Полный текст (760 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
قرض ولا بعضها ونوى حاضرة مثلًا فإنه يأثم ويحنث ولا تنفعه نيته هذا إذا لم يكن قضاها أما إذا قضاها بدون بينة ثم قام صاحبها وطلب المقترض بها فأنكره وطلب أن يحلفه فإنه يحلف له ما تسلف منه عشرة وينوي في قلبه يجب عليه الآن ردها أو بعد التي قضاها ويبرأ من الإثم ومن الدين ولا يقال هذه النية لا تنفعه لأن اليمين على نية المحلف لأنا نقول هي هنا ليست على نية المحلف لأنها ليست في وثيقة حق باعتبار ما في نفس الأمر والواقع قاله الشيخ الخرشي (ثم) ذكر مفهوم قوله في ربع دينار فأعلى إلخ وصفة اليمين التي لا يجزئ غيرها من الإيمان في الحقوق ويمين الكفار وموضع حلفهم والتغليظ بالزمان والمكان معا في الأمور التي لها شأن فقال
(وما يقل حيث كان يحلف ... فيه وبالله يكون الحلف)
(وبعضهم يزيد لليهود ... منزل التوراة للتشديد)
(كما يزيد فيه للتثقيل ... على النصارى منزل الإنجيل)
(وجملة الكفار يحلفون ... إيمانهم حيث يعظمون)
(وما كمثل الدم واللعان ... فيه تحري الوقت والمكان)
الأبيات الخمسة يعني أن الخصم إذا توجهت عليه اليمين في أقل من ربع دينار فإنه يحلف في الموضع الذي هو فيه سواء كان مسجدًا أو سوقًا أو غيرهما وسواء كان قائمًا أو جالسًا مستقبل القبلة أو غير مستقبل رجلا كان أو امرأة صحيحًا كان أو مريضًا. وإن الحلف لا يكون إلا بالله الذي لا إله إلا هو وهذا في غير اللعان والقسامة فإنه لا يحتاج فيهما لزيادة الذي لا إله إلا هو بل يقول في الله أشهد بالله لرأيتها تزني فقط وفي القسامة أقسم بالله لمن ضربه مات وقال بعضهم يحلف بالله الذي لا إله إلا هو لمن ضربه مات وهو ظاهر المتون وقد نقل عن مالك ﵁ فهذه صفة اليمين التي تدور بين يدي الحكام القاطعة للنزاع والخصام وأنه
стр. 142
لابد من الجمع بين الاسم والوصف وهو مراد الناظم ولا يكفي أحدهما وإن كان كافيًا في كونه يمينًا تكفي لأن الغرض هنا زيادة التجويف وهو يحصل بما ذكر. وأن بعض العلماء زاد في يمين اليهود منزل التوراة على موسى وفي يمين النصارى منزل الإنجيل على عيسى لفصد التشديد والتثقيل عليهم ليخافوا والمشهور عدم الزيادة (قال) ابن عرفة لفظ اليمين في حقوق غير اللعان والقسامة فيما يحلف المدعى عليه أو من يحلف مع شاهده بالله الذي لا إله إلا هو لا يزيد على هذا ابن رشد هذا هو المشهور وأن كل من توجهت عليه اليمين من الكفار يحلفها في الموضع الذي يعظمه أهل دينه من كنيسة ونحوها قال في المدونة يحلف اليهودي والنصراني في كنائسهم حيث يعظمون ويحلف المجوسي في بيت نارهم وحيث يعظمون اهـ. وإن اليمين إذا كانت في دم أو لعان أو مال عظيم له شأن على أحد قولين فيه تغلظ بالزمان والمكان معا فالتغليظ بالزمان يكون بعد عصر يوم الجمعة والتغليظ بالمكان المسجد الجامع ولا ينبغي أن تكون اليمين بغير الله تعالى وفي غير مسجد كالحلف على المصحف أ, كتب الحديث أي في المقابر والزوايا لأنه بدعة وضلالة.
وخير أمور الدين ما كان سنة ... وشر الأمور المحدثات البدائع
لكن الذي عليه العمل الاكتفاء بذلك لأن المقصود إرهاب من توجهت عليه فلربما يخاف فيرجع إلى الحق (فائدة) إنما اختصت اليمين بالاسم الأعظم دون سائر أسمائه التسعة والتسعين لأن أسماء الله كلها صفات عدى هذا الاسم الشريف فإنه علم مخصوص به قاله بعض الشيوخ وقد قال سبويه الأعلام مختصرات الصفات ومعناه إذا ذكر العلم فكان صفاته مذكورة معه لاشتهاره وعدم خفائه ولو حلف يمينًا تشمل اليمين بالله كالأيمان اللازمة فإنها لا تكفيه ولابد من إعادتها قاله الوانوغي على المدونة كذا في آخر نوازل الدعاوي من المعيار (ثم) شرع في بيان أقسام اليمين التي أشار إليها بقوله وهي وإن تددت في الأعراف البيت فقال
(وهي يمين تهمة أو القضا ... أو منكر أو مع شاهد رضى)
стр. 143
فهذه أربعة أقسام فيمين التهمة هي التي تترتب على دعوى غير محققة كما مر في شروط الدعوى ويمين القضاء هي الواجبة في حق الميت ونحوه مما يأتي ذكره ويمين المنكر وهي ما كانت في مقابة دعوى محققة واليمين مع الشاهد أو ما يقوم مقامه وهي ما كانت متممة لنصاب البينة وقد تقدم الكلام على هذين القسمين الأخيرين في الشهادات وذكرهما هنا أيضا (ثم) شرع يتكلم على القسم الأول منها فقال
(وتهمة أن قويت بها تجب ... يمين مطلوب وليست تنقلب)
فلو أتى بالفاء لكان أحسن لأن هذا البيت مفرع على البيت قبله والمعنى أن التهمة إذا قويت توجهت بسببها اليمين على المطلوب المتهم ولا تنقلب اليمين على الطالب إذا أراد المطلوب قبلها عليه في القول المشهور وما درج عليه الناظم أحد أقوال أربعة في المسئلة ففي برنامج الشوارد للشيخ عظوم في فصل الصداق نقلًا عن ابن ناجي ما محصله يتحصل في يمين التهمة أربعة أقوال (الأول) توجهها مطلقًا (الثاني) عدمه مطلقًا (الثالث) يحلف المتهم دون غيره (الرابع) إذا قويت التهمة توجهت وإلا فلا أفتى به ابن رشد في أجوبته والذي جرى به العمل عندنا توجيهها مطلقًا والمشهور لا تنقلب وبه العمل انتهى. وفي نوازل الدعاوي من المعيار أن المشهور والذي به العمل هو توجيه يمين التهمة مطلقًا ولا يخرج عن ذلك إلا ما فيه معرة كدعوى الغصب والسرقة على صالح فإنه لا تتوجه فعلى هذا قول الناظم يشمل الصورتين ولا يعترض عليه بأنه ذهب على خلاف المشهور والمعمول به وعليه فيستثنى من كلام صاحب المعيار المبرز في الخير فلا يمين عليه بالتهمة في غير دعوى الغصب والسرقة أيضا كما حرره الشيخ المهدي في الحاشية هنا وقول ابن ناجي والذي جرى به العمل عندنا توجهها مطلقا من غير استثناء أحد غير ظاهر من جهة النظر والظاهر ما نقله صاحب المعيار عن العبدوسي وبه أخذ أبو البقاء الشيخ يعيش الشاوي وتبعه تلميذه التاودي وجماعة من المحققين لكن لما جرى العمل بالإطلاق فلا يعدل عنه إلى غيره والله أعلم (مسألة)
стр. 144
وفي مسائل ابن زرب كان ابن زرب ﵀ يقول إذا قام رجل على آخر بدعوى يتهمه فيها فوجبت اليمين على المدعى عليه فليس له ردها ولا يحلف المدعى عليه إذا كان ممن تأخذه اليمين على التهمة حتى يحلف المدعي لقد ضاع له ما ادعاه على المقوم عليه وحينئذ يحلف المدعى عليه إذا قال للمدعي لم يضع لك شيء وإنما تريد أن تحرجني باليمين وبهذا كان يحكم ويقول أنها من دقيق المسائل انتهى من التبصرة الفرحونية (ثم) أخذ يتكلم على القسم الثاني وهو يمين القضاء وموضعين من مواضعها وأن اليمين إذا أديت لا تعاد وإن مر عليها حين فقال
(وللتي بها القضا وجوب ... في حق من يعدم أو يغيب)
(ولا تعاد هذه اليمين ... بعد وإن مر عليها حين)
يعني أن يمين القضاء في حق من يعدم بالبناء للنائب أي يموت أو يغيب غيبة بعيدة أو قريبة مع عدم الأمن أن كان من أهل ولايته واجبة على طالب هذين الصنفين بحيث لا يتم حكم الحاكم إلا بها فهي شرط صحة وذلك على وجه الاستحسان احتياطًا على أموالهما لكونهما لا يدفعان عن أنفسهما في الحال لامتناع ذلك أما مطلقًا في حق الميت أو مع إمكانه منه في المستقبل في حق الغائب ومن كان على شاكلته من صبي ومجنون فقدر الفقهاء على فرض حضورهما أنه لو ادعى كل واحد منهما أنه قضى غريمه ولا بينة له فإن اليمين تجب له على غريمه الطالب له فكذلك هنا وذلك بعد سماع بينته وتزكيتها فيحلف في المسجد الجامع حيث كان المال له بال قائمًا مستقبل القبلة بالله الذي لا إله إلا هو ما قبضت من فلان الميت أو الغائب شيئًا من الدين الذي ثبت لي عليه عند فلان قاضي كذا ولا قبضت عنه شيئًا ولا استحلت على أحد ولا أحل به أحدًا ولا وهبته له ولا شيئًا منه ولا قدمت أحدًا يقتضيه منه وأنه لساق عليه إلى يمينه هذه ولا بد من كتب القاضي في حكمه صورة اليمين وأسماء الشهود ليجد الغائب مدفعا عند قدومه لأنه باق على حجته إذا قدم فإذا أبدا مطعنًا في تلك البينة
стр. 145
بعد قدومه أو كان له ما يعارضها تقض الحكم على أحد قولين ومثله ورثة الميت إذا كانوا غير رشداء لأنهم لا يعجزون بخلاف الوارث الرشيد فإنه لما كان يعجز فليس له إلا يمين القضاء على طالب موروثه بعد الإعذار إليه في البينة إذا طلب ذلك ولولي اليتيم الصلح عن محجوره مع رب الدين بإسقاط شيء من الدين الذي ثبت له في مقابلة إسقاط اليمين عنه إذا رأى منه العزم على الحلف وإلا فلا وهذه اليمين كما تجب في حق الميت والغائب تجب في حق اليتيم والمجنون والمساكين والأحباس العامة واستحقاق غير العقار على ما به العمل وبيت المال ليأخذ حقه منه لأنه معدم أو أنه ابن فلان الذي مات ووضع ماله في بيت المال لظن أنه لا وارث له والمفلس قال في التوضيح إذا قام الغرماء على المفلس فعلى القاضي أن يكلفهم إثبات ديونهم ثم يعذر فيما ثبت عنده للمفلس ولكل واحد في دين صاحبه فإذا وقع التسليم أو عجز عن الدفع أمر كل واحد أن يحلف أنه لم يقبض من دينه شيئا ولا أسقطه وأنه لباق عليه إلى الآن على ما عرف في هذه اليمين انتهى وقد نظمت جميعها فقلت
والمدعي على كميت أو يتيم ... أو حبس أو ذي جنون مستديم
أو مفلس أو غائب لا يقرب ... وفي استحقاق غير ربع أقرب
أو بيت مال ثم الفقراء ... تلزمه اليمين بالقضاء
وفي حاشية الشيخ أحمد بن الطاهر التونسي على ما كتبه الشيخ التاودي هنا نظم شيخنا أبو العباس أحمد بن القاضي النظائر التي تجب فيها يمين القضاء فقال
إذا كان دين على ميت ... وذي غيبة وصبى وجنون
يمين القضاء على مدع ... عليهم حقوقا قضا الحاكمون
كذاك على الحبس أو بيت مال ... وما للمساكين فالعالمون
حكوه وفي مستحق العروض ... وفي الحيوان له مثبتون انتهى
وقول الناظم ولا تعاد هذه اليمين البيت معناه أنه إذا حلف هذه اليمين من وجبت عليه فإنه لا تتوجه عليه مرة ثانية ولا يطالب بإعادتها وإن مر عليها حين وزمن طويل
стр. 146
