Полный текст (760 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
أنه استحق الأصل دون الثمرة وأما على من تأول أنه ادعى الأصل والثمرة وشهد الشاهد بهما فتخرج الرواية من هذا الباب إلى وجه متفق عليه وما وقع في إحكام ابن زياد أن التوقيف يجب في الدار بالقفل وتوقيف الغلة بالشاهد الواحد يأتي على هذا القول والنفقة أيضا تجري على هذا الاختلاف انتهى محل الحاجة وأعلم أن القول الأول هو المشهور والثاني جرى به عمل الأندلسيين كما في ابن ناجي على المدونة نقلًا عن ابن رشد وعليه درج الناظم حيث قال ووقف ما كالدور البيت الآتي (قلت) وتبعهم على هذا العمل قضاة تونس الآن وقال المتيطي اختلف في إيقاف الرباع والعقار بشاهد واحد فمنع منه ابن القاسم في المدونة وغيرها وأجازة سحنون وطرح قول ابن القاسم وكان سحنون ربما أعقل بعدل وربما لا يعقل إلًا باثنين مدة ما يعذر. وفي أحكام ابن زياد ويجب العقل بعدل في الدور وفي الأرض بالمنع من الحرث. وفي أحكام ابن بطال لابن لبابة لا تجب العقلة إلا بشاهدين وهو قول ابن القاسم وكان عبيد الله بن يحيى وكثير من أصحابه يرون العقل بالقفل مع الشاهد الواحد. وفي وثائق ابن العطار لا يجب العقل بشاهد واحد ولكن يمنع المطلوب أن يحدث في العقار شيئًا. وتقل عن ابن زرب أنه حكى الخلاف في مسائله وأن العقل بالشاهد إنما هو خاصة وبعضهم أوجب عقلها به محتجًا بقول ابن القاسم في مسئلة الزيتون. قال ابن مرزوق بعد ذكره النصوص المتقدمة (قلت) وهي أي مسئلة الزيتون التي قدمنا عن المقدمات قال أي ابن رزب ولم يرها بعضهم إلا بشاهدين وحيازتهما وبهذا جرى القضاء ببلدنا لأن الغلة بالضمان وهو من المطلوب حتى يقضى عليه انتهى (تكملة) إذا كان الشيء الموقوف بما يحتاج إلى إنفاق عليه في أيام الإيقاف كالعبد والدابة فنفقته على من يقضى له به فإن كانت لذلك الشيء الموقوف غلة كانت أبدًا للذي كان بيده حيث كان ذا شبهة إلى أن يقضى به لغيره خليل والنفقة على المقضي له به والغلة له للقضاء فضمير له الثاني عائد على الحائز المدعى عليه فالمفهوم من السياق ولا يصح عوده على
стр. 107
المقضي له به وإن كان مصرحًا به لأن قوله للقضاء يمنع من ذلك قاله ابن مرزوق وفي حاشية البناني على الزرقاني ما نصه قال الرجراجي فأما ما يوقف وقفًا يمنع من الاستخدام فإن كانت له غلة فنفقته من غلته وإن لم تكن له غلة فقولان أحدهما أن نفقته على من يقضى له به وهو مذهب المدونة والثاني أن النفقة عليهما معًا فمن قضي له به رجع عليه الآخر بما أنفق وهذا القول في غير المدونة وهو أصح وأولى بالصواب اهـ وقوله
(ثالثة لا توجب الحق نعم ... توجب توفيقًا به حكم الحكم)
هذا هو النوع الثالث من أنواع الشهادات وهي الشهادة التي لا توجب الحق مطلقًا لا بيمين ولا بدون يمين ثم استشعر سؤال سائل قال له حيث كانت هاته الشهادة لا توجب حقًا للمدعي هل توجب توقيف الشيء المدعى فيه لئلا يفوته المدعى عليه فأجاب بقوله نعم توجب توقيفه وبه حكم الحاكم لمن طلبه ثم أن التوقيف تتوقف معرفته وإجراؤه على معرفة أسبابه وكيفياته فأما أسبابه فشهادة عدلين أو عدل واحد أو رجلين يحتاجان إلى التزكية أو قرينة قوية وأما كيفياته فإما بالحيلولة وإما بعدم التفويت في العقار وإما بوضعه أو وضع ثمنه أو وضع قيمته تحت يد أمين وقد أشار الناظم إلى بيان السبب الأول وكيفية التوقيف به فقال
(وهي شهادة بقطع ارتضى ... وبقي الأعذار فيما تقتضي)
(وحيث توقيف من المطلوب ... فلا غنى عن أجل مضروب)
(ووقف ما كالدور قفل مع أجل ... لنقل ما فيها به صح العمل)
(وماله كالفرن خرج والرحى ... ففيه توقيف الخراج وضحا)
(وهو في الأرض المنع من أن تعمرا ... والحظ يكرى ويوقف الكرا)
(قيل جميعًا أو بقدر ما يجب ... للحظ من ذاك والأول انتخب)
стр. 108
يعني أن من شهد له عدلان شهادة قطعية باستحقاق شيء من آخر وبقي للمشهود عليه الأعذار فيها أما بالطعن في شهودها وإما بظهور تناقض في فصولها أو فيما بينها وبين مقال الطالب وقف الشيء المتنازع فيه وحيث جاء توقيفه من جهة المطلوب لأنه لم يسلم الشهادة وطلب الأعذار فيها فلا غنى عن أجل يضربه القاضي له للأعذار وقدره شهر كما تقدم في الآجال فإن انقض الأجل ولم يأت بما تأجل له وتمت الشهادة بالإسقاط عليه مع عدم المعارض قضي بالشيء المتنازع فيه للطالب وإن أتى بما ينفعه قبل انقضاء الأجل رفع الإيقاف ورد الشيء الذي كان موقوفًا ليد صاحبه ولا تسمع للطالب دعوى فيه بعد تعجيزه على نحو ما تقدم ثم ينظر قبل هاته الأعمال على ما جرى به عمل القضاة إلى الشيء المتنازع فيه عند ضرب الأجل فإن كانت الدعوى في دار ليست للخراج اعتقلت بالقفل بعد أن يضرب للمطلوب أجل ثلاثة أيام لإخلائها كما تقدم فإن سأل المعقول عليه أن يبقي في الدار ما يثقل عليه إخراجه أجيب إليه وإن كانت للخراج كالرحى والفرن والحمام والفندق والحانوت وقف كراؤها وهو الظاهر لما فيه من المصلحة وعدم تفويت ما فيه غرض شرعي على صاحبه ومراعاة المصالح الشرعية أمر مطلوب لم أر في ذلك نصًا. وإن كانت الدعوى في حصة من أرض أو دار اعتقلت تلك الحصة مع الباقي الذي لا نزاع فيه حيث كان الباقي للمقوم عليه بكراء الجميع ووقف الكراء وهل يوقف جميعه وهو المنتخب عند قوم أو يوقف من الكراء بقدر الحصة المتنازع فيها وهو الظاهر عند آخرين لأن توقيف الجميع مشكل خلاف هذا أن كان الباقي للمطلوب كما عملت أما أن كان الباقي لأجنبي فلا يوقف إلا قدر الحظ المتنازع فيه اتفاقًا وإن كانت الدعوى في غير الدور والأرضين بأن كانت في العروض والحيوان وهو مفهوم قوله كالدور فإنه يوقف تحت يد أمين كما يأتي. وقوله وهي ضمير عائد على ثالثة. وقولهشهادة بقطع احترز
стр. 109
به من شهادة السماع فإنه لا ينتزع بها من يد حائز وفي ارتضي ضمير يعود على قطع نائب فاعل والجملة من الفعل ونائبه صفة لقطع أي شهادة بقطع مرتضى لكونه بعدلين مقبولين. وقوله المطلوب يجوز فيه ما مر وهو أن يكون المراد به المدعى عليه ويجوز أن يكون صفة لموصوف محذوف أي في الشيء المطلوب وتكون من بمعنى في أو من الأمر المطلوب خصوصًا إذا كان المتنازع فيه أمة. وقوله فلا غنى إلخ جواب حيث لتضمنها معنى الشرط ثم شرع في بيان السبب الثاني وكيفية التوقيف به فقال
(وشاهد عدل به الأصل وقف ... ولا يزال من يد بها ألف)
(وباتفاق وقف ما يفاد ... منه إذا ما أمن الفساد)
يعني أن من ادعى ملكية أصل تحت يد غيره وشهد له به عدل واحد وامتنع من الحلف مع شاهد لرجائه أن له شاهدًا آخر فإن الشيء المتنازع فيه يوقف وكيفية وقفه أن يؤمر المطلوب بعدم تفويته ببيع ونحوه ومن تغيير حاله وهو معنى قوله ولا يزال من يد بها ألف ومثل توقيف الأصل توقيف غلته إذا كانت لا تفسد كتمر وزيتون فإن لم يؤمن فسادها بطول الزمن أو كانت كبر قوق وتفاح بيعت ووقف ثمنها تحت يد أمين كما يأتي (ثم) أخذ يتكلم على السبب الثالث وكيفية التوقيف به وحكى ما يسرع له الفساد فقال
(وحيثما يكون حال البينة ... في حق من يحكم غير بينة)
(يوقف القائد لا الأصول ... بقدر ما ستكمل التعديل)
(وكل شيء يسرع الفساد له ... وقف لا لأن يرى قد دخله)
(والحكم بيعه وتوقيف الثمن ... أن خيف في التعديل من طول الزمن)
يعني إذا شهد للمدعي شاهدان لا يعرف القاضي عدالتهما ولا جرحتهما وكان المدعى
стр. 110
فيه أصلًا فإنه لا يوقف وإنما توقف فائدته إلى أن يعدل المشهود له الشهود ويضرب له أجل لتعديلهم بقدر ما يحصل به التعديل باجتهاد الحاكم فإذا تم تعديلهم وقف الأصل أيضا إلى تمام أجل الإعذار كما تقدم ومحل توقيف فائدته إذا كانت غير غلة بأن كانت كراء أما إذا كانت غلة فإن أمن فسادها فكذلك كما مر وإن لم يؤمن فسادها كالفواكه الرطبة والخضر وكذلك غير الغلة كاللحم فإنه ينظر فيه فإن رجي حصول ما لا يتم الحكم إلا به من تعديل وإعذار قبل فساده وقف كذلك وإن خيف فساده قبل ذلك بيع ووقف ثمنه عند أمين وإلى هذا أشار الناظم بقوله وكل شيء يسرع الفساد له وقف لا لأن يرى قد دخله البيتين. وقوله لأن اللام بمعنى إلى ويجوز في أن كونها مصدرية وهي وما بعدها في تأويل مصدر والتقدير وكل شيء يسرع الفساد له وقف لرؤية عدم الفساد فيه إلى رؤية دخول الفساد فيه ثم قام يتكلم على السبب الرابع من أسباب التوقيف وكيفية التوقيف به لإقامة البينة على عينه وهو أحد وجهين في المسألة فقال
(والمدعي كالعبد والنشدان ... ثبوته قام به برهان)
(أو السماع أن عبده آبق ... أن طلب التوقيف فهو مستحق)
(بخمسة أو فوقها يسيرًا ... حيث ادعى بينة حضورًا)
(كذاك مع عدل ينشدان شهد ... وبعد باقيهم يمينه ترد)
الأبيات الخمسة يعني أن من اعترف عبدًا أو غيره من العروض والحيوان وقامت له بينة تامة تشهد له بالنشدان والتفتيش على ذلك العبد مثلًا أو شهد له بالسماع أن عبده آبق وهرب وطلب التوقيف ليأتي ببينة تشهد له به فإن كان يدعي أن بينته حاضرة أو في حكم الحاضرة فإنه يجاب لمطلبه ويكون التوقيف مستحقًا له بحكم الشرع إلى خمسة أيام أو أكثر إلى الجمعة عند سحنون وعند ابن القاسم باجتهاد الحاكم بدون
стр. 111
