Полный текст (172 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الخليفة أبي جعفر المنصور، روى أبو مصعب أن أبا جعفر المنصور الخليفة قال لمالك: «ضُمَّ هذا العلم يا أبا عبد الله ودوَّنه كتبًا وتجنب فيها شدائد عبد الله ابن عمر، ورخص ابن عباس، وشواذ بن مسعود، واقصد أوسط الأمور، وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة»، وقال الكيا الهراسي: كان الموطأ سبعة آلاف حديث فلم يزل مالك ينتقيها حتى بقي فيه سبعمائة حديث، وفي المدارك لعياض قال سليمان بن بلال: «لقد وضع مالك الموطأ وفيه أربعة آلاف حديث فمات وهي ألف حديث ونيَّف يخلصها عامًا عامًا بقدر ما يرى أنه أصلح للمسلمين وأمثل في الدين»، وبوَّبه وصنَّفه على أبواب الفقه، وجعل فيه كتاب الجامع وهو أول من ترجم بهذه الترجمة، وفسر ما وقع فيه من غريب الألفاظ العربية، وروى فيه من الآثار ما سلم في معيار النقد وجرب من جهات الصحة؛ فلذلك كانت أحاديث الموطأ أصح الأحاديث، وقد اتفقوا على أن أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ .
من أجل ذلك كله اتفق أئمة الدين والحديث على أن الموطأ ما جمع إلا الحديث الصحيح، وأنه أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى، وفي هذا المعنى عبارات مأثورة، قال ابن مهدي: ما كتاب بعد كتاب الله أنفع للناس من الموطأ، وقال: لا أعلم من علم الإسلام بعد القرآن أصح من موطأ مالك، وقال الشافعي: ما في الأرض كتاب في العلم أكثر صوابًا من كتاب مالك، وقال أيضًا: ما على الأرض كتاب أصح من كتاب مالك، وقال أيضًا: ما كتب الناس بعد القرآن شيئًا هو أنفع من موطأ مالك، فالموطأ أول كتاب دُوَّن في الصحيح عند المحققين من الأئمة، قال القاضي أبو بكر ابن العربي في مقدمة كتابه عارضة الأحوذي على كتاب الترمذي: اعلموا -أنار الله أفئدتكم- أن الموطأ هو الأول واللباب، وكتاب الجعفي هو الثاني في هذا الباب وعليهما بناء الجميع كالقشيري أي: (مسلم) والترمذي.
وقال السيوطي: قال بعض العلماء: إن البخاري إذا وجد حديثًا يؤثر عن مالك لا يكاد يعدل به إلى غيره حتى إنه روى في صحيحه عن عبد الله بن محمد ابن أسماء عن عمه جُويرية بن أسماء عن مالك (يعني: بواسطتين بينه وبين مالك
стр. 72
مع ما للمحدثين من الرغبة في السند الأقرب).
ما المراد بالحديث الصحيح ؟
اعلم أن الذي اصطلح عليه البخاري ومن جاء بعده أن لقب الحديث الصحيح هو الحديث الذي اتصل سنده، يرويه واحد عن واحد إلى النبي ﷺ بعدول ضابطين بلا شذوذ، أي: بأن لا يخالف أحد رواته ما يرويه من هو أرجح منه حفظًا مخالفة لا يمكن معها الجمع بين الروايتين كما أشار له مسلم في مقدمة صحيحه، ولا يكون فيه علة خفيَّة قادحة مجمع عليها، فشرط البخاري ومسلم أن لا يخرجا إلا الحديث المتفق على ثقةٍ نَقَلة إلى الصحابي من غير اختلاف بين الثقات الأثبات بسند متصل غير مقطوع، ففي شرط اتصال السند إلى النبي ﷺ خالفا مالكًا من أجل أنهما لا يخرجان الحديث المرسل والمقطوع، ولا يعد أنه في قسم الصحيح، ومالك ﵀ يراه صحيحًا وحجة -وهو قول أبي حنيفة أيضًا- وقال أبو عيسى الترمذي: فقد قال الترمذي في آخر كتاب الأشربة من جامعه: «الصحيح حديث الزهري مُرسلًا».
ورأي مالك في ذلك أرجح؛ لأن العبرة بتحقق أو ظن صحة السند إلى رسول الله ﷺ ، والمرسل هو أن يُسقط التابعي اسم الصحابي، ويقول: قال رسول الله ﷺ وهذا التابعي لا يخلو إما أن يكون ثقةً ضابطًا أو غيره، فإن كان الأول فلا شك أن قبول خبره لرسول الله ﷺ وتصدَّيه للرواية عن رسول الله مع ما علم من شدة إعظامها لهذا الشأن ومع جزمه بذلك يعين.
ما يوجد من نسخ للموطَّأ:
نسخة لسويد بن سعيد كاملة (بالمكتبة العاشورية بتونس).
وقطعة من رواية عبد الله بن مسلمة القعنبي بها أوراق متفرقة بعضها من الجزء الأول، وبعضها من الثاني، وبعضها من الثالث، وبعضها من الرابع، وبعضها من الخامس بخطَّ شاميَّ ذكر ناسخها أنه نسخها في سنة (٧٥٧ هـ) بمدينة دمشق.
مشتمل على أبواب من كتاب الصلاة، ومن الصيام ومن الحج، ومن الجهاد.
стр. 73
وورقة من البيوع هي اليوم بالمكتبة الوطنية.
وقطعة من رواية علي بن زياد فيها كتاب الضحايا، وكتاب الزكاة، ومعظم كتاب الصيد من كتب المكتبة العتيقة بالجامع الأعظم بالقيروان بها أوراق ... وقطعة من رواية عبد الرحمن بن القاسم بها عدة أوراق مائة ونيف وأربعون، وهي من كتب المكتبة العتيقة بالجامع الأعظم بالقيروان.
وقطعة من رواية أبي مصعب الزهري بها ديوان من كتاب الحج بالجامع الأعظم بالقيروان بها (٣٠) ورقة، وأول من أدخل الموطأ إلى المغرب علي بن زياد التونسي، وأول من أدخل الموطأ إلى الأندلس زياد بن عبد الرحمن المعروف بشبطون.
اسم كتاب الموطأ:
وجه تسمية كتاب مالك بالموطأ يؤخذ مما روي عن مالك ﵀ أنه قال:
«عرضت على سبعين فقيهًا من فقهاء المدينة كتابي فكلهم واطأني عليه» فتسميتُه بالموطأ اعتبار بأنه اسم مفعول من واطأه على الأمر إذا وافقه عليه على طريقة الحذف والإيصال، أي: موطأ عليه فقيل الموطأ على غير قياس، والقياس أن يقال: المواطأ، والأظهر أن هذا الاسم اسم مفعول من: وطَّأ الأمر إذا سهله ودمثه، فأصله الهمز كما في تاج العروس وقد تخفف همزته فيقال: الموطأ، وقد أشار إلى هذا التخفيف صاحب تاج العروس وشاع هذا التخفيف على ألسنة الناس، وليس أصل الكلمة بالألف؛ إذ لا توجد هذه المادة، وورد الوجهات في الكلام، فمن استعماله بالهمز قول أبي الطاهر أحمد الأفهاني أنشده في المدارك:
أعم الكتب نفعًا للفقيه ... موطأ مالك لا شك فيه
ومن التخفيف قول سعدون الورجيني من قصيدة:
ولو لم يلح نور الموطأ لمن يرى ... بليلٍ عَماه ما درى أين يذهب
وكرر هذا اللفظ في أبيات سبع كرات بالتخفيف.
стр. 74
مُراجعَة فيما تَضَمَّنَه كتاب «فتح الملك العَلي»
«عرف القرَّاء مما قد أشرنا إليه في أعداد ماضية بخصوص الكتاب المذكور أن فضيلة الأستاذ الأكبر كان قد راجع مؤلفه وأباه له وجوه الضعف في هذا الكتاب، وقلنا: إننا سوف ننشر تلك المراجعة الآن وقد وافانا البريد بها فننشرها شاكرين».
طالعت كتابكم «فتح الملك العلي» فرأيت أنكم نحوتم فيه نحو تلقي حديث: «أنا مدينة العلم» بالقبول، ولا بدع في ذلك فقد سبقكم إلى ذلك كثير من المحدثين كما أن كثيراً منهم نبذوه بالعراء، وكثيراً رموه بأنه وضع وافتراء.
وتبين من حاصل أقوالهم فيه أن منكريه لم يقتصروا على الطعن في رجال أسانيده بل تجاوزوا ذلك إلى الحكم على ذات الحديث، فقالوا فيه أقوالاً شديدة مثل: «موضوع، منكر، لا أصل له، كذب، كم خلق افتضحوا فيه، لم يروه عن أبي معاوية أحد من الثقات»، ومثل هذا الحكم لا يصدر عن أصحابه من الحفاظ إلا بعد التقصي والاستقرار لجميع أسانيده فإذا لم يجدوا فيها مظنة الصحة استخلصوا من استقرائهم حكماً كليّاً يتعلق بذات الحديث المروي، وليس حكماً جزئيّاً متعلقاً بأسانيده، وهذا مقام شديد في الحكم، ونظيره قول الإمام أبي عبد الله البخاري في باب من أهدى له هدية وعنده جلساؤه: «ويذكر عن ابن عباس أن جلساءه شركاؤه ولم يصح»، أي: لم يصح عن رسول الله ﷺ فلم يعين البخاري سنداً؛ بل جزم بعدم صحة المروي ولأجل حكمهم على ذات حديث: «أنا مدينة العلم» بالوضع صار هذا الحديث سبب الطعن في أبي الصلت حتى إنك لتجد في كلام بعضهم الاعتراض على من عدل أبا الصلت بقوله: (أليس قد روى حديث: أنا مدينة العلم) كما ذكره الحاكم في المستدرك عن العباس بن محمد الدوري عن صالح بن حبيب.
ثم إن جماعة تظاهروا على أن أبا الصلت وضع هذا الحديث عن أبي معاوية
стр. 75
وذكر قليل منهم أن أبا معاوية حدث به، ثم كف عنه وعلى كل حال فكثرة الاختلاف فيه وشدة عناية الأئمة بالفحص عن رواته يؤذن بأنه حديث لم يكن معروفاً عند الحفاظ، وأنه طلع على هذه الأمة طلوع الشواظ.
المراجعة الإجمالية:
هذا وإني أرى أن للاختلاف بيننا في قبول هذا الحديث مرجعاً نرجع إليه، وهو أصل الاختلاف في أصل عام يجري في هذا الحديث وأمثاله ألا وهو أصل تغليب جانب التهمة والحذر في قبول الرواة، أو جانب حسن الظن والتسامح، وهما مقامان معلومان من قديم لأئمة الحديثة وبها كان التفاوت في مراتب ضبط المحدثين وتمحيصهم ونقدهم.
فقد كان عمر بن الخطاب يقول: «المسلمون عدول بعضهم على بعض»، ثم لما حدثت شهادة الزور قال عمر: «لا يؤمَّر أحد في الإسلام بغير العدول».
ونشأ عن ذلك اختلافهم في هل الأصل في الناس هو الجرح أو العدالة؟ ومذهب المحققين، وفي مقدمتهم مالك بن أنس أن الأصل في الناس هو الجرْحُ فلذلك قال: لا يقبل مجهول الباطن وإن كان مستور الظاهر، وعلى هذا القول درج جمهور أهل التحقيق والضبط، ومن الناس من قال: الأصل في الناس العدالة وقبلوا مستور الظاهر وإن جهل باطنه، وإلى هذا ذهب الأقل منهم أبو حنيفة وابن فورك وسليم الرازي من الشافعية، ولكن إذا ظهر موجب الجرح بطل الخلاف، وفي الناس متساهلون يظنون الخير ويتلقون الأخبار عن كل مسلم إلى أن بلغ الحال ببعضهم أن عد تمحيص الرواة من قبيل الغيبة فأنكروه على ابن معين، فقال قائلهم:
ولابن معين في الرجال مقالة ... سيسأل عنها والإله شهيد
فإن كان حقّاً قوله فهو غيبة ... وإن كان زوراً فالعقاب شديد
وطريقة إمامنا مالك ونظرائِه أئمة النقد هي الطريقة المثلى وعليها كانت سننه في تهذيب كتاب الموطأ عاماً فعاماً، وقد قال ابن أبي حاتم: قلت ليحيى بن معين: لماذا مالك قلَّ حديثه؟ فقال: لكثرة تمييزه، وقد كان يأتي في ذلك بتشديد عمر ابن الخطاب في قبول الرواية عن رسول الله ﵁ كما وقع في حديث أبي موسى الأشعري معه في كتاب الاستئذان في الموطأ وصحيح البخاري، وأن عمر قال لأبي موسى: (أما إني لا أتهمك؛ ولكني أردت أن لا يتجرأ الناس على الحديث
стр. 76
عن رسول الله ﷺ ، وروينا عن ابن عباس أنه قال: (إنَّا كنَّا إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله، ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف)، وروى مسلم عن ابن سيرين أنه قال: (إن هذا الحديث أو هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم)، وروى أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد أن أبا هريرة قال: إن هذا العلم (يعني: الحديث) دين فانظروا عمن تأخذونه، ومثله مروي عن مالك في التمهيد، وفي المدارك لعياض.
