← Фикх общий

Фикх общий · id 133371

الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف

موافقي الأمين

Полный текст (722 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري ﵀ (١٣٢٧ - ١٤١٤ هـ) كتاب الصيام والاعتكاف جمعا ودراسة رسالة علمية مقدمة لنيل درجة العالمية (الماجستير) إعداد الطالب: موافقي الأمين الرقم الجامعي: ٣٣١٠٢٦٧٩٦ إشراف د: محمد بن حسين علي بكري. العام الجامعي: ١٤٣٤ - ١٤٣٥ هـ.

стр. 2

المقدمة وتشتمل على: - الافتتاحية . - أسباب اختيار الموضوع. - الدراسات السابقة. - خطة البحث. - منهج البحث. - الشكر والتقدير. الافتتاحية. الحمد لله الذي اختار لنا الإسلام دينا، وجعلنا لسيد المرسلين من المتبعينَ، وأشهد ألّا إلاه إلا الله وليُ المتقينَ، أرسل الرسلَ وأنزل الكتبَ لهداية الخلق أجمعينَ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله بشَّرَ العلماء والمتفقهين، فقال: «من يُرِد الله به خيرا يُفقِّه في الدين» (١)، ﷺ ما اختلف المَلَوان وما تعاقب الزمان، وعلى آله وصحبه الغر المحجّلين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, أمَّا بعد: فإن من مِنَنِ الله على البشرية جمعاء، إرساله رسلا وأنبياء لهداية الخلق، يأمرونهم بعبادة الواحد الأحد الصمد، وينهونهم عن عبادة ما سواه، فمن سلك سبيلهم فاز ورشد، ومن زاغ عن هديهم خاب وخسر. وقد ختم الله هذه السلسلة المباركة بسيد المرسلين وخاتم النبيين؛ نبينا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٢) , وقال ﷺ : «وأنا خاتم النبيين, لا نبيَّ بعدي» (٣) , فإنه ﷺ جاء بشريعة حنيفية سمحة ليلها كنهارها, وأكمل الله به الدين والتشريع, وشَرَّفَ من جاء بعده من العلماء والفضلاء بتبليغ هذه الشريعة إلى الخلق أجمعين, فقال ﷺ : «إن العلماء ورثة الأنبياء, إن الأنبياء لم يُورِّثوا دينارا ولا درهما إنما ورَّثوا العلم, فمن أخذ به أخذ بحظ وافر» (٤).

стр. 3

وإن من أشرف العلوم التي ورِثَها العلماء عن سيد ولد آدم أجمعين، علم الفقه في الدين، إذ به يُعرف الحلال والحرام، وتُردُّ الحقوق إلى الأنام، ويعبد المسلم ربه على بصيرة، فيكون لربه من العابدين، ولنبيه من المتبعين، وعن سبيل أهل الضلال والبدع من النائين، فحاجة المسلم إليه كحاجته إلى الماء، والغذاء، والهواء؛ لبقاء الحياة. وممن سخره الله لهذا العلم الجليل والشرف العظيم، العالِم المحدِّث الفقيه: أبو الحسن عبيد الله الرحماني المباركفوري صاحب: "مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح", الذي يُعدّ عَلَمًا من أعلام عصره, وكان حلقةً فريدةً من السلسلة الذهبية لمعشر المحدثين في الهند (١). وكيف لا يكون كذلك وقد كان من علية العلماء المحدثين, وصاحب الباع الطويل في الفقه, وصاحب الحظّ الوافر في إبراز المسائل الفقهية على ما يقتضيه الدليل, ومن قرأ كتابه مرعاة المفاتيح عَلِم عِلْم اليقين أن الشيخ كان محدثًا، وفقيهًا، وأصوليا، ولغويا بارعا, وقد بذل جهده, وسخّر الغالي والنفيس في خدمة هذا الدين, ونشر الفقه الصافي, وتخليصه من أدران التعصب والتطرف, فكان له الأثر البالغ في إحياء كثير مما اندرس في جانب الفقه والحديث، وأضحت له آراء يعتدّ بها في الفقه، واختيارات هي نتاج مجتهد متبع للدليل مستفرغ الجهد في معرفة الحق واتباعه. ومن المعلوم أن الاختيارات الفقهية من العلوم التي اهتم بها العلماء قديما وحديثا، فهذا الإمام الفاضل أبو يوسف من تلامذة الإمام أبي حنيفة? صنف كتاب: "اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى"، جمع فيه ما اختلف فيه أبو حنيفة وابن أبي ليلى من المسائل, ثم أخذه عنه الإمام محمد بن الحسن, ثم نقله الإمام الشافعي عن محمد بن الحسن وذكر فيه اختياره, وهو الكتاب المسمى بـ: "اختلاف العراقيين".

стр. 4

وهذا الحافظ العلاَّمة شمس الدين محمد بن عبد الهادي المتوفى سنة ٧٤٤ هـ، الذي جمع اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم نظمها من بعده الشيخ العالم الفاضل سليمان بن سحمان بن مصلح بن حمدان العسيري , النجدي المتوفى سنة: ١٣٤٩ هـ، وغير ذلك كثير. ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام نفيس في هذا الموضوع، حيث قال: "من حكى خلافا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه, أو يحكي الخلاف ويطلقه, ولا ينبه على الصحيح من الأقوال, فهو ناقص أيضا" (١). ويعدّ الشيخ عبيد الله الرحماني المباركفوري من خير من طَبَّقَ هذا المنهج القويم في مؤلفاته, فتجد أنه لا يمر بمسألة من المسائل سواء كانت المسألة عقديةً، أو فقهيةً إلا وينبه على الصحيح منها بالأدلة، كما ينبه على ما هو مرجوح بالحجة والبرهان, وكان هدفه الأسمى ترجيح ما يؤيِّده الدليل سواء وافق فيه السواد الأعظم أو خالفهم, فالعبرة عنده بالدليل لا بقول القائل, وهذا هو شأن المحققين من العلماء الذين امتن الله عليهم بالتبحر في العلم والتعمق في الفهم. ومن هنا كثرت عنده الاختيارات والترجيح في المسائل الفقهية, فكان من حقه علينا جمع اختياراته وتقديمها لعموم المسلمين, للاطلاع عليها والاستفادة منها، ومن ثم كان هذا المشروع العلمي الذي سُمِّي: "الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف جمعا ودراسة"، وجمعت فيه (١٠١) مسألة. وأسأل الله العظيم بمنه وجوده وكرمه أن يجزل المثوبة والعطاء للشيخ عبيد الله، ويرفع درجته في عليين، ويلحقنا به مع سيد المرسلين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أهمية الموضوع وأسباب اختياره . إن أهم الأسباب التي دفعتني إلى اختيار هذا الموضوع تتجلى في التالي: ١ - إن دراسة مثل هذا الموضوع توسع آفاق معرفة الباحث ومداركه العلمية. ٢ - الإسهام في جمع وإخراج اختيارات الشيخ عبيد الله المباركفوري وآرائه الفقهية.

стр. 5

٣ - مكانة الشيخ عبيد الله المباركفوري بين علماء الهند خاصة, وعلماء السلفية عامة. ٤ - أهمية كتاب الشيخ: "مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" الذي هو من المقررات الدراسية في معظم المدارس الإسلامية في الهند بنسبة ٩٨ في المائة, فكان من المناسب العناية بالمسائل الفقهية التي اختارها المؤلف فيه, ودراستها دراسة علمية مقارنة. ٥ - إن الشيخ المباركفوري له اختيارات فقهية كثيرة, وليس له كتاب في الفقه مع جلالته في الحديث وعلو كعبه في الفقه, فأردت إبراز شخصيته في هذا المجال. ٦ - عناية المباركفوري بالخلاف العالي، حيث يورد أقوال السلف، ويوجهها بما انتهى إليه اجتهاده. ٧ - اهتمام المباركفوري بأقوال المذاهب المتبوعة الأربعة، والفقهاء السبعة، وعلماء المدينة، وعلماء العراق، وعلماء الشام، والعلماء الآخرين؛ كالثوري ومكحول وأبي عبيد والزهري ومسروق وعطاء والنخعي والأوزاعي, وغيرهم رحم الله الجميع. ٨ - حرصه على الجمع بين الأقوال والآراء الفقهية، فإذا تعذّر اختار منها الأقرب للدليل والأقوى في الدلالة؛ وهو ما يظهر سعة مدركه الفقهي. الدراسات السابقة: إن هذا الموضوع لم يسبق وأن كتب فيه من قبل، لذلك رأته الجامعة الإسلامية مشروعا للدراسة، فسبقني إليه كل من: ١ - الطالب: نوح عالم: بدأ من بداية كتاب الطهارة، إلى نهاية القراءة في الصلاة. ٢ - الطالب: بندر المحمدي: بدأ من الركوع والرفع منه، إلى نهاية كتاب الجنائز. ٣ - الطالب: سليمان المطيري: كتاب الزكاة. وكان نصيبي بعدهم: كتاب الصيام والاعتكاف. خطة البحث . يتكون البحث من: مقدمة، وتمهيد، وبابين، وخاتمة, وفهارس. المقدمة: وتشتمل على: - الافتتاحية.

