون الموطأ أول كتاب ألَّف بكبير الجدوى، وقال بعض العلماء: ألفَّ مالك الموطأ بالمدينة، وألَّف

стр. 68

ابن جريج بمكة، والأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة بالبصرة، وهُشيم بواسط، ومعمر بن راشد باليمن، وعبد الله بن المبارك بخراسان، وجرير بن عبد الحميد بالري، وكان هؤلاء في عصر واحد فلا يدرَي أيهم سبق. وأيًّا ما كان ذلك فإن أول كتاب هو الآن موجود ومروي عند أهل العلم هو كتاب الموطأ (وقد اختلفت الأمصار في طريقة تدوين الأثر قوةً وضعفًا)، وكان أهل المدينة أوثق أهل الأمصار طريقة وأعلمهم بسنة رسول الله ﷺ ؛ لأنها دار الإسلام ومهبط الوحي، وبها كان أعيان الصحابة الذين لم يشغلهم عن العلم شاغل، فكانت المدينة مرجع علماء الأمصار الإسلامية في تلقي السنة، وكانت سمعة الواحد من أهل الحديث تزيد، وعلمه ينضج بمقدار ما يحصل له من الأخذ عن علماء المدينة، ومرجع شروط الصحة عند أهل الحديث ثلاثة شروط: الأول: تحقق أمانة الراوي فيما رواه، وتندرج تحت هذا شروط عدالة الراوي وسلامته من الابتداع. الثاني: تحقق عدم الالتباس والاشتباه عليه، وإلى هذا ترجع شروط قوة تمييز الرواة ليعلم تباعدهم عن التدليس ويقظتهم من الغفلة. الثالث: تحقق مطابقة ما يروونه للثابت من أمر النبي ﷺ ، وإلى هذا ترجع شروط الترجيح عند التعارض. والشرطان الأولان يتعلقان بصحة السند، والثالث يتعلق بصحة المعنى، وقد نظروا في الأسباب الحاملة على وضع الحديث فوجدوا أنها افتراء، أو نسيان، أو غلط، أو ترويج، أو تفاخر، فبنوا أصول الضبط على منع هذه الأسباب. فأما الكذب فهو شر الأسباب وأسخفها؛ لأنه يؤذن بالاستخفاف بالشريعة لا سيما بعد العلم بالحديث الصحيح، وهو قول النبي ﷺ : «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»، ودفع هذا السبب بتوخي أحوال الرواة والفحص عن عدم التهم وديانتهم ونقد ظواهرهم وبواطنهم فلا يقبل مجهول العدالة باطنًا -وهو المستور على الأصح- ولا يقبل المجهول باطنًا وظاهرًا بإجماع. وأما النسيان والغلط فهما يعرضان للراوي وهما متقاربان؛ فالنسيان كأن يشتبه عليه المعلوم فينسى أن يكون روى عن غير ثقة فينسبه إلى ثقة، والغلط أن يغير اللفظ أو نحو ذلك، ويتفاوت الناس فيهما بتفاوت قوة الذهن، ودفعهما بتوخي أهل

