ولما ذُكر الشيخ المباركفوري عند العلامة الألباني (١) أثنى عليه كثيرا, وقال: "أنا أُوَقِّر علماء الهند", ثم أضاف قائلا: "إن الشيخ عبيد الله الرحماني -أطال الله حياته, وأدام صحته-، هو صورة حية لما ذكر في القرآن من صفات الأولياء" (٢).
وقال أيضا: "ما رأيت رجلا عليه سمة العلماء, وخُلُق العلماء بحق مثل هذا الرجل" (٣).
وقال الشيخ مقتدى حسن الأزهري (٤): "كان الشيخ قدوة ومثالا في العلم, والتحقيق, والزهد, والورع, والإخلاص" (٥).
وقال الشيخ صفي الرحمن المباركفوري (٦): "كان شيخ الحديث محدثا عظيما, ومنفردا في العصر الحاضر" (٧).
стр. 37
وغيرهم من العلماء (١).
ومما يدل على أن الشيخ قد بلغ منزلة عالية في علم الحديث والفقه، اختيار الشيخ محمد عبد الرحمن المباركفوري -صاحب تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي- له لإكمال الجزأين الباقيين من الكتاب المذكور، وذلك لأن الشيخ محمد عبد الرحمن المباركفوري قد فقد بصره قبل إتمام الشرح، فلم يجد أفضل من الشيخ عبيد الله مساعدا ورفيقا يواصل معه كتابة ما بقي من هذا السفر العظيم (٢).
والناظر في كتاب مرعاة المفاتيح يعلم علم اليقين أن الشيخ عبيد الله قد بلغ منزلة عالية في علم الفقه والحديث وشتى العلوم الشرعية.
ونظرا لمكانته العلمية عينته جمعية أهل الحديث المركزية بالهند مشرفا عاما ومستشارا لها لسنوات طويلة, كما شغل منصب نائب رئيس هيئة الأحوال الشخصية لمسلمي الهند, وكان رئيسا للجامعة السلفية ببنارس منذ أول يومها إلى وفاته, كما كان عضوا كبيرا في هيئة التعليم الديني بولاية "أتَّرْبَرْدِيش", بالإضافة إلى عضويته وقيادته لجمعية أهل الحديث في شبه القارة الهندية, ولعدد من المؤسسات التعليمية والدينية (٣).
стр. 38
المطلب السابع: آثاره العلمية .
كان الشيخ المباركفوري صاحب قلم سيال، إذا كتب أعطى الموضوع حقه، ولكن أعباء التدريس والدعوة إلى الله لم تتح للشيخ وقتا كافيا لإعمار المكتبات بالمصنفات والمؤلفات، ومع هذا فإن ما كتبه مع قلته يعد مرجعا عند العلماء باللغتين: العربية والأردية.
ومن تلك التصانيف والآثار العلمية التي تركها لنا:
أولا: كتاب مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح, باللغة العربية في تسع مجلدات مطبوع (١). وهذا الكتاب هو أطول كتاب ألفه الشيخ، وقد ظهرت فيه شخصيته, ومع أن كتاب مشكاة المصابيح قد شرحه العديد من أهل العلم الكبار، لكن شرح الشيخ كان كالبدر عند التمام، وكالشمس ليس دونها سحاب. فإنك لا تكاد تفقد فيه شيئا من أنواع العلوم، فإذا أردتَ الحديث وعلومه وجدت بحرا لا تكدره الدلاء، وإذا أردتَ الفقه وأصوله، رأيت الينابيع الصافية تتدفق، وتروي الغليل، وإذا أردت التأصيلات العلمية للمسائل العقدية، فإنك ستقرأ ما ينشرح به صدرك، وتطمئن به نفسك، وقل مثل هذا في علوم اللغة والنحو وغيرها. وباختصار فإن شرح الشيخ يَصدُق عليه المثل المشهور: "كل الصيد في جوف الفراء" (٢).
ويكفيك أن الشيخ العلامة عبد العزيز ابن باز، كان يعتبر مرعاة المفاتيح مصدرا من المصادر التي يرجع إليها (٣).
وقد وافت المنية شيخ الحديث عبيد الله المباركفوري قبل أن يكمل شرح مشكاة المصابيح، فتوقف عند كتاب البيوع ولم يشرع فيه.
стр. 39
ثانيا: كتاب فضائل رمضان المبارك وأحكامه, مطبوع باللغة الأردية, ذكر الشيخ فيه فضائل شهر رمضان المبارك, ومسألة رؤية الهلال ما يتعلق بها من اتحاد المطالع واختلافها, وما هو المعتبر في ذلك, وأحكام الصيام والإفطار والتسحر والتراويح وغيرها.
ثالثا: كتاب بيان الشرعة في بيان محل أذان خطبة الجمعة, مطبوع باللغة الأردية, ذكر الشيخ فيه المحل المشروع الذي يرفع منه المؤذن الأذان يوم الجمعة والأدلة على ذلك.
رابعا: بحث عقد التأمين رؤية شرعية, مطبوع باللغة الأردية. بين الشيخ فيه أقسام التأمين المتداول بين الناس, وحكم الشرع في كل قسم.
خامسا: فتاوى شيخ الحديث المباركفوري بالأردية, جمعها ورتبها: فواز بن عبد العزيز الرحماني, حفيد شيخ الحديث المباركفوري, وهذا الكتاب عبارة عن فتاوى الشيخ التي كانت متناثرة في بطون الجرائد والمجلات وغيرها.
سادسا: رسائل الرحماني إلى محمد أمين الرحماني بالأردية, جمعها ورتبها: الشيخ رفيق أحمد رئيس السلفي.
سابعا: رسائل فضيلة شيخ الحديث الرحماني إلى عبد السلام الرحماني بالأردية, رتبها: الشيخ رفيق أحمد رئيس السلفي.
والكتابان الأخيران تضمنا أجوبة الشيخ عن أسئلة الشيخين: محمد أمين الرحماني, وعبد السلام الرحماني, حيث كانا يرسلان أسئلتهما إلى الشيخ فيجيب عنها ويرسلها إليهما.
стр. 40
المبحث الثاني: اختيارات الشيخ عبيد الله المباركفوري رحمه الله تعالى
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الاختيار ومدلولاته, والفرق بين الاختيار والرأي والانفراد.