стр. 6

- أسباب اختيار الموضوع. - الدراسات السابقة. - خطة البحث. - منهج البحث. التمهيد: دراسة حياة الشيخ عبيد الله المباركفوري واختياراته, وفيه مبحثان: المبحث الأول: حياة الشيخ عبيد الله المباركفوري , وفيه سبعة مطالب: المطلب الأول: اسمه, ونسبه, وكنيته, ولقبه. المطلب الثاني: مولده, وأسرته, ووفاته. المطلب الثالث: نشأته, وطلبه للعلم. المطلب الرابع: شيوخه, وتلاميذه. المطلب الخامس: عقيدته, ومذهبه الفقهي. المطلب السادس: ثناء العلماء عليه. المطلب السابع: آثاره العلمية. المبحث الثاني: اختيارات الشيخ عبيد الله المباركفوري , وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تعريف الاختيار ومدلولاته, والفرق بين الاختيار والرأي والانفراد. المطلب الثاني: منهج المباركفوري في اختياراته, وموقف العلماء منها. المطلب الثالث: دراسة الصيغ المعتبرة (في الاختيار) عند الشيخ المباركفوري. الباب الأول: اختياراته في الصيام، وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: في تسمية الشهر، وفي رؤية الهلال، وفي يوم الشك، وفيه مبحثان: المبحث الأول: حكم قول رمضان، وفي رؤية الهلال، وفيه ثمانية مطالب: المطلب الأول: قول رمضان دون أن تسبقه كلمة شهر. المطلب الثاني: اعتبار اختلاف المطالع. المطلب الثالث: هل يثبت دخول الشهر بالحساب الفلكي؟ . المطلب الرابع: عدد الشهود لثبوت هلال رمضان. المطلب الخامس: عدد الشهود لثبوت هلال شوال.

стр. 7

المطلب السادس: هل يكفي الإخبار مِنْ مَن رأى الهلال أو تشترط الشهادة؟ . المطلب السابع: حكم صيام من رأى هلال شوال وحده فردت شهادته. المطلب الثامن: حكم من أفطر ثم تبين أن اليوم من رمضان. المبحث الثاني: في يوم الشك، والصوم بعد انتصاف شعبان، وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: في تعيين يوم الشك. المطلب الثاني: حكم صيام الثلاثين من شعبان إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر. المطلب الثالث: من صام يوم الشك فتبين أنه من رمضان. المطلب الرابع: حكم الصيام بعد انتصاف شعبان. الفصل الثاني: في النية وصيام المسافر، وفيه مبحثان. المبحث الأول: في النية، وفيه مطلبان: المطلب الأول: في النية للفرض، وفيه ست مسائل: المسألة الأولى: حكم تبييت النية للفرض. المسألة الثانية: حكم النية لكل يوم من رمضان. المسألة الثالثة: حكم تعيين النية. المسألة الرابعة: حكم التلفّظ بالنية. المسألة الخامسة: هل يشترط أن تعقد النية في جزء معين من الليل؟ . المسألة السادسة: حكم ما إذا فعل بعد النية قبل الفجر ما ينافي الصوم. المطلب الثاني: في نية النفل، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: حكم صيام يوم الشك بنية التطوع. المسألة الثانية: حكم نية صوم النفل من النهار. المسألة الثالثة: حكم عقد نية النفل بعد الزوال. المبحث الثاني: صوم المسافر، وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: حكم الصيام في السفر. المطلب الثاني: ما الأفضل للمسافر الصيام أو الفطر؟ . المطلب الثالث: حد السفر المبيح للفطر.

стр. 8

المطلب الرابع: حكم إفطار المسافر الذي استهل عليه رمضان وهو مقيم. المطلب الخامس: حكم إفطار المسافر بعد أن كان قد شرع في الصيام. المطلب السادس: حكم إفطار من سافر بعد طلوع الفجر. الفصل الثالث: في المفطرات وما يجتنبه الصائم، وفي الكفارة وخصالها، وفيه مبحثان: المبحث الأول: في المفطرات وما يجتنبه الصائم، وفيه أربعة عشر مطلبا: المطلب الأول: حكم الحجامة للصائم. المطلب الثاني: حكم الفصد للصائم. المطلب الثالث: حكم المباشرة للصائم. المطلب الرابع: حكم التقبيل للصائم. المطلب الخامس: حكم الاستياك للصائم، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: الاستياك بعد الزوال. المسألة الثانية: الاستياك بالعود الرطب. المسألة الثالثة: الاستياك في صوم الفريضة. المطلب السادس: حكم الاكتحال للصائم. المطلب السابع: حكم الوصال في الصيام، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الوصال أكثر من يوم. المسألة الثانية: الوصال إلى السحر. المطلب الثامن: حكم من أكل أو شرب ناسيا وهو صائم. المطلب التاسع: حكم من استقاء عمدا وهو صائم. المطلب العاشر: حكم انغماس الصائم في الماء. المطلب الحادي عشر: في الأكل والشرب للمتسحر، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: حكم من أكل أو شرب وهو شاك في الفجر. المسألة الثانية: هل المعتبر في تحريم الأكل والشرب تبيّن الفجر أو طلوع الفجر؟ . المطلب الثاني عشر: حكم صيام من أدركه الفجر وهو جنب من احتلام أو جماع.

стр. 9

المطلب الثالث عشر: حكم صيام الحائض والنفساء إذا طهرت قبل الفجر ولم تغتسل إلا بعد الفجر. المطلب الرابع عشر: هل الغيبة وقول الزور يفسدان الصيام؟ . المبحث الثاني: في الكفارة، وخصالها، وفيه تسعة مطالب: المطلب الأول: هل الإعسار يسقط كفارة الجماع في رمضان؟ . المطلب الثاني: هل على المرأة المجامعة في رمضان كفارة؟ . المطلب الثالث: هل على من جامع ناسيا في رمضان كفارة؟ . المطلب الرابع: هل الأكل والشرب في رمضان عمدا يوجبان الكفارة كالجماع؟ . المطلب الخامس: هل تجري الخصال الثلاثة في كفارة الجماع في رمضان أو هو الإطعام فقط؟ . المطلب السادس: هل الخصال الثلاثة في كفارة الجماع في رمضان على الترتيب أو على التخيير؟ . المطلب السابع: حكم اشتراط التتابع في صيام كفارة الجماع في رمضان. المطلب الثامن: ما هو الحد الواجب في الإطعام في كفارة الجماع في رمضان. المطلب التاسع: هل يشترط في الرقبة المعتقة في كفارة الجماع في رمضان أن تكون مؤمنة؟ . الفصل الرابع: في صوم التطوع، والأيام التي نهي عن الصوم فيها، وفي النذر، وصوم عاشوراء، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: في صوم التطوع والأيام التي نهي عن الصوم فيها، وفيه اثنا عشر مطلبا: المطلب الأول: حكم إفراد يوم الجمعة بصيام. المطلب الثاني: حكم صيام يوم السبت. المطلب الثالث: حكم صيام يوم عرفة للحاج. المطلب الرابع: حكم صيام أيام التشريق للمتمتع وغيره. المطلب الخامس: حكم صيام عشر ذي الحجة. المطلب السادس: حكم صيام الدهر. المطلب السابع: حكم صيام الست من شوال. المطلب الثامن: ما هو أفضل الصيام بعد رمضان صيام شعبان أو المحرم؟ .