تحديد وإن كانت البينة غائبة وليست بحكم الحاضرة فلا يجاب إلى التوقيف ويحلف المطلوب أنه لا يعلم للطالب فيه حقًا ويبقى المدعى فيه بيده حتى يأتي القائم ببينته بدون كفيل وكذا الحكم أن قام له بالنشدان والبحث شاهد واحد عدل وزعم أن له شاهدًا آخر به غائبًا أو أكثر من واحد على بعد فلا توقيف أيضا بل يحلف المطلوب ويبقى بيده كذلك (الوجه الثاني) الذي لميتعرض له الناظم وهو أن من ادعى عبدًا مثلًا بيدرجل وأقام شاهدًا عدلًا أو بينة سمعت أن عبده سرق له أو هرب له وأراد وضع قيمته ليذهب به إلى بلد قاض آخر يهد له على عينه أجيب إلى ذلك لقول مالك ﵁ في المدونة من ادعى عبدًا بيد رجل وأقام شاهدًا عدلًا يشهد على القطع أو أقام بينة يشهدون أنهم سمعوا أن عبده سرق له مثل ما يدعي وإن لم تكن شهادة قاطعة وله بينة ببلد آخر فسأل وضع قيمة العبد ليذهب به إلى بينة ليشهدوا عليه عند قاضي تلك البلدة فذلك له وإن لم يقم شاهدًا ولا بينة على سماع ذلك وادعى بينة قريبة بمنزلة اليومين والثلاثة فسأل وضع قيمة العبد ليذهب به إلى بينة لم يكن ذلك له ابن القاسم فإن قال أوقفوا العبد حتى آتي ببينتي لم يكن ذلك له إلا أن يدعي بينة حاضرة على الحق أو سماعًا يثبت به دعواه فإن القاضي يوقف العبد ويوكل به حتى يأتي ببينة فيما قرب من يوم فإن جاء ببينة أو سماع وسأل إيقاف العبد ليأتي ببينة فإن كانت بينة بعيدة وفي إيقافه ضرر استحلف القاضي المدعى عليه وأسلمه إليه بغير كفيل انتهى وفي ابن مرزوق ونفقة العبد في الإيقاف على من يقضي له به. وظاهر النظم ونص المدونة أنه إذا لم يكن شاهد ولا بينة سماع فلا يوقف بمجرد الدعوى وهو كذلك على المشهور وقيل يجاب لمطلبه بمجردها ويضع قيمته إذا أراد الخروج به لبينته وسواء كان البلد الذي فيه البينة قريبًا أو بعيدًا ويضرب له القاضي أجلًا بقدر ما يوصله إلى ذلك البلد ويرده وما يقيم فيه بينته فإن لم يأت تلوم لهفإن لم يأت حكم عليه وأخذ المدعى عليه القيمة كما يأخذها إذا هلك في ذهابه وبهذا جرى العمل (فإن ثبت) عند قاضي البلد الذي سافر إليه أنه عبده أنهى للقاضي الأول أنه ثبت عندنا أن هذا العبد
стр. 112
لمدعيه واستحقه وأخذ القيمة الموضوعة عند القاضي ما لم يعارضه المدعى عليه ببينة تشهد له بالملكية أيضا فإن عارضه ببينة تشهد له به وتكافت البينتان رد الحوز ليد المدعى عليه لسقوطهما كما مر ويأخذ المدعي القيمة التي وضعها فقط. وكذا أن لم يثبت أنه عبده. وقول المدونة وأقام شاهدًا عدلًا يشهد على القطع أي بأن عبده سرق أو آبق. وقوله ما القسم عنه ارتفعا كقول ابن القاسم فإن لم يحلف وقف على نحو ما تقدم قال التسولي وظاهره كظاهر المدونة أن اليمين تتوجه عليه سواء كانا ببلد واحد أو أحدهما طارئًا وليس كذلك لأنه إذا ادعى الطارئ على المقيم قال المقيم أنت لا تدعي علي معرفة ذلك وكذا العكس فلا يحلف أحدهما للآخر في طرق أحدهما كما في التبصرة انتهى (قلت) وعليه لو ادعى أحدهما على الآخر المعرفة وكان ممن يظن به ذلك لتوجهت عليه اليمين والله أعلم. وقوله والنشدان بكسر النون مصدر وتقدم معناه وبرهان أي حجة تامة كما بيناه وآبق بفتح الباء الموحدة وكسرها أي هرب ومستحق بفتح الحاء وكسرها اسم مفعول أو اسم فاعل خبر عن هو الذي هو مبتدأ والضمير تابع للمعنى فإما أن يكون عائدًا على التوقيف وأما أن يكون عائدًا على المدعي هذا إذا كان المدعى فيه غير أمة أما إذا كان أمة فلا بد من الحيلولة بينهما وبين المدعى عليه طلبها المدعي أو لم يطلبها إلا إذا كان أمينًا فإن طلب التوقيف كغيرها حيلت وإلا فلا يجب على القاضي ذلك. وقوله وبعد بضم أوله وضمير باقيهم يعود على الشاهدين به وترد بفتح أوله وكسر ثانيه من الورود وفيه ضمير مستتر تقديره هي يعود على اليمين (تنبيهان) الأول سئل سيدي عبد القادر الفاسي عمن اعترف دابة وأراد أن يقيم البينة على عينها فقال له من بيده الدابة ضع قيمتها وخذها فما وجد ما يضع فيها فهل يكفيه ضامن المال أو ضامن الوجه (فأجاب) وأما الدابة التي أراد المستحق أن يذهب بها فإنها تقوم بقيمتها وتوضع تلك القيمة تحت يد أمين فإذا قال ليس عندي قيمة وأراد أن يعطي ضامنًا بها قال ابن عبد الرفيع ليس له ذلك إلا أن يرضى من وجدت بيده انتهى (الثاني) قال الحطاب عند
стр. 113
قول صاحب المختصر والغلة له للقضاء (فرع) قال بعض العلماء إذا ألزم المدعى عليه بإحضار المدعى فيه لتشهد عليه البينة فإن ثبت الحق فالمؤنة على المدعى عليه لأنه مبطل ملح وإلا فعلى المدعي لأنه مبطل في ظاهر الشرع ولا تجب أجرة تعطيل المدعى به في مدة الإحضار لأنه حق للحاكم لا تتم مصالح الحكام إلا به انتهى (قلت) وبهذا يبطل ما استظهره التسولي من لزوم أجرة التعطيل على المدعي وقوله (فصل) أي هذا فصل في ذكر النوع الرابع من أنواع الشهادات وهي الشهادة التي توجب اليمين على المطلوب ولا توجب الحق للطالب وإليها أشار بقوله
(رابعة ما تلزم اليمينا ... لا الحق لكن للمطالبينا)
(شهادة العدل أو اثنتين في ... طلاق أو عتاق أو قذف يفي)
(وتوقف الزوجة ثم أن نكل ... زوج فسجن ولعام العمل)
(وقيل للزوجة إذ يدين ... تمنع نفسها ولا تزين)
الأبيات الأربعة يعني أنه إذا شهد عدل واحد أو امرأتان عدلتان بطلاق أو عتق أو قذف فالعمل في ذلك أن زوجة المشهود عليه بالطلاق توقف بالحيلولة بينها وبينه ويؤمر بالحلف إذا أنكر الطلاق لرد الشهادة فإن حلف برئ ولا يلزمه شيء مما نسب إليه وإن نكل عن اليمين قيل تطلق عليه في الحال وقيل لا بل يسجن ويطال سجنه العام وهو القول الذي رجع إليه مالك وجرى به العمل عند القضاة كما في النظم فإن تمادى على نكوله أطلق ويوكل إلى ديانته وتؤمر زوجته بأن تمنع نفسها منه ولا تتزين ولا تمكنه من نفسها إلا بإكراه وإذا قدرت على الافتداء منه افتدت ولو بجميع مالها خير من البقاء معه على الزنى قال بعض العلماء هذا إذا كان الطلاق الذي ادعته بائنًا أما إذا كان رجعيًا فالظاهر أنه لا يحال بينهما لأنه قد يطؤها بنية الارتجاع وذلك حلال له لأن الإشهاد عليه ليس بشرط. وانظر إذا تعذر سجن العام لموجب هل تطلق عليه في الحال كما قال الإمام أولًا أو يوعض ثم يوكل إلى ديانته
стр. 114
وهو الظاهر لم أر في ذلك نصًا والله أعلم. وقوله أو عتاق أو قذف ما قيل في الطلاق يقال فيهما من السجن الطويل إذا أنكر المشهود عليه العتق أو القذف قال محمد بن عياض ﵀ رأيت بخط الشيخ أبي ﵀ قال قال الداودي فيمن ادعى على رجل أنه شتمه فإن كان يعرف بينه وبينه مشاررة حلف له وإلا سجن حتى يحلف أو يقرر وإن لم يكن بينه وبينه ذلك فلا شيء عليه إلا أن يقيم بينة ورأيت بخطه أيضا قال ابن أبي مريم كنت أقول فيمن أقامت عليه امرأته شاهدًا بالطلاق فنكل عن اليمين بقول ابن القاسم حتى وجدت حديث النبي ﷺ وهو من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا ادعت المرأة طلاق زوجها وجاءت على ذلك بشاهد عدل واحد استحلفت زوجها فإن حلف بطلت عنه شهادة الشاهد وإن نكل فنكوله بمنزلة شاهد آخر وجاز طلاقه قال ابن أبي مريم فأخذت به وهي رواية أشهب عن مالك وبه آخذ فإن نكل ثم أراد أن يحلف بعد لم يكن له ذلك اهـ من الجزء العاشر من المعيار وجملة يفي صفة لقذف. وفهم من تخصيصه الحكم بهاته الثلاثة أن غيرها مما لا يثبت إلا بعدلين لا يجري فيه هذا الحكم وأنه لا يمين بمجرد الدعوى لقول مالك رضي الله تعالى عنه ولو جاز هذا للنساء والعبيد لم يشأ عبد إلا حلف سيده ولا امرأة إلا حلفت زوجها كل يوم. وقوله رابعة ما تلزم اليمينا البيت ما اسم موصول واقع على الشهادة وتلزم بضم أوله من الزم الرباعي بمعنى توجب واليمين مفعوله ولا عاطفة والحق معطوف على اليمين ولكن حرف استدراك وابتداء لا عاطفة لعدم وجود شرطها الذي هو تقدم النفي أو النهي وللمطالبين بفتح اللام الأخيرة واللام الأولى بمعنى على والجار والمجرور متعلق بمحذوف دل عليه ما قبله أي لكن تلزمها للمطلوب لا للطالب كما في النوع الثاني من أنواع الشهادات وتزين بفتح أوله فعل مضارع أصله تتزين بتاءين حذفت إحداهما للتخفيف (فصل) أي هذا فصل في ذكر النوع الخامس من أنواع الشهادات وهي الشهادة التي لا توجب شيئًا لأحد المتخاصمين أو عليه البتة وإنما ذكرت مع غيرها مما يوجب شيئًا ولو في الجملة كالتنبيه وإليه أشار بقوله
стр. 115
(خامسة ليس عليها عمل ... وهي الشهادة التي لا تقبل)
(كشاهد الزور والابن للأب ... وما جرى مجراهما مما أبى)
يعني أن شهادة الزور لا تقبل لعدم العدالة وشهادة الابن للأب لا تقبل للتهمة وما جرى مجراهما مما أبى أي منع فمما جرى مجرى شاهد الزور فاقد العقل أو الحرية أو البلوغ في غير مسئلة الصبيان وعموم اجتناب الكبائر وقد تقدم الكلام عليها عند قوله وشاهد صفته المرعية الأبيات الثلاثة ومما جرى مجرى شهادة الابن للأب ظهور العداوة الدنيوية وتهمة الجر والدفع ونحوها مما تقدم أيضا (وفي) حاشية المهدي (تتمة) يكفي في رد الشهادة استرابة القاضي لها وحده ففي أحكام ابن سهل ما نصف وفي أحكام ابن زياد في رجل تردد على القاضي مشتكيًا برجلين عدلين حينًا ثم قام على المشتكي بهما رجل بدعوى فسأله القاضي بينة على دعواه فقال يشهد لي شاهدان وسمى ذينك الرجلين الذين تشكاهما المطلوب وتظلم منهما فقل له القاضي هل لك غيرهما فقال لا فاستراب القاضي ذلك وسأل الفقهاء عنه فقالوا التثبت في الشهود من أولى الأشياء وأحقها لما ظهر من كثير من الناس من الشهادة بغير الحق والذي استرابه القاضي وفقه الله مستراب إلا في العدول المبرزين في العدالة المعروفين بالخير واستقامة الطريقة على طوال الأيام ومرور المدد انتهى (قلت) لا مانع من كون المشتكي هو المتراب وكثيرًا ما يقع في هذا الزمان وقد شاهدنا ذلك مرارًا عديدة وعلى كل حال لما كانت القضاة في وقتنا هذا لا يستندون لعلمهم في شيء وهو الأحوط بهم وبالناس فإن النازلة التي تقع مثل هذه تجري مجراها على ما يقتضيه القانون الشرعي من الإعذار فيها بالوجه الذي يجرحان به بحسب الظاهر والله الموفق للصواب وقوله
стр. 116
فصل في شهادة السماع
قال الإمام ابن عرفة شهادة السماع لقب لما يصرح الشاهد فيه بإسناد شهادته لسماع من غير معين انتهى فتخرج شهادة البت والنقل أي تخرج شهادة البت بقوله بإسناد شهادته لسماع وتخرج شهادة النقل بقوله من غير معين وسميت بذلك لأن المنقول عنه يقول للناقل أشهد على شهادتي. وهل شهادة السماع ترجع إلى النوع الأول من أنواع الشهادات الخمس بناء على أنها توجب حقًا بلا يمين أو إلى النوع الثاني بناء على أنها توجب حقًا بيمين أو هي غير داخلة فيها ويكون على الناظم درك في إسقاطها من التقسيم تردد. وعن ابن رشد أن لشهادة السماع ثلاث مراتب (الأولى) تفيد العلم واليقين وهي المعبر عنها بالتواتر كالسماع بأن مكة موجودة فهي بمنزلة الشهادة بالرؤية وغيرها مما يفيد العلم (الثانية) شهادة الاستفاضة وهي تفيد ظنًا يقرب من القطع ويرتفع عن السماع مثل الشهادة بأن عبد الرحمن هو ابن القاسم والهلال إذا رآه الجم الغفير من أهل البلد فالشهادة المستندة إليه في هاتين المرتبتين تكون على البت لا بالسماع (الثالثة) شهادة السماع التي لم يبلغ الخبر فيها مبلغ العلم أو مبلغ الظن القوي وأنه لا يجوز فيها الجزم كالمرتبة الأولى والثانية بل يصرح فيها شهودها بالسماع وهي المصطلح عليها عند الفقهاء بحيث إذا أطلقت عندهم لا تنصرف إلا إليها ولا تجوز إلا في مواضع مخصوصة بصفة مخصوصة وشروط لا تصح إلا بها لأنها جاءت على خلاف قول الله تعالى ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ وإنما قبلت للضرورة إليها لأن طول الزمان مظنة هلاك الشهود وقد ذكر الناظم من تلك المواضع المخصوصة عند الفقهاء تسعة عشر موضعًا وإليها أشار بقوله
