Полный текст (760 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
(من بعد تأجيل لهذا المدعي ... بقدر ما استحق فيما يدعي)
(وقيل أن لم يلف من يضمنه ... للخصم لازمه ولا يسجنه)
(وأشهب بضامن الوجه قضى ... عليه حتمًا وبقوله القضا)
الأبيات الأربعة يعني أن من ادعى بحق على آخر فأنكره وليس للمدعي قرينة تدل على صدقة من شاهد ونحوه مما تقدم وزعم أن له بينة على دعواه فإن الحكم في ذلك أن يؤجل القاضي المدعي أجلا بقدر ما يناسبه لإثبات دعواه ويناسب المدعى عليه والقدر المدعى فيه كما تقدم في الآجال مبينًا ثم يأمر المدعي عليه بإعطاء ضامن بالوجه خوفًا من عدم حضوره إذا أتى المدعي ببينته فإن وجد ضامنًا بالوجه فذاك وإن لم يجد من يضمنه فهل يقال للمدعي لازمه ولا يحكم عليه بالسجن حيث كانت الدعوى مجردة وهو مذهب ابن القاسم أو يسجن حيث عجز عن الضامن وهو قول أشهب وبه القضاء قولان وقوله يحضرا بضم الضاد وميم يضمن يجوز فيها الفتح والكسر والجيم من يسجنه بالضم وقوله
(ويبرأ الحميل للوجه متى ... احضر مضمونً لخصم ميتًا)
يعني أن الحميل بالوجه يبرأ من الحمالة بإحضار بينة وفاة المضمون عنه أن مات أو بإحضاره أن كان حيًا ولو معدمًا أو بسجن وفي المواق عند قول صاحب المختصر وبرئ بتسليمه له وإن بسجن ما نصه قال ابن القاسم إذا حبس المحمول بعينه فدفعه الحميل إلى الطالب وهو في السجن برئ الحميل لأن الطالب يقدر على أخذه في السجن ويحبس له بعد تمام ما سجن فيه اهـ وقوله
(وأخروا السائل للإرجاء ... كاليوم عند الحكم بالأداء)
(إن جاء في الحال بضامن وإن ... لم يأت بالحميل بالمال سجن)
يعني أن من ثبت عليه دين ووقع الحكم عليه بأدائه فسأل من الحاكم التأخير لأدائه
стр. 177
فإنه يجيبه إلى سؤال ويؤخره كاليوم ونحوه وله النظر في الزيادة بحسب الحال والمال كما تقدم أن جاء بضامن بالمال أو برهن فإن لم يأت بواحد منها سجن وإنما ذكر الناظم هاته المسئلة التي هي من باب المديان هنا لمناسبتها بمسائل الباب في مطلق الضمان وقوله وأخروا أي الحكام والله أعلم.
باب الوكالة وما يتعلق بها
أي هذا باب في بيان أركان الوكالة وحكمها وبيان ما يتعلق بها من اختلاف الوكيل والموكل وانعزاله وعدم انعزاله ونحو ذلك من لواحق الباب (والوكالة) لغة لها معان منها الشهادة كقول الله ﴿والله على ما نقول وكيل﴾ أي شهيد لأن الشهيد وكيل بمعنى أنه موكول إليه قاله الرازي في سورة يوسف ﵇ (ومنها) الحفظ والكفاية والكفالة وقد فسر بالثلاثة قول الله تعالى ﴿ألا تتخذوا من دوني وكيلا﴾ وفي المصباح وكلت الأمر إليه وكلا من باب وعد ووكولا فوضته إليه واكتفيت به والوكيل فعيل بمعنى مفعول لأنه موكول إليه ويكون بمعنى فاعل إذا كان بمعنى الحافظ ومنه حسبنا الله ونعم الوكيل والجمع وكلاء ووكلته توكيلا فتوكل قبل الوكالة وهي بفتح الواو والكسر لغة وتوكل على الله اعتمد عليه ووثق به واتكل عليه في أمره كذلك والاسم التكلان بضم التاء وتواكل القوم تواكلا اتكل بعضهم على بعض ووكلته إلى نفسه من باب وعد وكولا لم أقم بأمره ولم أعنه انتهى (وشرعًا) عرفها الإمام ابن عرفة بقوله الوكالة نيابة ذي حق غير ذي إمرة ولا عبادة لغيره فيه غير مشروطة بموته فتخرج نيابة إمام الطاعة أميرًا أو قاضيًا أو صاحب صلاة والوصية اهـ أي فكل واحد من الأمير والقاضي وإمام الصلاة والوصي لا يسمى وكيلًا في العرف وبعبارة أخرى فقول الشيخ نيابة ذي حق هو من إضافة المصدر إلى فاعله وقوله ذي حق أخرج به من لا حق له وقوله غير ذي إمرة بكسر الهمزة أخرج به نيابة إمام الطاعة أميرًا أو قاضيًا وقوله ولا عبادة أخرج به إمام الصلاة وقوله غير مشروطة
стр. 178
بموته أخرج به الوصية فالأربعة المذكورة لا يطلق عليها لفظ الوكيل عرفًا وقوله لغيره متعلق بنيابة وكذا فيه وضمير لغيره عائد على صاحب الحق وضمير فيه عائد على الحق قال البناني في حاشيته على الزرقاني والظاهر أن هذا التعريف غير جامع لخروج قسم من أقسام الوكالة وهو توكيل الإمام في حق له قبل شخص فلو أسقط ذي من قوله ذي إمرة وجعل غير نعت لحق لكان شاملا لها تأمل انتهى (والأصل) في مشروعيتها الكتاب قال الله تعالى ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة﴾ الآية وقال تعالى ﴿والعاملين عليها﴾ وقال ﴿اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأتي بصيرًا﴾. والسنة فقد وكل النبي ﷺ أبا رافع على نكاح ميمونة وقد روى جابر بن عبد الله قال أردت الخروج إلى خيبر فأتيت رسول الله ﷺ وقلت له أني أريد الخروج إلى خيبر فقال ائت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته وقد وكل عمرو بن أمية الضمري على عقد نكاح أم حبيبة بنت أبي سفيان عند النجاشي وأم حبيبة ﵂ اسمها كما في تاريخ الطبري رملة بنت أبي سفيان بن حرب وأمها صفية بنت أبي العاص ابن أمية بن عبد شمس عمة عثمان بن عفان تزوجها عبيد الله بن جحش فولدت له حبيبة فكنيت بها وكان عبيد الله بن جحش هاجر بأم حبيبة معه إلى أرض الحبشة ثم مات بها مرتدًا وبقيت أم حبيبة على إسلامها قالت فلما انقضت عدتي جاءتني أبرهة جارية النجاشي وقالت أن الملك يقول لك أن رسول الله ﷺ كتب إلي أن أزوجكه فقلت لها بشرك الله بخير فقالت أن الملك يقول لك وكلي من يزوجك من رسول الله ﷺ فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن هناك من المسلمين فحضروا فخطب النجاشي فقال الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم ﵇ أما بعد فإن رسول الله ﷺ كتب إلي أن أزوجه أم حبيبة
стр. 179
بنت أبي سفيان فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ وقد أصدقتها أربعمائة دينار ثم سكب الدنانير بين يدي القوم فتكلم خالد بن سعيد فقال الحمد لله أحمده وأستعينه وأستنصره وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون أما بعد فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ وزوجته أم حبيبة ابنة أبي سفيان فبارك الله لرسوله ودفع الدنانير إلى خالد بن سعيد فقبضها ثم أرادوا أن يقوموا فقال اجلسوا فإن سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا وإنما أطلت بذكر هاته القصة لما فيها من الفوائد المهمة تاركا لما لا حاجة لنا به منها (وحكم) الشرع فيها لذاتها الجواز ويطرأ لها سائر الأحكام بحسب متعلقها كقضاء دين تعين لا يوصل إليه إلا بها والصدقة والبيع المكروه والحرام ونحو ذلك كما في البناني نقلا عن ابن عرفة. وفي ابن فرحون ولا تجوز الوكالة من المتهم بدعوى الباطل ولا المجادلة عنه قال ابن العربي في أحكام القرآن في قوله تعالى ﴿ولا تكن للخائنين خصيمًا﴾ أن النيابة عن المبطل المتهم لا تجوز بدليل قوله تعالى لرسوله ﵇ ﴿واستغفر الله أن الله كان غفورًا رحيمًا﴾ انتهى. وقال ابن العطار لا يصلح للرجل أن يوكل أباه ليطلب له حقه لأن ذلك استهانة للأب كما في الحطاب (وفيه) أيضا نقلا عن ابن سهل قال محمد بن لبابة كل من ظهر منه عند القاضي لدد وتشعيب في خصومة لا ينبغي أن يقبله في وكالة ولا يحل إدخاله اللدد على المسلمين (وحكمة) مشروعيتها التعاون والتعاضد ولا خفاء في ذلك من المصالح العامة إذ يعجز كل أحد عن تناول أموره إلا بمعونة من غيره أو يترفه فيستنيب من يريحه حتى جاز ذلك في بعض العبادات لطفا منه سبحانه ورفقا بضعفة الخليقة (وأركانها) ثلاثة العاقد والمعقود عليه والصيغة (فالصيغة) لفظ أو ما يقوم مقامه يدل على معنى التوكيل. والمعقود عليه أي الأمر الموكل فيه وهو ما تصح فيه النيابة كالبيع والنكاح والضمان لا ما كان كالصلاة والصيام والإيمان (قال) ابن العربي في أحكام القرآن والوكالة جائزة في كل حق تجوز النيابة فيه
стр. 180
وقد مهدنا ذلك في كتب المسائل تحريره في خمسة وعشرين (الأول) الطهارة وهي عبادة تجوز النيابة منها في صب الماء خاصة على أعضاء الوضوء ولا تجوز على عركها إلا أن يكون المتوضيء مريضًا لا يقدر عليه (الثاني) النجاسة (الثالث) الصلاة ولا تجوز النيابة فيها بحال بإجماع من الأمة وإنما يؤديها المكلف ولو بإشفار عينيه إلا في ركعتي الطواف (الرابع) الزكاة وتجوز النيابة في أخذها وإعطائها (الخامس) الصيام ولا تجوز النيابة فيه بحال إلا عند الشافعي وأحمد وجملة من السلف الأول وقد بيناه في مسائل الخلاف (السادس) الاعتكاف وهو مثله (السابع) الحج (الثامن) البيع وهي المعاوضة وأنواعها (التاسع) الرهن (العاشر) الحجر يصح أن يوكل الحاكم من يحجر وينفذ سائر الأحكام عنه. وكذلك الحوالة والضمان والشركة والإقرار والصلح والعارية فهذه ستة عشر مثالا. وأما الغصب فإن وكل فيه كان الغاصب الوكيل دون الموكل لأن كل محرم فعله لا تجوز النيابة فيه. ويتبع ذلك الشفعة والقرض. ولا يصح التوكيل في اللقطة. وأما قسم الفيء والغنيمة فتصح النيابة فيه. والنكاح وأحكامه تصح النيابة فيه كالطلاق والإيلاء يمين لا وكالة فيه. وأما اللعان فلا تصح الوكالة فيه بحال. وأما الظهار فلا تصح النيابة فيه لأنه منكر من القول وزور ولا يجوز فعله. والخيانات لا يصح التوكيل فيها لهذه العلة من أنها باطل وظلم. ويجوز التوكيل على طلب القصاص. واستيفائه. وكذلك في الدية. ولا وكالة في القسامة لأنها إيمان. ويصح التوكيل في الذكاة. وفي العتق وتوابعه إلا في الاستيلاد فهذه خمسة وعشرون مثالا تكون دستورا لغيرها وإن كان لم يبق بعدها إلا يسير فرع لها انتهى وقال القرافي الأفعال قسمان منها ما يشتمل فعله على مصلحة مع قطع النظر عن فاعله كرد الودائع وقضاء الديون ورد الغصوبات وتفريق الزكوات والكفارات ولحوم انتفاع أهلها بها وذلك حاصل ممن هي عليه لحصولها من نائبه ولذلك لم تشترط النيات في أكثرها (ومنها) ما لا يتضمن مصلحة في نفسه بل