стр. 10

المطلب التاسع: حكم الإفطار في صوم النافلة. المطلب العاشر: تعيين الأفضل في صيام ثلاثة أيام من كل شهر. المطلب الحادي عشر: ما هي أيام البيض؟ . المطلب الثاني عشر: معنى صيام يوم في سبيل الله. المبحث الثاني: في النذر، وفي أعذار الفطر, وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: حكم من نذر صوم العيدين متعمدا لعينيهما. المطلب الثاني: حكم من نذر صوم يوم قدوم فلان مثلا فوافق يوم عيد. المطلب الثالث: هل الضيافة عذر للإفطار من صوم النفل؟ . المطلب الرابع: هل يستحب لمن كان صائما صيام نفل أن يفطر إذا دعي؟ المبحث الثالث: في صوم عاشوراء، وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: نسخ وجوب صيام يوم عاشوراء. المطلب الثاني: هل عاشورا هو اليوم التاسع أو اليوم العاشر؟ . المطلب الثالث: ما الأفضل في صيام عاشوراء؟ . المطلب الرابع: هل صيام يوم مع عاشوراء لاحتمال الشك أو لمخالفة أهل الكتاب؟ . المطلب الخامس: هل الأفضل صيام يوم عاشوراء أو يوم عرفة؟ . الباب الثاني: اختياراته في قضاء الصوم، وفي ليلة القدر، وفي الاعتكاف، وفيه فصلان: الفصل الأول: في قضاء الصوم، وفي ليلة القدر، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: في قضاء الصوم، وفيه عشرة مطالب: المطلب الأول: هل يجب قضاء رمضان على الفور؟ ، وهل يجب التتابع؟ . المطلب الثاني: هل يجوز التطوع قبل القضاء؟ . المطلب الثالث: هل يقضي من أفطر في صيام النفل؟ . المطلب الرابع: حكم صيام المرأة النفل وقضاء الواجب بغير إذن زوجها. المطلب الخامس: هل يقضي المجامع في رمضان اليوم الذي جامع فيه؟ . المطلب السادس: حكم القضاء على من ذرعه القيء. المطلب السابع: هل يقضي من أفطر متعمدا في رمضان؟ .

стр. 11

المطلب الثامن: هل يقضي الصوم من تمضمض أو استنشق فغلبه الماء؟ . المطلب التاسع: حكم من أخَّر قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخر؟ . المطلب العاشر: ما الواجب على المرضع والحامل إذا خافتا على ولدهما فقط؟ . المبحث الثاني: في القضاء عن الميت، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: حكم قضاء الصوم عن الميت الذي أمكنه التدارك. المطلب الثاني: ما الصوم الذي يصام عن الميت؟ . المطلب الثالث: حكم قضاء الصوم عن الميت الذي لم يمكنه التدارك. المبحث الثالث: في ليلة القدر، وفيه مطلبان: المطلب الأول: في تعيين ليلة القدر. المطلب الثاني: هل ليلة القدر خاصة بهذه الأمة؟ . الفصل الثاني: في الاعتكاف، وفيه مبحثان: المبحث الأول: في حكمه، واشتراط الصوم له، وغير ذلك، وفيه ثمانية مطالب: المطلب الأول: حكم الاعتكاف. المطلب الثاني: هل يشترط الصوم لصحة الاعتكاف؟ . المطلب الثالث: هل لأقل الاعتكاف حد؟ . المطلب الرابع: هل ينقطع اعتكاف من عاد مريضا أو صلى على جنازة؟ . المطلب الخامس: هل يجوز الاشتراط في الاعتكاف؟ . المطلب السادس: حكم من نذر الاعتكاف قبل إسلامه. المطلب السابع: متى يدخل المعتكف معتكفه؟ . المطلب الثامن: حكم قضاء الاعتكاف. المبحث الثاني: في مكان الاعتكاف، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: أين تعتكف المرأة؟ . المطلب الثاني: هل يجوز الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة؟ . المطلب الثالث: هل يجوز الاعتكاف في غير المسجد الجامع؟ . الخاتمة: وفيها:

стр. 12

- النتائج التي توصلت إليها من خلال البحث. - التوصيات والمقترحات. الفهارس: وتحتوي على: ١ - فهرس الآيات القرآنية الكريمة مرتبة حسب المصحف الشريف. ٢ - فهرس الأحاديث النبوية مرتبة حسب الحروف الهجائية. ٣ - فهرس الآثار. ٤ - فهرس الأعلام المترجم لهم. ٥ - فهرس الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية. ٦ - فهرس المصادر والمراجع. ٧ - فهرس الموضوعات. المنهج المتبع في البحث: ١ - جمع الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري من خلال كتبه وفتاويه, مراعيًا في استخراج اختياراته الصيغ التالية: هذا هو الحق, وهو المعول عليه, وهو الراجح عندي, وهو الظاهر, وهو المذهب الصحيح المختار عندي, وهو نص صريح في كذا, وهو الحق عندي, وهو أصح الأقوال في كذا, وهو الأظهر, وهو مردود, وهو عندنا كذا, وظاهر الحديث كذا, وهو الموافق, وليس في ذلك حديث صحيح, وهو الصحيح, وهو المعتمد, وهذا حسن جيد, وهو حقيق بالقبول والمختار عندي كذا, وهو الأقرب والأشبه، وأولى الأقوال عندي، وغير ذلك. ٢ - حصر الدراسة على المسائل المختلف فيها دون المجمع عليها. ٣ - ترتيب المسائل حسب الترتيب الفقهي على مذهب الشافعي؛ إذ معظم اختياراته تؤخذ من مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح, وشرح كل كتاب تابع لأصله, ومؤلف أصل هذا الشرح شافعي. ٤ - دراسة المسألة مصدرا لها بذكر اختيارات الشيخ عبيد الله المباركفوري مع تحرير محل النزاع في المسائل الخلافية في الغالب، ذاكرًا أقوال الفقهاء في المسألة من كتب

стр. 13

المذاهب المعتمدة, ثم أذكر سبب الخلاف إن كان ظاهرا, ثم أذكر الأدلة لكل قول, ثم أرجح مع التعليل. ٥ - عزو الآيات القرآنية إلى سورها بذكر اسم السورة ورقم الآية مع كتابتها بالرسم العثماني. ٦ - عزو الأحاديث الواردة في الرسالة إلى كتب السنة, فإن كان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما أكتفي بعزوه إليهما, وإن كان في غيرهما عزوته إلى مظانه مع ذكر أقوال أهل العلم في بيان درجته. ٧ - عزو الآثار الواردة إلى مظانها. ٨ - الترجمة الموجزة للأعلام. ٩ - شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية. ١٠التعريف الموجز بالأماكن والبلدان, وكل ما يحتاج إلى تعريف. ١١ - وضع خاتمة للبحث في آخر الرسالة فيها الخلاصة وأهم النتائج والتوصيات. ١٢ - الالتزام بعلامات الترقيم, وضبط ما يحتاج إلى ضبط. ١٣ - وضع الفهارس العلمية التفصيلية في آخر الرسالة تيسيرا وتسهيلا للبحث والوصول إلى المطلوب بكل سهولة كما هو موضح في خطة البحث. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