المطلب الثاني: منهج المباركفوري في اختياراته, وموقف العلماء منها.
المطلب الثالث: دراسة الصيغ المعتبرة عند الشيخ المباركفوري.
стр. 41
المطلب الأول: تعريف الاختيار .
في اللغة: الخاء والياء والراء أصل واحد بمعنى: الميل، والعطف، والاصطفاء، والانتقاء. والاختيار مصدر اختار يختار اختيارا، ويقال أيضا: خار الشيء بمعنى اختاره، أي: اصطفاه، وفضله على غيره، ومال إليه (١).
ومنه قوله : ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢).
وقوله : ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ (٣).
وفي الاصطلاح: عُرِّف الاختيار بأنه ترجيح الشيء وتخصيصه، وتقديمه على غيره (٤).
وأما تعريف الاختيار مضافا إلى الفقه، فقد اختلفت تعريفات الباحثين له، ومن ذلك:
التعريف الأول: اجتهاد الفقيه في معرفة الحكم الشرعي الصحيح في المسائل المختلف فيها، وذهاب الفقيه إلى قول من أقوال الأئمة أصحاب المذاهب الأربعة (٥).
التعريف الثاني: ترجيح رأي من الآراء في مسألة فقهية مختلف فيه، المسوغ يستند إليه (٦).
والذي ظهر لي والله أعلم أن يقال هو: ترجيح الفقيه حكما شرعيا في مسألة فقهية مختلف فيها، بعد النظر في الأدلة المرعية، وأقوال العلماء.
стр. 42
فقولنا ترجيح: يخرج به المسائل التي ذكرها الفقيه ولم يكن له فيها اختيار.
وقولنا الفقيه: يخرج به اختيارات المحدثين، واللغوين، والأصوليين، وغيرهم.
وقولنا حكما شرعيا: يخرج به الأحكام غير الشرعية.
وقولنا في مسألة فقهية: يخرج به المسائل الكلامية، واللغوية، وغيرها.
وقولنا مختلف فيها: يخرج به المسائل المجمع عليها.
وقولنا بعد النظر في الأدلة المرعية: يخرج به المسائل التي تنتقى بغير دليل.
وقولنا وأقوال العلماء: يخرج به الانفراد بقول لم يقل به أحد من العلماء.
وقد عرفه بعض الباحثين باعتبار أقسامه الثلاثة:
القسم الأول: اختيار المجتهد المطلق: هو ما توصل إليه الفقيه من حكم شرعي في المسألة المختلف فيها، بعد النظر في أدلة الشرع المرعية.
القسم الثاني: اختيار من كان مقلدا في الأصول لا في الأدلة والحكم: هو ما توصل إليه الفقيه من حكم شرعي في المسألة المختلف فيها بعد النظر في أقوال الأئمة أصحاب المذاهب، أو غيرهم من المجتهدين.
القسم الثالث: اختيار من كان مجتهدا مقيدا في المذهب: هو ما توصل إليه الفقيه من حكم شرعي في المسألة المختلف فيها، بعد النظر في أقوال إمام المذهب والأوجه والروايات فيه (١).
الفرق بين الإختيار والرأي والإنفراد:
قبل التطرق إلى ذكر الفرق بين هذه المصطلحات، يحسن بنا معرفة ماهية هذه الاصطلاحات وتعريفتها؛ إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وقد سبق تعريف الاختيار، وبقي تعريف الرأي والانفراد.
стр. 43
تعريف الرأي:
في اللغة: (رأى) الرّاء والهمزة والياء أصل يدلّ على نظر وإبصار بعين أو بصيرة. والرأي مصدر: من رأى الشيء يراه رؤية ورأيا، ويجمع الرأي على آراء (١).
"والعرب تُفَرِّق بين مصادر فِعل الرّؤية بحسب محالّها فتقول: رأى كذا في النّوم: رؤيا، ورآه في اليقظة: رؤية، ورأى كذا لما يُعلَم بالقلب ولا يُرى بالعين: رأيا" (٢).
وأما في الاصطلاح فقد عرف بعدة تعاريف منها:
الأول: ما يترجح للإنسان بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصّواب، ممّا تتعارض فيه الأمارات (٣).
الثاني: هو إدراك صواب حكم لم ينص عليه (٤).
الثالث: هو إجالة الخاطر في المقدمات الّتي يرجى منها إنتاج المطلوب (٥).
تعريف الإنفراد:
في اللغة: الفاء والرّاء والدّال أصل صحيح يدلّ على وحدة. وانفرد بالشيء ينفرد به انفرادا، فهو منفرد، والمفعول منفرد به. ويقال: فرد بالأمر يفرد وتفرّد وانفرد واستفرد، بمعنى واحد، ومن ذلك: الفرد وهو الوتر. ويقال ظبية فارد: إذا انقطعت عن القطيع. ويسمى الثور المنفرد: الفارد والفرد (٦).
стр. 44
وفي الاصطلاح: هو قول الفقيه -في مسألة فقهية مختلف فيها- قولا لم يسبقه إليه أحد (١).
الفرق بين الإختيار والرأي: الذي يظهر لي -والله أعلم- أن بينهما تشابها واختلافا:
وجه التشابه بينهما:
الأول: أن الاختيار هو ما ترجح عند القائل به، وكذلك الرأي.
الثاني: أن الاختيار الفقهي ناتج عن تأمل وتفكر الفقيه في المسألة المختلف فيها، وكذلك الرأي الفقهي.
وجه الاختلاف بينهما:
أن الاختيار هو نتاج النظر في الأقوال والأدلة، ثم اصطفاء المناسب منها، بينما الرأي قد يكون كذلك، وقد يكون قولا جديدا.
الفرق بين الإختيار والإنفراد:
أن القائل بالاختيار له سلف في المسألة، بينما القائل بالانفراد مستقل بها.
الفرق بين الإنفراد والرأي:
الانفراد أخص من الرأي؛ لأن المنفرد قائل برأيه قولا لم يُسبَق إليه، بينما من رأى رأيا لا يلزم أن يكون منفردا به، بل قد يكون له فيه سلف.
والله أعلم.
стр. 45
المطلب الثاني: منهج المباركفوري في اختياراته، وموقف العلماء منها .