стр. 181
بالنظر إلى فاعله كالصلاة فإن مصلحتها الخشوع والخضوع وإجلال الرب وتعظيمه وذلك إنما يحصل فيها من جهة فاعلها فإذا فعلها غير الإنسان فانت المصلحة التي طلبها صاحب الشرع ولا توصف حينئذ بكونها مشروعة في حقه فلا تجوز النيابة فيها إجماعًا. ومنها قسم متردد بين هذين القسمين فتختلف العلماء ﵏ في أي الشائبتين تغلب عليه كالحج فإن مصالحه تأديب النفس بمفارقة الأوطان وتهذيبها بالخروج عن المعتاد من المخيط وغيره لتذكر المعاد والاندراج في الأكفان وتعظيم شعائر الله في تلك البقاع وإظهار الانقياد من العبد لما لم يعلم حقيقته كرمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة والوقوف على بقعة خاصة دون سائر البقاع وهذه مصالح لا تحصى ولا تصلح إلا للمباشر كالصلاة في حكمها ومصالحها فمن لاحظ هذا المعنى وهو مالك ﵁ ومن وافقه قالوا لا تجوز النيابة في الحج ومن لاحظ الفرق بين الحج والصلاة ومشابهة النسك في المالية فإن الحج والشائبة الأولى أقوى وأظهر وهي التي تحصل في الحج بالذات والمالية إنما حصلت بطريق العرض كما تحصل فيمن احتاج للركوب إلى الجمعات فاكترى لذلك فإن المالية عارضة في الجمعات ولا تصح النيابة فيها إجماعًا فكذلك ينبغي في الحج وهو الأظهر وبه يظهر رجحان مذهب مالك ﵀ على غيره والله سبحانه أعلم اهـ وتعقبه ابن الشاط بوجود الخلاف في الصلاة والصيام أيضا (والعاقد) ويتناول الموكل بكسر الكاف والوكيل وإليهما أشار الناظم مع بيان الحكم بقوله
(يجوز توكيل لمن تصرفا ... في ماله لمن بذاك اتصفا)
يعني أنه يجوز لمن تصرف في ماله وهو البالغ الرشيد أن يوكل مثله بالغا رشيدا على طلب حقوقه واستخلاص ديونه والبيع والابتياع ونحوها من كل ما تصح فيه النيابة شرعا وفهم منه أن المولى عليه لا يوكل ولا يكون وكيلا وهو كذلك لكن جرى العمل بجواز توكيله على طلب حقوقه المالية أما غيرها فهو كالرشيد فيها ولا يمكن
стр. 182
من قبض المال إلا إذا كان نفقة ولا يضمن في عقد توكيله الإقرار وكذا الوصي والمقدم إذا وكل كل واحد منهما في حق المحجور لأن إقراره في الأموال لا يلزم. وكان ابن الهندي عقد وثيقة توكيل وصي عن خجوره وضمن فيه الإقرار على اليتيم وفي أحكام ابن سهل قال ابن عتاب وهو خطأ من ابن الهندي ولا يوكل المحجور إلا في طلب نفقته وفي كسوته وفي ضرر البدن وفي الشروط المشترطة يشير بقوله وفي ضرر البدن وفي الشروط المشترطة إلى مسألة الزوجة المولى عليها فإن وليها لا يقبل الكلام منه مع زوجها إلا بتوكيل منها لأن لها إسقاط ذلك عن زوجها ولا كلام لوليها فيه (وفي) كفاية المبتدي للشيخ إسماعيل التميمي ما نصه وكل فلان السفيه البالغ فلانا على طلب نفقته وكسوته من وصية فلان وعن المحاكمة عنه في ذلك والمخاصمة والإدلاء بالحجة وإقامة البينات وتقييد المقالات وقبض ذلك والأبرأ منه شهد عليه بذلك من أشهده وهو صحيح في عقله وبدنه بحال طوع ورضى وعرفه بتاريخ كذا انتهى (تنبيه) الذي جرى به العمل عدم اشتراط قبول الوكيل الوكالة لأن قيامه بها يدل على رضاه ولو تأخر عن وقت التوكيل ثم قال
(ومنعو التوكيل للذمي ... وليس أن وكل بالمرضي)
يعني أنه لا يجوز لمسلم أن يوكل كافرًا في بيع أو شراء وتقاض لأنه لا يتوقى ما هو حرام من ذلك أما توكيله على الخصام ونحوه فإنه مكروه كما يكره أن يكون مسلم وكيلا لكافر لما فيه من الإهانة بخدمته وهو معنى قوله وليس أن وكل بالمرضي فقوله أن بفتح الهمزة مصدرية وجملة وكل بفتح الواو من الفعل والفاعل صلة أن وهي وما دخلت عليه في تأويل مصدر اسم ليس وخبرها بالمرضي وقوله
(ومن على قبض صبيًا قدمًا ... فقبضه براءة للغرما)
يعني أن البالغ الرشيد إذا وكل صبيا على قبض ماله فقبضه ممن هو عليه فقبضه يكون براءة لذلك الغريم وقوله صبيا مفعول مقدم لقدما وألفه للإطلاق وقوله
стр. 183
(وجاز للمطلوب أن يوكلا ... ومنع سحنون له قد نقلا)
قل المتيطي فإذا أراد الرجل التوكيل جاز ذلك له طالبا كان أو مطلوبا هذا هو القول المشهور الذي جرى عليه العمل وكان سحنون لا يقبل من المطلوب وكيلا إلا من امرأة لا يخرج مثلها أو مريض أو مريد سفر أو من تبين عذره أو من كان في شغل الأمير أو على خطة لا يستطيع مفارقتها كالحجابة وكان يقبل التوكيل من كل طالب انتهى وقال ابن عرفة لا يوكل المطلوب أن ظهر منه اللدد (ولما) كانت الوكالة على نوعين مطلقة ومقيدة شرع في بيانها وبدا بالمطلقة وتسمى الوكالة المفوضة فقال
(وحيثما التوكيل بالإطلاق ... فذلك التفويض باتفاق)
(وليس يمضي غير ما فيه نظر ... إلا بنص في العموم معتبر)
(وذا له تقديم من يراه ... بمثله أو بعض ما اقتضاه)
الأبيات الثلاثة يعني أن التوكيل المفوض هو الذي لم يقيد بشيء كان يقول إنسان لآخر وكلتك أو أنت وكيلي فهو توكيل مفوض في كل شيء فإن لم يطلق بل قيد كقوله وكلت فلانا على بيع كذا أو ابتياع كذا أو على الخصام ونحو ذلك اختص به كما يأتي في النوع الثاني وما درج عليه الناظم من الاكتفاء بوكلتك أو أنت وكيلي بدون ذكر التفويض طريقة ضعيفة فضلا عن كونها متفقا عليها والطريقة الراجحة أن الإطلاق وحده لا يفيد ولا يصح به توكيل بل حتى يذكر التفويض بأن يقول وكلته وكالة مفوضة أو فوضت إليك أموري. وحيث كان الوكيل معزولا عن المصلحة المرجوحة فلا يمضي من فعله إلا ما كان نظرا ومصلحةح وإلا فلا يمضي عليه ما فعله إلا إذا نص له في التوكيل على إمضاء فعله سواء كان نظرا أو غير نظر قال العلماء إلا في أربعة أشياء طلاق وزوجته وإنكاح بكره وبيع عبده أو داره فلا يمضي شيء منها إلا بالتنصيص عليه والمراد بالنظر وغير النظر فيما عند الناس أما السفه فلا يجوز بحال
стр. 184
إذ لا يأذن الشرع فيه ويضمن الوكيل أن وقع وكذلك يجوز له أن يوكل عن موكله غيره بمثل ذلك أو بما يقتضيه نظره من معاني التفويض المذكور وقيل ليس له أن بفعل ذلك إلا بالتنصيص عليه قال ابن ناجي وبه العمل وزادوا عليها فروعا أخر لا بد من التنصيص عليها أيضا وهي حصر الدعوى والإبراء العام والصلح كما في برنامج عظوم وفي الزقاقية
وهل مطلق التوكيل كاف فامضين ... به نظرا كالذ بتفويض انجلا
سوى زوجة دار وبكر وعبده ... أم الحكم بطلان وذا صح فاقبلا
أي ولا تعمل بمطلق التوكيل لأنه باطل وقد نظمت ما الحق بالأربعة المذكورة فقلت
كذلك توكيل وحصر لدعوة ... والإبراء مع صلح فحصلها تفضلا
وقيد بعضهم الدار بالسكنى والذي به العمل العقار مطلقًا كما في ابن ناجي (تنبيه) يمنع معاوضة الوكيل لنفسه للتهمة وبقوله وذا الإشارة راجعة للوكيل المفوض إليه ثم أشار إلى النوع الثاني بقوله
(ومن على مخصص وكل لم ... يقدم إلا أن به الجعل حكم)
يعني أن من وكل على شيء مخصوص كبيع أو خصام لم يجز له أن يوكل غيره على ذلك إلا إذا جعل له موكله توكيل الغير عليه وقوله من شرطية وعلى مخصص بفتح الصاد صفة لموصف محذوف أي شيء مخصص متعلق بوكل بضم أوله مبني للنايب فعل الشرط ولم يقدم بكسر الدال المشدد جواب الشرط وإلا استثنائية وإن شرطية. وبه يتعلق بحكم وضميره يعود على التقديم المفهوم من قوله لم يقدم والجعل بفتح الجيم بمعنى الجاعل أي الموكل فاعل بفعل محذوف يفسره حكم والله تعالى أعلم وقوله
(وما من التوكيل لاثنين فما ... زاد من الممنوع عند العلماء)
يعني أن الفقهاء والقضاة لم يجوزوا للإنسان أن يوكل وكيلين على آخر في نازلة واحدة لما فيه من الضرر على الموكل عليه أما على غير الخصام من بيع ونحوه فله أن يوكل واحد أو أكثر والحكم للسابق في الفعل وقوله
стр. 185
(والنقص للإقرار والإنكار من ... توكيل الاختصام بالرد فمن)
(وحيث الإقرار أتى بمعزل ... عن الخصام فهو غير معمل)
يعني أن توكيل الخصام إذا تجرد عن الإقرار والإنكار فإنه لا يعمل به لنقصه وإن لخصمه أن يلزمه بالتوكيل على هذين الأمرين على المشهور وبه العمل إذا كان الموكل بالغا رشيدًا وقد اشتمل البيت الأول على أن نقص الإقرار والإنكار من وكالة الخصام يوجب رد الوكالة كما قررنا وفهم من قوله توكيل الاختصام أن التوكيل المفوض لا يرد بعدم النص عليهما وهو كذلك كما مر ومعنى البيت الثاني هو أن الوكيل إذا أقر على موكله بما هو خارج عن الخصومة فإن إقراره لا يلزمه موكله وله رده على الصحيح كما في التبصرة وقوله
(ومن على خصومة معينة ... توكيله فالطول لن يوهنه)
يعني أن من وكل على خصومة مخصوصة كقبض إرث من فلان وعلى المخاصمة معه في ذلك وطال الزمن بأن مضى عليه نصف عام فأكثر فيما بين التوكيل والقيام به أو فيما بعد المناشبة وقبل التمام فإن ذلك الطول لا يوهن توكيله ولا يضعفه ولا يسأل من وكله هل هو باق على توكيله أم لا وفهم منه أن المعينة إذا انقضت فليس له أن يخاصم في غيرها وهو كذلك. وقوله ومن على خصومة إلخ من اسم موصول مبتدأ وجعله على خصومة معينة توكيله من المبتدأ والخبر صلة الموصول وجملة فالطول لن يوهنه من المبتدأ والخبر خبر المبتدأ الذي هو من والضمير المستتر في يوهنه يعود على الطول وضميره البارز يعود على التوكيل وأشار إلى مفهوم معينة وهو إذا كانت الوكالة على مخاصمة مبهمة بقوله