стр. 14

الشكر وتقدير: اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، أحمدك ربي وأشكرك على نعمك التي لا تعد، وآلائك التي لا تحد. أحمدك أن هديتنا للإسلام, متبعين لسنة سيد الأنام, وخلفائه المهديين الكرام، على منهج من سبق من أئمة الدين العظام. وأحمدك ربي وأشكرك أن وفقتني للالتحاق بالجامعة الإسلامية، الصرح الشامخ العظيم، الذي يحتضن أبناء العالم الإسلامي من جميع الأقطار؛ يغذيهم من عقائده السليمة، ومناهجه القويمة، وأخلاقه الكريمة، أسأل الله أن يحفظ الجامعة الإسلامية من كل سوئ ومكروه، وأن يحفظ منسوبيها، وفي مقدمتهم معالي مدير الجامعة سدده الله لكل خير. وأحمدك ربي وأشكرك على أن يسرت لي إتمام هذا البحث على الوجه الذي أسألك أن ترضى به عني. ثم أتوجه بالشكر الكبير الكثير إلى والديَّ العزيزين، الذين غرسا فيَ حب العلم وطلبه، ولم يألوا جهدا في تقديم كل ما يساعدني على تحصيله. فأسأل الله بمنه وكرمه أن يُلبسهما لباس الصحة والعافية، وأن يطيل في عمرهما على طاعته، وأن يرحمهما كما ربياني صغيرا، وأن يجعل منزلتهما في أعلى الجنان، وأن يُمتِعهما بصحبة سيدِ ولدِ عدنان، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، وأن لا يحرمهما من رؤية وجهِ ربِّنا الرحمن، وإيّانا والمسلمين. وأتوجّه بالشكر الكبير إلى رفيقة دربي، زوجتي الكريمة، المرأة العظيمة، التي هيأت لي جميع أسباب الراحة في البيت. فجزاها ربي عني كل خير، وأبقاها لي في الحياة، وجمعني بها في جنات النعيم. ثم أتوجه بالشكر إلى من رعاني طالبا في برنامج الماجستير، أستاذي ومشرفي الفاضل الأستاذ الدكتور: محمد بن حسين علي بكري، الذي له الفضل بعد الله تعالى على البحث والباحث، بتوجيهاته المفيدة، وآرائه السديدة، وملاحظاته النيِّرة، فجزاه الله عني خير ما جزى طالبا عن معلمه، وله مني كل الشكر والتقدير والعرفان. وأتقدم بالشكر الجزيل في هذا اليوم السعيد، إلى الأُسْتاذين المُوقَّرين في لجنة المناقشة:

стр. 15

الأستاذ الدكتور أحمد بن عبد الله العَمْري، أستاذي وشيخي الذي كان من أوائل من تلقيت الفقه على يديهم، فجزاه الله عني خير الجزاء، وأجزل له المثوبة والعطاء. والدكتور ظاهر بن فخري الظاهر، معلمي وشيخي وأستاذي، الذي نهلت من ينابيع علمه في السنة المنهجية من الماجيستير، فجزاه ربي خير الجزاء. أتقدَّمُ إليهما بالشكر والتقدير، قبولهما مناقشة رسالتي؛ فهما من سيسد خللَها، ويقيم مُعْوَجّها، ويكسوها حلةَ البهاء، بما يُسْدِيانِه من توجيهات وملاحظات كريمةز. سائلا الله الكريم أن يجزيَهما ومُشرفي خير الجزاء. وأتوجه بالشكر والتقدير والعرفان، إلى جميع أساتذتي ومشايخي، الذين بذلوا وسعهم في إيصال هذا العلم الجليل إلى طلبة العلم، من ينابيعه الصافية، سائغا للشاربين. كما أتوجه أيضا بالشكر لكل من أسدى إلي معروفا، أو وجّهني بنصيحة أو أفادني بفائدة أو ملاحظة. وإن لم أكن ذَكرتُ أسماءهم هنا، فأسماؤهم في قلبي منقوشَةٌ، وحقهم علي كبير، ولا أستطيع مكافأتهم إلا بدعوات في ظهر الغيب. فأسأل الله أن يرحمنا، وجميع المسلمين بواسع رحمته، ويسكننا دار كرامته، ولا يحرمنا من رؤيته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على البشير النذير، والسراج المنير، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 16

التمهيد دراسة حياة الشيخ عبيد الله المباركفوري واختياراته . وفيه مبحثان: المبحث الأول: حياة الشيخ عبيد الله المباركفوري. المبحث الثاني: اختيارات الشيخ عبيد الله المباركفوري.

стр. 17

المبحث الأول: دراسة حياة الشيخ عبيد الله المباركفوري رحمه الله تعالى وفيه سبعة مطالب: المطلب الأول: اسمه, ونسبه, وكنيته, ولقبه. المطلب الثاني: مولده, وأسرته, ووفاته. المطلب الثالث: نشأته, وطلبه للعلم. المطلب الرابع: شيوخه, وتلاميذه. المطلب الخامس: عقيدته, ومذهبه الفقهي. المطلب السادس: ثناء العلماء عليه. المطلب السابع: أثاره العلمية.

стр. 18

المطلب الأول: اسمه, ونسبه , و كنيته , و لقبه (١). اسمه ونسبه: هو العلامة, محدث عصره, وفقيه دهره, وبقية السلف, عبيد الله بن العلامة محمد عبد السلام بن خان محمد بن أمان الله بن حسام الدين المُبَارَكْفوري (٢) , والرَّحْماني (٣). كنيته: أبو الحسن. لقبه: شيخ الحديث (٤) , والمحدث الكبير (٥).

стр. 19

المطلب الثاني: مولده , و أسرته , ووفاته . مولده: لم تذكر المصادر التي ترجمت للشيخ اليوم الذي ولد فيه, وأما الشهر والسنة فقد اتفقت المصادر على أنه ولد في شهر الله المحرم سنة ١٣٢٧ من الهجرة النبوية, في أسرة علمية مشهورة بالزهد والورع والتقى, والعمل بالكتاب والسنة, في قرية صُوْفِي فُوْرَة, من بلدة مُبَارَكْفُوْر التابعة لمديرية أُعْظَمْ كَرْه إحدى مديريات الولاية الشمالية (اُتَّرْبَرْدِيْش) في الهند (١). أسرته: ينتمي الشيخ إلى أسرة اشتهرت بالعلم جيلا بعد جيل, ومع أن العلماء في الهند كانوا كثر إلا أنه يعز وجود عالم تجد في أسرته أربعة أجيال كلهم علماء متتابعين, وقد نالت أسرة الشيخ هذا الشرف، وقد كانت أسرته ذائعة الصيت بين الناس بشدة تمسكها بالدين, والعمل بالكتاب والسنة, وإخلاص التوحيد لرب العالمين، ونشر المعتقد الصحيح بين الناس، وكان أفرادها فرسان ميدان الجهاد للدفاع عن الدين وحمايته, وإحياء السنة. وقد كان أحد أجداد الشيخ عبيد الله المباركفوري وهو: الشيخ حسام الدين، مجاهدا منافحا عن دينه، ضد الاستخراب البريطاني في الهند, عام ١٨٥٧ م, فترك أهله وأولاده واستودعهم الله, وتجشم مشقة قطع مسافة الآلاف من الأميال, ولحق بالحدود, واصطف مع المجاهدين، فقاتل في سبيل الله حتى لحق بالرفيق الأعلى. وكان قد رزقه الله نجلين: أحدهما: إمام بخش, والآخر: أمان الله. أما الأول فلا عقب له، وأما أمان الله فكان يحب العلم والعلماء, فكان يختلف إلى علماء زمانه ليتلقى منهم النصائح ويستنير بعلومهم. وأمان الله هذا وهبه الله ابنين: أحدهما: نور محمد, والآخر: خان محمد. أما نور محمد فلم يوقَف له على ترجمة, وأما خان محمد الذي هو جد المباركفوري فكان رجلا صالحا تقيا زاهدا, قال والد الشيخ المباركفوري عنه: إنه كان تلاء للقرآن, خاشعا لله, حافظا