(قال) الشارح ما لم يحدث ما يوجبها من اعتراض الشك في باقي الحق مثل ما عرض أولا فإنها تجب ثانيا ويتصور ذلك بعودة الغائب من مغيبه وإقامته مدة بعد حلف طالبه معه في موضع الحكم يعني ولم يقبض جميع دينه بعد الحلف ثم تعرض له غيبة ثانية فإن يمين القضاء تجب هنا لتجدد ما يوجبها من الشك في بقاء الدين فلو زاد الناظم بعد قوله ولا تعاد هذه اليمين البيت فقال مثلا
إلا إذا ما حدث الشك الذي ... أوجبها من أول فلتحتذي
ويكون الاستثناء راجع لقوله ولا تعاد إلخ انتهى (تنبيه) راجع قوله المتقدم والحكم في المشهور حيث المدعى عليه وقوله ومع مخيلة بصدق الطالب الأبيات وخطاب القضاة وقوله الآتي
لطالب الحكم على الغياب ... ينظر في بعد وفي اقتراب
الأبيات الستة عشر في فصل البيع على الغائب وشرح الشيخ التاودي على قول الزقاق
ومن غاب في قرب كمن هو حاضر ... مسافته يومان مع أمن انجلا
وإلا فيقضي مع يمين كعشرة ... بغير عقار يستحق إذا جلا
بعيد ثبوت الموجبات لمدع ... لديه متاع أعد ول موصلا
يبيع كما يدري ويقضي وإن يكن ... يجعل ففي معطيه قولان اعملا
وناء كمن بالقيروان لتحكمن ... عليه على الإطلاق مع حلف خلا
وقول الشيخ خليل والقريب كالحاضر والبعيد جدا كإفريقية قضي عليه بيمين القضاء وسمى الشهود وإلا نقض والعشرة أو اليومان مع الخوف يقضى عليه معها في غير استحقاق العقار وقوله وبيعت داره بعد ثبوت ملكه وأنها لم تخرج عن ملكه في علمهم ثم بينة بالحيازة وقوله في الفلس وبيع ما له بحضرته بالخيار ثلاثًا قال في التوضيح ليس خاصًا بالفلس بل كل ما يتولى الحاكم بيعه على غائب أو يتيم أو نحوهما كذلك اهـ لتتم لك فائدة ما هنا بلغنا الله وإياك أحسن ما نتمنى (قوله) والتي بها القضا وجوب البيت الواو عاطفة على ما قبلها واللام حرف جر زائد والتي اسم موصول صفة لموصوف
стр. 147
محذوف مبتدأ تقديره اليمين التي وبها أي اليمين متعلق بالقضاء وهو مبتدأ ووجوب أي واجب خبره والجملة من المبتدأ والخبر صلة الموصول لا محل لها من الإعراب والعائد الضمير المجرور بالباء وقوله في حق من يعدم إلخ جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره كائنة خبر المبتدأ وحق مضاف ومن اسم موصول مضاف إليه ويعدم بضم أوله وفتح ما قبل آخره فعل مضارع فيه ضمير مستتر جوازًا تقديره هو يعود على من وجملة يعدم صلة الموصول وجملة أو يغيب معطوفة عليه لا محل لهما من الإعراب (ثم) قام يتكلم على القسم الثالث فقال
(ولليمين أيما أعمال ... فيما يكون من دعاوي المال)
(إلا بما عد من التبرع ... ما لم يكن في الحال عند المدعي)
(وفي الإقالة ابن عتاب يرى ... وجوبها بشبهه معتبرا)
(وهذه اليمين حيث توجب ... يسوغ قلبها وما أن تقلب)
الأبيات الأربعة يعني أن يمين المنكر لا يكون لها إعمال كامل إلا في دعاوي المال مما يقتضي عمارة ذمة برية أو براءة ذمة معمورة فتتوجه اليمين على المدعى علي في الصورة الأولى وعلى المدعي في الصورة الثاني ثم استثنى من دعاوي المال دعوى التبرع بجميع أنواعه وأنها لا توجب يمينا وذلك أن يدعى إنسان على آخر أنه وهبه شيئًا مثلا وأنكر مالك ذلك الشيء دعواه فلا يمين في ذلك على المشهور أشار إليها بقوله إلا بما عد من التبرع واحترز بالتبرع من دعوى المعاوضة ففيها اليمين (ثم) أخرج من دعوى التبرع التي لا توجب اليمين على المنكر صورة واحدة وهي ما إذا كان الشيء الذي ادعيت هبته تحت يد المدعي في وقت الدعوى فإن اليمين تجب على مالكه أنه ما وهبه له استحسانًا أشار إليها بقوله ما لم يكن في الحال عند المدعي واسم يكن ضمير عائد على المدعى فيه والحال الوقت وقيل يأخذه مالكه بلا يمين كما تقدم في النوع الأول من أنواع الشهادات (ولما) كان القرض والحوالة
стр. 148
والكفالة مع العقد والإقالة على الثمن الأول لا تدخل في كلام الناظم وإن كان الكل معروفًا لأن التبرع هو ما لا معاوضة فيه وهذه فيها معاوضة وحيث كانت لا تدخل في كلامه نبه على لحروق بعضها بالتبرع فقال وفي الإقالة البيت قال ابن عتاب لا تجب اليمين لمدعي الإقالة على المدعى عليه إلا أن يأتي بشبهة تقوى بها دعواه انتهى وقول الناظم وجوبها بالنصب مفعول أول ليرى ومعتبرا بفتح الباء الموحدة مفعول ثان وبشبهة متعلق به وفي الإقالة متعلق بيرى أو بمعتبرًا (ثم) هذه اليمين حيث تتوجه على المدعى عليه في دعوى المال يسوغ له قلبها على المدعي فإن حلف استحق الشيء أو برئت ذمته وإن نكل سقطت دعواه أو عمرت ذمته كما في الصورتين المتقدمتين وليس له قلبها بعد لأنه يؤدي إلى التسلسل وإلى هذا اشار بقوله وهذه اليمين حيث توجب البيت وتوجب بضم أوله وفتح ما قبل آخره وإن بفتح الهمزة بعد ما زائدة وفي قوله ولليمين أيما أعمال تعقيد على المبتدي (ثم) أن من توجهت عليه اليمين أما أن يثبت لنفسه حقًا أو ينفي عنها أو يثبت لغيره حقًا أو ينفي عنه فهذه أربع صور أشار إليها بقوله
(ومثبت لنفسه ومن نفى ... عنها على البتات يبدي الحلفا)
(ومثبت لغيره ذاك اقتفا ... وإن نفى فالنفي للعلم كفى)
يعني أن من وجبت عليه اليمين فإن كان قد أثبت لنفسه أمرًا أو نفي عنها أمرًا فإنه يخلف يمينًا كما يجب حيث يجب على البت في الصورتين ولا تفيد على نفي العلم لأن دعواه صدور شيء منه أو نفي صدوره عنه يعلم هو قطعًا صدقها أو كذبها فالمثبت لنفسه كمن أقام شاهدًا بحق على آخر أو ردت عليه اليمين فغنه يحلف أن له عليه كذا من وجه كذا طبق دعواه ويستحق ويحلف المطلوب في النفي ما له على كذا ولا شيء منه بعد قوله بالله إلخ كما مر ويحلف الطالب إذا صار مطلوبًا في دعوى القضاء بالله الذي لا إله إلا هو ما قبضت من فلان كذا ولا شيء منه ويزيد في الميت أو الغائب
стр. 149
ولا استحلت على أحد ولا أحلت به أحدا ولا وهبته له ولا شيء منه ولا قدمت أحدًا يقتضيه منه ولا أسقطته عنه وإنه لباق عليه إلى يمينه هذه كما مر قريبًا. وإن كان قد أثبتت لغيره أمرًا أو نفى عنه أمرًا فيحلف على البت في صورة وعلى نفي العلم في صورة فالمثبت لغيره كمن ادعى دينا لأبيه الميت وأقام به شاهدا واحدًا أو لم يكن له شاهد وردت عليه اليمين فيحلف على البت معتمدًا في بته على ظن قوي ولا يصرح به بالله إلخ أن ما شهد به الشاهد أو أن ما يدعيه لحق ويستحق. والنافي عن غيره يحلف على نفي العلم كوارث ادعى إنسان على مورثه دعوى مجردة فيحلف من يظن به العلم ممن تتوجه عليه اليمين يقول بعد الحلف أنه لا يعلم له كذا من وجه كذا ولا شيء منه على مورثه فإن حلفها على البت أجزأته وقيل لا ويعيدها وكذا إذا ادعى أنهان أن لأبيه الميت دينًا على ميت أو غائب وأقام به شاهدين فإنه يحلف يمين القضاء عن أبيه بأنه لا يعلم أن أباه اقتضى ذلك الدين ولا شيء منه على نحو ما مر فإن أقام به شاهدًا واحدًا حلف يمينين إحداهما على البت تتميمها للنصاب والأخرى يمين القضاء على نفي العلم (ثم) أخذ في الكلام على القسم الرابع وهو اليمين مع شاهد عدل لكمال النصاب وتحته أربع صور لأن من قام له شاهد واحد أما بالغ سفيه أو عبد أو رشيد أو صبي وقد تكلم الناظم على جميعها أما بالتنصيص وإما بطريق المساوات وإما بالأحرى وقد أشار إلى الأول والثاني والثالث منطوقًا ومفهومًا فقال
(والبالغ السفيه بأن حقه ... يحلف مع عدل ويستحقه)
يعني أن البالغ السفيه المولى عليه إذا ظهر حقه بشهادة عدل واحد أو ما يقوم مقامه مما تقدم فإنه يحلف مع شاهده ويستحق حقه ولا يستان باليمين لرشده كالصبي فإن نكل عن اليمين حلف المطلوب وبرئ موقنًا إلى رشد السفيه على القول بأن حقه لا يسقط بنكوله وهو الراجح فإذا رشد وحلف استحقه وإن نكل سقط حقه ولا يحلف المطلوب مرة ثانية ومثل السفيه العبد ومقهوم السفيه الرشيد وهو أحرى
стр. 150
وأولى باليمين مع الشاهد ومفهوم مع عدل أنه إذا كان الحق بشهادة عدلين فلا يمين وإن توجهت عليه يمين القضاء فهل يحلفها حالا وهو ظاهر كلامه أو ترجى له اليمين إلى رشده وهو الراجح وبه العمل قولان وقوله
(وترجؤ اليمين حقت للقضا ... لغير بالغ وحقه اقتضى)
حقه أن يكون ملاصقًا لقوله وللتي بها القضا وجوب البيتين للسلامة من إدخال بعض أحكام يمين القضاء أثناء اليمين مع الشاهد والمعنى أن الصبي إذا ثبت له حق على ميت أو غائب ونحوهما ممن لا يقتضى منه الحق إلا بعد يمين القضاء فإنه يقتضى له حقه الواجب له الآن وتؤخر اليمين التي وجبت عليه إلى بلوغه رشيدًا فإن حلف بعد رشده بقي حقه بيده وإن نكل عنها رد الحق إلى من أخذه من يده. وأشار إلى حكم الرابع بقوله
(وحيث عدل للضبغر شاهدًا ... بحقه وخصمه قد جحدا)
(يحلف منكر وحق وقفا ... إلى مصير خصمه مكلفًا)
(وحيث يبدي المنكر النكولا ... بلغ محجور به المأمولا)
الأبيات الثلاثة يعني أن الصغير إذا قام له شاهد واحد أو ما يقوم مقامه بحق وخصمه منكر لذلك فإن خصمه المشهود عليه يحلف يمينا كما يجب حيث يجب أن ما شهد به الشاهد ليس بحق فإذا حلف ترك الشيء المشهود به موقوفًا بيده على المشهور وقيل تحت يد أمين إلى أن يبلغ الصبي رشيدًا ويكتب القاضي له بذلك رسمًا بما صح عنده من شهادة الشاهد فإن بلغ رشيدًا وحلف أخذ حقه وإن نكل فلا شيء له ولا يحلف المطلوب مرة ثانية فإن نكل خصمه المنكر عن اليمين من أول الأمر حكمه للصغير بحقه في الحال وإلى هذا أشار بقوله وحيث يبدي البيت ولا يحلف إذا بلغ رشيدًا على المشهور وبه العمل. ومثل الصبي الغائب إذا أقام وكيله شاهدًا بحقه
стр. 151
على آخر فيحلف المطلوب ليترك الشيء بيده موقوفًا إلى قدوم الغائب ويكتب القاضي له بذلك رسما كذلك فإذا قدم وحلف أخذ حقه وإن نكل فلا شيء له ولا يحلف المطلوب ثانية فإن نكل المشهود عليه عن اليمين من أول الأمر حكم للغائب بحقه في الحال ولا يحف إذا قدم وقوله
(والبكر مع شاهدها تحلف ... وفي ادعاء الوطء أيضا تحلف)
يعني أن البكر البالغ إذا قام لهاشاهد حسي بحق على آخر وأنكره فإنها تحلف معه حيث لم تجد سواه وتستحق حقها منه كما تقدم في السفيه البالغ أو قام لها شاهد عرفي فإن ادعت على زوجها الوطئ حيث كان خلا بها وأنكره فإنها تحلف معه أيضا وتستحق منه الصداق كاملًا وقد تقدم هذا الفرع عند قوله وهاهنا عن شاهد قد يغني إرخاء ستر البيت مستوفى فراجعه أن شئت وقوله