إن المستقرئ لكتاب الشيخ عبيد الله المباركفوري مرعاة المفاتيح، يجده قد سلك في اختياره في المسائل الفقهية مسلكا بديعا. حيث إنه يذكر المسألة الفقهية أولا، ثم يذكر الخلاف الحاصل فيها، مع نسبة كل قول إلى أصحابه، ثم يعرض أدلتهم، ويناقش الأدلة الواردة في المسألة مناقشات علمية، أو ينقل مناقشات بعض أهل العلم، فيقرها تارة، ويجيب عنها أخرى، حسب ما توصل إليه اجتهاده. ثم يختم ذلك باختيار قول في المسألة يراه صوابا، أو راجحا، أو ظاهرا، على ما تقتضيه الأدلة. وقد يضيف أدلة لم تُذكر عند عرض المسألة ليعضد بها اختياره.
ولا شك أن الشيخ قد مشى على أصول وقواعد، رجح على ضوئها ما اختاره من الأقوال عند عرض المسألة الفقهية، كما هو شأن أهل العلم، وهذا عرض لجملة من تلك الأصول والقواعد التي مشى عليها الشيخ.
أولا: تقديم نصوص الكتاب والسنة الصحيحة على غيرها من الأدلة في الترجيح والاختيار، ورد الاستدلال بالأحاديث الضعيفة، وتقديم ظواهر الأحاديث في الترجيح على ما يخالفها من أقوال للعلماء. وقد صرح بذلك في مواطن كثيرة.
ومن ذلك قوله: "لا يكفي للاحتجاج على المطلوب رواية أحد كائنا من كان ما لم يعلم كونه صحيحا أو حسنا" (١).
وقال أيضا: "لأن فتيا الصحابي لا تقاوم الحديث المرفوع الصحيح السنة، الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ أحق بالاتباع وفيها غنية عن كل قول" (٢).
وهذا الكلام قاله عندما رجح وجوب قضاء الصيام عن الميت على وليه؛ لورود النص بذلك (٣).
стр. 46
وقال أيضا: "فهذه الأحاديث ظاهرة في التقدير والتحديد، فالصواب أن يتوقف عندها, ولا يلتفت إلى ما يخالف ظاهرها من أقوال العلماء وعملهم, والله تعالى أعلم" (١).
وهذا الكلام قاله بعدما رجح قول الإمام أحمد في كراهة قراءة القرآن في أقل من ثلاثة أيام.
الثاني: أنَّ نصوص الكتاب والسنة إذا جاءت عامة أو مطلقة فلا يجوز تخصيصها أو تقييدها إلا بالنصوص الشرعية، ولا تخصص أو تقيد بالآراء ولو كان فهما من صحابي.
حيث قال: "وقول رسول الله ﷺ لا يخص إلا بدليل من الكتاب والسنة، ولا يجوز تخصيصه بقول أحد كائناً من كان" (٢).
ومن ذلك قوله -عند مسألة حكم صلاة النافلة خارج المسجد إذا أقيمت الصلاة-: "وقوله ﷺ : «إذا أقيمت الصلاة» (٣) إلخ, مطلق غير مقيد بالمسجد, بل هو عام للمسجد وغيره، فيجب حمله على عمومه, ولا يجوز قصره على المسجد؛ لأن تخصيص النص بالرأي غير جائز ابتداء، فلا يخص إلا بدليل من الكتاب والسنة الصحيحة، ولا يجوز تخصيصه بقول أحد كائناً من كان، والحجة هي السنة دون فهم الصحابي وفعله" (٤).
الثالث: القول بالإجماع الثابت والعمل به, والوقوف عنده.
حيث قال "إن الجنب إذا توضأ واغتسل فله أن يصلي بعد الغسل قبل الحدث بلا وضوء جديد", ثم قال: "وهذا أمر مجمع عليه" وتوقف عند الإجماع (٥).
الرابع: القول بالقياس, والعمل به عند عدم ورود النصوص الشرعية في المسألة.
стр. 47
ومن ذلك قوله -عند اختياره اشتراط كون الرقبة المعتقة في كفارة الجماع في رمضان مؤمنة-: "وهو ينبني على أن السبب إذا اختلف واتحد الحكم، هل يقيد المطلق أم لا؟ وإذا قيد فهل هو بالقياس أم لا؟ والمسألة مشهورة في أصول الفقه. والأقرب أنه إن قيد فبالقياس، ويؤيده التقييد في مواضع أخرى" (١).
الخامس: إذا تعارض النفي والإثبات، فالإثبات أولى بالقبول، ورجح به عدة مسائل منها: مسألة استحباب صيام العشر من ذي الحجة، حيث قال: "وإذا تعارض النفي والإثبات فالإثبات أولى بالقبول" (٢).
السادس: الأمر للوجوب ما لم تكن معه قرينة تصرفه عن الوجوب إلى الندب.
ومن ذلك ترجيح الشيخ المباركفوري القول بوجوب إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد؛ لورود الأمر من النبي ﷺ بذلك (٣).
السابع: الأصل في النهي التحريم حتى يأتي ما يصرفه إلى الكراهة، ومن ذلك ترجيحه تحريم إفراد صيام يوم الجمعة لعدم وجود الصارف إلى الكراهة.
حيث قال: "قلت وأرجح الأقوال عندي: قول من ذهب إلى تحريم إفراد يوم الجمعة بالصيام؛ لما قد صح النهي عنه، والأصل في النهي التحريم, والله تعالى أعلم" (٤).
الثامن: القول بالاحتياط, ومن ذلك قوله بترتيب خصال كفارة الجماع في رمضان.
حيث قال: "ويترجح الترتيب أيضاً بأنه أحوط؛ لأن الأخذ به مجزئ سواء قلنا بالتخيير أولاً بخلاف العكس" (٥).
стр. 48
وقوله أيضا -في ما يجزئ من الأضحية-: "والأحوط عندي أن يقتصر الرجل في الأضحية على ما ثبت بالسنة الصحيحة عملاً وقولاً وتقريراً، ولا يلتفت إلى ما لم ينقل عن النبي ﷺ ولا الصحابة والتابعين ﵃ " (١).