وروينا عن عبد الله بن المبارك: (أن الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء)، وقال عبد الرحمن بن مهدي: (خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظن: الحكم والحديث).
وعلى هذه الطريقة جرى الأئمة المشهود لهم بتمام الضبط مثل أصحاب مالك؛ كعبد الله بن المبارك، وابن مهدي، ومن أصحابهم؛ كالإمامين البخاري ومسلم.
وأنا أرى التحري أولى بالمسلمين فقد طفحت عليهم الروايات، فكانت منها دَوَاهٍ وطامَّات.
فإذا كنا متفقين في طريقنا من تغليب جانب التحري فالمراجعة سهلة، ولو لاح الخلاف في أول وهلة، وإن كان كلٌّ ينحو إلى منهج من ذينك المنهجين، فالاختلاف في الفروع تبع للخلاف في الأصول فلنتمسكه بوثاق الود، ولا نهتم باختلاف الأفهام والعقول.
المراجعة التفصيلية:
ثم إن استقراء كتاب «فتح الملك العلي» بلغ بي إلى حصر مدارك الخلاف بيننا في ستة طرق مما سلكتموه:
الطريق الأول: أن كثرة الرواة عن أبى الصلت ترونه موجباً تعديله وأنا أرى أن كثرة الرواة عن المطعون فيه ليست بالتي تفلته من سهام الطاعنين وأنتم تعلمون أن أهل الصحيح والحسن يتوقفون في الرواية عن أحد بقولهم: «تكلم فيه» فكيف والذين رووا عن أبي الصلت كلهم متكلم فيهم.
الطريق الثاني: جعلتم اشتهار أبي الصلت بالزهد والديانة شاهداً لتعديله، وهذا لا أساعد عليه؛ إذ بين الديانة والعدالة بون، فقد قال مالك ﵁: لقد أدركت سبعين ممن يقول: قال رسول الله عند هذه الأساطين وإن أحدهم لو اؤتمن على بيت
стр. 77
مال لكان أميناً إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن»، وروى ابن وهب عنه أنه قال: «أدركت بهذه البلدة أقواماً لو استسقى بهم القطر لسقوا قد سمعوا الحديث كثيراً ما حدثت عن أحد منهم شيئاً، لأنهم كانوا ألزموا أنفسهم خوف الله والزهد» وهذا الشأن (يعني الحديث) يحتاج إلى رجل معه تُقَى وورع وإتقان وفَهْم وعلم، فيعلم ما يخرج من رأسه وما يصل إليه غداً، وقال يحيى بن سعيد القطان فيما روى عنه مسلم: «لم نر أهل الخير في شيء أكذب منهم في الحديث (يريد أنهم يكذبون عن توهم وغلط واختلاط في المسموعات وحسن الظن بالرواة)، وقال عبد الله بن المبارك في شأن عَباد بن كثير: «كنت إذا ذكر في مجلس أثنين عليه في دينه وأقول: لا تأخذوا عنه» فإذا سلمنا أن أبا الصلت كان على جانب من التفوق والزهد فلسنا بالذين نسلم أن ذلك كافٍ في قبول حديثه.
الطريق الثالث: الاحتجاج بتوثيق من وثق أبا الصلت مثل الحاكم في المستدرك ومثل ما نقل عن يحيى بن معين، وأنا آخذ في هذا بقاعدة تقديم الجرح على التعديل إلا إذا كان المجرِّح شاذّاً جدّاً وكان متحاملاً، لا سيما وكثير من الذين جرحوا أبا الصلت طعنوه طعناً عميقاً، كما ذكره الخطيب البغدادي في ترجمته، وكما ذكره أئمة الحديث عن أحمد بن حنبل والدارقطني وابن عدي في شأنه.
وقد ثبت أن أبا الصلت كان يروي أحاديث في مثالب ملصقة بمن تثلبهم الشيعة من الصحابة مثل أبي موسى الأشعري ومعاوية? وذلك يدل على خبث تشيعه ورقة ديانته بدخول الفضول بين خيرة الأمة من أصحاب رسول الله ﷺ وأن الطعن في الصحابة إطلال من كوى الإلحاد في الدين ورفع الثقة بنقلة الدين إلينا، فكيف تطمئن النفس للرواية عن مثله ولا ينفعه مع هذه النزعة زهده وتقاه، وفي الحديث وصف رسول الله قوماً، فقال: «تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم يمرق أحدهم من الدين كما يمرق السهم من الرمية»، وفي الحديث: «التقوى هاهنا» ويشير إلى صدره ثلاث مرات.
وقد جزم أحمد بن حنبل وابن عدي بأن أبا الصلت هو واضع حديث: (أنا مدينة العلم)، وناسبه لأبي معاوية، أما ما ينقل عن يحيى بن معين في شأن أبي الصلت، فكلامه فيه متناقض كما ذكره الخطيب في التاريخ فلا يعول على شيء من كلامه.
وهاهنا ملاحظة تتعلق بهذا الطريق وهي أنكم ذكرتم في صفحة (٨) عن
стр. 78
الدارقطني عن دعلج أن أبا سعيد الهروي سئل عن أبي الصلت، فقال: نعم، ابن الهيصَم ثقة، فقال: إنما سألتك عن عبد السلام، فقال: نعم ثقة. ا. هـ.
والظاهر أن في النسخة تحريفاً فإن الخطيب البغدادي في التاريخ في ترجمة عبد السلام بن صالح ذكر كلام الدارقطني عن دعلج، ونص جواب الهروي هكذا:
«نعيم بن الهيصم (بالصاد المهملة) ثقة قال سائله: إنما سألتك عن عبد السلام، فقال: نُعَيم ثقة ولم يزد»، فهذا إعراض من أبي سعيد الهروي عن الجواب عن حال عبد السلام بن صالح الملقب بأبي الصلت، وليس في العبارة نعم، حرف الجواب، بل هو نُعيم اسم بصيغة التصغير ونعيم هذا هروي توفي سنة (٢٢٨ هـ).
الطريق الرابع: رأيتم أن هذا الحديث روي من غير طريق أبي الصلت؛ إذ رواه محمد بن جعفر الفيدي عن أبي معاوية، وجعفر بن محمد البغدادي الفقيه عن أبي معاوية، وعمر بن إسماعيل بن مجالد، وأحمد بن سلمة الجرجاني، وإبراهيم ابن موسى الرازي، ورجاء بن سلمة، وموسى بن محمد الأنصاري، ومحمود ابن خداش، والحسن بن علي بن راشد، وأبو عبيد القاسم بن سلام.
وقد ذكرت في مقالي ما قيل في جعفر بن محمد، وفي رجاء بن سلمة، وفي أحمد بن سلمة، وفي عمر بن إسماعيل، فيبقى محمد بن جعفر الفيدي، وإبراهيم ابن موسى الرازي، وموسى بن محمد الأنصاري، ومحمود بن خداش، والحسن ابن علي بن راشد، وأبو عبيد القاسم بن سلام.
فأما محمد بن جعفر الفيدي فهو في ذاته ثقة غير أن روايته لم تنقل إلينا بسند معروف حتى ننظر رجاله الراوين عن محمد بن جعفر الفيدي، ثم ننظر صيغة التحديث به عن أبي معاوية إنما رأينا نقلاً نقله الخطيب في التاريخ عن ابن معين بغير سند أن الفيدي روى عن أبي معاوية فالله أعلم بحال سنده.
وأما إبراهيم بن موسى فرواه عنه محمد بن جرير الطبري، وقال: إنه شيخ لا أعرفه ولا سمعت منه غير هذا الحديث، فهو إذن مجهول لراويه، غريب عنده، فلا يعتد به وهو غير إبراهيم بن موسى الرازي الملقب بالقراء وبالصغير فذاك إمام جليل.
وأما موسى بن محمد الأنصاري فقد روى حديث: «أنا دار الحكمة» وقد ذكرت روايته في مقالتي في جملة رواياته وبينت ما فيها، وفي رواته محفوظ ابن بحر الأنطاكي، وقد قال فيه أبو عروبة: إنه كذاب، قاله الذهبي في الميزان.
стр. 79
وأما محمود بن خداش، والحسن بن علي بن راشد فقد كفيتم القول فيهما؛ إذ قلتم: إن الراويين عنهما متهمان.
وأما أبو عبيد ففي الذين حدثوا عنه الجبريني وهو من الضعفاء، وقد ذكرتم متابعة سعيد بن عقبة، ومتابعة عثمان بن عبد الله الأموي، وصرحتم كما صرحنا بقول ابن عدي فيهما فلا يتكثر بهما.
الطريق الخامس: تعضيد هذا الحديث بالشواهد المعنوية مما يدل على فضائل علي ﵁، وأن فضل علي لا ينكره إلا جاهل ضعيف الإيمان، فهو عند جمهور علماء الإسلام في الرعيل الأول من أفاضل الصحابة، واتفق أهل السنة قاطبة على أنه يتلو في الفضل أبا بكر وعمر واختلفوا في الثالث، فقيل: عثمان وهو قول الجمهور منهم وهو الأصح عن مالك وهو الذي نتقلده، وقيل: الثالث علي، وقيل: هما سواء وهو مروي عن مالك فرضي الله عن جميعهم.
إنما الكلام في فضيلة خاصة وهي أن يكون علي هو الطريق الواضح لعلم رسول الله ﷺ فهذا لا يكون إلا من نِحَل الرافضة كما بينته في مقالي، ويقوي التهمة المذكورة رواية الإصبغ بن نباتة لهذا الحديث أن رسول الله قال لعلي: «يا علي كذب من زعم أنه يدخلها من غير بابها» فقد صرحت المكيدة بعد أن لوحت بها القرائن العديدة.
الطريق السادس: أن كثرة الروايات والطرق للحديث الضعيف تبلغ به مرتبة الحسن أو الصحة، وهذا إذا سلمناه فإنما يحتمل في الحديث الخفيف ضعفه، وأما الذي نحن بصدد الخوض فيه فهو موضوع أو شديد الضعيف، فكثرة المتابعات لا تفيد على أن نمنع إطلاق القاعدة كما يدل عليه كلام النووي وابن الصلاح.
والخلاصة: أن حال أسانيد هذا الحديث يمنع من إدخاله في حقيقة الصحيح وحقيقة الحسن لفقدان شروطهما فيه فيدور أمره بين الضعف والوضع.
* * *
стр. 80
الأسَانيد المريضَة الرِّوَايَة حَديث طلب العِلم فريضَة
اشتهر في بعض الكتب وعلى ألسنة الناس حديث رسول الله (ص) أنه قال: «طلب العلم فريضة»، وقد روي من طرق كثيرة بروايات متنوعة، وقد طلب مني بيان حالها ومتابعة مواقعها في حلها وترحالها فأجبت السؤال لأكون ممن أعطى الحكمة.
الرواية الأولى:
«طلب العلم فريضة على كل مسلم» روي مرفوعاً عن أنس، وابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود، وعلي، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، قال السيوطي في جمع الجوامع وفي الجامع الصغير: أخرجه ابن عدي في كامله الموضوع للضعفاء عن أنس، والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس.
وأخرجه الطبراني في الأوسط عن ابن عباس، والطبراني في الكبير عن ابن مسعود، والبيهقي في شعب الإيمان، والطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري، والخطيب البغدادي في التاريخ عن علي بن أبي طالب، وتمام في فوائده عن ابن عمر.