(وفي سوى المشهور يحلف الأب ... عن ابنه وحلف الابن مذهب)
ما تقدم من أن الصبي لا يحلف مع شاهده هو المشهور وفي سوى المشهور يحلف الأب عنه لأنه يمونه وينفق عليه وروي أن الصبي يحلف مع شاهده كالبالغ السفيه وإليه أشار بقوله وحلف الابن مذهب وحلف بفتح الحاء وسكون اللام أي يمين الابن مع شاهده مذهب ضعيف قال ابن رشد هذا المذهب بعيد لا تحتمله القواعد أي وذلك لأن الصبي لما كان غير مكلف ويعلم أنه لا يأثم بالكذب ولا بغيره فقد يحلف على الباطل (ولما) كانت مسئلة الصبي المارة قريبًا وهي إذا شهد له شاهد بحقه وأنكر خصمه ما وقعت به الشهادة فإنه يحلف ويوقف المدعى فيه أما بيده أو تحت يد أمين كما مر لها شبه بالرهن لأن الرهن تارة يكون تحت يد رب الدين وتارة يكون تحت يد أمين ناسب ذكر باب الرهن عقب باب اليمين فقال
стр. 152
باب الرهن وما يتعلق به
أي هذا باب في بيان حقيقة الرهن وبيان ما يتعلق به من حوز وضمان وبطلان واختلاف المتراهنين ويعبر عنها باللواحق (والأصل) في مشروعيته قول الله تعالى ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾. وحكم الشرع فيه الجواز في الحضر والسفر وخصه مجاهد بالسفر لظاهر الآية وكافة العلماء على رد ذلك لأن هذا الكلام وإن كان خرج مخرج الشرط فالمراد به غالب الأحوال والدليل عليه أن النبي ﷺ رهن درعه في طعام وهو بالمدينة ولم يكتب وذلك لأن الكاتب إنما يعدم في السفر غالبًا فأما في الحضر فلا يكون ذلك بحال قاله ابن العربي (وحكمة) مشروعية حفظ المال (والرهن) لغة اللزوم والحبس يقال هذا رهن لك أي محبوس دائم لك قال الله تعالى ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ أي محبوسة واصطلاحًا يطلق تارة على العقد يقال الرهن صحيح ويطلق تارة على المال المقبوض توثقًا كقول الفقهاء وإن جنى الرهن وغلة الرهن وغير ذلك ولهذا عرفه الإمام ابن عرفة بقوله الرهن مال قبض توثقا به في دين انتهى فيخرج بقوله توثقا به الوديعة والمصنوع بيد سانعه فإن كلا منهما لم يقبض للتوثق به ويخرج به أيضا قبض المجني عليه عبدًا جنى عليه لأنه لم يقبض للتوثق أصلا وإن كان كل من المصنوع والعبد الجاني يشاركان الرهن في الأحقية والاختصاص به عن الغرماء فلا يسميان رهنًا لجواز اشتراك المختلفات في أمر يخصها. وعرفه الوانوغي بقوله عقد لازم لا ينقل الملك قصد به التوثق في الحقوق انتهى وذلك بعد أن قال لإخفاء في إشكال تعريف شيخنا أي ابن عرفة الرهن بأنه مال قبض توثقا به في دين لأنه لا يشمل من الرهن إلا ما هو مقبوض ولا خلاف في المذهب أن القبض ليس من حقيقة الرهن انتهى وكما أنه ليس بركن ليس بشرط في صحتها أيضا إذ يصح الرهن بدونه وإنما القبض شرط في الاختصاص به كما سيأتي قريبًا. ولا يقال أن تعريف الوانوغي يشمل الضمان فيكون غير مانع
стр. 153
لأنا نقول بل هو خارج بقوله عقد أي على متمول بقرينة قوله لا ينقل الملك كما في حاشية الشيخ قنون على الزرقاني فالضمان ليسه فيه شيء مملوك ينقل أو لا ينقل حتى يكون داخلًا في تعريفه. وعرفه الناظم بقوله (الرهن توثيق بحق المرتهن) يعني أن الرهن هو المال الذي يضعه مالكه توثيقًا بحق المرتهن بكسر الهاء فله حبسه حتى يستوفي حقه فخرج به ما يعطى لا على سبيل التوثيق بل على سبيل الملك كالبيع أو الانتفاع كالمستأجر والمعار. وله أركان ولواحق المعبر عنها بالمتعلقات (فأما) أركانه فخمسة الراهن والمرتهن بكسر الهاء والمرتهن بفتحها وهو الشيء المرهون ويسمى رهنًا أيضا كما علمت والمرهون به والصيغة (فالراهن) من فيه أعلية المعاملة فيصح ويلزم من المأذون له في التجارة والمكاتب والمحجور يرهن عنه أبوه أو وصيه فيما يشتريه له من طعام ونحوه فإن رهن المحجور عليه المميز بدون إذن حاجره فإنه يصح ولا يلزم فإن أجازه الحاجر مضى وإلا فلا (والمرتهن) بكسر الهاء من له الحق على الراهن ويصح منه الحوز فالمحجور يقبض له وليه لأن قبضه كلا قبض (والمرتهن) بفتح الهاء ما يباع أو كان غررًا كما يأتي (والمرهون به) هو أن يكون دينا في الذمة يمكن استفاؤه من الرهن لازمًا أو صائرًا إلى اللزوم فلا يصح رهن في شيء معين كبيع دابة معينة على أن يأخذ المشتري من البائع رهنًا على أنها أن استحقت أتى له بعينها من ذلك الرهن لأنه مستحيل عقلا أو منفعة معين كمن اكترى دابة بعينها على رهن فإن تلفت أو استحقت أتى له بعينها من ذلك الرهن ليستوفي منها المنفعة لاستحالة ذلك أيضا وإما أن أخذ رهنًا على أن يستوفي قيمة المعين منه أو قيمة المنفعة فه جائز على أصل الباب. ولا يصح رهن في القراض ولا في كتابة المكاتب لأن كل واحد منهما غير لازم ويصح الرهن بالجعل لأنه يصير إلى اللزوم ولا يشترط في الدين أن يكون معلومًا من أول الأمر بل لو دفع رجل لآخر رهنًا بما يداين به زيدًا مثلا ليكون رهنًا بما يداينه به إلى مبلغ قيمته جاز قاله صاحب لب اللباب (والصيغة) هو ما دل على خاصته (خ) وفي افتقار الرهن للفظ مصرح به تأويلان (ابن) عرفة هل
стр. 154
يفتقر الرهن للتصريح به أم لا الخلاف بين ابن القاسم وأشهب فلو دفع رجل إلى آخر سلعة ولم يزد على قوله أمسكها حتى أدفع لك حقك كانت رهنًا عند أشهب لا عند ابن القاسم انتهى مواق (وأما) لواحقه فهي ما عدى الأركان من المسائل التي تذكر منها قوله (وإن حوى قابل غيبة ضمن)
(ما لم تقم له عليه بينة ... مما جرى في شأنه معينة)
(وإن يكن عند أمين وقفًا ... فلا ضمان فيه مهما تلفا)
يعني أن المرتهن إذا ادعى ضياع الرهن أو تلفه فإنه يضمن بشروط ثلاثة (أحدها) أن يكون بيده (ثانيها) أن يكون مما يغاب عليه محلي وسلاح وثياب ونحوها من كل ما يمكن إخفاؤه وكتمه (ثالثها) لم تشهد بينة بحرقة أو سرقته أو تلفه ولو شرط المرتهن في عقد الرهن عدم الضمان فإنه يضمن ولا ينفعه شرط أو علم احتراق محله المعتاد وضعه فيه وادعى حرقه مع متاعه فيضمن لاحتمال كذبه إلا إذا بقى بعضه معطوبًا محرقًا أو مقطوعًا أو مكسورًا أو مبلولًا مع علم احتراق المحل فلا ضمان عليه حينئذ (فإن) لم يكن تحت يده بأن كان تحت يد أمين فلا ضمان عليه ولا على الأمين سواء كان مما يغاب عليه أو لا بل ضمانه من الراهن وإن لم يكن مما يغاب عليه بأن كان مما لا يغاب عليه كعبد أو دابة أو سفينة رأسية بالمرسى أو شهدت بينة بهلاكه بغير سببه مع علم احتراق محله مثلا فلا ضمان عليه ولو اشترط عليه الراهن الضمان إلا أن يتبين كذبه في دعواه موت الدابة مثلا ولم يعلم بموتها أحد في سفر أو حضر أو يكون عطبه بسببه فإنه يضمن. وحيث كان الضمان لازمًا للمرتهن فيما يغاب عليه فلا بد من حلفه أنه تلف بلا دلسة في دعوى التلف وأنه لا يعلم موضعه في دعوى الضياع سواء كان متهمًا أو لا لاتهامه على إخفائه رغبة فيه فإن حلف غرم القيمة في المقوم أو المثل في المثلي وإن نكل حبس فإن طال سجنه دين وغرم المثل أو القيمة وهل يحلف المرتهن فيما لا يغاب عليه أو لا يحلف في ذلك أقوال ثلاثة وهي يحلف
стр. 155
مطلقًا متهمًا أو لا وعدم حلفه مطلقًا ثالثها يحلف المتهم دون غيره واختير القول الأول لأنه إذا حلف فيما يضمنه فأولى فيما لا يضمنه وقول الناظم تلفا بكسر اللام على وزن فرح (فروع) الأول أن كان التلف بتعدي أجنبي فللراهن طلبه ثم أن أتى برهن ثقة مكان ذلك الرهن اخذ القيمة وإلا جعلت هذه القيمة رهنًا وطبع عليها (الثاني) أن اختلفا فدعا أحدهما إلى كونه عند المرتهن والآخر إلى أن يكون عند أمين فالقول لمن دعا لوضعه عند أمين فإن اختلفا في تعيينه نظر الحاكم هذا كله أن وقع الرهن على السكوت ولم يكن شرط ولا عادة وإلا عمل عليه (الثالث) إذا باع المرتهن الدين الذي على الراهن فسأله المشتري دفع الرهن إليه فليس له ذلك إلا بشرط لكن لا يدفعه له إلا بإذن الراهن فإن دفعه له بغير إذنه ضمنه قاله الحطاب (الرابع) قال في كتاب الفروق ما نصه فرق بين مسئلتين قال مالك ﵀ إذا ادعى المرتهن تلف الرهن وهو مما يغاب عليه لم يقبل قوله ولزمه الغرم وإذا ادعا المودع تلف الوديعة كان القول قوله وفي كلا الموضعين الدعوى فيما يغاب عليه فالمودع مؤتمن يقبل قوله في التلف لأن الأصول مبنية على هذا لأن المؤتمن القول قوله فيما يدعيه إلا أن يوجد خلافه وأيضا فإن الرهن إذا كان مما يغاب عليه حصل في ذمة المرتهن لأنه قبضه بحق نفسه فلم يقبل قوله في تلفه لأنه مدع لبراءة ذمته إذ هي في الأصل مشغولة والوديعة لم تتعلق بذمة المودع لأنه قبضها لمنفعة رب المال دون منفعته فكان القول قوله في التلف لأن الأصل براءة الذمة فافترقا انتهى (ثم) شرع في بيان شروطه فقال
(والحوز من تمامه وإن حصل ... ولو معارًا عند راهن بطل)
يعني أن حوز الرهن بالتحويز من الراهن شرط في تمام الرهن للمرتهن واختصاصه به فلو لم يحزه أو حازه ثم رجع للراهن ولو بإعارة وبقى تحت يده حتى حصل مانع من موت أو تفليس أو فوت بتحبيس أو بيع أو عتق بطل ولو جد في طلبه
стр. 156
وبقي الدين بدون رهن ولو وجد الرهن بيد المرتهن بعد موت راهنه أو فلسه فادعى الغرماء بأن حوزه كان بعد حصول المانع وقال المرتهن حزته قبل حصوله فإن ذلك لا ينفعه حتى يأتي ببينة تشهد بأنه حازه بتحويز من الراهن قبل الموت أو الفلس وقيل لا يشترط التحويز وإنما يشترط الحوز وهو ظاهر كلام الناظم وسواء كان بالتحويز من الراهن بأن يمكنه منه بمعاينة البينة أو حازه وحده بدون معاينة البينة لذلك وبالأول العمل. وفهم من قوله من تمامه أنه قبل الحوز صحيح وهو كذلك لأنه ليس بركن ولا بشرط كما مر وإنما هو شرط في صحة الاختصاص به يلزم من عدمه العدم ويجبر الراهن على التحويز ويقضي عليه به ما لم يطرأ مانع أو فوت كما تقدم (ومن) الحوز الصحيح قوله
(والعقد فيه لمساقاة وما ... أشبهها حوز وإن تقدما)