стр. 69

الضبط من الرواة الذين جُربوا المرة بعد المرة وأعيدت عليهم الأحاديث وقلبت لهم فثبتوا فيها وأتوا بها على وجوهها مع تجربة حفظهم ويقظتهم. ومن هذا النوع أن يروي الراوي الحديث بالمعنى فيغير المعنى بتغيير اللفظ. وهذا القسم أشد الأقسام خطرًا؛ لأن الناس عرضة للنسيان والغلط؛ ولأنه إذا وقع من أهل العدالة تلقته الناس عنهم فشاع بينهم، فلذلك كانت العناية بصرف الهمة إلى تمحيص هذا النوع أوكد وأولى؛ ولذلك قال النبي ﷺ : «نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه إلى من ليس بفقيه». وأما الترويج، فهو متابعة ما يرغب فيه الطالبون مما ليس بمفيد كمالًا في الرواية. فالترويج يكون لترويج المذهب والنحلة أو لترويج المقصد، وإنما كان الترويج سببًا للوضع؛ لأن المُروَّج قد يقتنع بوقوع الحديث على وفق مطلبه فتصرفه موافقته لمراده عن نقده وتمحيصه، فإذا انضم إلى الترويج شيء من التساهل في الرواية ومن ضعف العدالة كان خطرًا. ومن الترويج ما يسمى بالتدليس مثل تدليس الأسماء بان يعطيّ شخصًا اسم شخص آخر تشبيهًا؛ كأن يقول: حدثني مالك بن أنس، ويريد البصري الخارجي، وسمع سحنون رجلًا يحدث عن ابن نافع، فقال له: أنت أدركت ابن نافع، فقال: أردت الزبيري ولم أرد الصائغ، فوبَّخه سحنون، وقال: «ماذا يظهر بعدي من العقارب». ومنه ما قاله الحافظ أبو عُمر في التمهيد: أن يحدث الرجل عن الرجل قد لقيه وأخذ عنه بما لم يسمعه منه، وإنما سمعه بالواسطة ممن ترضى حاله أو لا ترضى، فهذا مؤذن بأنه ما حذف الواسطة إلا لنقص تخيله فيه، غير أنه إذا كان من أهل الضبط اغتفر له ذلك، فدفع هذا هو ضبط تاريخ الرواة ومن لقي منهم غيره، ومن لم يلقه ومقابلة ذلك بروايات أقرانه، مع التوخي في ألفاظ التحديث مثل الفرق بين سمعت فلانًا وبين عن فلان. وأما التفاخر فهو اعتناء الراوي بإشهار مروياته حبًّا للمحمدة، ويكون بأمور منها: الإكثار من الرواية، ومنها: الاعتناء بتخريج الغريب، أي: الذي لا يعرف، ومنها: الولع بمحسنات الحديث وكل ذلك وإن كان لا يقتضي كذبًا إلا أنه قد يجر

стр. 70

إلى التساهل في الرواية لتكميل ما به المفاخرة؛ لأن الولع بذلك يصير هوَّى ومحبةً. فكان مالك ﵀ شديد النقد في هذه الأنواع كلها ونافذ البصر بسد مواقع الخلل والتهمة فيها. فأما نحو السبب الأول وهو الكذب فقد بالغ في نقد الرجال من ثلاث جهات: جهة العدالة، وجهة أصالة الرأي وتمييز المرويات، وجهة اتباع السنة، قال سفيان ابن عيينة: رحم الله مالكًا ما كان أشد انتقاده للرجال والعلماء، وقال ابن المديني: لا أعلم أحدًا يقوم مقام مالك في ذلك، وقال أحمد بن صالح: ما أعلم مالكًا روى عن أحد فيه شيء، والمحدثون وغن قبلوا رواية أهل البدع في الاعتقادات؛ إذ كانوا يحرَّمون الكذب إلا أن مالكًا اشترط في ذلك أن لا يكون ذلك الراوي داعية لمذهبه؛ لأن ذلك يوجب له تهمة. وأما نحو السببين الثاني والثالث وهما النسيان والغلط فقد اشترط مالك ﵀ في الرواية أن يكون الراوي من أهل العلم والمعرفة، ابن وهب قال: ما كنا نأخذ الحديث إلا من الفقهاء. وشدد في نقل الحديث بالمعنى، فقال: لا ينبغي للمرء أن ينقل لفظ النبي ﷺ إلا كما جاء، وأما لفظ غيره فلا بأس بنقله بالمعنى، نعم رخص في زيادة مثل الواو والألف في الحديث والمعنى واحد. وأما نحو السببين الرابع والخامس وهما الترويج والتفاخر فإن مالكًا ﵀ أخذ الحيطة لذلك بأمرين: بتزييف ما كانوا يصنعون، والحذر مما يودعون، ففي المقام الأول لم يهتم بشيء من التصنع والتحسين في طرق الرواية، فكان يكرر ما يقوله لهم أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر: «إذا أخذتم في الساذج تكلمنا معكم، وإذا أخذتم في المنقوش قمنا عنكم»، وقيل له: إن فلانًا يحدثنا بالغريب، فقال: مالك من الغريب نفر، وقال له بعضهم: ليس في كتابك غريب، فقال: سررتني. الغرض من تأليف الموطأ: عمد مالك إلى تأليف كتابه «الموطأ» ليجمع فيه ما صح عنده عن رسول الله ﷺ وأقوال الصحابة والتابعين وما عليه عمل أهل المدينة، ويودع فيه ما أخذه من مروياته من أحكام شرعية، وقد اشتهر بين أكثر العلماء أنه ألفه بطلب من