أقوال الحفاظ في رجال سنده:
قال ابن عدي في الكامل ومحمد بن طاهر المقدسي في ذخيرة الحفاظ ما ملخصه: إن روايته عن ابن مسعود هي من رواية عثمان الجمحي وعثمان هذا منكر الحديث.
وروايته عن ابن عمر من رواية موسى بن إبراهيم وموسى مجهول ضعيف، ومن رواية وهب بن وهب، ووهب هذا كذاب، ومن رواية محمد بن عبد الملك الأنصاري ومحمد هذا متروك الحديث، قال أحمد بن حنبل فيه: إنه كان يضع الحديث، وروايته عن جابر بن عبد الله من رواية محمد بن عبد الملك الأنصاري المذكور آنفاً، وروايته عن أنس بن مالك من رواية حسان بن سنان.
ومن رواية سليمان بن قرم وهو أيضاً ضعيف، ومن رواية حفص بن سليمان الغاضري،
стр. 81
وحفص متروك الحديث، ومن رواية ظريف بن سليمان أبي عاتكة وهو منكر الحديث، ومن رواية عبد الله بن حراش وعبد الله هذا قال البخاري فيه: إنه منكر الحديث، ومن رواية سليمان بن سلمة، الخياري عن بقية بن الوليد عن الأوزاعي وهو منكر من حديث الأوزاعي ووقع فيه تخليط لبقية بن الوليد، أقول بقية بن الوليد متكلم فيه، قاله ابن العربي في العارضة على سنن الترمذي في شرح حديث العرباض بن سارية من باب الأخذ بالسنَّة، ومن رواية أحمد بن هارون وأحمد هذا وضعه، ومن رواية زياد بن سحنون، وزياد متروك الحديث، ومن رواية حسام بن نضلة، وحسام ضعيف انتهى حاصل كلام ابن عدي في الكامل.
آراء الحفاظ في حالته:
أخرجه ابن عدي في كتابه المعدود للضعفاء وحكم على جميع طرقه بالضعف، وقال السيوطي في الدرر المنتثرة: في كل طرقه مقال، وقال ابن عبد البر: روي من وجوه كلها معلولة، وقال عن إسحاق بن راهويه: إن في أسانيده مقالاً، وقال البزار في مسنده: روي عن أنس بأسانيد واهية ا. هـ.
وقال السيوطي في الدرر عن المِزِّي (بكسر الميم، تلميذ النووي ووقع في بعض نسخ الدرر المنتثرة المزني) وهو تحريف لهذا الحديث، روي من طريق تبلغ مرتبة الحسن، وقال المناوي في شرح الجامع الصغير: أسانيده كلها ضعيفة لكنها تقوى بكثرتها، وقال السيوطي في الدرر: أخرجه ابن ماجه عن كُثَيِّر بن شنظير، وكُثَيِّر مختلف فيه فالحديث حسن.
الرأي فيه من جهة سنده أنه حديث ضعيف رأينا فيه من أوهى مراتب الضعف؛ لأن رواته بين متروك وضعيف ووضاع وكذاب ومنكر ومختلف فيه؛ وإذ قد طعن الأئمة في جميع أسانيده فلا يكتسب قوة بالختلافهم في كُثَيِّر بن شنظير، فقد قال ابن عدي في كامله: كثير بن شنظير ضعيف، وقال في تهذيب الكمال عن النسائي: كثير بن شنظير ليس بالقوي، وإذا تعارض الجرح والتعديل، فالجرح مقدم كما قرره علماء الحديث والفقه والأصول، فإذا كان المجرح أكثر من المعدل أو تساويَا فتقديم الجرح متفق عليه، وإذا كان المجرح أقل من المعدل ففيه خلاف. والصحيح الذي عليه الجمهور من المحدثين والفقهاء والأصوليين تقديم الجرح، فعلى ما قررنا تسقط رواية كثير بن شنظير فلا يكون الحديث حسناً لأجلها خلافاً
стр. 82
للسيوطي على أن رواية كثير بن شنظير هي بواسطة حفص بن سليمان عنه وحفص ابن سليمان متروك الحديث، قاله البخاري.
وإنما قلت: إنه من أوهى مراتب الضعف لما قرره علماء أصول الحديث أن الشديد الضعف هو الذي لا يخلو طريق من طرقه عن كذاب أو متهم، وأما ما نقله السيوطي عن المزي من قوله: إنه روي عن طريق تبلغ مرتبة الحسن، فلم ندر قراره بهذه الطريق، فلعله يعني بها طريق كُثَيِّر بن شنظير، وقد علمت ما فيها، وعلى تسليم كون الخلاف في كثير بن شنظير لا يسقطه إلى درك الجرح فإن حقيقة الحديث الحسن لا تنطبق على مثله؛ إذ الحديث الحسن يشترط فيه سلامة رجال سنده من الجرح، وإنما ينزل عن مرتبة الصحيح بقلة ضبط رجاله مع عدالتهم.
وبقي لنا قول المناوي: إن كثرة طرق هذا الحديث تقويه، فهذا كلام نحتاج فيه رده إلى تطويل؛ لأن صدور أمثاله كَثِير من كلام بعض المنتقين للحديث وهو كلام لا يؤخذ على إطلاقه؛ لأن الضعيف أقسام كثيرة تنتهي في الضعف إلى الموضوع فإن الموضوع من الضعيف عند المحققين من المحدثين، فبينا أن تنظر إلى حالة الضعيف فإن كان ضعيفاً قريباً من الحسن - أعني قد نقص منه صفة من صفات الحسن أو صفتان ليست إحداهما راجعة إلى اتهام بعض رواته - فهو مقبول في الجملة، فهذا إذا اعتضد بطرق أخرى متماثلة في الضعيف بدون طعن في أحد رواته قد يكتسب قوة ما، ولكنها قوة لا تخرجه عن رتبة الضعف وإنما تكسبه قوة في الضعف، فهذا مشتبه على الضعفاء في علم الحديث فيحسبون أن الضعيف من هذا النوع إذا اعتضد بمثله ارتقى إلى رتبة الحسن وهو وهم وتخليط، ألاَّ ترى أن المحدثين ذكروا في حديث: «من حفظ من أمتي أربعين حديثاً من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة في زمرة العلماء» أنه روي عن جماعة من الصحابة: علي بن أبي طالب وعبد الله ابن مسعود ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأنس ابن مالك وأبي هريرة وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري، وأنه روي من طرق كثيرة، وذكروا أن الحفاظ اتفقوا على أنه حديث ضعيف وإن كثرت طرقه؛ لأن جميع طرقه ليس فيها طريق من علة قاله النووي، وقاله ابن حجر.
وهاهنا توجيه كنت جعلته دستوراً في كيفية الاعتضاد بكثرة طرق الأخبار إذا تعددت طرقها وقررته في دروس الأصوليين؛ وذلك أن الحديث الصحيح يغلب
стр. 83
الظن بصدق نسبته إلى رسول الله نظراً لحسن الظن برواته، وفيه احتمال مرجوح جدّاً بأن يكون مكذوباً عن رسول الله ﷺ .
والحديث الحسن دونه فيه الظن يصدق نسبته، وفيه احتمال مرجوح بأن يكون مكذوباً، والحديث الضعيف يستوي من ظن احتمال بعدم صدق نسبته إلى رسول الله ﷺ وظن احتمال صدق نسبته إليه.
فإذا كثرت طرق الحديث وطرق الحسن فقد تأيد ظن الصدق بظنون مثله راجحة، فيصير الصحيح قريباً من المتواتر، ويصير الحسن قريباً من الصحيح، بخلاف الضعيف، فإن تكررت طرقه الضعيفة يؤيد احتماليه معاً فيبقى كما هو لا يكتسب قوة بتكرر الطرق.
أما من جهة معناه فهو يؤدي معنى غير منضبط يحتاج إلى التأويل وذلك لا يناسب الفصاحة النبوية؛ لأن التعريف في لفظه «العلم» المضاف إليه «طلب» لا يخلو أن يكون للعهد أو الاستغراق، ولا يجوز أن يكون للعهد إذ ليس في الشريعة علم معهود يتطرق إليه الذهن عند تعريفه بلام العهد، فتعين أن محمل التعريف للاستغراق، وهو إما استغراق حقيقي أو عرفي ولا يجوز أن يكون استغراقاً حقيقيّاً؛ لأنه يقتضي مطالبة كل مسلم بطلب جميع العلوم وهذا من التكليف بما لا يطاق وهو منفي عن دين الإسلام بحكم قوله تعالى: ﴾ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فبقي أن يكون استغراقاً عرفيّاً أي كل علم من العلوم الشرعية، وهذا ظاهره باطل إذ لا يجب على كل مسلم أن يطلب جميع العلوم الشرعية بل تحصيلها فرض كفاية يتوزعه طائفة من الأمة كما اقتضته آية: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]، وإذا كان ظاهره غير مراد قطعاً لزم تأويله ولا دليل على تأويل معين، فيصير من المجمل الباقي على إجماله وذلك لا يليق بمقام التشريع أن يخاطب المسلمون بشيء واجب عليهم غير معين مقداره.
وقد تأوله بعض العلماء بأن المراد به علم ما لا يسع المكلف جهله من صلاته وطهارته وصيامه ونحو ذلك بأن يحصل ما يمكنه تحصيله، ويسأل عما لا يمكنه تحصيله عند نزوله به، ولا يخفى أنه تأويل بعيد؛ إذ تحصيل قواعد الدين والسؤال عن جزئياتها عند نزولها لا يسمى طلب العلم في متعارف اللغة.
يدل لذلك ما وقع في جامع العتبية في سماع القرينين أشهب وابن نافع سؤال.
стр. 84
مالك عن طلب العلم: أفريضة هو؟ فقال: لا والله ما كل الناس كان عالمًا وإن من الناس من أمره أن لا يطلبه، ثم قال من الغد قد سئلت: أطلب العلم فريضة؟ فقلت: أما على كل الناس فلا. اهـ.
قال ابن رشد في البيان والتحصيل قوله: إن من الناس من أمره أن لا يطلبه، يريد من الناس من هو قليل الفهم لا تتأدى له المعاني على وجوهها، وإذا سمع الشرح تأوله على خلاف معناه، ومن كان بهذه الصفة فالحق أن يترك الاشتغال بطلب العلم ويشتغل بما سواه من ذكر الله وقراءة القرآن والصلاة، وفي قوله من الغد: أما على كل الناس فلا يدل على انه فريضة على بعضهم فهو عنده فريضة على من كان فيه موضع للأمانة ا. هـ كلام ابن رشد. أقول: كلام الإمام من الغد بيان لقوله قبله: «ما كان الناس كان عالمًا»، وكلامه كله مؤذِن بأن المراد بطلب العلم تحصيل المسائل وفهمها وتنزيلها؛ وذلك لا يلاقي تفسير من فسر العلم بمعرفة قواعد الإسلام والسؤال عن جزئياتها.
تنبيه: قال السندي في شرح سنن ابن ماجه عن السخاوي: ألحق بعض المصنفين آخر هذا الحديث «ومسلمة» وليس لها ذكر في شيء من طرقه ا. هـ.
الرواية الثانية:
«طلب العلم فريضة على كل مسلم وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجواهر والؤلؤ والذهب».
رواه ابن ماجه من طريق حفص بن سليمان عن كُثَيِّر بن شنظير عن أنس ابن مالك قال المناوي في شرح الجامع الصغير: ضعفه الحافظ المنذري، وقال محمد السندي في شرح سنن ابن ماجه: إنه حديث ضعيف لضعف حفص بن سليمان، وسئل عنه النووي فقال: هو ضعيف سندًا.
وقال المزي تلميذ النووي والسيوطي: هو حسن لكثرة طرقه.
أقول: يريد الجزء الأول من الحديث وهو الرواية المتقدمة، أما قوله: «وواضع العلم ... » إلخ، فلا يعرف له طريق غير طريق حفص بن سليمان عن كثير بن شنظير. وقد قدمنا في الكلام على الرواية الأولى قولهم في حفص بن سليمان: إنه متروك الحديث، وفي كُثَيِّر بن شنظير: إنه مختلف في قبوله.