(وأعلمت شهادة السماع ... في الحمل والنكاح والرضاع)
(والحيض والميراث والميلاد ... وحال إسلام أو ارتداد)
стр. 117
(والجرح والتعديل والولاء ... والرشد والتسفيه والإيصاء)
(وفي تملك لملك بيد ... يقام فيه بعد طول المدد)
(وحبس جاز من السنين ... عليه ما يناهز العشرين)
(وعزل حاكم وفي تقديمه ... وضرر الزوجين من تتميمه)
الأبيات الستة يعني أن شهادة السماع تجوز ويعمل بها في ثبوت الحمل وصفة الشهادة فيه كغيره مما عطف عليه أن يقول الشهود سمعنا سماعًا فاشيًا مستفيضًا على السنة أهل العدل وغيرهم أن الأمة فلانة حملت من سيدها فلان حملًا ظاهرًا لا خفاء فيه فتصير بذلك أم ولد أن ادعت سقوطه وتصدق في ذلك أن مات سيدها أو كان حيًا وأقر بوطئها فإن أنكر وطئها فلا ينفعها ذلك. وفي ثبوت أصل النكاح وقع التداعي فيه من رجل أو امرأة حيث كانت المرأة في دعوى الرجل تحت يده وفي حوزه أو ليست بيد أحد فإن كانت بيد أحد بالزوجية لم يعمل ببينة السماع لأنه لا ينزع بها من يد حائز قاله البرزلي. وفي ثبوت الرضاع لتقع به الحرمة حيث كانت الشهادة قبل العقد عليها وإلا فلا تؤثر شيئًا لأن شهادة السماع لا ينتزع بها من يد حائز كما يأتي قريبًا. وفي ثبوت الحيض ليثبت البلوغ والخروج من العدة فتنبني عليه أحكامها وفي ثبوت الميراث أن لم يكن له وارث ثابت النسب وإلا فلا يعمل بها كما لا يعمل بها في المناسخات (وصفة العمل في هذا) الحمد لله يعرف شهوده الآتي ذكرهم فلانًا معرفة صحيحة تامة ويشهدون أنهم سمعوا سماعًا فاشيًا مستفيضًا على السنة أهل العدل وغيرهم أنه ابن عم فلان المعروف عندهم المعرفة التامة يجتمع معه في جدة فلان ويعلمون أنه توفي منذ كذا فأحاط بميراثه زوجته فلانة وابن عمه فلان المذكور لا يعلمون له وارثًا ولا عاصبًا سوى من ذكر وقيدوا إلخ. وفي ثبوت الولادة لتخرج من العدة وتصير به الأمة أم ولد وتخرج من الاستبراء. وفي ثبوت إسلام الكافر وكفر المسلم لتنبني عليهما أحكامهما من إرث وعدمه. وفي ثبوت جرحة الشاهد
стр. 118
فترد شهادته والتعديل فتقبل حيث لم يدرك الشهود زمن الذي جرحوه أو عدلوه فإن أدركوا زمنها فلابد من شهادة القطع وإلا فلا يعمل بها قاله ابن سلمون وبه تعلم سقوط قول من قال من أهل العصر في فتواه بغير نص ولو خارج المذهب أن الشاهد إذا مات لا يجرح فيه فهو كلام بعيد لا يلتفت إليه ألم يعلم أن الروات يجرحون بعد الممات لينبذ ما قالوه من الروايات فكيف لا يكون ذلك في باب الشهادات. وفي ثبوت الولاء المشهور الشائع حيث شهدت البينة أنه مولاه لتجري عليه أحكام الولاء. وفي ثبوت الرشد فتمضي أفعاله. وفي ثبوت التسفيه فترد أفعاله. وفي ثبوت الإيصاء مطلقًا سواء كان بالنظر على الأولاد فتجري عليه أحكام التصرف في مالهم أو بالمال كالهبة. وفي استمرار تملك لملك بيد إنسان يقم عليه فيه بعد مدة طويلة كعشرين سنة أو قربها على ما به العمل وذلك فيما إذا قدم إنسان من المغيب أو بلغ الصبي مثلًا وأثبت بعد ذلك أن الملك له قد انجر له من أبيه أو جده وأثبت الموت والوراثة وتناسخ الوراثات أن كان ثم تناسخ فقال الذي بيده الملك أنه اشتراه من قوم قد انقرضوا وانقرضت البينة وأتى ببينة تشهد على السماع بأنه اشتراه من أبي القائم أو جده فإن هاته الشهادة تنفعه ويبقى الملك بيده. وفي ثبوت حبس بيد مدعيه أو لم يكن تحت يد أحد وقد مضى عليه زمن طويل يقارب عشرين سنة (وصفة العمل فيها) كما في ابن عرضون الحمد لله يعرف شهوده الآتي ذكر أسمائهم عقب التاريخ جميع الدار مثلًا التي بموضع كذا يحدها كذا ويشهدون مع ذلك بأنهم لم يزالوا يسمعون سماعًا فاشيًا مستفيضًا على السنة أهل العدل وغيرم أن جميع الدار المذكورة المحدودة حبس على كذا ويعلمون أنها تحاز بما تحاز به الأحباس وتحترم بحرمتها واتصل ذلك في علمهم حتى الآن ويحوزونها بالوقوف عليها متى دعوا إلى ذلك وقيدوا بذلك شهادتهم مسئولة منهم. وإن كان حبسًا خاصًا بالعقب وأن الزوجة لا تدخل فيه زدت وأنهم يعرفون أن من مات منهم لا تدخل في نصيبه زوجته وتهلك ابنة الميت فلا يدخل ولدها في ذلك ولا زوجها وإن ضمنت إقرار
стр. 119
الساكنين فيها بأن سكناهم فيها على وجه الحبس فهو أتم انتهى وقوله ويعلمون أنها تحاز بما تحاز به الأحباس إلخ هكذا تكون على القطع فإن أدخلت تحت السماع بطلت على القول المعمول به (فرع) قال في الكافي والشهادة على السماع عاملة في أن بني فلان لم يكن لهم دخل في حبس فلان انتهى (تنبيه) وفي الغرناطي الاسترعاء بمعرفة الحبس لابد أن تذكر فيه يحاز بما تحاز به الأحباس وأنه يحترم باحترامها ولا تذكر المحبس له لئلا يكلف القائم بالحبس إثبات موت المحبس وتتناسخ ورثاته وملكه له انتهى ومثله في نوازل البرزلي. وقولنا بيد مدعيه احتراز عما إذا كان بيد مدعي ملكيته وأنكر الحبيسة فإن بينة الحبس بالسماع لا تفيده لأنه لا ينتزع بها من يد حائز على القول المشهور المعمول به كما مر. وأعملت في عزل حاكم فلا يمضي حكمه وفي ثبوت تقديمه فيمضي حكمه. وفي ثبوت ضرر الزوج بزوجه لينبني عليه الزجر والطلاق ورد الخلع كما هو مبين في موضعه (وصفة العمل في ذلك) الحمد لله يعرف شهوده الآتي ذكرهم فلانًا بن فلان وفلانة بنت فلان معرفة تامة ويعلمون بالسماع الفاشي المستفيض على السنة اللفيف من النساء والجيران وغيرهم أن فلانًا الزوج المذكور لم يزل يضر بزوجه المذكورة في نفسها ومالها ويسيء عشرتها ويتكرر ذلك لها منه المرة بعد المرة من غير ذنب تستوجب به ذلك ولا يعلمون أنه رجع عن ذلك بوجه إلى الآن إلخ قاله ابن سلمون (وزيد) على ما ذكره الناظم مواضع أخر تجوز فيها شهادة السماع وهي حل النكاح بطلاق أو غيره وإلا باق واللوث بأن يقولوا سمعنا سماعًا فاشيًا أن فلانًا قتل فلانًا والإعسار والعتق والأسر أي أن فلانًا أسره العدو والهبة والحرابة بأن يقولوا سمعنا سماعًا فاشيًا مستفيضًا من أهل العدل وغيرهم أن فلانًا محاربًا وكذا في الرهن قاله الحطاب وقد نظمتها فقلت
والحل للنكاح والآباق ... واللوث والإعسار والعتاق
والأسر والهبة والحرابة ... والرهن منها فاعلم الإصابة
وأنهاها بعضهم إلى نيف وستين لكن لما كان فيها تداخل كما في ابن مرزوق اقتصرت
стр. 120
على هذا القدر ومن أراد الزيادة على هذا فليراجع شرح الشيخ التاودي (ولما) فرغ من ذكر المواضع التي تجوز فيها شهادة السماع شرع في بيان شروط صحتها فقال
(وشرطها استفاضة بحيث لا ... يحصر من عنه السماع نقلا)
(مع السلامة من ارتياب ... يفضي إلى تغليظ أو إكذاب)
(ويكتفي فيها بعدلين على ... ما تابع الناس عليه العملا)
الأبيت الثلاثة ذكر فيها لصحة شهادة السماع أربعة شروط (الأول) الاستفاضة والمراد بها هاهنا أن يكون المنقول عنه غير معين ولا محصور ولا الاستفاضة المتقدمة المنقولة عن ابن رشد (الثاني) عدم تسمية المنقول عنه كما نبه عليه بقوله بحيث لا يحصر بقية البيت (الثالث) انتفاء الريبة والتهمة كان يشهد اثنان بالسماع وفي القبيلة والبلد مائة أو أكثر من أسنانهما لا يعرفون شيئًا من ذلك لم تقبل لغلطهما أو كذبهما إلا أن يكونا شيخين كبيرين قد باد جيلهما فتقبل لسلامتها من ريبة الغلط أو الكذب (الرابع) تعدد الشهود اثنان فأكثر وأقل ما يجزيء فيها عدلان على القول المعمول به وقيل لا يجزيء فيها أقل من أربعة شهود أما العدل الواحد فلا يجزيء فيها اتفاقًا لضعف أصلها. وقد زيد عليها شروط أربعة طول المدة في جميع أفرادها ما عدى ضرر الزوجين كما في ابن رحال ولا يجب في الشهادة بيان مدة السماع على ما جرى به العمل عند غير واحد من الموثقين كما في المتيطية. وصفتها قال الإمام ابن عرفة الباجي وشرط شهادة السماع أن يقولوا سمعنا سماعًا فاشيًا من أهل العدل وغيرهم وإلا لم تصحح انتهى والاستفاضة هي الفشو كما في ابن عاشر وقيل الجمع فيها بين أهل العدل وغيرهم ليس شرطًا والعمل على الأول (قلت) لعل العمل على الأول في غير ضرر الزوجين. وأن تكون لمن الشيء تحت يده كما مر عند قوله وحبس جاز من السنين البيت وقد يستفاد هذا من قول الناظم وفي تملك لملك بيد إلخ (قال) الشيخ عظوم القيرواني في المباني اليقينية شهادة السماع على
стр. 121
أرض أو دار في يد غير المشهود له بها فلا تنزع من هذا ليتمكن منها القائم بمجرد شهادة السماع إلا أن يشهد العدول على البت أو أنهم سمعوا من العدول أو أشهدهم بذلك العدول فيكون هذا من باب النقل الصحيح انتهى (قلت) قوله فيكون هذا من باب النقل الصحيح ظاهر فيما إذا أشهدهم العدول بذلك أما إذا لم يشهدوهم بذلك فهي مسألة شهادة السماع فلا بد من استفتاء شروطها. وفي حاشية الشيخ المهدي قال الشيخ الرماصي المالكية مطبقون على التعبير بأنه لا ينزع بها من يد حائز وإنما تجوز للحائز وتحليف المشهود له على ما قال بعضهم لأن السماع ضعيف فلابد معه من اليمين ولا يقال لعل السماع وقع من شاهد واحد فلهذا وجبت اليمين لأنه لو كان كذلك لاقتضى خروج ما لا يثبت إلا بشاهدين قاله الزرقاني. وقوله لا يحصر من عنه السماع نقلا البيت لا نافية ويحصر فعل مضارع مبني للنائب ومن اسم موصول نائب فاعل والسماع مبتدأ وجملة نقلًا من الفعل ونائب الفاعل المضمر العائد على المبتدأ خبره وعنه جار ومجرور متعلق بنقلا وألفه للإطلاق والجملة من المبتدأ والخبر ومتعلقه صلة من لا محل لها من الإعراب والرابط بين الصلة والموصول ضمير عنه (وقوله).