التاسع: إذا اختلفت الأدلة في المسألة, يرجح ما هو أصح من الآخر, كما رجح الشيخ القول بوجوب الوضوء من مس الذَكَر.
فقال: "والراجح أن حديث طَلْق هذا لا ينحط عن مرتبة الحسن، وحديث بُسْرة أصح وأثبت وأرجح من حديثه" (٢).
ثم قال: "وعندنا القول بترجيح حديث بسرة أحسن من القول بالنسخ والتضعيف" (٣).
العاشر: الجمع مقدم على الترجيح إذا أمكن الجمع بين الأدلة، كما في مسألة صلاة تحية المسجد والإمام يخطب يوم الجمعة.
حيث قال: "أن المعارضة التي تؤول إلى إسقاط أحد الدليلين إنما يعمل بها عند تعذر الجمع، والجمع ههنا ممكن" (٤).
الحادي عشر: أن النسخ لا يسار إليه إلا بعد تعذر الجمع بين الأدلة أو ترجيح أحدها. حيث قال: "الجمع بالتخصيص أولى من ادعاء النسخ" (٥).
وقال أيضا: "أنه إنما يصار إلى النسخ إذا تعذر الجمع" (٦).
وغير ذلك من الأصول والقواعد التي مشى الشيخ عليها.
وأما موقف العلماء من اختياراته الفقهية: فإنا نحمد الله على منته وكرمه أن كان للجامعة الإسلامية قصب السبق في انتخاب اختيارات الشيخ عبيد الله المباركفوري الفقهية جمعا
стр. 49
ودراسة، تقدم في رسائل علمية، وقد افتتح وِكاءُ هذا العمل الجليل أخونا نوح عالم وفقه الله, فهو الذي اقترح هذا المشروع للدراسة, ونحن على الأثر.
وقد أشاد جمع من أهل العلم باختيارات الشيخ عبيد الله, وترجيحاته الفقهية، ومن هؤلاء:
الشيخ رئيس الأحرار الندوي (١) , حيث يقول: "اتخذ الشيخ طريقا وسطا ومنهجا معتدلا في المسائل الفقهية، وأوفى حق التحقيق والتدقيق والتنقيح. حيث قد لا يجد المخالف مخرجا للرد على ما اختار الشيخ " (٢).
والشيخ أصغر علي إمام مهدي (٣) , إذ يقول: "الشيخ لم يكن مقلدا لمذهب معين, كما كان لا يقلد في المسألة رأيا من الأراء, بل كان يقول بكل ثقة: والراجح عندي كذا, معتمدا على ضوء أدلة الكتاب والسنة وآثار الصحابة, فكان يبدي رأيه متبعا للأدلة على منهج السلف" (٤).
стр. 50
المطلب الثالث: دراسة الصيغ المعتبرة (في الاختيار) عند الشيخ المباركفوري .
يمكن تقسيم الصيغ التي اختار بها الشيخ المباركفوري قولا من الأقوال في المسائل الفقهية إلى اعتبارين:
الاعتبار الأول: تقسيمها باعتبار الوضوح في الاختيار.
الاعتبار الثاني: تقسيمها باعتبار قوة القول المختار, وتضعيف الأقوال الأخرى.
فبالاعتبار الأول: تنقسم الصيغ المعتبرة في الاختيار لدى الشيخ المباركفوري باعتبار الوضوح في الاختيار إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن تكون الصيغة نصا في الاختيار, ومعظم اختياراته كذلك, وذلك أن يأتي الشيخ بصيغة هي نص صريح في الاختيار لا مجال للاحتمال فيها.
مثل قوله: هو الحق, كما اختار الشيخ أن الصيام لا يشترط لصحة الاعتكاف، فقال: "فعدم اشتراط الصوم هو الحق" (١).
ومثل قوله: القول الراجح المعول عليه, عندما اختار أن السواك يجوز مطلقا للصائم قبل الزوال وبعده رطبا كان أو يابسا في الفرض وفي النفل، فقال: "أن القول الراجح المعول عليه هو ما ذهب إليه أبو حنيفة ومن وافقه" (٢).
ومثل قوله: والقول الراجح عندي في مسألة الوصال إلى السحر، حيث رجح جواز ذلك بلا كراهة, ولكن تركه أفضل، فقال: "والقول الراجح عندي هو ما ذهب إليه أحمد" (٣).
ومثل قوله: وهو الراجح, عندما اختار القول بأن الكذب والغيبة والنميمة لا تفسد الصوم، فقال: "والراجح الأول" (٤).
стр. 51
ومثل قوله: أعدل الأقوال وأقواها, وذلك في ترجيحه لقول من فرق بين من يملك نفسه ومن لا يملك نفسه في مسألة القبلة والمباشرة للصائم، حيث قال: "إن أعدل الأقوال وأقواها هو ما ذهب إليه الشافعي ومن وافقه" (١).
ومثل قوله: أولى الأقوال عندي، في مسألة المرضع والحامل إذا أفطرتا خوفا على ولدهما، حيث رجح إفرادهما بالقضاء دون الإطعام، حيث قال: "أولى الأقوال عندي في ذلك هو قول من أفردهما بالقضاء دون الإطعام" (٢).
ومثل قوله: الظاهر عندنا, حيث إختار بهذه الصيغة عدم جواز اشتراط المعتكف الخروج لبعض الطاعات أو المباحات مما ينافي الاعتكاف، فقال: "الظاهر عندنا هو قول من لم يقل بالاشتراط في الاعتكاف" (٣).
ومثل قوله: الراجح عندنا، وذلك في مسائل منها مسألة انقطاع اعتكاف من خرج لعيادة مريض أو صلاة جنازة حيث اختار أن الخروج إليهما يقطع الاعتكاف، فقال: "والراجح عندنا: إنه لا يجوز الخروج لعيادة المريض وصلاة الجنازة" (٤).
ومثل قوله: الحديث حجة عليه، وذلك في مسألة اشتراط التتابع في صيام كفارة الجماع، حيث اشترط الشيخ ذلك فقال -ردا على ابن أبي ليلى القائل بعدم اشتراط التتابع-: "والحديث حجة عليه" (٥).