(وإن يكن قدم للمخاصمة ... وتم ما أراد مع من خاصمه)
(ورام أن ينشيء أخرى فله ... ذاك إذا أطلق من وكله)
стр. 186
(ولم يجز عليه نصف عام ... من زمن التوكيل للخصام)
الأبيات الثلاثة يعني أن من وكل على خصومة مبهمة بأن قال إنسان لآخر وكلتك على المخاصمة عني من غير تقييد بخصومة معينة كما مر وتم خصامه في نازلة ثم أراد أن يشرع في خصومة أخرى مع الأول أو مع غيره فله ذلك بشرطين أحدهما الإطلاق في الوكالة الثاني أن لا يجوز عليه نصف عام من الفراغ من الأولى لإنشاء الثانية وإلا فليس له ذلك ويجدد توكيله لانعزاله بطول المدة إلا إذا كان توكيله مفوضًا أو فيه الدوام والاستمرار فلا ينعزل حينئذ إلا بالتصريح بالعزل قال التاودي في شرح الزقاقية إذا وكله على الخصومة عند قاض معين فليس له أن يخاصم عند غيره وهذا إذا لم يكن مفوضًا وإلا خاصم من شاء عند من شاء متى شاء ولا مفهوم للخصومة بل الحكم يعمها وغيرها لقول المتيطي في التوكيل على النكاح أن سقط من رسمه دائمة مستمرة وطال أمد التوكيل ستة أشهر سقط إلا بتوكيل ثان. وقول الناظم من زمن التوكيل للخصام الأولى من زمن السكوت ليشمل ما إذا لم يشرع في الخصام أو شرع وسكت وقوله
(وموت من وكل أو وكيل ... يبطل ما كان من التوكيل)
يعني أن موت الموكل أو الوكيل يبطل التوكيل ولا يكون ميراثًا خلافا لبعض العلماء ومحل بطلان الوكالة بموت الموكل إذا لم يشرف الوكيل على تمام الخصومة وإلا أتمها كما في التبصرة فلو زاد الناظم
إلا وكيلا قارب التماما ... للخصم أن يلزمه الخصاما
لوفي بالمسئلة وقوله
(وليس من وكله موكل ... بموت من وكله ينعزل)
(والعزل للوكيل والموكل ... منه يحق بوفاة الأول)
مثال ما اشتمل عليه البيتان إذا وكل زيد عمرًا وجعل له توكيل الغير فوكل عمرو
стр. 187
خالدا لينوب عن موكله زيد فإذا مات عمرو الذي هو واسطة فإن التوكيل لا يبطل وعليه فيبقى خالد على وكالته وإذا مات زيد الذي هو الأول بطل توكيل عمرو وتوكيل خالد وقوله موكل والموكل بفتح الكاف فيهما وضمير منه يعود على الوكيل وقوله
(وما لمن حضر للجدال ... ثلاث مرات من انعزال)
(إلا لعذر مرض أو لسفر ... ومصله موكل ذاك حضر)
يعني أن الوكيل إذا جالس خصم من وكله ثلاث مرات فأكثر ولو في يوم واحد عند القاضي وانعقدت بينهما المقالات فأراد موكله عزله فليس له ذلك إلا برضى خصمه ولا له هو أيضا أن يعزل نفسه لأن خصمه يتضرر بذلك إلا لعذر مرض أو سفر وكذا صاحب الحق إذا حضر للخصام ثلاث مرات وانعقدت بينهما المقالات ثم أراد أن يوكل من يتم عنه الخصومة فليس له أيضا إلا لعذر مرض أو سفر كذلك وبهذا القول العمل وقال بعضهم المرتان كالثلاث وشهر لكن لم يصحبه عمل وقول الناظم ومثله موكل سماه موكلا بكسر الكاف نظرا لإرادته ذلك (قال) ابن فرحون للموكل عزل الوكيل ما لم يناشب الخصومة فإن كان الوكيل قد نازع خصمه وجالسه عند الحاكم ثلاث مرات فأكثر لم يكن له عزله إلا أن يظهر منه غش أو تدخيل في خصومته وميل مع المخاصم له فله عزله وكذلك لو وكله بأجر فظهر غشه كان عيبًا وله أن يفسخ الوكالة ولا يمنع الخصمان من السفر ولا من أراده منهما ويكون له أن يوكل عند ذلك قال ابن العطار ويلزمه في السفر اليمين أنه ما استعمل السفر ليوكل غيره فإن نكل عن اليمين لم يبح له التوكيل إلا أن يشاء خصمه وقال ابن الفخار لا يمين عليه ويكون له أيضا أن يوكل إذا كان خصمه قد أحرجه وشاتمه فحلف أن لا يخاصمه بنفسه قال ابن الفخار فإن حلف أن لا يخاصمه دون عذر يوجب اليمين لم يكن له أن يوكل اهـ قلت وقول ابن القطان بلزوم اليمين وكذا دعوى مرض خفي هو الراجح حيث صدر به ابن فرحون كما رأيت واقتصر عليه صاحب المختصر ومفهوم
стр. 188
قوله ثلاث مرات أن للموكل عزل وكيله قبل الثلاث وهو كذلك أن أشهد به وأشهره عند حاكم ولم يفرط في إعلامه الممكن فإن اختل شرط من هذه الشروط الثلاثة لم ينفعه عزله ويمضي فعله كذا في الزرقاتي وفي ابن فرحون نقلا عن أجوبة ابن رشد أن ما تقيد على الوكيل من الإقرار لازم لموكله إلا أن يكون عزله قبل مناشبة الخصام عزلا أعلن به وأشهد عليه ولم يكن منه تفريط في تأخير إعلامه وأما بعد مناشبة الخصام أو قبله سرا فلا يجوز عزله اهـ وإنما يكون له عزل وكيله قبل الثلاث إذا كان بدون أجر أما إذا كان بأجر فليس له ذلك إلا برضى الوكيل ما لم يظهر منه ميل أو غش كما مر ويثبت عند القاضي فله عزله ويجب على القاضي عدم قبوله وكيل خصام في المستقبل مثل الوكيل الذي يتلدد في الخصام الواجب تأخيره كما تقدم وأنه يجوز للإنسان إذا خاصم بنفسه وقاعد خصمه أقل من ثلاث مرات أن يوكل من يتم عنه الخصومة وقول الناظم ذك الإشارة راجعة إلى قوله ثلاث مرات وهو معمول لحضر مقدم أي حضر ثلاث مرات وقوله
(ومن له موكل وعزلة ... لخصمه أن شاء أن يوكله)
قال الحطاب قال ابن فرحون في تبصرته ومن عزل وكيله فأراد الوكيل أن يتوكل لخصمه فأبى الأول لما اطلع عليه من عوراته ووجوه خصوماته فلا يقبل منه قول ويتوكل له من كتاب الاستغناء اهـ زاد في شرحه على ابن الحاجب وينبغي أن لا يمكن من الوكالة لأنه صار كعدوه ولا يوكل عدو على عدوه اهـ وقوله موكل بفتح الكاف أي وكيل وقوله
(وكل من على مبيع وكلا ... كان له القبض إذا ما أغفلا)
يعني أن من وكل على بيع شيء فباعه فإن له قبض الثمن من المبتاع ولو لم يقع التنصيص على ذكر القبض في الوكالة كما له ذلك إذا نص عليه ومثله من وكل على الشراء فله قبض المبيع فإن لم يفعل حتى تعذر القبض ضمن فيهما وفهم من قوله اغفلا أنه
стр. 189
إذا وقع التنصيص على عدم القبض أو كانت العادة جارية بذلك خصوصًا في المال العظيم لم يكن للوكيل أن يقبض فإن قبضه لم يبرأ الدافع بذلك كما في التبصرة وغيرها وقوله وكلا واغفرا بضم أولهما بالبناء للنائب والفهما للإطلاق وما بعد إذا زائدة وقوله
(وغائب ينوب في القيام ... عنه أب وابن وفي الخصام)
(وجائز إثبات غير الأجنبي ... لمن يغيب واختصامه أبي)
يعني أن الغائب إذا كان له حق عند أحد أو أحدث عليه ضرر في كداره وليس له وكيل يقوم بشأنه فإن لأبيه أو ابنه أن يقوم مقامه ويخاصم عنه في ذلك وأما غير الأب والابن من الأقارب كالأخوة والأعمام وأبنائهم فإنه يمكن من الإثبات لا من الخصومة قال ابن رشد والصواب أن الأب والابن يمكنان من الإثبات والخصومة عن الغائب ومن عداهما من القرابة لا يمكن إلا من الإثبات ولا يمكن من الخصومة وظاهر الروايات أن الأجنبي لا يمكن من شيء انتهى. وفي نوازل البيوع من المعيار نقلا عن اليزناسني ما نصه الذي مضى عليه عمل الموثقين أن القيام بالحسبة في عقار الغائب لا يباح إلا للوالد أو الولد أو الأخ من جميع الجهات فإنه يمكن من الخصومة فإن آل الأمر إلى تعجيز المطلوب أشهد القاضي بما ثبت عنده ويقيد مبلغ نظره ويشهد عليه على مذهب من لا يجيز أن يخرج العقار من يد المطلوب إلى أن يقدم الغائب ويعرف ما عنده إذ لعل الغائب يقر للمطلوب بالملك ونحو ذلك مما ينتفع به المطلوب فهذا هو المعتمد عليه في المسئلة وقد ذكر ابن رشد فيها خمسة أقوال فذكرها ثم قال وما ذكرناه أولا عن الموثقين هو الذي به العمل أن شاء الله تعالى انتهى وأما الجد فداخل في الأب إذ المراد به الجنس فلا يكون أقل درجة من الأخ بل هو أعلى منه في كل موضع وقيل يمكن من ذلك القريب والأجنبي قال التاودي ومحل الخلاف ما لم يتعلق بالقائم عن الغائب ضمان للشيء المدعي فيه كالمرتهن لما يغلب عليه والمستعير أو حق كاستيفاء المرتهن حقه من ذلك العبد أو الدابة واستيفاء الزوجة نفقتها من ثمنها فلها أن تقيم البينة بملكها للغائب وينزعان ممن هما بيده ويباعان في النفقة أو الدين والله أعلم
стр. 190
فصل في تداعي الموكل والوكيل
أي هذا فصل في بيان حكم ما إذا أقر الوكيل بقبض ما وكل على قبضه أو قبض ثمن ما وكل على بيعه ووقع نزاع بينه وبين موكله فادعى الوكيل أنه دفعه له وأنكر الموكل ذلك وزعم أنه لم يدفع له ما وكله عليه ولا شيئًا منه فحكى الناظم في ذلك أربعة أقوال (أحدها) قوله
(وإن وكيل ادعى أقباض من ... وكله ما حاز فهو مؤتمن)
(مع طول مدة وإن يكن مضى ... شهر يصدق مع يمين تقتضى)
(وإن يكن بالفور الإنكار له ... فالقول مع حلف لمن وكله)
يعني أن الموكل والوكيل إذا كان تداعيهما بعد طول المدة كسنة فيما بين قبضه وادعائه الاقباض فالقول قول الوكيل بدون يمين لأنه قام له شاهدان طول المدة والأمانة وإن كان تداعيهما بالقرب كالشهر ونحوه فالقول قوله بيمين لأنه قام له شاهد واحد وهو الأمانة وإن كان تداعيهما بالفور فالقول قول الموكل بيمين وهذا القول لمطرف وقوله يصدق مبني للنائب مجزوم ومع بسكون العين وحلف بفتح الحاء وسكون اللام (ثانيهما) قوله
(وقيل أن القول للوكيل ... مع اليمين دون ما تفصيل)
يعني أن القول قول الوكيل في الرد بيمينه مطلقًا طال الزمن أم لا مات الموكل وزعم أنه دفع له قبل موته أو لم يمت كان مفوضًا إليه أم لا وهذا القول الذي حكاه بقيل هو المشهور ومذهب المدونة فلو قدمه الناظم على بقية الأقوال كما فعل ابن رشد أو اقتصر عليه كما فعل صاحب المختصر لكان أحسن وما بعد دون زائدة (ثالثها) قوله
(وقيل أن أنكر بعد حين ... فهو مصدق بلا يمين)
стр. 191
(وإن يمر الزمن القليل ... فمع يمين قوله مقبول)