وأما ضعفه من جهة المعنى فجزؤه الأول تقدم الكلام عليه، وجزؤه الثاني مختل
стр. 85
المعنى، إذ المقصود منه التحذير من وضع العلم عند غير أهله وتشنيع ذلك الوضع. ولا سبيل إلى معرفة أهلية طالب العلم لوضع العلم عنده حتى يحذر منه، على أنه لا يلاقي صدر الحديث القاضي بأن طلب العلم فريضة على كل مسلم، فكأن صدره يأمر بطلب العلم، وعجزه يأمر بإمساك العلم عمن ليس له بأهل فينفتح باب عظيم لإمساك العلم بانفتاح باب النظر في أهلية الطالب وعدمها.
الرواية الثالثة:
«طلب العلم فريضة على كل مسلم وإن طالب العلم ليستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر» قال السيوطي في الجامعين: رواه ابن عبد البر في كتاب فضل العلم عن أنس قال المناوي في شرح الجامع: رُوى بوجوه كثيرة كلها معلولة.
وضعه من جهة المعنى في جزئه الأول تقدم الكلام عليه، وأما قوله: «وإن طالب العلم ليستغفر له كل شيء ... » فلا يشبه أن يكون من كلام النبوة لركاكته فإن أكثر البشر لا يستغفرون لطالب العلم، وأي معنى لاستغفار الحيوان والحيتان وعهدنا أن الصالحين يستغفر لهم الملائكة قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧]. الآية، فلا تنزل درجة طالب العلم إلى أن يستغفر له الحيتان.
الرواية الرابعة:
«طلب العلم أفضل عند الله من الصلاة والصيام والحج والجهاد» رواه الديلمي في مسند الفردوس عن ابن عباس، قال المناوي في شرح الجامع: فإسناده فيه وضاع.
أما ضعف معناه فإن الصلاة والصيام والحج منها واجب هو المراد هنا لقرينة ذكرها مع الحج وطلب العلم تطوع، والواجبات أفضل من التطوع إلا ثلاثة فضائل مستثناة هي من جنس واجباتها وهي التوضؤ قبل دخول الوقت وابتداء السلام وإبراء المعسر مع أن الواجب إنظاره إلى ميسرة.
الرواية الخامسة:
«طلب العلم ساعةً من قيام ليلة، وطلب العلم يومًا خير من صيام ثلاثة أشهر» رواه الديلمي في مسند الفردوس قال المناوي: بسند ضعيف.
стр. 86
الرواية السادسة:
«اطلبوا العلم ولو بالصين فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم» رواه من طريق ابن عدي في الكامل، رواه ظريف بن سليمان أبو عاتكة عن أنس، وقال البخاري: ظريف منكر الحديث، ورواه أحمد الجوباري بسنده إلى أبي هريرة، والجوباري كذاب، وقد سرق هذا الحديث من أبي عاتكة ركب له إسنادًا آخر إلى أبي هريرة.
قال السيوطي في الليالي المصنوعة عن ابن حبان: هو باطل لا أصل له، وقال البيهقي في شعب الإيمان: متنه مشهور وإسناده ضعيف.
الرواية السابعة:
«طلب العلم فريضة والله يحب إغاثة اللهفاء» رواه البيهقي في شعب الإيمان وابن عبد البر في كتاب فضل العلم، قال المناوي في شرح الجامع: إسناده ضعيف.
الرواية الثامنة:
«طلب العلم فريضة على كل مسلم فكن أيها العبد عالمًا أو متمتعًا ولا خير فيما بين ذلك» قال في جمع الجوامع: رواه الديلمي عن علي ﵁ يعني وهو ضعيف لقول المؤلف في ديباجة كتابه: إن كل ما عزي إلى الديلمي في مسند الفردوس فهو ضعيف، فيستغنى بعزوه عن بيان ضعفه يعني ما انفرد به فإن انفراده هو موجب العزو إليه.
* * *
стр. 87
التنبيه على أحَاديث ضعيفَة
أَو مَوضُوعة رَائجَة على ألسنة النَّاس
إن من أكبر ما أضر بالمسلمين في تصورهم معاني الدين هو غرورهم بما أملي عليهم من تهوين أمر العمل بشرائع الإسلام ورضاهم بالاقتصار على فضيلة الإيمان والإسلام مع إهمال كثير من الأعمال، ومن قلب حقائق شرعية في أصول الدين أو في فروعه، وهذه الأحوال إنما جرها إليهم مرويات ضعيفة تكاثرت بين المسلمين بسبب تهاون بعض أهل الحديث بالأحاديث الضعفة في فضائل الأعمال، وقد أدخلت تلك الأحاديث الموضوعة الشائعة بين المسلمين والمجهول وَهَنُهَا عند عامتهم وكثير من خاصتهم المعرضين عن تمحيص أسانيد الأحاديث أغلاطًا كثرة، سرى مفعولها في الناس فلم تخل بعض كتبهم من بعضها، فكان حقًّا على كل من يتصدى لإصلاح حال المسلمين أن ينبه على تمحيص الآثار لما في التساهل في قبول واهنها من الأخطار التي لا يقدر المرء مقدار ما تفضي إليه، فمن حق المسلم الإعراض عنها والاشتغال بالصحيح والحسن فهو أهون عليه، وها أنا أذكر طائفة منها مرتبة على حروف المعجم وسنقفيها في كل عدد بعدد من نوعها.
أ. «أنا مدينة العلم وعلى بابها» حديث موضوع بجميع أسانيده على ما انفصل عليه المحققون من المحدثين ولا عبرة بمن أخرجه اغترارًا بظاهر حال راويه، وقد وضعه أبو الصلت واشتهر به.
ب. «أحبوا العرب لثلاث؛ لأني عربي، والقرآن عربي، ولسان أهل الجنة في الجنة عربي» رواه الحاكم وصححه على عادته، وقال الأئمة: هو ضعيف.
ج. «إن الله خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم» ... إلخ، أخرجه ابن عدي في كتاب الضعفاء، وقال الأئمة: هو حديث ضعيف.
د. «إذا ذلت العرب ذل الإسلام» رواه أبو يعلى في مسنده، قال العراقي في رسالته في فضل العرب: هو حديث صحيح، قال المناوي: وفيه ما فيه.
هـ. «بعثت لأتمم صلاح الأخلاق» رواه الحاكم والبيهقي وهو ضعيف.
стр. 88
و. «حب العرب إيمان وبغضهم نفاق» أخرجه الحاكم في المستدرك وهو حديث ضعيف.
ز. «حب العرب إيمان وبغضهم كفر، فمن أحب العرب فقد أحبني، ومن أبغض العرب فقد أبغضني» هو أشد ضعفًا من الذي قبله.
ح. «طلب العلم فريضة على كل مسلم» حديث ضعيف.
ط. «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه أحمد الطبراني وهو حديث ضعيف.
ي. «من كان يحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالعجمية فإنه يورث النفاق» رواه الحاكم في المستدرك قال: صحيح، وأنكره الذهبي.
ك. «الصلاة تبئس وتمسكن» لا يعرف أصله.
ل. «قدموا قريشًا ولا تقدموها وتعلموا منها ولا تعالموها أو لا تعلموها لولا أن تبطر قريش لأخبرتها ما لخيارها عند الله» أخرجه جماعة بأسانيد كلها ضعيفة.
م. «يا جابر أول خلق الله نور نبيك» حديث طويل، وهو حديث منكر يتردد حالة بين الضعف والوضع.
* * *
стр. 89
دفع إشكال في حَديث نبوي
«سألتُ ربي أن لا يُسلط على أمتي عدوٍّ من سوَى أنفسهم»:
سألني أحد أبنائي الأفاضل من شيوخ العلم بجامع الزيتونة عن تأويل قول رسول الله ﷺ «سألتُ ربي أن لا يُسلط على أمتي عدوٍّ من سوَى أنفسهم».
هل هو حديث صحيح أو لا؟ وكيف إذا ظهر صحيحًا يستقيم معناه، فإنا نرى ونسمع أن المسلمين قد تسلط عليهم غير مرة أعداء من غيرهم مثل ما حل بالمسلمين في بلاد الأندلس؟ وهل يستقيم أن نؤوله بأن العدو ما سلط على الأمة في كل مرة إلا بمعونة خيانة من المسلمين أنفسهم وخذلان بعضهم بعضًا فيكون ذلك التسليط في المعنى من أنفس المسلمين.
فأجبته حين السؤال بما حضرني بما يدفع الإشكال؛ وذلك بعض ما يشتمل عليه هذا المقال، ثم بدا لي أن أزيده بيانًا وتحقيقًا؛ ليكون فهم هذا الحديث فهمًا وثيقًا.
سند هذا الحديث هو حديث صحيح رواه مسلم وغيره واللفظ الصحيح ما في مسلم عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله زَوَى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها وأعطيت -وفي رواية وأعطاني- الكنزين الأحمر والأبيض- يعني الذهب والفضة، وقيل أراد الشام والعراق -وإني سألت ربي لأمتي أن لا يملكها بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم بأقطارها- أو قال: من بين أقطارها -حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا ويسبي بعضهم بعضًا» رواه أبو داود والترمذي وأحمد بن حنبل وابن ماجه وابن حبان عن ثوبان بأطول من هذا يزيد بعضهم على بعض، وهذا الحديث مع إشكاله لم يتناوله شراح الحديث: عياض والنووي والأبي من شراح مسلم وابن العربي في شرح الترمذي والخطابي في شرح كتاب أبي داود بما يستحقه من البيان بل تراهم أعرضوا عن بيان المراد منه، وموافقته لما ظهر من الحوادث وقصدنا الاقتصار على محل الإشكال من رواية مسلم.
стр. 90
معناه الذي أرى: أن هذا الحديث مسوق للبشارة والتحذير معًا وأنه جاء على سنن البلاغة النبوية بإيجاز بديع، وأنه على أن رسول الله ﷺ دعا ربه دعوة استجيبت له، فأراد إدخال السرور بها على أمته ليعلموا كرامتهم على الله ويزدادوا معرفة بقدر رسولهم، وقد دل على أن الدعوة مستجابة قوله في آخر الحديث، فيما يرويه عن ربه: «وإني أعطيت لأمتك أن لا أسلط عليهم عدوًّا ... » إلخ، وفيه تحذير مما يخشى وقوعه بين المسلمين من التقاتل، وله نظائر في التحذير كثيرة، منها قوله ﷺ : «فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض»، والتسلط في كلام العرب هو الغلب، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩٠]؛ واشتقاقه من السلاطة وهي الشدة يقال: فلان سليط اللسان، أي خبيث القول، ومنه اشتقت السلطة والسلطان، وقد أريد بالتسليط هنا الشدة وهو تسليط الإهلاك والاستئصال بدليل مجيء فاء التسبب الجعلي عقبة في قوله: فيستبيح بيضتهم، فيعود الكلام إلى معنى: وأن لا يستبيح عدوهم بيضتهم، والنكتة في ابتداء الدعاء بنفي التسليط ثم تعقيبه بنفي الاستباحة هي التأدب بإسناد الفعل المطلوب إلى الله تعالى، وأن العدو إذا لم يسلطه الله لا يستطيع استباحة بيضة المسلمين، والسين والتاء في الاستباحة للصيرورة مثل قولهم استقام الأمر أي صار قيمًا، فالمعنى: فتصير بيضة المسلمين مباحة لهذا العدو المسلط، والإباحة في الأصل المكنة، قال الشاعر:
أبحنا حيهم قتلاً وأسرا ... خلا الشمطاء والطفل الصغير
وضدها الحرمة وهي المنع، ومنه وصف البلد بالحرام، ومعنى صيرورة البيضة مباحة أن لا يبقى لها من القوة والعزة ما يمنع العدو من تناولها والتمكن منها، والبيضة هنا الجامعة، وأصل البيضة لَامة الحرب التي تلبس على الرأس لتقيه ضرب السيوف مثل المغفر، ثم أطلقت على العزة مجازًا مرسلاً؛ لأنها سبب العزة في الحرب للابسها أن يكون آمنًا من إتلاف نفسه، ثم أطلقت على الأمر الذي تجتمع عليه الأمة وبه قوامها وبقاؤها، ومن ذلك قول العلماء: من شرط الخليفة أن يكون قادرًا على حماية البيضة.