الثاني: الظاهر في الاختيار, وذلك أن يذكر الشيخ في المسألة قولين أو أكثر, فيذكر أدلة القول الذي يراه راجحا في المسألة مع إيراد أدلته, ثم يذكر أدلة الأقوال الأخرى يرد عليها ردا علميا, فيقول: وهو المردود, أو أن الحديث لا يصح, وغير ذلك, وهذا قليل في اختياراته.
стр. 52
ومثال ذلك: مسألة الحد الواجب في الإطعام في كفارة الجماع, فإنه اختار القول بإجزاء إطعام ستين مسكينا لكل مسكين مُدّ من أي الأنواع، وذلك بالرد على الحنفية, حيث قال -بعد توجيه صاحب كتاب فتح المُلْهِم (١) لأدلة الحنفية-: "قلت: دعوى التعدد مخدوشة لكونها خلاف الظاهر والأصل. وأما رواية أبي داود في قصة المظاهر ففي إسنادها محمد بن إسحاق وقد عنعن" (٢).
الثالث: الإيماء إلى الاختيار, وذلك أن لا ينص الشيخ في الاختيار ولا يرد على الأقوال الأخرى, بل يقوي ويرجح قولا في المسألة يلزم منه القول بالاختيار في مسألة أخرى, وهذا نادر جدا جدا كما في مسألة السترة بالخط, فإنه قال: "إن الأولى أن يكون الخط مقوسا مثل الهلال" (٣) , فيلزم من هذا القول بإجزاء السترة بالخط. والله أعلم.
وبالاعتبار الثاني: تقسيمها باعتبار قوة القول المختار, وتضعيف الأقوال الأخرى.
لا شك أن الاختيار له درجات من حيث القوة فأحيانا يقطع الشيخ المباركفوري بتصويب أحد الأقوال في المسألة بكل قوة وثقة, ويبطل الأقوال الأخرى, فيُضَعِّف الأقوال الأخرى تضعيفا شديدا, وأحيانا لا تتوفر له من الأدلة ما يجعله يبطل الأقوال الأخرى, ولا يكون في أدلة الأقوال الأخرى من الضعف ما يجعلها غير معتبرة أصلا, ولكن عند الموازنة بين أدلة تلك الأقوال تترجح كفة أحد الأقوال.
فنظرا لما سبق يمكن تقسيم الصيغ التي تم بها اختيار الشيخ المباركفوري من حيث قوة القول المختار, وتضعيف القول الآخر, إلى درجتين:
стр. 53
الدرجة الأولى: درجة التصويب.
وهو أن يجعل المباركفوري القول المختار حقا وصوابا فتكون الأقوال الأخرى عنده باطلة أو خاطئة. وهذه الدرجة من الاختيار تدل على عمق علمه وسعة اطلاعه على المسألة من جميع جوانبها والإلمام بأدلة كل قول، ومعرفة درجة أدلتهم من حيث الصحة والضعف، وقوة دلالتها على المطلوب أو ضعفها. فيقرر صواب القول المختار, ومثل هذا القول إنما يصدر من فقيه تمكن وأحاط بجميع الجوانب في المسألة وقد سبقت الأمثلة من المسائل لهذه الصيغة قبل قليل، كقوله: هو الحق وغيرها.
الدرجة الثانية: درجة الموازنة والترجيح.
وهو أن تقوم مع الأقوال الأخرى أدلة شرعية معتبرة, ولا يكون فيها وهن شديد مما يجعلها غير صالحة للاستدلال, إلا أن القول المختار له أدلة قوية في مقابلة الأقوال الأخرى, فتكون كفة القول المختار راجحة على غيرها, وهذا إنما يتم بعد النظر في المسألة وأدلتها مما لها وما عليها, وهذا أيضا إنما يصدر من فرسان ميدان الفقه, وقد تقدم مثاله أيضا سابقا، كقوله: الظاهر عندنا، وقوله: أولى الأقوال عندي، وغيرها.
стр. 54
الباب الأول: اختيارات الشيخ عبيد الله المباركفوري رحمه الله تعالى في الصيام
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: في تسمية الشهر، وفي رؤية الهلال، وفي يوم الشك.
الفصل الثاني: في النية وصيام المسافر.
الفصل الثالث: في المفطرات وما يجتنبه الصائم، وفي الكفارة وخصالها.
الفصل الرابع: في صوم التطوع، والأيام التي نهي عن الصوم فيها، وفي النذر، وصوم عاشوراء.
стр. 55
الفصل الأول: في تسمية الشهر، وفي رؤية الهلال، وفي يوم الشك
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: حكم قول رمضان، وفي رؤية الهلال.
المبحث الثاني: في يوم الشك، والصوم بعد انتصاف شعبان.
стр. 56
المبحث الأول: حكم قول رمضان، وفي رؤية الهلال
وفيه ثمانية مطالب:
المطلب الأول: قول رمضان دون أن تسبقه كلمة شهر.
المطلب الثاني: اعتبار اختلاف المطالع.
المطلب الثالث: هل يثبت دخول الشهر بالحساب الفلكي؟ .
المطلب الرابع: عدد الشهود لثبوت هلال رمضان.
المطلب الخامس: عدد الشهود لثبوت هلال شوال.
المطلب السادس: هل يكفي الإخبار مِنْ مَن رأى الهلال أو تشترط الشهادة؟ .
المطلب السابع: حكم صيام من رأى هلال شوال وحده فردت شهادته.
المطلب الثامن: حكم من أفطر ثم تبين أن اليوم من رمضان.
стр. 57
المطلب الأول: قول رمضان (١) دون أن تسبقه كلمة شهر (٢).
اختيار الشيخ المباركفوري: اختار جواز قول رمضان مطلقا دون إضافة لفظة شهر بلا كراهة، فقال: "وفيه دليل لما ذهب إليه الجمهور من أنه يجوز أن يقال رمضان بدون إضافة لفظ الشهر إليه" (٣).
تحرير محل الخلاف: قد سمى الله في كتابه العزيز شهر (الصيام) (٤) شهر رمضان؛ وذلك في قوله : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (٥).
стр. 58
واختلف أهل العلم في حكم إسقاط لفظ الشهر في اسم رمضان على ثلاثة أقوال:
القول الأول: كراهة قول رمضان دون لفظة الشهر.
وقال به: محمد بن الحسن (١) من الحنفية (٢).