فصل في مسائل من الشهادات
ذكر الناظم في هذا الفصل أربع مسائل القيام بالشهادة الناقصة والاستظهار بالبينة بعد إنكار المدعى عليه وتعارض البينات وكيفية العمل في الشيء إذا ادعاه شخصان فالأولى قوله
(ومن لطالب بحق شهدا ... ولم يحقق عند ذاك العددا)
(فمالك عنه به قولان ... للحكم في ذاك مبينان)
(إلغاؤها كأنها لم تذكر ... وترفع الدعوى يمين المنكر)
стр. 122
(أو يلزم المطلوب أن يقرأ ... ثم يؤدي ما به اقرأ)
(بعد يمينه وأن تجنبا ... تعيينا أو عين والحلف أبى)
(كلف من يطلبه التعيينا ... وهو له أن أعمل اليمينا)
(وما على المطلوب إجبار إذا ... ما شاهدوا في أصل ملك هكذا)
الأبيات الثمانية يعني أن من شهد لرجل مثلًا بحق على آخر وكان مما يعد ولم يحقق عدده وقت أداء الشهادة ففي إلغاء شهادته وأعمالها قولان منقولان عن الإمام مالك مبينان للحكم في الذي شهد الشهادة المذكورة أي في شهادته (أحدهما) إلغاؤها لكونها كالعدم وعلى المطلوب المنكر يمين يرفع بها دعوى المدعي على الأصل وله قلبها على الطالب (وثانيهما) أن يكلف المدعى عليه بتعيين ما في ذمته لوجود قرينة قوية عند المدعي فإن عين قدرا حلف عليه وأداه وإن لم يعين شيئًا أو عين وامتنع من الحلف هدد فإن استمر على إبايته قيل للطالب عين مالك عليه فإن عين قدرًا وكان مما يشبه حلف عليه ويلزم المطلوب ما عينه وإن لم يعين شيئًا أو عين وأبى الحلف بطل حقه والقول الأول هو الأعرف لكن القول الثاني هو الذي به القضاء وتقدمت الإشارة إليه عند قول الناظم والمدعى فيه له شرطان. واعترض على الناظم بأن كلامه مخالف للنقل حيث أشار إلى أن المدعى عليه يكلف بالإقرار إذا أباه قبل أن يؤمر المدعي بالتعيين وليس كذلك بل لا يكلف إلا إذا امتنع الطالب من التعيين لعدم علمه بقدر الحق فقد نقل عن ابن يونس عن ابن حبيب عن مالك أنه إذا جحد المطلوب قيل للطالب أن عرفته فاحلف عليه وخذه فإن قال لا أعرفه وضاعت كتب محاسبتي أو أعرفه ولا أحلف فيسجن المطلوب حتى يقر بشيء ويحلف عليه فإن أقر بشيء ولم يحلف أخذ منه وحبس حتى يحلف اهـ فلم يبطل حق الطالب إذا قال لا أحلف أو قال لست أعرفه (قلت) فلو قال ظم عقب قوله وترفع الدعوى البيت
стр. 123
أو يؤمر الطالب بالتبيين ... ويستحقه مع اليمين
فإن أبى من البيان والحلف ... الزم مطلوب بأن قد يعترف
فإن بشيء قد أقر لزمه ... بعد يمينه عليه فاعلمه
فإن أبى من كل ما قد وصفا ... سجنه القاضي إلى أن يحلفا
والأول اختيار بعض من مضى ... والثاني أولى وبه جرى القضا
لكان نصًا في المسألة هذا كله إذا كانت الشهادة في الحقوق المالية المتعلقة بالذمة أما إذا كانت في معين كحصة من دار مثلًا فإنه يكلف المطلوب بتعيينه فإن أبى أو عينه وامتنع من الحلف فإنه يحال بينه وبين الدار حتى يحلف فإن أقر بشيء منها أخذ منه ووقف الباقي وهكذا إلى أن يحلف كما تقدم في الدعوى. وقوله وما على المطلوب إجبار يعني لا يجبر بالسجن كما في المسألة الأولى على ما في النقل وهو مفهوم من قوله أو يلزم والإلزام لا يكون إلا بذلك بل يجبر بالحيلولة كما قررنا به كلامه. وقوله ومن لطالب إلخ من بفتح الميم اسم موصول بمعنى الذي تضمن معنى الشرط وذاك إشارة لوقت أداء الشهادة وجملة فمالك عنه إلخ جواب الشرط وضمير عنه يرجع لمالك وضمير به يرجع للفرع المسؤول عنه وذاك الثاني إشارة إلى من ومبينان يجوز فيه كسر الياء وفتحها صفة لقولان والغاؤها بدل من قولان بدل مفصل عن مجمل وهو القول الأول ويمين بالرفع فاعل ترفع. وقوله أو يلزم أو حرف عطف ويلزم بضم أوله وفتح ما قبل آخره فعل مضارع مبني للنائب منصوب بأن مضمرة جوازًا لوقوعها بعد عاطف مسبوق باسم خالص على حد قول الله ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا﴾ في قراءة من قرأ من السبعة بنصب يرسل فإن المحذوفة وما دخلت عليه في تأويل مصدر عطف على قوله الغاؤها أي إلغاؤها أو إلزام المطلوب. وقوله المطلوب نائب فاعل وقوله والحلف بفتح الحاء وسكون اللام وذاك الأعرف إشارة إلى الأول لا للقول الثاني لأنه لو أراد الثاني لقال وهذا الأعرف وإنما حمله الشارح على الثاني ليكون موافقًا لما به القضاء (والثانية) قوله
стр. 124
(ومنكر للخصم ما ادعاه ... اثبت بعد أنه قضاه)
(ليس على شهوده من عمل ... لكونه كذبهم في الأول)
يعني أن من قام لدى القاضي بدعوى دين مثلًا على آخر فأجاب المدعى عليه بالإنكار فلما استظهر المدعي بالبينة ورأى المدعى عليه من نفسه العجز عن الطعن فيها أو تذكر أن له بينة عليه في ذلك رجع عن إنكاره واعترف بالدين وادعى أنه كان قضاه له وله بينة تشهد بذلك فالعمل على عدم سماع بينته على الأشهر لكونه أسقطها بإنكاره ولأن كل من اضطرب كلامه وتناقضت مقالته سقطت دعواه وحجته إذ لا فرق في هذا بين المدعي والمدعى عليه. وظاهر النظم أن بينته لا تنفعه مطلقًا سواء كان عالمًا بأن ذلك يضره أو لا وسواء نفى أصل المعاملة أو نفى الدين فقط وسواء كانت لدعوى في الأصول والحدود أو في غيرهما وليس كذلك بل المسألة فيها تفصيل (ففي) الحطاب عند قول صاحب المختصر وإن أنكر القبض فقامت البينة فشهدت بينة بالتلف ما نصه قال ابن فرحون في الباب السادس والخمسين من القسم الثاني من تبصرته من ادعى على رجل دينا من سلف أو قراض أو وديعة أو بضاعة أو رسالة أو رهن أو عارية أو هبة أو صدقة أو حق من الحقوق فجحد أن يكون عليه شيء من ذلك فلما خاف أن تقوم عليه البينة أقر وادعى فيه وجهًا من الوجوه يريد إسقاط ذلك عن نفسه لم ينفعه ذلك وإن قامت له البينة على ما زعم أخيرًا لأن جحوده أولا أكذب البينة فلا تسمع وإن كانوا عدولًا (تنبيه) وكذلك الحكم أن لم يقر ولكن قامت بذلك بينة فأقام هو بينة أيضا على رد السلف أو الوديعة أو القراض أو البضاعة أو الرسالة أو على هلاك ذلك فلا ينفعه لأنه بإنكاره مكذب لذلك كله هذا قول الرواة أجمعين ابن القاسم وأشهب وابن وهب ومطرف وابن الماجشون (فرع) وأما أن قال ما لك علي سلف ولا ثمن سلف ولا لك عندي وديعة ولا قراض ولا بضاعة فلما ثبت وذلك قبله بالبينة أقر بذلك وزعم أنه رد الوديعة والسلعة أو غير ذلك مما يدعى عليه أو
стр. 125
ادعى هلاكه وأقام على ذلكبينة فههنا تنفعه البراءة لأن قوله ما لك شيء يريد في وقته هذا وأما في الصورة الأولى إذا قال ما أسلفتني ولا أودعتني فليس مثل قوله هنا ما لك علي سلف (قال) ابن حبيب وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا عند الرواة إلا أني رأيت في كتاب الأقضية من السماع شيئًا يخالف هذا وأظن له وجهًا يصحح معناه أن شاء الله وذلك أنه سئل مالك عن رجل بعث معه رجل بعشرين دينارًا يبلغها إلى الجار والجار موضع وكتب إليه كتابًا وأشهد عليه عند دفعه إليه فحمل الكتاب وبلغه إلى من أرسل إليه فلما قرأه سأله عن الذهب فجحده إياه ثم أنه قدم المدينة فسأله الذي أرسل معه الذهب وقال له أني أشهدت عليك فقال له أن كنت دفعت إلي شيئًا فقد ضاع فقال مالك ما أرى عليه إلا يمينه وأرى هذا من مالك إنما هو في الجاهل الذي لا يعرف أن الإنكار يضره وأما العالم الذي يعلم أنه يضره ثم يندم عليه بعد ذلك فلا يعذر من كتاب الرعيني اهـ كلام ابن فرحون وهذا كله كلام الرعيني في كتاب الدعوى والإنكار غير أن الرعيني زاد بعده ورأيت لابن مزين لفظة أنه قبل بينة على القضاء وإن جحدوه وقال ما أسلفتني قط شيئًا والأول أصوب أن شاء الله. وفي مسائل العيوب من البرزلي فيمن قيم عليه بعيب فأنكر البيع فلما ثبت عليه زعم أن المشتري اعتمر وعرض للبيع بعد اطلاعه على العيب فقال هاشم بن محمد هذا تناقض لأنه كذب بينته قلت هذه المسئلة تجري على مسئلة من طولب بشيء فأنكره وأقيمت عليه البينة فأتى بحجة توجب قبول قوله وفيها خلاف مشهور في المدونة من مسئلة اللعان والتخيير والوديعة وغيرها حكاه ابن رشد وغيره انتههى وادعى ما يسقط ذلك فلا تسمع دعواه ولا بينته ولو كانت بينة عادلة بخلاف ما إذا قال ما لك علي سلف ولا وديعة ولا قراض أو قال ما لك عندي حق ثم أقر بعد ذلك أو قامت عليه البينة فادعى ما يسقط ذلك فإنه تسمع دعواه أو بينته وقد صرح بذلك في رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب الدعوى والصلح وبذلك صرح المصنف
стр. 126
في باب الأقضية وإن أنكر مطلوب المعاملة فالبينة ثم لا تقبل بينة بالقضاء بخلاف لا حق لك علي انتهى وينبغي أن يقيد ذلك أيضا بما قاله الرعيني وهو أن يكون المدعى عليه يعرف أن الإنكار يضره وأما أن كان يجهل ذلك ولا يفرق بين قوله ما أسلفتني وما أودعتني وبين قوله ما لك عندي سلف ولا وديعة فيعذر بالجهل إلا إذا حقق عليه وقدر عليه وقيل له أنت تنكر هذا أصلا فإذا قامت عليه البينة فلا تسمع بينتك فإذا استمر على ذلك فحينئذ لا تسمع بينته وينبغي أن يقيد ذلك بغير الحدود والأصول لأن هذا قول ابن القاسم وابن كنانة انتهى قال الشدادي وبهذا القيد جرى العمل وفي جواب لأبي القاسم السيوري اختلاف قول المؤتمن يوجب ضمانه لما اؤتمن عليه كما في وكالات الحاوي. وقول الناظم كغيره كذبهم يعني بالتضمن لا بالتصريح لأن بينة القضاء تتضمن الإقرار بالمعاملة التي تفرع القضاء عنها وإنكاره المعاملة أو لا تكذيب لبينة القضاء وقال بعضهم المراد بتكذيب البينة إسقاطها بالإعراض عنها أولا فإذا استظهر بها في نازلة أخرى فإنها تقبل فلو قال الناظم بدل كذبهم أسقطهم لكان أظهر. واعلم أن الخلاف الجاري بين أهل المذهب في المسئلة مبني على قاعدة وهي مضمن الإقرار وهل هو كصريحه أولا فمن قال هو كصريحه أسقط دعواه وبينته إذا انتقل من الإنكار إلى الإقرار وادعى الخلاص أو الضياع ومن قال مضمن الإقرار ليس كصريحه قال ينفعه ذلك ولا يضره الانتقال من الإنكار إلى الإقرار وإذا أردت بسط المسئلة فانظرها في شرح المنجور على الزقاقية الأصلية وقد علم مما تقدم أن المعول عليه من الخلاف هو التفصيل المذكور (والثالثة) قوله