стр. 20

للأدعية المأثورة, متبعا للسنن النبوية, مشتغلا بمطالعة الكتب الدينية, عارفا للحلال والحرام, جوادا, خادما للخلق, صابرا وشاكرا. مرض مدة طويلة حتى توفاه الله. وسُئل شيخ الحديث المباركفوري: هل رأيتم جدكم؟ فأجاب: "إنني كنت طفلا عند ما توفي جدي, كان لا يتركنا من صالح دعائه, وكان رجلا تاجرا ومتدينا جدا, كان والدَيَّ يحكيان لنا عن إخلاصه وتقواه". وأوصى أولاده ليلة ٢٨ شوال سنة ١٣٢٧ هـ - اتباعا لسنة النبي ﷺ : "أن كفنوني بكفن معتدل, وتولوا أيها الأبناء أنتم بأنفسكم غسلي بهدوء وسكينة, لا تحملوا معكم الحبوب ولا تذهبوا بها إلى قبري (١) , ولتكن كلمتكم واحدة بعد مماتي, وادفنوا والدتكم بجانبي إذا ماتت، وادعوا لوالدتكم". ثم توفي في يوم الأحد ٢٩ شوال سنة ١٣٢٧ هـ. ثم إن خان محمد رزقه الله تعالى خمسة من الأولاد: الأول: محمد إبراهيم, والثاني: هداية الله, والثالث: سلامة الله, والرابع: محمد علي, والخامس: أحمد علي. أما محمد إبراهيم فلم يوقَف له على ترجمة. وأما هداية الله فلا تذكر المراجع عن مؤهلاته العلمية شيئا, وكان يدَرِّس الأطفال الصغار, ويلقي الخطب أحيانا يوم الجمعة في جامع حافظ خدا بخش في غلة مندي الهند. وأما سلامة الله -وهو والد الشيخ المباركفوري- فإنه غَيَّرَ اسمه إلى عبد السلام, واشتهر بهذا الاسم في العالم الإسلامي, وكان عالما كبيرا, محدثا, ورعا, زاهدا, متبعا للكتاب والسنة. وسيأتي ذكره إن شاء الله عند سرد أساتذة المباركفوري بشيء من التفصيل. وأما محمد علي فقد لحق بالرفيق الأعلى في ريعان شبابه.

стр. 21

وأما الأخير -وهو أحمد علي- فكان صالحا, عالما بالكتاب والسنة, مشهورا بين الناس بتلقين أهل الميت الصبر والسلوان. وكان إذا تكلم في مسألة ما، يأتي بالآيات والأحاديث مستدلا بها, ويذكر أقوال العلماء والمحدثين كأنه يقرأ من كتاب مفتوح أمامه. فهذه هي الأسرة التي ولد وترعرع فيها شيخ الحديث المباركفوري ونشأ في أكنافها (١). وفاته: اتفقت المصادر الموثوقة على أن الشيخ توفي في بلدة مباركفور إثر مرض ألم به، في ٢٢ رجب سنة ١٤١٤ هـ , الموافق ٥ يناير عام ١٩٩٤ من الميلاد, صباح يوم الأربعاء الساعة السادسة, بعد أن انقضى من عمره سبع وثمانون سنة, فإنا لله وإنا إليه راجعون. وصلى عليه في نفس اليوم ابنه عبد الرحمن بعد صلاة المغرب, وحضر الجنازة جم غفير من المسلمين, زهاء خمس وعشرين ألفا, ودفن ليلا (٢).

стр. 22

المطلب الثالث: نشأته, وطلبه للعلم . نشأ شيخ الحديث المباركفوري في حضن أسرة كانت بحرا زاخرا بالعلم والعمل بالسنة, وترعرع في أكنافها حيث ينابيع العلم الصافي، ولأن والده كان من العلماء الربانيين فإنه لم يألُ جهدا في تعليمه وتربيته, وكان يصحبه معه حيث ذهب، فكان له أحسنَ ما يكون الوالد لولده، مربيا ومعلما, فظهرت ثمرة ذلك في سن مبكرة من عمر الشيخ، فانكب على طلب العلم والعمل به، واشتهر بالخير والصلاح والزهد والتقوى. وقد قرأ الشيخ الكتب الابتدائية في قريته صُوْفِيْ فُوْرَة في مدرسة دار التعليم عند الشيخ أصغر, والشيخ الشاه محمد, ثم ارتحل مع أبيه لطلب العلم إلى المدرسة العالية العربية ببلدة مئو من بلاد أعظم كره عندما عيِّنَ والده مدرسا في هذه المدرسة. فدَرَسَ هنالك الكتب الأردية, والفارسية الرائجة آنذاك في المدارس الأهلية برعاية أبيه. ثم في سنة ١٣٤٥ هـ, الموافق ١٩٢٧ م انتقل مع والده إلى مدرسة سراج العلوم "بونديهار" في قرية من قرى "غوندا" في الولاية الشمالية في الهند؛ لإرواء غليله وإشباع نهمته العلمية, فدرس كتب النحو, والصرف, والأدب, والفقه, والمنطق, والهندسة, كالكافية لابن الحاجب, وشرحها لملا جامي, وشرح الوقاية, ومشكاة المصابيح, والسراجية في علم الفرائض, وشرح الشمسية المعروف بالقطبي, وديوان المتنبي, وأقليدس، كل ذلك قرأه على والده. وفي سنة ١٣٥١ هـ, الموافق ١٩٣٣ م عين والد الشيخ مدرسا في مدرسة دار الحديث الرحمانية بدهلي، فذهب الشيخ مع أبيه لينهل من معين ذلك الصرح الكبير، علوم الكتاب والسنة المطهر، على أيدي فحول العلماء. فدَرَس من كتب الحديث: الصحيحين للإمامين البخاري ومسلم، والموطأ للإمام مالك على العلامة أحمد الله البرتابكرهي الدهلوي , وحصل منه على الإجازة برواية كتب الحديث. ودرس كتب العلوم العقلية، وكتب الفقه مع أصوله (١). وفي أثناء هذه المسيرة العطرة للشيخ المباركفوري, حدث أمر جلل، فقد انتقل والد الشيخ إلى الرفيق الأعلى، فلم يوهِن هذا الخطب العظيم من عزيمة الشيخ في طلبه للعلم بل

стр. 23

واصل مسيرته، وبقي مشمرا عن ساعد الجد في تلقي العلم, وكان ينجح دائما في الاختبار بالدرجة الممتازة لما وهبه الله تعالى من ذكاء مفرط، وعقل راجح، وجد متواصل. وحصل على شهادة العالمية من مدرسة دار الحديث الرحمانية بدهلي سنة ١٣٤٥ هـ , وعمره يومئذ ثماني عشرة سنة. وقرأَ في أيام الإجازة المدرسية -بعد تخرجه-: أوائل جامع الترمذي، وقدرا معتدا به من شرح النخبة, ومقدمة ابن الصلاح, والسراجية في علم الفرائض، على الإمام المحدث عبد الرحمن المباركفوري صاحب تحفة الأحوذي , وأجاز له الشيخ رواية كتب الحديث شفهيا. فكان من فضل الله ومنته على الشيخ عبيد الله المباركفوري، أن تلقى العلوم على أيدي الأساتذة المتخصصين في كل فن من فنون العلم (١).

стр. 24

المطلب الرابع: شيوخه , وتلاميذه . شيوخه: شيوخ الشيخ عبيد الله المباركفوري وأساتذته كثر جدا؛ بسبب أنه قد تلقى العلم في مدارس مختلفة كما سبق الإشارة إلى ذلك. وقد أكتفي في هذه العجالة بذكر بعضهم مع ترجمة وجيزة لكل واحد منهم, مرتبا لهم على حسب الأقدمية في الوفاة، وهم: أولا: الشيخ أبو الهدى عبد السلام بن الشيخ خان محمد بن أمان الله المباركفوري , والد شيخ الحديث المباركفوري. كان عالما معلما، نادر المثال في التدريس, أديبا, مصنفا للكتب, مؤرخا ونقادا. ولد سنة ١٢٨٩ هـ (١) في أسرة كريمة معلومة لدى أهالي مباركفور, مشهورة بالعلم والدين. دَرَسَ الكتب مثل: الكافية والشافية، وشرح ملَّا جامي، على علماء كبار. تتلمذ على الشيخ عبد الله الغازيفوري (٢) , وغيره، ثم قرأ الكتب الستة عند الشيخ السيد نذير حسين الدهلوي (٣). كما أنه درس علم الطب والحكمة عند الحكيم عبد الولي اللكنوي المتوفى سنة ١٣٣٣ هـ. وبعد تحصيله لكثير من العلوم، وقف حياته للتدريس والإفادة. فدرَّس في مدارس كثيرة آخرها دار الحديث الرحمانية بدهلي, واستمر ذلك إلى آخر عمره. وتخرج على يده كثير من علماء الهند.