وروي عن: أصحاب مالك (٣) , وهو اختيار ابن عقيل (٤) من الحنابلة (٥).
وروي عن: مجاهد (٦)(٧) , والحسن البصري (٨)(٩).
القول الثاني: جواز قول رمضان دون لفظة الشهر.
стр. 59
وبه قال: عامة الحنفية (١)، وهو الصحيح عند المالكية (٢)، وهو (المعتمد عند الشافعية) (٣)(٤)، وهو الصحيح في مذهب الحنابلة (٥).
وهو قول المحققين من أهل العلم: كالبخاري (٦)(٧)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثالث: التفصيل: جواز قول رمضان دون لفظة الشهر، إذا كانت هناك قرينة (٨) تدُل على أنه الشهر كصمنا رمضان، والكراهة إذا لم تكن هناك قرينة تدل على أنه الشهر كجاء رمضان.
وبه قال: أكثر الشافعية (٩) , واختاره ابن الباقلاني (١٠) من المالكية (١١).
стр. 60
واختاره: ابن قدامة (١) من الحنابلة (٢).
سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم -والله أعلم- إثبات كون (رمضان) اسم من أسماء الله الحسنى (٣).
أدلة القول الأول: القائلين بكراهة قول رمضان دون لفظة الشهر.
الدليل الأول: قول الله : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٤).
وجه الاستدلال من الآية: أن الله سماه في كتابه شهر رمضان، أي: شهر الله، فلا يسمى إلا كما سماه الله، فلذلك لا يصح تسميته دون لفظة شهر (٥).
الدليل الثاني: عن ابن عمر (٦) ﵄ , قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقولن أحدكم صمت رمضان, وقمت رمضان، ولا صنعت في رمضان كذا وكذا، فإن رمضان اسم من أسماء الله العظام، ولكن قولوا: شهر رمضان كما قال ربكم في كتابه» (٧).
стр. 61
الدليل الثالث: عن أبي هريرة (١) ﵃، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله, ولكن قولوا شهر رمضان» (٢).
وجه الاستدلال من الحديثين: أن النبي ﷺ نهى عن تسميته برمضان دون لفظة شهر، فوجب امتثال أمره؛ وذلك لأن القائل شهر رمضان، كأنه قال: شهر الله؛ لأن رمضان اسم من أسماء الله الحسنى (٣).
الدليل الرابع: ولأن اسم رمضان، مشتق من الإرْماض، وهو الإحراق، والمُحرِقُ للذنوب المُذهِبُ لها هو الله تعالى (٤).
أدلة القول الثاني: القائلين بجواز قول رمضان دون لفظة الشهر
الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دخل رمضان فُتحت أبواب الجنة، وغُلقت أبواب جهنم وسُلسِلت الشياطين» (٥).
الدليل الثاني: وعنه أيضا ﵃، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنة» (٦).
الدليل الثالث: وعنه أيضا ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان رمضان فُتحت أبواب الرحمة، وغُلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين» (٧).
стр. 62
الدليل الرابع: عن عبد الله بن عباس (١) ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ لامرأة من الأنصار: «فإذا كان رمضان اعتمري (٢) فيه؛ فإن عمرة في رمضان حَجَّة» (٣).
الدليل الخامس: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «بُنِي الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة (٤)، وإيتاء الزكاة (٥)، والحج (٦)، وصوم رمضان» (٧).
الدليل السادس: عن أبي هريرة ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا، غُفِر له ما تقدم من ذنبه» (٨).
стр. 63
الدليل السابع: وعنه أيضا ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : «أتاكم رمضان, شهر مبارك فَرَض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغَلّ (١) فيه مَرَدَة (٢) الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِم خيرها فقد حُرِم» (٣).
وجه الاستدلال من الأحاديث: أن الأحاديث جاءت مُصرِّحة باسم رمضان مطلقا دون إضافة كلمة شهر، مما يدل على أن رمضان اسم للشهر نفسه وليس اسما لله (٤).
قال القاضي عياض (٥): "فيه حجة على جواز قول مثل هذا دون ذِكر الشهر، خلافا لمن كرهه، وروي أثر في النهي عن ذلك، وأن رمضان اسم من أسماء الله وهو أثر لا يصح" (٦).
الدليل الثامن: ولأن الكراهة إنما تَثبُت بنَهي الشرع، ولم يَثبُت نهي في تسميته برمضان دون إضافة لفظ شهر (٧).
الدليل التاسع: ولأن قولهم: إن (رمضان) من أسماء الله ليس بصحيح، ولم يصح فيه شيء، وأسماء الله تعالى توقيفية لا تُطلَق إلا بدليل صحيح (٨).
أدلة القول الثالث: القائلين بالتفصيل: جواز قول رمضان دون لفظة الشهر، إذا كانت هناك قرينة تدُل على أنه الشهر كصمنا رمضان، والكراهة إذا لم تكن هناك قرينة تدل على أنه الشهر كجاء رمضان.
стр. 64
قالوا: بما أنه قد صح تسمية شهر رمضان دون إضافة لفظة (شهر) في أحاديث كثيرة، وجاء النهي عن تسمية الشهر برمضان دون لفظة شهر؛ لأنه من أسماء الله الحسنى، فجمعا بين الأدلة: نحمل النهي على ما إذا لم تدل القرينة على أنه الشهر، كقولك: أتى رمضان، وجاء رمضان، فالإتيان والمجيء يَصدُق على الشهر وعلى غيره، فيُكرَه لوجود اللَبس. أما إذا دلت القرينة على أنه الشهر، كقولك: صمنا رمضان، وقمنا رمضان، فلا يُكره؛ لوضوح المعنى (١).
الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الثاني: أنه يجوز قول رمضان دون لفظة الشهر، بقرينة وبغير قرينة؛ وذلك لما يلي:
أولا: لأن النصوص جاءت عن النبي ﷺ صحيحة صريحة في جواز تسمية شهر الصيام (رمضان) دون إضافة لفظ شهر، ولم تُفرِّق النصوص بين ما دلت عليه القرينة وما لم تدل عليه (٢).
ثانيا: ولأن الآية التي استدل بها أصحاب القول الأول، لا دلالة فيها على المنع من قول رمضان دون إضافة كلمة شهر.