والجامعة في اعتبار الإسلام هي جامعة الدين، فلا التفات إلى القبائل والأحياء ولا إلى الأوطان والأمم، لكن الجامعة الإسلامية لما كانت حاصلة في جماعة المسلمين، وكانت جماعة المسلمين لا غنى لها عن الاستقرار في مكان، فوطن
стр. 91
الإسلام وبلاد الإسلام هي الأرض التي يقطنها طوائف من المسلمين، فالتأم من معنى الكلام: أن رسول الله ﷺ سأل الله أن لا يسلط العدو على الأمة تسليطًا يتمزق به إهاب الجامعة الإسلامية، فليس المراد أن لا يسلط العدو على بعض المسلمين في بعض الأقطار أو في بعض الأيام؛ لأن سنة الله في هذا الكون أن الدنيا دول والحرب سجال، وأن الأمور موكلة إلى أسبابها وعوارضها، فقد هزم المسلمون في زمن الرسول ﷺ في بعض الوقائع كما قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١]، وإنما المراد أن لا يسلط عدوًّا على جميع الأمة فيستأصلها بقرينة قوله قبله: أن لا يهلكهم بسنة عامة، أي بقحط يعم جميع بلاد الإسلام حتى يستأصلهم فلا يمنع ذلك من حصول قحط في بعض الجهات يهلك طوائف من الناس، فقد كان قحط عام الرمادة في خلافة عمر ﵁، وكان غيره بعده ونظير هذا أن رسول الله ﷺ سأل ربه غير مرة دعوات مرجعها إلى حماية هذه الأمة من أسباب الاستئصال، فقد أمن الله أمة محمد ﷺ من الخسف ومن الهلاك بالريح ونحو ذلك مما أهلكت به الأمم البائدة، وفي حديث البخاري أن رسول الله ﷺ قال: «سألت ربي أن لا يهلك أمتي بعذاب من فوقهم أو من تحت أرجلهم فاستجاب لي وسألته: أن لا يلبسهم شيعًا ويذيق بعضهم بأس بعض، فلم يستجب لي».
وفي الصحيح أنه لما أنزل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]، قال رسول الله ﷺ «أعوذ بسبحات وجهك الكريم أن يلبسكم شيعًا ويضيق بعضكم لباس بعض» قال رسول الله ﷺ : «هذه أخف»، فالرسول ﷺ حريص على أن لا يصيب الأمة شيء يستأصلها؛ لأن ذلك يقطع أعظم شيء عند الرسول وهو توحيد الله وعبادته، ألا ترى قوله يوم بدر وهو في العريش: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض»؛ وذلك أن الأمم الماضية أصابهم الاستئصال بأنواع الهلكات من نحو الغرق لقوم نوح، والريح لعاد والخسف لأهل سدوم والصاعقة لثمود وسيل العرم لسبأ، والصيحة لمدين، فباد جمعهم وهلكوا، والاستئصال بالسيف لبني إسرائيل على أيدي السريان في مدة بختنصر ثم على أيدي الرومان في زمن طيطس حتى استبيحت بيضتهم وزالت جامعتهم إلى اليوم.
والمراد بالعدو: المعادي، أي المخالف الحنق، وهو هنا عدو الدين بقرينة مقابلته بمجموع الأمة الإسلامية، وقوله: من سوى أنفسهم، أي من غير قومهم؛ لأن الأنفس في مثل هذا المقام يراد به الصميم والقوم، والمراد هنا القومية الدينية لا القَبَليَّة
стр. 92
فيجوز أن يكون هذا الوصف لقوله: «عدوًّا» وصفًا كاشفًا؛ إذ العدو لا يكون إلا من غير القوم أي عدوًّا من غير المسلمين، وحينئذ فليس فيه ما يقتضي أن يسلط على المسلمين عدوًّا منهم يستأصلهم.
ويجوز أن يكون وصفًا مقيدًا لقوله عدوًّا معاديًا لهم من أنفسهم، فيكون المعنى على تأويل: عدوًّا لبقيتهم أي فريقًا من المسلمين يكون عدوًّا لبقيتهم، فيكون رسول الله ﷺ دعا الله دعوة لاحظ فيها حق الأدب مع الله؛ لأن سنة الله في خلقه أن لا تسلم أمة من عدو يناوئها، فسأل الله أن يسلمها من عدو شديد العداوة يستأصلها ويهينها؛ لأن غلبة العدو التام للعداوة غلبة مشتملة على إهانة بخلاف غلبة العدو الذي له بالمغلوب صلة واقتراب فإنها لا تخلو من رحمة وتجنب للإهانة كما قال البحتري:
وفرسان هيجاء تجيش صدورها ... بأحقادها حتى تضيق دروعها
تقتَّل من وتر أعز نفوسها ... أو عليها بأيد ما تكاد تطيعها
إذا احتربت يومًا ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها
وكما قال الحماسي لما أراد القوم من أخيه حين قتل ابنه ثم ألقى السيف من يده وقال:
أقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف عن فقد صاحبه ... أو هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
وعليه فليس المراد من تسليط العدو الذي هو من أنفس الأمة تسليط الاستئصال؛ لأن ذلك غير متوهم في العرف أن يصدر من متسلط من أنفس القوم ويدل لذلك قوله في آخر الحديث، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا ويسبي بعضهم بعضًا، والحديث على هذا البيان لا ينافيه شيء مما حدث من أحوال المسلمين في التاريخ، فقد تسلط العدو على طوائف من المسلمين غير مرة بعضها كان تسلطًا معتادًا كالحروب الصليبية، وبعضها كان فوق المعتاد كتسلط التتار والمغول على المسلمين في المشرق سنين طويلة أهلكت الحرث والنسل إلى أن اعتنقوا الإسلام وصاروا إخوة لمن كانوا أعداءهم، وكتسلط القرامطة على بلاد العرب، وتسلط النصارى على المسلمين في مصر والشام في أواخر القرن السادس وأوائل السابع، وكتسلط الجلالقة على المسلمين في المغرب ببلاد الأندلس حتى انجلى عنها المسلمون وأصبحت أرض
стр. 93
كفر، ولكن المسلمين الذين كانوا بها حلُّو في ديار أخرى وانضموا إلى جامعتهم، فلم يكن ذلك استئصالاً لهم بله أن يكون استئصالاً لسائر الأمة وتمزيق جامعتها وسلطانها، وقد اقتتلت فرق المسلمين غير مرة قتالاً معتادًا أو أشد من المعتاد، وحسبك منه قتال الخوارج الذي دام سنين طويلة ولم يفض إلى تفانيهم واستئصال بعضهم بعضًا، وعلى هذا فقوله في حكاية جواب الله تعالى: «حتى يكون بعضهم يُهلك بعضًا ويَسْبي بعضهم بعضًا» غاية لانتفاء تسليط بعضهم على بعض ليست من جنس تسليط العدو عليهم، وشرط المعطوف بـ (حَتَّى) أن يكون بعضًا من المعطوف عليه، فتعين أن يكون في الكلام إيجاز حذف دل على عظم فضل الله تعالى على رسوله؛ إذ استجاب له بأكثر مما سأله؛ فإنه سأله أن لا يسلط عليهم عدوًّا من غيرهم يستبيح بيضتهم، فاستجاب له بذلك وبأن لا يسلط عليهم من أنفسهم أيضًا مسلطًا في كون من الأكوان، وحال من الأحوال إلى الغاية التي يكون بعضهم فيها يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا. وهذا الأسلوب يشبه أن يكون من تأكيد الشيء بما يشبه ضده إذ يوهم بظاهره أن تلك الغاية نهاية لقوله: «وأن لا يسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم»، وهي في الحقيقة ليست غاية لذلك، فإن ذلك منتفٍ أبدًا إلى غير غاية، وإنما هو غاية لمحذوف وهو ما أشرت إليه آنفًا.
ويجوز أن يكون المراد من قوله: حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا ... إلخ، غاية لنفي تسليط العدو من غير تقييد كون العدو من غير أنفسهم، أي تسليط بعض المسلمين على بعض تسليطًا يستبيح بيضتهم ويفنى جماعتهم، فيكون ذلك إخبارًا عن غاية من الزمان تحصل فيه فتن عظيمة فيرتد فريق من المسلمين عن الإسلام ويكون مساويًا للفريق الباقين على الإسلام في العدد وتزول منهم حرمة أحكامه فيقتل بعضهم بعضًا قتل استئصال حتى لا يبقى من يقول: الله، الله، كما ورد في الحديث: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق»؛ وذلك بأن يسلط بعض المسلمين على بعض ويسلب الغالبين رشدهم فيهلكوا البقية نظير ما سلب الله (نيرون) سلطان الرومان من العقل حتى صار يلذ له إزهاق نفوس قومه وإحراق عاصمة سلطانه فيكون هؤلاء قد بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار وهي غاية بعيدة المدى، ما بقيت في المسلمين مسكة من هدى، نسأل الله أن يعيذ الأمة من هذه الحالة ببركة رسولها ﷺ .
стр. 94
حديث من سئل عن علم فكتمه
هذا الحديث رواه أبو داود بسند رجاله من رجال الصحيح، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة»، ورواه ابن ماجه بسند فيه ضعف عن أنس مرفوعًا بمثل ذلك، وعن أبي هريرة أيضًا مثله بزيادة: «عن علم يعلمه»، ورواه ابن ماجه بأسانيد عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : «ما من رجل يحفظ علمًا فيكتمه إلا أُتي به يوم القيامة ملجمًا بلجام من النار»، ورواه أيضًا بسند أكثر أهله من رجال الصحيح وفيه صفوان ابن سليم وهو متكلم فيه عن أبي سعيد الخدري، قال رسول الله ﷺ : «من كتم علمًا مما ينفع الناس في أمر الدين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من النار»، ورواه الترمذي عن أبي هريرة، وقال: حديث حسن، وروي عن ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعمرو بن العاص مرفوعًا بأسانيد ضعيفة متفاوتة الضعف فهذا تحصيل القول في أفضل أسانيده.
معنى هذا الحديث:
ظاهر هذا الحديث أنه عام في كل مسؤول عنه وفي كل سؤال؛ لأن قوله: «سئل» فعل في سياق الشرط فيعم؛ لأن للفعل حكم النكرة فيؤول إلى معنى: كل من سئل بكل سؤال عن كل علم فكتمه ألجمه الله .... إلخ.
ويستتبع ذلك عموم الأحوال والأزمنة والأمكنة؛ لأن العام في الذوات عام في الأحوال والأوقات والأماكن عند جمهور أهل الأصول خلافًا للقرافي، فظاهره يقتضي: أن كل مسؤول عن كل علم إذا كتم سائله عوقب يوم القيامة بلجام من نار، وترتيب العقوبة على عدم الجواب يقتضي أن الكتمان كبيرة ويقتضي أن ضده وهو جواب السائل عن علم واجب؛ لأن النهي عن الشيء أمر بضده، هذا ظاهر الحديث.
وقد اتفق العلماء على أن هذا الظاهر غير مراد، ووجه اتفاقهم على ذلك: أن العقوبة تدل على كون ما ترتبت عليه كبيرة، وقد دلت الأدلة الشرعية من المنقول والمعقول أن جواب العالم عما يسأل عنه ليس بواجب في جميع الأحوال، وأن كون
стр. 95
الشيء ذنبًا يقتضي ترتب مفسدة دينية على فعله، ولا نجد في عدم إجابة العالم من يسأله مفسدة في كثير من الأحوال، فذلك هو الداعي لهم إلى تأويل هذا الحديث، أي: حمله على غير ظاهره جمعًا بين الأدلة مما ورد عن الشارع وما استقرئ من قواعد الشريعة.
قال أبو بكر بن العربي في «عاصمة الأحوذي» هو محمول على خمسة أوجه:
الأول: أن يعدم ذلك العلم إن لم يظهره، أي المسؤول، وذلك بأن يكون منفردًا بعلمه بين أهل تلك الجهة بحيث يتعذر أن يجيب عنه غيره إلا في أقطار بعيدة.
الثاني: أن يقع السائل في أحموقة إن لم يخبره.
الثالث: أن تفوت به منفعة أي مصلحة دينية.
وهذه الوجوه الثلاثة في معنى الشروط لحرمة الكتمان، وكلها مبنية على أن المراد بالعلم ظاهره معنى وعمومًا، فإطلاق اسم المحامل عليها في كلام أبي بكر بن العربي تسامح.