يعني أن من ارتهن حائطًا من نخيل أو عنب ونحوهما أو ارتهن عقارًا ثم عقد فيه مع راهنه مساقاة أو كراء ونحوهما فإن ذلك يكون حوزًا له ولا يضره ذلك هذا إذا تأخر عقد المساقاة ونحوها عن الرهن بل وإن تقدم عقد المساقاة ونحوها عن الرهن كان يكون تحت يده حائط على وجه المساقاة ثم يرتهنه من ربه فهو حوز. ومن شرط صحة الرهن أيضا قوله
(والشرط أن يكون ما يرتهن ... مما به استيفاء حق يمكن)
(فخارج كالخمر باتفاق ... وداخل كالعبد ذي الآباق)
يعني أنه يشترط في صحة الرهن من أصله أن يكون مما يمكن خلاص الحق منه أما من عينه كالدراهم والدنانير أو من ثمنه كالثياب أو من ثمنه أو ثمن غلته كالعقعارات وبهذا يخرج ما كان كالخمر والخنزير اتفاقًا فإنه لا يصح رهنه لأنه لا يجوز بيعه حتى يستوفي منه الحق ولو كان ذلك من ذمي ويهراق على المسلم الراهن وليس عليه أن يأتي برهن آخر ولو كان من ذمي فرهنها من مسلم ثم فلس الذمي فالمرتهن أسوة
стр. 157
الغرماء قال سحنون إلا أن يتخلل فيكون أحق بها ويدخل في الرهن الجائز رهنٍ العبد الآبق والبعير الشارد لأن كل واحد منهما يمكن بيعه إذا ظفر به فيستوفى منه الحق وإنما جاز فيه هذا الغرر الكثير للقاعدة وهو أن كل ما يجوز بغير عوض جاز فيه الغرر كالدين سواء كان من بيع أو من سلف فإنه يجوز برهن وبدونه لأن غاية الأمر إذا رهنه عبدًا آبق أو بعيرًا شاردًا ولم يظفر به فكأنه باع أو أسلف بدون رهن وذلك جائز (تنبيه) وأما رهن الحبس فقال ابن ناجي في قول الرسالة وكذلك غلة الدور ما نصه واختلف في رهن الحبس فمعروف قول مالك أنه ممنوع وأجازه ابن ميسر كذا نقل الشيخ أبو محمد ولم يحك ابن الجلاب إلا الجواز وعزاه ابن حارث لابن الماجشون انتهى (قلت) وشاهدت العمل بهذا القول في بلاد الجريد (ثم) شرع في بيان ما يشترطه المرتهن على الراهن من الانتفاع بالرهن أو بيعه وحكم رهن العين والمشاع وملك الرهن إذا لم يخلص في الدين فقال
(وجاز في الرهن اشتراط المنفعة ... إلا في الأشجار فكل منعه)
(إلا إذا النفع لعام عينا ... والبدؤ للصلاح قد تبينا)
(وفي الذي الدين به من سلف ... وفي التي وقت اقتضائها خفي)
الأبيات الثلاثة يعني أنه يجوز للمرتهن أن يشترط على الراهن الانتفاع بالرهن لمدة معينة للخروج من الجهالة في الإجارة ما لم يؤد إلى ما هو ممنوع في الشرع فإنه لا يجوز ذلك في ثلاث مسائل (الأولى) إذا كان الرهن أشجارًا فإنها لا يجوز اشتراط منفعتها التي هي غلتها لأنه يؤدي إلى بيع ما لم يخلق وقد نهى النبي ﷺ عنه وإليها أشار بقوله إلا في الأشجار فكل منعه إلا أن يكون اشتراط المنفعة لعام معين وقد ظهر صلاح الثمرة المشترطة فذلك جائز لخروجه عن بيه الثمرة قبل خلقها أو قبل بدو صلاحها المنهي عنه وإليه أشار بقوله إلا إذا النفع لعام عينا البيت (الثانية) إذا كان الدين من سلف فإنه لا يجوز اشتراط منفعة الرهن مطلقًا لأنه
стр. 158
سلف يجر منفعة وهو حرام ربى وإليها أشار بقوله وفي الذي الدين به من سلف (الثالثة) إذا كان الرهن ثيابًا أو حيوانًا ونحوهما مما يختلف الانتفاع به باختلاف الناس فمنهم من يحصل بانتفاعه به ضرر فينقص منه ومنهم من لا يحصل منه ضرر فلا ينقص منه شيء فإنه لا يجوز فيه اشتراط المنفعة لعدم العلم بما ينشأ عن ذلك وإليها أشار بقوله وفي التي وقت اقتضائها خفي فالمراد بالخفاء الاختلاف المذكور فإن لم يكن الدور السكنى وفي الأرضين الاعتمار وهما لا ينقصان شيئًا من ذلك بل قد يكون فيه مصلحة للرهن ولا كذلك الثياب والحيوان. وقوله وفي الذي الدين إلخ فالذي صفة لموصوف محذوف تقدير الرهن الذي وجملة الدين به من سلف من المبتدأ والخبر صلة الذي والرابط بين الصلة والموصول الهاء من به وقوله وفي التي إلخ أي المنفعة التي ووقت مرفوع على أنه مبتدأ وجملة خفي خبره والجملة من المبتدأ والخبر صلة التي والرابط بين الصلة والموصول ضمير اقتضائها وقوله
(وبجواز بيع محدود الأجل ... من غير إذن راهن جرى العمل)
(مع جعله ذاك له ولم يحن ... دين ولا بعقدة الأصل قرن)
يعني أن من تداين بدين إلى أجل على رهن يجوز له أن يجعل للمرتهن بعد عقد المعاملة وقبل حلول أجل الدين بيع الرهن أن حل الأجل ولم يخلص معه في حقه على ما جرى به العمل لأنها وكالة على طواعية وللمرتهن أن يبيع الرهن إذا حل الأجل ولم يقضه حقه من غير إذن من الراهن ثانيًا. ومفهوم قوله ولم يحن دين ولا بعقدة الأصل قرن أنه لو جعل له بيعه بعد حاول الدين أو كان مقرونًا بعقدة البيع وهو المراد بالأصل كان ذلك الجعل كالعدم لأنها وكالة ضغط واضطرار وعليه فلا يجوز له بيعه إلا بإذنه كما إذا لم يجعل له ذلك أصلا (ثم قال)
(وجازرهن العين حيث يطبع ... عليه أو عند أمين يوضع)
стр. 159
يعني أنه يجوز رهن العين ذهبًا أو فضة وما جرى مجراهما من المثليات على القول المشهور بشرط أن يوضع تحت يد أمين أو يطبع عليه طبعًا لا يقدر على فكه غالبًا حيث جعل تحت يد المرتهن لأنه إذا لم يجعل تحت يد أمين ولم يطبع عليه يتهم المرتهن على تسلفه ورد مثله وقد قارن ذلك عقد المعاملة من بيع أو سلف وهو مفسد لهما لأنه في الأول اجتماع بيع وسلف وفي الثاني سلف بسلف. وهل الطبع شرط في صحة الرهن فإن لم يحصل كان فاسدًا أو شرط في صحة اختصاص المرتهن به فإذا لم يطبع عليه حتى حصل مانع كان المرتهن أسوة الغرماء أو أنه شرط لجواز الرهن سد للذرائع لاحتمال أن يكون قصدا به السلف وسعياه رهنا والسلف مع المعاملة ممنوع كما تقدم وعلى هذا فإذا لم يطبع عليه لا يجوز رهنه ابتداء ولكنه يصح بعد الوقوع ويكون المرتهن أحق به قبل الطبع أن حصل مانع وهذا هو المعتمد أقوال
(والرهن للمشاع مع من رهنا ... قبض جميعه له تعينا)
(ومع غير راهن يكفيه أن ... يحل فيه كحلول من رهن)
يعني أن الرهن إذا كان مشاعًا كجزء من دار مثلًا فإن المرتهن إذا طلب حوز الجميع كان له ذلك ويقضى له به لأنه لا يتم له الرهن إلا بحوز جميع ما يملكه كلا أو بعضا قطعا لجولان يد الراهن فيه فإن لم يحز الجميع حتى حصل مانع كان الرهن باطلا هذا إذا كان الجزء الباقي للراهن فإن كان الباقي لأجنبي فيكفي في حوزه حوز البعض الذي يملكه الراهن ويحل بضم الحاء فيه محله وإليه أشار بقوله ومع غير راهن البيت قوله
(والرهن محبوس بباقي ما وقع ... فيه ولا يرد قدر ما اندفع)
يعني أن الراهن إذا قضى بعض الدين أو سقط البعض عنه بهبة أو صدقة ونحوهما فجميع الرهن ولو تعدد يكون محبوسًا فيما بقي من الدين لأن جميع الرهن رهن في كل جزء من أجزاء الدين ولأنه قد تحول عليه الأسواق فيرخص الرهن ولا
стр. 160
يفي بما بقي من الدين إلا الرهن بتمامه وحينئذ فليس للراهن أخذ شيء منه إلا برضى المرتهن وكان مما ينقسم هذا أن كان كل من الراهن والمرتهن غير متعدد كما في النظم أما أن تعددا أو أحدهما فإنه يقضى لمن وفي حصته من الدين بأخذ حصته من الرهن فمثال تعدد كل منهما كرجلين رهنا دار يلمكانها من رجلين فإذا قضى أحدهما حصته من الدين كان له أخذ حصته من الدار وإذا تعدد المرتهن واتحد الراهن كما لو رهن زيد من عمرو وبكر وهنا ووفى أحدهما حقه كان له أخذ حصته من الرهن إذا كان الرهن ينقسم وإلا كانت حصته أمانة عند المرتهن الثاني أو يجعل الرهن كله تحت يد أمين ولا يمكن الراهن منه لئلا يبطل حوز الثاني كما تقدم عند قوله والرهن للمشاع مع من رهنا البيت وإذا اتحد المرتهن وتعدد الراهن كما لو رهن في هذه لأمين لقوله المتقدم. ومع غير راهن يكفيه أن. يحل فيه كحلول من رهن. البيت (تتمة) قال المواق ما نصه من المدونة من ارتهن دابة أو دارا أو ثوبا فاستحق نصف ذلك من يد الرمتهن فباقيه رهن بجميع الحق انتهى فهذه عكس ما قبلها لأن ما قبلها جميع الرهن رهن في بعض الدين وهذه بعض الرهن رهن في جميع الدين (وقول) الناظم بباقي ما وقع إلخ جار ومجرور متعلق بمحبوس وباقي مضاف وما اسم موصول مضاف إليه واقع على الدين وجملة وقع فيه صلته والرابط بينهما ضمير فيه ويرد بضم أوله وفتح ما قبل آخره مبني للنائب وقدر مرفوع على أنه نائب فاعل وهو مضاف وما واقع على المال مضاف إليه وجملة اندفع صلته والله أعلم (ثم) ذكر شرطا من الشروط المنافية للعقد فقال
(وشرط ملك الرهن حيث لا يقع ... أنصافه من حقه النهي وقع)
يعني أن الراهن إذا قال للمرتهن أن جئتك بحقك لشهر كذا مثلا وإلا فالرهن لك بما فيه فهذا لا يصح ولا يحل لأنه منهي عنه وعليه فإن جاء صاحب الدين بعد الأجل
стр. 161
فهو له وينتقض هذا الرهن ولا ينتظر به الأجل ويصير السلف حالا وله أن يحبس الرهن حتى يأخذ حقه وهو أحق به من الغرماء هذا غن كان الدين من سلف فإن كان من بيع رد البيع إلا لفوت فيكون رهنا في قيمة المبيع إذا كان ذلك في صلب العقد فإن كان الرهن والشرط بعده فسخ الرهن خاصة وبقي الدين بلا رهن (وأما) اشتراط بيعه ووفاء الدين من ثمنه بإذنه أو بإذن الحاكم إذا تغيب فهو جائز لأنه من باب اشتراط ما يقتضيه العقد أما اشتراط بيعه بدون إذنه فقد تقدم الكلام عليه قريبًا (ولما فرغ) من الكلام على الرهن وبعض متعلقاته شرع في بيان بقية ما ذكره منها فقال (فصل في اختلاف المتراهنين) في عين الرهن أو في حلول أجله أو في صفته. وبدأ بالأول فقال
(وفي اختلاف راهن ومرتهن ... في عين رهن كان في حق رهن)
(فالقول قول رهن أن صدقا ... مقاله شاهد حال مطلقا)
(كان يكون الحق قدره مائه ... وقيمة الرهن لعشر مبديه)
يعني أن المتراهنين إذا اتفقا في الرهنية واختلفا في عين الرهن الموضوع تحت يد المرتهن في مائة مثلا فلما أتى الراهن ليقضيه المائة أخرج له المرتهن ساعة من نحاس مثلا تساوي عشرة فقال الراهن ليس هذا رهني بل رهني ساعة من ذهب تساوي مائة أو أكثر فالقول للراهن مع يمينه لأنه ادعى ما يشبه أن يكون رهنًا في المائه وهو معنى قوله أن صدقا مقاله شاهد حال لا قول المرتهن لأنه ادعى ما لا يشبه وسواء كان متهمًا أو لا وهو معنى قوله مطلقا وما درج عليه الناظم قول مبني على أن الدين يكون شاهدا للرهن كما أن الرهن يكون شاهدا للدين والقول المشهور خلافه وهو أن الدين لا يكون شاهدا للرهن وعليه فالقول للمرتهن مع يمينه وإن لم يشبه لأنه غارم ولأنه أمنه حيث جعله تحت يده بدون إشهاد على عينه (قلت) لولا هذا لمالت نفسي إلى القول الذي مشى عليه الناظم لأهل هذا الزمان وحيث