يعني أن تداعيهما أن كان بعد طول الزمن فالقول قول الوكيل بلا يمين لأنه مصدق وإن كان ذلك بالقرب كالأيام اليسيرة فالقول قوله مع يمينه وهذا القول لابن الماجشون وابن عبد الحكم فالقول الأول فيه ثلاث مراتب كما علمت وهذا فيه مرتبتان (رابعها) التفرقة بين المفوض إليه وغيره وإليه أشار بقوله
(وقيل بل يختص بالمفوض ... إليه ذا الحكم لفرق مقتضي)
(ومن له وكالة معينة ... يغرم إلا أن يقيم البينة)
يعني أن الحكم المذكور في القول الثالث إنما يتمشى في الوكيل المفوض إليه فإن كان التداعي بعد طول الزمن فهو مصدق بلا يمين وإن كان بالقرب قالقول قوله بيمين أما الوكيل على شيء بعينه فإن قوله غير مقبول ويغرم إلا أن يقيم البينة على الدفع وإن طال الزمن وهذا قول أصبغ بن الفرج هذا كله فيما قبضه الوكيل بغير إشهاد وأما ما قبضه بإشهاد لقصد التوثق فلا يقبل قوله ولا يصدق في دعواه الدفع لموكله إلا بإشهاد. وفي كتاب الفروق (فرق) بين مسئلتين قال مالك إذا دفع رجل إلى رجل مالا وأمره أن يدفعه إلى آخر فادعى أنه دفعه إليه فأنكر المبعوث إليه لم يقبل قول المأمور إلا أن يقيم بينة على الدفع له وإذا ادعى تلف المال قبل قوله وفي كلا الموضعين فهو مدع لإخراج المال من يده الفرق بينهما إنما قبل قوله في دعوى التلف لأنه أمين وليس كذلك الإعطاء لأنه مفرط في الدفع بدون بينة ولأنه مدع لإشغال ذمة غيره وبراءة ذمته فلم يقبل قوله وليس كذلك في التلف لأنه ليس مدعيا لإشغال ذمة غيره فافترقا والله أعلم. ولما فرغ من الكلام على الوكيل بالنص شرع يتكلم على الوكيل بالعادة فقال
(والزوج للزوجة كالموكل ... فيما من القبض لما باعت يلي)
يعني أن الزوج لزوجته كالوكيل مع موكله فإنها إذا باعت شيئًا من أملاكها وقبض
стр. 192
الزوج لها ثمن ما باعته أو قبض لها دينا ثم تنازعا فادعت أنه لم يدفع لها ما قبض لها وادعى هو أنه دفع لها ذلك فتجري في هاته المسئلة الأقوال الأربعة السابقة ولكن الحق أن يقال كما في ابن رحال وهو أنه يجب أن يراعي حال الزوج مع زوجته فإنه إذا كان بينهما مشارة فليس هو كالوكيل والحاصل أن مدار هذه الأمور على العوائد فيراعي عرف كل بلد والقرائن الدالة على التوكيل وعدم ذلك ولا يكفي في هذه المسئلة الإطلاق أنه كوكيل (قلت) ويراعى أيضا الموضع الذي هما فيه فإن كان مما تتمشى فيه الأحكام الشرعية كحاضرة تونس حرسها الله فالقول قول الزوج أو الأخ مع أخته إذا قبض مالها وادعى دفعه لها بيمينه طال الزمن أو لم يطل على القول المشهور من الأقوال المتقدمة وإن كان لا تتمشى فيه الأحكام الشرعية غالبًا خصوصًا إذا كانت عادتهم عدم اعتبار النساء ولا يمكن من حقوقهن كبلدنا توزر فإن القول قول الزوجة أو الأخت طال الرحمن أو لم يطل ولا يبرأ من ذلك إلا بشهادة عادلة هذا كله إذا كانت الوكالة جارية بينهم بالعادة وإلا فالدرك على الغريم كما هو اليوم وقوله كالموكل بفتح الكاف وقوله
(وموت زوج أو وكيل أن عرض ... من غير دفع ما بتحقيق قبض)
(من ماله يأخذ ذاك قائم ... بالفور والعكس لعكس لازم)
يعني أن الزوج إذا قبض ثمن ما باعته زوجته أو قبض دينا لها أو قبض الوكيل ما وكل عليه وثبت القبض وتحقق أما بالشهادة العادلة أو بالاعتراف ثم مات القابض من زوج أو وكيل ولم تتحقق براءة ذمته مما قبض والمرأة أو الموكل يذعيان عدم الدفع فإن كان ذلك بالقرب والحدثان فيما بين القبض والموت فيؤخذ ذلك من أموالهما بعد يمين القضاء أنهما ما قبضا ولا وهبا ولا خرج عن ملكهما بناقل شرعي إلى الآن وإن كان ذلك بعد مدة طويلة تكون قاطعة لدعوى عدم القبض عادة فلا شيء للزوجة ولا للموكل قبل ورثة الزوج أو الوكيل هذا معنى قوله والعكس لعكس لازم أي والعكس وهو عدم الأخذ لازم العكس وهو عروض الموت بعد طول فيما بين زمن
стр. 193
القبض وزمن الموت نعم إذا طلبت الزوجة أو الموكل يمين ورثة الزوج أو الوكيل فلها تحليف من يظن به العلم من البالغين الرشداء فيحلف على نفي العلم لا غير (قال) المهدي قوله وموت زوج أو وكيل أن عرض البيتين انظره هل هذا تقييد لما تقدم من قبول قول الوكيل في الرد مطلقًا من غير تقييد وهو الذي يدل عليه كلامهم هنا أو هذا قول من الأقوال المتقدمة المقابلة للمشهور لم أر من تعرض لذلك انتهى وقوله عرض وقبض مبنيان للفاعل بفتح الراء والباء ودفع مضاف وما اسم موصول مضاف إليه وبتحقيق متعلق بقبض وجملة قبض صلة ما والعائد من الصلة إلى الموصول محذوف تقديره قبضه والضمير المستتر في قبض يعود على الزوج أو الوكيل والله أعلم (ولما) كان من أفراد الوكالة وكالة الخصام ولا يقع الخصام بين المتداعيين إلا مع الإنكار والغالب إذا طال بينهما الخصام فيما تنازعا فيه الرجوع إلى الصلح ناسب أن يكون باب الصلح عقب باب الوكالة فلهذا ذكره عقبة فقال
باب الصلح وما يتعلق به
أي هذا باب في بيان حكم الصلح وبيان ما يقع بين الناس منه في الغالب صحة وفسادا وما ينقض وما لا ينقض (والصلح) والإصلاح والمصالحة لغة قطع المنازعة قال في المصباح مأخوذ من صلح الشيء صلوحًا من باب قعد وصلاحا أيضا وصلح بالضم لغة وهو خلاف فسد وصلح يصلح بفتحتين لغة ثالثة فهو صالح وأصلحته فصلح وأصلح أتى بالصلاح وهو الخير والصواب وفي الأمر مصلحة أي خير والجمع المصالح وصالح صلاحًا من باب قاتل والصلح اسم منه وهو التوفيق ومنه صلح الحديبية وأصلحت بين القوم وفقت وتصالح القوم واصطلحوا وهو صالح للولاية أي له أهلية للقيام بها اهـ وفي مختار الصحاح والصلاح بكسر الصاد مصدر المصالحة والاسم الصلح يذكر ويؤنث وقد اصطلحا وتصالحا وأصالحا بتشديد الصاد والإصلاح ضد الإفساد
стр. 194
والمصلحة واحدة المصالحة اهـ (واصطلاحا) عرفه الإمام ابن عرفة بقوله انتقال عن حق أو دعوى بعوض لرفع نزاع أو خوف وقوعه فقوله رحمه الله تعالى عن حق يدخل فيه صلح الإقرار. وقوله أو دعوى يدخل فيه صلح الإنكار. وقوله بعوض متعلق بانتقال يخرج به الانتقال بغير عوض. وقوله لرفع نزاع أو خوف وقوعه يخرج به الانتقال لا لرفع نزاع ولا لخوف وقوعه كبيع الدين ونحوه من البياعات. ويدخل في قوله أو خوف وقوعه الصلح عن إقرار وإنكار. وفي الرضاع قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن عقاب رحمه الله تعالى وذكر الانتقال فيه إشكال لأنه مسبب عن الصلح لا أنه هو فتأمله والله أعلم (وأركانه) ثلاثة العاقد وهو المصالح ويتناول كل واحد من المتصالحين وشرط صحة عقده التمييز ولزومه التكليف كالبيع. والمعقود عليه ويتناول المصالح به والمصالح عنه بشروطهما الآتية والصيغة أو ما يقوم مقامهما كالمعاطاة (والأصل) في مشروعيته الكتاب قال الله تعالى ﴿فأصلحوا بين أخويكم﴾ وقال تعالى ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾ وقال تعالى ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا إلى قوله فلا جناح عليهما أن يصالحا﴾. والسنة فقد روى أن النبي ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم. وروى أن كعب ابن مالك تقاضى من أبي حدرد دينا له عليه في عهد النبي ﷺ في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما النبي ﷺ وهو في بيته فخرج حتى كشف سجف حجرته فنادى كعب بن مالك فقال يا كعب فقال لبيك يا رسول الله فأشار بيده أن ضع الشطر فقال كعب قد فعلت فقال رسول الله ﷺ قم فاقضه الحديث. وإجماع الأمة على ذلك. وحكمة مشروعيته دفع التشاجر وإصلاح ذات البين بين الناس (وحكم) الشرع فيه الجواز وإليه أشار الناظم رحمه الله تعالى بقوله
(والصلح جائز بالاتفاق ... لكنه ليس على الإطلاق)
стр. 195
يعني أن حكم الصلح الجواز باتفاق العلماء لأنه مشروع لكنه جوازه ليس على إطلاقه بل يجوز ما لم يؤد إلى حرام لقوله ﷺ الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حرامًا والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا وفسر تحليل الحرام بأمثلة منها من صالح على دار ادعاها بخمر أو خنزير أو غير ذلك مما لا تجوز المعاوضة فيه وفسر تحريم الحلال كمن صالح عن سلعة بثوب بشرط أن لا يلبسه ولا يبيعه إلى غير ذلك من وجوه التحجير (قال) ابن عرفة وهو أي الصلح من حيث ذاته مندوب إليه وقد يعرض وجوبه عند تعيين مصلحة وحرمته وكراهته لاستلزامه مفسدة واجبة الدرء أو راجحته كما مر في النكاح للخمي وغيره اهـ فيراد بالجواز في كلام الناظم ما يشمل المندوب والواجب وقد تقدم نحو هذا عند قول الناظم والصلح يستدعي له أن أشكلا. البيتين خ وأمر بالصلح ذوى الفضل والرحم كان خشي تفاقم الأمر انتهى. وخرج بالاستدراك الحرام والمكروه فيفسخ في الحرام ويمضي في المكروه. وقول أصبغ ينفذ الحرام ويمضي مراده بالحرام ما حرم على دعوى إحدهما دون الآخر لا الحرام مطلقًا والمراد بالمكروه ما هو ممنوع على ظاهر الحكم كما يأتي في الصلح على الإنكار وإلى هذا أشار الزقاق بقوله. وإن يقع الصلح الكريه فامضين. ولو حادثا وافسخ حراما وقيل لا. ويكون الصلح في الدماء والفروج كالخلع والأموال وهو دائر فيها بين خمسة أوجه (البيع) أن كانت المعاوضة فيه عن أعيان. والصرف أن كان أحد النقدين عن الآخر. والإجارة أن كانت عن منافع. والإحسان وهو ما يعطيه المصالح من غير إلحاح على وجه الهبة. ودفع الخصومة أن لم يتعين شيء من ذلك فمتى يتعين أحد هذه الأبواب روعيت فيه شروطه للحديث المتقدم. ولما ذكر أنه غير جائز على الإطلاق شرع في بيان وجه ذلك فقال.