الرابع: امتثال وصية رسول الله ﷺ لأبي سعيد الخدري في قوله: «إن الناس لكم تبع وإن رجالاً يأتونكم يتفقهون أو يتعلمون فإذا جاؤوكم فاستوصوا بهم خيرًا»، وذلك هو التعليم، يعني: تعليم الذين جاؤوا لقصد التصدي للتعلم والتفقه في الدين؛ لأنهم إنما جاؤوا ممتثلين أمر الله تعالى في قوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ [التوبة: ١٢٢].
وحيث كان قوله: ﴿طَائِفَةٍ﴾، يدل على أن طلب العلم في الدين فرض كفاية، فكذلك تعليم طالبه هو فرض كفاية، وهذا الوجه محمل للحديث مخالف للمحمل الأول مبني على أن المراد بالسؤال بعض معانيه، وهو طلب التعلم، وذلك يقتضي وجوب التعليم دون وجوب جواب السائل، ولهم في أحكام التعليم تفصيل مذكور في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩] الآية.
الخامس: أنه الشهادة وهذا محمل مخالف للمحملين السابقين فيكون المراد بالعلم هنا خصوص العلم بما بين الناس من الحقوق، وقد نسب ابن العربي في «الأحكام» والقرطبي في «التفسير» هذا التفسير لسحنون ويجري حينئذ على
стр. 96
حكم أداء الشهادة المذكورة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وفيه تفصيل.
وحاصل كلام بن العربي راجع إما إلى تقييد في العموم ببعض الشروط، وإما إلى تخصيص عموم في السؤال أو عموم العلم، وقال الخطابي في شرح هذا الحديث من تعليقه على سنن أبي داود: (هذا في العلم الذي يلزمه تعليمه إياه ويتعين عليه فرضًا؛ كمن رأى كافرًا يقول: علموني ما الإسلام، وكمن يرى رجلاً حديث عهد بالإسلام لا يحسن الصلاة، وقد حضر وقتها يقول: علموني كيف أصلي، وكمن جاء مستفتيًا في حلال أو حرام يقول: أفتوني وأرشدوني، فإنه يلزم في مثل هذه الأمور أن لا يمنعوا الجواب عما سئلوا عنه من العلم، فمن فعل ذلك كان آثمًا مستحقًا للوعيد والعقوبة، وليس كذلك الأمر في نوافل العلم التي لا ضرورة بالناس إلى معرفتها) أ. هـ.
ومعناه: أن كتمان العلم المسؤول عنه حرام إذا كان يترتب على السؤال عمل فيما يجب اعتقاده أو ما يجب التعبد به أو في الإقدام على عمل من الأعمال المكلف بها السائل.
وحاصل كلامه تخصيص العموم الواقع في لفظ (علم) بالحالة التي يترتب عليه عدم الإجابة فيها إقدام على حرام بناء على أن التعليم إنما هو وسيلة للعمل، فلا يكون حكمه إلا موافقًا لحكم المتوسل إليه؛ لأن الوسيلة تعطي حكم المقصد، هذا دليل تخصيص من جهة النظر، ويدل لهذا التخصيص أيضًا من الأثر رواية ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري: «من كتم علمًا مما ينفع الناس في أمر الدين» إلخ.
وقد عرف من هذا كله أمور أخرى، منها: ما قاله فخر الدين الرازي في تفسيره: «إظهار العلم فرض على الكفاية لا على التعيين؛ لأنه إذا أظهره البعض صار بحيث يتمكن كل أحد من الوصول إليه فلم يبق مكتومًا، وإذا خرج عن حد الكتمان لم يجب على البقية إظهاره مرة أخرى» أ. هـ، وقال ابن العربي في الأحكام: إن كان هناك من يبلغ اكتفي به وإن تعين عليه لزمه.
ومنها: أن يكون السائل أهلاً لاستفادة ما سأل عنه إذا كان المراد بالسؤال التعلم لقول علي ﵁: «حدثوا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله ورسوله»، وقد قيل: إن هذا الكلام يرفعه عليّ إلى النبي ﷺ ، وقال عبد الله بن مسعود: ما أنت بمحدث
стр. 97
قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة أ. هـ. فإن للمعلومات مراتب: منها ما تستطيع دركه عقول الجميع، ومنها ما لا يفهمه إلا الخاصة، قال الغزالي في الإحياء: سئل بعض العلماء عن شيء فلم يجب، فقال له السائل: أما سمعت قول رسول الله ﷺ : «من كتم علمًا نافعًا جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار»، فقال: اترك اللجام واذهب، فإن جاء من يفقهه وكتمته فليلجمني، فقد قال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]، تنبيهًا على أن حفظ العلم ممن يفسده ويضره أولى من حفظ المال، وليس الظلم في إعطاء غير المستحق بأقل من الظلم في منع المستحق، وأنشد:
أأنثر درًا بين سارحة النعم ... فأصبح محزونًا براعية الغنم
لأنهم أمسوا بجهل لقدره ... فلا أنا أضحي أن أطوقه البهم
فإن لطف الله اللطيف بلطفه ... وصادفت أهلاً للعلوم وللحكم
شكرت مفيدًا واستفدت مودة ... وإلا فمحزون لدي ومكتتم
فمن منح الجهال علمًا أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم
انتهى كلام الغزالي.
وهذا يقتضي أن يكون السائل معروفًا عند المسؤول؛ ليتبين له حاله من الأهلية لتلقي المسألة ومن التنزه عن قصد الفتنة والتشغيب.
ومنها: أن يكون العمل بالمسؤول عنه متوفقًا على جواب المسؤول، فأما إذا فات العمل أو تعذر التدارك فلا يجب الجواب؛ إذ لم يبق الجواب وسيلة إلى حكم شرعي من وجوب أو تحريم، ومثال ذلك: ما وقع من المعتمد بن عباد ملك قرطبة وإشبيلية فإنه أتاه سفير الأذفنش ملك الجلالقة فأغلظ السفير في كلامه مع المعتمد فضرب المعتمد رأس السفير بمحبرة كانت بين يديه فقتله، ثم أحضر الفقهاء واستفتاهم في حكم قتل ذلك السفير وكان السفير يهوديًا، فهذا الاستفتاء في غير محله؛ إذ كان عليه أن يستفتيهم قبل أن يقتله.
ومنها: أن يكون السائل طالبًا معرفة عمل يخصه، فأما إذا كان طالبًا معرفة عمل غيره فذلك من العلم النافلة الذي أشار إليه الخطابي، ومن الناس من يسأل عما عمله غيره ليتطلب بذلك عثراته أو للتشغيب عليه من التجسس المنهي عنه شرعًا.
стр. 98
ومنها: أن يكون العلم المسؤول عنه معلومًا للمسؤول مأثورًا عنده، فإن كان المسؤول مجتهدًا فطريق علمه بالمسؤول عنه ظهور أدلته لديه، وإن كان مقلدًا فطريق علمه به أن يكون له به نقل عن أئمة المذهب الذي قلده وبدون ذلك لا يجب الجواب.
دل على هذا ما ورد في حديث ابن ماجه عن أبي هريرة: «ما من رجل يحفظ علمًا فيكتمه ... » إلخ.
وقد سئل مالك ﵀ عن أربعين مسألة، فأجاب في ست وثلاثين منها: بلا أدري. وقال القرافي -في الفرق ٧٨ - للعالم أحوال:
الأولى: أن يكون مقتصرًا على علم بعض مختصرات المذهب، فلا يفتي بما فيها إلا إذا تحقق أنها مستوفية لما في المسألة من قيود ونحوها فيفتي بما فيها من غير زيادة ولا نقص، بأن يكون عين الواقعة المسؤول عنها لا أنها تشبهها فلا يخرج عليها؛ لأنه قد يكون بين النظيرين فروق تمنع من الإلحاق فيجب عليه الوقف.
الحالة الثانية: أن يتسع تحصيله في المذهب بحيث يطلع على تقييد المطلقات وتخصيص العمومات، ولكنه لم يضبط مدارك إمامه ضبطًا متقنًا، فهذا يجوز له أن يفتي بجميع ما ينقله اتباعًا لمشهور المذهب، فإذا نزلت واقعة ليست مما يعرفه فلا يخرجها على نظائرها من محفوظاته ولا يقول: هذه تشبه المسألة الفلانية؛ لأن ذلك إنما يصح ممن أحاط بمدارك إمامه وأدلته وأقيسته وعلله.
الحالة الثالثة: أن يستكمل شروط التخريج والإحاطة بمدارك إمامه مع الديانة الوازعة والعدالة المتمكنة، فهذا يجوز له أن يفتي في مذهبه بطريق النقل وطريق التخريج، هذا حاصل كلامه وسلمه له ابن النشاط.
ومنها: أن لا يكون في العلماء من هو أضلع منه بتلك المسألة وأقدر على الجواب وأتقن، وقد قال أبو موسى الأشعري: لا تسألوني مادام هذا الحبر بين أظهركم (يعني: عبد الله بن مسعود).
ومنها: أن يكونن قصد السائل الاستفادة دون إثارة الشغب؛ ولذلك أمر عمر بضرب صبيغ الذي كان يسأل أهل العلم عن متشابهات القرآن، قال القرطبي: وكذلك لا يجوز تعليم المبتدع الجدال والحجاج ليجادل به أهل الحق.
ومنها: أن يكون المسؤول واثقًا بمرتبته العلمية واضعًا نفسه حيث وضعه الله تعالى
стр. 99
بحيث يشهد له الناس بالعلم ويظن بنفسه الإصابة فيما يسأل عنه إلا احتمالاً مرجوحًا، قال مالك ﵀: لا ينبغي للعالم أن يفتي حتى يراه الناس أهلاً لذلك، ويرى هو نفسه أهلاً لذلك.
ومنها: أن لا يكون الجواب عن المسألة يثير فتنة لقصور الناس عن إدراك أمثالها، ولم يزل الأئمة يجتنبون الخوض في دقائق العلم بين العامة، ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال له: لو رأيت رجلاً أتى عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها، فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول: لو قد مات عمر لأبايعن فلانًا، فما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت. فغضب عمر، ثم قال: إني لقائم إن شاء الله العشية في الناس فمحذرهم، فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة فيطيروها عنك كل مطير، وأن لا يعوها وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار السنة فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متمكنًا فيعي أهل العلم مقالتك ويضعوها على مواضعها، فقال عمر: أما والله إن شاء الله لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة أ. هـ
وقد حدثت في خلافة المأمون فتنة الخوض في أن القرآن مخلوق، وألقيت الأسئلة على كثير من أهل العلم، فكان منهم من أبي الجواب، ومن هؤلاء الإمام أحمد ابن حنبل، وقد ضرب ليجيب فأبى الجواب، وما كان ذلك جهلاً منه بالفصل بين الموصوف بالمخلوق والموصوف بالقديم، ولكنه علم أن المقصود الفتنة ليتخذوا كلامه وسيلة لتأييد البدعة، ولما دخل محمد بن إسماعيل البخاري لنيسابور سألوه عن رأيه في القرآن أهو مخلوق؟ فأبى أن يجيب ثلاثًا، وقال: الامتحان بدعة، ثم لما ألحوا عليه أجاب بكلام موجه، فإبايته الجواب ابتداء لا تعد من كتم العلم المنهي عنه؛ لأنه علم أن المقصود الفتنة والتشغيب، وقد جاء رجل يسأل مالك بن أنس ﵀ عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، فقال له: السؤال عن هذا بدعة ولا أراك إلا صاحب بدعة، وأمر بإخراجه من مجلسه فأخرجوه معنفًا.
وفي البخاري سأل الحجاج أنس بن مالك عن أشد عقوبة عاقبها النبي ﷺ فحدث أنس بحديث العرنين الذين ارتدوا وقتلوا راعي إبل النبي ... فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، فبلغ ذلك الحسن البصري، فقال الحسن: وددت أنه
стр. 100
لم يحدث بهذا الحديث.
هذا ما لاح في الإعلام بمعنى هذا الحديث، وبه يتميز السمين من الغث.