стр. 25

كان على قدر كبير من حسن التأليف والتصنيف, وقد تميزت كتاباته بالأصالة والتحقيق, والبحث, والتنقيب, ورصانة الأسلوب, ووضوح العبارة, ودقة التحليل. وكان مولعا بالكتب قراءة واقتناء. توفي في الثامن عشر من رجب عام ١٣٤٢ هـ , بعد أن أصيب بجراحات خطيرة إثر حادث وقع له في شارع تشاندي تشوك, من حِصان جامح يجر عربة فارغة. وللشيخ مؤلفات نافعة، منها: سيرة الإمام البخاري بالأردية, (مترجم إلى العربية)، وإثبات الإجازة لتكرار صلاة الجنازة, باللغة الأردية, وغيرها (١). ثانيا: الشيخ العلامة أبو طاهر البهاري , وهو أحد العلماء البارزين في مجال التأليف والتصنيف في مختلف الفنون. ولد سنة ١٢٩٦ هـ. ألف كتبا عديدة منها: التحقيق الأنيق بالأردية, وسوط النبي ﷺ على المتعرض الغبي بالأردية، وغيرها, توفي سنة ١٣٤٥ هـ (٢). ثالثا: الشيخ أبو العلى محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم بن الشيخ بهادر المباركفوري . كان عالما مشاركا في أنواع من العلوم, محدثا, فقيها, عَلَما في الزهد والورع. ولد في بلدة مباركفور من أعمال "أُعظم كره"، ونشأ بها. قرأ علوم العربية, والفقه وأصوله، وغير ذلك، على علماء كبار، من أشهرهم: السيد نذير حسين الدهلوي, وأخذ عنه كثيرون منهم: شيخ الحديث عبيد الله المباركفوري, وغيره.

стр. 26

له تصانيف مفيدة منها: تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي, وأبكار المنن في تنقيد آثار السنن وغيرهما, توفي في ١٦ شوال سنة ١٣٥٣ هـ (١). رابعا: الشيخ العلامة أحمد الله بن أمير الله بن فقير الله فرتاب كرهي , كان من أوعية العلم, ومرجعا فيه عند أهل الهند, درس عند نوابغ زمانه مثل: الشيخ السيد نذير حسين الدهلوي, وأخذ منه إجازة الصحيحين والسنن الأربعة, واستفاد من الشيخ محمد بشير السهسواني (٢) كثيرا خاصة في باب العقيدة, ووقف حياته كلها في تدريس الحديث, والتفسير, وأصول الحديث, وأصول الفقه, وأخذ عنه الكثير من العلماء المشاهير، كالشيخ عبيد الله الرحماني, والشيخ نذير أحمد الأملوي الرحماني (٣) , وغيرهما. توفي في دهلي في ١٣ ربيع الأول ١٣٦٢ هـ, الموافق ١٩ مارس سنة ١٩٤٣ مـ (٤). خامسا: الشيخ عبد الغفور جيراجفوري , كان من العلماء المشهورين في علم الحديث, والفقه, وأصوله, وكان متمكنا في اللغة العربية والفارسية.

стр. 27

درس عند: الشيخ شمس العلماء حفيظ الله (١) , وغيره, وأخذ عنه: شيخ الحديث عبيد الله المباركفوري وغيره. توفي بعد أن انقضى من عمره مائة سنة, وذلك في سنة ١٣٨٤ هـ ١٩٦٥ م (٢). سادسا: الشيخ العلامة محمد أعظم بن فضل الدين أبو عبد الله الجوندلوي الباكستاني , الفقيه, المفسر, المحدث المسند, الأصولي, ولد سنة ١٣١٥ هـ في جوندلا نوالا بباكستان, أخذ عن: الشيخ عبد الجبار بن عبد الله الغزنوي, وعبد الرحمن الفنجابي, وغيرهما, وعنه: شيخ الحديث عبيد الله الرحماني, والشيخ محمد عطاء الله حنيف, وغيرهما. له تأليفات مفيدة منها: إرشاد القاري إلى نقد فيض الباري, وخير الكلام في وجوب الفاتحة خلف الإمام, توفي سنة ١٤٠٥ هـ (٣).

стр. 28

تلامذته: بعد أن تخرج الشيخ من دار الحديث الرحمانية بدهلي، عين مدرسا فيها؛ نظرا لكفاءته العلمية، فأوكِل إليه تدريس كتب الحديث, كالصحيحين, وجامع الترمذي, وسنن أبي داود, وموطأ الإمام مالك وغيرها من المقررات الدراسية, إلى أن أغلِق هذا الصرح العظيم، عندما انقسمت الهند إلى دولتين (الهند وباكستان). بعد ذلك رجع الشيخ إلى مسقط رأسه, واشتغل بأمور الدعوة إلى الله, ولم يدرِّس بعد ذلك في مدرسة من المدارس, بل كانت له دروس في التفسير بعد صلاة الفجر في مسجد الشيخ عبد الرحمن المباركفوري, ودروس في الحديث يوم الجمعة بعد صلاة العصر. واستمر في تدريسه ودعوته ما يقارب عشرين عاما. وفي خلال هذه المدة استفاد من بحر علومه عدد كبير من العلماء والفضلاء, وأكتفي هنا بذكر بعض المشاهير منهم, مع ترجمة وجيزة لهم: أولا: الشيخ عبد الجليل بن تعلقدار الرحماني البستوي , كان أحد العلماء البارزين في مجال التدريس والخطابة, وأحد خريجي دار الحديث الرحمانية بدهلي, أخذ عن: شيخ الحديث أحمد الله الرحماني, والشيخ عبيد الله المباركفوري? , وكان أمينا عاما لجمعية أهل الحديث لعموم الهند فترة من الزمان, وألف عدة كتب منها: تفسير القرآن الكريم, وشهداء غزوة أحد, توفي في ١٧ صفر ١٣٩٦ هـ الموافق ١٧ فبراير عام ١٩٧٦ م (١). ثانيا: الشيخ محمد إدريس آزاد الرحماني الأملوي , كان له مشاركة في علوم المنقول والمعقول, تلقى العلم من: شيخ الحديث المباركفوري, والشيخ نذير أحمد الأملوي وغيرهما, وقضى حياته في تدريس علوم القرآن, والحديث, والفقه, والفرائض, كما له جهود مشكورة في تأسيس الجامعة السلفية ببنارس الهند, وتحقيق أهدافها. له مؤلفات نافعة منها: مقالات مبسوطة حول التطليقات الثلاث, ورسالة في الرد على منكري الحديث بالأردية, توفي سنة ١٣٩٧ هـ, الموافق عام ١٩٧٧ م (٢).

стр. 29

ثالثا: الشيخ عبد المعيد بن عبد المجيد بن عبد القادر أبو عبيدة البنارسي شيخ المنقول والمعقول, صرف حياته كلها في التأليف والتدريس والإفادة, ولد في قرية "أميامندي" في بنارس عام ١٣٢٩ هـ , أخذ عن: المفتي عبد القادر الفرنغي, وشيخ الحديث المباركفوري وغيرهما, واستفاد منه الكثير من الطلاب في جامعة فيض عام, والجامعة السلفية ببنارس. له مؤلفات عديدة منها: السير الحثيث في علم الحديث, وأمين الكافي وغيرهما, توفي في ١٣ صفر سنة ١٤٠١ هـ (١). رابعا: الشيخ آفتاب آحمد الرحماني البنغلاديشي , كان من العلماء الأفاضل, ولد سنة ١٩٢٦ م, وتلقى العلم من أمثال شيخ الحديث المباركفوري, وكان رئيس قسم اللغة العربية في جامعة راجشاهي ببنغلاديش, ونائب رئيس جمعية أهل الحديث ببنغلاديش, وله خدمة مشكورة في مجال الحديث, والقرآن, حيث إنه ألف كتاب: ابن جحر حياته وآثاره, كما قام بتفسير مفصل لسورة الفاتحة باللغة البنغالية. توفي سنة ١٤٠٤ هـ, الموافق ١٩٨٤ م (٢). خامسا: الشيخ عبد الغفار حسن بن العلامة عبد الستار بن عبد الجبار العمر فوري الرحماني , أحد العلماء المعروفين في الأوساط العلمية والدينية في الهند وباكستان, ولد في ١٦ شعبان ١٣٣١ هـ, الموافق ٢٠ يوليو سنة ١٩١٣ م في عمر فوري, "أتَّرْبَرْدِيش", الهند. تربى في كنف جَدّتِه، وذلك بعد وفاتْ جده وأبيه وأمه وهو في الرابعة من عمره. درس في عدة مدارس, والتحق بدار الحديث الرحمانية, وأخذ عن: الشيخ عبد الرحمن النغرنهسوي, وشيخ الحديث عبيد الله المباركفوري, وتخرج فيها عام ١٩٣٣ م, واشتغل بالتدريس في الجامعة الرحمانية ببنارس, ثم توجه إلى ماليركوتلة -بنجاب الشرقي- وأنشأ فيها مدرسة كوثر العلوم. له مؤلفات مفيدة منها: الأحاديث المنتخبة, جمع فيه الأحاديث النبوية