(وفي ذوي عدل يعارضان ... مبرزًا أتى لهم قولان)
(وبالشهيدين مطرف قضى ... والحلف والأعدل أصبغ ارتضى)
(وقدم التاريخ ترجيح قبل ... لا مع يد والعكس عن بعض نقل)
(وإنما يكون ذاك عند ما ... لا يمكن الجمع لنا بينهما)
стр. 127
ولما ذكر ما يسقط الشهادة من تجريح ورجوع ونقصان شرع يتكلم على ما يسقطها من جهة التعارض والتعارض لغة هو التدافع والتمانع والتنافر كل ذلك متقارب قاله الرصاع وفي الاصطلاح هو أن تشهد بينة بشيء ثم تشهد الأخرى بنقيضه فإنه لا يصح إعمالهما معً لأن فيه جمعا بين نقيضين وهو محال فلا بد من طرح إحداهما وإعمال الأخرى لمرجح يقتضي تقديم المعملة أو طرحها معا أن عدم الترجيح وتعذر الجمع بينهما فالترجيح يكون بأمور (منها) بيان سبب الملك كالنسج والنتاج فإن شهدت إحدى البينتين بأنه ملك لزيد نسجه أو نتج عنده وشهد الأخرى بأنه ملكه فإنها تقدم على من أطلقت لأنها زادت بيان سبب الملك من نسج أو نتاح (ومنها) زيادة عدالة لا عدد إلا إذا كثر العدد جدًا في إحدى البينتين وهل يحلف مقيمها بناء على أن زيادة العدالة كشاهد واحد وهو الراجح أو لا يمين عليه بناء على أنها كشاهدان قولان (ومنها) شهادة الملك فإنها تقدم على شهادة الحوز فقط ولو كان تاريخ الحوز سابقًا لأن الحوز قد يكون عن ملك وغيره فهو أعم من الملك والأعم لا يستلزم الأخص بخلاف العكس إلا إذا شهدت بينة ولو بالسماع أن هذا الحائز أو من ورثها الحائز عنه أو من اشتراها الحائز منه ابتاعها من هذا القائم أو ممن ورثها القائم منه أو ممن اشتراها منه فحينئذ تقدم على بينة الملك كذا في ابن مرزوق عند قول الشيخ خليل وجازت بسماع فشا عن ثقات وغيرهم بملك لحائز متصرف طويلا وقدمت بينة الملك إلا بسماع أنه اشتراها أي الدار مثلا من كأبي القائم اهـ (ومنها) الناقلة على المستصحبة فإذا شهدت بينة أن هذه الدار مثلًا لزيد أنشأها من ماله لا يعلمون أنها خرجت عن ملكه بناقل شرعي وشهدت أخرى أن عمر اشتراها من زيد مثلًا لأن من علم شيئًا يقدم على من لم يعلم وفي الحقيقة ليس هنا تعارض لأن قول المستصحبة لا يعلمونها خرجت عن ملكه لا يقتضي عدم الخروج لأنه يفيد نفي العلم بالخروج لا نفي الخروج وإنما يحصل التعارض الحقيقي لو شهدت المستصحبة بأنها باقية على ملكه إلى الآن أو أنها لم تنتقل عن ملكه
стр. 128
إلى الآن بناء على القول المرجوح وهو أن الشهادة لا تقبل إلا على القطع (ومنها) المثبتة على النافية كان تشهد إحدى البينتين بأن هندا بالغ أو أن الزوج كفؤ لها أو أن زيدًا باع أو طلق زوجته بوقت كذا وشهدت الأخرى بأنها غير بالغ أو الزوج غير كفؤ أو لم يتلفظ بالبيع أو الطلاق في ذلك الوقت. أو شهدت إحدى البينتين بمعاينة حوز الصدقة وشبهها يتصرف فيها المتصدق عليه إلى مرض موت المتصدق وشهدت الأخرى برؤية المتصدق بتصرف فيه إلى مرض الموت فإن بينة الحوز اعمل لأنها أوجبت حقًا كذلك إلا إذا سقط من الشهادة الأولى الاستمرار إلى مرض الموت فإن النافية تقدم عليها. وكذا إذا شهدت إحدى البينتين بأن زيدًا قتل عمرًا يوم كذا في وقت كذا وشهدت الأخرى بأنه كان في ذلك الوقت من ذلك اليوم ببلد بعيد فإن شهادة القتل اعمل لأنها أوجبت حكمًا وهو القصاص ابن رشد هذا مشهور المذهب وقال القاضي إسماعيل يقضي ببينة البراءة أن كانت أعدل وإن استويتا في العدالة سقطتا ابن عبد البر هذا هو الصحيح إذ لا ينبغي أن يقدم على الدم إلا بيقين دون شك ومال إليه الحطاب واعتمده ابن رحال وقال لا ينظر للأعدلية لأنها إنما ينظر إليها فيما يثبت بالشاهد واليمين (ومنها) الشهادة الحسية على الشهادة العرفية ويكون ذلك عند اختلاف الزوجيت في متاع البيت فما كان صالحا للرجال فهو للزوج ما لم تشهد بينة بأن المرأة هي التي اشترته من مالها فيكون لها وما كان صالحًا للنساء فهو للزوجة ما لم تشهد بينة للزوج بأنه اشتراه من ماله فيكون له إلا ما يكتبه الناس في عقود الأنكحة والبيوع على الطوع وعرف البلد على الشرط فإنه تقدم فيه الشهادة العرفية على الحسية على القول المعمول به كما في الفتاوي البرزلية والزقاقية (ومنها) بينة الصحة والفساد فبينة الصحة اعمل لأن الأصل في عقود المسلمين الصحة ما لم يغلب الفساد (ومنها) بينة التسفيه والترشيد فبينة السفه اعمل بالنسبة لإطلاقه من الحجر وأما بالنسبة للبيع ونحوه فتقدم بينة الترشيد لأنها أوجبت صحة العقد (ومنها) بينة التعديل والتجريح فبينة التجريح اعمل كما تقدم (ومنها) بينة الصحة والمرض
стр. 129
فبينة الصحة اعمل من بينة المرض (ومنها) بينة الطوع والإكراه فبينة الإكراه اعمل وكذا كل ضرر ولو أدى ذلك لفسخ العقود إذ لا ثمرة لها إلا ذلك (ومنها) بينة العدم والملا فتقدم بينة الملا بينت أم لا على ما به العمل (ومنها) شهادة عدلين على شهادة شاهد أعدل منهما مع يمين على واحد قولين لقول ابن رشد إذ من أهل العلم من لا يرى الشاهد واليمين إلى هذا الفرع أشار الناظم بقوله
(وفي ذوي عدل يعارضان ... مبرزًا أتى لهم قولان)
(وبالشهيدين مطرف قضى)
يعني أن مطرف بن عبد الله الهلالي ابن أخت مالك وتلميذه قدم شهادة الشهيدين العدلين على الشاهد مع اليمين ولو كان أعدل أهل زمانه وقاله ابن الماجشون ورواه أصبغ عن ابن القاسم واستظهره ابن رشد كما تقدم. ومقابله قوله (والحلف والأعدل أصبغ ارتضى) يعني أن أصبغ ابن الفرج تلميذ ابن القاسم وأشهب وابن وهب وشيخ ابن المواز وابن حبيب وغيرهما اختار تقديم شهادة الشاهد الأعدل مع اليمين على الشاهدين ابن رشد وهذا بعيد عن القياس وقوله الحلف بفتح الحاء وسكون اللام بالنصب مفعول ارتضى مقدم والأعدل معطوف عليه وأصبغ بالرفع مبتدأ وجملة ارتضى خبره. وكذا تقدم شهادة عدلين على شهادة عدل واحد وامرأتين لأن المرأتين في الرتبة الثانية بعد الشاهدين قال الله تعالى ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ قاله ابن مرزوق فإن كان الذي معهما مبرزًا قدم عليهما (ومنها) المؤرخة فإنها تقدم على غير المؤرخة (ومنها) قدم التاريخ بأن كان تاريخ إحداهما أقدم من الأخرى فإنها ترجح بذلك القدم لأن الملك ثبت للأقدم والأصل بقاء ما كان على ما كان وإلى هذا الفرع أشار الناظم بقوله (وقدم التاريخ ترجيح قبل) ولو كانت المتأخرة أعدل من المتقدمة. وقوله (لا مع يد) أي قبل وقدم قدم التاريخ على حادثة التاريخ مع عدم يد الآخر لا مع يده أما إذا كان المتنازع فيه بيد صاحب
стр. 130
حديثة التاريخ فإنه لا ينتزع من يده لأن تركه تحت يده يتصرف فيه كيف شاء وهو ينظر إليه يكون قاطعًا لحجته هذا هو مراد الناظم وحمله عليه الشارح وهو الصواب كما في حاشية الشيخ المهدي. وقوله (والعكس عن بعض نقل) يعني تقديم ذات التاريخ الأقرب ولو كان الشيء بيد الآخر قيل وهو نقل غريب (قال) الشيخ البناني لا يقال أن حديثة التاريخ ناقلة لأنا نقول شرط الترجيح بالنقل أن تكون شهادته مشتملة على ذكر سبب النقل وهنا أن ما شهدت بالملك غير أن إحداهما قالت ملكه منذ عامين والأخرى قالت ملكه منذ عام واحد فالأصل الاستصحاب انتهى فإن لم يكن مرجح لإحدى البينتين سقطتا معا وبقي الحوز بيد حائزه بيمين فإن رجحت بينة مقابلة أخذه بيمين كذلك على القول المشهور وقيل أن الحائز لا ينتفع بينته مطلقًا وإن بينة المدعي هي المعتبرة لتخصيص البينة به في الحديث هذا كله أن تعذر مطلقًا وإن بينة المدعي هي المعتبرة لتخصيص البينة به في الحديث هذا كله أن تعذر الجمع بين البينتين فإن أمكن الجمع بينهما جمع وإليه أشار الناظم بقوله
(وإنما يكون ذاك عندما ... لا يمكن الجمع لنا بينهما)
مثاله من قال لرجل أسلمت إليك هذا الثوب في مائة ويبة قمحا وقال الآخر بل هذين الثوبين في مائة ويبة قمحا وأقام كل واحد منهما بينة وكانتا في مجلسين فيقضي بالثلاثة الأثواب في مائتين قال الشيخ أحمد الدردير إنما يتم هذا لو ادعى المسلم بالمائتين وإلا فكيف يقضي له بما لم يدعه انتهى فإن كانتا في مجلس واحد وكل واحدة تنفي أ. يكون تكلم بغير ما شهدت به فهو تكاذب يحكم بأعدل البينتين فإن تكافأنا سقطتا (فرعان الأول) قال ابن عبد البر في الكافي ما نصه وإذا شهد شهود على رجل بقتل رجل فاقر غير المشهود عليه بقتل ذلك الرجل فأولياؤه مخيرون في قتل من شاؤوا منهما وقد قيل يقتلان جميعًا أحدهما بالشهادة والآخر بالإقرار لأنه يمكن أن يكونا شريكين في قتله وقيل بل يقتل المقر وحده انتهى وقد رأيت في بعض الكتب المعتمدة ولم يحضرني الآن أن القول الأخير هو الراجح ورجحانه ظاهر
стр. 131
وهو أن شرط أعمال الشهادة أن تكون سالمة من الريبة التي تقضي إلى تغليظ وإكذاب ومن المعلوم أن الريبة من القوادح المعتبرة ولما كانت المسئلة فيها نوع إشكال فعلى الحاكم إمعان النظر فيها والتأني فإن الدماء أمرها خطير لا يقدم عليها إلا بأمر لا شبهة فيه (الثاني) سمع عيسى ابن القاسم من قدم للقتل بقسامة فقال رجل أنا قتلته فقال رجل يقتل هذا أولًا بالقسامة وهذا بإقراره ولا آخذ به قال ابن القاسم في المجموعة أن شاؤوا قتلوا الأول أو قتلوا المقر بإقراره ولا يقتلون إلا واحد منهما وقال أصبغ وابن عبد الحكم كقول ربيعة أنهما يقتلان معا وفي قتل المقر بقسمة أو دونها قولان لابن القاسم انتهى قلشاني على الرسالة. وقوله وإنما يكون ذاك إلخ الإشارة راجعة للتعارض الموجب لترجيح إحدى البينتين على الأخرى وما مصدر به وجملة لا يمكن الجمع صلتها وهي مع صلتها في تأويل مصدر أي عند عدم إمكان الجمع (والرابعة) وهي من متعلقات ما قبلها (قوله)
(والشيء يدعيه شخصان معا ... ولا يد ولا شهيد يدعى)
(يقسم ما بينهما بعد القسم ... وذاك حكم في التساوي ملتزم)
(في بينات أو نكول أو يد ... والقول قول ذي يد منفرد)
(وهو لمن أقام فيه البينة ... وحالة الأعدل منها بينة)