стр. 71

الخليفة أبي جعفر المنصور، روى أبو مصعب أن أبا جعفر المنصور الخليفة قال لمالك: «ضُمَّ هذا العلم يا أبا عبد الله ودوَّنه كتبًا وتجنب فيها شدائد عبد الله ابن عمر، ورخص ابن عباس، وشواذ بن مسعود، واقصد أوسط الأمور، وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة»، وقال الكيا الهراسي: كان الموطأ سبعة آلاف حديث فلم يزل مالك ينتقيها حتى بقي فيه سبعمائة حديث، وفي المدارك لعياض قال سليمان بن بلال: «لقد وضع مالك الموطأ وفيه أربعة آلاف حديث فمات وهي ألف حديث ونيَّف يخلصها عامًا عامًا بقدر ما يرى أنه أصلح للمسلمين وأمثل في الدين»، وبوَّبه وصنَّفه على أبواب الفقه، وجعل فيه كتاب الجامع وهو أول من ترجم بهذه الترجمة، وفسر ما وقع فيه من غريب الألفاظ العربية، وروى فيه من الآثار ما سلم في معيار النقد وجرب من جهات الصحة؛ فلذلك كانت أحاديث الموطأ أصح الأحاديث، وقد اتفقوا على أن أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ . من أجل ذلك كله اتفق أئمة الدين والحديث على أن الموطأ ما جمع إلا الحديث الصحيح، وأنه أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى، وفي هذا المعنى عبارات مأثورة، قال ابن مهدي: ما كتاب بعد كتاب الله أنفع للناس من الموطأ، وقال: لا أعلم من علم الإسلام بعد القرآن أصح من موطأ مالك، وقال الشافعي: ما في الأرض كتاب في العلم أكثر صوابًا من كتاب مالك، وقال أيضًا: ما على الأرض كتاب أصح من كتاب مالك، وقال أيضًا: ما كتب الناس بعد القرآن شيئًا هو أنفع من موطأ مالك، فالموطأ أول كتاب دُوَّن في الصحيح عند المحققين من الأئمة، قال القاضي أبو بكر ابن العربي في مقدمة كتابه عارضة الأحوذي على كتاب الترمذي: اعلموا -أنار الله أفئدتكم- أن الموطأ هو الأول واللباب، وكتاب الجعفي هو الثاني في هذا الباب وعليهما بناء الجميع كالقشيري أي: (مسلم) والترمذي. وقال السيوطي: قال بعض العلماء: إن البخاري إذا وجد حديثًا يؤثر عن مالك لا يكاد يعدل به إلى غيره حتى إنه روى في صحيحه عن عبد الله بن محمد ابن أسماء عن عمه جُويرية بن أسماء عن مالك (يعني: بواسطتين بينه وبين مالك

стр. 72

مع ما للمحدثين من الرغبة في السند الأقرب). ما المراد بالحديث الصحيح ؟ اعلم أن الذي اصطلح عليه البخاري ومن جاء بعده أن لقب الحديث الصحيح هو الحديث الذي اتصل سنده، يرويه واحد عن واحد إلى النبي ﷺ بعدول ضابطين بلا شذوذ، أي: بأن لا يخالف أحد رواته ما يرويه من هو أرجح منه حفظًا مخالفة لا يمكن معها الجمع بين الروايتين كما أشار له مسلم في مقدمة صحيحه، ولا يكون فيه علة خفيَّة قادحة مجمع عليها، فشرط البخاري ومسلم أن لا يخرجا إلا الحديث المتفق على ثقةٍ نَقَلة إلى الصحابي من غير اختلاف بين الثقات الأثبات بسند متصل غير مقطوع، ففي شرط اتصال السند إلى النبي ﷺ خالفا مالكًا من أجل أنهما لا يخرجان الحديث المرسل والمقطوع، ولا يعد أنه في قسم الصحيح، ومالك ﵀ يراه صحيحًا وحجة -وهو قول أبي حنيفة أيضًا- وقال أبو عيسى الترمذي: فقد قال الترمذي في آخر كتاب الأشربة من جامعه: «الصحيح حديث الزهري مُرسلًا». ورأي مالك في ذلك أرجح؛ لأن العبرة بتحقق أو ظن صحة السند إلى رسول الله ﷺ ، والمرسل هو أن يُسقط التابعي اسم الصحابي، ويقول: قال رسول الله ﷺ وهذا التابعي لا يخلو إما أن يكون ثقةً ضابطًا أو غيره، فإن كان الأول فلا شك أن قبول خبره لرسول الله ﷺ وتصدَّيه للرواية عن رسول الله مع ما علم من شدة إعظامها لهذا الشأن ومع جزمه بذلك يعين. ما يوجد من نسخ للموطَّأ: نسخة لسويد بن سعيد كاملة (بالمكتبة العاشورية بتونس). وقطعة من رواية عبد الله بن مسلمة القعنبي بها أوراق متفرقة بعضها من الجزء الأول، وبعضها من الثاني، وبعضها من الثالث، وبعضها من الرابع، وبعضها من الخامس بخطَّ شاميَّ ذكر ناسخها أنه نسخها في سنة (٧٥٧ هـ) بمدينة دمشق. مشتمل على أبواب من كتاب الصلاة، ومن الصيام ومن الحج، ومن الجهاد.