стр. 162
فرط الراهن في الإشهاد على عينه فالدرك عليه (وفي) شرح المواق على قول صاحب المختصر وهو كالشاهد في قدر الدين لا العكس ما نصه قال أصبغ من رهن رهنا بألف دينار فجاء ليقضيه فأخرج المرتهن رهنا يساوي مائة دينار فقال الراهن ليس هذ رهني وقيمة رهني ألف دينار وذكر صفة تساوي ألفا فالراهن مصدق مع يمينه لأنه ادعى ما يشبه وادعى المرتهن ما لا يشبه فإذا حلف سقط عنه من الدين مقدار قيمة رهنه وقال أشهب القول قول المرتهن وإن لم يساو إلا درهمًا واحد وقال عيسى عن ابن القاسم نحو قول أشهب ابن حبيب وبه أقول قاله ابن عبد الحكم ابن يونس كما لو قال لم ترهني شيئا انتهى وحيث كان الرهن شاهدا لقدر الدين وإنه يباع للقضاء من ثمنه نظمت فيه لغزا فقلت
قل للفقيه المرتضى في سيرته ... ما شاهد يباع في شهادته
(ثم ثنى) بالثاني فقال
(والقول حيث يدعي من ارتهن ... حلول وقت الرهن قول من رهن)
يعني أن المتراهنين إذا اتفقا على أصل الرهن واختلفا في حلوله وعدم حلوله لترجع منفعة الرهن للراهن مثلا أو تبقى بيد المرتهن فالقول للراهن مع يمينه أن أتى بما يشبه وسواء ادعى المرتهن ما يشبه أو لا لأن الأصل الاستصحاب وهو عدم انقضاء الأجل (وختم) بالثالث فقال
(وفي كثوب خلق ويدعي ... جدته الراهن عكس ذا وعي)
(إلا إذا خرج عما يشبه ... في ذا وذا والعكس لا يشتبه)
يعني أن المتراهنين إذا اتفقا على عين الرهن كثوب واختلفا في حاله وصفته فادعى الراهن جدته وأن المرتهن استعمله حتى أبلاه فصار خلقا بكسر اللام وادعى المرتهن أنه رهنه كذلك باليا فالقول للمرتهن أن أتى بما يشبه أيضا فإن خرج الراهن عما يشبه في الاختلاف في الحلول وخرج المرتهن عما يشبه في الاختلاف في الصفة فيكون الحكم بالعكس وهو أن القول للمرتهن في الأولى وللراهن في الثانية هذا معنى قوله إلا
стр. 163
إذا خرج عما يشبه البيت وقوله في ذا وذا الإشارة الأولى ترجع لقبول قول الراهن في مسألة الاختلاف في حلول الأجل وعدم حلوله والثانية ترجع لقبول قول المرتهن في مسئلة الاختلاف في الصفة (فروع الأول) فإن اختلفا في الرهنية كان يقول أحدهما رهن والآخر عارية أو وديعة فالقول لمدعي نفي الرهنية (خ) والقول لمدعي نفي الرهنية ابن عرفة عن اللخمي إلا أن يشهد العرف بضده كخاتم عند بقال أو خباز انتهى (قلت) وهذا هو التحقيق من أنه ينظر إلى حالها خصوصًا هذا الزمان فإن الرهن فيه أكثر من الوديعة والعارية وحينئذ فالحكم للغالب في هاته المسئلة والله الموفق للصواب (الثاني) وفي نوازل البرزلي أفتى فقهاء قرطبة فيمن ادعى أنه رهن داره بكذا وادعى الآخر أنه اشتراها بكذا أكثر من الأول فالمشتري مدع فعليه البينة بدعواه فإن عجز حلف الآخر أنه ما باع ولا كتب به وثيقة وأنها رهن وبعد يمينه يغرم لمدعي الشراء الثمن المدعى به أن كان مثل قيمة الدار فأكثر وإن كان أقل حلف الراهن أنه ما رهنه إلا بكذا وغرم قيمة الدار وإن نكل غرم ما ادعاه المشترى ويحاسبه بما سكن انتهى من العلمي ويليه وفي المعيار من جواب لبعضهم عن رجلين تخاصما ادعى أحدهما الشراء والآخر الرهن ولا بينة لأحدهما إلا أن الذي ادعى الشراء لها في يده أزيد من عشرة أعوام ما نصه القول قول مدعي الرهن إلا أن يفوت بالبناء والهدم والغرس والقلع بما يفوت به البيع الفاسد في الرباع على مذهب ابن القاسم اهـ مختصرا من المعيار وكتب عليه أخي سيدي محمد بن عيسى الشريف يقول محمد بن عيسى ومن هذا المعنى ما للمازري فمن طلب رهنا زعم أنه كان في حق قبله منذ عشرة أعوام فأجاب أن كان مثل هذا لا يسكت عن طلب ما ذكر طول هذه المدة من غير عذر فإن اليمين تسقط انتهى (الثالث) وفي المعيار سئل ابن عرفة عن رجل رهن أصلا وحوز للمرتهن رسمه المكتوب فتلف عند المرتهن رسمه المكتوب فأجاب بأنه ينظر إلى قيمة الأصل برسمه وقيمته من غير رسم فما بينهما يضمنه أو يثبت ملك الأصل انتهى (قلت) وفي زماننا هذا ثم فرق بين الملك برسم الأصل وبين الملك
стр. 164
برسم الوثيقة فما كان من الأملاك برسم الوثيقة يعد معيبًا إلا إذا تعددت فيه البياعات وعليه فيغرم ما بينهما (الرابع) ومن المعيار سئل ابن أبي الدنيا عن رهان أهل الزمان وما شاع من فساد معاملتهم فيه فأجاب قال الله تعالى ﴿وأحل الله البيع وحرم الربى﴾ وقال ﴿وذروا ما بقي من الربى أن كنتم مؤمنين﴾ فتضمنت الآية وعيدين نفي الإيمان عن مفهوم الشرط ومحاربة الله ورسوله وفي مسلم عن جابر بن عبد الله قال لعن رسول الله ﷺ آكل الربى وموكله وكاتبه وشاهده وقال هم سواء وهو يعضد الوعيد السابق والجاري في معاملة تونس على ما بلغني عام سبعة وسبعين وستمائة حين قلت الأحكام ثم عافا الله أن من يريد ارتهان دار أو حانوت بكذا أو كذا دينارا على استغلال الموضع أو أكرية ما يكرى منه فينفقون على شيء ويذكرون أن الشهود لا يشهدون على هذا فيذكرون من العروض ما يسوغون الإشهاد عليهم وربما أحضروه ثم ردوه إلى ربه ويعطون الدنانير أو الدراهم وهذا سلف جر نفعا بلا خلاف وهو ما كانت تفعله الجاهلية ودفع الدنانير بغير سلعة أقل وقوعا من الأول فلما كثر التداعي في ذلك بحثت عليه واستفهمت الشهود وغيرهم فذكروا أنه الغالب من معاملة الناس وجماعة منهم يتوقون الشهادة في الرهان لذلك فلما تحقق أن الغالب الفساد رأيت أن القول قول مدعيه من الخصوم لشهادة العرف له قيل والعادة في تونس في الأغلب في الرهان والعينة في آخر القرن الثامن وأول التاسع كذلك والصواب أنه ينظر إلى الآخذ والمعطي فإن كان مثلهما ممن لا يعمل بذلك أو أحدهما فالقول قول مدعي الصحة وإلا فالحكم بالفساد لاسيما أن كانت المعاملة مع اليهود لأنه لا يقصدهم إلا الفسقة أو ذو الحاجة الشديدة أو من يبين من معاملة المسلمين فالصواب أن المعاملة معهم تحمل كلها على الفساد وقد أشبههم عامة النساء في معاملتهم في هذا الزمان إلا القليل وبالله التوفيق انتهى (الخامس) قال الحطاب إذا ادعى المرتهن أنه رد الرهن إلى الراهن وقبض الدين وأنكر الراهن الرد فالقول قول الراهن أن كان مما يغاب عليه قبضه ببينة أو بغير بينة وإن كان مما لا يغاب عليه فالقول قول المرتهن إلا
стр. 165
أن يكون قبضة ببينة (السادس) من له دينان على إنسان كعشرين دينارا عشرة برهن وعشرة بغير رهن ثم قضاة عشرة وقال هي عن دين الرهن وخالفه المرتهن فقال بل هي عن العشرة بلا رهن فإنهما يحلفان وتوزع العشرة على الدينين فتصير العشرة الباقية نصفها برهن ونصفها بلا رهن كمسألة الحمالة وفي الحطاب عند قول صاحب المختصر وإن اختلفا في مقبوض فقال الراهن عن دين الرهن وزع بعد حلفهما كالحمالة ما نصه قال في كتاب الرهن من المدونة وإن كان لك على رجل مائتان فرهنك بمائة منها رهنا ثم قضاك مائة وقال هي التي فيها الرهن وقلت له أنت هي التي لا رهن فيها وقام الغرماء أو لم يقوموا فإن المائة يكون نصفها بمائة الرهن ونصفها للمائة الأخرى ابن يونس يريد بعد أن يتحالفا أن ادعيا البيان وقال أشهب القول قول المقتضي ونصها في الحمالة منها ومن له على رجل ألف درهم من قرض وألف درهم من كفالة فقضاه ألفا ثم ادعى انها القرض وقال المقتضى بل هي الكفالة قضي بنصفها عن القرض ونصفها عن الكفالة وقال غيره القول قول المقتضى مع يمينه لأنه مؤتمن مدعى عليه وورثة الدافع في قولهما كالدفع اهـ قال ابن رشد فإن حلفا جميعا أو نكلا جميعا قسم ما اقتضي بين المالين وإن حلف أحدهما ونكل الآخر كان القول قول الحالف انتهى ما به الحاجة (السابع) وفي ابن سلمون وإذا دفع المرتهن إلى الراهن رهنه ثم جاء بعد ذلك يدعي أنه دفع إليه الرهن ولم يوفه حقه فالقول قول الراهن أنه قضاه على ما رواه ابن القاسم عن مالك في العتبية خلاف ما في نوازل أصبغ من أن القول قول المرتهن إذا كان قيامه بالقرب قال ابن رشد ولا خلاف إذا طال الأمد أن القول قول الراهن ولكل من القولين حجة اهـ (الثامن) وفي المعيار سئل ابن كنانة عن الرجل يرهن مال امرأته أو يبيعه ثم تنكر امراته فأجاب عليها اليمين بالله ما امرت ببيع ولا برهن ولا أذنت له في ذلك ثم تأخذ الذي لها قيل له لم رأيت عليها اليمين ولم يكن بينها وبين المشتري ولا المرتهن مخالطة ولا ملابسة قال من أجل أن الرجل يلي بيع مال امراته والنظر لها فيه انتهى
стр. 166
(التاسع) وإن اختلفا في قيمة رهن تلف عند المرتهن لتشهد على الدين أو ليغرمها المرتهن حيث توجه الغرم عليه تواصفاه فإن اتفقا على الصفة قومه أهل المعرفة وقضي بقولهم وكفى المقوم الواحد على الراجح فإن اختلفا في صفته فالقول للمرتهن بيمينه ولو ادعى شيئا يسيرًا لأنه غارم كما مر فإن تجاهلا بأن قال كل واحد منهما لا علم لي بصفته فالحكم أن الرهن يكون فيما رهن فيه ولا يرجح أحدهما على صاحبه بشيء فإن علمه أحدهما وجهله الآخر حلف العالم على ما ادعى فإن نكل فالرهن فيما فيه (العاشر) وإن انقضت مدة المنفعة التي اشترطها المرتهن على الراهن وتمادى على السكنى والاعتمار في الدار وغيرها فللراهن أن يحاسبه بكراء ما زاد على المدة المشترطة بحسب ما يقدره أهل المعرفة كما في الأجوبة الفاسية العمرانية (ولما) كان الضمان كالرهن في التوثق به ذكره عقبه فقال
باب الضمان وما يتعلق به
أي هذا الباب في بيان أركان الضمان وما يتعلق به من غرم وعدمه وسقوطه بفساد أصله ويعبر عنها باللواحق (والضمان) من ضمن بكسر الميم مصدر ومعناه لغة الالتزام والكفالة كما في المصباح ومختار الصحاح. واصطلاحا عرفه الإمام ابن عرفة بقوله التزام دين لا يسقطه أو طلب من هو عليه لمن هو له انتهى فقوله لا يسقطه الجملة في محل رفع صفة لالتزام لا في محل خفض صفة لدين كما في الشيخ ميارة أي التزام لا يسقط الدين عمن هو عليه لبقائه في ذمة المضمون فقوله التزام دين جنس يشمل الحمل والحمالة التي هي الضمان وقوله لا يسقطه فصل يخرج به الحمل كمن التزم أداء دين أو صداق عن الغريم أو الزوج لرب الدين أو الزوجة بدون رجوع الملتزم على من أدى عنه لأن الالتزام فيه يسقط الدين عن الغريم بخلاف الحمالة وأما الحوالة فلا تدخل في التعريف أصلا حتى يحتاج إلى إخراجها