الأبيات الأربعة يعني أن الشيء عقارا كان أو منقولا إذا دعاه شخصان مثلا كل واحد منهما يدعي جميعه لنفسه وليس لكل واحد منهما يد عليه ولا شهادة تصدق دعواه فإنه يقسم بينهما نصفين بعد اليمين وهكذا الحكم إذا استظهر كل واحد منهما ببينة وتعارضتا ولم يكن مرجح فإنهما تسقطان وتبقى الدعوى مجردة فيقسم بينهما نصفين بعد حلفهما أو نكولهما أو كان تحت أيديهما جميعًا ويقضي به للحالف على الناكل كما يقضي به لمن انفرد بوضع يده عليه بعد يمينه حيث لم تكن للآخر بينة بالملك وإلا قدمت على الحوز المجرد كما تقدم فإن أقام صاحب اليد بينة أيضا فإن كانت أرجح
стр. 132
من الأخرى أو كانت مساوية لها قضي به لصاحب اليد هذا معنى قوله وحالة الأعدل منها بينة فضمير منها يعود على البينة فتجري على نحو ما تقدم. وقوله والشيء يدعيه إلخ الشيء مبتدأ وجملة يقسم خبره وجملة يدعيه يجوز أن تكون في محل نصب على الحال من المبتدأ نظرًا لصورة التعريف ويجوز أن تكون في محل رفع نعت له نظرًا للمعنى لأن المعرف بال الجنسية في معنى النكرة مثل قول الشاعر
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثم قلت لا يعنيني
فافهم وذاك إشارة إلى قسم الشيء الذي تنازعا فيه بينهما بعد القسم (تنبيهات) الأول قال الشيخ التاودي ومفهوم قوله يدعيه شيئان أحدهما أن يتفقا على أن لكل واحد منهما حظًا لكنهما يجهلانه والحكم أن الشيء يقسم بينهما نصفين كما هو الأصل في الشركة قاله ابن لب الثاني أن يدعيه أحدهما ويدعي الآخر نصفه فإن لميكن بيد واحد منهما قسم على الدعوى اتفاقًا وإن كان بأيديهما معا فقيل كذلك أي يقسم على الدعوى أيضا وهو المشهور وقال أشهب وسحنون يقسم بينهما نصفين وحيث قيل يقسم على الدعوى فقيل كالعول فيضرب مدعي الكل باثنين ومدعي النصف بواحد ويقسم على الثلث والثلثين وقيل على الدعوى والتسليم فيكون لمدعي الكل ثلاثة أرباع لأن النصف يسلمه له صاحبه والنصف الآخر هو محل النزاع فيقسم بينهما والله أعلم (الثاني) اعترض على الناظم من وجهين أحدهما أن كلامه يقتضي قسمة الشيء المتنازع فيه عاجلا وليس كذلك بل فيه تفصيل فإن كان يخشى فساده كالحيوان والرقيق والطعام فإنه يستأنى به قليلًا فإن لم يأتيا بشيء وخيف عليه قسم بينهما لأنه يحول ويزول وهو معنى الفساد وإن كان مما لا يخشى عليه الفساد كالدور فإنه يترك حتى يأتي أحدهما بأعدل مما أتى به صاحبه إلا أن يطول الزمان ولا يأتيا بشيء غير ما أتيا به أولا فإنه يقسم بينهما لأن ترك ذلك ووقفه ضرر (ثانيهما) لا مفهوم لقوله الأعدل بل غير الأعدلية من المرجحات كذلك فلو أبدل الأعدل بالأرجح لكان شاملًا لجميع المرجحات المتقدمة وقد تقدم أن الترجيح بالأعدلية إنما يعمل به فيما يثبت
стр. 133
بالشاهد واليمين (الثالث) قال القرافي فرع قال ابن أبي زيد في النوادر إذا ادعياها في يد ثالث فقال أحدهما أجرته إياها وقال الآخر أودعته إياها صدق. من علم سبق كرائه أو إيداعه ويستصحب الحال له والملك إلا أن تشهد بينة للآخر أنه فعل ذلك بحيازة عن الأول وحضوره ولم ينكر فيقضي له فإن جهل السبق قسمت بينهما قال أشهب فلو شهدت بينة أحدهما بغصب الثالث منه وبينة الآخر أن الثالث أقر له بالإيداع قضي لصاحب الغصب لتضمين بينة اليد السابقة (فرع) قال في النوادر لو كانت دار في يد رجلين وفي يد عبد لأحدهما فادعاها الثلاثة قسمت بينهم أثلاثًا أن كان العبد تاجرًا وإلا فنصفين لأن العبد في يد مولاه انتهى (الرابع) قال المواق عند قول صاحب المختصر أو لمن يقوله ما محصله أن كان بيد ثالث وادعاه لنفسه بعد تكافؤ بينتهما فقيل يبقى بيد حائزة لتجريح كل من البينتين الأخرى وعلى هذا القول أن اعترف به لأحدهما فهو لمن أقر بيده اهـ (الخامس) قال القاضي المكناسي في مجالسه ما نصه دعوى رجلين نكاح امرأة وإنكاره إياهما تعقد المقال وجميع المطالب وإنكاره فبعد الإشهاد بذلك يكلف كل واحد من المدعيين البينة على دعواه ويؤجلان على ما تقدم ذكره من ضرب الأجل وتجعل المرأة في خلال تلك الآجال عند أمينة حيث يوثق ولا حمالة عليها فإن أثبتاها معا فيعذر لكل واحد منهما في بينة صاحبه وتوقف المرأة خلال ذلك الأجل عند الأمينة كما تقدم فإن ثبتت بينة منهما وسقطت بينة الآخر ثبتت الزوجة لمن ثبتت بينته وعجز صاحبه ولا يمين على الذي ثبتت بينته ومكن من زوجته هذا إذا كانت الزوجة غير مدافعة لهما معا فإن كانت مدافعة لهما مكذبة لقولهما عقدت الأجل في دفع بينة كل واحد منهما عليها وعلى المتأجل فإن ثبتت البينتان وتكافأتا سقطتا قال ابن دبوس ناقلا عن ابن القاسم والمرأة مقرة أو منكرة قال إقرارها وإنكارها سواء فإن كان لم يدخل بها واحد منهما وكان الشهود عدولا انفسخ النكاحان جميعًا وكانت الفرقة تطليقة وإن كانت إحدى البينتين أعدل من الأخرى جعلت النكاح للأعدل وقال غيره وإن كانت إحداهما
стр. 134
أعدل سقطتا أيضا عند مالك وقال سحنون يثبت بالأعدل منهما فانظر التفصيل في محل الخلاف حيث هو أن كانت في مجلس أو مجلسين فإن لم يعلم الأول منهما وأقرت بأحدهما فلا يقبل قولها وهو مذهب المدونة ويفرق بينهما بطلقة وتأخذ من أحبت منهما أو من غيرهما وقيل يقبل قولها نقله اللخمي عن محمد بن عبد الحكم ونقله ابن دبوس عن أشهب انتهى (قال) المواق عند قول صاحب المختصر وأعدلية متناقضتين ملغات ولو صدقته المرأة ما نصه ابن عرفة فلو أقام كل بينة سقطتا ابن شاس المشهور أنه لا يرجح هاهنا بمزيد العدالة بخلاف البيع إذ لا يثبت نكاح بشاهد ويمين ويثبت به البيع ومزيد العدالة هاهنا كشاهد واحد ثم قال ولما ذكر ابن الحاجب أنه لا يقضي بالأعدل قال ولا عبرة بتصديق المرأة انتهى (وقال) صاحب الفروق فإن قيل لم يحكم بأعدل البينتين فيما عدى النكاح ولا يحكم بذلك في النكاح وفي الموضعين وجد الأعدل فما الفرق بينهما (أجيب) بأن الفرق بينهما أن غير النكاح يصح فيه أن يملكه شخصان فأكثر فيكون فيه التداعي وإذا وجدت البينة لكل واحد أو عدمت البينة فيحلفان ويقسم بينهما كما علمت بخلاف النكاح فإنه لا يكون كذلك ولأن البضع لا يقر على الشك في مراعات الترجيح لأن مراعات الترجيح الاجتهاد والاجتهاد لا ينبني على صحة المجتهد فيه فافترقا انتهى (خاتمة) لا بد في الشهادة بالملك من خمسة أمور يعتمد عليها الشاهد ويصرح بها وتكتب مفسرة لا مجملة على ما به العمل وهي كون الشيء محوزًا بيد المشهود له بالملكية وأنه ينسبه لنفسه وينسبه الناس إليه. وأنه يتصرف فيه تصرف المالك في ملكه بالهدم والاستغلال أو نحوهما. وطول المدة وأنه لا منازع له فيه ولا معارض. وأن يزيد الشهود أنه لم يخرج من ملكه في علمهم وقيل هو شرط كمال فقط وقيل شرط صحة أن كان المشهود له بالملك ميتًا وإلا فكمال وإلى هذا أشار الشيخ علي بن قاسم شهر الزقاق بقوله
يد نسبة طول كعشرة أشهر ... وفعل بلا خصم الملك يجتلا
стр. 135
وهل عدم التفويت في علمهم كما ... لام صحة للحي للميت ذا اجعلا
قال التاودي قال أبو الحسن ينبغي أن يكون هذا الاختلاف في الحسي وأما الميت فشرط صحة قطعا وإليه أشار بقوله للميت ذا اجعلا قال ابن مرزوق وما قاله أبو الحسن ظاهر حسن يعني لأن الحي يحلف على البت الوارث يحلف على نفي العلم فإن قطعوا بالشهادة وقالوا لم تخرج عن ملكه كانت زورا قاله في المدونة والمراد لم تقبل وقد تغتفر للعوام انتهى وفي الحطاب (تنبيه) اليد عبارة عن القرب والاتصال فاعظمها ثياب الإنسان التي عليه ونعله ومنطقته ويليه البساط الذي هو جالس عليه والدابة التي هو راكبها وتليه الدابة التي هو سائقها أو قائدها والدار التي هو ساكنها فهي دون الدابة لعدم الاستيلاء على جميعها قال بعض العلماء فيقدم أقوى اليدين على أضعفهما فلو تنازع الساكنان الدار سوي بينهما بعد إيمانها والراكب مع الراكب والسايق قيل يقدم الراكب مع يمينه اهـ فتأمله اهـ (وفي ابن سلمون) المستحقات على نوعين أصول وغيرها فأما الأصول فتكتب فيها الحمد لله يعرف شهوده فلانا ابن فلان الفلاني كمعرفتهم لعين جميع الدار أو الموضع بكذا حدودها كذا ويشهدون مع ذلك بأنها ملك من أملاكه ومال من ماله تحت يده منذ مدة كذا وأنه يتصرف فيها تصرف المالك في ملكه ينسبها لنفسه وينسبها الناس إليه لا يعلمون له فيها منازعا ولا مخاصما ولا يعلمون له فيها بيعا ولا تفويتا ولا أنها خرجت عن ملكه بوجه إلى الآن ويحوزونها بالوقوف إليها متى دعوا إلى ذلك وقيدوا على ذلك شهادتهم في كذا مسئولة منهم لسائلها عن إذن الخ هذ إذا كان المشهود له حيا فإن كان ميتا كتبت بدل إلى الآن إلى أن مات فأحاط بميراثه زوجة فلانة وبنوه منها فلان وفلان وفلان لا يعلمون له وارثا غير من ذكر ولا يعلمون لأحد من الورثة في ذلك بيعا ولا تفويتا بوجه حتى الآن ومن علم ذلك على حسبه وعرف من ذكر ويحوز الملك ويعينه أدى شهادته مسؤولة منه لسائلها في كذا عن إذن من يجب إلخ. وأما غير الأصول (فتكتب) الحمد لله يعرف شهوده فلانا كمعرفتهم
стр. 136
لعين جميع الفرس الأدهم أو الأشهب إلخ صفاته المحتاج إلى بيانها ويشهدون مع ذلك بأنه ملك من أملاكه ومال من ماله تحت يده وفي حوزه يتصرف فيه تصرف المالك في ملكه منذ مدة كذا ينسبه لنفسه وينسبه الناس إليه ولا يعلمون له فيه منازعًا ولا مخاصمًا ولا يعلمون خروجه ولا خروج شيء منه عن ملك مالكه إلى الآن أو إلى أن ضاع له من بلد كذا أو فر من بلد كذا وألفاه الآن بيد فلان وعلى عين الفرس المذكور أدوا شهادتهم إلخ فإذا تم هذا العقد لصاحبه ولم يكن لخصمه فيه مدفع ولا معارض ثبت له ويحلف في غير الأصول على القول المعمول به بالله الذي لا إله إلا هو لا يعلم لخصمه المذكور فيه حقًا قائمًا مستقبلا في المسجد الجامع أن كان الحالف مسلمًا وإلا فحيث يعظم انتهى ببعض زيادة للبيان لما يقتضيه أسلوب أهل هذا الزمان. ولما ذكر الناظم مسئلة الدعوى وأن الشيء يقسم بين المتداعيين على حسب دعواهما بعد اليمين ناسب أن يأتي بباب اليمين عقب ذلك فقال.