стр. 73

وورقة من البيوع هي اليوم بالمكتبة الوطنية. وقطعة من رواية علي بن زياد فيها كتاب الضحايا، وكتاب الزكاة، ومعظم كتاب الصيد من كتب المكتبة العتيقة بالجامع الأعظم بالقيروان بها أوراق ... وقطعة من رواية عبد الرحمن بن القاسم بها عدة أوراق مائة ونيف وأربعون، وهي من كتب المكتبة العتيقة بالجامع الأعظم بالقيروان. وقطعة من رواية أبي مصعب الزهري بها ديوان من كتاب الحج بالجامع الأعظم بالقيروان بها (٣٠) ورقة، وأول من أدخل الموطأ إلى المغرب علي بن زياد التونسي، وأول من أدخل الموطأ إلى الأندلس زياد بن عبد الرحمن المعروف بشبطون. اسم كتاب الموطأ: وجه تسمية كتاب مالك بالموطأ يؤخذ مما روي عن مالك ﵀ أنه قال: «عرضت على سبعين فقيهًا من فقهاء المدينة كتابي فكلهم واطأني عليه» فتسميتُه بالموطأ اعتبار بأنه اسم مفعول من واطأه على الأمر إذا وافقه عليه على طريقة الحذف والإيصال، أي: موطأ عليه فقيل الموطأ على غير قياس، والقياس أن يقال: المواطأ، والأظهر أن هذا الاسم اسم مفعول من: وطَّأ الأمر إذا سهله ودمثه، فأصله الهمز كما في تاج العروس وقد تخفف همزته فيقال: الموطأ، وقد أشار إلى هذا التخفيف صاحب تاج العروس وشاع هذا التخفيف على ألسنة الناس، وليس أصل الكلمة بالألف؛ إذ لا توجد هذه المادة، وورد الوجهات في الكلام، فمن استعماله بالهمز قول أبي الطاهر أحمد الأفهاني أنشده في المدارك: أعم الكتب نفعًا للفقيه ... موطأ مالك لا شك فيه ومن التخفيف قول سعدون الورجيني من قصيدة: ولو لم يلح نور الموطأ لمن يرى ... بليلٍ عَماه ما درى أين يذهب وكرر هذا اللفظ في أبيات سبع كرات بالتخفيف.