* * *
стр. 101
حديث
«من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم»
سند الحديث واختلاف ألفاظه:
هذا الأثر تناقلته الألسن من كتاب «الإحياء للغزالي»، فقد ذكره في مبحث النصيحة للمسلمين من كتاب آداب الصحبة بلفظ: «من لم يهتم للمسلمين فليس منهم» وهو مما رواه الحاكم في مستدركه عن حذيفة مرفوعًا، ورواه الطبراني كذلك عن أبي ذر مرفوعًا.
وقد ذكره الطبراني أيضًا والسخاوي في «المقاصد الحسنة» بلفظ: «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم»، قال العراقي: (في المغني عن حمل الأسفار) وكلتا الروايتين سندهما ضعيف.
وذكره السخاوي في كتاب «المقاصد الحسنة عن شعب الإيمان» للبيهقي من رواية وهب بن راشد عن فرقد السبخي عن أنس بلفظ: «من أصبح لا يهتم للمسلمين فليس منهم، ومن أصبح وهمه غير الله فليس من الله».
وذكره السيوطي في «جمع الجوامع» وفي «الجامع الصغير» بلفظ: «من أصبح وهمه غير الله، فليس من الله، ومن أصبح لا يهتم بالمسلمين فليس منهم» قال في «جمع الجوامع»: رواه الحاكم عن ابن مسعود وتعقبه، والبيهقي وابن النجار عن أنس.
هذه خلاصة ما قيل في ألفاظه وأسانيده وهي كلها مخرجة في الكتب المعروفة بالإكثار من تخريج الضعيف، وقد صرح العراقي والمرتضى بأنه حديث ضعيف ولم يبلغ مبلغ الحسن بله الصحيح.
معناه:
معنى هذا الحديث على اختلاف رواياته وألفاظه: أن شأن المسلمين أن يعتني بعضهم بما يهم البعض الآخر، والمقصود من ذلك وارد في صحيح الآثار، ففي صحيح البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : «ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، وفي صحيح البخاري وسنن الترمذي
стр. 102
والنسائي عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا».
لكنا نجد في الحديث المسؤول عنه زيادة توهم معنى خطيرًا، وهي زيادة قوله: «فليس منهم»، ومثل هذه الجملة موجود في أحاديث كثيرة بعضها من الصحيح وبعضها دونه، كما في حديث الصحيحين من طريق مالك بن أنس عن ابن عمر وأبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: «من حمل علينا السلاح فليس منا». وفي حديث سنن الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من غش فليس منا»، وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا فليس منا»، وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من شق الجيوب، ولطم الخدود، ودعا بدعوى الجاهلية» يعني: عند مصيبة الموت كأن يدعو بالويل والثبور.
فهذه الأحاديث كلها توهم أن الآتي بهذه الأحوال منتف عنه وصف الإسلام فيكون غير مسلم؛ لأن ضمير المتكلم المشارك إذا نطق به الرسول ﷺ تبادر منه أن المراد به الرسول مع جماعته وهم المسلمون، والحديث الذي نتكلم عليه ضميره أظهر؛ لأنه عائد على لفظ المسلمين السابق، ولكن هذا الظاهر الذي أوهم هذا المعنى غير مراد من كلام رسول الله ﷺ قطعًا، لما ثبت في أصول الدين من الأدلة الموجبة للقطع بأن الوقوع في بعض المحرمات ليس بموجب خروج الواقع فيها عن الإسلام؛ ولذا كان من أصول اعتقاد أهل السنة أن لا يكفر أحد بذنب ولا بذنوب كائنة تلك الذنوب ما كانت، فإن رسول الله ﷺ قد بين معنى الإسلام للأمة بما لم يبق معه ريب لأحد من المسلمين في فهمه، وحاصله: أنه النطق بالشهادتين عن اعتقاد معناهما والتصديق به في القلب، وكذلك كان شأن الرسول ﵊ في بيان أصول الدين وعماده، فإن ذلك أهم شيء؛ إذ هو مدخل الجامعة الإسلامية فلذلك لم يكن المسلمون في عصر النبوة وما يليه يجهلون أنهم مسلمون، وكانوا يميزون المسلم من غير المسلم، وقد ألم بعض المسلمين ببعض الكبائر في زمن الرسول والخلفاء الراشدين، فلم يعدهم خارجين عن حظيرة الإسلام، ولا أجرى عليهم السلف ما أجروه على المرتدين، فالرسول غني عن التصدي لزيادة التفصيل في بيان من هو مسلم ومن ليس بمسلم، فمتى وجدنا في بعض ما يروى عن رسول الله ﷺ إبهام نفي الإسلام عن المتصف ببعض الأفعال نعلم أن ذلك مراد به غير ظاهره
стр. 103
ونحمله على معنى يناسب ذلك النفي والغرض منه.
وقد اتفق علماء الأمة على تأويل هذه الأحاديث بقانون يعم جميعها ناظر إلى اعتبار لفظ: «ليس منا» ونحوه مستعملاً في كلام العرب لإخراج المخبر عنه معنى من نوع المجرور بـ (من) الواقع في الخبر معنى وقانون تأويله أنه جاء للزجر والتهويل، فنقل عن سفيان بن عيينة أنه يكره الخوض في تأويله، ويقول: ينبغي أن يمسك عنه ليكون أوقع في النفس وأبلغ في الزجر، يعني في اعتقاد عدم إرادة ظاهره عند العلماء، وتأوله بعض الشراح بأن المراد: «ليس من أهل هدينا وسنتنا»، أي: ليس من خيرة المسلمين، فيكون التأويل في الضمير المجرور بأن يكون صادقًا على الرسول وخيرة أصحابه، فيكون الضمير مجازًا مرسلاً علاقته البعضية، أو يكون في الكلام إيجاز بمجاز الحذف، وهذا تأويل يستقيم في ضمير «منهم» العائد على لفظ المسلمين السابق، فإن معاده عام إذ المقصود: من لم يهتم بأمر جميع المسلمين، والضمير على وزان معاده، وقال ابن المنير: المعنى أنه: «ليس أهلاً لصحبتنا والاختلاط بنا» فعلى تأويله تكون (من) التبعيضية مستعارة لمعنى (مع) على طريقة الاستعارة التبعية، وقال بعض الشراح: المراد من عامل بهذه الأفعال حضرة الرسول ﵊ (ومعاملة الرسول بذلك مواجهته به كفر لا محالة) فيكون المراد من الضمير في مثله المتكلم وحده، وهذا لا يستقيم في نحو: «فليس منهم»، وقال بعضهم: المراد: من فعله مستحلاً له مع علمه بأن الرسول حرمه.
وهذا أبعد التأويلات لاحتياجه إلى كثرة التقادير التي لا يهتدي إليها السامع.
وأنا أرى في تأويل هذه الآثار تأويلين هما أحسن مما تأول به المتقدمون:
التأويل الأول: نسلك فيه طريقهم الذي سلكوه، وهو اعتبار لفظ «ليس منا» مستعملاً في كلام العرب للنفي من النوع، وأنه مستعمل في الحديث على ضرب من المجاز، فنقول: إن المتلبس بالفعل الذي يكثر أن يتلبس به غير المسلمين يكون مشابهًا بسببه لغير المسلم، فنخبر عنه بأنه غير مسلم على طريقة الاستعارة في المفرد بسبب أن المنهيات كلها كانت من شعار الجاهلية أهل الشرك، وصار التعفف عنها من شعار المسلمين، كما يشهد له حديث الصحيحين عن أبي ذر أنه سب رجلاً بأمه فقال النبي ﷺ : «إنك امرؤ فيك جاهلية»، وحديث الموطأ أن النبي ﷺ قام يصلي بالناس وكان في المسجد محجن الديلي فلم يقم للصلاة؛ لأنه كان صلى في بيته، فقال له رسول الله ﷺ : «ما منعك أن تصلي مع الناس؟ » ألست برجل
стр. 104
مسلم؟ »، وفي حديث جميلة بنت أبي زوجة ثابت بن قيس أنها شكت لرسول الله ثابتًا فقالت: «ولكني أكره الكفر في الإسلام» تريد خشية الزنا، وعلى هذا يكون موقع قوله: «ليس منهم»، «وليس منا» ونحوه كموقع قوله ﵊: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن».
التأويل الثاني: وهو التحقيق: أن نعدل عما سلكوه من اعتبار لفظ «فليس منا» ونحوه مستعملاً في كلام العرب للنفي من النوع، بل إن العرب لا يستعملونه إلا استعمالاً شبيهًا باستعمال المثل يلازم هذه الصيغة، فهو خبر مستعمل في معنى الغضب على المخبر عنه وإيذائه بالسخط والقطيعة، وقد تكرر هذا الاستعمال في كلام العرب، قال النابغة يحذر عيينة بن حصن من الغدر ببني أسد:
إذا حاولت في أسد فجورًا ... فإني لست منك ولست مني
فإنه لو حمل على المعنى الأصلي لكان تحصيل حاصل؛ إذ ليس عيينة بن حصن ببعض من النابغة، وقال بعض العرب:
أيها السائل عنهم وعني ... لست من قيس ولا قيس مني
وقريب من قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]، أي: لا تهتم بأمره وأعرض عنه، ويقولون في عكس ذلك: أنت مني وأنا منك، ويؤيد هذا التأويل أن بعض الآثار الواقع فيها لفظ: «ليس منا» قد روي بلفظ: «فليس مني»، وما في صحيح مسلم أن أبا موسى الأشعري أغمى عليه في مرضه مرضه فصاحت امرأة من أهله، فلما أفاق قال: أنا برئ ممن برئ رسول الله منه فإن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا الصالقة والحالقة والشاقة» ففسر قول رسول الله ﷺ : «ليس منا» في ذلك الحديث بمعنى البراءة.
* * *
стр. 105
من يجدد لهذه الأمة أمر دينها
أراد الله للإسلام أن يكون خاتمة الأديان والشرائع، وأن يكون لذلك دينًا عامًا لجميع البشر، وباقيًا على امتداد الدهر، إرادة دلت عليها نصوص القرآن، وأيدها متواتر أفعال الرسول ﷺ مما لا يترك مجالاً للشك في نفس المتأمل، فلا جرم قدر الله للإسلام التأييد والتجديد اللذين لا يكون الدوام في الموجودات إلا بهما، فكما جعل في كل حي وسائل الدفاع عن كيانه، وهو ضرب من التأييد، وجعل له وسائل لإخلاف ما يضمحل من قوته بالتغذية ونحوها، وهو التجديد، كذلك جعل للإسلام حين أراد حياته، فالتأييد بعلمائه يذودون عنه ما يطرقه من التعاليم الغريبة عن مقاصده حتى تبقى مقاصده سالمة واضحة، ومحجته بيضاء للسالكين لائحة، والتجديد بما نفحه من قائمين بدعوته، ناهضين بحجته، صياقل يجلون صفائحه البواتر، وزعماء بسري الأسحار وتأويب البواكر.
إن هذه الشريعة إرشاد صرف، وإن للفضائل والصالحات تضاؤلاً وتخلقًا بكرور الأزمان، وإن لدأب النفوس في المسير حنفًا وانحرافًا إذا امتد الميدان.
من أجل ذلك ضمن الله لهذا الدين حفظه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، وإن لحفظه ثلاثة مقامات:
أولها: مقام الرجوع إلى أصل التشريع عند الإشكال، وهو مقام العمل بآية: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
وثانيها: مقام تجديد ما رث من أصول الدعوة، وهو مقام العمل بآية: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [محمد: ٧]، وكلا المقامين الأولين لا يفقهه إلا الفقيه في الدين، وهو المجتهد العارف بالطرق الموصلة إلى الغايات المقصودة من التشريع الإسلامي، بحيث تصير معرفة الشريعة وسائلها ومقاصدها ملكة له، أي: علمًا راسخًا في نفسه، لا تشذ عنه مراعاته والإصابة فيه عند جولان فكره في أمور التشريع.
стр. 106
وبمقدار ما يكون عدد هؤلاء الفقهاء مبثوثًا بين المسلمين، تكون حالتهم قريبة من الاستقامة، كما يكون أمرهم صائرًا إلى التضاؤل بمقدار قلة وجود هذا الفريق بين أظهرهم، ففي صحيح البخاري قال النبي ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله» قال البخاري: وهم أهل العلم.