стр. 167
لأن المحال لم يلتزم دينا والمحال عليه لم يحدث التزاما بل الدين ثابت عليه ولازم له بالأصالة فلا يكون فردًا من أفراد التزام دين كالحمل. وقوله أو طلب بالجر عطف على دين أي التزام دين أو التزام طلب يدخل فيه ضمان الوجه وضمان الطلب (والأصل) في مشروعيته قول الله تعالى ﴿ولمن جاء به حمل بعير﴾ وأنابه زعيم بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ وقال القاضي أبو إسحق ليس هذا من باب الكفالة فإنها ليس فيها كفالة إنسان وإنما هو رجل التزم عن نفسه وضمن منها وذلك جائز لغة لازم شرعا قال الشاعر
فلست بآمر فيها بسلم ... ولكني على نفسي زعيم
قال الإمام أبو بكر هذا الذي قاله القاضي أبو إسحاق صحيح في أن الزعامة فيه نص فإذا قال أنا زعيم فمعناه أني ملتزم وأي فرق بين أن يقول التزمته عن نفسي أو التزمت عن غيري انتهى وقال ﵊ العاربة مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضى والزعيم غارم الحديث والمنحة الشاة أو نحوها تعار لأخذ لبنها (وحكم) الشرع فيه الجواز دليله الآية والحديث المذكوران ما لم يؤد إلى ضمان بجعل أو سلف جر منفعة كما سيأتي. وحكمة مشروعيته حفظ المال بالتوثق والرفق والتوسعة على الغريم (وأركانه) خمسة الصيغة والضامن والمضمون والمضمون له والمضمون عنه فالأول منها قوله
(وسمي الضامن بالحميل ... كذاك الزعيم والكفيل)
أراد بهذا بيان صبغ الضمان وأعلم أن لكل أهل إقليم من الأقاليم لفظ منها يخصه فالحميل لغة أهل مصر والزعيم لغة أهل المدينة والكفيل لغة أهل العراق كما في القسطلاني والضامن لغة أهل إفريقية. وقال في لب الألباب هنا تسعة ألفاظ مترادفة الحمالة والضمان والكفالة والزعامة والقبالة والإدانة ومثلها غرير وصبير وكوين (وفي) ابن عرفة الصيغة ما دل على الحقيقة عرفا فقيها من قال أنا حميل بفلان أو
стр. 168
زعيم أو كفيل أو ضامن وقبيل أو هو لك عندي أو علي أو إلي أو قبلي فهي حمالة لازمة أن أراد الوجه لزمه وإن أراد المال لزمه انتهى وقوله
(وهو من المعروف فالمنع اقتضى ... من أخذه أجرًا به أو عوضا)
يعني أن الضمان لما كان من المعروف والطاعة لله كالقرض والجاه امتنع أن يؤخذ عليه جعل كما يمتنع أن يكون على صوم أو صلاة لأن طريقها ليس لكسب الدنيا وسواء كان من المدين أو من رب الدين أو من غيرهما ولأنه يؤدي إلى أمر ممنوع وهو الغرور أو سلف جر منفعة وذلك لأنه إذا تحمل بمائة على أن يعطيه عشره قد يعدم المدين فيخسر الضامن تسعين وقد يؤدي فيربح العشرة وإن أدى الضامن ثم رجع عليه كان سلفًا جر نفعا فغن وقع ونزل وكان صاحبالحق عالمًا بذلك سقطت الحمالة ورد الجعل وإن لم يكن بعلمه فالحمالة لازمة للحميل ويرد الجعل وكذلك يمنع الضمان إذا كان في مقابلة عوض كضمان مضمونه كن يقول رجل لآخر أضمني لفلان وأنا أضمنك لفلان إلا في مسألة تأتي قريبًا هذا إذا كان الجعل يصل للحميل بل ولو كان يصل للمدين فهو ممنوع وإليه أشار بقوله
(والحكم ذا حيث اشتراط من ضمن ... حطا من المضمون عمن قد ضمن)
يعني إذا قال رجل لرب الدين حط عن غريمك عشره من المائة وأنا حميل لك بالباقي إلى أجل كذا كان ممنوعا لأن الذي سقط عن الغريم كأنه وصل للضامن وظاهره كان الدين حالا أو مؤجلا وهو كذلك على أحد قولين والراجح التفصيل وهو أنه إذا كانت المائة حالة فلا بأس به لأنه كان له أن يأخذ بحقه حالا فتأخيره إياه كابتداء سلف بحميل وإن كانت المائة مؤجلة فهو ممنوع على مذهب ابن القاسم كما قال لأن أخذ الكفيل في حكم تعجيل الحق فأشبه ضع وتعجل وهو ممنوع وقيل لا بأس به والله تعالى أعلم. وقوله فالمنع منصوب على أنه مفعول مقدم باقتضى والباء من به بمعنى على وقوله ذا إشارة للمنع وضمن الأول بفتح أوله والثاني يضمه مع
стр. 169
كسر الميم فيهما فالأول مبني للفاعل والثاني مبني للنائب ثم أشار إلى المسئلة المستثناة من الحكم السابق بقوله
(وباشتراك واستواء في العدد ... تضامن خفف فيه أن ورد)
يعني أن ضمان كل واحد منهما أو منهم لصاحبه في اشتراء سلعة معينة شركة بينهما في قدر ما ضمنه فيه الآخر جائز لأنه ورد عن الماضين وبعبارة أخرى أنه يجوز على وجه الرخصة أن يشتري اثنان فأكثر شيئًا بثمن في الذمة على أن يضمن كل واحد منهما أو منهم بقية أصحابه بشرطين أحدهما اشتراكهما في الشراء وثانيهما الاستواء في العدد أما لو وقع الشراء بدون اشتراك فهي المسئلة المتقدمة ولو اشترياه على الثلث والثلثين مثلا وضمن كل منهما الآخر فيما عليه لم يجز لأنه سلف جر منفعة أو ضمان بجعل فلم يقع الضمان لله اللهم إلا أن يتحمل صاحب الثلث بنصف ما على صاحب الثلثين ومثل الشراء البيع كما إذا أسلمهما رجل في شيء وتضامنا فيه وكذلك إذا تسلف شخصان نقدا أو عرضا بينهما على أن كل واحد منهما حميل بصاحبه على الأصح وإليه ذهب ابن أبي زمنين وابن العطار خلاف لابن الفخار القائل بأنه لا يجوز لأنه سلف جر نفعًا وقوله أن ورد بفتح الهمزة لا غير وإن وما دهلت عليه في تأويل مصدر مجرور بحرف محذوف أي لوروده في الشرع (والركن) الثاني قوله
(وصح من أهل التبرعات ... وثلث من يمنع كالزوجات)
يعني أنه يشترط في صحة الضمان ولزومه أن يكون الضامن أهلا للتبرع المطلق وهو الرشيد كالعبد المأذون له في التجارة أو في ثلثه كالزوجة والمريض فلا يصح ضمان المحجور مطلقا لا في القليل ولا في الكثير ويصح ولا يلزم ضمان الزوجة والمريض فيما زاد على الثلث زيادة بينة من شأنها يقصد بها الضرر أما منع الزوجة من الضمان في الزائد على الثلث فلحق الزوج فإن تكفلت بأكثر من الثلث فله الأجازة حيث كانت رشيدة وله رد الجميع ولو ضمنته هو كما في التاودي خلافا للزرقاني لأنه
стр. 170
خلاف المنصوص كما في الرهوني وقيل ليس له إلا رد الزائد فقط وأما منع المريض من ذلك فلحق الوارث فإن صح من مرضه لزمه الجميع وإن مات فلورثته إمضاء الجميع ولهم رد الزائد على الثلث فقط (فرع) قال أبو الحسن على قول المدونة وإن تكلفت لزوجها ثم ادعت أنه أكرهها لم تصدق إلا ببينة ويلزمها ذلك وإن أحاط بمالها ما نصه الشيخ لأن الأصل الطوع فمن ادعى غيره فعليه البيان وهذا ما لم يكن معلوما بالاساءة إليها وإلا فهي مصدقة مع يمينها وإذا كان صاحب الحق عالما بإكراهها فالحمالة ساقطة فإن أنكر صاحب الحق العلم بإكراهها حلف أن كان يظن به علم ذلك كالجار فإن أنكر حلفت لقد علم وبرئت وأما غير نحو الجار فلا يمين عليه قال أشهب وأما حمالتها بغير زوجها لزوجها فإن علم بالإساءة إليه وقلة ورعه فإن الحمالة ساقطة عنها إذا حلفت وإلا يكن معروفًا بما ذكر حلف الزوج أنه ما أكرهها ولزمتها الحمالة انتهى من ابن رحال وقول الناظم وثلث هو بالجر عطف على أهل أو على مقدر كما في مياره والتاودي (والركن) الثالث قوله
(وهو بوجه أو بمال جار ... والأخذ منه أو على الخيار)
تضمن كلام الناظم في هذا البيت مسألتين إحداهما المضمون الذي هو أحد أركان الضمان وهو قوله بوجه أو بمال. والأخرى في بيان تعيين المطلوب بالمال المضمون هل الضامن أو الغريم أما المضمون فهو أما الوجه وأما المال كما قال ولكل واحد منهما أوجه ومجموعها ستة (الأول) ضمان الوجه المطلق والمشهور سقوطه بإحضار الغريم فإن لم يحضره غرم المال وقال مالك هي كحمالة المال لا تسقط بإحضاره وقال ابن عبد الحكم لا يغرم كما في لب اللباب وللزوج رد ضمان الوجه إذا صدر من زوجته وإن كان دين منضمنته أقل من ثلثها لأنه يقول قد تحس أو تخرج للخصومة أو للتفتيش وفي ذلك معرة ومثل ضمان الوجه ضمان الطلب الآتي ذكره إذا كان بغير إذن زوجها وإلا فلا رد له في الفرعين (الثاني) ضمان الوجه المقيد بقوله ولست من المال في شيء فلا يلزمه غرم إلا إذا قدر على إحضاره فلم يفعل أو
стр. 171
ينذره فيهرب فإن اتهم على تغيبه سجن حتى يحضره وهذا الوجه في المعنى من باب ضمان الطلب (الثالث) ضمان الطلب والتفتيش كقوله أنا متحمل بطلبه ولو كان بما يتعلق بالأبدان بشرط أنه إذا عجز عن إحضاره لم يلزمه بشيء (وفي) المواق ما نصه اللخمي ولو كانت المطالبة يجرح أو قطع أو قتل لم تجز الكفالة بما يجب على المطلوب ولا أن يتكفل بوجهه على أنه متى عجز عن إحضاره أخذ ذلك منه وجازت الكفالة بطلبه خاصة وأما أن كانت المطالبة لحق الله لم يجز أن يترك بحميل والحكم أن يسجن حتى يقام عليه الحد (الرابع) ضمان المال صراحة ويشترط أن يكون في الذمة فلا يصح ضمان المعين كما تقدم بيانه في الرهن وهو لازم في الحياة وبعد الموت (الخامس) الضمان المبهم كقوله أنا حميل أو زعيم أو عامله وأنا ضامن ويحمل على المال على الأصح والأظهر إلا إذا ادعى الضامن أنه شرط ضمان الوجه أو أراده وقال الطالب بل المال كان القول قول الضامن بيمين وذلك لأن الطالب يدعي عمارة ذمة والأصل براءتها (السادس) ضمان المترفق مثل أن يتحمل بما ثبت على فلان وهو لازم فلو قال قائل لي على فلان ألف فقال رجل أن كفيل لك بذلك لزمه الضمان والغرم إذا أقربه المطلوب قولا واحدا ولو قال لي على فلان حق فقال رجل أنا كفيل به فقال المطلوب له على ألف لم يلزمه غرمه حتى يثبته قولا واحدا بمنزلة قوله أنا كفيل بما بايعت به فلانا قاله في لب اللباب (تنبيهان) الأول يجوز ضمان المجهول حال الضمان. وفي المواق قال أبو محمد ولما جازت هبة المجهول جازت الحمالة لأنه معروف (الثاني) قال الحطاب إذا قال شخص لآخر عامل فلانا فهو ثقة ذكر البرزلي في مسائل الحمالة فيه خلافا هل هو ضمان أو لا ويفهم من كلامه أن المشهور عدم الضمان وأنه من باب الغرور بالقول انتهى (وأما) المسألة الثانية فهي قوله والأخذ منه أو على الخيار يعني أنه إذا حضر الضامن للمال وكان المدين مليا حاضرا بالبلد هل يتعين الأخذ من الغريم ولا كلام لصاحب الحق مع الضامن أو رب المال مخير في أن يأخذ حقه ممن شاء منهما قولان المشهور المعمول به الأخذ من