(وهو كمثل البيع في الإقرار ... كذاك للجمهور في الإنكار)
стр. 196
يعني أن الصلح على الإقرار وكذلك على الإنكار عند جمهور العلماء حكمه كالبيع فيما يحل ويحرم قال الله تعالى ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا فما جاز في البيع يجوز في الصلح وما لم يجز في البيع لم يجز في الصلح (ثم) أن كان الصلح في الإقرار على أخذ ذات غير المدعى به فهو بيع لذات المدعى به فيشترط فيه شروط البيع من كون كل من المدعى به والمأخوذ عوضًا طاهرًا منتفعًا به مقدورًا على تسليمه معلومًا غير مجهول وانتفاء موانعه كدعواه بعرض أو حيوان أو طعام فأقر به فصالحه على دنانير أو دراهم نقدًا أن كان المدعى فيه في الذمة لئلا يلزم عليه فسخ الدين في الدين (أما) أن كان معينًا فلا يشترط طكون المصالح به نقدًا. وعلى عرض أو طعام مخالف للمصالح عنه نقدًا. وأما لأجل فيمنع لربا النسائ أن كان طعامًا (فإن) اختل شرط من شروط البيع كصلحه على ثوب بشرط أن لا يلبسه أو لا يبيعه على شيء غير منتفع به كالفرس الذي يكلب أو كان غير مقدور على تسليمه كالعبد الآبق والبعير الشارد أو بشيء نجس أو مجهول أو إلى أجل مجهول لم يصح إلا أن المدعى به أن كان مجهولا لا يقدر على الوصول إلى معرفته جاز وإلا فلا كما في الحطاب. وفي المواق قال المتيطي يعقد فيها قام فلان على فلان يزعم أن له حقا لا يعرف قدره ولا مبلغه ثم أن فلان المدعى عليه خشي أن يكون للقائم علقة فيما خلا أو حق فيما سلف وإن كان لا يعرف شيئًا من ذلك فرأى أن يتحلل من دعواه بأن يدفع له كذا فرضي بذلك فلان القائم وقطع حجته وأسقط التبعة اهـ وإن كان الصلح على أخذ منافع فهو إجارة للمصالح به على الذات المدعى بها فيشترط فيها شروط الإجارة كأن يكون المدعى به معينًا كهذه الدابة فيجوز صلحه عنها بمنافع معينة أو مضمونة لعدم فسخ الدين في الدين. وإن كان المدعى به غير معين بأن كان في الذمة كدينار أو ثوب موصوف لم يجز الصلح عليه بمنافع معينة أو مضمونة لأنه فسخ دين في دين بناء على أن قبض الأوائل ليس قبضا للأواخر وهو مذهب ابن القاسم أما على أن قبض الأوائل قبض للأواخر وهو مذهب أشهب فالجواز. وإن كان على أخذ بعض المدعى به فهو إبراء
стр. 197
من البعض المتروك وهل يشترط فيه قبول المدعى عليه والحيازة قبل موت المدعي أو فلسة لأنه هبة أو لا يشترط ذلك لأنه ليس هبة حقيقة وهو المعتمد كما في الدسوقي قولان. وإن كان على الإنكار فيشترط فيه شروط الصلح على الإقرار وثلاثة شروط أخر على مذهب الإمام مالك أن جاز على دعوى المدعي وعلى دعوى المدعى عليه وعلى ظاهر الحكم الشرعي بأن لا تكون هناك تهمة فساد. واعتبر ابن القاسم الشرطين الأولين فقط. واعتبر أصبغ أمرًا واحدًا وهو أن لا تتفق دعواهما على فساد (فمثال) ما توفرت فيه الشروط الثلاثة أن يدعي إنسان على آخر بعشرة حالة فأنكر ثم صالحه عنها بثمانية معجلة أو بعرض حال. ومثال ما يجوز على دعواهما ويمتنع على ظاهر الحكم أن يدعى بمائة درهم حالة فيصالحه على أن يؤخره بها إلى شهر أو على خمسين مؤخرة لشهر فالصلح صحيح على دعوى كل لأن المدعي أخر صاحبه أو أسقط عنه البعض وأخره لشهر والمدعى عليه افتدا من اليمين بما التزم أداءه عند الأجل ولا يجوز على ظاهر الحكم لأنه سلف بمنفعة فالسلف التأخير والمنفعة سقوط اليمين المنقلبة على المدعي عند الإنكار بتقدير نكول المدعى عليه أو حلفه فيسقط جميع الحق المدعى به فهذا ممنوع عند الإمام جائز عند ابن القاسم وأصبغ. ومثال ما يمتنع على دعواهما أن يدعي عليه بدراهم وطعام من يبيع فيعترف بالطعام وينكر الدراهم فيصالحه على طعام مؤجل أكثر من طعامه أو يعترف بالدراهم ويصالحه بدنانير مؤجلة أو بدراهم أكثر من دراهمه فيفسخ لما فيه من السلف بزيادة والصرف المؤخر عند الإمام وابن القاسم وأصبغ لاشتمال هاته الصورة على الأمور الثلاثة لا على الأمرين فقط. ومثال ما يمتنع على دعوى المدعي وحده أن يدعي عليه بعشرة دنانير فينكرها فيصالحه على مائة درهم إلى أجل فهذا يمتنع على دعوى المدعي وحده للصرف المؤخر ويجوز على إنكار المدعى عليه لأنه إنما صالحه على الافتداء من اليمين الواجبة عليه فهذا ممتنع عند مالك وابن القاسم وجائز عند أصبغ إذ لم تتفق دعواهما على فساد. ومثال ما يمتنع على دعوى المدعى عليه وحده أن يدعى إنسان على آخر
стр. 198
بعشرة أرادب قمحًا من قرض وقال المدعى عليه إنما لك علي خمسة من سلم وأراد أن يصالحه على دراهم أو دنانير فهذا جائز على دعوى المدعي لأن طعام القرض يجوز بيعه قبل قبضه ويمتنع على دعوى المدعى عليه لعدم جواز بيع طعام السلم قبل قبضه فهذا ممتنع عند مالك وابن القاسم وأجازه أصبغ كالذي قبله (تنبيه) المراد بظاهر الحكم ما ظهر من الأحكام الشرعية وهي النسب التامة في قولهم تهمة سلف جر نفعًا توجب الحرمة تهمة بيع الطعام قبل قبضه توجب الحرمة والمراد بكون الصلح جائزًا على ما ظهر للعلماء من تلك الأحكام أن يكون ذلك الصلح ليس فيه شيء من تلك الأحكام التي ظهرت لهم؟ ؟ ؟ للمنع لا أن المراد به خطاب الله تعالى المتعلق أفعال المكلفين لأنه لا اطلاع لنا عليه قاله الدسوقي (تتميم) ويجوز الصلح على مقتضى السكوت كان يدعي إنسان على آخر بشيء مبين فيسكت ثم يصالحه على شيء عما يقتضيه السكوت ويترتب عليه من حبس وتعزير حتى يقر المدعى عليه أو ينكر فيعامل بمقتضى كل منهما كما تقدم عند قوله
ومن أبى إقرارا أو إنكار ... لخصمه كلفه إجبارا
على أن يترك الدعوى وهو عند ابن محرز كالإقرار والإنكار فيعتبر فيه الشروط الثلاثة المتقدمة الآتية على مذهب الإمام وإنما جعله مثلهما لأنه يحتملها فأعطي حكمهم فلو ادعي عليه بدينار فسكت فصالحه على درهم مؤخر لم يجزبالنظر لدعوى المدعي وأما بالنظر للمدعى عليه فيجوز لاحتمال إنكاره ولو ادعى عليه بإردب من قرض فسكت فصالحه بدينار لم يجز بالنظر للمدعى عليه لاحتمال إقراره وأنه من بيع (فرع) يجوز الصلح عن دين بما تصح به المعاوضة عن الدين كدعواه عرضا أو حيوانًا أو طعامًا فيصالحه بدنانير أو دراهم أو بهما أو بعرض أو بطعام مخالف للمصالح عنه نقدًا ويمنع بمنافع كسكنى دار أو بمؤخر لئلا يؤدي إلى فسخ دين في دين أو صرف مؤخر لأنه ربا نساء كما لو صالحه عما يدعيه عليه من الدنانير أو الدراهم التي في ذمته من قرض أو من بيع بفضة أو بدنانير مؤجلة أو كان يؤدي إلى
стр. 199
بيع الطعام قبل قبضه كصلحه عن طعام من بيع بدراهم أو غيرها أو يؤدي إلى ضع وتعجيل كصلحه من عشرة دنانير أو دراهم أو أثواب مؤجلة بثمانية نقدا (ثم) شرع في توضيح قوله وهو كمثل البيع في الإقرار البيت فقال
(فجائز في البيع جاز مطلقًا ... فيه وما اتقى بيعا يتقي)
(كالصلح بالفضة أو بالذهب ... تفاضلا أو بتاخر أبي)
يعني أن ما جازت معاوضته في البيع يجوز في الصلح مطلقًا سواء كان عن إقرار أو إنكار أو سكوت فيجوز الصلح عن دين بما يباع به كدعواه عرضًا فيصالحه عنه بدراهم أو دنانير نقدًا كما تقدم بيانه نصا سواء وما امتنعت معاوضته في البيع يمتنع في الصلح فيمتنع بمنافع كسكنى دار لئلا يؤدي إلى فسخ دين في دين كما مر وبفضة عن فضة أكثر منها أو أقل أو ذهب عن ذهب أكثر منه أو أقل ولو مناجزة لأنه يؤدي إلى ربا الفضل وبأحدهما عن الآخر إلى أجل لأنه يؤدي إلى ربا النساء خ وحرم في نقد وطعم ربا فضل ونساء أما لو أخذ فضة عن فضة قدرها أو ذهبا عن ذهب قدره ولو نسيئة فهو جائز لأنه اقتضاء دين لا صلح كما لو أخذ فضة عن ذهب والعكس مناجزة وقوله اتقى ويتقي وأبي الثلاثة مبنية للنائب ومعنى أبي منع وقوله
(والصلح بالمطعوم في المطعوم ... نسيئة رد على العموم)
يعني أن من له طعام على آخر سواء كان من قرض أو وديعة أو هبة فلا يجوز أن يصالحه عليه بطعام آخر إلى أجل لأنه يؤدي إلى ربا النساء وفسخ دين في دين وإن كان من بيع لم يجز الصلح عنه أيضا لا بطعام ولا بغيره لا حال ولا مؤجل لأنه يؤدي إلى بيع الطعام قبل قبضه وفسخ دين في دين وقوله
(والوضع من دين على التعجيل ... أو المزيد فيه للتأجيل)
يعني أنه لا يجوز الصلح على أن يوضع من الدين شيء على تعجيل باقية فهو ممنوع
стр. 200
في باب البيع وكذا في الصلح وكذلك يمتنع تأخير الدين للزيادة فيه ولعله لا فرق بينهما إلا في تسميته بيعا أو صلحا ووجه المنع في المسألة الأولى أن من عجل ما لم يجب عليه يعد مسلفا فقد سلف الآن ثمانية من عشرة عليه إلى شهر مثلا ليقضي من نفسه عشرة عند الأجل فهو سلف جر نفعًا وفي الثانية سلف جر نفعًا ظاهر. وقوله
(والجمع في الصلح لبيع وسلف ... وما أبان غررا بذا اتصف)