باب اليمين وما يتعلق بها
قال الحطاب قال في الذخيرة اليمين في اللغة مأخوذة من اليمين الذي هو العضو لأنهم كانوا إذا حلفوا وضع أحدهم يمينه في يمين صاحبه فسمي الحلف يمينًا وقيل اليمين القوة ويسمى العضو يمينًا لوفور قوته على اليسار ومنه قوله تعالى ﴿لأخذنا منه باليمين﴾ أي بالقوة ولما كان الحلف يقوي الخبر من الوجود أو العدم سمي يمينًا بخلاف التفسير الأول انتهى وفي غيره اليمين الجارحة وسمي الحلف يمينًا لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل واحد منهم على يمين صاحبه فسمي الحلف يمينًا مجازًا وفي التتائي اليمين في العضو والحلف مؤنثة واليمين والحلف والإيلا والقسم ألفاظ مترادفة انتهى وقيل القسم أخص منها لأنه لا يكون إلا بالله أو صفة من صفاته ولعل هذا التخصيص من جهة العرف لا من جهة اللغة (وأما) في الاصطلاح فقال ابن عبد السلام لا تحتاج إلى تعريف برسم ولا حد لاشتراك الخاصة والعامة في معرفتها.
стр. 137
وعرفها الزناتي في اللباب بقوله اليمين هو الحلف بمعظم تأكيدًا لدعواه أو لما عزم على فعله أو تركه انتهى فقوله بمعظم أي حقيقة أو اعتقادًا فالمعظم حقيقة كقوله والله لا دخلت الدار أو لأدخلن والمعظم اعتقادًا كقوله أن دخلت الدار فأنت طالق أو أنت حر والحرية معظمه عنده لاعتقاده عظيم ما يخرج عن يده في الحرية أو الطلاق ودليله قوله ﷺ من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت فسمى الحالف بغير الله حالفًا قاله ابن العربي (وعرفها) الإمام ابن عرفة بقوله اليمين قسم أو التزام مندوب غير مقصود به القربة أو ما يجب بإنشاء لا يفتقر إلى قبول معلق بأمر مقصود عدمه اهـ فقوله قسم إلخ وهو في الشرع لا يكون إلا بالله أو صفته. وقوله أو التزام مندوب إلخ بالرفع عطف على قسم واو للتنويع نحو أن دخلت الدار فعبدي حر فهذا التزام مندوب وهو الحرية ولم يقصد به التقرب إلى الله تعالى بالعتق وإنما قصد الامتناع من دخول الدار تشديدًا على نفسه فلو قصد به القربة لكان نذرًا لا يمينا فغير بالرفع نعت التزام. وقوله أو ما يجب بإنشاء إلخ عطف على التزام أي أو التزام ما يجب بإنشاء لا يفتقر إلى قبول وذلك كالطلاق فإنه يجب بالإنشاء ولا يفتقر إلى قبول الزوجة احترز به من نحو الهبة فهي وإن وجبت بالإنشاء لكنها تفتقر إلى قبول وقوله معلق بأمر إلخ بالرفع صفة لما يجب لأنها نكرة موصوفة وذلك نحو أن دخلت الدار فأنت طالق في صيغة البر وإن لم أدخل الدار فإنت طالق في صيغة الحنث فالطلاق في الصيغة الأولى علق على أمر وهو الدخول والمقصود عدمه وفي الثانية علق على أمر وهو نفي الدخول والمقصود عدمه وهو الدخول (تنبيه) قال ابن الحاجب النذور والطلاق والعتق على صفة فيهن تسمى يمينا وهي في الحقيقة تعليق. وقال الحطاب إطلاق اليمين على الحلف بالطلاق والعتاق مجاز ألا ترى إلى حروف القسم لا تدخل عليهما. وفي آخر الجزء الرابع من نوازل الخلع وغيره من المعيار جواب الإمام عبد الرحمن السهيلي عن الحلف بالطلاق والإيمان اللازمة بعد كلام طويل ما نصه ومما يوضح لك أن الطلاق ليس بيمين أي حتى يدخل في الإيمان تلزمني وأن الحالف
стр. 138
به ليس بمقسم إجماع أهل العربية في أبواب القسم على أن القسم لا يكون إلا بحروف القسم كالواو والباء والتاء ولو أن لقائل أن يقول والطلاق لأفعلن أو وحق الطلاق لكان هذا مقسمًا لغة وعربية لا شرعًا كالذي يقول والكعبة لأفعلن أو يقول والبيت ونحو ذلك فإذا كان كذلك فهو مقسم وحالف لكن لا يلزمه في حكم الشريعة شيء فإن قال علي الطلاق أن فعلت كذا وكذا لزمه لا من حيث أنه حالف ومقسم ولكن يسمى مطلقًا ربط طلاقه بشرط فإن وقع الشرط وقع الطلاق ومن تورع أن يحل ما حرم الله فلم لا يتورع أن يحرم ما أحل الله اهـ والذي درج عليه خليل أن اليمين لا تكون إلا بالله أو صفة من صفاته كما للسهيلي قاله الزرقاني عند قول المصنف وزيد في الإيمان تلزمني إلخ وسيأتي هذا بعبارة أخرى في الإيمان اللازمة فراجعه. والمراد باليمين هنا اليمين الذي تقدم ذكرها في أنواع الشهادات وهي التي تدور بين يدي القضاة والحكام وتقطع بها الحقوق الواجبة على أحد الخصمين أو عليهما معا كما تقدم وهي بالله الذي لا إله إلا هو بهذا اللفظ المخصوص على صفة مخصوصة في مكان مخصوص إذا غلظت على ما يأتي في قوله وقائمًا مستقبلًا يكون وبالله يكون الحلف لا اليمين المعقود عليها الباب عند الفقهاء مع النذر التي توجب الكفارة وهي ما كانت بالله أو صفة من صفاته ولا ما هو أعم وهي المتقدمة في التعريف كما علمت. وقوله وما يتعلق بها أي من مكانها وزمانها وبيان صفتها وكيفية أدائها وكونها على نية المستحلف وبيان أقسامها وأنها لا تعاد إذا مر عليها حين من زمن الحلف إلى وقت الخلاص وبيان الدعوى التي توجب اليمين بمجردها والتي لا توجبها ومن تتوجه عليه ومن لا تتوجه عليها بحكم الحاكم وقد شرع في بيانها فقال
(في ربع دينار فأعلى تقتضى ... في مسجد الجمع اليمين بالقضا)
يعني أن اليمين إنما يوجهها الحاكم أو المحكم على من توجهت عليه من الخصوم في كل شيء جليل أو حقير معتبر شرعًا لكن لا تغلظ على الحالف إلا في الحق الذي له بال
стр. 139
وأقله ربع دينار أو ما يقوم مقامه من عرض أو ثلاثة دراهم فإن كان أقل من ذلك فلا تغلظ عليه فيه كما يأتي والتغليظ واجب فمن امتنع منه عد ناكلا وهو من حق الخصم ويكون التغليظ في الجامع في حق المسلم ويكون حيث يعظم منه ثم أن من توجهت عليه اليمين لا يخلو أما أن يكون رجلا أو امرأة فإن كان رجلا فحكم حلفه في المسجد نهارًا ظاهر وإن كان امرأة فأشار إلى حكمها في ذلك بقوله
(وما له بال ففيه تخرج ... إليه ليلًا غير من تبرج)
يعني أن المرأة إذا كانت غير متبرجة بأن كانت مخدرة وهي المستترة في بيتها بحيث لا تخرج نهارًا تخرج لليمين ليلًا فيما ادعت به وهو المال الذي له بال وأقله ربع دينار كما مر كذلك إذا ادعى عليها وحلفت في أقرب المساجد إليها أن كان جامعًا وظاهره أنها تخرج للحلف ليلًا سواء كانت لا تخرج إلا ليلًا ولا تخرج أصلًا لا ليلًا ولا نهارًا أو هو كذلك على أحد قولين والذي عليه العمل أنها إذا كانت لا تخرج نهارًا وسواء كانت تخرج ليلًا أم لا حلفت في بيتها كالمريضة وكذا إذا كان الحق أقل من ربع دينار ولا فرق في هذا بين التي تخرج وبين التي لا تخرج فيرسل القاضي لها من يحلفها في بيتها بمحضر من له اليمين متباعدًا عنها أقصى ما يسمع منها لفظ اليمين إذا كان رجلًا وامتنعت هي أو زوجها من اطلاعه عليها حيث كانت مخدرة وبه القضاء وقيل لا يحضر معها وبعث القاضي يكفي فيكون على وجه النيابة عنه أما المرأة التي تخرج نهارًا وهي مفهوم قوله غير من تبرج فحكمها حكم الرجل تخرج فيما له بال من الحقوق فتحلف في المسجد وقوله غير بالرفع فاعل تخرج وتبرج بفتح التاء والراء المشددة وأصله تتبرج فحذفت إحدى التاءين وأصل التبرج في اللغة إظهار الزينة والمراد هنا من لا تخرج نهارًا أصلا (تنبيهات الأول) أن لم يكن للقوم جامع جلبوا إلى الجامع الذي على قدر مسافة الجمعة من منازلهم لأنهم ممن لهم جامع حكما وإلا حلفوا في مواضعهم حيث كان التغليظ بالمسجد من حق
стр. 140
الخصم فله أن أن يحلفه بغير مسجد كل ذلك بحضرة خصمه فإذا حلفها بحضرة عدلين فقط فإنها لا تجزئه ويعيدها بحضرته إذا لم يتغيب عنها بعد الحكم له بها وإلا أقام له القاضي وكيلًا يقتضيها أن طلب من توجهت عليه تعجيلها لأن القول قول من طلب تعجيل اليمين من الخصمين لا من طلب تأخيرها إلا لغرض فإنه يؤجل ثلاثة أيام كما تقدم في الآجال عند قول الناظم
والمدعي أن له ما يدفع ... به يمينًا أمرها مستبشع
وكذا لوقت تغلظ فيه على ما يأتي (الثاني) قال الحطاب قال القرافي في كتاب الدعاوي عن بعض القرويين إذا ادعى أحد المتفاوضين على شخص بثلاثة دراهم فليس عليه أن يحلفه في الجامع لأن كل واحد غنما يجب له درهم ونصف ولو ادعى عليهما بثلاثة دراهم حلفهما في الجامع لأن كل واحد عليهم درهم ونصفه وهو كفيل بالثاني فالثلاثة على كل واحد منهما (الثالث) قال لا يحلف العليل في بيته إلا أن تشهد بينة أن به علة لا يستطيع الخروج معها لا راجلًا ولا راكبًا فإنه يحلف في بيته على الحق حينئذ وسيأتي حكم التغليظ بالزمان ثم أخذ يتكلم على كيفية الحلف فقال
(وقائمًا مستقبلًا يكون ... من استحقت عنده اليمين)
يعني أن من وجبت عليه اليمين في الجامع فإنها تغلظ عليه أيضا بأن يحلفها قائمًا مستقبلًا على ما جرى به العمل وقيل يحلف كيفما تيسر له وليس به عمل وقيل بالقيام لا بالاستقبال والله أعلم وقوله
(وهي وإن تعددت في الأعراف ... على وفاق نية المستحلف)
يعني أن اليمين بجميع أقسامها التي هي يمين تهمة ويمين قضاء ويمين منكر ويمين مع شاهد واحد أو ما يقوم مقامه الآتي بيانها وقد تقدمت أيضا تكون على نية المستحلف لا على نية الحالف في القول الأعرف الذي عليه أكثر أهل العلم فمن ادعى عليه إنسان بعشرة من قرض مثلا فحلف بالله أو قال عليه الطلاق ما له عندي عشرة من
стр. 141