стр. 172
الغريم ولهذا قدمه الناظم إلا إذا اشترط رب الحق أخذ أيهما شاء فله ذلك عملا بشرطه على المشهور المعروف من المذهب وقوله منه أي من الغريم واو لتنويع الخلاف (الركن) الرابع المضمون له ولا يشترط أن يكون معلومًا في مذهبنا بل لو قال قائل أنا كفيل بديون فلان لزمه الغرم لكل من ثبت له على فلان شيء يصح فيه الضمان شرعا (الخامس) المضمون عنه ولا يشترط إذنه في الضمان ورضاه على القول المشهور وإليه أشار الناظم بقوله
(ولا اعتبار برضى من ضمنا ... إذ قديؤد دين من لا إذنا)
يعني أن الضمان لا يشترط في صحته ولزومه إذن المضمون عنه ورضه بل يصح ويلزم أن وقع بغير إذنه ولو قال لا أرضى وقد استدل الناظم على صحته بقوله إذ قد يؤد دين من لا إذنا ضرورة أن الضمان أخف من الاداء ما لم يقصد بذلك ضررًا لعداوة بينهما وإلا فلا يلزمه ذلك (وفي) المواق عند قول صاحب المختصر وبغير أنه كأدائه رفقا لا عنتا فيرد كشرائه ما نصه من المدونة أن أشهد رجل على نفسه أنه ضامن بما قضي لفلان على فلان أو قال أنا كفيل لفلان بما له على فلان وهما حاضران أو غائبان أو أحدهما غائب لزمه ما أوجب على نفسه من الكفالة والضمان لأن ذلك معروف والمعروف من أوجبه على نفسه لزمه وما قوله كأدائه من لمدونة قال مالك من أدى عن رجل حقا لزمه بغير أمره فله أن يرجع وقوله كأدئه من المدونة قال مالك من أدى عن رجل حقا لزمه بغير أمره فله أن يرجع عليه قال ابن القاسم وكذلك من تكفل عن صبي بحق قضي به عليه فأداه عنه بغير أمر وليه فله أن يرجع به في مال الصبي وكذلك لو أدى عنه ما لزمه من متاع كسوة أو أفسده أو اختلسه لأن ما فعل الصبي من ذلك يلزمه وقاله مالك ابن المواز قال ابن القاسم وكذلك إذا كان الصغير الجاني ابن سنة فصاعدا محمد وأما الصغير جدا ابن ستة أشهر لا ينزجر إذا زجر فلا شيء بغير أمره أو دفع عه مهر زوجته جاز ذلك أن فعله رفقًا بالمطلوب وأما أن أراد الضرر بطلبه وإعناته وأراد سجنه لعدمه لعداوة بينه وبينه منع من ذلك وكذلك
стр. 173
إن اشتريتم دينا عليه تعنيتا له لم يجز البيع ورد أن علم بهذا انتهى ثم أن كان الضمان بإذن المضمون عنه وضاه فللضامن طلب رب الدين بتخليصه من الضمان عند حلول أجل الدين بأن يقول له أما تطلب حقك من الدين أو تخلصني من الضمان وكذلك للضامن طلب المضمون عنه بدفع ما عليه عند أجله وإن لم يطلبه رب الدين ليبرأ من ضمانه أو يأمن فلسه فإن لم يكن بإذنه ورضاه فليس له ذلك إلا بعد الأداء كما في الزرقاني وغيره قال التاودي وهذا من فوائد قول الموثقين بإذنه ورضاه لا أنه لمجرد الاحتياط والخروج من الخلاف كما قيل والله أعلم وقول الناظم ضمنا ويؤدي بضم أولهما وكسر ما قبل الآخر في الأول وفتحه في الثاني بالبناء للنائب وألف ضمنا وإذنا للإطلاق (تنبيه) ليس للإشهاد على الضامن شرطا في لزوم الضمان وغيره من التبرعات ففي أجوبة المهدي الصغرى من الجزء الرابع قال الحطاب في أول التزاماته ما نصه قال في كتاب المديان من المدونة ومن ضمن لرجل ماله على ميت ثم بدا له فقد لزمه ذلك لأن المعروف كله إذا أشهد به على نفسه لزم اهـ قلت ذكر الإشهاد هنا ليس شرطًا في اللزوم وإنما خرج مخرج الغالب كما يظهر ذلك مما قبله ومما سيأتي والله أعلم اهـ فقول التسولي أن ما كتبه الشخص بخط يده من حبس أو صدقة أو ضمان أو قاله بلسانه لا يلزم إلا بالإشهاد باطل بل ما قاله الصحيح في حال صحته أو كتبه بخط يده يؤاخذ به بمجرد الإقرار به نطقا أو كتابة ولو لم يشهد عليه قال في المختصر يؤاخذ المكلف بإقراره إلخ وفي التحفة وكاتب بخطه ما شاءه البيتين اهـ محل الحاجة وقد تقدم نحو هذا عند قول الناظم ويشهد الشاهد بالإقرار البيت (ثم) قال
(ويسقط الضمان في فساد ... أصل الذي الضمان فيه باد)
يعني أن الضمان يبطل إذا فسد المضمون فيه كما لو أعطى شخص لآخر دينارًا في دينارين إلى شهر وتحمل له رجل بالدينارين فإن الضمان ساقط ولا يلزم الحميل بها شيء علم المتبايعان أن ذلك حرام أم لا علم الحميل بذلك أم لا كان ذلك في صلب العقد أو بعده لأن الثمن لما سقط عن الأصيل لفساد البيع سقط عن الحميل وكذلك
стр. 174
يبطل إذا وقع بجعل أو عوض كما تقدم (فرع) وإن برئ المدين بهبة الدين له مثلا برئ الضامن لأن طلبه فرع ثبوت الدين عن المضمون عنه بخلاف العكس وهو أن المضمون عنه لا يبرأ ببراءة الضامن (خ) وإن برئ الأصل برئ لا عكسه وقوله
(وهو بما عين للمعين ... وهو بمال حيث لم يعين)
يعني أن الضمان لازم للضامن المعين فيما عينه من وجه أو طلب أو مال فإن لم يعين واحدا من الثلاثة بأن قال أنا ضامن أو حميل حمل على الضمان بالمال فإن قال عند الطلب حيث توجه عليه أردت الوجه أو الطلب والتفتيش عنه وقال المضمون له بل شرطت عليك المال فالقول قول الضامن بيمينه كما تقدم شرحه وقوله عين بفتح أوله وثانيه وياء للمعين وبعين مكسورة فالثلاثة مبنية للفاعل وقوله
(وإن ضمان الوجه جاء مجملا ... فالحكم أن المال قد تحملا)
يعني أن ضمان الوجه إذا جاء مطلقًا غير مقيد كما مر بأن قال أنا ضامن وجهه ولم يشترط نفي المال ولا قال لا أضمن إلا وجهه فالحكم الشرعي في ذلك أن يحمل على أنه ضامن بالمال ولم يبرأ منه إلا بإحضار الغريم على المشهور وفي الرسالة وحميل الوجه أن لم يأت به غرم حتى يشرط أن لا غرم وقوله
(وجائز ضمان ما تأجلا ... معجلا وعاجل مؤجلا)
يعني أن من له دين على آخر إلى أجل فإنه يجوز له أن يأخذ من المدين ضامنا في ذلك الدين على أن يوفيه حالا أو قبل الأجل إذا كان الدين مما يجوز تعجيله كالعين مطلقا والعرض والحيوان من قرض فإن كانا من بيع لم يجز لأن فيهما حط الضمان وأزيدك توثقا بالضامن وهذا المنع مخصوص بالبيع وقال اللخمي أن محل المنع أن أراد المدين إسقاط الضمان عن نفسه فإن أراد نفع رب الدين جاز كما يجوز أن يعطيه ضامنا بالمؤجل إلى الأجل نفسه لا لأبعد لأن فيه سلفا جر نفعا فهو من باب أما أن يقضيه دينه أو يربي له فيه وهو ممنوع وأنه يجوز ضمان الدين الحال إلى أجل لأنه
стр. 175
كابتداء سلف بضامن فلا يكون فيه سلف جر نفعا وظاهره سواء كان الغريم موسرًا أو معسرًا وقوله
(وما على الحميل غرم ما حمل ... أن مات مضمون ولم يحن أجل)
يعني أن المضمون عنه إذا مات معدمًا قبل حلول أجل الدين فإن الحميل لا يغرم المال حالا بل حتى يحل الأجل أما أن مات مليًا فإن الحق يتعجل من تركته ويبرأ الضامن فإن كان الذي مات قبل حلول الأجل هو الضامن فللطالب تعجيل حقه من تركته ثم لا رجوع لورثته حتى يحل الأجل فإن لم يترك شيئًا فلا تعجيل على المدين ويسقط الضامن من أصله ولا يلزمه الإتيان بضامن آخر وقوله
(ويأخذ الضامن من مضمونه ... ثابت ما أداه من ديونه)
يعني أن الضامن يرجع على المضمون عنه بمثل ما أدى ولو كان مقومًا أن لم يشتره لأنه كالسلف يرجع فيه بالمثل حتى في المقومات فإن اشتراه رجع بثمنه أن لم تظهر منه محاباة إذا ثبت الأداء من الضامن ببينة أو إقرار رب الحق لا بإقرار المدين لأنه لا يخلصه من رب الدين وقوله
(والشاهد العدل لقائم بحث ... إعطاء مطلوب به الضامن حق)
يعني أن من ادعى بحق على إنسان فأنكره فأقام المدعي شاهدًا عدلا بذلك الحق فإن المطلوب حق عليه أن يعطي ضامنًا في ذلك الحق أن طلبه المدعي فإن غفل نبهه الحاكم عليه لأنه من وظيفته وإنما كان إعطاء المطلوب ضامنًا أمرًا وجبا لأن الحكم قد قارب التمام أما بإقامة شاهد ثان أو بالحلف معه فينقطع النزاع وهل الضامن يكون بالمال أو بالوجه فقط وبه العمل قولان والضمير في قوله به عائد على بحث والضامن منصوب على أنه مفعول إعطاء وقوله
(وضامن الوجه على من أنكرا ... دعوى أمري. خشية أن لا يحضرا)
стр. 176
(من بعد تأجيل لهذا المدعي ... بقدر ما استحق فيما يدعي)
(وقيل أن لم يلف من يضمنه ... للخصم لازمه ولا يسجنه)
(وأشهب بضامن الوجه قضى ... عليه حتمًا وبقوله القضا)
الأبيات الأربعة يعني أن من ادعى بحق على آخر فأنكره وليس للمدعي قرينة تدل على صدقة من شاهد ونحوه مما تقدم وزعم أن له بينة على دعواه فإن الحكم في ذلك أن يؤجل القاضي المدعي أجلا بقدر ما يناسبه لإثبات دعواه ويناسب المدعى عليه والقدر المدعى فيه كما تقدم في الآجال مبينًا ثم يأمر المدعي عليه بإعطاء ضامن بالوجه خوفًا من عدم حضوره إذا أتى المدعي ببينته فإن وجد ضامنًا بالوجه فذاك وإن لم يجد من يضمنه فهل يقال للمدعي لازمه ولا يحكم عليه بالسجن حيث كانت الدعوى مجردة وهو مذهب ابن القاسم أو يسجن حيث عجز عن الضامن وهو قول أشهب وبه القضاء قولان وقوله يحضرا بضم الضاد وميم يضمن يجوز فيها الفتح والكسر والجيم من يسجنه بالضم وقوله
(ويبرأ الحميل للوجه متى ... احضر مضمونً لخصم ميتًا)
يعني أن الحميل بالوجه يبرأ من الحمالة بإحضار بينة وفاة المضمون عنه أن مات أو بإحضاره أن كان حيًا ولو معدمًا أو بسجن وفي المواق عند قول صاحب المختصر وبرئ بتسليمه له وإن بسجن ما نصه قال ابن القاسم إذا حبس المحمول بعينه فدفعه الحميل إلى الطالب وهو في السجن برئ الحميل لأن الطالب يقدر على أخذه في السجن ويحبس له بعد تمام ما سجن فيه اهـ وقوله
(وأخروا السائل للإرجاء ... كاليوم عند الحكم بالأداء)
(إن جاء في الحال بضامن وإن ... لم يأت بالحميل بالمال سجن)
يعني أن من ثبت عليه دين ووقع الحكم عليه بأدائه فسأل من الحاكم التأخير لأدائه
стр. 177
فإنه يجيبه إلى سؤال ويؤخره كاليوم ونحوه وله النظر في الزيادة بحسب الحال والمال كما تقدم أن جاء بضامن بالمال أو برهن فإن لم يأت بواحد منها سجن وإنما ذكر الناظم هاته المسئلة التي هي من باب المديان هنا لمناسبتها بمسائل الباب في مطلق الضمان وقوله وأخروا أي الحكام والله أعلم.