وفي الحديث: «العلماء ورثة الأنبياء»، وهو حديث حسن، وفي الحديث: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» وهو حديث ضعيف السند، لكنه صحيح المعنى، فوجود هؤلاء العلماء في عصور عدم الاضطرار إليهم منة من الله تعالى إلا الأمة لتحسين حالها، ووجودهم في حالة اضطرار الأمة عصمة من الله تعالى للأمة ولطف بها لإنقاذها من التهلكة، وقد يحتاج الدين وأهله إلى الاجتنان بجنة القوة لحماية الحق وإقامة الشريعة، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥]، فذلك هو موقع المقام الثالث لذلك منح الله الأمة مجددًا على رأس كل مائة سنة.
روى أبو داود في سننه في أول كتاب الملاحم: حدثنا سليمان بن داود المهري، أخبرنا ابن وهب، أخبرني سعيد بن أبي أيوب عن شراحيل بن يزيد المعافري، عن أبي علقمة عن أبي هريرة فيما أعلم عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»، قال أبو داود عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني: لم يجز به شراحيل. أ. هـ.
يعني أن عبد الرحمن بن شريح وقف عند شراحيل ولم يرفعه، فهو في رواية ابن شريح مقطوع، وليس مرفوعًا إلا في رواية ابن وهب هذه.
قال ابن عدي في الكامل: لا أعلم من يرويه غير عبد الله (يعني: ابن وهب) عن سعيد (ابن أبي أيوب) ورواه عنه، (أي: عن ابن وهب) عمرو بن سواد، وحرملة بن يحيى وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب ابن أخيه (أي: ابن أخي عبد الله بن وهب) ولم يروه عنه غير هؤلاء الثلاثة أ. هـ. فابن عدي لم يطلع على
стр. 107
رواية سليمان بن داود، عن ابن وهب التي ثبتت عند أبي داود وبهذا السند رواه البيهقي في سننه والحاكم في المستدرك.
وذكر ابن السبكي: أن أحمد بن حنبل رواه بزيادة: «رجلاً من أهل بيتي يجدد لهم أمر دينهم»، وظاهر أن زيادة كونه من أهل البيت، من موضوعات الشيعة على العادة لتنحرف بالحديث إلى مهيع الأحاديث في المهدي المنتظر.
معنى: «يبعث الله من يجدد» أنه يقيمه وييسره لهذا المهم؛ لأن حقيقة البعث هي الإرسال، قال الله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩]، وقال طريف العنبري:
أو كلما أردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلي عريفهم يتوسم
ثم يطلق مجازًا على الإقامة والتنصيب، قال الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، ومنه قولهم: بعث فلان بعيره، إذا أقامه في مبركة، وهو المراد هنا؛ لأن الله لا يبعث المجدد بأن يرسله، ولكنه يوفقه ويرشده ويهيئ له، فالبعث هنا بعث تكويني لا بعث تشريع فهو كقوله تعالى: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥].
و«من يجدد» اسم موصول، وهو صادق على من اتصف بصلته، وهو التجديد للدين سواء كان المجدد واحدًا أو متعددًا، ومعنى التجديد: إرجاع الشيء جديدًا، أي إزالة رثاثته وتخلقه، وهو هنا مجاز في إيضاح حقيقة الدين وتجريده عما يلصق به من اعتقاد أو عمل أو سيرة، ليس شيء من ذلك في شيء من الدين، في حال أن الناس يتوهمون شيئًا من ذلك دينًا.
و«أمر الدين» شأنه وماهيته، ودين هذه الأمة الإسلام لا محالة، وهو اعتقاد وقول وعمل وشريعة وجامعة، فتجديده إرجاع هذه الأمور أو بعضها إلى شبابه وقول وعمل وشريعة وجامعة، فتجديده إرجاع هذه الأمور أو بعضها إلى شبابه وقوته وجدته، وإزالة ما عسى أن يكون قد أدخل عليه من الوهن.
دعائم الإسلام:
يقوم الإسلام على ثلاث دعائم لا ينتظم أمره بدونها:
الدعامة الأولى: العقيدة؛ لأن العقيدة الحق هي أصل الإسلام، وهو المقصد الأعظم المسمى بالإيمان، والذي هو المدخل إلى التدين بدين الإسلام، ومبنى هذه الدعامة على صحة التلقي لما يجب اعتقاده في الإسلام عن الرسول ﷺ ومن
стр. 108
البراهين القاطعة التي يهتدي إليها العقل.
الدعامة الثانية: شرائع الإسلام التي لا يستقيم أمر الأمة الداخلة في الإسلام إلا بمتابعتها؛ إذ فيها صلاح أمرهم في الدنيا بانتظام جماعتهم وسيادتهم وبها صلاح أمرهم في الآخرة بسلامتهم من العذاب من قول باللسان، وعمل بالجوارح، وتدخل فيها ضمائر قلبية؛ كمحبة المؤمنين، وسلامة الطوية؛ إلا أنها لما كانت آثارها أعمالاً ألحقت بقسم عمل الجوارح، ومبنى هذه الدعامة على تلقي الشريعة من لفظ القرآن ومن سنة الرسول وأعماله، وإفهام أئمة الدين الذين تلقوه صافيًا من شوائب الضلالات، بحيث يكون هذا التلقي سالمًا من اختلال نقل الرواة، ومن سوء فهم المنتمين لحمل الشريعة، ومن دخائل الملاحدة ورقاق الديانة.
الدعامة الثالثة: جامعة الإسلام المسماة بالبيضة وهي سلطان المسلمين وقوتهم، وانتظام أمرهم انتظامًا يقيم فيهم الشريعة، ويدفع عنهم العوادي العادية عليه من المجاهرين بعداوته، والمسيئين معاملته من أتباعه الذين يحق عليهم المثل: «عدوك العاقل خير من حبيبك الأحمق»، ومبنى هذه الدعامة على إقامة الحكومة الإسلامية في عظمة وقوة ومنعة، ونشر الإسلام بالفتوح الصالحة.
وقد رأى الصحابة القتال لإقامة جامعة الشريعة، وذود أهل العقائد الضالة المريدين حمل الناس على عقائدهم؛ كالقتال للدفاع عن بث الإسلام في أول أمره؛ فلذلك امتشقوا السيوف في الثأر لعثمان، وفي الانتصار لعلي على من خرج عنه، وقد قال عبد الله بن رواحة:
اليوم نضربكم على تأويل ... كما ضربناكم على تنزيله
معنى التجديد:
تجديد الشيء هو: إرجاعه إلى حالة الجدة، أي: الحالة الأولى التي كان الشيء عليها في استقامته وقوة أمره، وذلك أن الشيء يوصف بالجديد إذا كان متماسكة أجزاؤه، واضحًا رواؤه، مترقرقًا ماؤه، ويقابل الجديد الرثيث.
والرثاثة: انحلال أجزاء الشيء وإشرافه على الاضمحلال.
فهذا الدين قد أظهره الله تعالى ونصره فتكامل أمره حين قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]، فكان في زمن رسول الله ﷺ دينًا واضحًا بينًا قويًا، لا يتطرقه تضليل، ولا يحول دون نفوذه قوي ولا ضئيل،
стр. 109
وذلك الكمال في أمور:
أولها: العمل به وتحقيق مقاصده.
الثاني: نصره وإقامته.
الثالث: انتشاره وزيادته وتسهيل بثه.
الرابع: حراسته وحفظه من تدخل الضلالات.
الخامس: دفع نائبة حلت بالإسلام إذا استمرت أفضت إلى طمس معالم الدين أو إفساد الإيمان أو ذهاب سلطانه.
وقد تمتد إليه يد الرثاثة من إحدى نواحي جدته فهو لا يرث من جميع نواحيه؛ لأن الله قد ضمن حفظه، ولكنه قد تتسرب إليه أسباب الرثاثة من إحدى النواحي فيشاهد الضعف فيها فيبعث الله له من يجدده بأن يزيل عنه أسباب الرثاثة ويرده جديدًا ناصعًا.
فالتجديد الديني يلزم أن يعود عمله بإصلاح الناس في الدنيا: إما من جهة التفكير الديني الراجع إلى إدراك حقائق الدين كما هي، وإما من جهة العمل الديني الراجع إلى إصلاح الأعمال، وإما من جهة تأييد سلطانه.
مضي مائة سنة مظنة لتطرق الرثاثة، والاحتياج إلى التجديد:
ليست حكمة الله بالمضاعة، ولا فعله بالعبث، فقد أنبأنا رسول الله ﷺ أن الله يبعث للأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها، فعلمنا أن لهذا الزمن أثرًا في تطرق الرثاثة إلى بعض أمور الدين، ذلك أن مدة مائة سنة تنطوي فيها ثلاثة أجيال ويكثر أن يتسلسل فيها البشر آباء وأبناء وحفدة، فإذا فرضنا كمال أمر الدين حصل في عصر الآباء عن مشاهدتهم أمره، كما نفرضه في عصر النبوة حين شاهد الصحابة الدين في منعة شبابه، جاء الأبناء فتلقوا عن الآباء صور الأمور الدينية عن سماع وعلم دون مشاهدة فكان علمهم به أضعف، ومن شأن الجيل إحداث أمور لم تكن في الجيل السابق، لكنهم يغلب عليهم ما كان في الجيل السابق، فإذا جاء جيل الحفدة تنوسيت الأصول وكثر الدخيل في أمور الدين فأشرف الدين على التغيير، فبعث الله مجددًا لأمور الدين تحقيقًا لما وعد الله به في حفظ الدين، وهذا التيسير الإلهي بقيام المجدد على رأس كل مائة سنة تجديد مضمون منضبط، وهو لا يمنع من ظهور مجددين في خلال القرن ظهورًا غير منضبط، فقد ظهر في خلال
стр. 110
القرن الأول علي بن أبي طالب، وعبد الملك بن مروان، وعمر بن عبد العزيز وظهر في خلال القرن الثاني محمد بن إدريس الشافعي، وظهر في خلال القرن الرابع أبو حامد الغزالي.
كيف يكون تعيين مبدأ المائة سنة:
جاء في لفظ الحديث أن ظهور المجدد يكون على رأس كل مائة سنة، والرأس في كلام العرب يطلق على أول الشيء يقال: فلان على رأس أمره، أي: أن أمره أنف كأنه لم يكن قبل له أمر، وفي الحديث أن رسول الله بعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره، فيظهر أن المراد في رأس سنة مبدأ سنة فمقتضاه أن يكون ابتداء العد من يوم قال الرسول ذلك إلا أن قرينة قوله: «من يجدد لهذه الأمة أمر دينها» دلت على أن ذلك لا يكون ما دام رسول الله ﷺ بين أظهر المسلمين؛ لأن وجود الرسول وقاية للدين من الرثاثة، وسلامة له من التخلق، فلا يحتاج إلى التجديد، فيتعين أن يكون ابتداء العد عقب وفاة الرسول ليحمل لفظ الرأس على ما يناسبه من الأولية بحسب المقام فإن أول كل شيء بحسبه.
ويحتمل أن يراد من رأس مائة سنة مبدأ مائة بعد مائة سنة تمضي بعد اليوم الذي صدر فيه هذا القول من الرسول ﷺ على حد قول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح المروي في صحيح البخاري وسنن الترمذي من حديث الزهري، عن سالم بن عبد الله، وأبي بكر بن أبي خيثمة، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ صلى صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام فقال: «أرأيتكم ليلتكم هذه فإن رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد» إذ يتعين أن يكون قوله فيه: «فإن رأس مائة سنة»، أي: مبدأ مائة سنة من تلك الليلة بقرينة السياق ولذلك قدر شراح الحديث قوله: «فإن رأس مائة سنة»، أي: من تلك الليلة، أي: بعد مضيها، وقد قيل بمثل هذا في إطلاق رأس مائة سنة في قولهم في الحديث: «بعثه الله على رأس أربعين سنة»، أي: عند تمام الأربعين من عمره الشريف فيكون ابتداء العد أيضًا من يوم قال رسول الله ذلك، ومثال الاحتمالين في عد المرة الأولى من التجديد وعد أول المجددين.
وأيًا ما كان فالظاهر أن رسول الله قال ذلك في آخر حياته؛ إذ قد دلت أدلة من السنة على أن رسول الله قد أكثر في آخر حياته من أقوال تؤذن بقرب انتقاله تأنيسًا للمسلمين بتلقي وفاته بصبر، وتنبيهًا لهم ليتهيؤوا إلى سد ما تعقبه وفاته من ثلمة في
следующие страницы →