يعني أنه كما يمتنع الجمع بين البيع والسلف في باب البيع على مذهب ابن القاسم يمتنع في باب الصلح فمن كان له على غريمه دينار وهو مقر به أو منكر فيصطلحان على أن يأخذ رب الدين من غريمه عرضا بنصف دينار والنصف الآخر يؤخره به إلى أجل فقد اجتمع فيه البيع والسلف لأن العرض مبيع بنصف الدينار والنصف الآخر منه سلف إلى الأجل الذي أخره إليه. وقوله وما أبان غررًا بذا اتصف يعني لا يجوز الصلح بما فيه غرر كالعبد الآبق والبعير الشارد لعدم جوازه في البيع كما مر وقوله بذا الإشارة راجعة إلى الحكم السابق وهو المنع أي والصلح الذي أظهر غررا اتصف بالمنع كالبيع وقوله
(والصلح بالطعام قبل القبض ... من ذمة فذاك غير مرضي)
(وإن يكن يقبض من أمانة ... فحالة الجواز مستبانة)
يعني كما لا يجوز بيع الطعام قبل قبضه من بيع كذلك لا يجوز الصلح به قبل قبضه من ذمة من هو في ذمته أن كان من بيع أما أن كان الطعام المصالح به قبل قبضه من قرض أو هبة ونحوهما فالصلح به جائز كبيعه وقوله من ذمة قال أبو البقاء صوابه والصلح بالطعام قبل القبض من ذمة ما لم يكن من قرض ولهذا قال التاودي وقوله من ذمة صوابه من بيع لأن محترزه طعام القرض وهو في الذمة أيضا لا طعام
стр. 201
الأمانة فقط كما عبر به في مفهومه إذ قال وإن يكن يقبض من أمانة البيت وقوله (فصل) أي هذا فصل في مسائل من الصلح وقوله
(وللأب الصلح عن المحجور ... ولو بدون حقه المأثور)
(إن خشي الفوت على جميع ما ... هو به يطلب من قد خصما)
(والبكر وحدها تخص هاهنا ... بعفوه عن مهرها قبل البنا)
يعني أنه يجوز للأب الصلح عن ولده الذي تحت حجره وفي ولايته ذكرًا كان أو أنثى بقدر حقه الذي يصير إليه بعد الخصام أو بأقل منه أن خشي فوات جميع الحق بتجريح بينته أو بكثرة مصاريف الخصم فيكون الصلح ببعضه أولى من فوت جميعه أو فوت أكثر من القدر الذي يصالح به أما الحق الثابت الذي لا خصام فيه ولا يخشى عليه الضياع فلا يجوز فيه الصلح عنه بأقل من حقه إذ لا نظر فيه ولا مصلحة فإن فعل رده القاضي واستوفى له حقه ولا يترك وتركه من التضييع فإن غفل عليه حتى رشد المولى عليه كان له القيام على الغريم إلا البكر فإنها اختصت من سائر أخوتها المولى عليهم بأنه يجوز لأبيها العفو عن نصف صداقها أن طلقها زوجها قبل البناء لقول الله تعالى ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح الآية والذي بيده عقدة النكاح عندنا الأب وكذا قبل الطلاق إذا كان مصلحة لا بعد البناء ولو سفيهة ولا بعد موت الزوج قبل البناء أو بعده فلا يجوز العفو (تنبيه) كما يجوز للأب الصلح عن محجوره إذا كان طالبًا يجوز صلحه عنه إذا كان مطلوبًا وهو من باب أولى كل ذلك مع عدم الغبن والضرر وإلا فلا يجوز كالوصي إذ لا فرق بينهما على التحقيق والله أعلم وقوله
(وللوصي الصلح عمن قد حجر ... يجوز إلا مع غبن أو ضرر)
يعني أنه يجوز للوصي أن يصالح عن محجوره طالبًا كان أو مطلوبًا إذا كان في صلحه
стр. 202
سداد ونظر أما أن كان فيه غبن أو ضرر عليه في حقه فإنه لا يجوز وينقض أن وقع كما مر في صلح الأب وحاصل فقه المسئلة في الصلح عن المحجور أن المحجور لا يخلو أما أن يكون طالبًا أو مطلوبًا وفي كل ثلاثة أقسم فإن كان طالبًا والحق ثابت لم يجز الصلح عنه باتفاق وإن كان الحق غير ثابت ولا يرجى له ثبوت فالصلح جائز وإن كان الحق غير ثابت في الحال ولكن يرجى ثبوته في المثال فالصلح ممنوع وأما أن كان المحجور مطلوبًا فإن كان الحق الذي يطالب به غير ثابت ولا مرجو الثبوت لم يجز الصلح بحال وإن كان الحق ثابتًا جاز الصلح بمثله فأقل وإن كان يخشى ثبوته فقولان والمعتمد منهما الجواز كما في التسولي وغيره (فرع) وفي المعيار سئل ابن الفخار عن صلح الوصي عن الأيتام في يمين القضاء فأجاب لا يجوز حتى يرى أنه يحلف وإلا لم يجز وتعرف عزيمته بقرائن الأحوال انتهى وتقدم هذا في باب اليمين وقوله. وللوصي متعلق بيجوز وقوله
(ولا يجوز نقص صلح أبرما ... وإن تراضيا وجبرا ألزما)
يعني أن الصلح إذا وقع بين متخاصمين على وجه جائز ثم أراد أحدهما نقضه والرجوع إلى ما كانا عليه من الخصام فإنه لا يجوز وإن وافقه الآخر على ذلك وتراضيا عليه لأنه انتقال من معلوم إلى مجهول وهو ممنوع لما فيه من المخاطرة هذا إذا وقع عن إنكار بدليل التعليل أما إذا وقع عن إقرار فإنه يجوز نقضه بتراضيهما لأنه إقالة منه واحترزت بقولي على وجه جائز عما إذا وقع على وجه فاسد متفق على فساده فإنه ينتقض ولو تراضيا على عدم نقضه وفي نقض الصلح المختلف فيه وهو المشهور وعدم نقضه وبه العمل قولان تقدمت الإشارة إليهما بكلام الزقاق وكلام التسولي هنا لا يعول عليه كما في حاشية المهدي (ولما) كان المصالح به لا يحل أخذه للظالم من المتصالحين فيما بينه وبين الله تعالى بل ذمته مشغولة للمظلوم منهما ولو حكم به حاكم لأن حكم الحاكم لا يحل الحرام سواء كان مأخوذًا أو متروكًا فإن كان الظالم
стр. 203
هو المدعي حرم عليه الشيء المأخوذ وإن كان الظالم هو المدعى عليه حرم عليه الشيء المتروك فرع الفقهاء رضي الله تعالى عنهم على هذا فروعًا ثمانية منهم ما يسوغ للمظلوم نقض الصلح فيها ومنها ما لا يسوغ له ذلك أشار الناظم إلى فرع منها بقوله
(وينقض الواقع في الإنكار ... أن عاد منكر إلى الإقرار)
يعني أن الظالم إذا أقر ببطلان دعواه بعد وقوع الصلح فإن للمظلوم نقضه بلا خلاف ولو أسقط في عقد الصلح البينات لأنه كالمغلوب على الصلح بالإنكار وإن شاء أمضاه وضمان ما قبض كل منهما من قابضه (الثاني) أن تشهد بينة للمظلوم على الظالم لم يعلمها المظلوم عند الصلح ولابد من حلفه على عدم العلم (الثالث) من صالح وله بينة غائبة يعلمها وهي بعيدة جدًا كخراسان من إفريقية وأشهد أنه يقوم بها أعلن بالإشهاد عند الحاكم أو لم يعلن بها كما يأتي في الفرع الخامس (الرابع) من صالح لعدم وثيقته ثم وجدها بعد الصلح على الإنكار وقد أشهد أنه يقوم بها أن وجدها فله نقض الصلح إذا وجدها كما إذا نسيها حال الصلح ثم تذكرها فإنه يحلف ويقوم بها (الخامس) من ادعى عليه شخص بشيء معلوم فأنكره فاشهد المدعي سرًا أن بينته غائبة بعيدة الغيبة وأنه إنما يصالح لأجل بعد غيبة بينته وإنه يقوم بها أن قدمت والحال أنه لم يعلن بالإشهاد عند الحاكم ثم صالحه ثم قدمت بينته فله القيام بها كمن أشهد وأعلن (السادس) أن يكون المدعى عليه يقر بلحق سرا ويجحده علانية فاشهد المدعى ببينة على جحده علانية ثم صالحه على التأخير أو إسقاط بعض الحق ونحوهما وأشهد بينة لم يعلم بها المدعى عليه على أنه غير ملتزم للتأخير أو الإسقاط وإنما فعل ذلك الصلح ليقر له علانية فإنه يعمل بذلك وينفعه وشرط هذا الإيداع ويعبر عنه بالاسترعاء والاستحفاظ تقدمه على الصلح ولو بساعة ولهذا ينبغي أن يؤرخ بوقت كذا لا باليوم إذ قد يقع الصلح في ذلك اليوم فلا ينتفع به إذ لا يعلم أيهما قبل صاحبه وثبوت إنكار المدعى عليه ورجوعه بعد الصلح إلى الإقرار وثبوت خوف المشهد
стр. 204
المسترعي من نحو ظالم وإلا لم يفده ذلك إلا في التبرعات فلا يشترط فيها إثبات التقية على المشهور. وأما ما لا ينقض فيه ففرعان (الأول) من ادعى على رجل بدين فأنكره ثم صالحه عليه وهو عالم ببينته ولم يشهد بأنه يقوم بها فإنه لا قيام له بها ولا ينقض صلحه سواء كانت بينته حاضره أو غائبة غيبة قريبة أو بعيدة لا جدا ولو لم يصرح بإسقاطها لأن إعراضه عنها يعد منه إسقاط لها فلو أشهد فالحكم ما تقدم (الثاني) من ادعى على شخص بحق فأقر له به غير أن المدعى عليه قال للمدعى احضر بينتك التي فيها حقك وامحها أو مزقها وخذ ما فيها فقال ضاعت مني وأنا أصالحك فصالحه ثم وجد الوثيقة بعد ذلك فإنه لا قيام له بها ولا ينقض الصلح والفرق بين هذا وبين ما سبق وهو أنه إذا وجد وثيقته بعده فله نقضه هو أن الغريم في هذا يقر بالحق وما سبق الغريم فيه منكر للحق والحال أن صاحب الدين قد أشهد كما مر (تنبيهان) الأول قول العوام أن صلح المنكر إثبات لحق الطالب جهل منهم وإنما له القيام ببينة تعرف أصل حقه قاله صاحب اختصار المتيطية (الثاني) قال التاودي على قول الزقاق كذلك الاستحفاظ فاترك ما نصه أي لما يلحق الشاهد من الضرر من المشهود عليه لأن الاستحفاظ وهو الاسترعاء أيضا ويسمى إيداع الشهادة إنما يكون في الغالب على الظالم خوفًا من سطوته أو من القاضي لما ذكروه من أنه لا يكتب إلا عن إذن القاضي فيسجل عليه أو يكتب بخطه أذنت للعدلين فلان وفلان أن يكتبا الاسترعاء لفلان وفي مجالس المكناسي أن القاضي ينهى عنه لأنه خدعة ولا يضبط معه عقد وأكثر ما يفعله أهل الحيل وينفع في التبرعات مطلقًا والأصل فيه ما في المستخرجة أن مالكًا سئل عن الرجل يهرب عبده لدار الحرب فيكتب له اخرج وأنت حر بعد أن يشهد أنه غير ملتزم لعتقه قال مالك لا يلزمه العتق والعبد رقيق وسئل سحنون عن رجل طلب منه السلطان عبده ليشتريه منه فاعتقه أو دبره وقال إنما فعل ذلك خوفًا من السلطان قال لا يلزمه شيء من ذلك قال ابن سهل وكل ما استرعى فيه من عتق أو طلاق أو حبس نفعه قال ويصدق المشهد فيما يذكره من التوقع ولو لم يعرف إلا من قوله وأما المعاوضات فلا بد فيها
стр. 205