باب الوكالة وما يتعلق بها
أي هذا باب في بيان أركان الوكالة وحكمها وبيان ما يتعلق بها من اختلاف الوكيل والموكل وانعزاله وعدم انعزاله ونحو ذلك من لواحق الباب (والوكالة) لغة لها معان منها الشهادة كقول الله ﴿والله على ما نقول وكيل﴾ أي شهيد لأن الشهيد وكيل بمعنى أنه موكول إليه قاله الرازي في سورة يوسف ﵇ (ومنها) الحفظ والكفاية والكفالة وقد فسر بالثلاثة قول الله تعالى ﴿ألا تتخذوا من دوني وكيلا﴾ وفي المصباح وكلت الأمر إليه وكلا من باب وعد ووكولا فوضته إليه واكتفيت به والوكيل فعيل بمعنى مفعول لأنه موكول إليه ويكون بمعنى فاعل إذا كان بمعنى الحافظ ومنه حسبنا الله ونعم الوكيل والجمع وكلاء ووكلته توكيلا فتوكل قبل الوكالة وهي بفتح الواو والكسر لغة وتوكل على الله اعتمد عليه ووثق به واتكل عليه في أمره كذلك والاسم التكلان بضم التاء وتواكل القوم تواكلا اتكل بعضهم على بعض ووكلته إلى نفسه من باب وعد وكولا لم أقم بأمره ولم أعنه انتهى (وشرعًا) عرفها الإمام ابن عرفة بقوله الوكالة نيابة ذي حق غير ذي إمرة ولا عبادة لغيره فيه غير مشروطة بموته فتخرج نيابة إمام الطاعة أميرًا أو قاضيًا أو صاحب صلاة والوصية اهـ أي فكل واحد من الأمير والقاضي وإمام الصلاة والوصي لا يسمى وكيلًا في العرف وبعبارة أخرى فقول الشيخ نيابة ذي حق هو من إضافة المصدر إلى فاعله وقوله ذي حق أخرج به من لا حق له وقوله غير ذي إمرة بكسر الهمزة أخرج به نيابة إمام الطاعة أميرًا أو قاضيًا وقوله ولا عبادة أخرج به إمام الصلاة وقوله غير مشروطة
стр. 178
بموته أخرج به الوصية فالأربعة المذكورة لا يطلق عليها لفظ الوكيل عرفًا وقوله لغيره متعلق بنيابة وكذا فيه وضمير لغيره عائد على صاحب الحق وضمير فيه عائد على الحق قال البناني في حاشيته على الزرقاني والظاهر أن هذا التعريف غير جامع لخروج قسم من أقسام الوكالة وهو توكيل الإمام في حق له قبل شخص فلو أسقط ذي من قوله ذي إمرة وجعل غير نعت لحق لكان شاملا لها تأمل انتهى (والأصل) في مشروعيتها الكتاب قال الله تعالى ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة﴾ الآية وقال تعالى ﴿والعاملين عليها﴾ وقال ﴿اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأتي بصيرًا﴾. والسنة فقد وكل النبي ﷺ أبا رافع على نكاح ميمونة وقد روى جابر بن عبد الله قال أردت الخروج إلى خيبر فأتيت رسول الله ﷺ وقلت له أني أريد الخروج إلى خيبر فقال ائت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته وقد وكل عمرو بن أمية الضمري على عقد نكاح أم حبيبة بنت أبي سفيان عند النجاشي وأم حبيبة ﵂ اسمها كما في تاريخ الطبري رملة بنت أبي سفيان بن حرب وأمها صفية بنت أبي العاص ابن أمية بن عبد شمس عمة عثمان بن عفان تزوجها عبيد الله بن جحش فولدت له حبيبة فكنيت بها وكان عبيد الله بن جحش هاجر بأم حبيبة معه إلى أرض الحبشة ثم مات بها مرتدًا وبقيت أم حبيبة على إسلامها قالت فلما انقضت عدتي جاءتني أبرهة جارية النجاشي وقالت أن الملك يقول لك أن رسول الله ﷺ كتب إلي أن أزوجكه فقلت لها بشرك الله بخير فقالت أن الملك يقول لك وكلي من يزوجك من رسول الله ﷺ فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن هناك من المسلمين فحضروا فخطب النجاشي فقال الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم ﵇ أما بعد فإن رسول الله ﷺ كتب إلي أن أزوجه أم حبيبة
стр. 179
بنت أبي سفيان فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ وقد أصدقتها أربعمائة دينار ثم سكب الدنانير بين يدي القوم فتكلم خالد بن سعيد فقال الحمد لله أحمده وأستعينه وأستنصره وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون أما بعد فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ وزوجته أم حبيبة ابنة أبي سفيان فبارك الله لرسوله ودفع الدنانير إلى خالد بن سعيد فقبضها ثم أرادوا أن يقوموا فقال اجلسوا فإن سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا وإنما أطلت بذكر هاته القصة لما فيها من الفوائد المهمة تاركا لما لا حاجة لنا به منها (وحكم) الشرع فيها لذاتها الجواز ويطرأ لها سائر الأحكام بحسب متعلقها كقضاء دين تعين لا يوصل إليه إلا بها والصدقة والبيع المكروه والحرام ونحو ذلك كما في البناني نقلا عن ابن عرفة. وفي ابن فرحون ولا تجوز الوكالة من المتهم بدعوى الباطل ولا المجادلة عنه قال ابن العربي في أحكام القرآن في قوله تعالى ﴿ولا تكن للخائنين خصيمًا﴾ أن النيابة عن المبطل المتهم لا تجوز بدليل قوله تعالى لرسوله ﵇ ﴿واستغفر الله أن الله كان غفورًا رحيمًا﴾ انتهى. وقال ابن العطار لا يصلح للرجل أن يوكل أباه ليطلب له حقه لأن ذلك استهانة للأب كما في الحطاب (وفيه) أيضا نقلا عن ابن سهل قال محمد بن لبابة كل من ظهر منه عند القاضي لدد وتشعيب في خصومة لا ينبغي أن يقبله في وكالة ولا يحل إدخاله اللدد على المسلمين (وحكمة) مشروعيتها التعاون والتعاضد ولا خفاء في ذلك من المصالح العامة إذ يعجز كل أحد عن تناول أموره إلا بمعونة من غيره أو يترفه فيستنيب من يريحه حتى جاز ذلك في بعض العبادات لطفا منه سبحانه ورفقا بضعفة الخليقة (وأركانها) ثلاثة العاقد والمعقود عليه والصيغة (فالصيغة) لفظ أو ما يقوم مقامه يدل على معنى التوكيل. والمعقود عليه أي الأمر الموكل فيه وهو ما تصح فيه النيابة كالبيع والنكاح والضمان لا ما كان كالصلاة والصيام والإيمان (قال) ابن العربي في أحكام القرآن والوكالة جائزة في كل حق تجوز النيابة فيه
стр. 180
وقد مهدنا ذلك في كتب المسائل تحريره في خمسة وعشرين (الأول) الطهارة وهي عبادة تجوز النيابة منها في صب الماء خاصة على أعضاء الوضوء ولا تجوز على عركها إلا أن يكون المتوضيء مريضًا لا يقدر عليه (الثاني) النجاسة (الثالث) الصلاة ولا تجوز النيابة فيها بحال بإجماع من الأمة وإنما يؤديها المكلف ولو بإشفار عينيه إلا في ركعتي الطواف (الرابع) الزكاة وتجوز النيابة في أخذها وإعطائها (الخامس) الصيام ولا تجوز النيابة فيه بحال إلا عند الشافعي وأحمد وجملة من السلف الأول وقد بيناه في مسائل الخلاف (السادس) الاعتكاف وهو مثله (السابع) الحج (الثامن) البيع وهي المعاوضة وأنواعها (التاسع) الرهن (العاشر) الحجر يصح أن يوكل الحاكم من يحجر وينفذ سائر الأحكام عنه. وكذلك الحوالة والضمان والشركة والإقرار والصلح والعارية فهذه ستة عشر مثالا. وأما الغصب فإن وكل فيه كان الغاصب الوكيل دون الموكل لأن كل محرم فعله لا تجوز النيابة فيه. ويتبع ذلك الشفعة والقرض. ولا يصح التوكيل في اللقطة. وأما قسم الفيء والغنيمة فتصح النيابة فيه. والنكاح وأحكامه تصح النيابة فيه كالطلاق والإيلاء يمين لا وكالة فيه. وأما اللعان فلا تصح الوكالة فيه بحال. وأما الظهار فلا تصح النيابة فيه لأنه منكر من القول وزور ولا يجوز فعله. والخيانات لا يصح التوكيل فيها لهذه العلة من أنها باطل وظلم. ويجوز التوكيل على طلب القصاص. واستيفائه. وكذلك في الدية. ولا وكالة في القسامة لأنها إيمان. ويصح التوكيل في الذكاة. وفي العتق وتوابعه إلا في الاستيلاد فهذه خمسة وعشرون مثالا تكون دستورا لغيرها وإن كان لم يبق بعدها إلا يسير فرع لها انتهى وقال القرافي الأفعال قسمان منها ما يشتمل فعله على مصلحة مع قطع النظر عن فاعله كرد الودائع وقضاء الديون ورد الغصوبات وتفريق الزكوات والكفارات ولحوم انتفاع أهلها بها وذلك حاصل ممن هي عليه لحصولها من نائبه ولذلك لم تشترط النيات في أكثرها (ومنها) ما لا يتضمن مصلحة في نفسه بل
следующие страницы →