وإنما معنى الآية الذي دلت عليه هو: إما أن يكون الإخبار عن شهر رمضان، أنه هو الأيام المعدودات، وذلك على قراءة الرفع (٣) في لفظة شهر، أو يكون أمرا بصيام شهر رمضان، على قراءة النصب (٤) في لفظة شهر (٥).
وقد ذكر الطاهر بن عاشور (٦) كلاما نفيسا في سبب إضافة لفظ الشهر إلى رمضان في الآية، فقال: "وإنما أضيف لفظ الشهر إلى رمضان في هذه الآية -مع أن
стр. 65
الإيجاز المطلوب لهم يتقضي عدم ذكره-: إما لأنه الأشهر في فصيح كلامهم، وإما للدلالة على استيعاب جميع أيامه بالصوم؛ لأنه لو قال رمضان لكان (ظاهرا لا نصا) (١)، لا سيما مع تقدم قوله: ﴿أياما﴾ فيتوهم السامعون أنها أيام من رمضان" (٢).
ثالثا: ولأن الأحاديث التي استدلوا بها على المنع شديدة الضعف، ولا يصلح الاحتجاج بها لإثبات حكم الكراهة (٣).
رابعا: ولأن أسماء الله الحسنى توقيفية لا تثبت إلا بدليل صحيح. ولذلك حكم العلماء بأن اسم رمضان ليس من أسماء الله الحسنى؛ لأنه لم يرد إلا من هذه الطرق الواهية (٤).
قال أبو بكر ابن العربي (٥): "وهذا ضعيف سندا ومعنى (٦): أما طريقه فلم يصح، وأما معناه فساقط لقول النبي ﷺ : «إذا جاء رمضان» وقوله: «إذا دخل رمضان» وهذا يدل على أنه اسم من أسماء الشهر، وقد كانت العرب تسميه في الجاهلية، قبل أن يأتي الشرع بأسماء الله وصفاته, وهذا بين في بابه" (٧).
خامسا: ولأن الكراهة حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل صحيح صريح (٨).
стр. 66
سادسا: ولأن الجمع بين النصوص وإعمالها كلها -عند توهم التعارض بينها-، يكون عند تساويها في الثبوت والصحة (١).
أما أن نجمع بين نصوص صحيحة صريحة وبين نصوص ضعيفة واهية فلا. فتبين أن قول الجمهور هو القول الراجح إن شاء الله.
стр. 67
المطلب الثاني: اعتبار اختلاف المطالع .
اختيار الشيخ: اختار القول باعتبار اختلاف المطالع، فقال: "قلت: لا مَناص من اعتبار اختلاف المطالع (١) في باب الصوم أيضا" (٢).
تحرير محل الخلاف: اتفق الفقهاء على أنه يجب صوم رمضان برؤية الهلال (٣)، لقوله ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» (٤).
واتفقوا أيضا على أن خليفة المسلمين إذا أصدر أمرا بثبوت رؤية الهلال، فحَكَم بأن الغد من رمضان أو من شوال، -وكان يرى أن لا عبرة باختلاف المطالع في اجتهاده، ونقل أمره هذا إلى جميع الأقطار الإسلامية الخاضعة لولايته-، وجب الامتثال لأمره؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخِلاف (٥)(٦).
وإن اختلاف مطالع الأهلة من الأمور التي علمت بالضرورة حِسّا وعقلا، ولم يخالف فيها أحد، وإنما وقع الاختلاف بين علماء المسلمين في اعتبار اختلاف المطالع من عدمه (٧).
واختلفوا لو تمت رؤيته في بلد، هل يلزم جميع البلاد الصوم بتلك الرؤية أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا عبرة باختلاف المطالع؛ فإذا رؤي الهلال في بلد إسلامي في المشرق وجب على جميع البلدان الإسلامية الصوم برؤيتهم ولو كانوا في أقصى المغرب وأهله لم يروه.
стр. 68
وبه قال: الحنفية في (ظاهر المذهب) (١)(٢) , والمالكية في (المشهور) (٣)(٤)، والليث ابن سعد (٥)(٦)، والشافعية في قول (٧)، والحنابلة (٨).
القول الثاني: العبرة باختلاف المطالع؛ حيث إنّه يعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم ولا يلزمهم رؤية غيرهم.
وهو رواية عن: الإمام مالك (٩)(١٠) , ووجه عند الشافعية (١١).
стр. 69
وهو اختيار: الزَّيْلَعي (١) من الحنفية (٢)، وإسحاق بن راهَوِيْه (٣)(٤)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثالث: إن كانت المسافة بين البلدين متقاربة لا تختلف المطالع لأجلها فحكمها حكم بلد واحد؛ فإذا رؤي الهلال في أحدهما وجب على أهل البلد الآخر الصيام، وإن تباعدا في المسافة لم يجب الصوم على أهل البلد الآخر.
وبه قال الشافعية في المعتمد عندهم في المذهب (٥).
سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم: هو تعارض الأثر والنظر. أما النظر: فهو أن البلاد إذا لم تختلف مطالعها كل الاختلاف فيجب أن يحمل بعضها على بعض؛ لأنها في قياس الأفق الواحد. وأما الأثر: فحديث ابن عباس الذي سيأتي في أدلة القول الثاني والثالث (٦).
أدلة القول الأول: القائلين بأنه لا عبرة باختلاف المطالع.
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٧).
стр. 70
وجه الاستدلال من الآية الكريمة: اتفق المسلمون على معنى الآية في اعتبار رؤية الهلال سببا في إيجاب صوم رمضان؛ فدل ذلك على أن رؤية الهلال هي شهود الشهر (١).
وبما أن رؤية الهلال قد ثبتت بشهادة الثّقات، وجب الصيام على جميع المسلمين (٢)؛ لأن العبرة بثبوت الشهر نفسه من أي مطلع كان؛ وذلك لأن الشارع أناط عموم الحكم -وهو وجوب الصوم- بثبوت الشهر نفسه، بشرط العلم به، وأن يكون من شهد الشهر بالغا عاقلا صحيحا مقيما (٣).
الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليْكم (٤) فاقْدُرُوا له (٥)» (٦).
الدليل الثالث: وعنه أيضا عن النبي ﷺ أنه ذكر رمضان فقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له» (٧).
الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵃ أنّ رسول الله ﷺ قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمِّيَ (٨) عليكم فأكملوا العدد» (٩).
стр. 71
وجه الاستدلال من الأحاديث: أن الخطاب عام، وقد علق بمطلق الرؤية في قوله ﷺ : «حتى تروا»، و «لرؤيته» فإذا ثبتت الرؤية من قوم فإنه يَصْدُق اسم الرؤية، فثبت ما تُعُلِّق به من عموم الحكم، فيعم الوجوب جميع المسلمين (١).
ومن المقرر أصوليا أنّ: (المطلق) (٢) يجرى على إطلاقه ما لم يقم دليل التقييد (٣).
الدليل الخامس: عن أبي عُمَير بن أنس (٤) قال: حدثني عمومتي من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: أُغْمِيَ علينا هلال شوال فأصبحنا صياما، فجاء ركَبْ (٥) من آخر النهار, فشهدوا عند النبي ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس، «فأمرهم رسول الله ﷺ أن يفطروا، وأن يخرجوا إلى عيدهم من الغد» (٦).
стр. 72
الدليل السادس: عن رِبْعي بن حِراش (١)، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: اختلف الناس في آخر يوم من رمضان، فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي ﷺ لأهلاّ الهلال (٢) أمس عشيّة (٣)، «فأمر النبي ﷺ أن يفطروا» (٤).
وجه الاستدلال من الحديثين: أن هؤلاء القوم الذين أخذ النبي ﷺ برؤيتهم قد رأوا الهلال في غير المدينة، وبينهم وبينها نحو من يومين؛ لأنّ شهادتهم كانت آخر النهار، والمطالع قد تختلف في الأمكنة المتقاربة (٥).
الدليل السابع: قياس (٦) البلدان البعيدة على الضواحي والمدن القريبة من بلد الرؤية لعدم وجود دليل على اختصاص كل منهما بحكم، فالبيّنة العادلة ممثلة بشهادة الثقات قد أثبتت رؤية الهلال، فوجب الصيام؛ كما في حالة تقارب البلدان (٧).
أدلة القول الثاني: القائلين باعتبار اختلاف المطالع.
стр. 73
الدليل الأول: عن كُرَيْب (١) أن أم الفَضْل بنت الحارث (٢) بعثته إلى معاوية (٣) ﵄ بالشام (٤)،
فقال: قَدِمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس ﵁، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا، وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: «لا هكذا أمرنا رسول الله ﷺ » (٥).
وجه الاستدلال من الحديث: أنّ ابن عبّاس ﵄ لم يعمل برؤية أهل الشّام وقال في آخر الحديث: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ، فدلّ ذلك على أنّه قد حفظ من رسول الله ﷺ أنّه لا يلزم أهل بلد العمل برؤية أهل بلد آخر (٦)، فلأهل الشام رؤيتهم، ولأهل المدينة رؤيتهم.
стр. 74
الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمّ عليكم فاقدروا له» (١).
الدليل الثالث: وعنه أيضا عن النبي ﷺ ؛ أنه ذكر رمضان فقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم فاقدروا له» (٢).
الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمّي عليكم فأكملوا العدد» (٣).
وجه الاستدلال من الأحاديث: أن رسول الله ﷺ علّق صيام رمضان على رؤية أناس مخصوصين وهم أهل البلد الذين رأوا الهلال، وبما أن أهل البلد الآخر لم يروه فلا يلزمهم الصيام (٤).
الدليل الخامس: استدلوا بفعل الصحابة الكرام؛ لأنه لم ينقل عن أحد من الخلفاء الراشدين ﵃ أنهم كانوا يكتبون إلى الآفاق إذا رأوا الهلال، ولو كانت الرؤية تلزم أهل الآفاق الأخرى بالصوم لكتبوا إليهم. فدل ذلك على عدم لزوم الصوم على أهل بلد لم يروا الهلال، ولو كان ذلك لازما لبلغوهم؛ إذ لا يتصور إهمالهم لأمور الدين (٥).
الدليل السادس: القياس على اختلاف مطالع الشمس المنوط به اختلاف مواقيت الصلاة، فهي معتبرة شرعا، ومنعقد عليها بالإجماع، فلما كان لكل بلد شروقه وغروبه، وظهره وعصره تبعا لاختلاف مطالع الشمس، وجب أن يكون لكل بلد صيامهم، تبعا لاختلاف مطلع الهلال عندهم (٦).
стр. 75
القول الثالث: القائلين بأنه إن كانت المسافة بين البلدين متقاربة لا تختلف المطالع لأجلها فحكمها حكم بلد واحد؛ فإذا رؤي الهلال في أحدهما وجب على أهل البلد الآخر الصيام، وإن تباعدا في المسافة لم يجب الصوم على أهل البلد الآخر.
الدليل الأول: حديث كريب السابق (١).
وجه الاستدلال من الحديث: أن المسافة بين المدينة والشام قد وجدت فيها مسافة القصر، واختلاف الإقْلِيم (٢)، واختلاف المطالع، واحتمال عدم الرّؤية؛ فلذلك لم يلتزم ابن عباس برؤية أهل الشام (٣).
الدليل الثاني: حديث: أغمي علينا هلال شوال فأصبحنا صياما، فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يفطروا ثم يخرجوا لعيدهم من الغد (٤).
وجه الاستدلال: أن الركب الذين شهدوا برؤية الهلال جاءوا آخر النهار، وقد كانوا رأوا الهلال بالأمس، ومع هذا فإن النبي ﷺ قد اعتبر رؤيتهم؛ وذلك لاتحاد المطلع.
الدليل الثالث: لأنّ مطلع الذين رأوا الهلال هو نفسه مطلع الذين لم يروه، وإنما لم يره هؤلاء إما لتقصيرهم في التَّأَمُّل، أو لعارض، بخلاف مختلفي المطلع (٥).
الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: عدم اعتبار اختلاف المطالع في ثبوت بدء الصوم وإن تباعدت البلدان، شريطة أن تكون الأقاليم والبلدان مشتركة في جزء من ليلة الرؤية.
وسبب ترجيح هذا القول: قوة أدلته، ودقة وجوه الاستدلال بها، ولتعليق الشارع الكريم عموم الحكم بمطلق الرؤية.