стр. 30

تحت موضوعات وترجمها إلى الأردية مع شرحها بإيجاز, ومذكرة في دراسات السنة وغيرهما, توفي في السادس من جمادى الأولى ١٤٢٨, الموافق ٢٢/ ٥/٢٠٠٧ مـ (١). سادسا: الشيخ أحمد الله بن عبد الكريم الرحماني البنغلاديش ي, كان من كبار علماء بنغلاديش, ومرجعا للعلماء والطلاب في بلده في الحديث والمسائل الفقهية, أخذ عن: الشيخ أحمد الله الفرتاب كرهي, والشيخ عبيد الله الرحماني وغيرهما, وعنه: الدكتور رفيق الإسلام بن خيرت علي, والشيخ إبراهيم بن عبد الحليم, وغيرهما, توفي في ١٣ صفر ١٤٢٩ هـ (٢).

стр. 31

المطلب الخامس: عقيدته , ومذهبه الفقهي . عقيدته: كان الشيخ على مذهب السلف الصالح من أهل السنة والجماعة في جميع مسائل العقيدة, وهذه بعض النقول التي تبين ذلك على سبيل المثال لا الحصر: عقيدة الشيخ في الإيمان: عقيدته في الإيمان هي عقيدة السلف الصالح من أن الإيمان هو: اعتقاد بالقلب, ونطق باللسان, وعمل بالأركان يزيد وينقص, وصاحب الكبيرة مؤمن فاسق لا كافر (١). عقيدة الشيخ في الأسماء والصفات: هي عقيدة السلف الصالح أهل الحديث. حيث يثبت لله أسماءه وصفاته، دون تكييف ولا تمثيل، ولا تشبيه ولا تعطيل بل كما يليق به . وقد نص على ذلك في مواطن كثيرة منها: أولا: عند ذكر صفة العلو: قال: "قلت: قد اتفق أهل السنة والجماعة على أن الله تعالى مستو على عرشه وعرشه فوق السماوات السبع، والاستواء هو الارتفاع والعلو، فالله تعالى عال على عرشه، بائن من خلقه، وعلمه وقدرته في كل مكان، وكيفية استوائه مجهولة، ليس كمثله شيء" (٢). ثانيا: عند شرح قول الله تعالى في الحديث القدسي: ((وإن أتاني يمشي أتيته هرولة)) (٣) , ذكر عقيدته الموافقة لعقيدة السلف, رادا على تأويل بعض أهل العلم، فقال: "قلت لا حاجة إلى هذا التأويل والتفسير, والصواب أن يحمل هذا الحديث كأمثاله على ظاهره فنؤمن به على ما يليق بعظمة الله تعالى كالمجيء والنزول ونحوهما, وربنا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" (٤).

стр. 32

ثالثا: قال -بعد أن ذكر تأويلات بعض أهل العلم لصفة الفرح الواردة في حديث أنس ﵁ (١) -: "قلت: كل صفة وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسول الله ﷺ فهي صفة حقيقة لا مجاز، فهو تعالى يسمع ويبصر ويتكلم بما شاء، متى شاء، ويرضى ويسخط، ويَعجَب ويَفرَح بتوبة عبده، ومعنى كل ذلك معلوم والكيف مجهول، فنثبت له ذلك كله ولا نكيفه ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا نؤوله ولا نعطله" (٢). عقيدته في التوسل ودعاء الأموات والغائبين: بين الشيخ عقيدته الموافقة لعقيدة السلف الصالح, حيث قال: "قلت: الحق والصواب عندنا أن التوسل بالنبي ﷺ في حياته بمعنى التوسل بدعائه وشفاعته جائز, وهذا هو الذي وقع في حديث الأعمى الذي نحن في شرحه كما تقدم وسيأتي (٣) أيضا، وكذا التوسل بغيره ﷺ من أهل الخير والصلاح في حياتهم بمعنى التوسل بدعائهم وشفاعتهم جائز أيضا، وأما التوسل به ﷺ بعد وفاته, وكذا التوسل بغيره من أهل الخير والصلاح بعد مماتهم, فلا يجوز سواء كان بذواتهم أو جاههم أو حرمتهم أو كرامتهم أو حقهم, أو نحو ذلك من الأمور المحدثة في الإسلام، وكذا لا يجوز دعاء غير الله من الأموات والغائبين، وهذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية في رسالته في التوسل والوسيلة، وقد أشبع الكلام في تحقيقه وأجاد فعليك أن تراجعها" (٤). والأمثلة كثيرة، ولعل ما ذكر يكفي لبيان أن الشيخ كان على معتقد صحيح ولم يتأثر بالعقائد المخالفة التي كانت منتشرة في تلك البلاد.

стр. 33

مذهبه الفقهي: إن من استقرأ كتاب الشيخ عبيد الله المباركفوري مرعاة المفاتيح، علم أن الشيخ لم يكن متبعا لمذهب معين من المذاهب الأربعة، بل كان على طريقة أهل الحديث، يدور حيث دار الدليل، وقد حاولت أن أجد عبارة من العبارات التي يستخدمها المنتسبون من أهل العلم إلى أحد المذاهب في الاستدلال لمذهبهم حتى أتبين هل يرجع انتماء الشيخ إلى مذهب معين أو لا، وكان ظني أنه قد ينتسب إلى المذهب الحنفي؛ لشيوعه في بلده. وبعد استقرائي لمواطن كثيرة من كتاب مرعاة المفاتيح، لم أجده صرح بعبارة واحدة تدل على انتمائه لمذهب معين كقولهم: "قال أصحابنا" (١)، أو "وَلَنا" (٢)، أو "والراجح عندنا" أي: في مذهبنا الذي نتبعه. بل كان يقول أحيانا: "والراجح عندنا", يعني: ما قال به الأئمة الثلاثة، إلا أبا حنيفة، كما في مسألة: حكم تبييت النية للفرض، حيث وافق الجمهور خلافا للحنفية (٣). وأحيانا يقصد ما اتفق عليه الأئمة الثلاثة إلا الشافعي، كما في مسألة: استحباب الخروج إلى الصحراء لأداء صلاة العيد وإن كان المسجد واسعا (٤). وفي مسألة: أول وقت صلاة العيد (٥). وأحيانا يقصد ما اتفق عليه الأئمة الأربعة وغيرهم, كما في مسألة: مس المصحف للمُحدِث حدثا أصغر (٦).

стр. 34

وأحيانا يقصد ما قال به الشافعي, كما في مسألة: الجمع بين المتفرق والتفريق بين المجتمع وتراجع الخليطين، في زكاة الماشية (١). ويقصد أحيانا ما اتفق عليه الشافعي وأحمد, كما في مسألة: من يحل له الأكل من الهدي (٢). ويقصد أحيانا ما قال به ابن حزم ومن وافقه خلافا للجمهور, كما في مسألة: تحريم تأخير زكاة الفطر إلى ما بعد صلاة العيد (٣). فتبين أن الشيخ كان يقصد بهذه الكلمة: "والراجح عندنا"، ما يقصده بقوله: "والراجح عندي"، ولم يكن ينتمي إلى مذهب معين ينتصر له، بل كان باحثا عن الدليل والحق والصواب, فأينما وجده قال به (٤).