стр. 74

مُراجعَة فيما تَضَمَّنَه كتاب «فتح الملك العَلي» «عرف القرَّاء مما قد أشرنا إليه في أعداد ماضية بخصوص الكتاب المذكور أن فضيلة الأستاذ الأكبر كان قد راجع مؤلفه وأباه له وجوه الضعف في هذا الكتاب، وقلنا: إننا سوف ننشر تلك المراجعة الآن وقد وافانا البريد بها فننشرها شاكرين». طالعت كتابكم «فتح الملك العلي» فرأيت أنكم نحوتم فيه نحو تلقي حديث: «أنا مدينة العلم» بالقبول، ولا بدع في ذلك فقد سبقكم إلى ذلك كثير من المحدثين كما أن كثيراً منهم نبذوه بالعراء، وكثيراً رموه بأنه وضع وافتراء. وتبين من حاصل أقوالهم فيه أن منكريه لم يقتصروا على الطعن في رجال أسانيده بل تجاوزوا ذلك إلى الحكم على ذات الحديث، فقالوا فيه أقوالاً شديدة مثل: «موضوع، منكر، لا أصل له، كذب، كم خلق افتضحوا فيه، لم يروه عن أبي معاوية أحد من الثقات»، ومثل هذا الحكم لا يصدر عن أصحابه من الحفاظ إلا بعد التقصي والاستقرار لجميع أسانيده فإذا لم يجدوا فيها مظنة الصحة استخلصوا من استقرائهم حكماً كليّاً يتعلق بذات الحديث المروي، وليس حكماً جزئيّاً متعلقاً بأسانيده، وهذا مقام شديد في الحكم، ونظيره قول الإمام أبي عبد الله البخاري في باب من أهدى له هدية وعنده جلساؤه: «ويذكر عن ابن عباس أن جلساءه شركاؤه ولم يصح»، أي: لم يصح عن رسول الله ﷺ فلم يعين البخاري سنداً؛ بل جزم بعدم صحة المروي ولأجل حكمهم على ذات حديث: «أنا مدينة العلم» بالوضع صار هذا الحديث سبب الطعن في أبي الصلت حتى إنك لتجد في كلام بعضهم الاعتراض على من عدل أبا الصلت بقوله: (أليس قد روى حديث: أنا مدينة العلم) كما ذكره الحاكم في المستدرك عن العباس بن محمد الدوري عن صالح بن حبيب. ثم إن جماعة تظاهروا على أن أبا الصلت وضع هذا الحديث عن أبي معاوية

стр. 75

وذكر قليل منهم أن أبا معاوية حدث به، ثم كف عنه وعلى كل حال فكثرة الاختلاف فيه وشدة عناية الأئمة بالفحص عن رواته يؤذن بأنه حديث لم يكن معروفاً عند الحفاظ، وأنه طلع على هذه الأمة طلوع الشواظ. المراجعة الإجمالية: هذا وإني أرى أن للاختلاف بيننا في قبول هذا الحديث مرجعاً نرجع إليه، وهو أصل الاختلاف في أصل عام يجري في هذا الحديث وأمثاله ألا وهو أصل تغليب جانب التهمة والحذر في قبول الرواة، أو جانب حسن الظن والتسامح، وهما مقامان معلومان من قديم لأئمة الحديثة وبها كان التفاوت في مراتب ضبط المحدثين وتمحيصهم ونقدهم. فقد كان عمر بن الخطاب يقول: «المسلمون عدول بعضهم على بعض»، ثم لما حدثت شهادة الزور قال عمر: «لا يؤمَّر أحد في الإسلام بغير العدول». ونشأ عن ذلك اختلافهم في هل الأصل في الناس هو الجرح أو العدالة؟ ومذهب المحققين، وفي مقدمتهم مالك بن أنس أن الأصل في الناس هو الجرْحُ فلذلك قال: لا يقبل مجهول الباطن وإن كان مستور الظاهر، وعلى هذا القول درج جمهور أهل التحقيق والضبط، ومن الناس من قال: الأصل في الناس العدالة وقبلوا مستور الظاهر وإن جهل باطنه، وإلى هذا ذهب الأقل منهم أبو حنيفة وابن فورك وسليم الرازي من الشافعية، ولكن إذا ظهر موجب الجرح بطل الخلاف، وفي الناس متساهلون يظنون الخير ويتلقون الأخبار عن كل مسلم إلى أن بلغ الحال ببعضهم أن عد تمحيص الرواة من قبيل الغيبة فأنكروه على ابن معين، فقال قائلهم: ولابن معين في الرجال مقالة ... سيسأل عنها والإله شهيد فإن كان حقّاً قوله فهو غيبة ... وإن كان زوراً فالعقاب شديد وطريقة إمامنا مالك ونظرائِه أئمة النقد هي الطريقة المثلى وعليها كانت سننه في تهذيب كتاب الموطأ عاماً فعاماً، وقد قال ابن أبي حاتم: قلت ليحيى بن معين: لماذا مالك قلَّ حديثه؟ فقال: لكثرة تمييزه، وقد كان يأتي في ذلك بتشديد عمر ابن الخطاب في قبول الرواية عن رسول الله ﵁ كما وقع في حديث أبي موسى الأشعري معه في كتاب الاستئذان في الموطأ وصحيح البخاري، وأن عمر قال لأبي موسى: (أما إني لا أتهمك؛ ولكني أردت أن لا يتجرأ الناس على الحديث
следующие страницы →