قرض ولا بعضها ونوى حاضرة مثلًا فإنه يأثم ويحنث ولا تنفعه نيته هذا إذا لم يكن قضاها أما إذا قضاها بدون بينة ثم قام صاحبها وطلب المقترض بها فأنكره وطلب أن يحلفه فإنه يحلف له ما تسلف منه عشرة وينوي في قلبه يجب عليه الآن ردها أو بعد التي قضاها ويبرأ من الإثم ومن الدين ولا يقال هذه النية لا تنفعه لأن اليمين على نية المحلف لأنا نقول هي هنا ليست على نية المحلف لأنها ليست في وثيقة حق باعتبار ما في نفس الأمر والواقع قاله الشيخ الخرشي (ثم) ذكر مفهوم قوله في ربع دينار فأعلى إلخ وصفة اليمين التي لا يجزئ غيرها من الإيمان في الحقوق ويمين الكفار وموضع حلفهم والتغليظ بالزمان والمكان معا في الأمور التي لها شأن فقال
(وما يقل حيث كان يحلف ... فيه وبالله يكون الحلف)
(وبعضهم يزيد لليهود ... منزل التوراة للتشديد)
(كما يزيد فيه للتثقيل ... على النصارى منزل الإنجيل)
(وجملة الكفار يحلفون ... إيمانهم حيث يعظمون)
(وما كمثل الدم واللعان ... فيه تحري الوقت والمكان)
الأبيات الخمسة يعني أن الخصم إذا توجهت عليه اليمين في أقل من ربع دينار فإنه يحلف في الموضع الذي هو فيه سواء كان مسجدًا أو سوقًا أو غيرهما وسواء كان قائمًا أو جالسًا مستقبل القبلة أو غير مستقبل رجلا كان أو امرأة صحيحًا كان أو مريضًا. وإن الحلف لا يكون إلا بالله الذي لا إله إلا هو وهذا في غير اللعان والقسامة فإنه لا يحتاج فيهما لزيادة الذي لا إله إلا هو بل يقول في الله أشهد بالله لرأيتها تزني فقط وفي القسامة أقسم بالله لمن ضربه مات وقال بعضهم يحلف بالله الذي لا إله إلا هو لمن ضربه مات وهو ظاهر المتون وقد نقل عن مالك ﵁ فهذه صفة اليمين التي تدور بين يدي الحكام القاطعة للنزاع والخصام وأنه
стр. 142
لابد من الجمع بين الاسم والوصف وهو مراد الناظم ولا يكفي أحدهما وإن كان كافيًا في كونه يمينًا تكفي لأن الغرض هنا زيادة التجويف وهو يحصل بما ذكر. وأن بعض العلماء زاد في يمين اليهود منزل التوراة على موسى وفي يمين النصارى منزل الإنجيل على عيسى لفصد التشديد والتثقيل عليهم ليخافوا والمشهور عدم الزيادة (قال) ابن عرفة لفظ اليمين في حقوق غير اللعان والقسامة فيما يحلف المدعى عليه أو من يحلف مع شاهده بالله الذي لا إله إلا هو لا يزيد على هذا ابن رشد هذا هو المشهور وأن كل من توجهت عليه اليمين من الكفار يحلفها في الموضع الذي يعظمه أهل دينه من كنيسة ونحوها قال في المدونة يحلف اليهودي والنصراني في كنائسهم حيث يعظمون ويحلف المجوسي في بيت نارهم وحيث يعظمون اهـ. وإن اليمين إذا كانت في دم أو لعان أو مال عظيم له شأن على أحد قولين فيه تغلظ بالزمان والمكان معا فالتغليظ بالزمان يكون بعد عصر يوم الجمعة والتغليظ بالمكان المسجد الجامع ولا ينبغي أن تكون اليمين بغير الله تعالى وفي غير مسجد كالحلف على المصحف أ, كتب الحديث أي في المقابر والزوايا لأنه بدعة وضلالة.
وخير أمور الدين ما كان سنة ... وشر الأمور المحدثات البدائع
لكن الذي عليه العمل الاكتفاء بذلك لأن المقصود إرهاب من توجهت عليه فلربما يخاف فيرجع إلى الحق (فائدة) إنما اختصت اليمين بالاسم الأعظم دون سائر أسمائه التسعة والتسعين لأن أسماء الله كلها صفات عدى هذا الاسم الشريف فإنه علم مخصوص به قاله بعض الشيوخ وقد قال سبويه الأعلام مختصرات الصفات ومعناه إذا ذكر العلم فكان صفاته مذكورة معه لاشتهاره وعدم خفائه ولو حلف يمينًا تشمل اليمين بالله كالأيمان اللازمة فإنها لا تكفيه ولابد من إعادتها قاله الوانوغي على المدونة كذا في آخر نوازل الدعاوي من المعيار (ثم) شرع في بيان أقسام اليمين التي أشار إليها بقوله وهي وإن تددت في الأعراف البيت فقال
(وهي يمين تهمة أو القضا ... أو منكر أو مع شاهد رضى)
стр. 143
فهذه أربعة أقسام فيمين التهمة هي التي تترتب على دعوى غير محققة كما مر في شروط الدعوى ويمين القضاء هي الواجبة في حق الميت ونحوه مما يأتي ذكره ويمين المنكر وهي ما كانت في مقابة دعوى محققة واليمين مع الشاهد أو ما يقوم مقامه وهي ما كانت متممة لنصاب البينة وقد تقدم الكلام على هذين القسمين الأخيرين في الشهادات وذكرهما هنا أيضا (ثم) شرع يتكلم على القسم الأول منها فقال
(وتهمة أن قويت بها تجب ... يمين مطلوب وليست تنقلب)
فلو أتى بالفاء لكان أحسن لأن هذا البيت مفرع على البيت قبله والمعنى أن التهمة إذا قويت توجهت بسببها اليمين على المطلوب المتهم ولا تنقلب اليمين على الطالب إذا أراد المطلوب قبلها عليه في القول المشهور وما درج عليه الناظم أحد أقوال أربعة في المسئلة ففي برنامج الشوارد للشيخ عظوم في فصل الصداق نقلًا عن ابن ناجي ما محصله يتحصل في يمين التهمة أربعة أقوال (الأول) توجهها مطلقًا (الثاني) عدمه مطلقًا (الثالث) يحلف المتهم دون غيره (الرابع) إذا قويت التهمة توجهت وإلا فلا أفتى به ابن رشد في أجوبته والذي جرى به العمل عندنا توجيهها مطلقًا والمشهور لا تنقلب وبه العمل انتهى. وفي نوازل الدعاوي من المعيار أن المشهور والذي به العمل هو توجيه يمين التهمة مطلقًا ولا يخرج عن ذلك إلا ما فيه معرة كدعوى الغصب والسرقة على صالح فإنه لا تتوجه فعلى هذا قول الناظم يشمل الصورتين ولا يعترض عليه بأنه ذهب على خلاف المشهور والمعمول به وعليه فيستثنى من كلام صاحب المعيار المبرز في الخير فلا يمين عليه بالتهمة في غير دعوى الغصب والسرقة أيضا كما حرره الشيخ المهدي في الحاشية هنا وقول ابن ناجي والذي جرى به العمل عندنا توجهها مطلقا من غير استثناء أحد غير ظاهر من جهة النظر والظاهر ما نقله صاحب المعيار عن العبدوسي وبه أخذ أبو البقاء الشيخ يعيش الشاوي وتبعه تلميذه التاودي وجماعة من المحققين لكن لما جرى العمل بالإطلاق فلا يعدل عنه إلى غيره والله أعلم (مسألة)
стр. 144
وفي مسائل ابن زرب كان ابن زرب ﵀ يقول إذا قام رجل على آخر بدعوى يتهمه فيها فوجبت اليمين على المدعى عليه فليس له ردها ولا يحلف المدعى عليه إذا كان ممن تأخذه اليمين على التهمة حتى يحلف المدعي لقد ضاع له ما ادعاه على المقوم عليه وحينئذ يحلف المدعى عليه إذا قال للمدعي لم يضع لك شيء وإنما تريد أن تحرجني باليمين وبهذا كان يحكم ويقول أنها من دقيق المسائل انتهى من التبصرة الفرحونية (ثم) أخذ يتكلم على القسم الثاني وهو يمين القضاء وموضعين من مواضعها وأن اليمين إذا أديت لا تعاد وإن مر عليها حين فقال
(وللتي بها القضا وجوب ... في حق من يعدم أو يغيب)
(ولا تعاد هذه اليمين ... بعد وإن مر عليها حين)
يعني أن يمين القضاء في حق من يعدم بالبناء للنائب أي يموت أو يغيب غيبة بعيدة أو قريبة مع عدم الأمن أن كان من أهل ولايته واجبة على طالب هذين الصنفين بحيث لا يتم حكم الحاكم إلا بها فهي شرط صحة وذلك على وجه الاستحسان احتياطًا على أموالهما لكونهما لا يدفعان عن أنفسهما في الحال لامتناع ذلك أما مطلقًا في حق الميت أو مع إمكانه منه في المستقبل في حق الغائب ومن كان على شاكلته من صبي ومجنون فقدر الفقهاء على فرض حضورهما أنه لو ادعى كل واحد منهما أنه قضى غريمه ولا بينة له فإن اليمين تجب له على غريمه الطالب له فكذلك هنا وذلك بعد سماع بينته وتزكيتها فيحلف في المسجد الجامع حيث كان المال له بال قائمًا مستقبل القبلة بالله الذي لا إله إلا هو ما قبضت من فلان الميت أو الغائب شيئًا من الدين الذي ثبت لي عليه عند فلان قاضي كذا ولا قبضت عنه شيئًا ولا استحلت على أحد ولا أحل به أحدًا ولا وهبته له ولا شيئًا منه ولا قدمت أحدًا يقتضيه منه وأنه لساق عليه إلى يمينه هذه ولا بد من كتب القاضي في حكمه صورة اليمين وأسماء الشهود ليجد الغائب مدفعا عند قدومه لأنه باق على حجته إذا قدم فإذا أبدا مطعنًا في تلك البينة
стр. 145
بعد قدومه أو كان له ما يعارضها تقض الحكم على أحد قولين ومثله ورثة الميت إذا كانوا غير رشداء لأنهم لا يعجزون بخلاف الوارث الرشيد فإنه لما كان يعجز فليس له إلا يمين القضاء على طالب موروثه بعد الإعذار إليه في البينة إذا طلب ذلك ولولي اليتيم الصلح عن محجوره مع رب الدين بإسقاط شيء من الدين الذي ثبت له في مقابلة إسقاط اليمين عنه إذا رأى منه العزم على الحلف وإلا فلا وهذه اليمين كما تجب في حق الميت والغائب تجب في حق اليتيم والمجنون والمساكين والأحباس العامة واستحقاق غير العقار على ما به العمل وبيت المال ليأخذ حقه منه لأنه معدم أو أنه ابن فلان الذي مات ووضع ماله في بيت المال لظن أنه لا وارث له والمفلس قال في التوضيح إذا قام الغرماء على المفلس فعلى القاضي أن يكلفهم إثبات ديونهم ثم يعذر فيما ثبت عنده للمفلس ولكل واحد في دين صاحبه فإذا وقع التسليم أو عجز عن الدفع أمر كل واحد أن يحلف أنه لم يقبض من دينه شيئا ولا أسقطه وأنه لباق عليه إلى الآن على ما عرف في هذه اليمين انتهى وقد نظمت جميعها فقلت
والمدعي على كميت أو يتيم ... أو حبس أو ذي جنون مستديم
أو مفلس أو غائب لا يقرب ... وفي استحقاق غير ربع أقرب
أو بيت مال ثم الفقراء ... تلزمه اليمين بالقضاء
وفي حاشية الشيخ أحمد بن الطاهر التونسي على ما كتبه الشيخ التاودي هنا نظم شيخنا أبو العباس أحمد بن القاضي النظائر التي تجب فيها يمين القضاء فقال
إذا كان دين على ميت ... وذي غيبة وصبى وجنون
يمين القضاء على مدع ... عليهم حقوقا قضا الحاكمون
كذاك على الحبس أو بيت مال ... وما للمساكين فالعالمون
حكوه وفي مستحق العروض ... وفي الحيوان له مثبتون انتهى
وقول الناظم ولا تعاد هذه اليمين البيت معناه أنه إذا حلف هذه اليمين من وجبت عليه فإنه لا تتوجه عليه مرة ثانية ولا يطالب بإعادتها وإن مر عليها حين وزمن طويل
следующие страницы →