стр. 35

المطلب السادس: ثناء العلماء عليه . كان الشيخ متبحرا في العلوم الإسلامية, ماهرا في علم الحديث, حاذقا في الفقه والاجتهاد في المسائل المستجدة, دقيقا في استنباط المسائل الفقهية, ولقد اشتهر بلقب شيخ الحديث في شبه القارة الهندية لعلو منزلته ومكانته السامية في العلم, فكان مرجعا للمسلمين فيما يُشْكِل عليهم من الأمور الدينية والمسائل الشرعية؛ لأن فتاواه تكون مدعومة بالأدلة من نصوص الكتاب والسنة، ولم يكن يخشى في قول الحق لومة لائم (١). ومما يبين مكانته العلمية أنه عين لمنصب الإفتاء في دار الحديث الرحمانية مع أن الدار كانت تزخر بفحول العلماء, فكان الشيخ يفتي شفهيا وكتابيا, وكان الناس يرجعون إليه في الفتوى (٢). بل إن دار الإفتاء بالرياض في المملكة العربية السعودية كانت أحيانا تحيل إليه بعض الاستفسارات تقديرا منهم له، واعترافا بشأن الشيخ في مجال الفقه (٣). وقد جمع الله للشيخ بين غزارة العلم, ودماثة الخلق, وحسن المعاملة، مما جعل العلماء يثنون عليه ويشيدون به. وهذه بعض النماذج التي تبين مكانة الشيخ بين أهل العلم: فهذا العلامة الإمام عبد العزيز بن باز (٤)، يصف الشيخ بأنه: "المحدث", وذلك عندما عزى أولاد الشيخ بعد وفاته، فقال: "فقد بلغنا وفاة أخينا في الله والدكم المحدث الشيخ عبيد الله الرحماني" (٥).

стр. 36

ولما ذُكر الشيخ المباركفوري عند العلامة الألباني (١) أثنى عليه كثيرا, وقال: "أنا أُوَقِّر علماء الهند", ثم أضاف قائلا: "إن الشيخ عبيد الله الرحماني -أطال الله حياته, وأدام صحته-، هو صورة حية لما ذكر في القرآن من صفات الأولياء" (٢). وقال أيضا: "ما رأيت رجلا عليه سمة العلماء, وخُلُق العلماء بحق مثل هذا الرجل" (٣). وقال الشيخ مقتدى حسن الأزهري (٤): "كان الشيخ قدوة ومثالا في العلم, والتحقيق, والزهد, والورع, والإخلاص" (٥). وقال الشيخ صفي الرحمن المباركفوري (٦): "كان شيخ الحديث محدثا عظيما, ومنفردا في العصر الحاضر" (٧).

стр. 37

وغيرهم من العلماء (١). ومما يدل على أن الشيخ قد بلغ منزلة عالية في علم الحديث والفقه، اختيار الشيخ محمد عبد الرحمن المباركفوري -صاحب تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي- له لإكمال الجزأين الباقيين من الكتاب المذكور، وذلك لأن الشيخ محمد عبد الرحمن المباركفوري قد فقد بصره قبل إتمام الشرح، فلم يجد أفضل من الشيخ عبيد الله مساعدا ورفيقا يواصل معه كتابة ما بقي من هذا السفر العظيم (٢). والناظر في كتاب مرعاة المفاتيح يعلم علم اليقين أن الشيخ عبيد الله قد بلغ منزلة عالية في علم الفقه والحديث وشتى العلوم الشرعية. ونظرا لمكانته العلمية عينته جمعية أهل الحديث المركزية بالهند مشرفا عاما ومستشارا لها لسنوات طويلة, كما شغل منصب نائب رئيس هيئة الأحوال الشخصية لمسلمي الهند, وكان رئيسا للجامعة السلفية ببنارس منذ أول يومها إلى وفاته, كما كان عضوا كبيرا في هيئة التعليم الديني بولاية "أتَّرْبَرْدِيش", بالإضافة إلى عضويته وقيادته لجمعية أهل الحديث في شبه القارة الهندية, ولعدد من المؤسسات التعليمية والدينية (٣).

стр. 38

المطلب السابع: آثاره العلمية . كان الشيخ المباركفوري صاحب قلم سيال، إذا كتب أعطى الموضوع حقه، ولكن أعباء التدريس والدعوة إلى الله لم تتح للشيخ وقتا كافيا لإعمار المكتبات بالمصنفات والمؤلفات، ومع هذا فإن ما كتبه مع قلته يعد مرجعا عند العلماء باللغتين: العربية والأردية. ومن تلك التصانيف والآثار العلمية التي تركها لنا: أولا: كتاب مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح, باللغة العربية في تسع مجلدات مطبوع (١). وهذا الكتاب هو أطول كتاب ألفه الشيخ، وقد ظهرت فيه شخصيته, ومع أن كتاب مشكاة المصابيح قد شرحه العديد من أهل العلم الكبار، لكن شرح الشيخ كان كالبدر عند التمام، وكالشمس ليس دونها سحاب. فإنك لا تكاد تفقد فيه شيئا من أنواع العلوم، فإذا أردتَ الحديث وعلومه وجدت بحرا لا تكدره الدلاء، وإذا أردتَ الفقه وأصوله، رأيت الينابيع الصافية تتدفق، وتروي الغليل، وإذا أردت التأصيلات العلمية للمسائل العقدية، فإنك ستقرأ ما ينشرح به صدرك، وتطمئن به نفسك، وقل مثل هذا في علوم اللغة والنحو وغيرها. وباختصار فإن شرح الشيخ يَصدُق عليه المثل المشهور: "كل الصيد في جوف الفراء" (٢). ويكفيك أن الشيخ العلامة عبد العزيز ابن باز، كان يعتبر مرعاة المفاتيح مصدرا من المصادر التي يرجع إليها (٣). وقد وافت المنية شيخ الحديث عبيد الله المباركفوري قبل أن يكمل شرح مشكاة المصابيح، فتوقف عند كتاب البيوع ولم يشرع فيه.

стр. 39

ثانيا: كتاب فضائل رمضان المبارك وأحكامه, مطبوع باللغة الأردية, ذكر الشيخ فيه فضائل شهر رمضان المبارك, ومسألة رؤية الهلال ما يتعلق بها من اتحاد المطالع واختلافها, وما هو المعتبر في ذلك, وأحكام الصيام والإفطار والتسحر والتراويح وغيرها. ثالثا: كتاب بيان الشرعة في بيان محل أذان خطبة الجمعة, مطبوع باللغة الأردية, ذكر الشيخ فيه المحل المشروع الذي يرفع منه المؤذن الأذان يوم الجمعة والأدلة على ذلك. رابعا: بحث عقد التأمين رؤية شرعية, مطبوع باللغة الأردية. بين الشيخ فيه أقسام التأمين المتداول بين الناس, وحكم الشرع في كل قسم. خامسا: فتاوى شيخ الحديث المباركفوري بالأردية, جمعها ورتبها: فواز بن عبد العزيز الرحماني, حفيد شيخ الحديث المباركفوري, وهذا الكتاب عبارة عن فتاوى الشيخ التي كانت متناثرة في بطون الجرائد والمجلات وغيرها. سادسا: رسائل الرحماني إلى محمد أمين الرحماني بالأردية, جمعها ورتبها: الشيخ رفيق أحمد رئيس السلفي. سابعا: رسائل فضيلة شيخ الحديث الرحماني إلى عبد السلام الرحماني بالأردية, رتبها: الشيخ رفيق أحمد رئيس السلفي. والكتابان الأخيران تضمنا أجوبة الشيخ عن أسئلة الشيخين: محمد أمين الرحماني, وعبد السلام الرحماني, حيث كانا يرسلان أسئلتهما إلى الشيخ فيجيب عنها ويرسلها إليهما.

стр. 40

المبحث الثاني: اختيارات الشيخ عبيد الله المباركفوري رحمه الله تعالى وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تعريف الاختيار ومدلولاته, والفرق بين الاختيار والرأي والانفراد. المطلب الثاني: منهج المباركفوري في اختياراته, وموقف العلماء منها. المطلب الثالث: دراسة الصيغ المعتبرة عند الشيخ المباركفوري.
следующие страницы →