من ثبوت التقية والقيام بها بعد زوالها بالفورية وقال سحنون في الذي يقر سرًا ويجحد علانية فيقول أخرني وأقر فاشهد المدعي في السر أنه إنما يصالحه لأجل إنكاره وإذا وجد بينة قام قال لا يلزمه الصلح أن ثبت جحد وثبت أصل الحق والظالم أحق بالحمل عليه هـ وصوبه ابن يونس وإذا ثبتت الاستطالة والقهر كان للبائع وغيره القيام لو لم يسترع وإذا زوجه خوفا منه واسترعى بذلك وأنه لو لم يزوجه لاحتازها من غير نكاح فالنكاح مفسوخ أبدا قاله ابن الماجشون وغيره وكذلك التي تخالع ثم تثبت الضرر أن استرعت اتفاقًا وكذلك لو لم تسترع خ ولا يضرها إسقاط البينة المسترعاة على الأصح فإن صالح أسقط في عقد الصلح الاسترعاء وكان قد استرعى واسترعى في الاسترعاء قام بالاسترعاء في الاسترعاء فإن أسقط الاسترعاء والاسترعاء في الاسترعاء فلا قيام له ولو استرعى فيه إذ لا استرعاء في الاسترعاء على الصحيح فما يكتب من قولهم ما تكرر وتناهى لا طائل تحته وأحسن من ذلك كله كما في ابن غازي عن المتيطي أن يقول كل بينة تقوم له بالاسترعاء فهي سقاطة كاذبة وإقراره أيضا أنه لم يسترع ولا وقع بينه وبينه شيء يوجب الاسترعاء فإن ذلك يسقط ويخرج به من الخلاف لأنه يصير مكذبا للبينة ومبطلا لها وهو من دقيق الفقة اهـ ويؤرخ فيه بالساعة ليعلم تقدمه ابن الهندي فإن كان تاريخ الاسترعاء والحبس واحدًا لم يضر ذلك وتقدمه أتم (فائدة) يطلق الاسترعاء بمعنى الاستحفاظ كما تقدم ويطلق على ما قابل شهادة الأصل لأن التوثيق بأسره ينقسم إلى قسمين أصل واسترعاء فالأصل ما يمليه المشهود عليه على الشاهد كإشهاد المتعاقدين بالبيع أو النكاح أو غيرهما والاسترعاء شهادة الشاهد بما في علمه من عسر أو يسر أو حرية أو رق أو ملك أو غير ذلك اهـ وقد تقدم هذا في باب الشهادات وقوله
(والتركات ما تكون الصلح ... مع علم مقدرًا لها يصح)
стр. 206
يعني أن الصلح يصح بين الورثة في التركات التي توجد مخالفة عن مورثهم سواء كانت عينا أو عرضا أو حيوانا أو ملفقة من البعض أو الكل أو غير ذلك بشرط علم كل واحد من الورثة قدر منابه منها وسواء وقع التنصيص عليها في الوثيقة أو لم يقع فإن لم يعلم ما ينوبه منها لم يجز لما تقدم من أن الصلح كالبيع وبيع المجهول لا يجوز فكذلك الصلح على مجهول لا يجوز وقوله ما بمعنى التي وتكون أي توجد وقوله
(ولا يجوز الصلح باقتسام ما ... في ذمة وإن أقر الغرما)
يعني أن التركة إذا كان فيها ديون على أناس فلا يجوز للورثة أن يقتسموا تلك الديون بأن يستولى واحد غريما وآخر غريما آخر وهكذا ولو أقر الغرماء بالدين بل تبقى الديون على حالها بينهم فمتى اقتضوا منها شيئًا اقتسموه ولا تقسم الذمم لورود النهي عن الذمة بالذمة وقوله
(والزرع قبل ذروه والثمر ... ما دام مبقى في رؤس الشجر)
يعني أنه لا يجوز الصلح على قسم الزرع قبل ذروه والثمر في رؤس الشجر قبل جذاذه تحريا لما فيه من الغرر والمخاطرة من غير ضرورة تدعو إلى ذلك ولأنهما ربويان والشك في التماثل كالتحقق في التفاضل بل حتى يصفى الزرع ويجذ الثمر فيقسم كل بمعياره فإن اقتسموه جهلا منهم لم يصح وكان على الشركة وما أصابه من جائحة ونحوها فبينهم وقوله والزرع بالجر عطف على ما أي لا يجوز الصلح ولا يصح باقتسام ما في ذمة ولا باقتسام الزرع وقوله
(ولا بإعطاء من الوارث ... للعين في الكالئي والميراث)
(وحيث لا عين ولا دين ولا ... كالئي ساغ ما من إرث بذلا)
يعني أنه لا يجوز للورثة أن يصطلحوا مع زوجة الهالك على أن يعطوها عينا في مقابلة
стр. 207
كالئي صداقها وميراثها من زوجها للجهل بباقي التركة بعد بيع ما يقضى به الدين منها لأن الدين مقدم على الميراث ومحل المنع أن كان المصالح به أكثر من صداقها أما أن كان قدره أو أقل جاز لأنها لما أخذت قدر صداقها فأقل فكأنها أخذت صداقها أو بعضه ووهبت ميراثها ولا إشكال في الجواز قاله أبو الحسن فإن لم يكن في التركة عين ولا دين ولا كالئي على الهالك لزوجته فإنه يجوز لهم أن يصالحوها بدنانير أو دراهم أو غير ذلك كان ذلك القدر المبذول قدر ميراثها أو أقل أو أكثر بشرط علم مقدارها من ذلك وقوله ما من إرث ما فاعل بساغ ومن إرث بيان لما ومتعلق ببذلا وجملة بذلا صلة ما (تنبيه) من ادعى الجهل بعد اعترافه بالمعرفة هل يقبل قوله إذا كان من شأنه ذلك كالمرأة التي لا تخرج بعد يمينه وهو ما ذهب إليه ابن رشد وغيره أولا يقبل قوله عملا بإقراره وهو ما ذهب إليه ابن العطار قولان وبالأول العمل وقوله
(وإن يفت ما الصالح فيه يطلب ... لم يجز إلا مع قبض يجب)
يعني أن من ادعى على أخر بأنه غصبه حيوانًا أو ثوبًا مثلا وفات ذلك بيد المدعى عليه بموت أو تغيير يوجب عليه القيمة وأرادا أن يتصالحا على ذلك فإنه لا يجوز الصلح عنه إلا بمعجل لأنه بنفس الفوات وجبت عليه القيمة فلا تفسخ في مؤخر وفهم منه أنه إذا كان قائما جاز أن يتصالحا عليه بمعجل وبمؤجل وهو كذلك كالبيع وهو يجوز بالمعجل وبالمؤجل وقوله
(وجائز تحلل فيما ادعي ... ولم تقم بينة للمدعي)
هو معنى قول المدونة وإن صالح رجل رجلا في حق ادعاه عليه في داره ولم يسمه فإن عرفاه جميعًا أو جهلاه جميعًا جاز وإن جهله أحدهما لم يجز انتهى وفي المتيطية في الصلح على دعوى مجهولة يعقد فيها قام فلان على فلان يزعم أن له قبله حقا لا يعرف قدره ولا مبلغه ثم أن فلانا المدى عليه خشي أن يكون للقائم علقة فيما خلا أو حق
стр. 208
فيما سلف وإن كان لا يعرف شيئًا من ذلك فرأى أن يتحلل من دعواه بأن يدفع له كذا فرضي بذلك فلأن القائم وقطع حجته وأسقط التبعة وقد تقدم ويحتمل كلام الناظم معنى آخر وهو أنه يجوز الصلح على الافتداء عن يمين توجهت على المدعى عليه ولو علم براءة نفسه وقيل أن علم براءة نفسه وجبت اليمين ولا يجوز له أن يصالح لأربعة أمور إذلال نفسه وقد قالرسول الله ﷺ من أذل نفسه أذله الله. وإضاعة المال. وإغراء الغير. وإطعام ما لا يحل. ورده الغبريني نقلا ومعنى أما نقلا فلان عثمان بن عفان صالح عن يمينه وأبا بكر وعمر حلفا فلأمر أن جائز أن وأما معنى فلان ما استدل به لا ينهض لأن في صلحه إعزاز نفسه لأن الخصومات مرجوحة ولاسيما كثرتها ولم يضيع ماله بل ادخره عنده وكونه أطعمه مالا حرامًا وجرأه على الغير ليس باختياره وإنما هو مضطر لذلك وظلم هو نفسه قال الله تعالى ﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير حق﴾ (قلت) وحمله على كلام المدونة أظهر كما في الشارحين خلافا للتاودي لأن اليمين ليست هي المدعى بها وإنما اليمين تكون لازمة عند عدم البينة كما هو الفرض كذا في حاشية المهدي عليه وقوله ولم تقم الواو للحال وقوله
(والصلح بالكالئي حيث حلا ... بالصرف للعين لزوج حلا)
يعني أنه يجوز للزوج أن يصالح عن كالئي زوجته الذي في ذمته إذا حل أجله بدراهم عن دنانير أو العكس وسواء كان مقرًا أو منكرًا فإن كان مؤخرًا منع وكذا إذا ادعى عدم حلوله وادعت حلوله لأنه صرف مستأخر وقال أصبغ في الأخير يجوز لأنهما لم يتفقا على فساد (فرع) وفي لب اللباب ولو وقع الصلح على أن يرتحل القاتل من بلد الأولياء فقيل الصلح ينتقض ولصاحب الدم أن يقوم بالقصاص وقيل يجوز ويحكم على القاتل بأن لا يساكنهم أبدا كما شرطوه وهذا هو المشهور المعمول به فإن لم يغب أو غاب ثم عاد وكان الدم قد ثبت فلهم القود والدية وإن لم يثبت كانوا على
стр. 209
حجتهم انتهى (فرع) وفي الرابع من الأجوبة للشيخ عظوم القيرواني يضح الصلح في الحبس كما في ابن عبد الغفور وغيره أن من ادعى عليه في حبس فصالح فيه ثم أراد الرجوع في الصلح لم يكن له ذلك ولو شاء لاستثبت قبل الصلح اهـ. وفي إحباس المعيار وسئل عمن توفي وخلف أرضا وعقارا وادعى عليه بدين فبيع ذلك واشترى وقضي عنه دينه ثم حبس فقام قائم وادعى أن ما بيع وحبس على قوم معينين وعلى أعقابهم ماله وملك له وليس للمالك فيه شيء فترافع القائم والمحبس عليهم إلى من له النظر في الأحكام الشرعية فطال خصامهم ثم صولح بينهم بأن أخذ القائم مما ادعاه مالا وملكا له مقدار ثلاثة أرباع الحبس المذكور وسلم للمحبس عليهم مقدار الربع من ذلك فهل يا سيدي ما تسلم فيه القائم يبقى على حكم الحبس وحرمته من عدم التصرف فيه بالبيع والهبة وغير ذلك أم لا ويبطل حكم الحبس فيما بقي بينوا لنا ذلك بيانًا شافيًا فأجاب الجواب أن ما أخذه القائم بملكية الأملاك المحبسة في الصلح على دعواه يكون مطلقًا وملكًا للقائم على حسب دعواه وأما ما أخذه المعترفون بالحبس في الأملاك المذكورة المقوم عليهام في صلحهم المذكور فإنه يكون حبسا لا مطلقا حسبما اقتضت ذلك دعواهم وأوجبه اعترافهم فلا يرفع ما أوجبه اعترافهم وحكم به إقرارهم قيام القائم المذكور والله سبحانه أعلم وقد نبه الموثقون على الحكم في المسألة حيث تكلموا على وثيقة الصلح في الحبس من كتاب الأحباس والله تعالى أعلم انتهى وقد تم ما أردت الكتابة عليه من أول الرجز إلى باب النكاح بحمد لله تعالى في غرة شوال المبارك من عام ثلاثة وثلاثين وثلاثمائة وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى تحية صح من مؤلفه عثمان بن المكي وفقه الله آمين
стр. 210
الحمد لله على أفضاله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحابته والناسجين على منواله هذا وأن النظارة العلمية قد اطلعت على ما كتبه الفاضل للزكي العالم المدرس الشيخ السيد عثمان ابن المكي على رجز ابن عاصم المسمى بتحفة الحكام من أوله إلى باب النكاح فألفته حسنا في بابه نافعا لراغبيه وطلابه فلذا شكرت مؤلفه على حسن صنعه وأذنت له في نشره وطبعه رجاء لتعميم نفعه وكتب بالنظارة العلمية بالجامع الأعظم أدام الله عمرانه في يوم السبت ١٥ من ربيع الثاني سنة ١٣٣٤ وفي ١٩ فيفري سنة ١٩١٦ صح أحمد الشريف. صح محمد بن القاضي. صح محمد الطاهر بن عاشور
تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله باب النكاح
стр. 211
لمالكه السعادة والسلامة ... وطول العمر ما غنت حمامة
وعز دائم لا ذل فيه ... يصاحبه إلى يوم القيامة
الجزء الثاني من
توضيح الأحكام على تحفة الحكام
تأليف
العلامة النحرير والدراكة الشهير الشيخ سيدي
عثمان بن المكي التوزري الزبيدي أحد أعيان المدرسين من الطبقة العليا بجامع الزيتونة الأعظم بتونس عمره بدوام ذكره
آمين
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
طبعة أولى
بالمطبعة التونسية- نهج سوق البلاط عدد ٥٧ - تونس
سنة ١٣٣٩
стр. 212
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ولما فرغ الناظم من الكلام على الصلح ناسب أن يذكر النكاح عقيه لورود الصلح فيه بين الزوجين عند التنازع في دعوى الضرر فقال
باب في النكاح وما يتعلق به
أي هذا باب في بيان حكم النكاح وأركانه وما يتعلق به من المسائل إذ النكاح على شطرين أركان ولواحق وهي المسائل التابعة له كترتيب الأولياء ومن له الإجبار منهم والصحة والفساد وتنازع الزوجين إلى غير ذلك كما ستعرفه إن شاء الله تعالى (واعلم) أن مباحث هذا الباب التي سيقع الكلام عليها ستة (الأول) في معنى النكاح لغة واصطلاحًا (الثاني) في مشروعيته (الثالث) في حكمته (الرابع) في حكمه (الخامس) في أركانه (السادس) في اللواحق (فأما) معناه لغة فقال صاحب المصباح نكح الرجل والمرأة أيضًا ينكح من باب ضرب نكاحًا قال ابن فارس وغيره يطلق على
стр. 213
الوطء وعلى العقد دون الوطء. وقال ابن الغويطة أيضًا نطحتها تزوجتها. ويقال للمرأة حللت فانكحي بهمزة وصل أي فتزوجي وامرأة ناكح ذات زوج واستنكح بمعنى نكح ويتعدى بالهمزة إلى آخر فيقال أنكحت الرجل المرأة يقال مأخوذ من نكحه الدواء إذا خامره وغلبه أو من تناكح الأشجار إذا انضم بعضها إلى بعض أو من نكح المطر الأرض إذا اختلط بثراها وعلى هذا فيكون النكاح مجازًا في العقد والوطء جميعًا لأنه مأخوذ من غيره فلا يستقبح القول بأنه حقيقة لا فيهما ولا في أحدهما. ويؤيده أنه لا يفهم العقد إلا بقرينة نحو نكح في بني فلان ولا يفهم الوطء إلا بقرينة نحو نكح زوجته وذلك من علامات المجاز وإن قيل غير مأخوذ من شيء يترجح الاشتراك لأنه لا يفهم واحد من قسيميه إلا بقرينة اهـ (وقال) الفراء العرب تقول نكح المرأة بضم النون بضعها وهو كناية عن الفرج فإذا قالوا نكحها فمعناه أصاب نكحها وهو فرجها وقد يقال ناكحها وباضعها هذا ما حكاه الواحدي اهـ. وفي شفاء الغليل لأبي الحسن قال القاضي عياض في التنبيهات أصل النكاح في وضع اللغة الجمع والضم يقال نكحت البر في الأرض إذا أدخلته فيها ونكحت الحصا أخفاف الإبل إذا دخلت فيها ثم استعمل في الوطء وهو في عرف الشرع يطلق على العقد لأنه بمعنى الجمع ومآله إلى الوطء وقد جاء في كتاب الله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾، ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ... ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾، ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾، ﴿فانكحوهن بإذن أهلهن﴾ ويبعد أن يراد بها الوطء إذ الوطء عمومًا منهي عنه بغير عقد. وقد ورد أيضًا بمعنى الوطء في قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ اهـ. وقال الأزهري أصل النكاح في كلام العرب الوطء وقيل للتزويج نكاح لأنه سبب الوطء ويقال نكح المطر الأرض ونكح النعاس عينه إذا دخل فيها وقال ابن جني سألت أبا علي الفارسي عن قولهم نكحها فقال فرقت العرب فرقًا لطيفًا يعرف به موضع
стр. 214
العقد من الوطء فإذا قالوا نكح امرأته أو زوجته لم يريدوا إلا المجامعة لأن بذكر المرأة أو الزوجة يستغنى عن العقد وإذا قالوا نكح فلان بنت فلان أو أخته أرادوا تزوجها وعقد عليها اهـ قال الحطاب والصحيح أنه لا يطلق على الصداق وقيل ورد بمعنى الصداق في قوله تعالى: ﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحًا﴾ اهـ (ومعناه) اصطلاحًا عرفه الإمام ابن عرفة بقوله النكاح عقد على مجرد متعة التلذذ بآدمية غير موجب قيمتها ببينة قبله غير عالم عاقدها حرمتها إن حرمها الكتاب على المشهور أو الإجماع على الآخر اهـ (فقوله) رحمه الله تعالى عقد هو مصدر عقد تقول عقدت العهد والحبل والبيع فانعقد قاله الجوهري ويطلق على الربط ووصل الشيء بالشيء وعلى الالتزام به على سبيل الاستيثاق والإحكام وأنه جنس يشمل جميع العقود حسية كانت أو معنوية كما علمت وعبر به لافتقاره إلى المتعاقدين وهما الزوج والولي وإلى المعقود عليه وهما المهر ومتعة التلذذ بالزوجة وإلى المعقود به وهو الصيغة الدالة على الإيجاب والقبول فهذه الأركان العرفية الآتية بيانها إن شاء الله تعالى (وقوله) على مجرد متعة التلذذ بآدمية أخرج به العقد على الرقاب وهو البيع والعقد على المنافع وهو الإجارة والكراء ومجرد مضاف ومتعة بضم الميم وكسرها مضاف إليه من إضافة الصفة إلى الموصوف أي المتعة المجردة بمعنى أنها هي المقصودة من غير إضافة شيء إليها (فبقوله) مجرد متعة يخرج به ملك اليمين لأن العقد فيه شامل للرقبة أيضًا ومتعة مضاف والتلذذ مضاف إليه من إضافة الاسم إلى المسمى أي المتعة التي هي التلذذ المعلوم فهذا وقع التعريف بها. وقال التاودي في حاشيته على الزرقاني لا فائدة للفظة متعة ولا للفظ مجرد بل يكفي الاقتصار على التلذذ والمراد به ما يشمل الوطء. وقال الرصاع التمتع أعم من التلذذ لأن التمتع يكون حسيًا كالركوب والأكل والشرب والمقدمات ومعنويًا كالجاه والولاية ثم أخرج الأمور المعنوية بقوله التلذذ ثم أخرج من الحسية التلذذ بالطعام والشراب بقوله بآدمية اهـ وقيل احترز بقوله بآدمية من الجنية (وقيل) ذكره لبيان الواقع زيادة في الإيضاح والبيان قلت والظاهر أنه ذكره
стр. 215
ليرتب عليه بقية التعريف (وقوله) غير موجب هو بالنصب حال من التلذذ أي حالة كون التلذذ بتلك الآدمية غير موجب قيمتها أخرج به الأمة المحللة وهي التي أباح سيدها وطأها لمن استعارها منه لذلك على مذهب الإمام عطاء القائل بجواز إعارة الفروج المملوكة فإن التلذذ بها يوجب على المتلذذ قيمتها وتبقى بيده على ملك اليمين مع أن تحليلها يصدق عليه عقد على مجرد التلذذ بآدمية فلهذا أخرجه (وقوله) بينة قبله متعلق بمحذوف حال من التلذذ أخرج به بعض صور الزنى لا أنه صفة لعقد لأن الإشهاد ليس شرطًا في العقد بل في جواز الدخول فقط كما يأتي (وقوله) غير عالم عاقدها حرمتها يجوز رفعه على أنه صفة لعقد ونصبه على أنه حال من المتعة أي حالة كون المعقود عليها غير عالم عاقدها أي المتعة حرمتها (فمفهومه) إن كان العاقد يعلم حرمتها فليس بنكاح وهو كذلك على المشهور بناء على أن المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا وهل لا يكون نكاحًا مطلقًا أي سواء كان تحريمها بالكتاب كالأم والبنت أو بالإجماع كبنت الأخ من الرضاع أو إنما لا يكون نكاحًا إذا كان تحريمها بالكتاب فقط أما إذا كان تحريمها بالإجماع فيسمى نكاحًا فاسدًا قولان المشهور منهما الثاني (وحاصله) أن ما حرم بالكتاب العزيز ليس حكمه حكم النكاح وأن وطأه زنى على المشهور وأن ما حرم بالإجماع فهل يصدق عليه أنه نكاح تثبت فيه لوازم النكاح وتترتب عليه آثاره غير أنه يفسخ لفساده إذا عثر عليه أو لا يصدق عليه ذلك ويكون وطؤه زنى قولان المشهور منهما الأول وهو أن حكمه حكم النكاح فالأول يقول بعدم حده ويلحق به الولد والثاني عكسه فصاحب القول الأول يراعي المحرمات بالكتاب فقط وما حرم بالإجماع لا يكون حكمه كذلك وصاحب القول الثاني يراعي ما يشملهما معًا هذا معنى قوله رحمه الله تعالى إن حرمها الكتاب على المشهور أو الإجماع على الآخر (فقوله) أو الإجماع عطف على مقدر فاعل شرط معطوف بأن على أن حرمها الكتاب والتقدير غير عالم عاقدها حرمتها إن حرمها الكتاب أي القرآن على المشهور أو حرمها الكتاب أو الإجماع على الآخر كذا قال بعضهم ويلزم
следующие страницы →